 أقلام حرة

ستون مليار دولار فقط

عباس علي مرادحسب الرواية الرسمية هكذا بدأت القصة، وقع الخطأ عندما  ملأت بعض الشركات التي توظف موظفاً واحداً والتي بلغ عددها قرابة  1000شركة خطأً قيمة التعويض المادي (1500 دولار) في الخانة المخصصة لعدد الموظفين، مما نتج عنه زيادة عدد المقدرين للحصول على المساعدة بمليون ونصف المليون موظف، ولم تكتشف دائرة الخزينة ومكتب الضريبة هذا الخطأ إلا بعد عدة أسابيع والذي أدى الى تخفيض حزمة الحوافز المالية من 130 مليار دولار الى 70 مليار دولار أي بفارق 60 مليار دولار.

اولاً جلَّ من لا يخطئ، لكن أن يكون الخطأ نتيجة الإهمال، أو التسرع أو مبني على معلومات خاطئة  فيختلف الأمر، ومع ذلك قد نجد الأعذار والتبريرات المقبولة منطقياً، أما أن يصبح الأمر عنزة ولو طارت حينها يجب أن توضع النقاط على الحروف وعلامات التعجب والإستفهام.

حسناً فعل رئيس الوزراء سكوت موريسن، وإن كان من أجل حماية وزير الخزينة جوش فرايدنبرغ، عندما أعلن عن أنه يتحمل المسؤولية عن ثغرة الستين مليون دولار في برنامج الحكومة لتحفيز الإقتصاد، والتي كما تقدم رصد لها مبلغ 130 مليار دولار على أساس أن تقديرات الحكومة وتوقعاتها أن أكثر من 6 ملايين موظف بين من خسر عمله/ها، أو من أمنت لهم الحكومة دفعات الحفاظ على الوظائف من خلال دفع مبلغ 750 دولار أسبوعياً للشركات والمؤسسات للإحتفاظ بموظفيها لتسهيل عودتهم للعمل بعد إنحسار أزمة الكوفيد 19 مما يحرك عجلة الإقتصاد بسرعة. وأضاف موريسن أن هذا الأمر يوفر علينا المزيد من الإستادنة مشبهاً الخطأ بمن يرصد مبلغ 350 ألف دولار لبناء منزل وينتهي بكلفة 250 ألف.

الخطة كانت موضع تقدير من شريحة عريضة من المواطنين، وقطاعات الأعمال التجارية، الصناعية، السياحية وغيرها، وبالإضافة الى ذلك تجلّت الوحدة الوطنية بأبهى صورها، حيث تعاونت المعارضة (حزب العمال) مع الحكومة لتشريع القوانين وبسرعة من أجل تمرير الأزمة بأقل الخسائر الممكنة، رغم إعتراضها على بعض  البنود الواردة في الحزمة، وأهمها عدم شمولها للموظفين المتعاقدين الذين لم يمضوا سنة كاملة في وظائفهم، أو شمولها لموظفين بداوم جزئي ولا يزيد دخلهم عن 250 دولار أسبوعياً وحصلوا على كامل مبلغ ال750 دولار.

وزير الخزينة جوش فرايدنبرغ حاول تبرئة نفسه، معتبراً أن البرنامج وضع على عجل، وحاول تحميل المسؤولية لمكتب الضريبة ودائرة الخزينة، ولم يقدم أي إيضاح عن ملابسات ثغرة ال60 مليار والتزم الصمت، وأكتفى باعتبار الأمر خبراً ساراً!

صمت الوزير دفع حزب العمال بالطلب أن يمثل فرايدنبرغ أمام اللجنة البرلمانية في مجلس الشيوخ، والتي شكلتها الحكومة للإشراف على سير ومراقبة الخطة الحكومية، وقالت  الناطقة بإسم حزب العمال للشؤون المالية كاتي كالاغار أن فرايدنبرغ اعتبر الخطة نجاحاً ورصيداً له، وأضافت ان خطأ ب60 مليار دولار غير مسبوق، وفرايدنبرغ هو مهندس وواضع الخطة معتبرة أنه إذا كان فخوراً بعمله، فلماذا لا يستغل الفرصة ويحضر أمام اللجنة ويشرح لنا ماذا حصل.

رئيس الوزراء سكوت موريسن علق على ذلك بقوله: أن حزب العمال يعرف انه عندما شكلت اللجنة، ليس لديها صلاحيات الطلب من وزير في مجلس النواب كالوزير فرايدنبرغ للمثول أمامها .

مسألة مثول وزير الخزينة أمام اللجنة ليست المسألة الوحيدة التي يثار حولها الكثير من الأسئلة،  حيث برز الإشتباك السياسي داخل الكتلة البرلمانية الحكومية،  ومع حزب العمال المعارض والأحزاب الصغيرة والنواب المستقلين وإتحاد نقابات العمال حول كيفية صرف مبلغ ال60 مليار أو وضعها في البنك.

النائب وارن أنستش من حزب الأحرار الوطني من كوينزلد اعتبر أن المبلغ يشكل فرصة، وطالب بتوسيع البرنامج ليشمل العمال في قطاعات تأثرت بالأزمة، وقد أيده في مطلبه كل من رئيسي وزراء ولايتي جنوب أستراليا وتازمانيا (أحرار) ستيفن مارشال وبيتر غاتوين.

 وقد عارض النائب من حزب الأحرار من شمال سدني في نيو سوث ويلز جايسن فالنسكي صرف المبلغ، ووافقه الرأي نائب رئيس الوزراء السابق بارنبي جويس من الحزب الوطني الشريك الأصغر في الإئتلاف الحاكم.

من جهته، زعيم المعارضة الفيدرالية ورئيس حزب العمال أنطوني البانيزي دعى رئيس الوزراء لتحمل المسؤولية عن الخطأ الفادح،  وطالب بوضع خطة تتضمن الكلفة لإدخال المزيد من الموظفين في البرنامج. وغمز من قناة الحكومة ومصداقيتها في إدارة الإقتصاد، اذا لم تتمكن من إدارة برنامج الحفاظ على الوظائف المعروف (بجوب كيبر). وانتقد الناطق باسم المعارضة لشؤون الخزينة جيم شالمرز الحكومة وقال أنها كانت تتخذ قراراتها بناء على معلومات خاطئة.

ودعت زعيمة حزب أمة واحدة بولين هانسون الى صرف جزء من المال لبناء البنى التحتية في ولاية كونزلند من أجل خلق وظائف جديدة.

وقد عدل رئيس الوزراء ووزير الخزينة فرايدنبرغ من لهجتيهما وابدوا إستعدادهما للبحث في تقديم مساعدات للقطاعات التي تضررت أكثر من غيرها كقطاع السياحة.

أخيراً، أياً تكن النتيجة، فإن الأمر المؤكد أن هناك مشكلة كبيرة تواجه الحكومة، بعد أن أصيبت بمصداقيتها في إدارة الإقتصاد الوطني، وبالأخص الوزير جوش فرايدنبرغ الذي يجهز نفسه ليكون خليفة رئيس الوزراء، خصوصاً أن خطأ وثغرة قيمتها 60 مليار دولار كان يمكن رؤيتها من الفضاء الخارجي كما قال زعيم المعارضة أنطوني البانيزي.

من هنا حتى موعد وقف العمل بإجراءات الطوارئ الإقتصادية في أيلول والذي قد يكون طرفه بالشتي مبلول، كما يقول المثل العربي، سيبقى الوزير فرايدنبرغ يردد مقولته بأن الخطأ كان خبراً ساراً وتوفيراً على دافعي الضرائب لأننا سنستدين مالاً أقل.

بناءاً عليه، ما علينا إلا الإنتظار لنرى نتائج الإختبار الإنتخابي الأول للحكومة في الإنتخابات الفرعية التي ستجري قريباً (4 أب القادم) في مقعد أيدن مونارو الفيدرالي الذي شغر باستقالة النائب مايك كايلي من حزب العمال، ونرى ما هو حكم الناخبين لأن مقعد ايدن موناروا يعتبر بارومتراً إنتخابياً، لأنه من أكثر المقاعد تأرجحأ في البلاد.

 

عباس علي مراد     

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5012 المصادف: 2020-05-26 12:48:18