صالح الطائيلا ينكر أن عادات وتقاليد أي شعب تتكون نتيجة التوارث عبر الأجيال، وأن لهذه العادات والتقاليد طقوسا تاريخية أغلبها عرضة للتغيير بسبب وجود بعض المتغيرات التي تطرأ عند التطبيق، سواء نحو الأحسن أو الأسوأ، وبعض هذه المتغيرات مأخوذة أصلا من الموروث نفسه وبعضها الآخر غريبة عنها ولا تمت لها بصلة، وهي عادة وليدة التطور المجتمعي والانفتاح على تقاليد وعادات الشعوب الأخرى، بما فيها الشعوب غير المسلمة، واليوم هناك الكثير من الدخائل في ممارساتنا الموروثة، نالت بعضها درجة القدسية، ولا نملك القدرة على تغييرها أو التنكر لها، أو الاعتراض عليها، ولاسيما منها تلك التي لها علاقة بالدين وممارساته!.

صيام شهر رمضان والاحتفال بعيده فضلا عن كونه أمر إلهيا ملزما، يعتبر تقليدا موروثا، وإذا ما كان الصيام بحد ذاته شعيرة دينية من فروع الدين، يجب أدائها للقادرين عليها، وإذا ما كان العيد نفسه مظهرا من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره، وهناك أحاديث ـ بغض النظر عن امتحانها ـ تدعو إلى الاحتفال بالعيد كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود عن أنس بن مالك، قال: "قَدِم النبي (ص) المدينة؛ ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما: يومَ الفطر والأضحى"، فإن هناك من يبيح الرقص والغناء في أيام العيد استنادا إلى رواية عن أمنا السيدة عائشة أم المؤمنين، قالت في صباح عيدٍ: دخل علي رسول الله(ص) وعندي جاريتان تغنيان بغناء يوم بعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي، فأقبل عليه رسول الله، فقال: دعهما، فلما غفل، غمزتهما، فخرجتا. هكذا رواه البخاري. أما رواية أحمد بن حنبل ففيها قول النبي(ص): "يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا ... لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، إني أُرسلت بحنيفية سمحة". وفي رواية أخرى أخرجها البخاري للسيدة أم المؤمنين عائشة، تتحدث فيها عن يوم عيد، يلعب فيه السودان بالدّرق (الدرع من الجلد) والحراب بجوار بيت رسول الله، وأنها إما هي سألت رسول الله(ص) وإما هو، قال لها: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدِّي على خده، وهو يقول: "دونكم يا بني أرفدة" حتى إذا مللت، قال: حسبك؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي".

وهناك قاعدة فقهية لدى بعض المدارس الإسلامية ترى أن السنة في الأعياد أن يظهرها المسلمون ويعلنوا بها . وفي فتح الباري لابن حجر: "أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين". وربما لهذا السبب ونظرا لتنوع الثقافات، دخل الاحتفال بعيد الفطر في باب الطقوس والعادات والتقاليد أكثر من كونه شعيرة دينية.

وحينما يتحد الطقس مع الشعيرة، تجد الكثير من الابتداع، بل إن التهيؤ للعيد بحد ذاته فيه انفتاحا طقسيا يجتمع على رؤية واحدة حتى مع اختلاف جزئياته، لها علاقة بالشعيرة والطقس، ومن ذلك التهيؤ لرؤية الهلال لتحديد التواريخ، جاء عن عبد الله بن عمر قوله: "تراءى الناس الهلل، فأخبرت النبي أني رأيته، فصام رسول الله(ص) وأمر الناس بصيامه" وقد ورث المسلمون هذه الممارسة عبر التاريخ، حيث الحركة الجمعية المفاجئة للبحث عن الأماكن العالية والمنفتحة الفضاء لإمعان النظر في الأفق بحثا عن هلال الشهر الجديد، حيث كان طقس الصعود على أسطح المنازل والخروج إلى البراري لمراقبة ولادة شهر شوال أحد الأمور المهمة جدا التي يحرص أغلب الصائمين على العناية بها والمشاركة في فعاليتها، ولا زالت إلى الآن قائمة في بعض المناطق، بعد أن كادت تختفي بفعل تناقل الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وهي وإن لم تعد لها تلك الأهمية إلا أني أتمنى لو أن الشباب أخذوا على عاتقهم ممارستها ولو لأغراض تخليد المناسبة لا أكثر بصفتها جزء من الموروث.

وكل الأمور الأخرى تتعلق بالرؤية نفسها، فإذا ثبتت الرؤية،  يبدؤون ـ ومشاعر الفرح والحزن تتصارع في وجودهم ـ بتوديع شهر رمضان من خلال ترديد كلمات مثل: (الوداع يا شهر رمضان، الوداع يا شهر الطاعة والغفران) حيث يتأكد لهم أن يوم غد هو أول أيام العيد، وانهم سيتحررون من السحور والامساك وتعب الصيام والفطور في أوقات محددة لا يجوز مخالفتها، لكنهم مع ذلك وتبعا لتقليد الشهر كانوا يتسحرون السحور الأخير، ويسمى (سحور اليتيمة) ويقال إن التسمية أخذت من كون هذه الليلة هي ليلة حزينة كحزن اليتيمة لأنهم سيودعون الشهر، وينتظرون عودته بعد عام كامل، وهناك من يرى أن بساطة السحور باعتبار أن يوم غد ليس يوم صيام يشبه أكل اليتيمة في بساطته ومن هنا جاءته التسمية.

من طقوس هذه الليلة أن رب البيت يقوم بإخراج مبلغ زكاة (الفطــــــــر) وهي مبلغ بسيط عن كل فرد من افراد العائلة حتى لو كان جنينا في بطن امه وحتى عن الخدم، وتدفع الزكاة عادة إلى الفقراء ليدخل الفرح إلى نفوسهم. ويقال إنها

شرعت لسببين؛ مثلما يتضح من قول عبد الله بن عباس الذي أخرجه الحاكم وأبو داود وغيرهم: "فرض رسول الله زكاةَ الفطر؛ طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين، من أداها قبلَ الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".

ومن طقوس ليلة العيد أيضا أن حمامات الأسواق كانت تزدحم بالزبائن، لأن البيوت في ذلك الزمن لم تكن فيها حمامات خاصة، ولذا كان الأهالي يذهبون إلى حمامات السوق العامة.

والجميع في هذه الليلة صغارا وكبارا كانوا يضعون ملابسهم الجديدة بالقرب منهم وكان بعضهم يضعها تحت الوسادة، وينهضون مبكرين للاحتفال بالعيد.

في صباح اليوم الأول للعيد يذهب الكبار عادة إلى الجوامع لأداء صلاة العيد، ومن ثم يذهبون إلى المقابر لزيارة الأموات، وهو تقليد لا زال متبعا.

وأما الصغار فيبدؤون بجمع مبالغ العيديات للذهاب إلى أماكن اللهو لركوب المراجيح ودولاب الهواء والفرارات وركوب العربات والحمير، وباقي الألعاب البسيطة الأخرى. ويتناولون الأكلات الشعبية مثل لفة بيض مع العنبة او لفة الفلافل والعنبة وغير ذلك.

أما الشباب فكانوا يذهبون إلى المتنزهات والسينمات المنتشرة في بغداد، حيث كانت السينمات تعرض أكثر من دور، وعادة تكون الأفلام هابطة وقديمة.

أما العوائل فكانت تذهب إلى سلمان باك وشارع أبي نؤاس والحدائق القريبة.

وفي صباح أول أيام العيد يبدأ أبو طبيلة بالدوران على المحلات والمناطق التي كان يوقظها للسحور ليجمع منهم العيدية. وقد أصبح هذا التقليد مزعجا ولاسيما للفرق التي تستخدم آلات موسيقية عالية الصوت مثل البوق والطبل الكبير والآلات النحاسية، ولذا أتمنى لو ألغيت هذه الممارسة واستعيض عنها بخروج بعض الشباب وهم يرتدون الأزياء الشعبية ويحملون أدوات موسيقية بسيطة في ليلة محددة من ليالي شهر رمضان، لكي لا يتذكر الأبناء هذه الممارسة التاريخية.

ومن الحقائق الجميلة في العيد ولاسيما في اليوم الأول منه، وذلك بسبب طيبة قلوب أهلنا، انهم كانوا يترقبون العيد للمصالحة بين المتخاصمين وتنقية النفوس، حيث كانوا يزورون من لا يتكلمون معه ويصالحونه فتنسى العداوات.

والملاحظ أن هذه العادات والتقاليد تكون قريبة من بعضها في الجنوب والوسط والشمال، تكاد لا تختلف كثيرا، إلا في بعض الجزئيات، وفي هذا دلالة على وحدة العراق وتشارك أهله في مراسيم أفراحهم. وأمنيتي أن تحافظ الأجيال على بعض هذا الموروث، وتستمر بالعمل به، وأن لا تأخذها التكنولوجيا الحديثة عن جذورها، فتتندم غدا لأنها لا تملك ما تورثه لأبنائها.

 

صالح الطائي

 

محمد الدعميتحتم “دكتاتورية رأس المال” إن لم تكن مكبلة بكوابح أخلاقية أو روحية واجتماعية، على الجمهور حالا مرعبة من الاستقطاب على أساس مما يحتوي عليه جيب المرء من مال. وتتجلى هذه الحال هذه الحال في أقسى، بل وأبشع صورها في المجتمع الأميركي الذي تتجسد فيه معطيات الصراع الطبقي بأكثر أشكالها حدة.

وإذا كنا، حالمين، لأن نذهب إلى أميركا بهدف الدراسة أو السياحة، شبانا يافعين، فإن الواقع بعد أن تحقق ذلك “الحلم” قد دلّ على ما هو معاكس لمعنى “الحلم الفردوسي” الذي طالما لاعب مخيلاتنا آنذاك. ودليل ذلك يتجسد في اتفاق الآراء عبر الأطياف السياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، على أن أخطر أزمة متوقعة ستواجه المجتمع الأميركي إنما تتجسد في تمادي آثار “الاقتصاد الربوي” على الحياة وتجاوزها على كرامة وحضوة الإنسان، إذ يتوقع أن تصل مديونية خريجي الجامعات هناك، أي بين الذين اعتمدوا القروض للتأهيل الجامعي كي يحصلوا على درجات علمية تؤهلهم لوظائف مناسبة حسبما يحملون من شهادات تأهيل جامعي، قد بلغت “التريليونات” من الدولارات التي قدمها المقرضون (بالربا) لملايين من هؤلاء الشابات والشبان الذين لا يقوون أبدا على سدادها بسبب تضاعفها مع الزمن وضآلة ما يحصلون عليه من مداخيل (بعد بداية حياتهم العملية) قد لا تكفي لوضع طعام كافٍ على موائد عشائهم بعد الزواج. من يصدق أن هذا هو وضع الشبان في أغنى دولة في العالم، بعد أن كنا نتخيّل بأنهم في الحانات ونوادي الرقص.

أنت إما أن تكون غنيا بما فيه الكفاية لتقرض الضعفاء ماليا مقابل الفوائد، وإما أن تكون محدود الدخل درجة أنك لا تستطيع أن تبتاع سيارة أو دارا، إلا من خلال الاقتراض (بالفائدة): فتبقى مدينا لما لا يقل عن ثلاثين سنة، تدفع خلالها ديونك مقسطةً، أي “بالأقساط المريحة” لسداد قرض شراء دار، على سبيل المثال.

في أميركا لا يمكن أن يستعصي على المرء اقتناء أي شيء ما دام هو قادرا على استدانة المال أو الاقتراض: هل تريد سيارة آخر طراز، لن تحتاج سووى إمضاء صغير على ورقة اقتراض من شركة بيع السيارات، ولكن بهذا التوقيع، تبقى تنزف من مدخولك لسنين، بل وحتى لعقود، حتى تتمكن من سد مديونيتك على السايرة وعلى دار السكن، وعلى طبيب الأسنان وطبيب العائلة، وعلى كل ما تقتنيه لأفراد أسرتك: فيالها من حال رفاه اجتماعي!

 

د. محمد الدعمي

 

رائد الهاشميالسياسي يستمد قوته من قاعدته الشعبية لأنها الاساس والجذور التي تجعله متماسكاً وصامداً أمام التناحرات والدسائس والتنافس مع الاخرين فالمعروف ان السياسة تُخفي بين طيًاتها من المكر والاساليب المشروعة وغير المشروعة مالاتخفيه أي عملية أخرى ومن هذا المنطلق يجب أن يعمل السياسي دائماً في كل تحركاته وسلوكياته على كسب رضا وثقة المواطن لأنه وُجد من أجل خدمته وتحقيق رفاهيته لكن المتتبع للوضع في العراق يجد أن العلاقة بين المواطن والسياسي وصلت الى مفترق طرق لأنّ الفجوة بينهما إتسعت تدريجياً طوال السنوات العشرة المنصرمة حتى أصبح حجم هذه الفجوة كبيراً لدرجة الخطر...

هذه الفجوة لم تأتي من فراغ لأن المواطن العراقي تحمل مالم يتحمله أي مواطن في العالم فقد عانى عبر هذه السنوات المريرة من تأريخه ويلات كبيرة مثل تردي الوضع الأمني والبطالة والفساد وسوء الخدمات وتراجع مستوى التربية والتعليم وامتهان الكرامة والتهجير والمحسوبيات والقائمة تطول وهي معروفة للجميع، ماجعل المواطن العراقي لايثق بالسياسي مهما كان في السلطة التشريعية  او في الحكومة أو في الكتل  والاحزاب المختلفة وهنا تكمن الخطورة لأنه في اعتقادي ان هذه الحالة من انعدام الثقة ستنعكس نتائجها و تُترجم من قبل المواطن العراقي في الانتخابات التشريعية القادمة بالمقاطعة وعدم الاشتراك فيها كوسيلة للتعبير عن الرأي ورفض الواقع المرير والوصول الى حالة من اليأس تجاه السياسي لأنه لم يعد يصدق بالوعود والتصريحات والمشاريع الانتخابية التي جرًبها طوال عقد من الزمن ولم يحصد منها غير الخراب والدمار والفقر ونقص الخدمات, واذا ماحدث هذا الذي توقعناه من مقاطعة عامة للانتخابات فان العملية برمتها ستعود للمربع الأول وهذا مالايريده جميع الاطراف وليس فيه مصلحة لأحد.

الآن ومن خلال ماتقدم فان الكرة أصبحت في مرمى السياسين وبيدهم الأمر خاصة وان الانتخابات على الأبواب  فعليهم السعي لمحاولة تقليل حجم الفجوة مع المواطن وإعادة بناء جسور الثقة معهم من خلال الصدق في التعامل وتقديم التضحيات والتنازل عن المكاسب الشخصية التي اُتخموا بها ،والتفكير قليلاً في المواطن الضعيف المسكين المهمّش، وليعلموا علم اليقين انّه لن يبقى المواطن ضعيفاً ومسكيناً وانه اذا ماغضب سينقلب الى مارد يُدمٍر كل شيء أمامه لأن الظلم اذا مازاد عن حده سيُحٍول الضعف الى قوة عظيمة فاتقوا غضبة المواطن المظلوم أيها السياسيون والحليم تكفيه الاشارة.

 

رائد الهاشمي

 

حميد طولستتعد ظاهرة تدخل السياسة والسياسيين في الرياضة واستغلال الرياضيين وجمعياتهم وأنديتهم،لخدمة مصالح السياسيين الخاصة، ظاهرة قديمة لم تقتصر على شعب دون آخر أو دولة أو ثقافة دون أخرى، وارتبط وجودها بوجود الأنظمة السياسية، إلا أنها تتفاوت من مجتمع لآخر حجما درجة، حيث تضعف حدتها مع الأنظمة الديمقراطية التي تقوم على أسس احترام حقوق الإنسان وحرياته العامة وشفافية وسيادة القانون، بينما تتضخم مع الأنظمة الاستبدادية الديكتاتورية، خاصة مع تجار الانتخابات الذين يعتبرونها مجرد لهو ولعب وتسلية، وقلما يدرجونها في جداول أعمالهم، ويصنفونها في آخر مراتب اهتماماتهم، إلا في مواسم الانتخابات، فلا تتعدى عندهم وعود عرقوبية لا تساهم في تطويرها وتقدم مجالها .

 ويبدو ذلك -مع اللأسف الشديد- جلياً في تخلي أكثريتهم عن التزامهم بالاهتمام بميادينها، مباشرة بعد الفوز في الانتخابات، وحصولهم على المنصاب السياسية المنشودة، ليتركوها وفرقها وجمعياتها، تسبح في مشكالها انتكاساتها المتتالية، وتتخبط في احباطاتها التسيرية، المادية منها والمعنوية، والتي لا يكفي للخروج منها، وتفادي مصائبها وكوارثها الأخلاقية، لا تنزيل الشرائع التنظيمية، ولا إخراج القوانين الزجرية، ومع كل هذا وذاك، فلا يجب أن نستغرب من تدخل السياسة في الشؤون الرياضية في بلادنا إطلاقاً، لأن ذاك سلوك عرف في كل بلدان المعمور ومند القدم، لكن مع فارق بسيط وخطير، في نفس الآن، هو ان الفائدة في ذلك عندهم تشاركية بين الطرفين، بينما الأمر عندنا أحادي الاستفادة، ولا يستفيد من ذاك التدخل، السياسي وحزبه وحدهما. وقد عرف العالم عدد كبير من حالات التدخل السياسي في الرياضية، يصعب على المرء الإحاطة بها كلها، لكثرتها وقدمها، حيث أنها بدأت مند العهد الروماني بإلغاء (ثيوديوس) الألعاب الأوليمبية القديمة لأسباب سياسية، وتدخل (موسوليني) وهتلر في شؤون الرياضة من أجل السياسة، حيث عطلت السياسة بطولة كأس العالم دورات الألعاب الأوليمبية لسنوات بذرائعها سياسية، خلال الحربين العالميتين، حين استغل (موسوليني) استضافة كأس العالم سنة 1934م في إيطاليا للدعاية لنظامه الفاشي، وكذلك فعل (هتلر) مع أولمبياد برلين عام 38، وعوقبت ألمانيا المنهزمة في الحرب بتغييبها عن البطولات العالمية التي تلتها، وفي السبعينات عادت السياسة لتطل برأسها على الرياضة سواء عبر الهجوم الفدائي الفلسطيني على البعثة الإسرائيلية في أولمبياد ميونخ أو عبر المقاطعة الإفريقية لدورة موريال عام 76 بسبب التعامل مع جنوب أفريقيا العنصرية وقتذاك، وتصاعد الأمر إلى ذروته بالمقاطعة الأميركية لأولمبياد موسكو في سنة 1980، ورد الروس وحلفاؤهم على ذلك بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس بعد أربع سنوات، وقد أعاد تدخل السياسة في الرياضة العلاقات بين أميركا والصين عبر دبلوماسية كرة الطاولة، كما أعادت الدفء للعلاقات الأميركية الإيرانية عبر لقاءات المصارعة وكرة القدم بين البلدين، فإن السياسة عادت لتطل بوجهها المتجهم في وجه الصينيين الطامحين في قضية استضافة أولمبياد 2008 بكين، ولا يمكن لأي متتبع رياضي أن يتجاهل استغلال برلسكوني لكرة القدم سياسيا، وأن نجاح نادي ميلان كان وراء اتساع شعبيته ليؤسس بعد ذلك حزبه السياسي «فورزا ايطاليا»، الذي صعد به الى رئاسة الحكومة في بلد عاشق لكرة القدم الى حد الجنون، كما يجب أن لا ننسى استفادة "كارلوس منعم" من دعم مارادونا حينما كان يواجه ازمات محلية، وعندما تخلى عنه النجم الشهير خسر معركة رئاسة الارجنتين، وكان زيدان ايضا من اكبر الداعمين للرئيس شيراك خلال حملته الانتخابية عام 2002 في مواجهة الزعيم اليميني لوبان.

 

حميد طولست

 

كفاح محمودمنذ تأسيس مملكة العراق وحتى يومنا هذا، ولعنة الحرب والدمار عالقة بذيول دشاديش حكامها، فما من ملك أو رئيس، إلا وحلم بأنه عنترة بن شداد ليستيقظ صباحا فيتوهم انه نابليون بونابرت أو جنكيزخان، وكانت أولى تدريباتهم في كوردستان منذ مذبحة سميل ضد الأشوريين وحتى محرقة حلبجة والأنفال وما تلاها من محاولات لاجتياح الإقليم وإلغاء وجوده قبل ما يقارب السنتين، وعبر التاريخ السياسي والعسكري للعراق منذ 1958م حينما أسقطوا الملكية وحولوها إلى جمهورية، بدأ التهافت على عسكرة الدولة والمجتمع، فكلما بلطوا شارعاً أو بنوا جسراً اشتروا طائرة أو دبابة لمشروع حرب لا مناص منها، كأنما تلك الثقافة البائسة التي يمارسها القروي أو البدوي أيام زمان حينما تكثر أمواله فيحتار ماذا يفعل بها، فإما الزواج على رأس زوجته أو زيجاته أو شراء بندقية كخطوة أولى لمشروع استثماري في القتل، وهكذا حال معظم أنظمة الحكم التي توالت على (اغتصاب) العراق.

والمصيبة الأكبر تلك التي وقعت بعد تسلط حزب البعث والتيار المتطرف فيه على كل مفاصل الدولة العسكرية والأمنية، أولئك الذين قفزوا إلى القصر الجمهوري ليطبقوا نظريتهم الانقلابية في تموز 1968م، وأوهموا الناس بأنهم ورثوا دولة من خرائب وأطلال، فباشروا بتبليط عدة شوارع وبناء عدة مجمعات سكنية ومجموعة مستشفيات (ليبلشوا) أي ليشرعوا في حروب ما زلنا ندفع فواتيرها إلى أن يشاء الله، ويهتدي خلفائهم في بناء دولة مدنية تعتمد العقل والحكمة والعلم والثقافة والتحضر أساسا في قوة البلاد الدفاعية والهجومية، بدلاً من الطائرات والدبابات والمدافع، كما فعلت ألمانيا وشقيقتها إمبراطورية اليابان بعد انتكاستيهما العظمى في الحرب العالمية الثانية، حيث كان الدرس بليغاً والخسائر أعظم، ولكن الأكثر روعة ونُبلاً وفروسية هو موقف الحكماء فيهما، حينما قرروا ترك لغة السلاح والتسلح واستبدالهما ببناء دولتيهما وتطوير مجتمعاتهما في إطار مدني متحضر، أنتجوا خلال أقل من نصف قرن دولتين عظيمتين في تطورهما الحضاري والتقني والعلمي والاجتماعي وفي كل نواحي الحياة حيث تغطى وفرتهما المالية ما تنتجه ثلث دول العالم؟

وفي بلادنا التي اكتوت بنيران حروب فاقت في مجموعها حرباً عالمية عظمى خسرت فيه الأخضر واليابس، وتحولت البلاد من أغنى  بلدان العالم وأثراها وأجملها إلى أفقرها وأفشلها وأوسخها، وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إسقاط نظام الانقلابات، فشلت الإدارة الاتحادية في إقناع الشارع العراقي بأنها البديل الأفضل رغم هامش الحرية، فقد تقهقرت الخدمات بشكل مريع حتى تحولت إلى أزمة كبيرة لا يمكن حلها بهذه العقلية، خاصةً وأنها شرعت منذ فترة إلى ذات الثقافة في بناء ترسانة عسكرية في بلاد أكثر من ثلث سكانها تحت خط الفقر والآخرين يعانون من نقص كارثي في الطاقة بكل أنواعها، وتدهور مريع في الخدمات الصحية والتعليمية والغذائية إضافة إلى انعدام حلقات مهمة من الصناعة والإنتاج، وتحول نمط الحياة إلى نمط استهلاكي بعد إغراق الأسواق بالمستوردات الزراعية والغذائية من دول الجوار حتى توقفت معظم أنواع الصناعة والزراعة، ولم نعد نملك خارج إقليم كوردستان إلا النفط والمزارات الدينية!؟

يبدو أن الحاكمين اليوم لم يفهموا الدرس الذي تلقنه نظام صدام حسين ومن يأتي إلى حكم العراق إلى أبد الآبدين كما يقولون، فهو الذي كان يمتلك واحدا من أكبر وأقوى جيوش المنطقة، وسخر إمكانيات دولة من أثرى دول العالم للتصنيع العسكري والتسلح، بل إن أغنى دول العالم في الخليج كانت حليفته بل مرضعته خلال عقد كامل من الحروب، فماذا أنتج، وإلى أين وصل هو وجيشه وحكومته وحزبه الذي بناهم خلال ما يقارب أربعين عاما بآلاف المليارات وملايين العراقيين من القتلى والجرحى والمعاقين والمحرومين!؟

فهل انتهى الدرس كما قال الممثل محمد صبحي في مسرحيته (انتهى الدرس يا غبي) لكي نقول افهموا الدرس إلا يكفي ما جرى عبرة لمن لا يعقلون ولا يفقهون!؟

 

كفاح محمود كريم

 

صادق السامرائيالواقع العربي يمتلك بنية تحتية نفسية ضعيفة، شأنها كأي البنى التحتية الأخرى الواهنة، مما يتسبب بوقوع المجتمع في مطبات تدميرية وإهلاكية ذات نتائج وخيمة.

فما يعتمل في الكيان النفسي العربي يشمل الشعور بالدونية والتبعية والهزيمة والإنكسار، والإندحار والإنتكاس والتعود على الخيبات والتداعيات، وفقدان التفاعل مع الحاضر ونكران المستقبل، والتقهقر بإتجاه الماضيات، والتوهم بأن الدين هو الحل، إنطلاقا من الشعور الوخيم بالذنب.

وهذه الحالات وأخواتها تعني أن البنية النفسية التحتية ذات سلبية عالية، وتساهم في تنمية متواليات القهر والتظلم والتشكي، والتوهم بأن العلة في الآخر وليس في الوعي الجمعي، والتفاعل القائم ما بين المواطن وذاته وبينه وبين المواطنين من حوله.

ووفقا لأبجديات التوصيفات السلبية، فأن المواطن يجد نفسه في محنة التخلص مما يمت بصلة إلى منابع الويلات والأحزان، فتراه يحاول مسخ الوطن وإهمال اللغة والتخلص من الهوية ومعاداة الدين، والإقدام على تفاعلات تدميرية كاسحة ومتنوعة، نابعة من مشاعر اليأس المتراكم والإختناق الداهم المهيمن على الحياة العربية في أرجاء بلدانها.

ومن الواضح أن المجتمعات الخالية من البنية النفسية التحتية القوية لا يمكنها أن تتفاعل مع عصرها، ولا تستطيع المشاركة بالعطاء الإبداعي الأصيل، وإنما تتمتع بإنهزامية عالية، ومشاعر دونية قاسية، مما يتشبب بإضطرابات سلوكية داخلية، يتحقق الإستثمار فيها من قبل الطامعين بثروات البلدان، لأن المواطنين في غفلة عنها ومنشغلين بما يزيدهم ضعفا وقهرا.

تُرى كيف نعيد بناء أو ترميم أو إنشاء بنية نفسية تحتية عربية ذات قيمة حضارية وإنسانية، تساهم في الإرتقاء بذات الإنسان العربي، وتمنحه القابلية المعنوية الكفيلة بالتعبير عما فيه من الطاقات والقدرات الأصيلة النافعة لأمته والإنسانية؟

والجواب يحتاج إلى تفاعل ذوي الإختصاصات النفسية، للوصول إلى آليات سلوكية تعيد للإنسان العربي ثقته بنفسه، وتمنحه القوة والقدرة على التحدي والإنطلاق الواعي المعاصر.

وما ينجم عن هذا التفاعل يتطلب رفدا إعلاميا وسياسيا، وتوجها نحو الإنسان العربي والإستثمار فيه وإعتباره القيمة العليا والقوة الكبرى، التي بدونها لا يمكن لحياة عزيزة كريمة أن تكون.

ويبدو أن مصر العربية قد إنطلقت بهذا المشروع متنورة برؤى نفسية وفكرية ذات غايات واضحة وأهداف مركزة، كما أن الإختصاصيين في العلوم النفسية لديهم نشاطات توعوية وتثقيفية وإرشادية وإعلامية ذات نتائج إيجابية، بتراكمها سيتنامى الوعي النفسي وتستعيد الذات العربية قدرتها على الحياة الأفضل والأرقى والأقوم.

وبإختصار لا بد للجهود الجمعية أن تتضافر وتتنامى وتتقوى، لتصنع مستقبلا مشرقا ومتوافقا مع إرادة أمة ذات مقام حضاري مديد.

وتلك مجرد إضاءة تبحث عن جد وإحتهاد، فهل من مواظبة وإصرار على صناعة النفس العربية الأبية؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

رائد عبيستظهر علامات الحضور بين الآخرين في وجوهم، وتختلف فهي بين القبول والرفض أو الامبالاة، إذ انها تستند إلى عوامل سايكولوجية صرفة في كثير من الأحيان، ربما لا نجد للعقل دور في تقييم حضور الاخرين إزاء حضورنا، ولا ننطلق من مقولة (الناس صنفان أما اخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) التي ذكرت عن الامام علي بن ابي طالب، فأي مساحة من الاخلاق ممكن أن تتاح للآخر، بدون أن تضيق بهم نفوسنا، بل وحتى دماءنا، واجسادنا؟ فالترحيب السايكولوجي و البايولوجي له أثر كبير في قبول الآخر ورفضه، وهذا ما نحن نراقبه في سلوك الآخر إزاءنا كطريقة السلام، وحركات الجسم، وعلامات الوجه وما تظهره من تعليق أو صمت، عند بعض الناس فمنهم من يحاول أن يتجاوز هذا الأمر ويظهر خلاف ذلك، متصنعاً أخلاقاً ترحابية بالآخر لاعتبارات متعدد كالقرابة أو الصداقة الحميمة، أو المصلحة أو التدين أو سمو الأخلاق، وهناك العكس يعلن لك رفضه بكل ما للكلمة من معنى، فتفصح بها عيونه، وجسده، وطريقة كلامه، واي سلوك اخر يعبر به عن عدم رضاه من الآخر. ما موقف الأنا من ما يظهره الآخر إتجاهه؟ وهو يرى رفضه من خلال علامات وجه، يرى ذاته المرفوضة، والغير مرحب بها، ويرى أناه المغتربة، في وجه الآخر المقابل. كيف ارى ذاتي بوجه الآخر بموضوعية؟ وكيف أفسر كل علامة اتجاهي؟ وكيف اتجاوز ما غير مقبول دون المصارحة أو المقاطعة؟ أي مساحة امنحها للآخر من مساحات وجهي؟ فالوجه المحمر خجلاً أو غضبأ أو المصفر، أو المزرق، أو الشاحب، أو المتلون بالوان الكأبه، والذي يعلن عدم تفاعله التام اتجاه الآخر ووجوده، يترك مساحة من عشرات الاميال بينه وبين الآخرين، إذ أنه يرفض قربهم، وتفاعلهم، وعلاقتهم، وهذا ما يحدث قطيعة بين أفراد المجتمع التي يجمعها موقف واحد، كأفراد الأسرة مثلا او الأقارب، أو السياسي الزعيم ومواقفه من الآخرين وتقليد الاتباع له لموقفه من الآخرين، هل يعني بالضرورة أن الطاعة للزعيم تتطلب قطيعة بايولوجية وسايكولوجية مع الاخر، هناك صنف من الناس عندما يقابل شخص من أبناء العشيرة المخاصم لها، تظهر تلك الخصومة في كل علامات وجهه وسلوكه. فبالوجه نرى صورة الآخر، المخاصم، المتصالح، المعترف، الموضوعي، الانفعالي، وكل مفهوم اخر يكشف المعنى الحقيقي لصورة الأنا في وجه الاخر، من بداية التفاعل وحتى القطيعة، أما في حالات اللاتفاعل فتظهر القراءة الأولى التي تحتاج إلى تأويل سايكولوجي إزاء الآخرين ورغبة الانفتاح عليهم. لماذا علاقة المصلحة والمنفعة والربح تظهر الوجه الضاحك المرحب على الدوام وكان الآخر جزء من ذاتك؟!؟! ولماذا الزعل مثلا يعتم صورة الآخر في وجهك، فلم تعد ترى نفسك فيه رغم قربه منك؟ هذه أسئلة ذاتيه جداً، إذ أن الإجابة متفاوته بحسب سعة اخلاق الفرد وانفتاحه، فهناك ذوات مغلقة، وذات منفتحة، ذات كأيبة، وذات ضاحكة، وذات متفائلة، وذات متشأئمة، وذات منطوية، وذات اجتماعية... وهلم جرا.... إذ لا يمكن بهذا التقابل الثنائي أن نرى ذواتنا بحسب ما نشتهي ونرغب في مزاج الاخر، الوجه مزاج، وكل ما يتفاعل داخلياً يظهر بدون سيطرة خارجياً، فهناك من يكاشف وهناك من يضمر، وهناك من يكابر، وهناك من يتظاهر بوجه الآخرين تبعا للمواقف التي يريد أن يمررها من خلال تلك العلامة، الوجه هو علامة، وإعلان، ودلالة، لها ما يمكن أن تحققه من معان عند صاحبه للآخرين، وهذا يعني أن مساحات التذاوات اي التفاعل الإيجابي بين الأنا والآخر ينتج عبر قبول واستجابة مشتركة. فلا الثقافة المشتركة، ولا العلاقة المشاركة، ولا المستوى المشترك، ولا البيئة المشتركة، قادرة على إنتاج بايولوجية تفاعل ايجابي بين الأنا والآخر ما لم يكن هناك رغبة حقيقية بها. تستبشر بها الذوات فيما بينها وتعلن تفاعلها واحترامها وتذللها وقبولها وخضوعها ورغبتها، وهي ما تصل إلى السادية عند بعض الأشخاص ولاسيما بين المرأة والرجل، والقائد ومواليه، والزعيم ومحبيه.فالمرأ الحريص على كرامته الذاتية، يبقى يبحث عن وجوه سمحاء تتسع لكل الأنوات بالظهور في مرأته، ويجد الآخرون متسع من الاحتواء والقبول الجماعي بما يعلن سماحة الخلق ورفعة النفوس.

 

وللمقال تتمة..... الدكتور رائد عبيس

 

كاظم الموسوياستعاد الشعب الفلسطيني قبل أيام ذكرى النكبة، أو ما اصطلح عليه بها، مشروع الاستيطان والاحتلال واقتلاع شعب من أرضه ومقدساته وحقوقه ومزارعه ومصانعه وأحلامه.. وعاشت اجيال من الشعب الفلسطيني هذه المأساة من جديد ورغمها ظلت، عند الكثيرين منهم، مفاتيح ديارهم بايديهم وصورها بقلوبهم وظلت عيونهم، سواء من ظل صامدا او هجر عنوة وتوزع تحت نجوم السماء، ظلت عيونهم تشراب نحوها، ونحو القدس، مقدسة وعاصمة للوطن الذي لن يتغير عنوانه ولن يتبدد اسمه، فلسطين بكل حروفها العربية، من الفاء الى النون، مهما صعبت الظروف أو تكالبت المخططات أو تسابق الأعداء على تصفية القضية.

رغم النكبة وتداعياتها، واستمرار الكفاح والمقاومة يظل العدو متربصا ومخططا لكيانه واحتلاله، وتعمل له دول كبرى لاستمراره قاعدة استراتيجية لها وتتخادم معها حكومات من شتى الأصناف والمسميات، إلا أن العدو الصهيوغربي، الامريكي اولا، بكل طغيانه لن يجرؤ أن يعلنها مرة واحدة، سمتها وسائل الإعلام صفقة قرن، وكنتها بصفعة القرن وتداولتها الألسن والمقالات ولن تخرج ثانيا، إلى النور مشروعا متكاملا وواضحا مطلوبا. إلا أن خطوات قاسية صعبة نفذت وأخذت مكانها أمام السمع والبصر، كقانون العنصرية الكريه، وتسمية العاصمة وانكار التاريخ، والغاء اعتبار اسم اللاجئين وتجفيف منظمة الأونروا وسيادة الجولان وغيرها  وليس آخرها ما سمي زورا بورشة عمل في المنامة، عاصمة مملكة البحرين، تحت اسم "السلام من أجل الازدهار". والتراجيكوميدية فيها انها تركز عملها على القضية الفلسطينية ولم تدع ممثلي الشعب الفلسطيني، لا السلطة الرسمية ولا الفصائل الوطنية ولا الشخصيات التاريخية، فعن أي سلام واي ازدهار تهدف الورشة، المؤامرة.

احسنت المؤتمرات العربية الثلاث، المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي- الاسلامي، والمؤتمر العام للاحزاب العربية، في بيانها. في الكشف عنها، واعتبارها "واحدة من المحاولات الأمريكية المتكررة التي تسعى إلى تكريس الوجود الصهيوني في فلسطين والوطن العربي، وتصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية". ودعا البيان القوى الشعبية العربية، في فلسطين والبحرين خصوصا، والوطن العربي عموما، إلى مقاطعة هذه الدعوة المفضوحة، والتمسك بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وللأمة العربية، مؤكدا على وحدة الإرادة والمقاومة وتغليب التناقض الأساس الرئيس مع العدو الصهيوني على كل تعارض اخر ، وردم الهوة القائمة بين النظام الرسمي العربي وبين الواقع الشعبي العربي.

كما رفضت كتلة تقدم البرلمانية استضافة المملكة لما أطلق عليه بورشة واصدرت بيانا اكدت موقفها، وراي الشعب في البحرين الرافض لأي نوع من التطبيع والشراكة مع الكيان الغاصب. وذكر البيان: أن مجرد اعلان السلطة الفلسطينية أنه لم يتم التشاور معها بشأن عقد هذه الورشة في البحرين، في الوقت الذي وجهت الولايات المتحدة دعوة لحكومة الاحتلال الصهيوني لحضورها، من شأنه أن يفضح النوايا المبيتة بالمضي في إبرام الصفقات الرامية إلى محاولة فرض الاستسلام.

ولم تنته الأمور عند البيانات وحدها، بل جرت اتصالات بين الامناء العامين للمؤتمر القومي العربي والقومي- الاسلامي والأحزاب العربية ومؤسسة القدس الدولية وتمت الدعوة إلى لقاء فلسطيني عربي جامع للتداول في سبيل مواجهة صفقة القرن قبيل انعقاد ما سمي بالورشة في البحرين. واتفق على عقده يوم الأحد، الثاني من شهر حزيران/ يونيو .

 أن مجرد الدعوة هذه هي مساهمة فعلية في رفض الورشة ونتائجها وإدانة شعبية لها والمشاركة فيها وإعلان صريح بأن القوى الشعبية العربية لن يهدأ لها بال وهي ترى هذه المخططات العدوانية تسعى لأن تمر وتفعل وعلى أرض عربية. هذه الدعوة واللقاء الذي اشتركت فيه المؤتمرات وقيادات بعض الفصائل الفلسطينية ووسائل إعلام وشخصيات سياسية معروفة يعلن الموقف الشعبي العربي، يذيع صوت الضمير العربي، ويتطلب العمل عليه وتنفيذ توصياته والتأكيد على نفاد صبر الأمة العربية وغضبها من ما يحيق بها ويخطط لها ويسعى إلى الخراب والدمار فيها.

أن شعوبنا أمتنا مصممة بكفاحها التحرري ان تعمل من أجل التقدم والسلام والازدهار فعلا وتواصل التضحيات الجسيمة في سبيل ذلك، وهذه اهداف ومطالب حركة تحررها الوطني والقومي، فكيف تقلب الأمور وتسرق النهايات؟!.. أنها لن تنسى ولن تغفر للمستعمر والمستوطن والمحتل ما يخطط ويتامر ويخرب في وطنها وما يسعى له. الصورة واضحة ولا تحتاج إلى ورش وتهديدات واغراءات وإجراءات. والنصر مهما طال اجله صبر ساعة.

 

كاظم الموسوي

 

التَعادليّةُ تعني التَكافُؤ؛ وهي لاتعني دائماً المساواة . الكونُ وهو كتاب الله التكويني متعادل؛ هو قائمٌ على التَعادليّةِ اي: انه متناغم ومتناسق الاجزاء؛ لايوجد بين اجزائه تنافرٌ واضطرابٌ ... الله تعالى يؤكِدُّ هذه التعادلية والانسجام والتناسق بين اجزائه بقوله تعالى:

(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ).الملك: ألاية: 3. فاللهُ تعالى بعدَ الاشارةِ الى السمواتِ السبعِ الطباقِ ذكرَ انَّ هذهِ التعادليّةَ ليست مقصورةً على السموات فحسب؛ بل هي ساريةٌ في كُلِّ ماخلق الرحمن؛ فلاتفاوت ولااضطراب ولاتنافر بل تناسقٌ وتناغُمٌ .

ويقابلُ كتابَ اللهِ التكويني؛ القران الكريم وهو: كتابُ اللهِ التدوينيُّ؛ وهو ايضاً قائمٌ على التعادليّة؛ يقول الله تعالى:

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) . النساء: الاية: (82). وكذلك قوله تعالى:

(لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ). فصلت: الاية: 42.

والكتاب التكويني يعادل الكتابَ التدوينيّ .

في عالَمِ الخلقِ هناكَ تعادليّةٌ بينَ الموت والحياة:

(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ). الملك: الاية: 2.

هناك تعادليّةٌ بين الموتِ والحياة ... ففي جسم الانسان تموت خلايا؛ وتخلق خلايا؛ وفي الكائنات الحية هناك وفِيّاتٌ ويعادلها ولاداتٌ جديدةٌ.

وفي القران الكريم هناك تَعادِلِيَّةٌ بينَ الاحكامِ والتَفصيلِ؛ كما في قوله تعالى:

(الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).فُصّلَت: الاية: 1.

وهناك تعادليّةٌ بينَ السبعِ المثاني والقران العظيم:

(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ). الحجر: الاية: 87؛ لان الفاتحة اجملت مقاصد القرانِ الكريم؛ فهناكَ تَعادليّةٌ بينَ الاجمالِ والتفصيلِ.

وهناك تعادليّةٌ بينَ الامرالذي أُمِرَ الرسولُ (ص) بتبليغهِ والرسالة اي: هناك تعادليّةٌ بين الولاية والرسالة . يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين. المائدة: الاية: 67.اي: انه (ص) اذا لم يبلغ ماامره الله به كأَنّهُ لم يُبَلِّغ الرسالةَ كلها؛ فهناك تعادليّة بينَ هذا الامر والرسالة.

وَتَتضِحُ تعادليّة الولاية والرسالة في قوله تعالى:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). المائدة: الاية: 3 . فهنالك تعادليّةٌ بينَ اكمالِ الدينِ واتمامِ النعمةِ؛ ولاتوجد تعادليّة بين اكمال الدين والرخصة في اكل المضطر.

وفي اية المودة توجدُ تعادليّةٌ بينَ مودةِ ذوي القُربى وبين اجر الرسالة:

(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ). الشورى: الاية: 23.

التعادليّةُ في الاحاديثِ النَبَوِيّةِ

وفي الاحاديثِ النَبَوِيّةِ نجد تعادليّات واضحة؛ فهناك حديث التعادليّة المشهور وهو قول النبيّ صلى الله عليه واله وسلم:

(إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي). الصواعق المحرقة: ص 145 . في حديث الثقلين نلمسُ بوضوحٍ التعادليّةَ بين العترة الطاهرة والكتاب الكريم

وحديث السفينة فيه تعادلية بين سفينة نوحٍ باعتبارها سفينة انقاذٍ ونجاةٍ؛ واهل البيت باعتبارهم سفينة نجاةٍ. يقول الرسول الاعظم:

(إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك).المستدرك على الصحيحين؛ الحاكم النيسابوري 3: 150.

التعادُلِيّاتُ العلويّةُ

في الايةِ الكريمةِ: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).ال عمران: الاية: 61 .

هناك في الاية تعادِلِيّةٌ بين نفس المُصطفى (ص) ونفس عليٍّ؛ وكما قلتُ: انّ التعادليّةَ لاتعني دائما المساواة؛ بل تعني التكافؤ في الطهر والنقاء والسجايا والملكات؛ لاننا نعتقدُ انّ رسول الله (ص) اشرفُ موجوداتِ عالم الامكان؛ ثُمَّ انّ النبيّ (ص) هو الذي صاغ نفس عليّ على منوالهِ ونموذجه . يبقى لرسول الله السبق لانه الاصل . فالنُسخَةُ وان كانت طبق الاصل يبقى الفضلُ للنُسخَِة الاصليّة.

رسول الله (ص) يقولُ لعَلِيٍّ عليه السلام: (يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة). البرهان: 3: 208 . ففي الحديث الشريف تعادُلِيّةٌ بينََ حب المؤمنِ لعليٍّ (ع) وبينَ بُغضِ المُنافقِ له (ع) .

وحديث: (لضربة علي (ع) يوم الخندق تعدل من عبادة الثقلين) . هناك تعادليّة بين ضربة عليٍّ يوم الخندقِ وعبادة الثقلين .

وحديث المنزلة حديث تعادليات؛ يقول المصطفى (ص):

(يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا بني بعدي) في الحديث تعادليّة نسبة اي: تعادليّة بين نسبة هارون الى موسى عليهما السلام ونسبة علي الى محمد صلوات الله عليهما.

وحديث: (من سب عليا (ع) فقد سبني) فيه تعادلية بين سب علي وسب رسول الله (ص)

وحديث: (يا علي! أنت وصيي، حربك حربي، وسلمك سلمي) هناك تعادليّة بين حرب النبي (ص) وحرب عليّ عليه السلام؛ وبين سلم النبي(ص) وسلم عليّ (ع) .

وفي المؤاخاة؛ حينما اخى النبيّ (ص) بين المهاجرين والمهاجرين؛ وبين المهاجرين والانصار؛ اخى النبي في كلا المشهدين بينه وبين علي؛ لان علياً لايعادلهُ في نفسه وتطلعاته الا النبي (ص) .

وتعادلية: (علي مع الحق والحق مع علي)؛ وتعادليّة (علي مع القران والقران مع علي) . كلُّ هذهِ التعادليات ترشح ان يكون عليا هو من يقوم مقام النبي (ص) .

وهذه التعادليات هي التي رشحته ان يبيت في فراش النبي (ص)؛ لانه لايقوم بهذا العمل الفدائيّ العظيم الا من هو معادلٌ لنفس الرسول في طهرها ونقائها وشفافيتها .

 

زعيم الخيرالله

 

هادي جلو مرعيمن سوء الحظ أن تكون البلاد العربية في أغلبها سهلة التضاريس ومنخفضة وتنزل عليها وتمر منها الحضارات والشعوب، وتطالها الغزوات، وتكون مرتعا لأطماع الغرباء أيا كانوا عبر تاريخ ممتد لآلاف من السنين، فكل من يحيط بنا يغزونا ويستولي على خيراتنا، وحتى الطوائف والديانات المهزومة في العالم تأتي لتأخذ حصتها منا كما في فلسطين المغتصبة، أو أن تأتي دولة مجاورة وتحكم بلدا بأكمله، أو أن تأتي دولة عظمى من مسافة قصية، وتنهب الثروات، وتؤسس القواعد، وتنشر الجيوش مستغلة تنازع العرب بينهم، أو تنازع المسلمين وخصوماتهم الفارغة، وربما جشعهم وطمعهم ببعض.

تخيلوا إن الرئيس ترامب أهين من الفتى المدلل الكوري الشمالية وهو يتوسل لقاءه، وقد إلتقاه لمرتين بغية تفكيك برنامج بيونج يانج النووي، وطلب من الروس والصينيين حمله على فعل شيء يرضي غرور سيد البيت الأبيض، لكنه في النهاية أرسل صواريخه على بحر اليابان، وهدد جزر المحيط الهادي وسواحل أمريكا، ومازال يتوعد بالمزيد، بينما فشل الرئيس ترامب في الحصول على أي مكسب من تواصله مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ملفات عدة إقتصادية ونووية وسياسية، وتراجعت واشنطن في ملف أوكرانيا وسوريا أمام الدب الروسي، وفي فنزويلا وبقاع من العالم لم تتمكن الإدارة الأمريكية من كسر إرادة مناوئيها، فغيرت المسار قليلا.

وفي الملف الإيراني يبدو العالم متحيرا، فمع كل هذا الإنفاق المالي الكبير من العرب، وبالرغم من عديد القوات، ونوع التسليح في المنطقة إلا إن إيران ماتزال متماسكة، وتدلي بتصريحات واثقة، ووجهت عدة رسائل لحلفاء واشنطن في المنطقة، وهددت وتوعدت بمالديها من مخزونات، وماتمتلكه من قوة غير معلنة، وحلفاء يمكن أن يضربوا في اليمن ولبنان والعراق وسوريا، وفي الخليج كله، فلاندري أتأتي الضربة من إيران ذاتها، أم من الحلفاء، وربما تشي الحوادث الأخيرة في الإمارات وسواحلها والمملكة العربية السعودية بخطورة الموقف، ومايتطلبه من هدوء في التفكير، فالمعركة ليست لعبة، ومن لم ينتصر قد ينتقم، والعرب ليسوا بحاجة الى المزيد من المصائب، فإسرائيل ذاتها قلقة ومترددة، وبدأت تخفف من لهجتها، بينما الأمريكيون يتحدثون عن صفقة القرن، وعن ورش عمل في البحرين لتأمين حضور قوي يدعم الصفقة التي تريد واشنطن بها تصفية القضية بالكامل.

هذا هو ترامب الذي على مايبدو لم يتمكن من تحقيق نصر على أي عدو غير عربي، ولكنه منتصر على العرب.

 

هادي جلو مرعي

 

امجد الدهاماتكان الاوربيون يعتقدون بأن كل طيور البجع ذات لون أبيض، ومن المستحيل وجود بجعٍ أسود اللون، لكن عندما اكتشف الهولندي (Willem Janszoon) قارة أستراليا عام (1606) وجد فيها طيور بجع سوداء، فأصبحت عبارة (البجع الأسود) تعني ان المستحيل ممكن التحقق.

وفي عام (2007) نشر المفكر (Nassim Taleb) كتابه (The Black Swan)، يؤصل فيه لنظرية (البجعة السوداء) التي يمكن تلخيصها بما يلي:

ان الأحداث الكبرى في التاريخِ، والتي كان من المستحيل توقعها، قد حدثت فعلاً، وبشكل مفاجئ وغير متوقعٍ، مثل: اختراع الراديو، نشوب الحربين العالميتين، تفجيرات 11 سبتمبر، وغيرها، أي ان فكرة هذه النظرية ليست التنبؤ بالأحداث، بل تفترض ان الاحداث التي لا يُتوقع حصولها وتبدو وكأنَّها من المستحيلات، من الممكن ان تتحقق فعلاً.

بعد النتائج الكارثية التي انتهت إليها دول (الربيع العربي) أصبح هناك رأي يقول إنه من المستحيل تكرار هذه الأحداث في باقي البلدان العربية، لأن شعوبها تعلمت الدرس وفضّلت جور وظلم حكامها على حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تعيشها تلك الدول، وأستغل الحكام تلك النتائج لتخويف شعوبهم من المصير الذي ينتظرهم لو قاموا بتحركات مماثلة.

ويبدو أن تلك الشعوب قد أقتنعتْ بمصيرها ورضتْ بقدرها، لكن مع ذلك تمادى الرؤساء في غيهم وأحكموا قبضتهم على السلطة واستمروا بنفس نهجهم الدكتاتوري القديم، ولم يمنحوا هامش من الحرية أو يعملوا من أجل تحسين الواقع الحياتي لشعوبهم بعد ان اطمأنوا إلى أن الجماهير قد تم ترويضها.

ولهذا فقد أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الترشح للرئاسة للمرة الخامسة (يحكم الجزائر منذ نيسان 1999)، وبدأ الرئيس السوداني عمر البشير بتعديل الدستور للترشح لفترة جديدة (يحكم السودان منذ حزيران 1989).

ما قام به بوتفليقة والبشير كان بمثابة (حركة الفراشة) التي أطلقت الأحتجاجات الشعبية في الجزائر يوم 22 شباط 2019، وفي السودان يوم 6 نيسان 2019، ورغم استقالة بوتفليقة وقيام الجيش السوداني بعزل البشير إلا ان الاحتجاجات لا تزال مستمرة لحين تحقيق اهداف الجماهير.

ان ما حدث هو حركة فراشة أدت الى بجعة سوداء (أرجو مراجعة مقالي: القيادة حسب نظرية تأثير الفراشة)، أي ان ما كان يُقال انه (مستحيل) قد تحقق فعلاً.

وكما يبدو ان الجماهير في البلدين قد تعلموا الدرس من شعوب دول (الربيع العربي) ولم يقعوا بالأخطاء التي وقعوا بها، وأهم هذه الاخطاء:

أولاً: عدم وحدة ووضوح القيادة.

ثانياً: تشتت المطالب وتصاعدها.

ثالثاً: استخدام العنف من قبل بعض المتظاهرين.

رابعاً: إخلاء الشوارع من المتظاهرين قبل تحقيق اهداف التحركات.

ولهذا استمرت الأحتجاجات وحققت نتائج مهمة ولا تزال مستمرة لحين تحقيق باقي مطالبها.

ان ما جرى في الجزائر والسودان هو بمثابة جرس إنذار لباقي حكام الدول العربية الذين عليهم الانتباه لنقطة مهمة وهي ان لصبر الجماهير حدود ومهما تحملت من ظلم حكامهما فسيأتي يوم وتضع نهاية لهذا الظلم، ويبدو ان أول مَن انتبه لهذا الأمر هو رئيس موريتانيا محمد ولد عبد العزيز (يحكم موريتانيا منذ الانقلاب العسكري في آب 2008)، فرغم انه أوعز لنواب حزبه في البرلمان بتعديل الدستور للسماح له بالترشح لفترة ثالثة، لكنه بعد حدوث الأحتجاجات في البلدين رفض إجراء هذه التعديلات وأعلن انه سيلتزم بالدستور ولن يرشح للرئاسة.

لكن يبدو ان بعض الحكام لم ينتبهوا لهذا الجرس لحد الآن، ولهذا ربما تحط البجعة السوداء في بلدانهم وهي تنتظر حركة فراشة فقط!.

 

أمجد الدهامات - العراق

 

في أوج الحرب الباردة التي اشتعلت بين المعسكرين الغربي والشرقي وفي مطلع ستينيات القرن الماضي حدثت ازمة الصواريخ النووية بينهما على خلفية الغزو الامريكي الفاشل لجزيرة الخنازير في كوبا (1961) وقد حبس العالم انفاسه آنذاك بعد ان عاش لحظات رهيبة مرتقبا اندلاع حرب عالمية ثالثة تكون هذه المرة نووية مدمرة وبُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة .

وذات الاجواء تتكرر اليوم في منطقة الشرق الاوسط على خلفية التصعيد الذي بدأ يأخذ مديات خطيرة بين الولايات المتحدة وايران وصل الى درجة عرض العضلات واشعال حرب اعلامية ونفسية حامية الوطيس بينهما وعدم انتهاج الطرائق البراغماتية والدبلوماسية لنزع فتيل الازمة حرصا على سلامة المنطقة التي تعد قلب العالم ومركز السوق النفطية فيه ، فالعداء طويل بين البلدين ويمتد الى مطلع ثمانينيات القرن الماضي منذ انتصار الثورة الايرانية وتأسيس الجمهورية وما تبعها من حادثة حصار السفارة الامريكية في طهران، ومالحقه من قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما ولحد الان وتخلل ذلك احتقان متبادل بين البلدين خاصة بعد رفع شعار (الموت لأمريكا) الذي اعتبرته واشنطن عداءً مستمرا لها، ولم يتنفس العالم الصعداء الاّ حينما اقتنعت طهران بجدوى عقد اتفاقية الاطار النووي (5 + 1) مع الغرب الامر الذي عدّ انفراجا في العلاقات المتأزمة بين البلدين وكان الاتفاق النووي يهدف إلى الحد من طموح إيران النووي مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها، ولكن التوتر بين واشنطن وطهران ازداد حدة في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق واتخاذ واشنطن مسارا اخر بعيدا عن رغبة شركائها منذ دخول الرئيس ترامب الى البيت الابيض .

واليوم مازال العالم يحبس انفاسه ويترقب حدوث حرب دامية بينهما معيدة الى الذاكرة ازمة خليج الخنازير الى الذاكرة وبعد اكثر من نصف قرن من الزمان مازالت واشنطن تنتهج نفس الاسلوب في التعاطي مع الملفات الساخنة خاصة اذا كان الطرف الاخر من الازمة لايتمتع بروح براغماتية ومرونة كافية تساعد على التنازل ولو مؤقتا لكي تمر العاصفة الهوجاء التي قد تطيح بكل شيء، وللاسف فالمتشددون على كلا الجانبين الأمريكي والإيراني هم اصحاب القرار مايزيد من خطورة الوضع، وقد يعاد مرة اخرى سيناريو ازمة خليج الخنازير حيث كانت الصواريخ النووية معدة للانطلاق المتبادل بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، الا ان الحوار السري المثمر والقنوات الدبلوماسية المشتركة بينهما والاحتكام الى لغة العقل نزع فتيل الازمة وجنّب العالم اهوال حرب نووية هائلة .

 أمّا الازمة الحالية قد استفحلت منذ ان حشر الرئيس ترامب الملف النووي الايراني في برنامجه الانتخابي وتعّهد امام الناخب الامريكي بمراجعة اتفاقية (5+ 1) او تعديلها مجيّشا الرأي العام الامريكي ضدها والتي انسحب منها من جانب واحد رغم اعتراض شركائه الغربيين، وتطور الامر الى وضع منظومة عقوبات ضد ايران ومن يتعاون معها، اذ يسعى ترامب إلى حرمانها من تصدير النفط بشكل تام، فقد أوشكت الصادرات النفطية الإيرانية على الوصول إلى الصفر، على ضوء انصياع حتى الدول التي تعتمد على النفط الإيراني كالصين والهند للعقوبات الأمريكية".

 ووصل الامر الى استعراض القوة العسكرية بعد ان لوّحت ايران بغلق مضيق هرمز الاستراتيجي كخطوة استباقية لعرض عضلاتها امام الجميع بانها قادرة على مقاومة التهديدات الاميركية التي وصلت الى نشر سرب قاذفات استراتيجية في الشرق الأوسط كقاذفات B-52 H التابعة للسرب الـ22 لسلاح الجو الأميركي، وارسال ترساناتها الحربية وطائرتها القاذفة الى الشرق الاوسط استعدادا لأي موقف من ايران لتعلن ساعة الصفر للحرب، ومع تلميحها على امكانية ارسال حاملة الطائرات «لينكولن» إلى هرمز في مسعى لتخويف ايران كدلالة على الاستنفار الامريكي العالي، والتنويه على دقّ طبول الحرب التي صار ضجيجها يصمّ الاذان والاصم هو الذي لايسمع ذلك الضجيج على رأي هنري كسينجر بالرغم من تلويحات ترامب من أنه مستعد للقاء القادة الإيرانيين في إي مكان وفي أي وقت ومن غير شروط مسبقة.

قد تكشف لنا الايام عن اسرار وخفايا لهذه الازمة هي ابعد بكثير من قضية الملف النووي الايراني واقرب الى المصالح الجيوستراتيجية الامريكية في هذه المنطقة كما كشفت عن ازمة خليج الخنازير التي اصبحت ذكرى مرعبة .

 

عباس الصباغ

 

حسن عبدالهادي اللاميهذا ما يؤكده قانون الاحوال الشخصية مادة (57) الخاص بحضانة الاطفال الظالم والمجحف بحق الاباء :

نص القانون للاطلاع : http://iraqld.hjc.iq:8080/LoadArticle.aspx?SC=051120074654523

وباختصار يستهدف هذا القانون: إقصاء الاب وابعاده عن ابنائه بعد الانفصال عن الزوجة او الطلاق ويجعل محورية الحضانة للام ويعطيها سلطة كاملة في التحكم بمصير الابناء في حرمانهم من ابيهم وحرمان الاب من ابنائه ، مع اعطاء ساعتين للاب في مشاهدة ابنائه في بناية المحكمة حصرا وبمعدل مرتين في الشهر !!

وهذا القانون مخالف للشريعة الاسلامية عند كل الفقهاء سنة وشيعة الا من شذّ برأيه ولا يُعبأ بفتواه في الوسط الفتوائي ...

الشريعة اعطت حق الحضانة في السنتين الاوليتين من عمر الطفل - للام ولكن يبقى الدور مشترك بينها وبين الاب لحين اتمام السنتين وبعد ذلك تنتقل الحضانة للاب شرعا ويسقط حقها اذا تزوجت ! ...

غير ان القضاء العراقي لا يزال يعمل بقانون لايراعي الواقع والظرف ولا يزال يعمل بمنهج ظالم ومتعسف في التعامل مع الابناء وابائهم ..

فينشأ الطفل وهو بعيد عن ابيه بل يكره ابيه وهذا نتيجة تلك السلطة التي مكنت الام ان تجعل من حقها في الحضانة سلاحا تحارب به طليقها وتحطم مشاعره وتقتل روح الابوه في نفوس الابناء !! ويعينها على ذلك اهلها في تأصيل لغة الانتقام عبر الابناء فيملئون ادمغتهم بما يولد النفور من ابيهم بل اشد من ذلك بلغت الامور الى افهام الابناء ان والدهم رجل شرير!! ،، بل واشد من ذلك ان بعضهن اقنعن الاطفال على ان ابائهم متوفين !!

ولا يزال القضاء العراقي يقف الى جانب الام بحجج مضحكة وتسويلات تخالف حرص الشريعة في رعاية الحقوق والمصالح ليكون القضاء وكادره – من المحامين والسماسرة – معولا يهدم الاسر ويحطم مراكزها في ترك فجوات لايمكن ان يسدها هذا القانون المجحف ولا ادري اي معايير تعتمدها المحاكم في كشف كون المحضون قد ناله الاضرار والسوء؟ حينما يقيدون حق الحضانة بــ(مالم يتضرر المحضون)؟ واي معايير يعتمدونها في كشف المقصر والمفرط في تربيتهم السيئة؟

هل يضعون كامرات مثلا في مراقبة زوج المطلقة وهو يعنف بالأبناء؟ ام يضعون رقيب يتابع عدد مرات خروج الام من المنزل وهي تترك الابناء في بيت زوجها وتذهب للدوام او اعمالها الاخرى، ليصبحوا فريسة التعنيف او الاهانة او الاعتداء الجنسي من بعض ضعاف النفوس فيهم؟!! ويترك الامر للباحث الاجتماعي واي باحث هو اكثرهن – اناث- تخيلوا امرأة تبحث عن سبب لأسقاط الحضانة ام انها ستتعاطف مع امرأة مثلها فلمن تشكو حبة القمح والقاضي ديك!!؟

ومن مصائب هذا القانون الظالم هو اعطاء سلطة للمطلقة ان لا فقط تتلاعب بمشاعر الاب اتجاه ابنائه بل تستطيع ان تفرض عليه نفقة بما يحلو لها من مبالغ وتحت مبررات يتقبلها القضاء ويساندها كغلاء المعيشة!! واذا لم يدفع يتم سجن الاب !! بل اشد من ذلك فمن حقها ان لاتاتي لجلسة المشاهدة ولا تجلب الاطفال وتتغيب ويتقبل القضاء عذرها مهما كان!!!

اي قيمة للأبوة ستكون في نظر الابناء بعد هذا التهميش والاقصاء والظلم

اذا كان الطلاق هكذا تباعته ومتعلقاته لماذا لا تسنوا قانون يلغى فيه الطلاق؟

اي انتماء للإسلام بقي لهذا القضاء وهو يقف مساندا للظالم وكأنهم يعملون بخلاف ما اوصى به خليفة الاسلام وامام المؤمنين وناصر المظلومين الامام علي بن ابي طالب (ع) حينما اوصى ولديه الحسن (ع) والحسين (ع) (و كونا للظّالم خصما و للمظلوم عونا)

هذا القانون الذي اصّل له البعث المجرم واقره صدام المجرم ماهو الا تركة عفنة اضرت في الاسرة واصلت للغة العداء والكره بين اهل المطلقة والمطلق واعطت الضوء الاخضر للمرأة المطلقة ان تتحكم بمشاعر الاب والجد والجدة والاعمام ، وان تفتح جبهات وخنادق بين الاخوال والاعمام ، الطلاق حل لا بد منه احيانا ولكن ان تسحق مشاعر الاطفال بحرمانهم من ابيهم هذا ظلم لا يسكت عن احد !!!

ننشاد العلماء والفقهاء والصالحين واعضاء البرلمان وشيوخ العشائر الاكارم وكل من كان من اهل الحل والعقد: ان يقفوا خلف صوت الامام علي بان يكونوا  للمظلوم عونا وللظالم خصما وان يرجعوا لشريعة الاسلام وانصاف الاب وارجاع حقه فـالحقوق تؤخذ ولا تعطى ، كما يقولون ...!!!

ونأمل بهم ان يصغوا لكلام مولانا الامام علي الذي يقول (وايم اللّه لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، ولأقودنّ الظّالم بخزامته، حتّى أورده منهل الحقّ و إنّ كان كارها)

نطالب بإلغاء هذا القانون ونطالب بان يتم التعامل مع حالات الطلاق وتوابعه طبقا للشريعة الاسلامية على ان يعطى لكل ذي حق حقه وطبقا لمادة (41) من الدستور القاضية باعطاء الافراد حقهم الشرعي والعقائدي في اخذ حقوقهم والاهم من ذلك كله ان قانون الحضانة مخالف للدستور الذي اقر ان لا يتم سن قانون مخالف للشريعة الاسلامية ..

 

حسن عبد الهادي اللامي

 

علي عليلاشك أن السعي في مناكب الأرض واجب، كان قد كُلف الإنسان بأدائه مذ خلقه بارئه، ولاشك أيضا أن المثابرة والعمل الدؤوب هما ديدن الإنسان العصامي، والأخير هذا لن تأتيه ثمار سعيه على بساط الراحة أبدا، إذ كما قال ابو تمام:

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها    تنال إلا على جسر من التعب

فعادة ما تكون طرق النجاح محفوفة بمخاطر ومعوقات كثيرة، ليس أولها أرضية الانطلاق، وملاءمتها للشروع بالسعي من عدمها، كما ليس آخرها التحديات المرافقة، والتي بدورها تنجم عن مصادر عدة، غالبا مايكون الإنسان الطرف المؤثر والفاعل فيها.

أسوق بدايتي هذه وأنا أستطلع تأريخ العراق الحديث، وأٌقصد بتأريخه الحديث السنوات التي أدركت فيها مايدور حولي، وتحديدا منذ سني السبعينيات، حيث لا شاهد يروي لي الأحداث، ولا سامع ينقل ما سمع، ولا قارئ يسرد لي ما اطلع عليه، فأنا الشاهد والسامع والقارئ بحواسي جميعها. ومن بين القضايا الساخنة التي جالت خاطري، قضية كنت قد نويت الخوض في غمارها، والإبحار في حيثياتها وتفاصيلها الدقيقة، وأخرجها -بحكم مهنتي- الى مساحة مرئية، لتكون عملا صحفيا وإعلاميا يحمل بين طياته رسالة، لعل آذان من أقصدهم بها تتفتح وتصغي لما أقول، وساعتها أقول باعتداد وثقة عاليين أن كلماتي أسمعت من به صمم..!. أو لعل الغشاوة تزول عن أعينهم، فيرون ما أطرحه، وسأقول أيضا حينها؛ أنا الذي نظر الأعمى الى عملي..!. وليس قولي هذا تقمصا لمن قاله قبلي منذ مايقرب الألف ومئة عام، لكنني أطمح ان يصل صوتي الى من بيدهم زمام أمور البلد، لاسيما وأنا أعاني ومعي أكثر من ثلاثين مليون عراقي من سوء إدارتهم مفاصل البلد برمتها. كما لم يكن مقصدي بعد تحقيق هذا سوى نيل استحسان القراء والمتابعين، لجهودي المبذولة في إخراج القضية مخرجا ينفض عنها تراب الاهمال والنسيان.

تلك القضية هي قضية شخصيات عراقية، عاشت وذاع صيتها -علميا او ثقافينا او فنيا- في الربع الأخير من القرن المنصرم، والتي شاء قدرها أن يكون حاكم العراق آنذاك سلطان جائر، فرغم لمعان تلك الشخصيات وألق ما تنتجه من أعمال، إلا أنها أضحت كمرآة في بيت أعمى، استوت عنده الأنوار والظلم. أو كانت كجوهرة او درة ساقتها الأقدار الى يد فحام، وللقارئ التصور فيما يفعل الفحام بالدر، كما يقول شاعر الأبوذية:

الدهر مثل الرسالة دوم ينباع

سطرني وخله دمع العين ينبع

حسافة الدر على الفحام ينباع

يحرگه ويخلي احواله ردية

لكن هيهات، فليس كل الدرر مطواعة بيد الفحام، ولنا في كثير من الشخصيات العراقية مثل حي في هذا، إن ذكرت بعضهم فإن المقام في مقالي هذا يضيق بهم -رغم سعته-. فلقد كانت حقبة السبعينيات ولادة عقول عطاءة، تنافست معها النفوس في السمو والارتقاء، فكان الناتج علما ينتفع به، أو فنا بقي كأنشودة جارية، أنار بها الفنان دروبا لم تكن تعرف النور لولا إبداعه الوهاج، أو ثقافة تدعو له الأجيال على تقديمها كمعين لاينضب.

ومن ذاك الجيل والجيل الذي لحقه، إبان حكم النظام السابق، عاش من عاش في مغارب الأرض ومشارقها هربا من سطوة الجور والقمع، فامتد عمره الى يومنا هذا، شاقا طريق التفوق والتألق في بلدان غير بلده، ومنهم من قضى نحبه ورحل عن دنيانا، تاركا إرثا تنهل منه الأجيال تلو الأجيال. وفي كلا الحالين، فإن من المؤسف حذو حكام مابعد السقوط في طرد الكفاءات، الحذو ذاته الذي كان ينتهجه حاكم ماقبله، بدل أن يغيروا نهجهم ويتبعون سياسة جاذبة لهم، مستقطبة إياهم لخدمة بلدهم، واللحاق بركب الأمم التي سبقته بكثير بل كثير جدا.

 

علي علي

 

علاجك يكلف خزينة في زمن الضمير النائم !

لي مع أصحاب الكراسي المتحركة ذكريات وذكريات، أحبهم من سويداء القلب أكثر من سواهم في كل زمان ومكان، هؤلاء على الدوام ومن خلال تجاربي الشخصية أذكى من البقية، أكثر حكمة، أرق أفئدة من غيرهم، أحن على البشرية من الوالدة على ولدها، عرفت منهم الكثير عن قرب، وعرفت بعضهم عن بعد، ولعل الشيخ المجاهد احمد ياسين أيقونتهم بلا منازع، ولعل أديبة عراقية وكاتبة وشاعرة مبدعة ومعروفة هي اﻷرقى بينهم، كنت ومازلت أتابع بإهتمام كبير وأنشر إنجازات منتخب البارالمبية العراقي الذي يضم العشرات منهم والذي دأب على حصد العشرات من اﻷوسمة والميداليات والكؤوس في مختلف الرياضات ما لم تحصده جميع منتخبات اﻷصحاء العراقية اﻷخرى مجتمعة في المحافل الدولية والعربية والاقليمية، وبأستثناء اﻷيقونات اﻵنفة فأن ذاكرتي الحبلى تحتفظ بثمانية منهم عايشتهم عن كثب أولهم والدتي الحنون رحمها الله تعالى في أيامها اﻷخيرة أسأل الباري ان يسكنها فسيح جناته، وثانيهم رفيقي في العمرة وكان يشكرني لصحبته فيما كنت اشكره بدوري ﻷنه حباني بهذا الشرف الكبير بين الصفا والمروة فكنا نسعى سوية، هو على الكرسي داعيا ومهللا وأنا خلفه مؤمنا على دعائه، وثالثهم مروان ذلكم الفتى الجميل، الرقيق، سريع الدمعة، الذي أصيب نتيجة صاروخ غادر بشلل نصفي أقعده على الكرسي طوال حياته، مسبحته بيده، طاقيته فوق رأسه، يدعو للصغير والكبير بالرحمة والغفران والعافية قبل الذهاب الى المسجد ﻷداء صلاة التراويح، رابعهم على كرسي كهربائي يدفع حساب كل من يجلس في المقهى عن طيب خاطر وأنا واحد منهم ولا أعرف إسمه حتى، خامسهم زميلي الصحفي ومحرر الدسك البارع صفاء الذي أقعده المرض على الكرسي المتحرك أسأل الله تعالى له العافية، سادسهم رجل يصلي على كرسيه الكهربائي في أحد أحب المساجد الى قلبي والابتسامة لاتفارق محياه يسلم على من يعرف ولايعرف من الكبار والصغار في اﻷسواق،سابعهم الرائعة الرسامة جنات الجميلي، رحمها الله والتي تمكنت بمثابرتها وثقتها التي تفوق الوصف بنفسها، وببهاء طلتها أن تتوج بلقب أفضل إمراة عراقية عام 2017 في لندن، ثامنهم لم يتسن لها الجلوس على الكرسي أساسا، إنها مريم التي كتبت فيها مقالا عام 2009 تناولت فيه حملة التبرع التي أطلقناها لشراء كرسي مخصص للشلل الرباعي لها وما إن إشتريناه حتى جاءنا نبأ وفاتها الصاعق، مريم هذه كان عمرها 13 عاما وقد أصيبت بضمور العضلات الشوكي الذي أعلنت اليوم شركة "نوفارتس" السويسرية إكتشاف علاج نهائي له إلا أن سعره يبلغ 2.1 مليون دولار وذلك بعد أن طرحته الشركة بحسب رويترز قبل أشهر بمبلغ 5 ملايين دولار وسط اعتراضات دولية !!

وما إن قرات الخبر المحزن حتى أصبت بالصدمة، أولا لكونه جاء مباشرة بعد خبر محزن آخر تمثل بوفاة المقاتل البطل عبد الرحمن القاضي، أحد أيقونات حرب اكتوبر في شهر رمضان عام 1973 والذي تعد صورته وهو يحتفي بالنصر وعبور القناة واجتياح خط بارليف الذي اشاع الصهاينة حينها بأنه الخط الذي لايقهر، وانه الخط اﻷقوى من ماجينو الفرنسي بزعمهم .. القاضي البطل كان يتمنى الموت صائما في شهر رمضان، وهو ما تحقق بالفعل فمات صائما في الشهر الفضيل، وثانيا ﻷن الدواء والعلاج يجب أن يكون خارج الحسابات المادية ولو بالحد اﻷدنى وخارج اطار الطبقية المقيتة، وعلى الشركات المصنعة فضلا عن المنظمات والمؤسسات الصحية الدولية والمحلية أن يكتبوا على هكذا أدوية كما التحذير المكتوب على علب السجائر مع الفارق بطبيعة الحال (هذا الدواء مخصص لمحتاجيه خارج اﻷطماع الإحتكارية)، واذكر ان الدكتور الفاضل والكاتب المتميز طبيب التخدير المعروف "عمار وجيه" قد أشار الى ذلك في مقال سابق بشأن أدوية وعقاقير يعلن عن اكتشافها عالميا فيفرح المرضى بها قبل أن يكتشفوا بأن ليس بوسع الفقراء العلاج والتداوي بها إطلاقا كونها مخصصة للاثرياء من امثال - ترامب ابو كذيلة وبطانته - فقط لاغير، بعيدا عن كل المبادئ والقيم والمثل والشرائع والاديان !

وهنا ﻻيسعني إلا أن أعيد وأكرر ما سبق لي طرحه من أن العلاج يجب أن يتخطى حدود الماديات واﻷطماع البشرية وعلى اﻷطباء واصحاب المذاخر والصيدليات والمستشفيات والمستوصفات الاهلية والحكومية وضع ذلك نصب أعينهم جليا حتى يرحمنا الباري عز وجل .

رحمك الله ابنتي الغالية مريم واسكنك فسيح جناته، لقد مت قبل أن تجلسي على عرشك ..على كرسيك المتحرك ..وقبل أن تصدمي كما صدمنا نحن بتكاليف علاجك المهولة، اذ أن علاجك يكلف خزينة يعمل السراق من الساسة على نهبها صباح مساء من دون حسيب ولارقيب في زمن الضمير النائم ونظيره الميت بحثا عن الضمير الحي الذي إن ظهر وﻻ بد ان يظهر فسينقذ أمة، ويعلي همة،ويسقط أصناما تتبعها أصنام كأحجار الدومينو واحدة تلو اﻷخرى وﻻت حين مناص !

 

احمد الحاج

 

رائد عبيسذكر في الحديث النبوي (من رأى منكم منكر، فليغيره بيده إن لم يستطع فبلسانه، إن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) هناك تساؤلات حول هذا الحديث، ولكن علينا ذكر حديث آخر يتعلق بنفس الأمر، وهو (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) بين ادوات التغيير المذكورة في الحديث الأول وبين المسؤولية في الحديث الثاني، يكمن تساؤلنا الآتي: لماذا لم يذكر العقل كأحد ادوات التغيير، في الحديث الأول؟ وأي مسؤولية ممكن أن تلقى على عاتق الآخرين دون العقل؟ لأداة التغيير التي تنطلق من اليد، اي ادخال البعد العملي في كل عملية تغيير وبشكل مباشر، ربما لا يحقق مراده وطموحه فيه، لأنه ربما لم يصدر بعد عن عملية تفكير سابقة له، تفهم اليد كأداة مباشرة وأولية في عملية التدخل لتغيير المنكر الى حسن، وحتى اللسان هل ممكن أن يكون اللسان أداة تعبير عن فراغ؟ هل اللسان وما ينطق به لا يتجاوز قلقلته في عملية الإصلاح؟ فالحديث بدأ من اليد وانتهى بالقلب، هل يعني ذلك هناك ارتداد على الذات، بعد اليأس من عملية الأصلاح والتغيير، ليكون اضعفه، وذكر في حديث آخر (المؤمن القوي خيرٌ من المؤمن الضعيف) هل الضعيف هو الذي يعتمد القلب في طموح التغيير فقط؟ وماذا لو كان المقصود بالقلب هو العقل المفكر؟ كما ذكر في احاديث تشير إلى أن مصدر الحكمة هو القلب، هل يتناسب ضعف القلب عن أداء الحسن ودفع المكروه، مع كونه مصدر الحكمة؟ العقل هو أداة حكم وسيطرة على جميع الجوارح وبه يقوى القلب، وان كانت بينهما علاقة تعاون بين القوة والضعف في المواقف. فماذا يعني الانقلاب على الذات؟ وماذا يعني الانقلاب على الذات الجمعية؟ ومتى نفصل بين الذات المفردة وبين الذات الجمعية؟ يكون الأنا هو الجمع والجمع هو الأنا، ومتى يتحقق ذلك؟ طويلة هي المسيرة بين الانقلاب على الذات وبين الذات الجمعية أو الاناوات، أو هي مسافة متفاوتة بين الإنتباه والغفلة، نتذكر من شواهد هذا الانقلاب قرار بشر الحافي ذلك الصوفي الذي انتفض على ذاته، وغير مجرى حياته ومسلكه، ولكن السؤال هنا هل كل انقلاب على الذات هو طريق أنقلاب جماعي أو على الجماعة؟ كثير من الأحيان يتولد من هذا الانقلاب ارتداد ذاتي، ينتهي إلى العزلة والاعتكاف والزهد، وقليل جدا ما يتحول هذا الدافع إلى سلوك اجتماعي عام، يغير من وعي الجماهير ويوقظ ضمير الأمة، فمتى ما استشعر الفرد أنه بحاجة إلى الانتفاضة على ذاته، ووجد في المجتمع ما يقابل آفته، ممكن أن يكون خطوة أولى باتجاه التغيير العام في أرادة وافكار ووعي الناس، وهذه ما تمثلها يقظة المصلحين و المفكرين وارداتهم بتوجيه أفكارهم الإصلاحية الى الشارع والناس والمجتمع، لا يهم مدى تقبلها، المهم هو أن تحدث شرخا كبيراً في وعي المجتمع، وتثار به الجدلية بين إمكانية الإصلاح أو عدمه ومع صعوبته، وهذا ما يحدث في الشارع العراقي، الذي هو بامس الحاجة إلى الانتفاضة على ذاته من أجل تغيير سريع، والا سوف ترفض كل مشاريع الإصلاح وتعرقل، اذا لم يتوفر وعي عميق بضرورته، وما أن كل من يجد في نفسه حاجة إلى ذلك ولم يفعلها، فإنه سيكون ضد اصلاح هذا البلد والإرادات الساعية بذلك، وليس يكون بمقدورنا أن نحول الفعل الذاتي الى فعل جمعي، ولا فكرة الانقلاب على الذات وما نملك وسيلة كافية لإقناع المجتمع بفكرة الإصلاح واتباعه، وكأنه شأن ذاتي، أن كان عليك أن تصلح نفسك فاعتزل!! هذه فكرة خطاب جمهور أرتهن لفساد قادته، واعتاد فعل الرفض لاي فكرة اصلاح، لانه ربطها باليأس! وعندما يكون سواد الاخير أكثر تجهض كل مشاريع الإصلاح، ويفهم طموح الانقلاب على الذوات الجمعية الفاسدة جزء من خراب المجتمع، وتدرك الغالبية من المجتمع بعدها أن أي عملية إصلاح هي عملية فاسدة، لانها لا تصلحهم بقدر ما تفسد مصالحهم، وهذا يدعوهم إلى الدفاع عنها عناداً بفسادهم واصراراً عليه. وهنا ندعو إلى اليقظة، والتنوير، والوعي، لتحقيق انقلاب ناجح على الانا والآخر....

 

الدكتور رائد عبيس

 

ابراهيم أبراشتتفنن إدارة ترامب مثلها مثل الإدارات الأمريكية السابقة في طرح مشاريع وتصورات للقضية الفلسطينية وللشرق الأوسط بشكل عام وتحت مسميات مختلفة، وكلها مشاريع غير قابلة للتنفيذ عمليا أو أن ما هو مُعلن عنها رسميا من أهداف – غير ما تُضمر الإدارة الأمريكية ومتعارض مع ممارساتها وممارسات إسرائيل على الأرض .

وهكذا من مؤتمر مدريد للسلام 1991 إلى أوسلو 1993 وخطة خارطة الطريق 2003 إلى الشرق الأوسط الكبير 2004 وبعده الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة 2006 وأخيرا ما تسمى صفقة القرن والتي آلت لمشروع السلام الاقتصادي كما سيتم ترويجه في ورشة العمل في المنامة -البحرين في الشهر القادم . طوال عقود من التعامل مع والمراهنة على هذه المشاريع للتوصل لحل سياسي أمريكي منصف للفلسطينيين والعرب للصراع في الشرق الاوسط كان مآل المراهنين مثلهم مثل مآل مَن يجري وراء السراب .

هذه الصيرورة التي آلت إليها هذه المشاريع ليس سببها أن العرب لا يريدون الاستقرار والديمقراطية أو أن الفلسطينيين لا يريدون الحل السلمي العادل، بل لأن واشنطن وتل أبيب لا تريدان لا استقرارا ولا سلاما .

كثيرون تحدثوا وما زالوا يتحدثون عن فشل السياسة الأمريكية ومشاريعها في الشرق الأوسط، وفي ظني أن واشنطن لم تفشل بل انجزت كثيرا من أهدافها في المنطقة، وواقع حال العرب والفلسطينيين اليوم مقارنة بواقع إسرائيل والمصالح الامريكية يؤكد ذلك، فإسرائيل تعيش عصرها الذهبي منذ تأسيسها 1947 حيث لا توجد مصادر تهديد حقيقي لها تأتيها عبر حدودها – ما كانت تسمى دول الطوق - والنظام السياسي الفلسطيني، الآن وفي ظل الانقسام ومع نفس النخب السياسية الحاكمة، أبعد ما يكون عن تشكيل تهديد حقيقي لإسرائيل، كما أن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية كما تم تحديدها منذ الحرب الباردة تتحقق اليوم سواء ما يتعلق بالتحكم الأمريكي بالنفط والغاز انتاجا وتسويقا أو ببلقنة المنطقة وتفتيتها أو بنشر القواعد العسكرية أو ضمان التفوق الإستراتيجي والعسكري لإسرائيل على كل الدول العربية الخ .

ما فشل هي المراهنة الفلسطينية والعربية على هذه المشاريع وفشل المراهنة على حسن النية بالإدارة الأمريكية كوسيط نزيه في التسوية مع إسرائيل أو كحليف مُخلص للدول العربية وخصوصا الخليجية.

إدارة ترامب غير معنية بالسلام لا في فلسطين ولا في أية منطقة في العالم بل إن ما ترومه هو إدارة الصراعات لتحقيق مصالحها ومصالح حلفائها الاستراتيجية، ما دامت الصراعات والحروب خارج أراضيها ونفقاتها تأتي من أموال الدول المتصارعة نفسها أو بابتزاز حلفائها المُهدَدين من هذه الصراعات، كما أن هذه الحروب تمنح الجيش الأمريكي فرصة و ساحة تدريب حقيقية وباللحم الحي لاختبار أسلحته المتطورة، دون تجاهل صفقات الأسلحة المُقدرة بمئات مليارات الدولارات، هذا بالإضافة إلى تحسين مواقعها الجيوستراتيجية في مواجهة منافسيها وخصومها الكبار كروسيا والصين وأوروبا .

مشروع التسوية الجديد والمسمى صفقة القرن لا يخرج عن سابقيه من حيث استراتيجية إدارة الصراع وإعادة الأطراف، وخصوصا الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى طاولة المفاوضات، والمهم صمود الفلسطينيين وعدم خضوعهم للابتزاز، فواشنطن ومن جمَّعَتهم في مؤتمر البحرين يملكون ولا شك المال والسلاح ولكنهم لا يملكون الحق في التصرف بمصير الشعب الفلسطيني، فالقرار عند الفلسطينيين وخصوصا عند الجهة الممثلة لهم رسميا ودوليا منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، فهذا الأخير يقع عليه الرهان والمسؤولية أيضا، بمضامينها السلبية والإيجابية، في هذا الوقت الصعب .

 

إبراهيم أبراش

 

عبد الرضا حمد جاسممقدمة: في التالي كم لا بأس به من الأرقام كنتُ قد بينت رأيي في بعضها في: انتحار الشباب/مناقشة مع الدكتور قاسم حسين صالح 2/2 ولتكرر بعضها هنا عليه وجدت ضرورة العودة اليها، وانا مضطر ان اُقدم معها بعض المأخوذات من "الصحافة والاعلام" عبر الانترنيت "غوغل" محاولاً إيصال ما اُريد توضيحه ولبيان ضرورة عدم الاعتماد على "القطع واللصق" في أمور مهمة وبالذات حول المجتمع العراقي في الظروف التي يعيشها وتعيشها "الصحافة". النقاط المكررة سأضع بعدها كلمة (مكرر)... فأعتذر عن ذلك ...شكراً جزيلاً.

12- كتب أ. د قاسم حسين صالح التالي: [فيما المنطق والحقائق ومصادر حكومية وتقارير تتمتع بالمصداقية ودراسات جامعية عراقية تؤكد ان معدلات الانتحار في العراق تضاعفت بعد 2003، اليكم نماذج منها:] انتهى

*تعليق: عَّدَدَ أ. د قاسم حسين صالح ما قال عنها انها تلك التي أكدت أن معدلات الانتحار تضاعفت بعد 2003 وهي كالتالي:

 1- المنطق.

2- الحقائق.

3- مصادر حكومية.

4- تقارير تتمتع بالمصداقية.

5- الدراسات الجامعية العراقية.

وختم المقطع بقوله: [واليكم نماذج منها].

وقبل مناقشة تلك النماذج لابد أن أقول: أتوقع وربما يتوقع القارئ بأن أ. د قاسم حسين صالح سيجود علينا وعلى القارئ الكريم و"لجنة الدكاترة" بتلك النماذج التي لا يقترب بل هرب ويهرب منها الشك...لأنها حقائق كما كتب " من مصادر حكومية وتقارير تتمتع بمصداقية ومن دراسات جامعية عراقية يدعمها المنطق "فهل هناك اصدق وأدق منها؟...ولا بد لنا ونحن نتابع تلك النماذج ونحاول الاقتراب منها بالمناقشة ان لا يفوت عن بالنا ما ورد في الجزء السابق مما كتبه أ. د قاسم حسين صالح وهو: [ومن خبرتنا في البحوث العلمية تأكد لي وجود نوعين من الباحثين، الأول (نصّي) يلتزم بالأرقام وما يقوله الإحصاء، والثاني يعتمد الإحصاء ايضا ولكنه يُحَّكِمْ المنطق ويأخذ بما يقدمه الواقع من حقائق. والمأخذ على هذه الجهد العلمي ان دراسته الـ (quantitive study) تعاملت مع الأرقام بطريقة (حنبلية). أعني انها قيدت نفسها بمقارنات احصائية، ونأت عن واقع يناقض تماما تلك النتيجة الصادمة بان معدلات الانتحار في العراق هي اقل من معدلاته في العالم، التي هي صحيحة رقميا ولكنها غير صحيحة واقعيا] انتهى

لكن قبل استعراض تلك النماذج لابد من سؤال هومن يطرح نفسه كما قالوا وأقول والسؤال هو:

كيف جَمَعَ/جَّمَعَ أ. د قاسم حسين صالح تلك النماذج التي وصفها أنها من:" المنطق والحقائق ومصادر حكومية وتقارير تتمتع بالمصداقية ودراسات جامعية عراقية تؤكد ان معدلات الانتحار في العراق تضاعفت بعد 2003" وهو الذي بَيَّنَ عدة مرات صعوبة الحصول على مثل تلك المعلومات من الدوائر المعنية وعوائل المنتحرين؟ ثم كيف تأكد من ان تلك النماذج أكدتْ تضاعف معدل الانتحار في العراق؟

أكيد ووفق ما قدمَ لها، أن تلك النماذج من وثائق ذات مصداقية تامه ومؤيدة بما يستوجب بحيث أصبحت حقائق لم يقترب منها الشك مسنودة بالمنطق وإصدارات رسمية مُعْتَمَدَة وبحوث جامعية مؤكدة. وهذه الأمور أكيد تدفع لمتابعتها وتوثيقها ونشرها والتَعَّلُمْ منها وحفضها للأجيال وإدخالها في مناهج تدريس علم النفس والمجتمع. تفضلوا أعزائي للاطلاع على تلك النماذج مشكورين.

اليكم تلك النماذج: [النقاط المهمة سأضعها بين قويسات من قبيل(())].

النموذج الأول: [نشرت مفوضية حقوق الأنسان تقريرا عن معدلات الانتحار في العراق حددتها بـ (439) حالة ((مسجلة بشكل رسمي خلال عام واحد فقط)) أغلب ضحاياها من الشباب توزعت بواقع(119) في ذي قار و(76) في ديالى و(68) في نينوى و(44) في بغداد و(33) في البصرة و(16) بالمثنى و(15) في ميسان و(12) في واسط، فيما كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار ((المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام الجاري وحتى نهاية شهر أيار)) بلغت(17) حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن(25) سنة ((السومرية نيوز، ايار 2013))].[مكرر].

تعليـــــــــــق:

1- أن دراسة "لجنة الدكاترة" اقتصرت على عامي 2015 و2016 عليه لا يدخل هذا النموذج في سيرها.

2- لم يحدد هذا النموذج أي عام يقصد لكنه بالتأكيد قبل عام 2013 لآن "السومرية نيوز نشرته في أيار 2013 كما ورد. لكن لم يخبرنا في أي يوم من شهر أيار/2013 صدر هذا التصريح او نُشر؟ أو هل "السومرية نيوز" "مطبوع" شهري؟

3- هذا المقطع "النموذج" مركب من خبرين من مصدرين:

الخبر الأول: مصدره "مفوضية حقوق الانسان" والخبر الثاني: مصدره "قيادة شرطة ذي قار" الخبر الثاني واضح انه من "السومرية نيوز" لكن الأول من أين؟ الأول يذكر اجمالي حالات الانتحار في عام واحد لكل العراق والثاني يتكلم عن عدة أشهر فيما يخص محافظة واحدة من محافظات العراق الثمانية عشر فما الداعي لإيرادهما وفي نموذج واحد. ألا يؤشر ذلك الى شيء ما؟

4- هل يتوقع أ. د قاسم ان "لجنة الدكاترة" لم تطلع على تلك التصريحات وهي قد ذكرت ان استمارات البحث تم توزيعها من قبل وزارة الداخلية التي تشرف على قيادة الشرطة وبطلب من "منظمة الصحة العالمية" التي أكيد لها علاقة بوزارة حقوق الانسان ودوائرها والمنظمات وان أ. د قاسم حسين صالح هو أحد أعضاء تلك المنظمة... ثم بمن ترتبط مفوضية حقوق الانسان وما هو موقعها ومن أين تحصل على معلوماتها؟؟؟

5- أسأل أ. د قاسم حسين صالح: هل ان "السومرية نيوز" او "القدس العربي" او "الحرة عراق" هنا ينطبق عليها تقديم أ. د قاسم حسين صالح: "المنطق وحقائق ومصادر حكومية وتقارير تتمتع بالمصداقية او بحوث جامعات عراقية"؟ الجواب قطعاً كـلا.

6- اليكم ما ذكرة أ. د قاسم حسين صالح في مقالته: ((انتحار الشباب "مهداة الى من يريد بناء اسيجة على جسور بغداد")) عن حالات الانتحار في محافظة "ذي قار" ولنفس الجهة أي "مفوضية حقوق الانسان" لكن مأخوذ من مصدر أخر هو "القدس العربي "وليس "السومرية نيوز" حيث كتب أ. د قاسم حسين صالح التالي: [نشرت مفوضية حقوق الانسان العراقية في مارس/اذار2014/إحصائية كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار في مقدمتها ذي قار(199) حالة في 2013(القدس العربي)..الخ] انتهى.

* اليكم ما ورد عن السومرية نيوز بتاريخ 31/05/2013:[كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار، ((الخميس))، أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة ((منذ مطلع العام الجاري وحتى نهاية شهر أيار)) بلغت (17) حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن (25) عاماً،...، وتلقت "السومرية نيوز" نسخة منه، إنها (("سجلت منذ مطلع العام الجاري ولغاية الأول من شهر أيار)) الجاري (17) حالة انتحار لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن (25)سنة ،مبينة أن "العام الماضي 2012 شهد تسجيل (24) حالة انتحار، فيما سجلت (15) حالة في العام 2011"....الخ " السومرية نيوز"] انتهى...أي أنه لا يتضمن الرقم(439) حالة(((الرجاء الانتباه الى ما بين الاقواس))).

ملاحظة:

1- لاحظ عزيزي المتابع ان "السومرية نيوز نشرت الخبر يوم 31/05/2013 وهو يحدد الفترة من بداية العام حتى نهاية اذار من نفس العام؟ ثم نفس السومرية نيوز تأتي بعد سطر واحد فقط لتقول ان الخبر يخص الفترة من اول العام الى بداية شهر أيار. ومع ذلك أسأل: متى تم اعداد التقارير وتنظيمها وإعلانها؟

2- فسرتُ لكم النموذج الأول انه لا يخص عام 2013 لأنه منشور في "السومرية نيوز يوم 31/05/2013 فيمكن ان نحسب الرقم على عام 2012 ويكون فيها عدد حالات الانتحار (119) في ذي قار لكن هنا نجد ان المسجل في ذي قار عام 2012 هو (24).

 (((لاحظ ما بين الاقواس لطفاً)))

................

*اليكم نفس الأرقام والفترة من مصدر أخر هو: وان نيوز 22/04/2018

http://www.oneiraqnews.com/index.php?aa=news&id22=4821#.XOQ0MMgzaUk

ارقام واحصائيات: نشرت "مفوضية حقوق الأنسان" تقريرا عن معدلات الانتحار في العراق، تصدرت فيه محافظة ذي قار القائمة ب(119 )منتحرًا ومنتحرة مرتفعة بذلك عن معدلات سابقة ((بنسبة 60 بالمائة))،وأضافت أن (439)حالة انتحار مسجلة بشكل رسمي في العراق ((خلال عام واحد ))فقط أغلب ضحاياها من الشباب توزعت بواقع 119 في ذي قار و76 في ديالى و68 في نينوى و44 في بغداد و33 في البصرة و16 بالمثنى و15 في ميسان و12 في واسط، فيما تراوحت طرق الانتحار بين الشنق والغرق واستخدام السلاح الناري والحرق ((خلال عام 2017))".اما خلال العام 2016 فقد كشفت مواقع الكترونية صحيفة "القضاء" الالكترونية بتقرير سابق لها الى إحصائية رسمية أفادت بأن بغداد وكربلاء وذي قار تصدرت بقية المحافظات بعدد المنتحرين من الذكور والإناث، بينما لم تشهد ثلاث محافظات تسجيل أية حالة. وأكدت الصحيفة انه بحسب الإحصائية فقد سجلت العاصمة بغداد 38 حالة انتحار متصدرة جميع المحافظات، تلتها كربلاء ب 23، ثم ذي قار مسجلةً 22 حالة. وجاءت المحافظات الأخرى في الإحصائية كالتالي: القادسية 15، بابل 12، صلاح الدين 6، البصرة 3، ميسان 2، بينما سجلت محافظات واسط وكركوك حالة واحد لكل منهما، ولم تسجل النجف وديالى والمثنى أية حالة انتحار.] انتهى

هنا ورد رقم (439) حالة انتحار في عام 2017 وهناك 2012 و2013

أعتقد أن هذا النموذج باطل ولا يخضع لكل التقديم الذي قدم به أ. د قاسم حسين صالح فلا هو حقيقة ولا هو دقيق ولا من دراسة جامعية عراقية ولا هو من مصدر حكومي ولا هو من تقارير تتمتع بالمصداقية...عليه لا يُعتمد لاختلافات في الأرقام إلى إذا كانت لدى أ. د قاسم حسين صالح أصل التصريح وما يُثبت دقته ومطابقته لل "منطق والحقيقة ومن مصدر حكومي ويتمتع بمصداقية او من دراسة جامعية موثقة"...وإن كان يمتلك تلك الوثيقة كان عليه اعتمادها اصلاً والإشارة اليها.

.............................................

النموذج الثاني: [اشارت إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أنها سجلت في العراق(633) حالة انتحار خلال عام 2013 لوحده، بزيادة وصلت 60 في المئة عن عام 2012.] انتهى

تعليق:

1- إذا كان العدد كما ورد لعام 2013 هو (633) بزياد 60% عن عام 2012 ولما كنا محتارين أي الأرقام نحسبها لعام 2012 ...يمكن لنا ان نجد حلاً هو احتساب ال 60% من 633 فيكون العدد هو: 633×60=37980÷100= تقريباً (380) وهو غير الرقم الذي ذكره أ. د قاسم حسين صالح أي (439) فالفرق بين الرقمين كبير وهو:439-380=59 فيكون الخطأ أكثر من 13%

 انتبهوا لطفاً الى التصريح وقارنوه مع ما ورد في "النموذج الأول" اعلاه [النموذج الأول: [نشرت مفوضية حقوق الأنسان تقريرا عن معدلات الانتحار في العراق حددتها بـ (439) حالة مسجلة بشكل رسمي خلال عام واحد فقط أغلب ضحاياها من الشباب توزعت بواقع(119) في ذي قار و(76) في ديالى و(68) في نينوى و(44) في بغداد و(33) في البصرة و(16) بالمثنى و(15) في ميسان و(12) في واسط، فيما كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام الجاري وحتى نهاية شهر أيار بلغت(17) حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن(25) سنة (السومرية نيوز، ايار 2013)].[مكرر].

2- مع كل ما تقدم فالنموذج يخص عام 2012 والدراسة تتكلم عن عام 2015 وعام 2016 ...إذن فهذا نموذج باطل.

2- ورد ان الزيادة وصلت 60% وهذ لا يعني انها تضاعفت.

3- ان هذا الخبر من منظمة الصحة العالمية كما كتب أ. د قاسم حسين صالح وهو عضو في هذه المنظمة وهي التي أشرفت او وزعت استمارات دراسة "لجنة الدكاترة" وهي اكيد تعرف به وأكيد أن كان مثل هذا الرقم أخذت به "لجنة الدكاترة"

4- اليكم بعض ما منشور عن هذا النموذج

*المصدر: وان نيوز 22/04/2018

http://www.oneiraqnews.com/index.php?aa=news&id22=4821#.XOQ0MMgzaUk

ارقام واحصائيات

نشرت "مفوضية حقوق الأنسان" تقريرا عن معدلات الانتحار في العراق، تصدرت فيه محافظة ذي قار القائمة بـ 119 منتحرًا ومنتحرة مرتفعة بذلك عن معدلات سابقة بنسبة 60 بالمائة،] انتهى

في النص الذي وضعه أ. د قاسم حسين صالح ورد 2013 و2012 ويقول الخبر (633) حالة انتحار في هذا النص لم يُذكر لا 2013 ولا 2012 ويذكر الخبر رقم (119) لمحافظة ذي قار.

*اليكم نص ما ورد في شبكة النبأ المعلوماتية 01/08/2017

https://annabaa.org/arabic/community/11979

انتحار شخص كل 40 ثانية في العراق

تصاعدت مؤخراً ظاهرة الانتحار بين الشباب العراقي بشكل غير مسبوق لتعكس حالة الإحباط نتيجة تدهور الأوضاع في العراق وانعدام الأمل بتغييرها إذ تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أنها سجلت في العراق 633 حالة انتحار خلال ((عام 2013)) لوحده].

انظروا التزييف وعدم الدقة في بداية هذا الخبر وكيف تنقل المواقع والصحافة: [انتحار شخص كل 40 ثانية في العراق] أي أن عدد حالات الانتحار في العراق سنوياً هي: (788400) [سبعمائة وثمان وثمانون ألف واربعمائة] ...هذه مصادر الصحف والفضائيات.

 

عبد الرضا حمد جاسم 

...............................

الى اللقاء في الجزء التالي:

 النموذج الثالث: [خلية ازمة الانتحار في محافظة ذي قار، كشفت عن تسجيل مناطق المحافظة(26) حالة بشكل عام منذ بداية عام 2017، فيما سجلت احصائيات العام 2016 حالة انتحار واحدة اسبوعياً، وأن معظمهم من المتعلمين].

 

صادق السامرائيمن الملاحظات المتكررة، أنك عندما تجالس ذوي العمائم واللحى والمدعين بأنهم يمثلون دين ما، تجدهم قد تيقنوا بأنهم المثل الأعلى والآخر دونهم ومن واجبهم هدايته إلى صراطهم المستقيم، لأنه في عوج وبهتان يقيم.

أي أنهم يتمنطقون بالهداية ويضعون على عاتقهم العمل على إخراج الآخرين من ضلالاتهم، والأخذ بأيديهم إلى حيث يعتقدون ويتصورون وفقا لرؤاهم المطلقة المتمترسة، التي عليها أن تسود وتمحق وتدوم.

وهذا السلوك من صلب معاني الأصولية الفاعلة بالبشر والآخذة به إلى ميادين سقر، فالأصولي يرى أن ما يعتقده هو الحقيقة المطلقة وما عداه كفر وضلال، ومن واجبه أن يترجم مطلقه الإعتقادي إلى فعل مهما كلف ذلك من جهد وخسران، لأن ما يراه هو طريق الحق المطلق، والدرب المعبد بالورود إلى جنات النعيم والرغد الرغيد.

ويبدو أن الأصولية ليست خاصة بالمعتقدات الدينية، وإنما هي وباء يتوطن العديد من الحالات الحزبية والثقافية والفكرية، وأي تجمعات بشرية ذات رؤية تلتف حولها وتدين بها.

فالأصولي مطلق محّاق، ويتعبد في محراب أوهامه، ويندفع بشراسة نحو ما تمليه عليه هذه الأوهام الفاعلة فيه والمستحوذة على حواسه ورؤاه، فتجده مندفعا نحو التعبير عنها بعنفوان الكلمة، واليد وما تمكنت من الإمساك به من آلة عدوان وخراب وخسران.

ولا يمكنك أن تتحاور مع الأصولي، لأن الحوار لا وجود له في قاموس وعيه، وإنما كلمته هي الكلمة، ورؤيته هي اليقين المطلق والحق المبين، وما غيرها عدوان مهين.

ولهذا فأن الدعوات التفاعلية مع الأصولية فاشلة، وتزيدها تخندقا وتمترسا وإمعانا بالتمسك بما تراه، وتملؤها حقدا وكراهية وعدوانا على الذي يحاورها، ومن الأفضل تجنبها وإهمالها وصناعة الوعي الجمعي المعاصر الذي يسد الأبواب بوجهها حتى تذبل وتذوي وتغيب، أما الوقوف المباشر بوجهها فأنه يقويها ويجلب لها أنصارا ومدافعين ويحفز قدراتها على التجنيد.

وكأنها حالة قائمة في دنيا البشر، فتراه يعبّر عنها في ميادين نشاطاته المتنوعة، كالثقافية والأدبية والسياسية والفكرية، وما أكثر الأصوليين المدعين بالثقافة والمتوهمين بأنهم يملكون مطلق المعرفة بما يقدمونه من كتابات ونصوص، وما هم إلا من أؤلائك الأصوليين ولكنهم في غفلة يعمهون، لأنهم يتصورون حيازتهم للمطلق، وينكرون نسبية الوجود وضرورات التغيير الفاعل في نهر الحياة الجاري.

فهل أن الأصولية داء مستطير؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

قدّم خلال السنوات الثلاث الماضية 36 وزيرا بريطانيا استقالاتهم من الحكومة التي ترأسها تيريزا مي، التي قدّمت هي الأخرى استقالتها صباح اليوم الجمعه لتدخل حكومتها التاريخ باعتبارها الحكومة البريطانية التي استقال منها اكبر عدد من الوزراء. ومن بين هؤلاء 21 وزيرا استقالوا لمجرد إعتراضهم على كيفية إدارة رئيسة الوزراء لملف خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي المعروف ب“ بريكست“ والذي أدخل البلاد في مأزق كبير.

وأما الباقون فقد استقالوا لأسباب مختلفة بعضها شخصي وبعضها إثر فضائح ومنها قضية التحرش الجنسي التي اطاحت بوزير الدفاع مايكل فالون، فيما طلبت رئيسة الوزراء من خلفه غافين ويليامسون تقديم استقالته  على خلفية مسؤوليته عن مشاركة شركة هواوي الصينية في بناء البنية التحتية غير الأساسية مثل الهوائيات لشبكة الجيل الخامس للاتصالات في المملكة المتحدة. إذ اعتبرت رئيسة الوزراء انه غير قادر على تحمل مسؤولية وزارة الدفاع! لم تتعرض بريطانيا لإحتلال خارجي ولم يتجرأ أحد على التجاوز على سيادتها وحرمة ترابها، لكن الوزير أثبت قصوره بسماحه لشركة أجنبية تثار شكوك حول إستخدامها تقنيات الجيل الخامس لأغراض تجسسية.

وقدّمت وزيرة الداخلية أمبر رود استقالتها بعد فضيحة مهاجري الكاريبي إذ إتهمت رود بتضليل البرلمان بشأن خطط الحكومة لترحيل مهاجرين غير شرعيين.

وأما فيما يتعلق بلمف بريكست فإن الوزراء الذين استقالوا وآخرهم زعيمة العموم في البرلمان  اندريا ليدسوم جاءت أستقالاتهم  إحتجاجا على سياسات تيريزا مي المتعلقة بالخروج من الإتحاد الأوروبي ، وسبقها عدد كبير من الوزراء ومنهم وزير الخارجية بوريس جونسون ووزير البريكست دومنيك راب، واليستر البرت وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط ووزيرة العمل ايستر ماكفي وغيرهم. وكان أحد وزراء حكومة رئيس الوزراء السبق غوردون براون قدم استقالته بعد فضيحة مالية  وهو وزير مسلم يدعى شاهد مالك.

وعند البحث عن أسباب استقالة هؤلاء  فإنها تتمحور حول التجاوز على  قيم إخلاقية أو عدم الكفاءة أو لدوافع مبدئية أوخيانة الأمانة.  فلقد أطاحت فضيحة تحرش جنسي ورسائل نصية جنسية بوزيرين، فإن مثل هذه الممارسات اللاأخلاقية تطيح بالمسؤول مهما كانت مكانته وكان موقعه في الدولة. فيما يطيح الفساد المالي بالوزير وإن كان بسيطا وكما حصل مع شاهد مالك الذي استقال  لمجرد بدء التحقيق ولوجود شبهة حتى برّأه القضاء لاحقا ليعود مرة اخرى الى الحكومة. واما إذا فشل الوزير في اداء مهمته او قصّر في أداءها فلابد له من الإستقاله وكما حصل مع وزير الدفاع ومع رئيسة الوزراء التي بذلت كل مافي وسعها للتوصل الى اتفاق يخرج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي إستجابة لرغبة الغالبية البريطانية وفي ذات الوقت الحفاظ على مصالح بريطانيا.

لكن 21  وزيرا لم يشاطروا رئيسة الوزراء رؤيتها حول كيفية الخروج من الإتحاد الأوروبي، قدّموا استقالاتهم لأنهم يرون أن تعاطي رئيسة الوزراء مع هذا الملف طعنة في ظهر 17 مليون بريطاني صوّتوا لصلح الطلاق من الإتحاد الأوروبي. فإتفاق الخروج الذي توصلت له مي مع الإتحاد الأوروبي اعتبره هؤلاء الوزراء لا يضمن خروجا تاما لبريطانيا من الإتحاد. ولذا فقد  ضحى هؤلاء الوزراء بمناصبهم وفاءا لجمهورهم الذي صوت لهم بعد ان وعدوه بإحترام نتائج أي استفتاء حول الخروج من الإتحاد الأوروبي. إنهم يعتبرون أن خذلانهم للناخبين هو خيانة لأمانة حملوهم إياه وهم مستعدون للتخلي عن مناصبهم وفاءا لناخبيهم.

هذه الثقافة القائمة على قيم ومبادئ إنسانية،  هي السائدة بين الطبقة السياسية البريطانية بمختلف احزابها لأن هذه الطبقة تربت على ان الحكم مسؤولية وامانة  حملها إياهم الشعب، ووظيفتهم هي السهر على امنه وخدمته ورقيه في مختلف المجالات، وهي مسؤولية عظيمة لمن يشعر بثقل عبءها وليس لمن يعتبر المنصب إمتيازات، أو بابا  لتعيين الأقارب او  فرصة للثراء غير المشروع عبر الفساد العابر لكل الحدود والمعقول  كما يفعل المتكالبون على السلطة ممن وضعوا ثمنا لكل منصب بحسب مقدار عوائده.

فأمثال هؤلاء لايهمهم وطن ولا شعب ولا قيم ولا أخلاق ولا دين، فكل همهم أنفسهم ولتغرق البلاد في بحر متلاطم من امواج الفتن والأزمات. ولذا  فقد اصبح كرسي الحكم رأس بلاء الشعوب العربية والإسلامية التي ما جلس على كرسيها أحد الا وتمسك به وحتى آخر نفس إلا ماندر . والعجيب أن بعض هؤلاء المتكالبين على السلطة واللاصقين بالكرسي نسوا أن علي بن أبي طالب الذي تصادف هذه الأيام ذكرى أستشهاده، لم يسع للحكم وقد إجتمع حوله المسلمون مبايعين وكان قابضا يده قبل أن يبسطها بعد إقامة الحجة  بوجود الناصر.

فعلي يرى في الحكم وسيلة لإقامة العدل والقضاء على الفساد  وهو القائل“وَ اَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ وَ مُلِكَ  بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً وَ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ ”. فسلام على امير المؤمنين في ذكرى استشهاده وتحية للمتمسكين بقيمهم الإنسانية مهما كانت مذاهبهم واديانهم واعراقهم ، واما المتاجرون باسمه فقد انكشفت سوءاتهم، وعرف القاصي والداني دجلهم وتنكرهم لسيرة علي، فعلي ليس كلمة تلعقها الألسن بل نهج وقدوة في الحكم وكل من ينأى عنها فهو في خندق أعداء علي وإن رفع راية الدفاع عن أتباع علي!

 

 

ساهر عريبي