 أقلام حرة

اعتداءاتهم جعلت طردهم أسهل وأوجب ويجب عدم إضاعة الفرصة

صائب خليلرغم محاولات الترهيب الأمريكية للعراقيين بجرائم العنف المتكررة، فأن الحقيقة المنطقية هي انه كلما زادت الاعتداءات كلما هيئت الظروف بشكل أفضل للعراق، وصار طرد القوات الأجنبية أسهل وأكثر أماناً، إضافة الى انها أكثر وجوباً، حفاظاً على الكرامة وأمن البلد. ولا يوجد أي التباس في تحديد المعتدي، كما قد يصور الاعلام الأمريكي، فالأمريكان كان بإمكانهم ان يحترموا رغبة العراقيين المتمثلة بقرار نيابي تم اتخاذه بشكل حضاري، وابداء استعدادهم لترك البلاد. اما وقد أعلنوا احتقارهم لإرادة الشعب المتمثلة بالقرار وأكبر تظاهرة شعبية عرفتها البلاد، فهو لم يترك خياراً سوى المقاومة، بل هو بحد ذاته اعتداء يجعل من أي ضربة عراقية، عملية دفاع عن النفس وعن البلد بوجه احتلال صريح (للمزيد عن تعريف الاعتداء انظر هنا: (1) )

لماذا يكون الأمر أسهل مع الاعتداءات؟

علينا أولاً ان نحدد ما هو "الأسهل" و"الأصعب". طبيعي ان الإدارة الامريكية، ومن يقف وراءها في إسرائيل، لن يعجبها الأمر ابداً ولن يناسب مخططاتها لتدمير العراق، أي خفض في امكانياتها لتنفيذ ذلك، وستقاومه في كل الأحوال بكل ما تستطيع. لكن حتى هذه القوة الغاشمة، تحتاج "الظروف" السياسية المناسبة لتفرض قراراتها، سواء بالبقاء جاثمة على ارض البلاد المحتلة او بالانتقام من إخراجها منها. فهذه الظروف هي التي تقرر إن كان القرار بالخروج او رفضه رابحا أم خاسرا، وتقرر أيضاً مدى قدرة هذه الجهات العدوانية على تنفيذ رفض الخروج أو الإنتقام.

ماهي الظروف التي يحتاجها العدوان الأمريكي للبقاء أو الانتقام؟

إنها الظروف التي تساعده على "حشد" الدعم لمشروعه. وهذا الحشد للمشروع يتكون من جزئين: خارجي وداخلي. حشد الدعم الخارجي يتمثل بإقناع الدول الأخرى للوقوف مع اميركا في رفضها للخروج أو سعيها للانتقام لإخراجها من العراق، او على الأقل تفهمها لموقف الإدارة الأمريكية، وعدم الاعتراض عليه. ومن الطبيعي فأن هذا يكون أصعب كثيراً حينما تكون الولايات المتحدة هي المبادرة بالعدوان والقتل والاغتيال، ويحكمها رئيس معروف بأنه شخص معتوه، كما هو الحال الآن.

هل تحتاج أميركا حقاً الى "ظروف مناسبة" لعدوانها؟

نعم، بالرغم من أن اميركا لم تتورع عن غزو العراق رغم عدم وجود قرار أممي يسمح لها بذلك مثلا. العمل بدون تحشيد صعب ومكلف، حتى على اميركا، والدليل على ذلك انها تلجأ دائما الى الكذب من اجل الحصول على الحجج التي تتيح لها الحصول على الحشد الخارجي والداخلي. كلنا نذكر كولن بأول يرفع بيده زجاجة "انثيراكس" كاذبة  لإقناع العالم بدعم الغزو الأمريكي على العراق. ونذكر دموع التماسيح لـ "نيرة" مرتين في الكونغرس الأمريكي، لإقناعهم بإعلان الحرب لتحرير الكويت. والحقيقة انه لا يكاد يكون هناك عدوان أميركي لم تسبقه حملة أكاذيب من أجل حشد الدعم الخارجي والداخلي.

وباعتبار وضع ترمب، فسوف يفسر أي تحرك على انه محاولة لإنقاذ سمعته الشخصية المتهرئة وإعادة انتخابه. ولن يفوت الحزب الديمقراطي استغلال الفرصة لتحشيد شعبي ضده. ولا ننسى ان الكونغرس أصدر قرارا قبل فترة قصيرة ينهي بها تخويل الرئيس بشن الحرب في المنطقة دون الرجوع للكونغرس، ثم عاد قبل أيام وأصدر قراراً يحدد من قدرة الرئيس على شن حرب على إيران.

ولماذا لن تكتفي اميركا بكذبة أخرى تبرر بقاءها او انتقامها؟

ستفعل بالتأكيد، لكن هناك فرق بين ان يكون لديك كذب، وهو "حبل قصير" أو لديك حقيقة تتحجج بها. الكذب فيه دائما مخاطرة بالانكشاف وتحميل المسؤولية. الدعوات لمحاكمة بلير وبوش وعصابته لم تكن امراً هيناً عليهما، وظلت تلاحقهما بعد انتهاء ولايتهما وحتى اليوم. فيجب ان نتذكر أيضا ان هناك دائما معارضة لاتجاه الشر هذا في اميركا وفي داخل دول حلفائها الأوروبيين. ورغم ضعف هذه المعارضة النسبي، الا انها يمكن ان تلعب دوراً مهما في حال تزويدها بحقائق تستند اليها في معارضة توجه الإدارة الامريكية. ومن تلك الحقائق الثابتة التي لا يمكن انكارها بالنسبة لهذا الموضوع، قرار مجلس النواب بإخراج القوات الأجنبية، والتظاهرة العظيمة التي هزت بغداد مطالبة بذلك!

ماذا عن الظرف العراقي؟

من المؤكد أن الوضع في العراق بشكل عام، ليس جيداً. فالوضع الاقتصادي حساس للضغوط والوضع السياسي والأمني والعسكري تحت السيطرة الامريكية، وهذا نتيجة تساهل الناس بوضع أميركا لعملائها على قيادات البلد للسنوات الماضية والتأخر في الإحساس بالخطر. لكن بقاء الأمريكان سيزيد الوضع سوءاً والعراق ضعفاً، ومن المحتمل جداً انهم لن يسمحوا له أن يكون أفضل وأكثر قدرة على خلع هذه نير هذه القواعد عن كتفه في المستقبل. من الناحية الأخرى الإيجابية، هناك توحد في الشارع العراقي ضد هذه القواعد بفضل تلك الاعتداءات المتكررة، لا يمكن توقع ان يكون أفضل مما هو عليه الآن، رغم كل المظاهر العكسية التي يتم تضخيمها، ولا ادل على هذا أكثر من التظاهرة العظيمة، كما بينت في مقال سابق بعنوان " هل الوقت مناسب لإنهاء القواعد الامريكية؟ " بجزئين(2) (3)

ونلاحظ انتشار حملة إعلامية تدعي الخوف على "ولد الخايبة" من نتائج اغضاب اميركا، لكننا لم نلاحظ أي غضب من حملة ذلك الشعار من اميركا حين تقتل "ولد الخايبة" بكل برود دم وبلا تمييز، وهو ما يكشف زيف تلك العواطف ومشبوهية شعارها. وطبيعي انه لن يخل أي شعب من عديمي الكرامة، حتى الشعب الفيتنامي الأسطوري، فلا يجب انتظار حالة مثالية توحد الجميع.

من الناحية الأخرى فأن الاعتداءات الامريكية قوت الجانب المطالب بإبعاد قواتها وجعلته أكثر جرأة وقوة حجة، وجعلت اتباعها في السياسة ضعفاء يحاولون التخفي والتحجج والتظاهر بالرفض لموقفها. وحين تقرأ تصريح رئيس مجلس البرلمان، وهو تابع امريكي قد لا يقل في تبعيته عن عادل عبد المهدي، كما شاهدناه عشية اصدار قرار مجلس النواب، لكنه لا يجد بداً من وضع بعض العبارات القوية في رفضه لهذا الاعتداء.

الانكفاء رسالة خذلان وكسرة للشعب لن يمكن اصلاحها

من ناحية أخرى فان الانكفاء عن عمل شيء وإخراج القوات بأية طريقة ممكنة، ستوجه رسالة خذلان شديدة وكسر لكرامة الشعب، قد لا يسهل مداواتها مستقبلا ابدا. فإن لم يكن ممكنا اخراج الامريكان بعد كل تلك الاعتداءات وتلك الظروف المناسبة، فلن يسهل اقناع الشارع العراقي بضرورة ذلك مستقبلا وتحريكه من أجل انجاز استقلاله.

الاعتداءات تحتوي دائما عنصر معرفي لتطوير فهم المعتدي للمقابل والقدرة على توقع ردود افعاله مستقبلا. في البداية كانت الولايات المتحدة تنكر الاعتداءات على الجيش والحشد، او تدعي انها بالخطأ. وحين نجحت تلك الاختبارات ومرت بدون رد فعل يستحق الذكر، طور الامريكان اعتداءاتهم لتكون في زمن عميلهم عبد المهدي علنية صريحة، وتتجاهل قرارات مجلس النواب بلا تردد وبسخرية. واخيراً في زمن اللاحكومة، الذي وفرته التظاهرات، فإنها لم تكتف بقصف أهدافها "الإرهابية" بل مددت ذلك لتشمل الجيش والشرطة واضيف اليها هدف يبدو ان الغرض الوحيد من قصفه كان الاختبار والتحدي، هو مطار مدني اعتيادي! وتم كل ذلك بشكل صريح لا مناورة فيه ولا مداراة، وكأن الأمريكي يقول: ها انذا اهينكم بأشد ما تكون الإهانة.. فاركبوا اعلى خيلكم! وهو ينتظر رد الفعل على اختباره هذا. ويبدو ان الغرض من اختباره هو أنه ان نجح في تمرير هذه الجريمة بلا عقاب، فسوف يمكنه القيام بأية جريمة تروق له دون ان يقلق من رد فعل، مطمئناً ان احداً لن يجرؤ أحد في المستقبل على ان يفتح فمه مهما فعلوا ومهما قتلوا.

هل نجح الاختبار؟ حتى الآن كانت ردود أفعال الساسة خارج المقاومة، وكذلك القادة الدينيين مخيبة للأمل في ضعف صياغتها، وتؤكد نجاحه. لكن هؤلاء جميعا سوف يندمون عندما يكتشفون ان هذا الموقف لم يكن له أثر في التهدئة بل العكس، كان عبارة عن دعوة للمزيد من العدوان والاحتقار، وفوق ما كانوا يأملون. بل حتى توابع الاحتلال من التيار المدني وجماعة الحكيم ولملوم قادة السنة سوف يندمون على موقفهم متأخرين، حين يجدون ان اسيادهم يهدفون الى تدمير أكبر بكثير مما كانوا يتخيلون.

ما العمل؟

لذلك على الجبهة التي تسعى لطرد القوات الأجنبية ان تبذل، إضافة الى جهادها لطرد الاحتلال بكل الطرق، جهوداً كبيرة جدا بالتواصل مع الاعلام الغربي الشريف وتثبيت الحقائق التي تثبت كراهية الشعب للاحتلال وأن البلد قادر على دحر داعش لوحده. ولقد وجهت لوماً شديداً الى الحشد لعدم نشره لفيديوات يمتلكها تثبت تورط الامريكان بدعم داعش، ولو انهم فعلوا لكانت تلك قاعدة يستندون اليها اليوم بقوة في الاعلام الغربي المعادي للعدوان. إن كان مازال بالإمكان نشر تلك الفيديوات فالمتأخر خير ممن لا يأتي ابداً. يجب دعم الإعلام بوضع قائمة بالصحفيين الشرفاء في الغرب وتأمين الاتصال بهم، إضافة الى بذل جهود كبيرة في الترجمة.

يجب ان يتم التركيز ايضاً على أن العدوان الأمريكي، لم يكن فقط على الحشد، وانما على الجيش والشرطة وعلى المنشآت المدنية. يجب وقف هذا الإهمال للإعلام وتأثيره، فهو عبارة عن منظومة حماية أساسية لا تقل أهمية عن منظومة باتريوت او أس 400، في دورهما في منع وصول العدوان إلى أهدافه.

كذلك يجب نشر تلك الحقائق المهمة في الداخل أيضا قدر الإمكان لإسكات الأصوات النشاز القبيحة في الداخل، والمستعدة لأحط المواقف المدمرة والمهينة، من اجل إرضاء مشاعرها ومخاوفها، فتكسير الدعم داخل العراق لمثل هذا البقاء العسكري الأمريكي مهم هو الآخر. كذلك يجب احراج التيارات ومختلف القوى السياسية والمراكز الدينية لتتخذ موقفا أوضح واقوى صياغة من العدوان، وان تقف مع الشعب بوضوح.

الظرف الأمريكي غير مناسب لفرض ارادته وقواته على العراق، ومناسب جداً لطردهم. ولعل هذه الحقيقة هي السبب الحقيقي وراء الحملة الإرهابية الإعلامية للشعب العراقي، ومشاركة ساسة الكرد وبقية توابع الأمريكان المعروفين سنة وشيعة بحماس فيها. انهم يدركون أن إمكانية الطرد ممكنة جداً والفرصة مواتية وأن اميركا لا تملك الكثير ضدها، فيجب ردع الناس بنشر الخوف لتمرير هذه الفرصة. فهم يعلمون انها إن مرت، فسيحرصون ان لا يحصل العراق على مثلها مستقبلا!

أهم من أي شيء ان تحتفظ جبهة الدعوة لإخلاء العراق من القوات الأجنبية بمصداقيتها وبإيمان جمهورها بها وحماسه للعمل معها، واثقاً انه لن يكون هناك أي تراجع عن انجاز هذا الهدف الأساسي لكرامة المواطن، بل، الأساسي حتى لبقاء البلد على قيد الحياة. إن بيد المقاومة اليوم أسلحة مهمة يجب ان تدركها وفرصة كبيرة يجب ان لا تضيعها. والأسلحة هي السند القانوني والشعبي الذي لا يمكن انكاره متمثلا بالقرار النيابي والتظاهرة من جهة، والرفض الرسمي الأمريكي للانصياع لها من الجهة الأخرى(4) والذي يسمح في القانون الدولي لها بكل الطرق لإخراج المحتل من ارضها ويجعل التحشيد الأمريكي ضدها صعباً جداً

.

صائب خليل

..........................

(1) من الذي اعتدى أولاً؟ صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2981124471944602

(2) هل الوقت مناسب لإنهاء القواعد الامريكية؟ - الجزء الأول: ما خطر اميركا وقواعدها على العراق؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/photos/a.350693164987759/2871952212861829

(3) هل الوقت مناسب لإنهاء القواعد الامريكية؟ - الجزء الثاني – نعم ..الآن!

 https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2923732657683784

 (4) U.S. Says It Won’t Discuss Withdrawing Troops From Iraq, Defying Baghdad’s Request.

 https://www.nytimes.com/2020/01/10/world/middleeast/us-troops.html

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4941 المصادف: 2020-03-16 03:36:48