 أقلام حرة

جوزيف ناي وفلسفة القوة الناعمة (1)

محمود محمد عليفي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي وحتى الآن، شهد العالم ما يطلق عليها النظام الدولي الجديد وأخيراً العولمة، وتعود بدايات شيوع هذا المفهوم إلى حرب الخليج الثانية (1990)؛ حيث بدأت الدعاية الأمريكية بالترويج لهذا المفهوم رغم وجود محاولات سابقة في هذا المجال.

لقد اتجه النظام الدولي خلال هذه المرحلة نحو أحادية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وظهور الولايات المتحدة كقائد للمعسكر الرأسمالي المنفردة بقيادة العالم، وتمدد دورها وهيمنتها على الأمم المتحدة والشرعية الدولية. وقد شهدت هذه المرحلة زيادة عدد الدول نتيجة الانقسامات والانشقاقات التي حدثت في كثير من الدول، وفي الوقت نفسه يشير النظام خلال هذه المرحلة إلى أنماط تفاعلات جديدة تركز على الجوانب الثقافية والحضارية وتوزيع مصادر القوة والنفوذ بصورة جديدة تعطي دوراً أكبر للمنظمات غير الحكومية، مما جعل البعض يطلق عليه اسم "النظام العالمي الجديد" بدلاً من "النظام الدولي الجديد".

وارتبطت هذه المرحلة بمجموعة من القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية، مثل الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، واحترام قواعد القانون الدولي، وإعلاء الشرعية الدولية، وتسوية المنازعات بالطرق السلمية.

وشهدت السنوات الأخيرة من عقد التسعينيات، شيوع مفهوم العولمة الذي ارتبط بأحداث الثورة الصناعية الثالثة، والطفرة الهائلة في وسائل وتكنولوجيا الاتصال. ويشير مفهوم العولمة إلى جملة التغيرات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية التي تمتد تفاعلاتها لتشمل معظم دول العالم، وهي تعبر عن مرحلة تاريخية جوهرها زيادة التداخل والترابط بين مناطق العالم، مما أدى إلى تراجع أهمية الحدود وسيادة الدولة في ظل تعدد الظواهر التي تتخطى هذه الحدود.

وقد عكست هذه المرحلة تعدد وتنوع المشكلات والتحديات التي تواجه الدول؛ خاصة في نصف الكرة الجنوبي وما رافقها من تنامي اتجاهات التطرف، والصراعات الداخلية، وظهور أنماط من التصادمات، والاحتكاكات في النظام القيمي والفكري. ويرتبط مفهوم العولمة بهيمنة النشاط الاقتصادي الرأسمالي، وتحول العالم إلى سوق استهلاكية كبرى لمنتجات الشركات الصناعية الكبرى. أما في المجال الثقافي فالأمر يظهر وكأنه انتصار لثقافة الشمال المتقدم على الجنوب المتخلف، وفرض الذوق والثقافة الأمريكية والغربية على العالم.

وفي هذا السياق، اختلف الباحثون في العلاقات الدولية، حول تحديد مكانة القوة، ودورها في السياسة الخارجية، وبرزت الاتجاهات النظرية التي تركز علي "دور القوة وتفاعلاتها مع هيكل النظام الدولي، وخاصة بعد انهيار القطبية الثنائية بسقوط الاتحاد السوفيتي، وصعود الولايات المتحدة الأمريكية قطباً وحيداً في بنية النظام الدولي، الواقع الذي لم يحدث من قبل في أن يصبح النظام الدولي أحادياً " .

فقد خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب الباردة، كقوة عظمي ومنفردة بشؤون العالم، وباتت بعد حروب الخليج مضلعة فعلياً بقيادة الوضع العالمي، لذلك أصبح النموذج الأمريكي المعولم، وبفعل القوة الشاملة، حاضراً بقوة في مختلف أرجاء العالم، وخاصة أن القوة الأمريكية لم تزعزع النظام الدولي، بل ساهمت في إنشائه تاريخياً عبر استراتيجيتين، الأولي واقعية تدور حول الاحتواء والحفاظ علي ميزان القوة الدولي، وهذا ما أنتج مجموعة من المؤسسات الدولية. أما الاستراتيجية الأخري فهي ليبرالية، سعت لبناء نظام دولي، وأسست علاقات سياسية قائمة علي اقتصاديات السوق المتكاملة وصياغة القواعد لحماية المصالح الأمريكية، واعتمدت الولايات المتحدة فيهما علي القوة الناعمة لتحقيق مصالحها. ولتبرز بوصول جورج بوش الابن إلي استراتيجية تقوم علي الالتزام بالحفاظ علي عالم أحادي القطبية، وذلك " عبر امتلاكها القوة الشاملة، بحيث تمنع منافسين لها من الظهور علي المسرح الدولي، والانتقال باستخدام القوة من الردع إلي الاستخدام الوقائي وحتي الاستباقي لمواجهة التحديات الجديدة المتمثلة بـ" الإرهاب" والاستعداد للتدخل في أي مكان، أي إعادة بلورة مفهوم السيادة وفق المصالح الأمريكية، وعدم الوقوف عند القانون الدولي والمعاهدات والرد المباشر علي التهديدات وإلغاء هدف الاستقرار الدولي، باعتمادها علي القوة الصلبة، وتزامن ذلك مع سيادة الرأسمالية، وعدم الاعتراف بأدوار الفاعلين الآخرين، ومحاولة إخضاع جميع التفاعلات الدولية لأسلوب حتمية المرور بالمركز المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية" .

هذا ما حول الاستراتيجية الأمريكية إلي استراتيجية إمبريالية جديدة، والتي دفعت، نتيجة" استخدامها للقوة غير الشرعية وغير المبالية بالشرعية الدولية، واختيارها الوسائل المختلفة لتحقيق أهدافها، إلي خلق نظام أكثر عدائية والتعرض لخطر رد الفعل، المقاومة مثلاً، أو نشوء تحالفات معادية " .

وهذا ما أدي إلي تطويق الولايات المتحدة ذاتها بذاتها، وزاد من صعوبة تحقيق مصالحها، وخاصة بزيادة التكاليف والالتزامات علي دورها، وجعل الجدل يتنامي في دوائرها الرسمية حول أي خيار من خيارات القوة الصلبة، أم الناعمة، أم الذكية، وجعلها " تبدأ بالاعتماد بشكل أكبر من الأوقات السابقة، علي خيار القوة الناعمة الذي يساهم في التخفيف من حدة عداء للولايات المتحدة في العالم، وفي الوقت ذاته يضمن تحقيق مصالحها دون استخدام القوة الصلبة انطلاقا من الحقيقة السابقة في الارتفاع النسبي لتكاليف استخدام القوة العسكرية".

وبعد انتهاء الفترة الرئاسية لجورج بوش (الابن)، وما خلفته الآلة العسكرية الأمريكية من قتل ودمار في بقاع مختلفة من العالم، وفي مناخ التراجع الحاد لسمعة الولايات المتحدة الأمريكية في المحافل الدولية إثر ما قدمته للإنسانية من موت وتشرد وإعاقة في أفغانستان والعراق، عادت السياسة الأمريكية إلى الساحة الدولية بوجه جديد، يخاطب العالم الإسلامي بوصفه عالماً جديراً بالاحترام والثقة ! إنه وجه "باراك أوباما". انتُخب أوباما ليوحي بتغير ما في سياسة أمريكا الخارجية، فأطلق رئيسها الجديد "الصورة الإيجابية الخادعة لسياسة لم تغير في أهدافها بقدر ما غيرت في نهج تحاول لغاية الآن تفحص مدى أهليته لبناء الإمبراطورية الأمريكية المستندة إلى القوة الناعمة".

وانعكست التحولات السياسية الأمريكية بداية في مشهد الخطاب السياسي الهادف بصورة ما إلى كسب معركة في خانة التأثير الثقافي، ومحاولة السيطرة مجدداً على عقول وقلوب المسلمين. ففي الخطاب المحدث، " يتم اختيار المفردات التي تعنى بالسلام، ومحو الظلام، وبناء كوكب الأرض عبر استخدام الطاقة الآمنة. وفي عناوين الخطاب الجديد منعطفات يصعب تصديقها حول بناء شراكات جديدة مزعومة مع شعوب البلدان النامية، التي أغدق عليها بالوعود المتعلقة، بنشر التعليم، وتحقيق الديمقراطية، والعدالة الدولية ! أي جملة الأساليب التي تدعو إلى ترجيح كفة سياسة القوة الناعمة، وتجنب استخدام القوة العسكرية الصلبة لحل الصراعات الدولية، أو الدفاع عن المصالح الأمريكية - الدولية إذا صح التعبير، فقد حدثت أثناء ولاية جورج بوش فجوة واسعة طالت كيفية النظر إلى أمريكا من خلال شعبها، وكيفية نظر بلدان العالم غير الأمريكي لها، إذ حاول الرئيس أوباما عبور هذه الفجوة من خلال فكرة القوة الناعمة التي نادي بها جوزيف ناي" .

فإذا ما رجعنا إلي عام 1990 نجد أن جوزيف ناي قد أطلق تعريفًا لمفهوم القوة الناعمة، قال فيه " إنها القدرة على تشكيل تصورات الآخرين، وهي "الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً عن الإرغام أو دفع الأموال. وتنشأ القوة الناعمة من الجاذبية الثقافية لبلد ما، والمثل السياسية التي يحملها، والسياسات التي ينتهجها في الواقع، وعندما تبدو السياسات الأمريكية مشروعة بنظر الآخرين تتسع القوة الناعمة الأمريكية. وعندما نجعل الآخرين يعجبون بالمُثل التي نؤمن بها، ونجعلهم يريدون ما نريد فإننا لن نضطر إلى الإنفاق كثيراً على موارد السياسات التقليدية؛ أي على عوامل الإرغام العسكري والإغراء الاقتصادي. ومن أهم المثل الأمريكية التي لها قدرة على تحريك وجذب الآخرين نحوا الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وإتاحة الفرص للأفراد" .... وللحديث يقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4793 المصادف: 2019-10-20 00:52:15