 أقلام حرة

الطائفية والعالم ونحن

في العراق ولبنان اتضح أن الطائفة هي أيضا تشكيلة عصية على "الإصلاح" هي الأخرى.. في العراق انتفض فقراء الشيعة ضد سادات وأغنياء طائفتهم مطالبين هؤلاء التخفيف من غلواء نهبهم لثروات البلاد النفطية.. جاء الرد بالرصاص، لم يكن هذا الرصاص أقل فتكا أو غزارة من ذاك الذي أطلقه شيعة على سنة أو مسلمين على مسيحيين أو العكس في العراق ولبنان وسوريا أو ما فعلته القبائل المتعادية في ليبيا واليمن الخ.. في بلد غني بالنفط من ينتظر غير ذلك، أيا كان من يقبض على السلطة لن يفعل أقل من ذلك، سواء على صعيد النهب أو الدفاع عنه بالرصاص.. بدت الطائفة أحيانا وكأنها الحامي الأخير للإنسان المقهور في الشرق، وقد حاول الكثيرون أيضا الإيحاء بذلك وتأكيده، لكن اتضح اليوم أن الطائفة مثلها مثل أي كيان هرمي سلطوي، كالشعب والوطن والجماعة الدينية وبالتأكيد الحزب والقبيلة الخ، تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها كل التشكيلات الهرمية وأن العلاقة بين قمة الهرم وقاعدته لا تختلف عنها في أي كيان هرمي سلطوي آخر.. انكشف اليوم مستوى الحماية الذي تقدمه الطائفة لأبنائها رغم أنه من المبكر جدا أن نقول أن الطائفية ذاتها قد ماتت كما يرغب الثوار اللبنانيون.. جاء الجواب من لبنان بالذات : ما دام النقد يوجه بشكل عام ضد قادة الطوائف، أفراد الطبقة الأوليغاركية الحاكمة والمالكة دون تحديد، كان يقابل بالتصفيق في الشارع أو الشوارع المختلفة، لكن ما أن استقال الحريري حتى أصبح السنة، غالبيتهم على الأقل، يعبرون عن غضب من نوع آخر، غضب طائفي جدا.. الطائفية مثلها مثل بقية الأشياء المحتواة معا فيما تسمى الهوية والتي اعتبرت خصائص شرقية أو عربية أو إسلامية بامتياز، بينما كانت في الماضي شبهة تبعث على الشعور بالخجل واعتبرت، مع الحجاب وتكفير الآخر وقتل المرتد وشاتم الرسول ورهاب الحداثة الخ، أشياء تنتمي إلى الماضي، أصبحت اليوم كبقية مكونات ما اصطلح على تسميتها بالهوية والتي تمجد لدرجة التقديس اليوم، أصبحت علنية ويمكن الجهر والتفاخر بها خاصة إذا تعلق الأمر بالصراع على السلطة.. أما فيما يتعلق بالهوس بالهوية فإنه اليوم قد تحول إلى هذيان.. كان جورج طرابيشي يتحدث عن عصاب لكن ما يجري اليوم ليس أقل من هذيان، إهلاسات حقيقية.. المهووسون بالهوية، معظمنا وفي مقدمتنا مثقفو هذه الأمة، عاجزون تماما عن رؤية الواقع، واقعنا :  أننا لا نقدم لهذا العالم شيئا سوى كره الآخر، الحجاب، ذكورية وأبوية قروسطية : عبوديات أقل ما يقال فيها أن الدهر قد أكل عليها وشرب، الهويات القاتلة التي تدعو لذبح الآخر الطائفي وسحل القوميات الأخرى، الحجر على العقل واتهامه ومحاكمته إذا اقترب أو خرج أو تجرأ على مساءلة ما نعتبرها مكونات الهوية، منع السخرية من إهلاسات محمد ومن شهوانيته أو ممارسته للبودوفيليا تحت طائلة الاتهام بالعنصرية أو الذبح.. لا نقدم للعالم شيئا سوى التفاهات بينما نمجد هذه التفاهات لدرجة التقديس ونصم كل من لا يفعل مثل فعلنا بما طاب لنا من اتهامات.. لقد تحولنا إلى ما يشبه تنبالة السلطان عبد الحميد بالنسبة للعالم، لا نفعل شيئا سوى التسول والشكوى والجلوس والانتظار، وطبعا الدعاء على الأعداء أي على الجميع تقريبا، ودعوة العالم للعيش فكريا واجتماعيا في العصور الوسطى.. حتى عندما ينتج العالم ويخترع ويورد لنا مخترعاته فإننا نستورد آخر ما أبدعه وأنتجه بدلال وتمنع، إنه يستعمرنا بتكنولوجيته ومنتجاته، لكننا نشتريها منه على أي حال.. من أهم وأخصب إهلاساتنا هو أننا ننسب لكسلنا العقلي والروحي والجسدي تأثيرات هائلة على هذا العالم الذي ما كان له أن يخترع ويتطور ويبدع لولا هذا الكسل بل إن أخلاق العالم تتجسد فقط في تعامله معنا وتحديدا مع كسلنا وتخلفنا، والإهلاس الثاني من حيث الأهمية بالنسبة لنا هو تاريخنا المعاصر الذي أعدنا كتابته بحيث يكون فيه فاعل واحد هو الغرب ومفعول به واحد هو نحن لنبرأ أنفسنا من أية مسؤولية عن مصائبنا ولنؤسس إيديولوجيا للتسول والشكوى وتقديس التخلف والجهل.. أما الحقيقة فإنه لولا لحم الخنزير واللحم أو الطعام الحلال والحجاب والبوركيني والنفط والغاز وقدرة أمرائنا وخدمهم الاستهلاكية الفائقة وذئاب داعش المنفردة وأطروحات بعض الليبراليين واليساريين الغربيين حول الإسلاموفوبيا لما لاحظنا أحد في العالم.. لقد تمخض المارد كما يصفوه فولد نظام الملالي في طهران 1979 وأفغانستان الثمانينات انتهاءا بداعش والإمارات المنتشرة في ليبيا وسوريا وغزة والضاحية الجنوبية وطرفي الخليج الفارسي أو العربي، المعتمدة تماما على  النفط والغاز الذي يشتريه الغرب ما بعد الحداثي ما بعد الكولونيالي والاستشراقي والصدقات القادمة منه ومن دول البترودولار.. هذا لا يعني أن العالم بخير، لكننا أبعد الناس في العالم عن هذا الخير، بينما نؤكد العكس لأنفسنا.. الدين هو أفيون الشعوب المتخلفة

 

مازن كم الماز

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقالٌ لا يُسْمِنُ و لا يُغني من جوع. و فيه

تمخّض الجبلُ فولد فأراً .

ماجد تاج. الباز
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4810 المصادف: 2019-11-06 12:02:50