 أقلام حرة

زكي الارسوزي.. فيلسوف الفكرة القومية العربية (4- 4)

ميثم الجنابيفلسفة البعث والرسالة: لقد اغرم الارسوزي حد الجنون بفكرة بعث الأمة العربية، بحيث أنتج لنا لاحقا جنون البعث. والجنون كما يقال فنون. وأحد فنونه الكبرى التي تماهت مع شخصية وإبداع وحقيقة الارسوزي تقوم في ربط فكرة البعث القومي العربي برسالتة الخالدة. والمقصود بفكرة البعث (القومي) عند الارسوزي هو "العودة إلى ينبوع حياتنا القومية، إلى عبقرية أمتنا التي أبدعت لغتنا، عرقنا، تقاليدنا، عاداتنا، فنوننا"[1]. فمن الناحية المجردة هي وثيقة الارتباط بالحضارة الحديثة وبمفهوم القومية، بوصفه "أسمى مظهر لعبقرية الأمة". فإذا كان انبعاث أوربا مرتبطا بالرجوع إلى ما قبل النصرانية. وإن لهذا الرجوع أسسه الخاصة، فإن خصوصية البعث العربي يمكنها الانطلاق من دراسة الروح الأدبي في التجارب القومية الأوربية، بوصفه اسلوبا لبعث التراث الأصيل. إلا أن للاثنين مقدمات وغايات مختلفة. ففيما يتعلق بالتجربة الأوربية، فإن اعتناق النصرانية سواء في صيغتها الكاثوليكية أو الارثودوكسية، قد أدى، على سبيل المثال إلى أن تكون أعمال بني إسرائيل مصدر وحي الأدباء والفنانين. لكن الأمر اختلف اختلافا جوهريا حالا اخذ الشعور القومي يدب في أرجاء أوربا (بأثر الثورة الفرنسية). حينذاك هبت الجماعات تطالب بالاستقلال والحرية. فنرى فيخته يكتب رسائله عن عظمة لغة الأجداد وتراثهم[2]. والشيئ نفسه نعثر عليه أيضا في الدولة العثمانية. وبالمقابل نرى الملوك الأوربيون يستندون إلى الكنسية من اجل الحفاظ على العبودية، بينما تستند العثمانية برجال الدين من اجل إخضاع العرب. الأمر الذي يضع قضية البعث القومي العربي بوصفه الإشكالية الكبرى أمام امتحان من نوع آخر هو امتحان الرجوع إلى النفس بطريقة تستمد مقومتها من أصوله وجذوره.

فعلاقة العربي بالإسلامي هو استمرار لعلاقة العربي بتراثه الجاهلي. حيث استبدلت المروءة بالتقوى. من هنا فان الحل يقوم في الرجوع إلى اللغة العربية من اجل تذليل هذا الخلل وإعادة تركيبة بطريقة تزيل هذا الخلل[3]. من هنا فكرته عن عدم الفصل بين الجاهلية والإسلام. فمحمد عربي. وإن كل سبل ووسائل الانتصارات الإسلامية هي عربية الأصل والمنشأ. ومن ثم فإن السؤال حول ما اذا كانت هذه الانتصارات بفعل التقوى الإسلامية أم المروءة العربية هو مجرد سوء فهم، لأنهما من اصل واحد[4].

من هنا فإن خصوصية العالم العربي مقارنة بأوربا بهذا الصدد تقوم في أننا متميزون، وأن لغتنا هي الأصل، وأن تراثنا هو تراثنا أساسا، كما انه لغتنا أيضا، وهي مصدر كل نماذج ومضمون العلوم والمعارف (الإسلامية). بعبارة أخرى، إن الأنا واللغة والتراث (بما في ذلك الإسلامي) هو كل واحد بالنسبة للعرب. من هنا فإن مطلوب البعث (القومي) عندنا يقوم في الرجوع إلى الينبوع، أي إلى الحدس المتضمن في الكلمات (كالعدالة والنظام والشعر والجمال..)[5]. ووراء هذا الحدس يكمن المضمون الفعلي لإرادة البعث القومي، بوصفها "حركة تكشف عن الحياة كمعنى يبدع تجلياته ويوجهها وفق مشيئته"، كما يقول الارسوزي[6]. وكما يظهر هذا النوع من "حركة البعث" في الأنواع الحيوانية كوثبة، فإنه يتجلى في الإنسان كعبقرية ذات قابليات مختلفة للمدنية. ومرتبة هذه العبقرية تقاس بإخضاع الظروف لمشيئتها وطبع الأشياء بطابعها"[7]. الأمر الذي جعل من فكرة البعث القومي العربي "هو بعث الحياة المتبلورة بتجلياتها رموزا". وفيما لو وضعنا هذه العبارة ضمن السياق العملي، فانها تعني، حسب فكرة الارسوزي، بضرورة العودة إلى تراث الجاهلية، بوصفه عهد المظاهر القومية العربية (الخالصة). اما بالمعنى المعاصر، فإنه يعني بلوغ مستوى الوعي الذي كان عليه أجدادنا[8]. وهي فكرة عملية تستمد أصولها من الفكرة الفلسفية العامة لحقيقة البعث القومي التي قال بها الارسوزي ألا وهي الإنساني والطبيعي بوصفها ينبوع اليقظة. فبعد الاستيقاظ من السبات على ضوء الحضارة الحديثة وانقشاع الأوهام التي هي نتيجة التباس الوجدان بالطبيعة، فإن المهمة المطروحة أمامنا، كما يقول الارسوزي، تقوم في "استكمال شروط هذه اليقظة بالعودة إلى الحياة في ينبوعها، الإنسانية والطبيعة"[9]. والطريق إلى ذلك توحيد العلاقة العملية بين العلم والرجوع إلى الأصول، أو بلوغ "الطبيعة بالعلم، والارتقاء إلى الإنسانية بفقه تراثنا"، كما يقول الارسوزي[10]. ووضع هذه الحصيلة في فكرته الجوهرية عما اسماه بالفعالية نحو الصميم، بوصفها فمرة البعث. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "البعث الذي ندعو إليه ليس تقاليد تتناول سطح الحياة وحسب، كما هي الحال في الأمم التي انطلقت قواها بتأثير التقدم في العلم والصناعة، بل انه سيكون بعث فعالية تتجه نحو الصميم. بحيث يتكشف معنى المرحلة التاريخية معرفة ورسالة، انكشاف إلهام الأنشودة في الوجدان شعورا وحركة"[11].

انه حاول أن يجعل من فعالية الانتاج صوب الباطن، أو الصميم، أو الأصول، أو التراث، أو حقيقة اللغة الوجهة الضرورية التي يجري تجسيدها بما يتطابق وإدراك المرحلة التاريخية، بحيث يتحول هذا الإدراك إلى توحيد شامل للوجدان والحركة. وفي الحالة المعنية يعني توجيه الفعالية الباطنية صوب وحدة الفكرة الثقافية والفكرة السياسية بوصفها المكونات الجوهرية لفكرة البعث القومي في المرحلة التاريخية المعاصرة, من هنا وقوله، بأن للبعث القومي من حيث كونه حركة سياسية، مهمتان: الأولى وهي مهمة ثقافية ترمي للكشف عن عبقرية الأمة العربية، والكشف عن مقومات الحضارة الحية، وإيجاد الانسجام بين العبقرية العربية ومقتضيات الحضارة. أما الثانية فهي مهمة سياسية وتقوم في إقامة صرح دولة عربية تجمع العرب جميعا[12]. وبالتالي، فإن الوحدة هي رسالة البعثيين، كما انهم يرمون الى تكوين جيش عقائدي[13]. اما الشعار الأكبر للبعث فيقوم في توحيد فكرة الوحدة والحرية والاشتراكية[14]. ويعكس هذا الشعار الصيغة العملية التاريخية الملموسة لمفهوم البعث القومي والرسالة القومية (العربية).

غير أن مضمون الرسالة العربية التي يتكلم عنها الارسوزي هي الرسالة الإنسانية. وبالتالي، فإنها توحد في ذاتها الطبيعي والإنساني، وذلك لأنها قومية حقيقية. ووضع ذلك في فكرته القائلة، بأنه حالما يجري استكمال شروط الإنسانية والطبيعية في الكيان العربي، أي الرجوع إلى التراث وفقهه والعمل به بما يستجيب للطبيعي (المعلوم علميا)، حينذاك نتمكن من "خلق ثقافة إنسانية رفعتها على مقياس فسحة قاعدة حياتنا في الطبيعة. وعندئذ نتمكن من ردع الثقافة الحديثة عن شططها في فهم الإنسان كما ردعنا العلم الحديث عن شططنا في فهم الطبيعة"[15]. لاسيما وانها مهمة ترتبط بموقع العرب "في أسرة الإنسانية" التي يرفعها الارسوزي الى مصاف موقع "الابن البكر في العائلة المالكة"(!). فهي "أمة وسط بمعنى الاعتدال، أو القرب من الينبوع، ومن الكمال الذي هو المثل الأعلى المتجلي في الرسالة حينا بعد حين". الأمر الذي "جعل الرسالة والولاية متلازمين في تاريخ الأمة العربية". وذلك لأن الأمة العربية (ولغتها) "شجرة سحرية جذورها في الملأ الأعلى وتجلياتها في الطبيعة"[16].

إن إدراك هذه الحالة الصميمية وتحويلها صوب الفعل على مستوى الوجدان والحركة يعني تمثل حقيقة المرحلة التاريخية ورسالة العرب فيها لأنفسهم وللآخرين. ومن هذه المقدمة اعتقد الارسوزي بان ما اسماه بمرحلة البعث اليوناني هي المرحلة الحالية للرسالة العربية الحديثة. وسوف تستكمل هذه المرحلة شروطها عندما تستيقظ الأمة العربية ينبوع الشعوب السامية، التي يتمثل فيها القطب الآخر لهذا التراث. فترتقي الإنسانية حينئذ نحو الملأ الأعلى، ارتقاءً متناسبا مع فسحة أفق الحياة المستحدثة"[17]. كما انها سوف تصنع على مثالها مثال القوة الإنسانية القائدة بوصفها قوة رحمانية. وانطلق الارسوزي بهذا الصدد من مقدمة سليمة لكنها عامة، يقول فيها، بأن القيمة الاجتماعية منظومة. وفي حالة عدم توافق بنيتها مع معناها فإنها تؤدي إلى شل حركة المجتمع، ومن ثم جفافه كما هو حال العرب الآن. من هنا استنتاجه "ليس على أبناء هذه الأجيال التعيسة المتحجرة إلا أن يتركوا الأموات وشأنها، فيصبوا بأنفسهم إلى السماء حيث تفيض الحياة فتجرف بفيضها ما تراكم عليهم من قيم بالية. وينبثق النبي من صميم الأمة حاملا إلى المجتمع رسالته. الرسالة التي يتجلى بها للناس معنى هذه المرحلة التاريخية. ويبدو حينئذ نظام القيم الإنسانية متجسما في ذاته"[18].

ذلك يعني، إن فكرة الرسالة والمرحلة التاريخية التي تشكل خاتمة الحركة والفعالية نحو الصميم، ليست إلا المظهر الواقعي للفكرة الميتافيزيقية عن الخلود التي تمثلتها الأمة العربية منذ اوائل نشوئها وجسدتها بصورة نموذجية في لغتها. بعبارة اخرى، إن فكرة الرسالة العربية عند الارسوزي مرتبطة بفكرة الخلود، أو تمثل الأمة العربية لروح الفكرة السامية (المتسامية) عبر دعوتها للاعتدال. ووضع هذه الفكرة ضمن سياق لا يخلو من تأويل لغوي سياسي ثقافي يستقيم مع مضمون المنهج الفلسفي الذي اتخذه في الموقف من تأسيس فكرة البعث القومي والرسالة الذاتية. فنراه ينطلق من اختلاف بل وتضاد السامي – الآري. مع إنهما ينتميان للجنس الأبيض(!). إنهما يمثلان قطبي الثقافة الإنسانية الطبيعية والملأ الأعلى، كما يقول الارسوزي[19]. فالساميون من سما، يسمو، أسمى، اسم. أنهم أولاد السماء وتصبوا إليها نفوسهم. كما انبثقوا عنها، واليها ينتهون كغاية لهم. أما صورتهم المحققة بها، أي الملأ الأعلى، فإنها الخلود. بينما الآريون هم أبناء الأرض حسب الأسطورة اليونانية. وبغض النظر عن تباين أسس هذه المقارنة من حيث المنهج، إلا انها تنتمي الى منهج اعم وهو التأول الشامل.

لقد أراد الارسوزي القول، بأن الآريون ينتمون الى تصوراتهم عن انفسهم كما ننتمي الى تصوراتنا عن انفسنا. ولكل واحد مقدماته وأساليبه وقواعده ومبادئه وغاياته. فإذا كانت غاية العرب الساميين تقوم في السمو نحو الملأ الأعلى بما يتطابق مع حقيقة بواطنهم المعكوسة في اللغة، فإن الآريون استغرقوا في تجليات الوجود واكتشفوا النظام الذي ينطوي عليه هذا التجلي. النظام الذي يبدو في النفس عقلا، وفي المجتمع شريعة، وفي الطبيعة قانونا. من هنا اختلافهما وتباينهما. فالعبقرية الآرية تنشد العلم والكشف عن النظام، بينما العبقرية السامية تنشد النبوة والأخلاق، التي وجدت تعبيرها الامثل في شخصية المسيح ومحمد بوصفه خاتم الرحمة. 

الارسوزي وفلسفة البديل الاجتماعي والسياسي

حددت هذه الرؤية مواقف الارسوزي فيما يتعلق بالبديل الاجتماعي السياسي القومي. ففي موقفه من الدولة، نراه ينظر اليها على انها "نزعة الحق إلى إحقاق ذاته عند الناس. وليست قدسية السلطة إلا هالة الحق المستفاضة على رجل الدولة استفاضة قدسية الواجب على صاحب المروءة"[20]. بينما تتحول السلطة عنده الى مزيج من قدسية الحق ومن الكفاءة للقيادة[21]. اما النظام السياسي المترتب على ذلك فليس إلا النتاج الذي يلازم ما اسماه الارسوزي ببلوغ المجتمع درجة الحرية التي على اثرها يستطيع إعادة النظر ببناء ذاته من جديد. وعندها فقط يمكنه وضع نظامه السياسي الخاص، أي بلوغ ما اسماه الارسوزي باضافة "سلطان الحق إلى سلطان العهد"[22]. وليس هذا بدوره سوى قيام الدولة في أعلى مراتبها على إقرار الإرادة[23].

وعندما طبق هذه الفكرة الخطابية المجردة، التي تتوافق مع تطويع الرؤية المنهجية لفلسفته القومية تجاه العالم العربي، فانه توصل إلى أن العرب كانوا سادة العالم. وبالعربي كانت تقترن فكرة الرجولة والبطولة والجمال. ومن ثم فالعرب أمة وسط، أي اقرب إلى الكمال. فأرضهم وسط أيضا. وبالتالي، فإن مهمة الدولة العربية تقوم بترسيخ الحرية من اجل أن يفيض أفراده بتجاوبهم الرحماني. مع ما يترتب عليه من تعظيم شئون المجتمع بالطريقة التي تجعله منسجما وتراتبيا حسب الكفاءة. عندها يستكمل المجتمع شروط مهامه بالدولة[24]. اما مرتكزات الدولة فهي كل من الحق والعدالة. فالحق والحقيقة في الذهنية العربية من جذر واحد. والحق في الحدس العربي ذو منزلة مثلى[25]. اما العدالة، فانها مصدر ومحدد كل القيم الكبرى. اذ ليس البطل إلا ذاك الذي تجسدت فيه العدالة. كما ان العدالة هي النظام الأصيل المنطوية عليه حياة الجماعة[26]. ومن هذا "المنطق" توصل إلى أن "الدولة هي شخص الأمة في طور التحقق وظل حقيقتها المثلى"[27].

اما موقفه من المجتمع فإنه مبني على مدخله العام القائل، بأن لكل مجتمع فلسفته الخاصة في القيم. وان نظام القيم يخضع تكوينه لفلسفة الجماعة من جهة، ولقاعدة استقرار الجماعة في الطبيعة من جهة أخرى. اما الشريعة فهي بناء مماثل في محاولته التوفيق بين الوسائل والغاية مثل "فن العمارة في توفيقه بين مواد البناء وبين إلهام المعمار"[28].

والشيئ نفسه يمكننا العثور عليه في موقفه من الديمقراطية. فالديمقراطية المعاصرة، بالنسبة للارسوزي، تقوم على مبدأ إيجاد الانسجام بين مستلزمات القومية وحقوق الإنسان[29]. وبالتالي، فإنها "استطاعت أن تجمع بين الإلزام والحرية، بين عبقرية الأمة وبين مواهب الأفراد"[30]. واعتبرها ضرورية من اجل بناء الدولة الحديثة، والأهم من ذلك الأسلوب والوسيلة الوحيدة الكفيلة بالحيلولة دون استبداد الحكام. وأدرج ضمن هذا الأسلوب جملة من القواعد والمهمات لكبرى حصرها بسبع وهي كل من حرية الصحافة، وحكم القانون، ووضع الميزانية تحت إشراف الجمعية العامة، ومساهمة المواطن في سلطات الدولة، والمساهمة في السلطة التشريعية، وربط السلطة التنفيذية بالجمهور، وأخيرا معارضة الحزب الواحد[31].

وأسس لفكرة ضرورة الديمقراطية من كونها ترتبط من حيث الجوهر بما اسماه بالطبع الانساني. فالطغيان والاستبداد يفككان الوحدة بين المجتمع، ويجعلان الرعايا هباءً منثوراً لا حول لهم ولا قوة. كما انهما ينتزعان من المرء ثقته بنفسه وبالآخرين. ويجعلان القانون سخرية. ويقيمان الإرهاب مقام الطمأنينة، والشقاق مقام المحبة. الامر الذي يجعل الطاغية اشد خصومة للأحرار الأباة من أي خصم آخر[32]. بينما الديمقراطية المعاصرة هي "فلسفة ترتبط بالطبع الإنساني" كما يقول الارسوزي. وبالتالي، أنها "الوجهة الإنسانية للحضارة المعاصرة التي قامت على انقلاب في مفهوم الإنسان للإنسان"[33]. أنها مبنية على العلم والصناعة. وللديمقراطية مقومات في الطبع البشري، في الصورة والمعنى، أي "المعنى المنبثق من النفس، ينزع إلى استكمال شروط حقيقته بصورة معينة"[34]. اما هدف الديمقراطية فهو إيجاد الجو الصالح لانطلاق المواهب. وفي الديمقراطية وحدها يصبح المواطن فنانا ينشئ نفسه وكيان الدولة وفق وجهة نظره في الوجود[35]. ذلك يعني، ان حقيقة الحكم الديمقراطي تكون بالفعل حالما تخضع فيه السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية. وكماله على قدر ما تصدق السلطة التشريعية بالتعبير عن إرادة الأمة[36]. ووضع كل حصيلة تصوراته بهذا الصدد في استنتاج نهائي يقول، بان الديمقراطية هي التي "تجعل من تضحيات المواطنين أعمالا حرة مكللة بهالة البطولة"[37].

إن مفارقة الإبداع الكبير والعميق والفلسفي الأول للارسوزي في مجال تأسيس الفكرة القومية (العربية) يكمن في ما وجده هو نفسه عندما اشار إلى ما قاله احد الإغريق القدماء، من أن أخطر الأشياء على الفكر حالما يأخذ أهل اللغة بالتفلسف(!). وإذا كان الارسوزي قد قلب الآية، بمعنى انتقال أهل الفلسفة إلى الولع بالكلمة والعبارة، فإن المعنى يظل واحدا. وهو إننا نقف أمام فيلسوف يلغو أو لغوي يتفلسف! وهي الدوامة التي طبعت نمط وأسلوب وقواعد تفكير وتفسير وتأويل الارسوزي وتأسيسه للفكرة القومية. وليست فكرة العبقرية العربية في لسانها سوى هوس الارسوزي وإعجابه غير المحدود بما اكتشفه يوما بصورة مفاجئة. بحيث أدى ولعه التأويلي إلى الغاء المعنى المنطقي في اللغة نفسها. مما جعل منها في حالات عديدة لغوا، مع انه وجد في العربية لسانا وفي غيرها لغوا. وهو تلاعب فظ باللغة واللسان والأنا والآخر. الأمر الذي أدى إلى أن تكون لغته حتى في أجمل أشكالها جمالا ودقة من حيث النحت والتأويل اقل قدرة على صنع اليقين والفكر المنسجم والمنطق الدقيق بما في ذلك بالمعنى المنظومي للكلمة. وليس مصادفة أن يؤدي ذلك إلى إمكانية دغدغة الفكر بالوصول إلى استنتاج يقول، بأن محاولة الارسوزي بناء منظومة فكرية (فلسفية) تنطلق من قاموس اللغة، أدت إلى إنتاج لغة بلا قاموس، يتحكم فيها مزاجه العارم في حب العربية. وأدى هذا بدوره إلى أن يكون فكره وتقييمه في اغلب مظاهره تنقلا دائما لا يربطه غير جنون التأويل والتلذذ بالبقاء أسيرا "لعبقرية اللغة" القومية (العربية).

وفي هذا يكمن احد جوانب ضعف فلسفته النظرية والعملية. بمعنى، أن استعباده للغة قد أدى إلى عبوديته لها. بعبارة اخرى، ان رغبته باستعباد اللغة قد أدى إلى استعباده، بحيث يبدو أحيانا كالمراهق الذي اكتشف شيئا عاديا أو جانبا لامس خياله، بحيث جعل من نفسه فريسة لأمر طارئ، مستغرقا في خيال هو بحد ذاته لحظة عابرة. ويتضح ذلك في ولعه بالكلمات بحيث جعل العالم وما فيه أسيرا لمخارج حروفها. وبالحصيلة قد أدى إلى يكون الارسوزي مسكونا بجنون اللغة وبعثها الجديد فاخرج إلينا بعثا مجنونا! وهنا كان يكمن أيضا التناقض الجوهري في فلسفة الارسوزي. فكلما يتعمق المرء في آراء الارسوزي كلما يزداد ابتعادا عن العقل حتى في اشد دعواته للعقل والحركة. كما إن الوجدان المفرط عنده يؤدي إلى ابتذال الوجدان، لأنه يصبح أسير العبارة. وذلك لأن الوجدان المفرط يؤدي إلى تهشيم الترابط المنطقي في الفكرة، ومن ثم خلخلة قيمتها. وبالحصيلة قد جعل من آراء الارسوزي أدبية شاعرية وبالتالي ليست قادرة على تأسيس رؤية عملية عقلانية تعي حدودها بمعايير الحاضر والمستقبل. الأمر الذي جعلها قابلة للتأدلج العنيف. وقد تكون فكرته عما اسماه بظهور الأمة على مسرح التاريخ كعقيدة احد نماذجها الكبرى.

إلا أن قيمة وفاعلية الفكرة الفلسفية التي وضعها الارسوزي تتلألأ أيضا من خلال نقاط الضعف هذه وتناقضها الجوهري. فإذا كانت فلسفته موضوعة بهيئة أحكام وقيم وجدانية، فإن ذلك لا يقلل أو يتعارض مع الحقيقة القائلة، بأن كل ما فيها صادق لأنها صدرت عن نفس مخلصة وأبية. وبالتالي هي التعبير النموذجي عن معاناة المعنى. الأمر الذي جعل من فلسفته القومية فلسفة المعنى الغائب والمستلب والمسحوق. من هنا بدائله المثلى في مقولات الحاضر والجوهري والفاعل. ومن هذه الحصيلة تراكمت فكرة الأبدية والخلود. مما جعل منه بحق شاعر الفلسفة القومية العربية. من هنا انزاله الفكرة الفلسفية إلى مصاف الفكرة الشاعرية القائلة، بأن الأمة العربية ليست كالأمم الأخرى. وانه لا يمكن تطبيق مفاهيم وصور الآخرين عليها. وانه لا يمكن فهمها بحق إلا بالحدس والتحسس الوجداني الخالص، لأن حقيقتها ميتافيزيقية وكينونتها إرادة متسامية. ومنهما ينشأ انسجامها الدائم وخلودها. ورسالتها تقوم في تقويم البشرية وتخليصها من آفاتها، كما لو أنها مسيح الأمم ومهديها المنتظر! الأمر الذي جعل أسلوبه يبدو من حيث المظاهر احيانا الوجه الآخر لتأملات وحكم جبران خليل جبران. إلا أن حقيقتها أعمق وأوسع وأبعد.

فالاسورزي أول من حاول إدخال فكرة المبدأ الواحد والأول في الفكر الفلسفي العربي الحديث من خلال إرجاعه إلى اللغة. بحيث نراه يجعل من اللغة العربية مبدأ الكون الثقافي العالمي، أي أصل الصيرورة النموذجية. وبالتالي أصالة الفكرة القومية العربية كما لو أنها الخيوط غير المرئية لنسيج الكون الأبدي. اما من أين جاءت هذه الأسطورة الجميلة، فإن الاجابة عليها بسيطة كالبسيطة: أنها جاءت من تعاسة الواقع الفعلي وعدم تناهيه! لهذا أراد استبدال الموت بحياة لا يمكنها الخضوع لشيء غير ذاتها على مثال "الذات الإلهية" في الوعي الديني. انه أراد قومية حية مريدة عالمة قوية فاعلة ناصعة أبدية. من هنا فكرة الرسالة والخلود الممكنة في وحدتها. وذلك لأن جوهر الفكرة القومية عند الارسوزي تقوم في تمّثل كل تاريخ النهضة واليقظة ولكن من خلال توجيهها صوب الباطن، أي المكون الثقافي والروحي الجوهري للعربية من لغة وتقاليد وتاريخ وعادات، باختصار كل ما بإمكانه أن يكون عربيا خالصا. من هنا جوهرية الجاهلية من اجل التحرر من تراث وعادات وتقاليد الفرقة المذهبية والدينية وغيرها، أي كل ما لا علاقة جوهرية له بالفكرة العربية، أي كل ما وضعه في فكرة البعث باعتبارها فعالية نحو الصميم.

لقد بلور الارسوزي هنا نموذجا أصيلا للرؤية الثقافية البحتة. وهنا تكمن القيمة التاريخية والفكرية الكبرى لفلسفته القومية. وهي فلسفة لها نظامها الخاص والصارم أيضا. إنها تخضع لمنطق الكلمة كما اكتشف بنيتها في القاموس، فجعل منه مفتاح الوجود في كل مستوياته. ومن ثم فهي أقرب إلى رؤية شاعرية وأدبية منها إلى نظرة فلسفية عقلانية، كما أنها منظومة فلسفية لا شعر فيها ولا أدب غير حدس الروح الباحث عن حلول قومية "أبدية".

***

ا. د. ميثم الجنابي 

.....................

[1] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص197.

[2] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص295.

[3] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص202.

[4] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص296-297.

[5] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص297.

[6] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص53.

[7] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص53.

[8] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص.201.

[9] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص275.

[10] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص275.

[11] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص275-276 .

[12] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص209.

[13] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص252.

[14] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص275.

[15] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص275.

[16] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص375.

[17] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص119.

[18] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص124.(وضمن هذا السياق يمكن النظر الى فكرته عن البطل او القائد التاريخي. اذ ليست فكرة البطل والزعيم والنبي التاريخي سوى الوجه الآخر للعجز الاجتماعي رغم تطابقها الواقعي مع فكرة القومية وصعودها الجديد. إلا أن لها بعدا انسانيا مجردا، وذلك لأنها ترتبط بمهمة السيادة الانسانية وفكرة الرحمة. وهي طوباوية جميلة.

[19] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص118.

[20] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص25.

[21] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص26.

[22] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص26.

[23] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص26.

[24] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص28.

[25] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص36-37.

[26] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص44.

[27] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص102.

[28] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص20.

[29] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص421.

[30] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص422.

[31] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص427.

[32] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص430.

[33] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص433.

[34] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص445.

[35] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص464.

[36] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص465.

[37] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص469.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4701 المصادف: 2019-07-20 02:02:30