 أقلام حرة

تكليف الكاظمي.. وثبتت رؤية الهلال الأمريكي في الحضن الإيراني!

صائب خليلفضيحة ترشيح وتكليف مصطفى الكاظمي، تجعل كل فضائح التاريخ العراقي تبدو صغيرة تافهة امامها، وصدمة تهون امامها كل الصدمات، وخيبة غير مسبوقة ويأس وضياع لا حدود لهما! إنه انتصار لداعش، وضياع لكل الدماء التي سكبها الحشد، وفي ذكرى فتوى الحشد ذاتها! إن من خلق داعش وأطلقها وحماها، هو من خلق الكاظمي من كائن تافه بليد متوحش، ليصنع منه حاكماً للعراق، فهنيئاً لداعش بهذا الانتصار!

لقد رأيت مصطفى الكاظمي لأول مرة يتكلم، في خطاب التكليف، بعد ان سحبته أميركا من مستنقعات المخابرات التي تضع فيها "أسوأ مخلوقاتها". ووجدت كائناً معتوهاً يفتح عينيه كالمدمنين على المخدرات، ويقرأ كلمات التقرير الذي أعدته له السفارة، كلمة كلمة، وبشكل يوحي انه لا يستطيع ان يحزر اين تبدأ الجملة وأين تنتهي، ولا ما الذي تعنيه!(1)

الكاظمي، نصيب العراق في عملية تنصيب الحثالات المتخلفين عقلياً على قيادات العرب، بل الشعوب كلها، بضمنهم الشعب الأمريكي ذاته. الكاظمي سيسي عراقي وشبيه لملوك السعودية غير القادرين على القراءة والكتابة، مهمته، إضافة الى قيادة البلد سياسياً نحو الدمار، أن يقوم بمهمة بث الشعور بالخجل من الذات واحتقارها واليأس من المستقبل. ذات الشعور الذي لا بد ان يسيطر على المصريين وهم يرون السيسي يحكمهم، والروس عندما كان يلتسين يحكمهم، و(المثقفين من) البريطانيين وهم يرون بوريس يحكمهم، و(المثقفين من) الأمريكيين وهم يرون ترمب يحكمهم. 

في هذه اللحظة يدخل العراق أخطر مراحل تاريخه منذ ولد، ومؤشر سقوط فاجع لكل ما هو عراقي. العراق بيد أميركا تماما، وبالتالي بيد قيادتها من تل ابيب، وعلى من يعترض على ذلك ان ينتظر زمناً عسيراً.

هذا على مستوى العراق و "مقاومته" الكارثية، أما على مستوى إيران فالكاظمي المؤيد من وزير الخارجية الإيراني(2) والذي حظي بمقابلة شمخاني(3) مؤشر أيضا على سقوط الثورة الإسلامية الإيرانية، وأن حكومة روحاني تعمل في العراق على الأقل، وبدرجة أو بأخرى بالتفاهم مع الأجندة أمريكية. ويبدو لي ان هذا الاختراق من السعة ليشمل الحرس الثوري نفسه، ولا استبعد ان تكون بعض عمليات الاغتيال الامريكية والإسرائيلية بتنسيق مع جهات في الحكومة الإيرانية، خاصة ان شكوكاً مماثلة قد أحاطت عملية اغتيال لقيادي إيراني آخر في لبنان قبل سنوات.

حكومة روحاني اثبات تاريخي آخر أنك لا تستطيع ان تكون تاجراً ومناضلا في الوقت نفسه، وان المال ينتصر غالباً في النهاية. إيران اليوم وتحت حكم التجار، ترى مصلحتها في تأمين سلامتها المباشرة وسلامة أموال قادتها، وتتخلى عن مشروع الثورة الإسلامية، وقد سبق ان كتبت مرات عديدة عن هذا التوجه لحكومة روحاني من تجار البازار. باختصار، فأن ترشيح وتكليف الكاظمي ودعم إيران والمقاومة العراقية له، جعل منه ابن سفاح بين الإدارة الامريكية وتجار البازار الذين يحكمون ايران وهذه "المقاومة" المؤسفة!

من انتخبك يا هادي العامري، انتخبك أملاً بأن تكون قوتك في البرلمان سبباً لتحكيم انسان مقاوم، او على الأقل له بعض الشرف، وليس لكي تحتضن خنجر الدواعش وتدعم مصطفى الاحتلال الأبشع! من انتخبك صدقك حين قلت سنسقط اية حكومة تفرضها أمريكا! وانت الآن تتصرف بشكل تتمنى أمريكا من أي من ذيولها ان يقبل أن يفعله!

 

الحقيقة المرة الأخرى والمهمة، والتي لا بد من مواجهتها، هي أن الثورة الإسلامية الإيرانية والمنطقة تدفع ثمن الخطأ، بل الجريمة التي ارتكبتها السيد الخامنئي بمنع نجاد من الترشح، وبالتالي تأمين الحكم للصوص البازار الفاسدين. وليست هذه هي المرة الأولى التي تمارس حكومة روحاني فيها مثل هذا "الفجور" مع اميركا بحق العراق فقد فعلت ذلك تكرارا بدعمها لكل عميل جاءت به اميركا من العبادي الى عبد المهدي، ولذات الأسباب الانانية البليدة قصيرة النظر.

اتخيل ان الكثير من العراقيين سيشمتون سعداء في داخلهم من هذه الأخبار، وسينفخون صدورهم انهم قد "عرفوا" إيران قبل ان نعرفها نحن، من كان يعول على إيران وثورتها للخلاص من مصير عملاء للخندق الأمريكي الإسرائيلي. لكني أقول لهؤلاء الشامتين انهم لم يحزروا شيئاً، ولم يكونوا الأكثر ذكاءاً في مراقبة الأمور، فالأمور لم تكن هكذا، بل ان غباءهم المميز وسهولة خداعهم من قبل الإعلام كان من اهم أسباب هذا التغير والهزيمة. فمواقفهم الطفولية العداء لإيران وثورتها، وتصديقهم البليد لكل كذبة تطلق ضد إيران، وتبني تلك الأكاذيب وترويجها والهجوم على إيران وعلى شعبها ووصفهم بـ "المجوس" وغيرها من المواقف الغبية، كانت الدعم الأساسي لاختراقها من الداخل وتقوية اعدائهم داخل إيران، ودفع الباقين الى الخندق المعادي للإسلام والعرب في إيران، واجبار السلطة في النهاية ان تبحث عن مصالحها في العراق، ليس عن طريق ابداء الصداقة، بل عن طريق التفاوض مع محتل العراق وارضائه. طبيعي أن هؤلاء الحمقى لم يكونوا السبب في ذلك التحول، لكن يمكنك ان تتخيل شعور الإيراني وهو يرى السباب والشتائم تجاه بلده حتى حين تتحمل الخسائر والحصار من أجل مواقف عربية مبدئية، ومن أيام النائب المعتوه "احمد العلواني" وحتى اليوم، وكيف يشكل ذلك ضغطاً مستمراً عليه للانتقال الى الخندق الثاني وترك الحمير لمصيرهم.

لم يكن هؤلاء هم السبب في التحول، فقد كان الخطأ الأساسي من السيد الخامنئي كما ذكرت، وقد كتبت أربع مقالات قبل فترة كشفت فيها حقيقة حكومة روحاني، ووصفته فيها بأنه غورباتشوف الثورة الإيرانية(4)(5)(6)(7) وانه سيقضي عليها كما قضى غورباتشوف على الاتحاد السوفيتي. وهذا النقد المحدد لإيران، مهما كانت قسوته، مختلف تماما عن الصراخ البليد ضدها بالحق والباطل، والإصرار على مساواتها في السوء مع اميركا، والذي ينتشر بين الصدريين بشكل خاص وسكان المنطقة الغربية السنية. التاريخ يؤكد مراراً، إن اميركا لن تكلف نفسها جهد شكر هؤلاء على اسهامهم بانتصارها، وإنهم سيذوقون النتيجة المرة لسذاجتهم وقلة امانتهم، كما سيذوقها غيرهم من العراقيين.

يجب ان نبقي في بالنا ايضاً ان لا نخلط بين إيران وأميركا رغم اتفاقهما المشين، وان لا نعتبرهما دولتان متساويتان في صفقة متناظرة، وان المرشح سيرعى مصالحهما معا. فالكاظمي شرطي امريكي بحت ومخلص لأميركا وحدها لا شريك لها عنده. أما إيران فهي كما يبدو تبيع دعمها مقابل شيء ما، ربما يكون وعد بعدم التحرش بها أو تخفيف ضغط عنها، وربما يكون بدون أي مقابل، بل جزء من تضامن تجار البازار المخلصين لأميركا في سرهم، أكثر من بلدهم!

هل بقي هناك امل؟ ان كان هناك امل فلا أستطيع رؤيته لأن الحلقة تبدو قد أقفلت حول العراق تماما، ونحن فشلنا في ظروف أسهل بكثير، لأن البلادة التي تميز المخلصين من ساستنا لم يمر مثلها على بلد في التاريخ كما اعتقد.

لكن رغم ذلك، قد يكون هناك أمل. امل لا نستطيع رؤيته أو لا يسمحون لنا برؤيته لكي يمضي كما مضت غيره من الفرص دون استغلالها.

الأمل موجود، حيثما يوجد "صراع". وهناك علامات صراع مازالت تتسرب الينا رغم جهود التعمية. هناك من مازال يهدد من المقاومة، ومن مازال يضرب، ومازال يطالب بشدة بخروج القوات الأمريكية ويتوعدها. القوات الامريكية لا تبدو مسيطرة جداً، أصوات الحمير الذين لدينا في مجلس النواب، لم تغير موقفها من موضوع القوات الأجنبية. ربما يكون موقفها قد تغير لكنها لا تعلنه، ولكن حتى تجنب الإعلان من قبل جهة ما، يدل على محاولة تلك الجهة تجنب الاصطدام بقوة ما لها اعتبارها، تعارض ذلك الاستسلام.

الحال نفسه ينطبق على إيران. خسارة إيران، خسارة هائلة لا يستطيع الخندق المقاوم تحملها إن تحققت بالفعل وبشكل نهائي. والمؤشرات تقول إن الخندق المقاوم يعاني من هزيمة كبيرة جدا في إيران، وان الاختراق أكبر مما كنا نتخيل وليس مستبعدا، بل لا شك، ان حتى الحرس الثوري قد تم اختراقه، إضافة الى وسائل الإعلام والحلقات المحيطة بخامنئي. والحقيقة ان هذه قد تم اختراقها منذ زمن، فوكالة "إيسنا" للأخبار، التي يديرها الطلاب، هي مصدر الكثير من الأكاذيب ضد إيران والثورة الإيرانية نفسها، وكثيرا ما يتم اعتمادها في الإعلام الغربي على أساس انها مصدر اخبار داخلي "موثوق" لإضفاء المصداقية على الأكاذيب الإعلامية ضد إيران! ولا اعرف كيف تحمي ايسنا ومثيلاتها من المؤسسات المشبوهة نفسها من محاسبة النظام ورقابة من يسمون "المتشددين" فيه.

هذا الوضع المتناقض داخل إيران هو ما يعطي بصيص الأمل لاستعادتها كلاعب مبدئي في الصراع ضد الهيمنة الامريكية على العراق والمنطقة. فإن كانت الحلقة قد اطبقت على مستشاري الخامنئي (مثلما اعتقد انها قد اطبقت على مستشاري السيستاني ومقتدى الصدر في العراق) فأن اختراق تلك الحلقة والوصول الى الخامنئي نفسه وايصال حقيقة ما يجري، اليه، يبقى امراً ممكناً نظريا، رغم انه صعب من الناحية العملية. لكن مثل هذا الاختراق قد تم في الماضي واثبت الخامنئي انه رجل مبدئي، حين تناقضت تصريحاته المتشددة مع تصريحات تجار حكومة روحاني الذي كان هو السبب في ولايتها الثانية على الأقل. الأمر أصعب كثيراً بالنسبة للسيد السيستاني، ومقتدى الصدر، فالهزيمة في العراق أكبر بكثير من تلك التي في إيران، ولا اعول شيئا على اختراق هذه الحلقات.

هناك مصدر آخر للأمل، هو غموض حجم الخندق المعادي وحجم الخندق الوطني. فمن المحتمل جداً ان يكون الخندق الوطني اقوى بكثير مما يوحي لنا الإعلام به، ونحن نعرف ان الإعلام في العراق امريكي إسرائيلي بنسبة ربما لا تقل عن 99%، وأن من مصلحة مالكي هذا الإعلام الإيحاء للخندق المقابل بأنه ضعيف جداً، ويدفعه للتصديق والاستسلام، حتى حين يكون الأقوى والأكثر عددا وفرصاً للنصر. وقد شرحت هذا في مقالة بعنوان "حلزون الصمت" نشرتها قبل سنين طويلة.

الخلاصة، إن مر هذا السافل في البرلمان، فيبدو اننا هزمنا في معركة كبيرة، وأنه احتمال واقعي ان لا تقوم للعراق قائمة بعد اليوم، وأنه في طريقه الى حالة الدولة الفاشلة تماما والمضطرة لبيع ثروتها وكرامتها والعمل كـ "سركال" لشقاوات اميركا وإسرائيل في المنطقة وهراوة تضرب بها من مازال يريد التحرر منهما، كحال كل الأنظمة والدول التي كان العراقي ينظر اليها باحتقار، ويزدري شعوبها التي استسلمت لواقع مهين ومأساوي في نفس الوقت. احتمال واقعي جداً للأسف، إن مرر الكاظمي، وتمكن من تحقيق المهمات التي أعدت له، ولن تنقذ العراق عندها إلا معجزة.

 

صائب خليل

....................

(1) كلمة رئيس الوزراء المكلف مصطفى الكاظمي الى الشعب العراقي - YouTube

https://www.youtube.com/watch?v=_y0dGo8qQUA

(2) شمخاني يلتقي الكاظمي ويناقشان الأوضاع الأمنية والعلاقات الإستخبارية بين البلدين

https://baghdadpress.org/ar/news.php?id=13021

(3)  ایران ترحب بتكليف الكاظمي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة - وكالة انباء فارس

https://ar.farsnews.ir/iran/news/13990121000752

(4) روحاني – هل يكون غورباتشوف الثورة الإسلامية في ايران؟ 1- الاتفاق النووي السيء

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2513256562064731

(5) روحاني – هل يكون غورباتشوف الثورة الإسلامية؟ 2- أمركة الاقتصاد

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2524936367563417

(6) روحاني – هل يكون غورباتشوف الثورة الإسلامية؟ 3- الرد على تحديات اميركا

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2526533577403696

(7) روحاني – هل يكون غورباتشوف الثورة الإسلامية؟ 4- العلاقة مع العراق

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2527135440676843

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

ترددت كثيرا قبل تسجيل اي ردة فعل على المقال،
من وجهة نظري منطقتنا سقطت في الحفرة، و هذا يشمل ايران و تركيا ايضا، و تداخل قانون الصراع يدل انه معقد و غير بسيط و يحتمل الكثير من المفاجآت، و اقول ان الحفرة عميقة بسبب طول أمد الحرب التي ورطنا انفسنا فيها،
اما بالنسبة للفساد و التخلف لا ارى اي بارقة أمل قريبة للتخلص منهما، و هذا يزيد من عواقب ما نحن فيه،
يبقى دور ايران في مستقبل العراق،
من المعيب ان نتكل على سلامة الجيران لنكون اقوياء، ما حك جلدك مثل ظفرك، و ان استطعنا تقليص المشاكل التي نعاني منها فهذه اقوى ورقة في الرهان على المستقبل،
و سقوط تجربة الاتحاد السوفياتي ليس بسبب غورباتشوف او غيره، فهو نتيجة اساسا لسلسلة تفاعلات جعلت النفور من الدولة اعلى من محبة الوطن و منعته و استقلاله،
هناك اولويات ان تكون العلاقة بين الوطن و المواطن مثل العلاقة بين المواطن و الدولة،
لكن القهر و سوء توزيع الثروات، و ايداع مفاتيح الثقافة بيد من لا يحترم المثقف و يتعامل معه كذيل او زائدة دودية مهد الطريق لاستلاب الجميع و عزل السلطات في مناطق ملونة، حمراء او خضراء لا فرق،،،
احسد الأستاذ صائب على حسن ظنه بنتائج اي انتخابات او بنتائج تعيين شخص ما، الأحوال العامة لدينا لا تبشر بشيء،
سياسة التخويف و الابتزاز يعلو صوتها على كل شيء اخر،
و هذا يكفينا لنبتعد، و ان اكترثنا لنسكت،
فلسنا جميعا ننعم بالحرية في بلد بعيد،
و لا يزال واقعنا لا يشجع على مزيد من الصراحة،

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4968 المصادف: 2020-04-12 03:24:45