 أقلام حرة

أسْواق الغَرائِز

سامي عبد العال"هناكَ لصٌ ما قدْ سَرَقَ الصِيامَ،

بَعْدمَا كانَ سؤالاً حول التّحرُر..."

مِن البُرهةِ الأولى لتّبيُن الخيط الأبيض من الخيط الأسود لشهر الصيام، بل منذ إعلان– مثلاً- أنَّ الأسبوع القادم هو أولُ أيام انقطاع الشراب والطعام والجنس (ليس إلاَّ)، يتم تغليف الإنسانُ ككائن شهواني في إطار (سياسي واجتماعي). رواحُه كما يتعاطاه هنا أو هناك غرائزي ومجيئه غرائزي بالمثل، حتى المُناخ غرائزي والأعمال غرائزية والنظرات والاجسام والحركات غرائزية ... والحواس والأفكار جميعها متيقظة لذلك تمام التيقظ. كأننا لم نعْهد أنفسنا قبل هذا الشهر، وكأنَّ أنظمة الدول (الفضاء العمومي) لم نرها إلاَّ الأن، لقد أصبحت شيئاً آخر بقدرتها على تدوير الغرائز وانتاجها (كتدوير النفايات).

يتجسدُ وضعٌ كهذا مع الصور والمواد المتلفزة أمام الأنظار بالألوان والروائح والعلامات والأفعال. حيث يتحول الصائم إلى عيون مفتوحةٍ باتساعها أمام التلفاز، لا يبارح مكانه.. يتابع، يحملق، يشحن خياله إلى وقت ليس بالقليل. تقريباً هو يستسلم أمام أضواء الشاشة دون إبداء أي رفض، لأنَّ تركيزه يكون منشغلاً بالجوع والعطش، أي الحرمان، فيكون الإفطار استلقاءً على شيزلونج (سرير) المشاهدة shezlong of watching كمريض انهكه الإعياء، فيلقي بجسده أمام الأطباء دون حراك. وإذا بنا سنعرف أنَّ "أطباء التلفزة" هم مقاولو الاقتصاد السياسي للصيام. وأنَّ الشاشة التي يُسمر عينيه وأذنيه بها ليست إلاَّ فضاءً محكم التصميم سياسياً وبإمكانها تشكيل صور الرغبات إلى ابعد مدى.

لا تأتي هذه المعاني خبطَ عشواء، إنما تحددها الشاشات الفضية وشركات الأغذية وتسونامي الإعلانات البراقة حول الطعام والشراب والدراما والأفلام وبرامج المسابقات وحفلات الرقص الرمضاني سمراً وسّحراً. كل شيء على "كوكب الغرائز" أثناء الصيام يتحرك نحو الفم والبطن والفرج وإسالة اللعاب طوال اليوم. حتى الزكاة والإنفاق في سبيل الله والتصدق والعطف على المعوزين باتت أشياءً مغلَّفة بالغرائز واستمالة الإنسان ليخرج ما في جيبه. بدت نمطاً من ابتزاز المُشاهد ومقايضة نظراته بأحوال المحتاجين، وهذه ليست وظيفة الدين ولا الدولة.

أقول غرائزية الإنسان في إطار (سياسي واجتماعي)، لأنَّ الدائرة العمومية ما كانت لتدخلها الغرائز إلاَّ بتوظيف الشاشة سياسياً كنوع من التلهية للمواطنين (مِنْ ذِقنِه وافْتّل لّهُ). فلا يُوجد شيءٌ اسمُه غرائز عامة، لأن الغرائز تخص الأفراد، ولكن سيولتها المتلفزة كصور براقة هي التي تنقلها من النطاق الخاص إلى الجمعي، بحيث ستظهر موقع الإنسان وتصورات الدولة والمواطنة والحرية وصياغة الوعي ومناخ الأفكار. ليس غريباً أن تتبنى شركات الانتاج لإحدى الدول العربية (الاسلامية) الإنفاق الباذخ على برامج التفاهات منذ الإفطار حتى مطلع النهار، في دورات بهلوانية لا يكاد يستفيق متابعُوها إلاّ ليدخلوا دورة جديدةٍ من الملهاة.

أنظمة الدول العربية والاسلامية تنفقُ الملايين لإنتاج الشهوات السائلة (المنظورة) واستثمارها، لتصبح فيما بعد عائقاً أمام أي وعي بالمستقبل. هناك دول تقتطع من رصيد ميزانيتها الحي، ومن اعمار العشوائيات، لتنفقها على رفاهية الاغنياء والفنانين والنجوم. وهي التي تجهل أنَّ ما تنشره حالياً من تفاهات وترسخه من تشوه سيأتي يومُ لتنفق أضعافه لمعالجة آثاره البعيدة، حيث زرعته منذ البداية، بل لن تدرك ماذا سيحدث من أمور وكيف ستتطور خفة الوعي في أشكال وتقاليد يستحيل تجنبها.

إنَّ الأجيال عندما ترتكب الحماقات، فهي التي كانت قد تشربت بمشاهدة الدراما الهابطة وشبت على الصراخ والعويل الذي يملأها (من شبَّ على شيء شاب عليه)، وحين ترى "نماذج فنية" أصبحت ملء السمع والبصر بين يومٍ وليلة، فستكون الحياة بالنسبة لها (أي الأجيال) سهلة المنال وهي ليست كذلك. ثم ستضع الأنظمة لاحقاً كل ما تملك لأجل التخلص من مشكلات كانت في أحد الأوقات مجرد تسالي بريئة عقب تُخمة الإفطار.

السؤال السياسي بالمقام الأول: ما الذي يشكل لدينا كائنات شهوانيةً طوال الوقت؟ ما معنى إفراغ الإنسان إلاّ من كتلة غرائز يُعاد تطويعها وإسالتها بصرياً؟ من سرق الصيام بعدما كان تمريناً سياسياً لرفض الأثرة والتكالب على الغرائز؟ ربما الأسئلة ساذجة بزمن هو المناخ الجاري الذي يجب التأقلم معه أو هكذا قد يقال. لكن الناظر إلى المشهد يرى في غرائر الإنسان مادةً أساسية لإحساس الدول العربية بكيانها القلق، وأنَّ الصيام هو الأداة والوسيط لدعمه وفرض الهيمنة بأشكال أخرى.

وربما تنتظر الدول شهر الصيام بفارغ الصبر لتجدد ما تعجز عن فعلِّه طوال السنة، وكأنَّها تقول يا ليت السنةَ كلها رمضان!! هذا بصرف النظر عن قيمة الإنسان وعن قيمة الحياة وأخيراً عن قيمة الصيام كوجه من التقوى الداخلية التي تخص القيمتين السابقتين. الصيام يذهب مباشرةً إلى الإنسان فرداً، يلتصق به، فلن تكون ثمة سلطةٌ ولا ثمة حياة بإمكانهما مراقبته في غياب ذاته. ولأنَّ الشهوات من جنس الذات، فالصيام لا سبيل له إلى هناك حيث يكون الإنسان حاضراً أمام ما يؤمن به.

عندما تكرر الشاشات الفضية الممارسات الشهوانية (بإعلان الطعام أو دراما الحياة المرفهة)، فهي تفرِّغ محتويات الإنسان أمام عينه. تجعل مما هو خاص به ويلتصق بأناه مرميَّاً تحت الأقدام، تحت الأعين بقدر رشق الصورة إلى مشاهديها. ليس من إنسان بإمكانه رؤية الشهوات في أشكال مادية هي الطعام والشراب والإغراء دون أنْ يتهاون فيما يرى إزاء أشياء سواها. وكأنَّها تمرر الممتنع بالنسبة إليه في شكل مترهل كي يقبله لا حقاً. وهذا يفسر نسبة المشاهدة العالية لبرامج المقالب والإثارة والمسابقات. الأولى تجعله يخوض تجربة الخوف والهزل بالتوازي، مما يعني كسر حاجز الإدراك للواقع نفسه، ومهما يكون الواقع غشيماً، فلن يكون أكثر مما يرى بالإثارة البصرية.

وسيكون الاستبداد والقمع السياسيان مقبولين لمُشاهِد تعودت عيناه على مقالب وراء بعضها البعض، وكأنها إجهاض لذهنيته الغضوبة حتى لا يغضب، واستنفار لحيوانيته التي يهذبها الصيام. لقد حرصت دول العرب على استنساخ برامج المقالب من دولةٍ إلى أخرى وأخذت في تكراراها لحظياً، ولم تكُّن لتقصد (أو لا تقصد) سوى التهام بقايا وعي مواطنيها، وبالطبع تهون ملايين الدولارات التي تنفق على الضيوف، إذ سيدفع الحساب كلُّ الزبائن المحملقين بالتلفاز والضاحكين على أنفسهم أولاً.

أما برامج المسابقات والكسب السريع، فهي نوع من الاستيهام الغريزي والجري المتخيل وراء الجوائز على حساب أية مشكلات فعلية، فالمتابع يتشوَّف إلى الجائزة طوال الوقت متناسياً فقره وأسبابه وقلة حيلته وهوانه على الحياة، ويعود إليه الخيال متجسداً من دم ولحم كتغذية راجعة بالأمل المفقود، ليشعر بالامتلاء الفارغ إذ يمدد البرنامج شعوراً بقرب الجائزة منه يوماً وراء يوم. ولاسيما إذا شاهد سواه يظفر بالجائزة التي يشتهيها، فالأمل يقترب رويداً رويداً كما يظن بينما يغيب الواقع عن بكرة أبيه، وبالأحرى سيفقد المشاهد احساسه به.

وطبعاً لا شيء يبهج الأنظمة السياسية مثلما يشعر المواطنون بغياب الواقع ولو في الأوهام، لأن الأنظمة جربت كافة الحيل والألاعيب وطاشت الواحدة تلو الأخرى في هذا الشأن. فلم يكلفها الصيام غير استديوهات براقة وحفنة نجوم ثم تختفي الحدود الفاصلة بين الخيال والحياة، ويشتغل اللاوعي على موضوعات بديلة مفرِّغاً كلَّ سخطه وسعادته تجاهها. عندئذ سيقول أصحاب المعالي والسمو: لتكن الموضوعات الغضب بديلة ونحن سنغذيها، المهم ألاَّ نكون نحن وألا تكون أنظمتنا العصماء!! وربما هذه هي الحالة الوحيدة التي تتمنى  الأنظمة الحاكمة أن تكون لها بدائل فيها، أما التغيير إلى الأفضل أو تطوير الحياة السياسية، فهذا إجرام وستُطلق صدمات موجهة للمواطنين مرة تالية بحدود الواقع إن فكروا في ذلك.

بدليل أنَّ الذي يظفر بإحدى الجوائز تُسهب الشاشات في تصويره وتصوير فرحته بالمبالغ المالية والجوائز، حتى ظهرت مشاهد بائسة للفائزين وهم يحملون النقود (كل أفراد الأسرة من صغيرها إلى كبيرها) مُلوحين بها في العراء. المقصود بذلك هو اتمام صفقة مع عيون المشاهدين على أن الانتصار ينبغي أن يكون هناك (حيث الثراء السريع بلا معاناة) لا هنا حيث تتكدس مشكلات الواقع وهي كل المعاناة التي تحدد المسؤولية والتكلفة والإصلاح. إن المشاهدة الوهمية عليها اكساب المواطنين مناعة وتهدئة لتحمل مالا يُحتمل. والمَشاهد مزرية وبائسة بالفعل لكونها تنمي لدى الأجيال ضربات الحظ والسهر على "القمار التليفزيوني" دون عمل ولا معرفة أسباب الكسب ولا بناء قدراتهم الفكرية.

تدريجياً ستنتج الغريزة درجات الوعي، وسيظل الإنسان مرهونا بها في تصرفاته وطالما أن تليفزيون الدولة هو الذي يقننها وينوعها ويشكلها ويعطي المُشاهد إمكانيات إشباعها، فالدولة تتدخل بكل صغيرة وكبيرة. التحكم في الغرائز هو المدخل لسياسات الفرجة نحو ما تريد من أهداف. وهي ما يبرز الأوضاع على حقيقتها، لأننا نلاحظ أثناء الصيام مُناخ النشاط غير الاعتيادي من فئات المجتمع المتربحة من وراء الغرائز كرجال الأعمال، حيث يتم تكثيف الإعلانان عن المدن الجديدة والأعمار والشركات ونمط الحياة الذي يعدُون به. ولم تغب عنهم مسحة الإيمان (التدين) بحسب دفقات التبرع على الفئات الأقل حظاً من الحياة. وكأنها إحدى هبات الصيام بينما هم يعرفون جيداً أن النتائج ستتدفق في جيبهم، لأن كل ذلك يدور في فلك النظام السياسي القائم بأية دولة عربية. وأن ما سيخسرونه اليوم كهبات سيجنونه أضعافاً مضاعفة بالغد.

ولنلاحظ دورة "غسيل الغرائز" في ذهنية المشاهدين، فرجال الأعمال هم أصحاب الاستثمارات الكبيرة والشركات العملاقة (الغرائز الكبرى)، أي هم الرأسماليون الذين جنوا ويجنون أرباحاً من كتل المواطنين، فكان طبيعياً استباق الخطوات لملاقاة الغرائز المتلفزة في إطار سياسي، لتكملة الصورة. إذن هم الذين يتربحون مرتين بإشراف الأنظمة السياسية، إذ كانوا يزيدون تدفق ثرواتهم بأيدي البسطاء وقوتهم للعمل (بلغة الماركسية) أولاً، ثم هاهم يشترون غرائزهم استثماراً ضمن مستويات براقة من الصور (بلغة الرأسمالية) ثانياً. فلا تعرف إذا كانوا مع رقيقي الحال من الناس أم ضدهم، لكن المعروف أنهم ركن ركين في دولة الغرائز، اشعالاً وإخراجاً وسوقاً للبيع والشراء.

الركن الآخر هم كل من يشارك في إبراز السوق، والسوق هو الشاشة المتلفزة رغم صغرها. لعل الصيام بمعجم الزراعة "موسم الحصاد"، كل الفنانين والإعلاميين ومقدمي البرامج يعتبرونه وليمة من الغرائز، الكل يتسابق ويضع نفسه في مقدمة الظهور غناء وتمثيلاً واعلاناً. وبالطبع سيكون المشاهدون هم المأكولون، أو هم دافعو الأموال وهم مستنزفو الشهوات. لقد تسابق من يستغل الصيام على حساب من لا يملك شيئاً إلا الصيام. هناك ثروات طائلة تجنى من وراء الأدوار والأعمال الفنية في هذه المساحة الزمنية، لدرجة أن الربح قد يسد عيونهم حتى يأتي رمضان القادم. واللعبة أن أسواقاً للغرائز (الاعلانات والدراما والبرامج والاغواءات البصرية) تتم برعاية سياسية دقيقة، لأنَّها تضع الأنظمة الحاكمة وتفضيلاتها بالمقام الأول بين فقرة وأخرى، وضمن الحشو الدسم لكل المواد الرمضانية. طبعاً هذا يجعل الدراما والبرامج نوعاً من التعبئة الأيديولوجية المباشرة وغير المباشرة. وتجهض كل أعمال الفنون من تهذيب الذوق والارتقاء بذائقة المشاهدين وكشف مواطن العطب في الواقع.

والسوق يُنصب كي يرتاده المشاهدون ليشتروا بضاعةً هم اصحابها، ثم ستؤخذ منهم (رأسمالية الصيام) ليتحولوا إلى مجرد زبائن يتسولون النظر إليها (المدن الجديدة والأسواق والمواد الغذائية البراقة والسيارات الفارهة). ونتيجة غياب الوعي (بفعل الفنون كأداء خيالي وهمي وطفيلي) يتصالحون مع الأزمات والأحوال، ليأتِ النظام السياسي رابحاً الجميع (رجال الاعمال والفنانين والمشاهدين معاً بضربة واحدة) انتظاراً لشهر قادمٍ. والمثل الشعبي يتردد: قليلُ البخت يعقره  (يعُضه) الكلب في السوق.. وبالتأكيد نحن نعرف الآن: من هو قليل البخت، وما هو السوق، وما هي البضائع تحديداً، ومن هو صاحب السوق؟!

 

سامي عبد العال

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

كل التحية د. سامي عبد العال
نظرتك للامور مهمة جدا.... فعلا الفضائيات العربية جعلت رمضان مسلسلات في مسلسلات...منذ بداية الصوم الي اخر لحظة..هذا غير اثارة شهوات الاكل والشرب وبتنا كأننا في مطبخ كبير
كل عام وانتم بخير

ابو احمد الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً جزيلاً .. أستاذ أبو أحمد.. فأنتم من يقرأ ويعي الأشياء جيداً
السياسة في منطقتنا العربية لم تعد هي فن الممكن بل فن التدخل في كل شيء حتى في الصيام
في رمضان بات العرب يأكلون دراما ويشربون دراما وينامون ويستيقظون عليها
و ذلك يصنع جواً من المرح واللهو غير البريئين... فأين الواقع ومشكلاته؟!
تقديري لكم وطابت أوقاتك بعيداً عن البرامج والمقالب

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5009 المصادف: 2020-05-23 02:10:38