 أقلام حرة

عن مطاوعة الكتابة وتمرّدها

جواد غلوملمن يريد أن يكون كاتبا وهو بعدُ يوشك ان يرتقي العتبة الاولى لأدراج الأدب العالية.. نقول له دعك من هذه المهمة الشاقة والشقية معا، لا تحاول، هناك الكثير من النشاطات غير الكتابية تقول لك رحبا وسعة بك، فلماذا تولج نفسك في زقاق مغلق وتطرق أبوابا محكمة الأقفال وصدئة المفاتيح؟

اذا لم تنطلق الكتابة من داخلك بقوة وتأتيك كالسيل العارم، وترغمك على ان تقول شيئا وتزيحك من مشاغلك الحياتية فلا تكتب واترك هذا السعيّ لمن رهن حياته للكتابة واكتوى بنارها وعرف كيف يداوي لسعاتها وجراحها الموجعة .

إذا لم تخرج الكتابة من قلبك، ومن عقلك، ومن فمك، ومن أعماقك فاعتذر لها دون ان تكتب حرفا .

إذا جلست لساعاتٍ باحثًا عن الكلمات أمام شاشة الكمبيوتر أو تعبث بشخبطات على الورق فاترك الكتابة .

إذا كنت تكتب من أجل المال او طمعا في مكافأة أو ابتغاء الشهرة وكسبا للجاه او الحظوة فاعلم ان المماطلة والمطالبة من اجل المال أشد ما يمقته الناشرون ورعاة الصحافة ورؤساء التحرير وأغلبهم شحةً وبخلاً دون ايّ عطاء، وعليك الاّ تكتب، فهم شحيحون في العطاء والكرم بشكلٍ لا يطاق .

إذا كنت تكتب من أجل إعجاب النساء بك لاستمالتهنّ والإيقاع بهنّ في حبائلك، فاترك قلمك سائبا ولا تشغله بالكتابة. اشترِ عطرا أو قطعة ذهبية يرافقه غزلٌ جميل يكفي لاصطيادهن .

إذا كنت تضطر لترقيع كتاباتك الأولى وضمّها بين دفتي كتاب، وإعادته مرة بعد أخرى لتعيد طباعته ثانية وثالثة فلا تكتب، فمعركتك مع الناشرين تكون خاسرة حتما .

إذا فكرت في الكتابة وظننتها عبئا ثقيلا وهمّاً يضاف الى همومك في الحياة وكدَرا مضاعفا فاعزفْ عن الكتابة .

إذا كنت تحاول الكتابة بطريقة شخص آخر تحبّه او تهدف الى منافسته او حتى الاقتراب منه فاقلع عنها نهائيا . فالقرّاء ليسوا بحاجةٍ الى الظلال .

إذا كان عليك انتظار الكتابة لتخرج مدويّةً منك، هنا عليك ان تتريث دون يأس وتتمهل صابراً فسوف تصلك حتما ولو بعد لأيٍّ طويل .

إذا لم تخرج الكلمات منك بسهولة وصدق وزاد مخاضها الموجع دون نتائج تذكر ....

هنا عليك ان تبحث عن عمل آخر قد يرفع من منزلتك ويزيد أموالك رغدا وبحبوحة عيش دون كتابة .

إذا كان عليك أن تقرأ ما تكتب أولا لزوجتك، أو أصدقائك، أو والديك، أو لأي أحد على الإطلاق

هذا يعني انك لست جاهزا للكتابة لا اليوم ولا في الغد ولا حتى بعد غدٍ .

لا تكن مثل كثير من الكتّاب الذين يستجدون الضوء الأخضر من مقرّبيهم من الأهل والأصدقاء والمعارف .

لا تكن مثل آلاف البشر الذين سمّوا أنفسهم كتّابًا جزافا، دون ان يسميهم القراء ولا المتلقون

لا تكن مثلهم منتفخا متورماً ومتبجحا، وأنانيا وتحشر نفسك في سعيرٍ مما لا طاقة لك به .

مكتبات العالم أضحت مقابر لجثث الكتب الميتة بسبب هؤلاء الكثرة الكاثرة من الكتّاب الكسالى النوّم الغارقين في الأحلام

فلا تضع اسمك معهم ؛ ولماذا تراهن على حصانٍ خاسر ؟

لا تكتب إلا إذا كانت الكتابة تنطلق من روحك مثل وميضٍ بارق . هنا عليك ان تكتب تحت ضوء ذلك الوميض .

لا تكتب إلا إذا كان صمتك عن الكتابة يقودك للجنون، أو الانتحار، أو القتل .

لا تكتب إلا إذا كانت شمس الكلمات تحرقك من الداخل . فالكتابة هنا تمنحك بردا وسلاما وهدأةً

عندما يكون الوقت مناسبًا للكتابة ستختارك هي.. ستكتب نفسها، وسوف تستمر طيّعة معك حتى تموت، أو تموت هي في داخلك .

لا توجد طريقة أخرى للكتابة الجيدة غير هذه، ولن توجد أبدا .

قبل بضعة أيام قرأت خبرا أقنعني حقا .

حين سُئِلَت الكاتبة المجرية المدهشة مؤخراً " أغوتا كريستوف " : لماذا توقفتِ عن الكتابة ؟

 قالت ببساطة : لأنني لا استطيع أن أكتب أفضل مما كتبتُ قبلا , وهو اعتراف نادر الحدوث في عالم الكتابة بكل أنواعها من الرواية والقصة ووصولا إلى الشعر .

وما يقال ان التوقف عن الكتابة يعني الموت في الحياة فهذه ظنون بعيدة جدا عن اليقين .

الاعتزال عن الكتابة قد يصبح تخفيفا للعبء وشعورا بالراحة وقناعة وافية بالسكوت الهانئ لو شعر الكاتب ان لا جديد فيما سيقدمه ؛ وهذه هي الهدأة والسكينة التي يجب على الكاتب ان يقنع بها ويسعد في بحبوحتها دون كتابة .

مخطئ من يهجس ان جزر الكتابة وانطفاء وقدتها وضمورها وشحّة وقودها على تحريك القلم وفقدان الحافز أيا كان معنويا أو ماديا يعني الموت في شخص الكاتب .

أمام هذا الكم الهائل من الكتابات الرثّة والهزيلة والخافتة لم تعد الكتابة قـدَرا لابدّ من الانصياع له سوى لعدد محدود جدا ممن امتهن التجديد في الكتابة الإبداعية .

 لقد تعوّد القارئ في العالم العربي أن يقرأ للكاتب الراسخ (الكبير) ذي الماضي العريق إبداعيا حتى لو وصل مستوى الكتابة لديه درجة متدنية بعد ان أنهك نفسه وجزرت قريحته , وبنفس الوقت استغل الكاتب (الكبير) هذه الثغرة فصدّر إلينا الكثير من الكتب التي لا تستحق القراءة , حتى أساء الكاتب لتاريخه الأدبي وأخذ فرصته وفرصة غيره , وأتعب عمال المطابع معه لكلمات لن تصمد في مواجهة الزمن .

رحم الله كاتبا عرف ثراء قلمه في مرحلة ما من حياته الزاخرة بالتجارب والمعاناة فكتب وأجزل بعطائه الإبداعي مثلما عرف نفسه حين ينطفئ قنديل إبداعه ويخفت صوته ؛ فعزف عن الكتابة وترك قلمه ودواته جانبا بعد ان جفّ سائله وانطفأ مصباحه .

ذلك هو الاعتزال الجميل ولا بأس من انطفاء النور حينما يحين موعد النوم .

 

جواد غلوم

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

أحسنتم استاذ جواد فعلا كثر الضجيج وقل الحجيج

منتهى البدران
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدتي الكريمة الاخت منتهى البدران
سعدت اوقاتك شاكرا مرورك على ما اكتب
مناي ان يرعوي من قصدتهم في مقالتي هذه
وافر اعتزازي

جواد غلوم
This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم أستاذي جواد غلوم مشفوعا بالدعاء لكم بالتوفيق والسداد
ورقة زانتها الأفكار الصادقة الناقدة التي تعبر عن حال أكثر كتابنا العرب، الذين جف القلم في أياديهم نتيجة التراهات والهمروجات والسخافات التي ينشرونها بين القراء، وما هم فيها إلا منتحلو صفة أو حاطبو ليل. والله قرأت وسمعت من الخزعبلات الشيء الكثير الذي يغثي ويغشي الرأس دورانا والنفس حيرة وألما، خاصة حين تجد المديح يرصف كتابات تبجلهم باسم النقد!؟ وتبوؤهم منازل النجوم المضيئة في سماء ليل ديجور!؟ والحقيقة أنهم يظهرون كذلك في مجتمع الجهل. لهذا؛ فالكتابة الأصيلة تأبى أن تزاحم الغثاء على السيل الجارف ... دمتم متألقين

عبد العزيز قريش
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي الغالي عبد العزيز
تحية طيبة وعافية وافرة
غالبا ما يكون الادب والكتابة مرآة للوضع الذي نعيشه
ان هزل الوضع العام سياسيا وثقافيا هزلت الكتابة وانحطت
تبقى هناك استثناءات جد ضئيلة كمن ينبش في النفايات فيجد شيئاثريا ذا قيمة عالية
تقديري واعتزازي بحضورك

جواد غلوم
This comment was minimized by the moderator on the site

معذرة أيها النبيل فقد تأخرتُ عليك ،،
كتب الماغوط يوماً :
في المساء يا أبي
مساء دمشق البارد والموحش كأعماق المحيطات
حيث هذا يبحث عن حانة وآخر عن مأوى
أبحث أنا عن كلمةٍ
عن حرف أصفُّه إزاء حرف
كقطٍّ يموء بحثاً عن قطته
ولكن هل تظنني سعيداً يا أبي ؟
كلا
فقد حاولتُ مراراً وتكراراً
أن أنفض هذا القلم من الحبر
كما يُنفَض الخنجر من الدم
وأرحل عن هذه المدينة ولو على ظهر جدار
ولكنني فشلت
إن قلمي يشم رائحة الحبر
كما يشم الذكر رائحة الأنثى
وما أن يرى صفحة بيضاء
حتى يقف أمامها مرتعشاً كلصٍّ أمام نافذة مفتوحة
فاقتلعني من ذاكرتك يا أبي
فقد أصبح كل شيء مستحيلاً
كإيقاف النزيف بالأصابع
ـــــــ
تقدير ومودة

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

تجيئني يا سامي وانت تحمل معك هذه القصيدة الماغوطية
المدهشة التي أضافت لما كتبتُ ثراءً لا سابق له
احبك ان تأخرت أو أبطأت ففي مجيئك اجمل الهدايا
هناء وابداعا دائما بعيدا عن قلاقل الكورونا

جواد غلوم
This comment was minimized by the moderator on the site

وإذا كنت تكتب لتكسب رضا هذا وذاك …… وإذا كنت تكتب لتكسب من هذا وذاك … وإذا كنت تكتب لتنال وساماً من السلطان … إذا كنت تبحث عن المكاسب في مهنة المتاعب … وإذا كنت … وإذا كنت … إذا كنت كذلك ولا تعرف خير ما تفعل … إسأل الكاتب جواد غلوم

خالد عبد الله
This comment was minimized by the moderator on the site

سلاما استاذ خالد
كثرت هذه المسماة / اذا / غير الجازمة
أظنني وفيت الاجابة يا صديقي العزيز
وافر اعتزازي بوجودك

جواد غلوم
This comment was minimized by the moderator on the site

وافر الشكر للاستجابه … ونبدأ بالعزيزه ، غير الجازمة … إذا انسابت كتابتك الى ذهن المتلقي ، وتركت في النفس ، ( الأثر ) الحسن … وإذا ( الأثر ) يبعث في الاثير ( صداً ) … وإذا …وإذا … فأنت كاتب ينتظر منك المتلقي … المزيد …………… دمتم بخير

خالد عبد الله
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي خالد
طابت اوقاتك هناء ودعة
طوع أمرك سأكتب وأكتب وليس في طباعي التسويف والكسل
قبلاتي تصل اليك ساخنة

جواد غلوم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4944 المصادف: 2020-03-19 01:40:26