 أقلام حرة

في رثاء محمد مرسي

الحقيقة أن أهم ما يمكن أن يقال في رثاء الراحل هو أنه مسلي .. "رحمه الله"، كان مرسي أحد أهم منجزات الإخوان فلم يوجد إخواني أو إسلامي أو ليبرالي إسلامي أو عروبي تمتع بمثل قدرته على إثارة الضحك .. كان غباء مرسي وهرائه إلى جانب بلاغة القذافي أعظم متعة يمكن للسياسة العربية بنسخها الأكثر قداسة وجدية أن تتيحها، وكانا أكثر الشخصيات السياسية كوميدية واستحقاقا للسخرية وهما يشكلان بهذا المعنى خسارة حقيقية وسط البكائيات المملة وسطوة الرثاء والوقوف على الأطلال .. أسوأ ما في الطريقة التي نتعامل بها مع فيلم الرعب الذي نعيشه ونمثله هو أننا نمارسه دون أي روح فكاهة، أننا نحتفي بالأبطال دون أن نلتفت إلى أنهم في الواقع ممثلين كوميديين وتافهين في معظم الأحوال ولا إلى العبث المسيطر في تراجيدياتنا الكبرى، أننا نأخذ قتلانا وقتلتنا بكل جدية، وكأنهم حقيقيون .. نحن نعيش في عالم كئيب فرضناه على أنفسنا، من لا يقدر جسد رانيا يوسف أو مؤخرة سما المصري أو سخرية جلال عامر أو جنون نجيب سرور لا يستحق أكثر من وحوش وأشباح معتوهين نكدين من أمثال صلاح الدين والنمر والساروت .. يذكرني هوسنا بالجيف بذلك الفتى من قرية فنهام *، الذي كان يعيش عزلة حقيقية في شبابه لم يخلصه منها إلا الموتى .. اعتاد الناس في قريته أن يأتوا إلى جنازات الأشخاص "المهمين"، كانت تلك جنازة جده ووحدها هذه الجنازة استطاعت أن تنتزعه من قلقه ولا مبالاته .. أثارت جنازة جده "العادية جدا" فيه مشاعر غير عادية، كانت المرة الأولى التي يرى فيها الموت، لم يثر وجه جده الجامد فيه أي أسى أو أسف بل بدا أنه يعبر عن رضا غريب، وفجأة يشعر الفتى بانجذاب غريب نحو الجثة، "كانت عيناه تحاولان أن تحرق طريقها لترى ما هو تحت الأجفان المغلقة للرجل الميت لقراءة الرسالة السرية التي تختفي ورائهما" . سرعان ما ستنسى القرية جسد ابنها الميت وتنشغل بشيء آخر وستذبل أيضا تلك الشرارة داخل الفتى حتى جاء موت أمه، عندها اكتشف أن لعنة ما قد حكمت عليه بأن يكون الموتى سر قوته ومصدر إغراء لم تقدر عليه أجساد الأحياء .. تقدم بعدها ليعمل مساعدا لحفار القبور في قريته وعندما مات أباه أصر على أن يدفنه بيديه قبل أن يتحول افتتانه بالجثث إلى عشق جسدي شبق، قاتل، دموي، وعندما اكتشف حارس المقبرة عشقه هذا اضطر إلى الهروب من مكان إلى آخر ليعمل ويعيش بالقرب من معشوقيه الموتى .. يقوده هروبه من جديد إلى قريته ليجدها وقد تغيرت وليجد حفار المقبرة وقد قتلته الانفلونزا فيعود إلى عمله القديم، لكن الاستحواذ يصبح جنونا فيقارب الفتى بين هجماته ويترك أثرا هنا وهناك ليجد نفسه ذات ليلة بينما هو فوق أحد ضحاياه وموس الحلاقة المغمس بالدماء في يده ورجال الشرطة يحيطون به فيجد خلاصه الأخير في موس الحلاقة نفسه .. قد يثير ذكر الناكروفيليا شيئا من القرف فيكم، لكن ذلك العاشق القاتل أكثر صدقا وإخلاصا للحياة والموت وللحقيقة من أولئك الذين يبلغون ذروة إشباعهم فقط عندما يتعبدون الموتى، الذين يرتعدون من ثدي أو فخذ أو شعر عاري، وها هو مرسي جيفة أخرى تثير فيهم نفس الهوس والرغبة .. يشبه مرسي ورفاقه مستر فرانكشتاين الذين خلق مسخا مثيرا للرعب والكراهية، المسخ الذي اعتقد أن خالقه فرانكشتاين هو الشخص الوحيد الذي يمكن أن يفهمه ويساعده .. عندما رأى المسخ الكره والرعب في عيون الجميع حتى الفقراء الذين كان يساعدهم سرا وحاول أن يكون أحدهم وهو يستمع إلى أحاديثهم عن الخير والجمال والحب الخ أدرك أنه لن يكون أبدا جزءا من هذا العالم، لا يهم أنه يستطيع القراءة أو الكتابة أو التفكير أو التحدث عن الفلسفة أو أشياء أكبر وأجمل، في تلك اللحظة كره المسخ فرانكشتاين والعالم بأسره .. وعندما رفض فرانشكتاين أن يخلق أنثى للمسخ، الكائن الوحيد الذي كان يمكن للمسخ أن يحلم بالسعادة بين يديها، اختار المسخ أن يقتل كل من يحبهم سيده قبل أن ينتحر .. مرسي كما مسخه السيسي كما كل المهووسين بالسلطة والمال .. ينسون دائما أنه لا يمكنك أن تخلق مسخا ثم تنام قرير العين     

 

مازن كم الماز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4671 المصادف: 2019-06-20 01:58:02