 أقلام حرة

اللغة تنعى اللغة!!

صادق السامرائيمظر، هاكذا، هاذا، ذالك، مظى، ويكتبون، ويكتبون ويعتدون بوقاحة على العربية ويهينون كلماتها وحروفها ولا يستحون من التواصل في الخطل النحوي والإملائي والتعبيري، حتى لتحسب أن الذي يكتب بالعربية عدوا لها، ويريد أن يشيّعها ويقرأ الفاتحة على روحها الطاهرة.

نقرأ الكثير على شاكلة ما تقدم من الأغلاط الإملائية، وقد يقول البعض أنها أخطاء مطبعية بسبب الكتابة على "الكي بورد"، لكنها تتكرر ويمكن التدليل على جهل كاتبها بأنها خطأ من سياق ما يكتب، حيث يظهر الضعف التعبيري والنحوي الفظيع.

وكل يوم تواجهنا رسائل ومقالات محشوة بالأخطاء الإملائية والنحوية التي تبعدنا عنها وتمنعنا من قراءتها لغثاثتها، فالذي لا يجيد العربية لماذا يكتب بها؟

ولماذا لا يكون مثل أحد الزملاء الذي إنزعج مني لأني أتخاطب معه بالعربية، فقال لي: الرجاء التخاطب معي بالإنكليزية لأني لا أجيد التعبير بالعربية، وهو من مجتمع العرب الأقحاح، وقد قدّرتُ طلبه لأنه يعترف بضعف المقدرة، ولا يتطاول على العربية ويكتب بها بإضطراب.

لماذا لا نعترف بضعفنا ونعمل على التعلم والتدريب، بدلا من هذا الإنتهاك الغادر لحرمات اللغة العربية، كتابة وخطابة.

أعجبني الرئيس التونسي السابق الدكتور المنصف المرزوقي عندما قال للمذيع الذي يحاوره ما معناه: عليك أن تتعلم كيف تنطق العربية وتتحدث وتحاور بها وإلا حاورني بالفرنسية، فأنا أعرفها، لكني لا أسمح لنفسي أن أتكلم العربية مثلما تتكلم بها، عليك أن تتقن لغتك، وهذا إعتداء على لغة الضاد أن لا تجيد إستعمالها وتحاورني بها!!

لذلك علينا أن ننبه بعضنا البعض على أخطائنا التي نرتكبها ونحن نتكلم ونكتب بالعربية، فقد تعجبت من غضب أحد الأخوة وهو في الهيئة التدريسية عندما نبهته على أن فيما يكتبه لي أخطاء إملائية فادحة، فهو يقول منزعجا : أنا أدرس الطلبة وأنت تصحح لي!!

قلت: ألا تعترف بأن ما تكتبه يزدحم بالأخطاء الإملائية، أم هو النكران وعدم الإعتراف بالخطأ ديدننا؟!!

لم يُجبْ!!

وهذه أحد مفردات مصائبنا الحضارية الكبرى، فنحن نحسب أنفسنا الأدرى بالدين والقرآن لأننا نتكلم العربية، بينما الحقيقة تؤكد بأننا لا نعرف من القرآن إلا رسمه، ولو قلت لأي منا أنت لا تعرف معنى ما تقوله من آيات لهب بوجهك غاضبا وإعتبر ذلك إهانة ما بعدها إهانة.

ذات يوم سألت جدتي عن معنى ما ترتله من القرآن وهي التي حفظته "عند الملاية"، وإذا بها تقول لي: كيف تسألني هذا السؤال يا إبني؟!

وزعلت عليّ جدتي، وكلفني كثيرا إرضاؤها!!

وجميعنا على هذا المنوال، وعلينا أن نواجه أنفسنا ونعترف أن علينا أن نتعلم اللغة مثلما يتعلم أبناء الدنيا لغاتهم، ويحترمون ألفاظها وأصواتها وقواعدها ويجيدون الكتابة الصحيحة والنطق الفصيح بها، وإلا فمن الظلم للغة الضاد أن ندّعي بأنها لغتنا ونؤذيها بما نكتبه وننطقه!!

فهل من وعي لغوي وإتقان نحوي وإملائي ونُطقي؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية للدكتور صادق السامرائي
مقال رفيع المستوى نفيس الهوى
ولكن يا أستاذي هذه لغتنا المفروضة علينا وإلا كيف يتخاطب الناس هل بلغة جديدة أم يراد لهم الصمت
انا متفق معك في جل ما قلت ، وهذه مشكلة ليست بالجديدة وانتشار التقنات الحديثة أمر مخيف على سلامة اللغة وأعود فأقول لا بد من حل مقنع .
لاشك أنك تتفق معي أن هناك من حاول التصدي لهذه المشكلة كالعلامة مصطفى جواد في كتابه -- قل ولا تقل --
وقبله في زمن علي بن أبي طالب - ك - وابي الأسود الدؤلي وبقي هذا حتى زمن الدولة العباسية فذا الشاعر الكميت يرفض عرض نصوصه على حماد الراوية مخافة اللحن .
يا سيدي كلنا نلحن لسبب أو لآخر وأنا منهم وقد أخطأ -- طباعياً -- وليس مطبعياً ولكن ليس بحجم ذالك ، هاكذا بل ممكن في العدد والمعدود فأقول مثلا أربعة بدلاً من أربع .
سلامي لك وأعتقد أن تدهور المنظومة التربوية من الأعمدة التي جعلت اللغة تتهاوى وتداعى
تقديري لك وللحديث شجون

سردار محمد سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي

تثميني لإضافتك المعرفية المنيرة

مع خالص الود والتقدير

د. صادق السامرائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4702 المصادف: 2019-07-21 01:24:20