 أقلام حرة

أسيجة المستقبل.. صناع العقبات والعقوبات

رائد عبيسأعداء البلد أهله، اشكالية فقدان الانتمائية في العراق

كثير من أبناء المجتمع العراقي وكثير جدا، لا يملكون قناعة بمستقبلهم في العراق. ولا يتمكنون من التخطيط له بنجاح، ولا يعرفون امتداد مستقبلهم، ولا يحيطون به وابعاده، ولا يعلمون أنه مستقبل مفتوح ام مغلق، ولكن ما يعرفونه الآن أنه مغلق!

لماذا هذا الإدراك للمستقبل؟ لماذا لا يتمكنون من رسم مستقبل بعيدا عن حسابات استحضار المستقبل والتكهن به؟ ما علاقة التاريخ بالمستقبل؟ هل يعيق التاريخ المستقبل؟ واي تاريخ نقصد؟ هناك عدة مسائل مهمة يجب أن نشخصها في هذا المقال، اولا: هي ما المقصود بأسيجة المستقبل؟ الذي يعبر عن اعتقادنا بان المستقبل مغلق وليس مفتوح وهذا قد يكون جواب لما تقدم من سؤال، وسبب هذا الإغلاق هو وجود عقبات مصطنعة كادت أن تقترب من العقوبات التي تختلف بالموضوع عن العقبات التي لها عواملها الخاصة، والموضوعية تختلف عن العقوبات التي لها شأن موضوعي صرف. هذا اعتبار، أما الاعتبار الآخر فيعني أن المستقبل هو ليس فردي بالدرجة الأساس وان كان طموح  فردي في أساسه إلا أن تمثلاته تأخذ بُعد اجتماعيا كبيراً. فالمستقبل وان كان يحمل صفة طموح فردي إلا أنه سيخدم الجميع، وهذا ما يفسر الطموح العقلاني وليس الا ناني؛ لان هناك كثير من المجتمعات قد دُمرت بسبب طموح أبناءها الأناني،وهذا ما نريد أن ننوه عليه في معنى الشطر الثاني من عنوان المقال بقولنا أعداء البلد أهله، وعندما تتحقق العداوة ستكون بالنهاية مجتمع متقاتل متنافس بطريق غير شريف، أما من يفقد قواه على المنافسة أو ينعدم المشاركة من المنافسة لظروف خاصة أو عامة، فهذا ما يخلق حالة من الانسلاخية الذاتية تجاه قضاياه الوطنية، فلا يشارك المجتمع طموحه بالتغيير ولا يساهم به أو يسترشد لقناعات ملائمة لوجوده فيه أو يعزز انتماءه لبلده.  تلك هي الأسيجة التي تحدثنا عنها وقصدناها، هناك حقول من الوطنية يرتع بها من يرتع ممن أيد وناصر الأحزاب، واتفق مع مشاريعها الاستثمارية في هذا البلد، وهذا يترجمه الواقع عندما تجد مدينة كاملة مقسمة من قبل الأحزاب كموارد لها، فضلا عن حقول النفط، والموانئ، والشركات، والفرص الاستثمارية، والمراكز التجارية، والجامعات الأهلية، والمدارس، والمستشفيات، والمجمعات التجارية وغيرها. كل ما ذكرنا هي أسيجة حقيقية أمام أبناء البلد، تمنعهم من الدخول في مستقبل بلدهم، فالبلد واقعاً أصبح محاط بأسيجة غير مرئية لجميع مجالات الحياة المواطن العراقي، بما فيها حتى فرص التعيين التي أصبحت أيضاً أسيجة لا يدخلها الا من يدفع الأموال، أو تفتح له بالمحسوبية أو المنسوبية، والانتماءات الضيقة جدا. فالمواطن الذي يشاهد كل هذه المصدات.

هل يبقى أمامه تصور حول مستقبل مفتوح في هذا البلد؟

جواب هذا السؤال عند من هاجر وغادر هذا البلد،يعد ما وعوا وأدركوا بأن لا مستقبل منظور مع صانعي الأسيجة التي ارادوها اذا لم تكن عقبات مؤقتة لأنهم لا يضمنون وجودهم بالسلطة دائما ويعولون على وجودهم المؤقت فيها، فهي اذن عقوبات بحق هذا الشعب، ربما سببها الأحقاد التاريخية، أو تنفيذ اجندات خارجية، أو سياسة تضاد سياسي تنتهي إلى الأضرار بالمواطن.

عمق الولاءات الخارجية والولاءات الحزبية في الداخل والخارج زاد من حجم الإهمال للمواطن الذي بات يشك بكل عمل وطني ويتهمه، لأنه أدرك منذ زمن بعيد ولعله ممتد الى تصورات الحكم في العالم الإسلامي أو منذ بداية تأسيس الدولة العراقية أن لا تخطيط واضح اتجاه مستقبل الانسان العراقي وهو ليس من اهتمامات كل الأنظمة الحاكمة بكل انماطها والى اليوم الذي أدرك به المواطن العراقي أن سبب ضياعه هو ليس عوامل خارجية الى حد كبير، بقدر ما هي عوامل داخلية وسببها أبناء بلده أنفسهم الذي مع الأسف تنامى لديهم حسن معادي وحاقد ومستاء على بلدهم . وهذا ما جعل الآلاف من أبناء هذا البلد يهرعون لسرقة كل شيء أبان السقوط، ومازالوا يمارسون فعلة ذلك اليوم الذي يسمى "بالحواسم" بما يمكن أن نسميه " بالمقاسم " اي تقاسم الغنائم بصيغة محاصصة مناصب واستثمارات، وعقارات، وايرادات نفط، وغيرها من خيرات هذا البلد.

من اجل اعادة المفاهيم الوطنية إلى وضعها الطبيعي في عقلية الإنسان العراقي،علينا أن نزيل ونبدد كل الاوهام التي تصورت عن فكرة الدولة البوليسية الديكتاتورية وفكرة الديمقراطية المترهلة إلى نظام المؤسساتية الوطنية التي لا تعامل الفرد على أساس انتماءاته السابقة أو الحالية أو الطائفية أو الهوياتية أو العرقية أو غيرها من العنوانين، وذلك بعد تجريد هذه المؤسسات من الإنتمائية وتحريرها من هيمنة الأحزاب واذرعها، بعد ذلك نتمكن من تحقيق النظام وإعادة روح المؤسسات قانونياً وإدارياً ونظامياً. بمعنى أن يشعر المواطن العراقي بأن هذه المؤسسات تابعة للدولة وليس للأحزاب والأشخاص. فلا حديث عن مستقبل أمين بدون إزاحة هذه الأسيجة من واقع وفكر المواطن العراقي.

وللحديث تتمة ....

 

الدكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4605 المصادف: 2019-04-15 04:10:05