 أقلام حرة

حين تنحسر الخيارات

علي عليمازالت الأمواج في ساحة عراقنا الجديد تتلاطم في لج بحور عديدة، وكأن ظلم العقود الماضية وظلماتها لم تكفِ السلاطين الذين تناوبوا على استحواذ هذه الرقعة الجغرافية (فلاحة ملاچة) سحتا، ولم تروهم دماءً، ولم تشبع غرائزهم السادية في جلد ابناء هذا البلد، الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا فاستعذبوا استعبادهم.

ومعلوم أن المقارنات عادة ماتكون بين رديء وجيد، او بين جيد وأجود، او سيئ وحسن، أو بين حسن وأحسن، لكن ولسوء طالع العراقيين نرى ان العقود تتعاقب عليهم وهم بين خيارين لاثالث لهما، فهم بين السيئ والأسوأ، وكذلك الأحوال بين الرديء والأكثر رداءة، إذ لا وجود للأجود والأحسن ولا للجيد والحسن في يومهم. وأرى أن أغلب العراقيين يرددون اليوم بيت الشعر القديم:

رب يوم بكيت فيه فلما    صرت في غيره بكيت عليه

ومعلوم ان من يدير دفة حديث يتنافس فيه مع آضداد له في الرأي، عليه ان يتكئ على حقيقة يتخذ منها حجة يفند بها ادعاءات الآخرين، وما كنا نتكئ عليه من حجة في نقاشاتنا قبل أكثر من ستة عشر عاما، كانت -آنذاك- حجة قوية، ندحض بها أضدادنا وأندادنا، فالحاكم كان دكتاتوريا، والنظام كان طائفيا، والحزب كان دمويا، وأزلامه كانوا ساديين، وكفى بكل هذه المعطيات حجة وشماعة لتعليق سلبيات تلك الحقبة وتردياتها عليها.

اليوم كيف تكون إدارة دفة حديث أو نقاش إذا سئل أحدنا عن أسباب التداعيات الأمنية والخدمية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وغيرها من مفاصل البلد؟ ماذا يكون الجواب، وبأية شماعة نعلق أسباب هذه التداعيات والترديات التي وصل اليها البلد؟ فالحاكم لم يعد دكتاتورا، بشهادة أصابعنا التي اصطبغت مشيرة اليه، والنظام هو الآخر ماعاد طائفيا، والحزب لم يعد الطاغوت والشبح الأوحد الذي يحاصرنا في مقر فرقة أو شعبة أو فرع، واختفى الـ (زيتوني) و (نطاق ابو النسر) والـ (بوت الأحمر). ولم تعد الـ (لاندگروز) تثير الرعب في قلوبنا، حين تجوالها في منطقتنا، ولم يعد أعضاء الفرقة يداهموننا في عقر دارنا. وبهذا لم تعد في اليد حجة نلقي عليها أسباب ومسببات التلكؤات والتوقفات التي تعترض عجلة البلد في الوقت الراهن.

وبذا خلت أيدينا من حججنا، ولم نعد نمتلك برهانا نفحم به من يلاسننا بحججه وبراهينه، وهكذا صارت الكرة في ملعب الضد والند في النقاش، ويكون حالنا كما قال شاعر الابوذية: (حچي الغالب على المغلوب يرهه). ويبدو ان هذا الحال بات عاملا مشتركا بين المواطنين جميعا، فكلهم هللوا واستبشروا خيرا قبل عقد ونصف العقد بزوال ماأسموه (هدام) وكلهم رسموا لمستقبلهم سنينا ستعوض عليهم مافاتهم من قحط وظلم وفاقة وتأخر عن مسيرة باقي الدول، ولكن أتت الرياح بما لاتشتهي السفن، وانطفأت جذوة الفرحة وحل محلها شقاء بنكهات جديدة، وبؤس بقوالب حديثة. ولم يعد النقاش كما كان ذا شجون، بل صار يزيد الطين بلة، وبلا جدوى. ولحى الله الشاعر ابن الطثرية حين قال:

وكنت إذا ماجئت جئت بعلة    فأفنيت علاتي فكيف أقول

 

علي علي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4671 المصادف: 2019-06-20 01:54:19