 أقلام حرة

حظر التجول القسري.. مهزلة القرن

وعد عباسمقدمة: في بادئ الأمر كنا قد تعرضنا لصدمة مفاجئة أوقفت عقولنا عن التفكير، فلم يكن أمامنا إلا أن نؤيد ونروج للإجراءات التي ففرضتها منظمات وحكومات كنا لا نثق بها وبقراراتها ولدينا الأدلة التي تمنعنا من التصديق بما تقوله .

أما الآن وقد وصل الوباءُ بلادَنا، وأصيب به معارفنا وأصدقاؤنا، وتناقصت نسبة الرعب لدينا بفعل ما اتضح لنا من أمور تطرقنا لها في مقالنا السابق، أصبحنا نبحثُ ونتقصى وندقق، فتوصلنا إلى الكثير من الحقائق .

كلنا نعرف إن "حظر التجول" يعني منع حركة الناس في منطقة أو بلد بسبب ظروف استثنائية، ولكن الإشكالية في الفائدة من تطبيقه، فربما يكون نافعا في ظروف محددة، وضارا في ظروف أخرى، وهدفنا في هذا المقال هو التثبت من فائدته في مواجهة فيروس كورونا المستجد .

"لا فائدة من حظر التجول القسري"

وضعتُ هذه الفرضية الصفرية قبل أكثر من شهرين متأثراً بالأستاذ الفرنسي ديدييه راولت، عالم الأحياء وأستاذ علم الأحياء الدقيقة، والمتخصص في الأمراض المعدية الذي رفض حالة الإغلاق التام للأفراد الأصحاء والناقلين المحتملين - وهو ما يعتبره أسلوب "العصور الوسطى" (1)، وبدأتُ عمليات البحث والتقصي للتحقق من صحتها، وقد ثبتت عندي بنسبة كبيرة حتى الآن، ولأسباب كثيرة: علمية وإحصائية وعقلية وواقعية .

علمياً:

إن القصد من فرض "حظر التجول" في ظل فيروس كورونا المستجد هو الوصول إلى ظاهرة "التباعد الاجتماعي" التي تعد من أهم سبل إيقاف العدوى والانتشار، وهنا يكمن الخطأ، لأن التباعد الاجتماعي لا يحدث قسرا، فالأشخاص الذين تمنعهم من التجمهر في الأسواق والمقاهي والنوادي سوف يتجمعون في أماكن أخرى بعيدة عن سيطرة الحكومة كـ "البرانيات في البيوت" والمقاهي والساحات البعيدة .

الأمر الذي يجب أن تفهمه السلطات، ويفهمه المثقفون وعامة الناس، إن حظر التجول الذي يؤدي إلى التباعد الاجتماعي النافع هو ذلك الحظر الذي يفرض بالوعي إلى جانب القوة، وهو يتأثر بعاملين اثنين:

الأول هو العامل المعرفي والعقلي الذي يتعلق بمدى اعتقاد الفرد بخطورة الفيروس، وسرعة انتشاره، وضرورة الوقاية منه .

الثاني هو العامل النفسي ويتمثل بمدى إدمان الفرد أو اعتياده على التجمع واللقاء بالأصدقاء او حضور الحفلات ... فالفرد المدمن أو المعتاد مدفوع بيولوجيا ونفسيا إلى كسر الحظر، وإن كان الإدمان يتأثر قليلا بمستوى الوعي والشعور بالخطر .

فالفرد غير المقتنع بوجود كورونا أو بخطورتها، أو المدمن على حضور التجمعات، لا تستطيع الحكومة مهما بلغت قوتها أن تفرض عليه الحظر وتجبره على التباعد، وإن تعامل الحكومة معه يشبه محاولتها منع المنتحر من قتل نفسه، أو منع الفرد من قتل عائلته أو أصدقائه، فهي لا تستطيع التواجد مع ملايين البشر في الأزقة الضيقة وفي المنازل طيلة أربع وعشرين ساعة – هذا شيء مستحيل –

وتجدر الإشارة إلى أن عدم القناعة بوجود الفيروس أو خطورته نتج عدم ثقة الشعوب بالحكومات ووسائل الإعلام، فضلا عن ظهور الكثير من الفضائح المتعلقة بالفيروس، كتسجيل وفيات بأمراض أخرى على أنها بالفيروس، أو التخبط في أعداد الإصابات والتعامل مع المصابين ... إلى آخره من الأسباب .

ثم أن القاعدة السائدة "كل ممنوع مرغوب" بدأت تظهر بشكل واضح بعد منع التجول، إذ أن الرغبة في التجمهر ازدادت أضعافا لدى كثير من الناس، وقد أجريتُ استطلاعا بهذا الخصوص أظهرت نتائجه أن الأفراد الذين اعتادوا البقاء في المنازل خلال الظروف الطبيعية قد تولدت لديهم الرغبة في الخروج والتجمع بعد فرض الحظر .

إحصائيا:

أجرى كثيرٌ من الباحثين تتبعا احصائيا لأعداد الإصابات والوفيات في فترات قبل فرض الحظر وبعد رفعه كليا أو جزئيا، فكانت النتيجة مدهشةً إذ أن الزيادة حدثت بعد فرضه، ولم يؤدِ حظر التجول إلى أي نتيجة نافعة .

مثلا أجرى السيد "جون بوسبيشال"(2) تحليلا احصائيا مدعوما بمنحنيات توضيحية شملت بيانات الوفيات في (بلجيكا – هولندا – أسبانيا – بريطانيا – إيطاليا – فرنسا – مدينة نيويورك)، فأظهرت نتيجة التحليل زيادة النسبة المئوية للوفيات بشكل كبير بعد فرض حظر التجول، فضلا عن الزيادة في عدد الإصابات، ثم اختتم السيد بوسبيشال مقالته بمجموعة من التساؤلات أهمها: لماذا يوجد ارتباط وثيق بين بدء عمليات الإغلاق والزيادات الكبيرة في معدل الوفيات الإجمالي؟ إن الإجابة التي تطرحها وزارات الصحة في دول العالم من أن الزيادة في الأعداد كانت بسبب زيادة النماذج المفحوصة ليست مقنعة، لأن لحظة تفكير واحدة توصلنا إلى نتيجة تقضي بعدم خطورة الفيروس، لأن مئات الآلاف يصابون ويتعافون دون ان يعلم بهم أحد، وأن بروتوكولات العلاج الخاطئة والحالة النفسية هما اللذان يؤديان إلى وفاة الكثيرين بعد الكشف عن إصابتهم .

أو قد يرد البعض على هذه الدراسات بأن الحكومات فرضت الحظر بشكل متأخر أي بعد انتشار الفيروس، فنرد: في المقابل هناك دولٌ أخرى فرضت الحظر مبكرا ومع ذلك ما زالت تسجل المزيد من الإصابات، ثم إذا كان متأخرا وأن الفيروس منتشر وسيصيب الغالبية لا محالة فما الداعي إلى فرضه وتدمير الوضع الاقتصادي.

عقلًا:

ما دمنا لا نتوقع التوصل إلى لقاحٍ أو علاجٍ في الوقت القريب، وإن الفيروس سيصيب عددا كبيرا شئنا أم أبينا، فما الداعي للاستمرار في الحظر الذي بدأ يؤثر سلبا في الحالة النفسية والوضع الاقتصادي، فكثرت جرائم الانتحار والعنف الأسري، والوفيات بسبب الرعب، وأخذت ميزانيات الدول بالانهيار .

ختاماً:

إن أفضل لقاح يمكن أن نقدمه للبشرية في الوقت الحاضر هو أن نرفع التهويل الإعلامي عن الفيروس، ونوقف الرعب الذي يقتل أعدادا كبيرة يوميا، وأن نفهم بان الفيروس ليس إرهابيا يحمل سلاحا فنفرض حظر التجول كي نقبض عليه، بل ينبغي أن نفهم بأننا بحاجة إلى التباعد الاجتماعي الذي لن يحدث إلا طوعا ومن خلال طرق توعية أكثر فعالية .

 

وعد عباس

..........................

مصادر:

(1) د. حسين سرمك حسن، لماذا تمنع فرنسا علاجاً رخيص الثمن ومُجرّب لفيروس كورونا؟، صحيفة المثقف، العدد 5043، التاريخ: 26/6/2020م .

(2)    https://medium.com/@JohnPospichal/questions-for-lockdown-apologists-32a9bbf2e247

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5056 المصادف: 2020-07-09 02:44:40