 أقلام حرة

السلاح الأمريكي لن يدافع عن أي بلد والحشد درعنا الوحيد

صائب خليللماذا لم يتصد الجيش العراقي الذي صرفت عشرات أو مئات المليارات على تسليحه من أميركا، للعدوان التركي على أراضيه؟ لماذا لم يعترض الطائرة الإسرائيلية التي قصفت الحشد؟ هل السبب سياسي فقط؟ يعني لو لم تكن في العراق حكومة عميلة للأمريكان كما هي الآن، هل بإمكان الجيش الرد على العدوان التركي وايقافه أو اعتراض طائرة إسرائيلية مهاجمة؟

تقول نظريتي هذه ان السلاح الأمريكي لا يمكن ان يعمل كسلاح دفاعي، ولا يمكن استخدامه للدفاع عن البلد الذي يشتريه. ليس في العراق أو الدول العربية والإسلامية فقط، بل في أي بلد كان، على الأقل في هذا الزمن. فإذا كانت النظرية صحيحة، فأن عشرات المليارات التي دفعها العراق ومئات المليارات التي دفعتها السعودية وغيرها، ليست لها اية قيمة دفاعية!

تقوم النظرية على حقيقة أن الأسلحة الأمريكية تباع مع شروط بعدم استعمالها ضدها أو ضد حلفائها، كما ان معظمها مصممة لكي يمكن تعطيلها، إن هي استخدمت خارج النطاق المحدد لها.

وأثار مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي السابق ومؤسس ماليزيا الحديثة، فضيحة كبرى حين قال في برنامج "شاهد على العصر"، إنهم اكتشفوا متأخرين، أن الولايات المتحدة باعتهم طائرات "إف 16" بدون الشفرات والبرمجة الضرورية لاستخدام قدرات الطائرة القتالية. وقال إنه تبين أنه لا بد لهم من العودة للولايات المتحدة إذا أرادوا أن يستخدموا الطائرة لغايات قتالية ضد أي دولة، وأن قرار استخدامها قتاليا يظل مرهونا بإرادة الأميركيين، وأن الفائدة الوحيدة من طائرة "إف 16" هي في العروض العسكرية!(1)

 

ولا يقتصر الأمر على ماليزيا، فمعروف ان الـ 200 طائرة اف 16 المصرية لا قيمة لها، وانها ليست فقط لا يمكن استخدامها ضد عدو مصر الوحيد، إسرائيل، إنما أيضا مع أي جهة تتحالف معها إسرائيل. فسدود اثيوبيا محمية بمنظومة صواريخ إسرائيلية، ويمكنها ان تدفع بمصر الى العطش دون ان تستطيع الأخيرة استخدام ترسانتها لكسر السدود، لأن طائراتها لن تعمل!

بنفس الطريقة تبين أن طائرات أف 16 المغربية لا تشكل خطر على إسبانيا في حالة مجابهة بينهما. وفي مناسبة أخرى ذكر مسؤول خليجي ان الطائرات الأمريكية لم تكن بالنسبة لهم الا مصدر حلب مستمر بحجة الصيانة وانهم لا يستطيعون استعمالها إلا بالرجوع الى الأمريكان في كل مرة.

أي انك لا تستطيع ان تستخدم السلاح الأمريكي ضد أي اعتداء على بلدك، ان كان المعتدي من حلفاء أميركا. وبما أنه وبسبب الخلل الشديد في ميزان القوى، لا يكاد يتم في الوقت الحاضر، أي عدوان في أي مكان في العالم، ما لم يكن المعتدي هو أميركا أو احد حلفائها، فأن تلك الأسلحة لن تفيد للدفاع عن أي بلد!

وهكذا، فحتى إن تمت إزاحة الحكومة العميلة الحالية، فلن نجد الجيش العراقي يصد أي هجوم على العراق، فكل اعدائه المحتملين هم من حلفاء اميركا، سواء كانت داعش او تركيا أو إسرائيل أو حتى دول الخليج المحيطة!

ماذا عن اسبانيا وبقية حلفاء اميركا؟ الا تنفعهم الأسلحة الأمريكية للدفاع عن بلدهم؟ نظريا نعم، ولكن من الذي يمكن ان يهاجم اسبانيا؟ من يهدد هولندا أو بلجيكا مثلا ليبرر شراءها للأسلحة الأمريكية؟

ماذا عن كوريا الجنوبية؟ الا يحتمل ان تهاجمها كوريا الشمالية إن لم تتسلح؟ المنطق يقول لا، رغم كثرة الدعاية المضادة لكوريا الشمالية، لكن الحدود بين البلدين تم تثبيتها منذ زمن بعيد ولم تعد الشمالية تفكر في توحيد البلاد. وحتى حينما كان الاتحاد السوفيتي موجوداً، فإنه كان يتبع سياسة "النأي بالنفس" إلا بالنسبة لمعسكره الإشتراكي. لكن هذا المعسكر لم يعد اشتراكياً، بل صار من اشد اتباع اميركا وإسرائيل، ولم يعد احد يهاجمه.

ماذا عن الهجوم الروسي الذي فصل اوسيتا الشمالية عن جورجيا؟ الحقيقة ان "الهجوم الروسي" كان رداً على هجوم جورجي على القوات الروسية، بمغامرة رعناء قادها وزير الدفاع الجورجي حينها، والذي كان يملك الجنسية الإسرائيلية! وبالتالي كانت جورجيا تلعب الدور الكلاسيكي لحلفاء اميركا بالهجوم على الآخرين وليس الدفاع عن نفسها.

الأحداث في أوكرانيا أيضا كانت عبارة عن هجوم على روسيا لقطعها عنها، رغم ان اكثر من 90% من سكان تلك المنطقة من الروس، وهكذا.

في لبنان، يتحدث الامريكان عن "مساعدات عسكرية" للجيش اللبناني. لكن بوجه من يستطيع هذا الجيش استخدامها؟ فقط في حرب أهلية ضد مقاومته أو ضد سوريا ان تمكنت اميركا وإسرائيل من تحريك عملائهما في لبنان. لذلك فـ "مساعدات" الامريكان العسكرية للبنان لا قيمة لها اطلاقا للدفاع عن البلد.

في العراق، لم تكن فضيحة الموقف من الاجتياح التركي هي الوحيدة من نوعها، بل كان هناك أمثلة حية عديدة على عدم جدوى السلاح الأمريكي. فهو لم يستخدم ضد داعش (إلا بعد ان أراد الأمريكان ذلك) ولا ضد البيشمركه وهي تحتل أراض بضعف حجم أراضي كردستان وتحرق القرى العربية وتستولي على حقول النفط، ولا ضد الغزو التركي اليوم أو في السابق.

ونلاحظ اننا من مثال العراق نكتشف انه ليس السلاح الأمريكي فقط عديم الجدوى للدفاع عن البلد، بل أيضاً الجيش الذي يؤسسه الأمريكان في أي بلد، عديم الفائدة للدفاع عن البلد! فالجيش الذي يؤسسه الأمريكان في أي بلد، يصبح مثل السلاح الأمريكي: لا يتحرك الا بأوامر أمريكية!

ولو كانت مشكلة الجيش عند هجوم داعش هي مشكلة الأسلحة الامريكية فقط، لامكن إعادة تسليح الجيش سريعا بأسلحة إيرانية أو روسية او صينية والهجوم على داعش، لكن ذلك لم يحدث، فمنظومة الجيش نفسها كانت مشروطة الحركة بالتعليمات الأمريكية بما نصب فيها من جواسيس في المناصب القيادية الحساسة. ولذلك لم تكن مهمة الجيش سوى تسليم المدن والسلاح الى داعش. وطبعا باعتبار داعش فرقةً إرهابية أمريكية، كان بإمكانها استخدام ذلك  السلاح، لدعم هجومها على العراق وسوريا ولبنان.

هذا أيضا يشرح بوضوح لماذا لم يكن لدينا جيش او سلاح يدافع عن البلد، لصد هجوم الطائرات الإسرائيلية التي قصفت الحشد! ولو قررت السعودية أو الأردن، او حتى الكويت، احتلال بعض الأراضي العراقية (ولا يتم ذلك الا بتعليمات أميركية) فلن نجد أي جيش عراقي يدافع عن البلد، تماما مثلما لم تجد القوات التركية من يدافع عنه.

ماذا عن استعادة الجيش العراقي لكركوك من البيشمركه؟ كان ذلك بتوجيه أميركي، فلم يكن هؤلاء راضين عن الانفصال وخسارة القوة الكردية المدمرة في الساحة العراقية، لذلك استخدم الجيش العراقي – الأمريكي لتحقيق الأجندة الامريكية في الحقيقة وليس العراقية. والدليل ان تلك كانت المرة الوحيدة التي يحقق فيها الجيش العراقي أي انتصار على البيشمركه رغم كثرة اعتداءاتها السابقة وسرقتها أسلحته سواء من زمن صدام او لاحقا حين احتلت كركوك بالتعاون مع داعش.

ولنلاحظ ان البيشمركه لم يستطع استخدام الأسلحة الامريكية للدفاع عن كركوك بوجه قوة العبادي الموجهة امريكياً، رغم انهم استطاعوا استخدام تلك الأسلحة عندما كانوا يهاجمون العراق ويسلبون حقوله واراضيه. أي مرة أخرى: يعمل السلاح الأمريكي في الهجوم (الذي يكون دائما مدعوما بأميركا) ولا يعمل في الدفاع!

ولو ان الامريكان تمكنوا من تدبير حرب بين العراق وإيران، وهي من امنياتهم الأعز، أو بين العراق وسوريا، فسوف نرى الجيش العراقي بكل فعاليته واسلحته يشارك في معارك "الهجوم" الامريكية بقوة، على عكس ما فعله في الدفاع عن بلده بوجه الهجوم الداعشي الأمريكي.

وماذا عن تحرير الموصل من قبل الجيش العراقي- الأميركي؟ كان أيضا ضمن الاجندة الامريكية، لمنع الحشد من القيام بالتحرير. فقيام الامريكان والجيش العراقي الذي نصبوا قادة يطيعونهم عليه، يمكنهم من تنفيذ بعض اجندتهم، مثل انقاذ اهم الدواعش والحرص على التحطيم التام للمدينة قبل تحريرها. ويمكننا ان نقارن حالة الموصل بحالة تكريت التي حررها الحشد.

هذه النظرية تفسر ايضاً حرص إسرائيل (وأميركا) على اغتيال الطيارين المدربين على الطائرات الروسية، لأن هؤلاء الطيارين عنصر احتياطي قد يستدعيه العراق إن احتاج اليه وقام بتدبير طائرات روسية. وتتضح حكمة (الشر) الإسرائيلية في ذلك الاغتيال من حقيقة ان اول الطائرات التي استخدمت في صد داعش، كانت طائرات سوخوي روسية، بمساعدة ايران! مرة أخرى ومثال آخر على أن السلاح الوحيد الممكن استخدامه للدفاع هو السلاح غير الأمريكي!

لكن عبارة مهاتير أن طائرة الـ إف 16 لا تصلح إلا للاستعراض العسكري، ليست دقيقة تماما. صحيح ان الأسلحة الأمريكية لن تستخدم للدفاع عن البلد، لكنها يمكن ان تستخدم للهجوم! إنما ضد دولة تريد اميركا مهاجمتها وتحطيمها!

أميركا تبيع الأسلحة للسعودية لهذا الهدف بالذات، فكأن اميركا هي التي تهاجم اليمن، لكن بأسلحة دفعت السعودية ثمنها، وبطيارين سعوديين وجنود دفعت السعودية او الأمارات رواتبهم. أي أن الأسلحة الأمريكية تعمل فقط حين تستخدم من قبل هراوة أمريكية لمهاجمة من يعارض أميركا، وهي المهمة التي تريدها اميركا لكل شعوب المنطقة!

استنتاجات:

بما أن أي سلاح امريكي عديم الفائدة للدفاع عن البلد، وكذلك الجيش الواقع تحت التأثير الأمريكي او الإسرائيلي، فأن أية قطعة سلاح غير أمريكية يمتلكها أي بلد، واية قوة عسكرية في البلد لا تدين بالولاء لأميركا هي أشياء ثمينة جداً لسيادة البلد! فهي المخالب الوحيدة لذلك البلد للدفاع عن نفسه!

وبالنسبة للعراق، لا جيش لديه للدفاع عن نفسه ولا سلاح لدى الجيش يمكن استخدامه للدفاع عن النفس... ليس لديه إلا قوة الحشد وسلاح الحشد! ومن هنا الحماس الأمريكي الشديد لإنهاء الحشد، بسحب أسلحته ودمجه مع الجيش. فالأمريكان لا يريدون لبلد ان يستطيع الدفاع عن نفسه، خاصة ان كان عربياً. لأنهم يعلمون انهم هم من يهاجم ويعتدي دائما، سواء بشكل مباشر او بالنيابة عنهم. فحماسهم وحماس اسرائيل لاغتيال الحشد وقادة الحشد، لا يختلف عن حماسهم لاغتيال الطيارين العراقيين، باعتبارهم قد يعيقون هجوماً لهم أو لحلفائهم على البلد، فكل بلد في العالم يجب ان يكون مفتوحاً أمام أي هجوم امريكي في أي وقت وبلا اية مقاومة. وبالتالي فأن أية حكومة وطنية يجب أن تلقي بالأسلحة الأمريكية في سلة المهملات، وتنسى المليارات التي صرفتها عليها بلا أسف!

لكن هل يستطيع الحشد ان يتصدى لقوات نظامية مثل التركية ليحمي البلد؟ لا أعرف، لكنه بالتأكيد هو الشيء الوحيد الذي نملك وإن لم يكن كافياً فعلينا تطويره بأسرع ما يمكن، وبحماس من يجد نفسه في غابة عدوانية خطرة جداً تجاه سلاحه الوحيد. وأول شيء يجب ان نفعله هو الإقرار بأن الحشد واسلحة الحشد، هي سلاحنا الأخير والوحيد، وكل ما عدا ذلك، هراوة أمريكية لضرب خصومها أو ضربنا لا أكثر!

 

صائب خليل

........................

(1) مهاتير محمد يكشف أن الولايات المتحدة باعتهم طائرات "إف 16" بدون الشفرات الأساسية

 https://ar.farsnews.ir/allnews/news/13990229000456

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5039 المصادف: 2020-06-22 02:31:54