 أقلام حرة

قصة المرشح علاوي قصة احتقار شعب وتضييق حصار

صائب خليلانتهت أخيرا قصة المرشح محمد علاوي بلا نتائج.... ولكن ليس بلا دلالات.. واهم تلك الدلالات ارتفاع منسوب احتقار الساسة للشعب، بشكل لم يسبق له مثيل في عراق ما بعد الاحتلال! احتقار صريح وصلف، متعدد الوجوه والأشكال والتعابير!

اول تعابيره وأشدها وضوحاً، كان ان المرشح علاوي، قدم نفسه من خلال برنامجه، كممثل للقطاع الخاص وليس الشعب. كل وعوده كانت للقطاع الخاص والشركات وكأنه يعتبرهم هم من يقبل ويرفض، فيقدم لهم الوعود المجزية حتى وصلت حد التملق المثير لشبهة صاحبه.

من كان قبل علاوي، تملق أيضا للقطاع الخاص، ولكن بشكل غير مباشر. كان من جاء قبله، يعد بتنمية الصناعة مثلا، ويضيف وعداً بإعطاء القطاع الخاص "فرصة" وتسهيلات ليلعب دوراً في تنمية الصناعة تلك، اما علاوي، فيضع خدمة "القطاع الخاص" اعلى من التنمية أو في اقل التقديرات بقدر أهميتها. ففي تبويبه لأهدافه هناك باب اسمه "الصناعة وتنمية القطاع الخاص"! ويعد فيه بتنفيذ هدفين هما: أولاً. توسيع دور “القطاع الصناعي الخاص” وإعطائه “الدور الرئيس” لقيادة النشاط الصناعي ودعمه مالياً وتشريعياً!

والهدف الثاني هو: إعادة النظر بالسياسة المتبعة في “قطاع الاستثمار” وتشجيعه، “ومنح المستثمرين العراقيين امتيازات إضافية” .. والعمل على “جذب الاستثمار الخارجي”.!

أين الوطن؟ اين الشعب؟ اين التنمية؟ بل اين الصناعة نفسها التي غرقت بين الأسماء الحسني للإله الجديد: القطاع الخاص"؟

 

الاحتقار الثاني للشعب، هو ان احداً من ممثلي الشعب – البرلمان، لم يحتج على هذا الخطاب، ولو من قبل رد العتب. ممثلو الشعب احتقروه ايضاً وصاروا من عبدة "القطاع الخاص" والشركات، وبشكل علني. الجميع متفق كما يبدو، ان من يعين الحكومات هو "القطاع الخاص" ومن يقف وراء فرض القطاع الخاص على البلد. وأن هذا الأمر يشمل الجميع بلا استثناء: عرب وكرد.. محور مقاومة ومحور انبطاح، إسلاميين وعلمانيين.. إنما اشد من احتقر الشعب في هذا الأمر هم بلا شك.. الشيوعيون!! أعضاء الحزبين، الشيوعي العراقي والكردستاني، اللذان يصران على الضحك على الناس بالإسم، مع احتقار كامل وتام وعلني لكل ما تحمله الكلمة من معان. هذه الجهات المنافقة، يفترض ان تقيم الدنيا ولا تقعدها على مثل هذا البرنامج.. لكن.. لكنه احتقار للذات بالنسبة لهؤلاء قبل احتقار الشعب.

الاحتقار الثالث للشعب في سالوفة علاوي، هو احتقار علاوي والطبقة السياسية كلها بلا استثناء، للناس الغاضبين من المحاصصة وتقاسم الغنائم، وهو بشكل خاص احتقار للتظاهرات وداعميها! لأن ما جرى الصراع عليه من مناقشة وخلاف وقبول ورفض، كان يتعلق فقط بـ : ألحصص! يعني "محاصصة"! .. "أحزاب"! كل ما تدعي التظاهرات انها "ارهبت" الطبقة السياسية وردعتها عنه! كل الساسة والنواب أبدوا حججهم فيما يتعلق بالأشخاص الذين قدمهم علاوي، ولا أذكر احداً برر اعتراضه على انه يتعلق بـ "البرنامج"، إلا واحداً من الذين قرأتهم. كتب انه يرفض التصويت لعلاوي لأن برنامجه لم يتضمن موعداً للانتخابات ولا وعد بمحاسبة قتلة شهداء الانتفاضة! ويبدو ان هذا الواحد الذي تحدث عن البرنامج، لم يكن قد قرأه أصلا! فالبرنامج يحتوي بالفعل على موعد يطالب به المفوضية للانتخابات، وعلى وعد بمحاسبة قتلة شهداء الانتفاضة!

لذلك فهذا النائب يحتقر الناس باستغفالهم وثقته بأنهم لم يقرأوا البرنامج، او ربما لم يقرأه هو أصلا!

 

الاحتقار العام الشامل، هو ان الكتل السياسية لم تعلن سبب اعتراض محدد على الكابينة. لم تقل نعترض على فلان لأنه كذا! لقد منعوا تشكيل حكومة وتركوا البلد في الضياع، دون ان يحرصوا على تقديم سبب محدد معلن! والناس تركتهم يفعلون ذلك، ويعيثون فساداً في بلادهم لأسباب شخصية حول حصصهم من الغنيمة، دون ان يعترض أحد من هؤلاء الناس!

وهكذا فأن الصراع الذي جرى كان صراعاً علنياً شديد الوضوح، همه الوحيد هو المحاصصة، ونيته المعلنة الفساد والربح وتحطيم اقتصاد البلد وتقليل فرص العمل وتسليم مستقبل البلد للاحتلال ولصندوق النقد الدولي. وإن تذكرنا ان التظاهرات كانت تهدف الى عكس هذه الأهداف بالذات، نستنتج من هذا ان علاوي وكل الطبقة السياسية، رغم تملقهم الواضح للمتظاهرين وحرصهم على لعب دور الداعم الحريص لهم، وجهوا شديد احتقارهم إلى التظاهرات والمتظاهرين، واعتبروهم مجموعة من المغفلين الغاضبين، يمكن نفخ غرورها بوعد باستشارتهم وبمحاسبة قتلة شهدائهم، ولن ينتبهوا الى أن البلد سيوجه بالضبط بالعكس من مطالبهم!

أما الاحتقار الأكثر صلافة وإثارة للشعور بالأسف والحزن، فهو من نصيب جماهير محور "المقاومة" واحتقار المقاومة ذاتها لنفسها! فلم نسمع بأي احتجاج شديد على التجاهل التام لقرار مجلس النواب الذي لم يعرف قراراً له، حصل على تأييد شعبي مثله! وإن كان نواب هذا الشعب المسكين مصرين على احتقار ارادته، فلماذا لم يحترموا ارادتهم هم وقرارهم هم؟ اما مقتدى الذي لا يهمه ان يخدع جمهوره كل مرة، فقد خسر الفرصة لاستعادة مصداقيته التي فقدها بعشر سنوات من القنابل الصوتية، واثبت مرة أخرى انه "مزعطة" في أحسن الأحوال، وغير صادق فيما يقول.

من تجاملون بهذا الموقف الذليل والرخيص؟ نستطيع ان نفهم جهلكم الشديد بتأثير البرنامج الاقتصادي الأمريكي المسمى القطاع الخاص والمدمر لبلدكم، ونتوقع ان لديكم اطماعكم الخاصة للثروة الفاسدة التي يوفرها، لكن لا نستطيع ان نفهم هذه البلادة في التعامل حتى مع قراراتكم، وكيف تأملون البقاء على قيد الحياة كمقاومين، وأنتم بهذا الضياع؟

وإن كنتم قد اعترضتم بالفعل على تجاهل هذا القرار، فلماذا لم نسمع بذلك؟ لماذا سمعنا كل المحتالين وهم يحتجون على عدم مقاسمتهم الوزارة ولم نسمع صوتاً يقول أين قرار مجلس النواب بطرد القوات الأجنبية؟

على المقاومة ان تعلم وتتعلم ان لا حياة لها بدون حماية جماهيرها لها، وتواصلها معها، ومصارحتها لها وكشف كل شيء لها. عليها ان تتعلم ان عليها ان تتعامل مع جماهيرها بشكل يختلف عن تعامل بقية الجهات مع جماهيرها، فهم، دون غيرهم، الباحثون عن الوطن الحقيقي، والمعرضون للخطر الحقيقي، وأملهم الوحيد هو بحماية الجماهير لهم.

وعلى هذه الجماهير ان تتعلم الصلابة والقسوة في تعاملها مع قادتها. صلابة وقسوة لا تعرفها بقية الجماهير القطيعية المطيعة التي لا تسأل ولا تحاسب. إن في منهجكم من الصعوبة ما ليس في مناهج الآخرين، وعليكم ان تتسموا بقسوة على النفس وعلى القيادات، فوق ما هو مفروض على الآخرين.

وعلى المقاومة وجماهيرها معا، ان تقرأ شيئا عن الاقتصاد وتجارب البلدان الآخرى. عليها ان تتمكن من الاستدلال على اعدائها، ليس فقط من مواقفهم المعلنة مع الاحتلال او من رواتب الحشد، وانما أيضا من مواقفهم الاقتصادية. تساءلوا: لماذا يصر الاحتلال في كل بلدان العالم على الخصخصة والقطاع الخاص؟ لماذا يصر صندوق النقد الدولي المدان بتحطيم بلدان عديدة، على تقليل ورفع الدعم عن المواد الأساسية والفقراء؟ أي طبقات المجتمع ترتبط مصالحها بالاحتلال وتتمسك به ويتقوى بها؟ ما الذي حدث لمصر مثلا عندما غرقت في الخصخصة وديون البنك الدولي ورضخت لشروطه التي يعد علاوي صراحة "الانسجام" معها؟ يجب ان تعرفوا عدوكم من علاماته الاقتصادية المميزة، فهذه لا يسهل إخفاءها أو تمويهها!

إنه تحول يتطلب بلا شك جهودا ووقتاً إضافيين، لكن المعلومات متوفرة وبأشكال مختلفة، مكتوبة ومرئية ومسموعة، إنما يجب الحذر في الاختيار بين مصادرها، فلا مفر من ذلك لمن يريد البقاء في هذا العالم الصعب. انه تحد كبير وجديد، وكلما تأخر المرء في ادراكه، صار أصعب وأكثر استحالة. إنهم يعملون بهمة لإغلاق المنافذ على فرائسهم، والشباك الذي كان أمس مفتوحاً لو اننا انتبهنا، مازال نصف مفتوح اليوم، وسيكون مغلقاً غداً إن لم نسارع.

 

صائب خليل

................................

محمد علاوي يقدم أوراق اعتماده كشركة للقطاع الخاص والاحتلال

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2949519131771803

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4928 المصادف: 2020-03-03 01:36:39