 أقلام حرة

حمار دورينمات الكربلائي برواية الجاحظ البصري

صديقي الذي لم أره منذ مدة طويلة كان منشغلا في فقه التعوذ من الشيطان بعد سماع نهيق حمار.. بعد ما سرني بأنه أنهى لتوه رسالة في من يرث من الناس أن انقطعت ذرياتهم، حينها قلت له أن هذه المسألة ستؤدي بحياتك أن لم تجد سندا لها يشد أزرك وسيكون مصيرك كمصر سيبويه في المسألة الزنبورية. هذه المسألة أطلقت عليها تندرا بالمسالة البغلية..

 لا أخفيكم سرا كبيرا بأن الحسد راودني كثيرا بينما كنت أقرأ مسرحية محاكمة حول ظل حمار ليس لبلاغة النص وبساطة الفكرة بل لأن فريدريش دورنيمات تساءل في نهاية المطاف على لسان انتراكس (صاحب الحمار) بعد أن احترق بيته وباع ابنته وبعد أن خسر خصمه طبيب الأسنان عيادته وكل ما يملك أجورا للمحامين.. وبعد أن كشف عدم قدرة الحاكم وزيف رجال المعبد وبعد الحريق الذي أتى على المدينة، بعد كل هذا تساءل دورينمات على لسان انتراكس (من فينا الحمار).

 من المؤكد أن الحمار لن يحصل على أجر ظله الذي لم يحصل عليه صاحبه بل إنه لم يحصل على اجر ركوبه وهو الذي استنكر الله صوته لا لشيء غير أنه يمكن أن يكون رأى شيطانا يوجب التعوذ بالله منه برواية عنعنة أصدر صحة صدورها البخاري في صحيحه.

 الحمار في واقع الحال ليس حيوانا مظلوما فقط لكنه قضية ظلم وسقوط قصدي إلى قعر التكوين الأخلاقي والفلسفي والمفاهيم الاجتماعية والدينية والاقتصادية التي تبتني عليها أو تنبثق عنها '

يروي د. علي الوردي في احد كتبه ان رجلين دفنا حمارا لهما نفق على قارعة الطريقة العامة وقررا استغلال قبره كمقام لأحد الأولياء فأقاما مقاما سرعان ما أصبحت له قبة خضراء وفناءا مهيبا كان قد جذب بعض المسافرين من بسطاء الناس ومن طالبي الحوائج فأصبح يدر عليهما دخلا كبيرا لكنهما سرعان ما اختصما على المغانم فقررا الاحتكام بأن يقسم أحدهما بقدسية صاحب القبر قسما غليظا فتتم تسوية الخلاف.. قدسية الحمار الدفين لا تختلف كثيرا عن قدسية الضفادع المقدسة في نص دورنيمات. ربما لم تكن القصة حقيقية لكن دلالتها الواضحة..

 الحمار المقدس ينتمي إلى ذات النوع المظلوم.. سئم الضرب.. سئم الجوع.. سئم الهزوة.. بل سئم حتى الاعتداءات الجنسية.. لكن صبره عليها كبير .فالفتوى بوطأ البهيمة توجب قتلها وحرمة لحمها،لا لشيء إلا لأنه أعتدي عليها.

أما قدسية الحمار فهي خصلة بشرية تاتي من خلال الانبياء والأولياء والصلحاء الذين امتطوه وهي بذلك ليست خصلة فيه بل خصلة يسبغها البشر عليه.

  إن فكرة الكتابة عن الحمير لها ما يبررها ليس الان وحسب بل منذ القدم في ظل دكتاتوريات الكلمة لمناسبة تكميم الأفواه وحجب الرؤية وصم الأذان وتضليل العقول تحت طائلة المقدس .

 بطل حكاية الجاحظ (المعلم) صاحب الأدب الرفيع حزن حزنا شديد وأقام مجلس عزاء لام عمرو حبيبته التي لم يرها ولم يعرفها من قبل..

ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار

رغم أن الحمار كان يحمل جنازتها لكني اكاد أشم رائحة اتهام واضح أو على أقل تقدير هو سوء تدبير لا دليل على وجوده بدلالة قوله ما دحا الحمار (لولا انا وجدنا الحمار المضروب به المثل في الجهل يقوم في الصباح وفي ساعات الليل مقام الديكة.. إلى أن يقول (والحمار أجهل الخلق، فليس ينبغي لديك أن يقضى له بالمعرفة والحمار قد ساواه في يسير علمه)!

 في تراثنا العربي فإن الحيوانات تتكلم وتنطق وساورد فحوى مكالمة هاتفية بلغة هابطة يسمونها في علم البرمجة (لغة واطئة المستوى) لا يفهمها الا الله والشيطان و دورينمات والجاحظ وأبو صابر وانا،مكالمة بين حمار وطني رمادي مع حمار أمريكي اسود مع حفظ ألالقاب :

 -عمت مساء سيدي الكريم سعادة الحمار الاسمر.

- أسعد الله صباحك فما زال الوقت مبكرا هنا في لوس انجلس. قال الحمار الأميركي.

-لماذا أنت اسود؟

-لقد جلبوني عبر الأطلسي.. لم أر امي ولا ابي.. ولا بد أنهما كانا سوداوان أيضا، لكن قل لي يا صديقي ما هو لونك انت ومن هو اباك؟ قال الأسود.

 - لن أجيبك كما قالت بغلة الجاحظ من صلبي ومن فرسه.. قال الرمادي.

- وما الذي قالته البغلة؟ قال الأميركي.

- خالي الحصان، مع أنه لم يكن لأمه حصان شقيق فذلك كذب محض.. الناس هنا يكذبون وقد علموا البغال لغة الكذب ذات المستوى العال. قال الرمادي مستغربا!.. أما ابي فلربما انحدر من سلالة الإلهه القديمة في هذه الأرض العتيقة..

- إذن انت أصيل، فما دلالة اصالتك؟ قال الأميركي مستهزءا.

-يا صديقي.. اصالتي لا جدال فيها وبالإمكان إثباتها من خلال الباركود.

الاميركي : لك باركود؟ كيف واين؟

الرمادي: نعم باركود هو جزء من مؤخرتي…

وكيف لي أن اتاكد؟،قال الحمار الاسود الأميركي ؟ هل يمكن قراءة ذلك الباركود المزعوم؟

-ويحك! أتريديني أن اكشف عن عورتي فقط لتتاكد؟. قدسية قيمنا لا تسمح.. قال الحمار الرمادي.

-طيب ساحمل إصالتك محملا طيبا كما حملت الآثام الشقراء؛ لكن قل كيف يقرأ الباركود ؟ قال الأسود.

- بواسطة هاتفي المحمول ياسيدي.. هو هاتفي، اتصل بواسطته واقرا باركودات ما سرق سيدي ولي فيه مآرب أخرى. إنه مصنوع في الصين.. تحيا الصين التي جلبت لنا الحضارة الغالية بسعر البرسيم!. قال الحمارالرمادي.

-وهل انصفك دورينمات؟ قال الاسود؟ دورينمات عدني

آله وانا تنحدر من صلب إله.. لكنه لم يتجاهل قدسيتي عندما ساق الجميع إلى مصير سيء واحتفظ بي وظلي.. واعتبر الآخرين أكثر (استحمارا) مني.. لعله يتفهم القدسية بشكل أفضل ممن خدمتهم وائتمنتهم على باركودي فلم يحفظوه.

- وما قولك في الجاحظ؟ قال الاميركي؟

- معتزلي ذمني مادحا وقرضني متهكما.

اعتزلوا الجهر.. اولوا.. أشروا.. قولوا حسنا لكن بالباركود. فالقدسية قد تكون لحمار ولا تكون لنبي لم نسمع به ولن نعرفه.

 

 حسن الشرع

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4725 المصادف: 2019-08-13 03:10:06