 أقلام حرة

على ضوء أضراب الأطباء في ديوانية العراق:

عامر هشام الصفارهل أنعدمت الثقة بين المواطن والطبيب العراقي؟

أشارت الأخبار من مدينة الديوانية في جنوب العراق الى ما يشبه حالة أضراب عن العمل بين الأطباء مؤخرا وذلك على ضوء التهديدات بالأعتداء الذي وصل الى حد التهديد بالقتل للطبيب، وذلك عشية وفاة طفلة بريئة نتيجة تداخل علاجي فاشل أدى الى فقدانها للحياة في أحد مستشفيات المدينة. ورغم أن الخطأ الطبي هو من الحالات المتوقعة في الممارسة الطبية العملية، الاّ أن الأمر هنا وتفاعل المواطنين الذي يتفهمه الجميع يستوجب وقفة لتدارسه ووضع الحلول الصحيحة التي تحول دون تكرار مثل هذه الأخطاء بل وتؤدي الى توطيد عرى العلاقة بين الطبيب العراقي والمريض... فهل تعاني مثل هذه العلاقة من أزمة؟.. وأذا كان الأمر كذلك فما السبب وكيف يكون العلاج؟.

ولعلنا في هذه العجالة نستذكر ما عاناه الطب والطبيب في العراق بعد عام 2003، والتقص الحاد في عدد الأطباء (أقل من طبيب واحد لكل 1000 مواطن!)  في الوطن نتيجة عوامل كثيرة منها الحالة الأمنية المتردية، وأستشهاد وخطف وتهديد أعداد كبيرة من أطباء العراق وعلمائه، مما أدى الى هجرة واسعة لهؤلاء الأطباء وبالتالي الترحيب بهم من قبل أنظمة صحية عالمية تسعى دوائر الصحة فيها لأستقطاب أطباء جاهزين ومؤهلين للعمل من كافة أنحاء العالم.. فصار هناك ما يقرب من 6 آلاف طبيب عراقي بمحتلف الأختصاصات في المملكة المتحدة وحدها، أضافة الى آلاف أخرى من أطباء العراق في أميركا الشمالية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا أضافة الى دول الخليج العربي وأنحاء أوروبا. وعندما أذكر العامل الأمني فهو عندي واحد من أهم الأسباب والتي تؤدي الى هجرة الكفاءات أو تهجيرها من الوطن، أضافة طبعا الى عوامل أخرى منها الأقتصادية ومنها الأجتماعية مما قد نتطرق أليه في مقالة أخرى.

ولعلي هنا أشير الى ما كتبه يوما أستاذ الطب العراقي الراحل الدكتور أحسان البحراني حيث نشر كتابه المعنون ب" نبضات الذاكرة" عام 2011 فذكر فيه ما يلي: أما طلابي فكنت أعاملهم كأولادي وأقدّم لهم كل ما عندي من علم وخبرة وممارسة وأحثهم أن يرعوا مرضاهم خير رعاية، وأن يحرصوا على الناحية النفسية في علاجهم، أضافة الى الناحية العلاجية والطبية وأن يتابعوا نهلهم العلمي على الدوام لأن العلم لا ينضب". وما أشارتي هنا الى ما كتبه الأستاذ البحراني الاّ للتركيز على موضوعة العلاقة بين الطبيب ومريضه، وأهمية أن تقوم هذه العلاقة على أسس متينة صحيحة لتكون الرعاية الصحية على أحسن ما يرام.

 الطبيب.. الواجب والمسؤولية

تشير جميع الدراسات المتعلقة بالتخطيط الصحي الى أهمية عامل توفر الثقة بين الطبيب ومريضه لغرض تحقيق أفضل النتائج في العلاج.. فالطبيب المسؤول عن آلاف الناس في بلدته ومنطقته لابد من أن يكون -وهو رجل العلم الذي تأهل لأداء واجبه الأنساني العظيم- رؤوفا بمريضه، وحريصا على علاج جروحه وآلامه بكل العلم الذي يعرفه، وبأحدث العلاجات التي يستطيع توفيرها..وهذا من أبسط قواعد المهنة الطبية، حتى اذا وجد الطبيب أن هناك مشكلة طبية قد لا يوجد لها حل عنده أوصى بمريضه عند زميل آخر سواءا كان ذلك في داخل الوطن أو خارجه. ومما يزيد في بناء جسور الثقة المطلوبة بين الطبيب والمريض العوامل التالية:

1- أن يقوم الطبيب بشرح التشخيص المرضي بشكل شفاف وبسيط وواضح لمريضه أو لمن بمعيته.

2- أن يبذل الطبيب الجهد الجهيد في توفير العلاجات اللازمة لمرضاه من أدوية وعقاقير أو أجهزة  ومستلزمات طبية معينة وبما يزيد في ثقة المريض بطبيبه.

3- أن يكون الطبيب واضحا أمام دائرته والمسؤولين فيها في حالة النقص الذي قد تعانيه مستشفاه في مجال القوى الطبية أو التمريضية العاملة أو نقص الأدوية وبقية المستلزمات الطبية، وأن يكون فاعلا ضمن نقابته أو جمعيته التي تمثل أختصاصه في هذا المجال. كما أن العلاقة بين رجل الأدارة في المركز الطبي سواءا كان هذا المركز مستشفى تعليميا أم غير ذلك وسواءا كان هذا الأداري طبيبا أم غير ذلك، لابد من أن تكون جيدة بما يخدم الأداري نفسه ويحقق نجاح خطة المركز الصحي في العمل.

4- أن يكون الطبيب متابعا جيدا لكل ما هو جديد في مجال الخدمات الطبية التي تخص أختصاصه، مما يزيد في ثقة المواطن بطبيبه وبمركزه العلمي.

ولابد هنا من التركيز على دور نقابة الأطباء ووزارة الصحة والتعليم العالي وأدارات المستشفيات التعليمية والتي لها دورها الكبير في تمتين عرى العلاقة بين الطبيب العراقي والمريض وذلك من خلال سلسلة من الأجراءات والتي تكون كفيلة بتحقيق الهدف. ولعلي اذكر هنا بعض ما يمكن عمله في هذا المجال:

1- توفير ما تحتاجه القيادات الطبية العاملة في المستشقيات العراقية من أدوية ومستلزمات طبية وقوى بشرية وكما تقول به وتشير أليه دراسات الحاجة في الموضوع المعين.

2- القيام بشرح الأسباب التي تحول دون تحقيق ما ذكرته أعلاه من مستلزمات كافية لأداء أفضل، وهو شرح يكون على مرأى ومسمع الجميع، ليطلع المسؤول أبناء شعبه على مجريات الأمور والعوامل التي تعرقل مسيرة عمل الطبيب وكيف يتم التغلب عليها. وهنا نشير الى أهمية دور منظمات المجتمع المدني والأعلام الذي ومن خلال دوره الأيجابي سيكون عاملا مساعدا في تطوير الواقع الصحي وأعادة الثقة المفقودة بين المواطن والطبيب.

3- توفير فرص التعليم المستمر والتدريب المتواصل للأطباء وفي مختلف درجاتهم العلمية والوظيفية وكلا بما يتناسب وأختصاصه، على أن يكون ذلك مرتبطا بالترقية العلمية والوظيفية للأطباء، ومرتبطا أيضا بأنتاجية الطبيب وبحاصل عمله في مستشفاه. وكل هذا يستوجب أيجاد الهئية العليا للرقابة الصحية على ما أقترح، والتي تكون واحدة من واجباتها العمل على بناء أسس الثقة بين الطبيب والمريض من خلال سلسة من الأجراءات العلمية والأدارية  والتي تضمن المستوى اللائق من الخدمات الصحية.

أقتراح: الهيئة العليا للرقابة الصحية

وأيجاد مثل هذه الهيئة أنما هو من المعمول به في جميع البلدان المتقدمة وبعض البلدان النامية في العالم على أن تكون مرتبطة بسلطة تنفيذية تقوم بواجباتها حسب قانون خاص يسّن لهذا الغرض. ولعلي هنا أقترح على مجلس النواب العراقي أن يقوم بدراسة هذا الأمر وتشريع قانون لهذه الهيئة والتي من الممكن أن تتعاون مع الهيئات المشابهة لها في العمل والموجودة في العالم وخاصة في بريطانيا وأميركا، أضافة الى تحديد ضوابط للعمل ضمن مفاهيم وأطر عمل منظمة الصحة العالمية.

أن الطبيب العراقي والذي يعاني الأمرين في وطن ما زال أمامه الكثير لينجزه في أستتباب الأمان وتوفير متطلبات العيش الكريم، أن هذا الطبيب لهو بأمس الحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى لبناء جسور الثقة مع الناس ومع المريض لأن ذلك حتما سيصّب في مصلحة جميع الأطراف وبالتالي يحقق ما يسعى أليه الطبيب نفسه من رفعة وأزدهار.

وهنا أدعو الى زيادة المخصصات المالية للقطاع الصحي العراقي حيث أن التخصيص المقدم لقطاعي الصحة والبيئة مجتمعة يبلغ أقل من 5% حاليا من الموازنة الحكومية وهي نسبة متدنية مقارنة مع دول العالم الأخرى.

أن النهوض بالواقع الصحي العراقي لهو الركن الأساس في بناء وطن مزدهر. ولن يتحقق ذلك دون توفير مستلزماته والتي أشرنا الى بعضها هنا، أضافة الى ما أشار أليه تفصيلا التقرير المهم والصادر عن وزير الصحة العراقي الدكتور علاء العلوان قبل أسابيع قليلة. وللحديث صلة...

 

الدكتور عامر هشام الصفار

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4712 المصادف: 2019-07-31 06:00:44