 أقلام حرة

زيدان.. رائداً للتنوير

محمد ممدوحالتنوير صناعة عقلية لا يستطيعها سوى الحكماء، الذين يضيئون الدروب للسالكين، لذا رفع الله العلماء فوق الجميع، فقال سبحانه (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) وأيد الله الحكماء، وعدّ سبحانه الحكمة هى السلعة الإلهية الأغلى سعراً والأعلى قدراً حينما قال (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) .....

ويأتى الدكتور محمد سعيد زيدان أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة حلوان فى مصاف هؤلاء الحكماء الذين لا يعنون بشئ غير هذا الوطن، فهو معجون بالتربة الأصلية للوطن الأصيل، فى كل كلماته، وكتبه ومقالاته، تخيم عليه نبرة المصلحة العليا للوطن، ولن تبدأ تلك المصلحة إلا عبر بوابة التعليم، ولن تنمو تلك المصلحة إلا باذدهار التعليم، لذا احتلت فلسفة التعليم والاهتمام بقضاياه المتعددة والمعقدة أيضاً أولى اهتمامات هذا الرجل.

وقبل الغوص فى المراحل التنويرية والفكرية للدكتور زيدان لابد أولاً العودة إلى ذى بدء، إلى الخلفية التاريخية التى أتى منها هذا المفكر، حيث ولد فى الثلاثين من نوفمبر عام 1956م فى قرية كفور نجم، بمحافظة الشرقية، ونشأ التنشئة الدينية البسيطة التى أنجبت جيل العظماء من الأدباء والمفكرين، ثم تدرج فى السلك التعليمى إلى أن حصل على درجة الليسانس فى عام 1978م، ثم الماجستير فى التربية فى عام 1988م ثم الدكتوراه فى عام 1994م، ثم عمل بالمركز القومى للامتحانات والتقويم التربوى، ثم مدرساً بقسم المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة حلوان ثم أستاذاً بذات الكلية.

وقد أثرى الدكتور زيدان المكتبة المصرية بعشرات الكتب القيمة عظيمة النفع، والتى يأتى على رأسها موسوعة تعلم الفلسفة والتى تعد الموسوعة الرائدة فى هذا المجال، ليحث الجميع على طلب العلم والتبحر فى أعماق الفكر، واعتبار الفكر البشرى قاسم مشترك بين الجميع، بل وباعتبار الفكر بحر لا ساحل له.

وتستمر انجازات الرجل، ليقدم للمكتبة العربية العديد من الكتابات الأخرى، التى يخرج كل حرف منها لينشر نور العلم والفكر والوسطية، وليسهم بدور فعال فى إعادة الهيبة للكلمة الحرة من جديد، وللفكر الرائد، وليدلل فى كل كلماته على أن العلماء هم بحق ورثة الأنبياء.

ويعلو صوت الرجل، وتزداد نبرة حزنه عندما ينادى على أبناء مصر، لا نهضة بغيرتعليم، ولا تقدم إلا من طريق التعليم، فأفيقوا يا بنى وطنى، نرى تلك الصرخات وأشباهها كثيرة فى كتبه المتنوعة حيث نراه يقول " التفكير الفلسفى لا يعلمنا كيف نفكر فحسب بل أيضاً يعلمنا كيف نحيا، وبذلك لم تعد الفلسفة تحليقاً فى مجردات، بل مواجهة لقضايا ومشكلات تقابلنا فى الحياة الاجتماعية "

ثم نراه داعياً إلى الوسطية، تلك الوسطية التى هى نتاج مباشر للفكر، فإذا غاب الفكر وُلد التشدد، وولدت الدوجماطيقية، وعُبدت الذات، وقُدست الأنا البغيضة، فنراه يقول " وحسبى أن أؤكد على حقيقة لا يمكن تجاهلها ونحن على أعتاب قرن جديد، ألا وهى إذا غاب التفلسف ظهر التخلف، وإذا غُل التفكير انطلقت عصابات التكفير "

ذاك هو تراثنا لمن يريد التنقيب عنه، فمن مصر نبع العلم، ومن مصر نبعت الحضارة، وعلى أيدى المصريين تعلم أفلاطون وآرسطو..

تلك حقائق لا ينبغى أن يكابر فيها أحد، ولا ينبغى لمصرى أن يتجاهلها، بل مصر وعلمائها هم تاج فخار هذا الكون بأسره.

ولم تتوقف انجازات الرجل عقب الموسوعة الفلسفية، ولا عقب دعواته المتتالية إلى مواجهة عصابات التكفير، وعصابات عبودية الأنا وتقديس الذات، ولا عقب دعوته إلى الوسطية فى المنهج الفكرى باعتبارنا الأمة الوسط، وإنما يسير من إنجاز إلى إنجاز، فمن كتاب إلى مقالات بجريدة الأهرام والصحف العربية، إلى مؤتمرات محلية ودولية لينشر فيها فكره، ويواصل عطائه، لأجل أن تنهض مصر نهضة حقيقية، فكان آخر عمل قدمه لمصر المشاركة فى تأليف كتابى الفلسفة للصف الأول الثانوى، والفلسفة والمنطق للصف الثانى الثانوى، ثم صدور مؤلفه الجديد المقال الصحفى مدخل لتعليم التفلسف .

إن تراثنا حافل بالعلماء والأساتذة الذين تشرق شمسهم على هذا الكون ليملئوه دفئاً ونوراً وعلماً وفكراً مستنيراً، وما أكثر هؤلاء، ويأتى الدكتور محمد زيدان فى مقدمتهم، متمنياً نهضة مصر بأيدى أبنائها، تلك التى نذر لها حياته، ويسألونك متى هو، قل عسى أن يكون قريباً.

 

د. محمد ممدوح عبد المجيد

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

دكور / زيدان نموذج أصيل لرجل العلم الذى لايبخل بعلمه على كل طلابه وهو واحد من القلائل الذين أثمرتهم مدرسة فكرية رائدها الراحل العظيم دكتور كامل محمد عبد السميع أستاذ المناهج وطرق التدريس ولايخفى نور ساطع بالسماء ولولا أن شهادتى ستكون مجروحة لقربى وعلاقتى القوية باستاذ عظيم لقلت أنه رائد من رواد الفكر الفلسفى التطبيقى عوضنا عن الراحل العظيم دكتور محمود أبوزيد أدام الله عليه نعمة الصحة والعافية دكتور زيدان

مسعد عبد المقصود
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذى الدكتور /محمد سعيد زيدان
الاب والمعلم المخلص والاستاذ الفاضل الذى ساهم فى تشكيل فكر طلابه والذين اعتبرهم ابنائه بنقاء قلبه وحسن معاملته.كما شكل فكر كل من تتلمذ على كتاباته ومقالاته. هو بالفعل رائد التفكير الفلسفى ورائد تنمية القيم بل هو القيم متجسدة فى شخص انسان .هوصاحب المقام الرفيع عملا وعلما وخلقا .ومهما أقول فلن اوفى استاذى قدره من التقدير .جزاكم الله خيرا اسناذنا ومتعكم بالصحة والعافية وحفظ لكم اسرتكم الكريمه

زينب غالى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4696 المصادف: 2019-07-15 02:04:12