 أقلام حرة

الحضور شَرْطُ اكتشاف الخاصّة الذاتية للقرآن

مجدي ابراهيمقبل أن نُبَادر بشرح الذاتية الخَاصَّة للقرآن، علينا أن نُحَدَّد هنا مفهوم الحضور.. ما هو..؟ فمن المؤكد أن حضور الأشخاص (القارئ، التالي، الذاكر) قد لا يُعَبِّر في الحقيقة عن الواقع المقرَّر الموجود فيما ينبغي أن تكون عليه القراءة أو التلاوة أو الذكر، ولكنه يُعَبرِّ في الغالب عن درجة ضعيفة من درجات هذا الواقع مع قلة القدرة في حضوره، ومع ضعف الدرجة الحاضرة وإنْ كانت تمضى بالمطلق إلى تحديد العدد وترتيب الدرجات: تحديد العدد في: كم مرة قرأت القرآن على عادة التأهَّب وديدن الحضور..؟

كم مرة كُنتَ "حَاَلَّاً مُرْتحلاً" تضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حللت ارتحلت؟ وترتيب الدرجات في: أن درجتك تتوقف عند آخر أية تقرأها. ليس كل حضور هو في الحقيقة يعني الوجود، فقد يكون المرء موجوداً لكنه ليس بحاضر لا في الواقع ولا في الحقيقة : الحضور بالجسم ليس دليلاً على الوجود. والقراءة باللسان ليست شاهدة على حضور الجنان (= القلب)، هى صورة في الغالب بلا معنى.

معنى الحضور الحقيقي أن يخلو قارئ القرآن من ذلك التَّرَهُّل الدائم في الفكر والشعور والإحساس، أن يخلو من ذلك "الكسل الروحي"، أن يَخْلُو ممَّا من شأنه ألا تعبِّر عنه نظراته وقسماته، فضلاً عن بواطنه وخوافيه، أعني ألا يخلو من "الصدق" الذي تظهر منه على الجوارح علامات وآثار. فكل تَرَهُّل ذهني أو وجداني إنمّا هو في الحقيقة انعكاسٌ يكشف عن "غيبة الفهم"، بمقدار ما يكشف عن ذلك "الكسل الروحي" الغريب الذي تعانيه الذوات الفرديَّة على الأصعدة الوجودية الحياتية ممَّا من شأنه كذلك أن يُسْفِر عن خمود الحقيقة الخفيَّة الباطنة، وشمول اللطيفة الجُوَّانيَّة لكل ما تحمله من صور مطموسة لذوات غائبة وليست حاضرة بحال. ولنَحْذَر "لعنة القرآن"؛ فإن القرآن كلام الله إذا تلاه العبد بغير حضور قطعه عن الله بقدر تلاوته اللاهية. لنَحْذَر مثل هذا التخويف الذي تقشعر منه أبدان القارئين على غير فهم وتَدَبُّر وَرَويَّة؛ فالقرآن كائن حَي يشعر ويتأثر ويحس، يَلْعَن قارئه عندما يرى منه قلباً لا هياً، ويفرح لحضوره فهماً وممارسة، وأن العبد ليقرأ السورة فتصلى عليه حتى يفرغ منها إذا عمل بها؛ (ولكل درجات ممَّا عملوا) وهذه درجة الصّدّيق. ثم إنه ليقرأ السورة من القرآن فتلعنه إلى أن يختمها إذا لم يعمل بما يقول؛ (ولكل درجات ممَّا عَملوا) وهذه درجة الكَذَّاب.

قال أبو طالب المكي:" بلغنا أن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتصلي عليه حتى يفرغ منها إذا عمل بها، فهذا صديق. وأن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتلعنه إلى أن يختمها إذا لم يعمل بما يقول، فهذا كذاب؛ فأين الإيمان، ولا إيمان إلا بعمل؟

فالمقصود إذا لم يكن هاهنا حضور فقد تحلُّ لعنة القرآن، ومن دلالة الحضور أنه قوةٌ في العقل يتولد عنها ذكاءُ الذهن، فيقوى الفهمُ ويستبينُ فيه اليقين؛ ويصفو - من ثَّم - مع استبانة اليقين؛ يصفو الذكر مع قوة الفكر في آي القرآن. وهذه الخاصَّةُ الذاتية التي تترتب على الحضور{لأنها بالقطع من موروثات الممارسة ومن ثمار المعاناة في ممارسة الحضور دوماً، وفي غير غفلة أو في غير سَهَيَان}؛ من شأنها أن تتغلغل في عمق داخلي "جُوَّانيِّ" يراها من يطبقها، لا بتعلم ولا باكتساب؛ بل بهزَّةٍ لدٌنيَّةٍ مُفَاضة فيضاً من عند الله : فيضٌ في فضل، وفضلٌ من فيض:" قُلْ بفضْل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا هو خَيْرٌ ممَّا يجمعون" (سورة يونس: آية 58).

وها هنا تتجلى لنا ذاتية القرآن لتكون ذاتية خاصَّة به وحده لا تتعداه إلى سواه،  تنفردُ به وحده لتحقق مزاياه وتُفْردُهُ عن غيره من أجناس الكلام البليغ. و"فهم القرآن" أوَّلُ ما يقابلنا -  بجانب الحضور - كخاصة ذاتية للقرآن : فهمه ليس كفهم أي كلام آخر، ولكنه الفهم الذي يحتاج إلى حضور ما بعده ولا قبله حضور: حضورٌ في رحاب الحق تعالى، كيف أضفى على كلامه خصائص الذاتية التي لا يرقى إليها كلام البشر، ذلك لأننا مطالبون بأن يكون القرآن عند فهمه مطلب حضور لا مطلب غفلة، إذْ تتضمن شرائط الحضور فلسفة الانتباه لمعاني القرآن على الصفة التي تبدو بين كلماته وألفاظه مطويَّة ولكنها "دالة" بالقطع دالة على طريق الله، يسلكه الحاضرون في رحابه، بعد أن يتبيَّنوا معالم الطريق. ولستُ أعني بفلسفة الانتباه هنا تلك الفلسفة النظريّة التي يخوض فيها العقل ويعوم ولا يخرج منها بشيء أبداً، ولكني عنيتُ بها العقل المشروط على شرط القرآن لا على شرط العقل نفسه في الاستقلال.

على أن إجماع أئمة التفسير على شرط "حضور القلب" في قراءة القرآن لهو بالبداهة يُعطي الدلالة الواضحة والمباشرة حين نقول إن قيام الخاصَّة الذاتية في القرآن تعني أن تقوم به قياماً مُجْمَلَاً، وَأَنْ تريده وحده، ويأخذك بالكلية، وبالمجموع؛ إذْ أن مَا يُحَقق "الخاصَّة الذاتية" للقرآن في أعلى ما تُتَوَّج به تلك الخاصَّة الذاتية من كمال للفرد وللمجموع الإنساني حين يتحقق القانون الأعلى على أرض الواقع هو : أن يكون مُرَادُ القرآن لذاته لا لشيء آخر غير ذاته، كعرض زائل من عوارض الدنيا أو كصفة مخصوصة من صفات الحياة : جَاهُ  أو نفوذ أو زعامة أو منصب أو سلطان أو مكانة اجتماعية : أنْ تريده وحده، ولا تريد أن تفهم منه ما عَسَاكَ تتصنَّع به على عباد الله، أو يكون عندك زُلفى للأخريين من العباد تتخذ من القرآن مطية لنيل أغراضك منهم، فإنه لا يُفْهم كلام الله إلا برضى من الله، ولا يرضى الله عن عبد غافل غير حاضر لا هِمَّة في ضميره ولا جَمْع في طواياه؛ لأنْ يؤدي فريضة الحضور.

الذاتية الخَاصَّة للقرآن كما قلنا هى ذاتية تشريع للحياة العالمة، التي هى أيضاً خضوع لقانون أسمى من قوانين البشر، وقد يضل الضالون عن هذا القانون ويستبدلون به قوانين كثيرة من عندياتهم يصطنعونها لترضي أهواءهم المستورة ونزعاتهم الخفيَّة في التطلع إلى مفاتن الدنيا، والنيل من زخرفها بقدر المستطاع، وبخاصة تلك النزعات السياسية، زاعمين أن معرفة القرآن وفق هذا القانون تقف حائلاً منيعاً ضد ما يطمحون! وإنه لطموح هو من العجز بحيث لا يوفر لهم معرفة ما، بأدنى فهم لقانون الوجود والحياة، فإن في هذا القانون سيطرة على المنافع بمقدار ما فيه شجبٌ للمضار، وفيه كذلك تفتيحٌ واستبيان لما وراء استحضار القانون الأعلى، بالوجه الذي يُمَكِّن الإنسان من استخلاص أهدافه واستفهام مراميه: إنه بالحق والصدق لقانون الوجود تحيى به الإنسانية وتنصلحُ قائمة على صفاتها المثلي وأهدافها الرشيدة.

شرط هذا القانون الاستغراق فيه، وشرط الاستغراق فيه معرفة قانونه، ومعرفة قانونه لا تتأتى إلا بقرأته قراءة كاشفة، نافعة وعاملة، وأنا أعني بالاستغراق هنا اكتشاف "حالة" من التوحُّد بين القارئ والنص المقروء؛ حالة علوية مُرَادة ومقصودة لذاتها في ذاتها تجيء من فعل التجريب، حتى إذا ما استغرق القارئ في عالم النص استغراقاً تاماً، في غزارة وعمق، وعلى ديدن الحضور وعادة التأهب؛ تكشَّفت له هذه "الحالة"، استعداداً واستغراقاً وبوعي بصير من فاعلية الباطن.

وقد عبَّرَ القدماء عن ضرورة وجود مثل هذه الحالة بلغتهم الخَاصَّة، فكان أن قال "ابن عربي" في طريقته لتمثل القرآن وفهمه على المعنى الذي يقدمه على غيره، ويُؤخِّر غيره - إنْ وجد - عنه:" وَنَسْلُكُ طريقة في فهم الكلمة الواردة، وذلك بأن نفرِّغ قلوبنا من النَّظَر الفكري، ونجلس مع الله على بساط الأدب والمراقبة والتهيؤ لقبول ما يَردُ علينا منه حتى يكون الحق يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق".

هذا شرط الفتوح في القرآن : التخلي كما قلنا عن الدعوى الفكرية والعقليّة، والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة والادّعاء.

وقال"السَّهْرَوَرْدِى":" أقرأ الكتاب بوجد وطرب وفكر. وأقرأ القرآن كأنه نزل في شأنك" ، وهو معنى كبير ضخم لا يمكن تغافله ولا حذفه بجرَّة قلم خبيثة تريد أن تطعن في مثل هذه التجارب الروحيّة النادرة مع القرآن، لتتوجه إلى عباد الله بقشور سطحية قاحلة لا ينتفع بها أحد.

"أقرأ الكتاب بوجد وطرب وفكر. وأقرأ القرآن كأنه نزل في شأنك"

عَبَارَةٌ مَعْجُونَةٌ بعجين التجربة الفاعلة، كَاشفَةٌ عن معدنها الأصيل في التلقي العلوي، مَمْزُوجَةٌ بروح صاحبها وبكل خلجة من خلجاته وبكل جارحة ظاهرة وباطنة كانت تنبض فيه؛ فإن الوَجْدَ الذي ذكره هنا لهو العاطفة في أعلى ما تصيبه من مدارك الشعور ومناشط الوجدان. والطربَ حالة صارخة أسمى من ذلك وأرقى تتلقى فعل العاطفة فيما تصيبه من مٌدْرَك الشعور وفيما تتلقاه من وعي الوجدان.

أما الفكر، وما أدراك ما الفكر؟ حدِّث كما شئت عنه ولا حرج، لكنه هنا ليس هو المعقول النظري أبداً، ولن يكون، هو مُرْتقى آخر من فعل العناية الإلهية المختارة لكيفية التَّفَكُّر دوماً في ملكوت القرآن. ثم ماذا..؟

ثم إذا أنت قَصَدْتَ ذلك وأردته، وَمَضَيْتَ به صادقاً إلى "وحدة القصد" بالمباشرة؛ فأنت أنت القرآن، ولا شيء غيرك؛ كأنه نزل في شأنك..!! سرعان ما تتواجد في طرب علوي ولذة روحانية، لتقول مع ابن عربي:

أنا القرآنُ والسَّبْعُ المَثَاني

                وروحُ الرّوحِ لا رُوح الأوَاني

فؤادِي عِنْدَ محْبُوبي مُقِيمُ

                        أشاهِدُهُ وعِندَكُمُ لِسَاني

فَلا تَنْظُرْ بطَرْفِكَ نَحْوَ جِسْمِي

                    وعُدْ عَنِ التنعُّم بالْمَعَاني

وَغُصْ في بَحرِ ذاتِ الذاتِ تُبْصرْ

                   عَجَائِبَ مَا تَبدَّتْ لِلْعِيانِ

وَأسْراراً تَرَاءَتْ مُبهَمَاتٍ

                 مُسَتَّرَةً بأرْوَاحِ المَعَاني

فَمَنْ فَهمَ الإشَارَةَ فَلْيَصُنْهَا

              وإلإَّ سَوْفَ يُقْتَلُ بالسِّنانِ

كَحَلاّجِ المَحَبّةِ إذْ تَبَدَّتْ

            لَهُ شَمسُ الحَقِيقَةِ بِالتَّدَاني

فقَالَ أنا هُوَ الحَقُّ الذي لاِّ

          لا يغيرُ ذَاتهُ مَرُ الزَّمانيِ

فالوجد والطرب والفكر؛ خصائص للذاتية الخاصة للقرآن، تعرفها "الحالة" الروحية ويتكشَّفَها المُتحقق بها، وتكون كالطلاسم المُبْهَمَات لمن لا يدرك لها معنى ولا تحقيقاً... (وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

نعم للقرآن خاصية فكما أنه مع العمل والحضور يعطي فهو كذلك مع الكذب وعدم الحضور يمنع ؛ ألم يقل الحق :لوأنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا 'فالقوة التي عليها القرأن مع المع العمل والحضور نافعة ودافعة والقوة نفسها مع عدم العمل والحضور مهلكة ومدمرة.

صابر علي
This comment was minimized by the moderator on the site

جزاك الله خيراً يا شيخ الدكتور صابر

د. مجدي إبراهيم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4644 المصادف: 2019-05-24 02:11:09