 أقلام حرة

مَن حذف جملة السيستاني (المتظاهرون لن يعودوا الى بيوتهم قبل تحقيق مطالبهم) ولماذا؟

علاء اللاميبعد ساعات على الكلام الذي نقلته مندوبة الأمم المتحدة الى العراق جينين بلاسخارت عن السيستاني ومنه قوله (المتظاهرون لن يعودوا الى بيوتكم قبل تحقيق مطالبهم، وإذا كانت الرئاسات الثلاث عاجزة عن تحقيقها فيجب البحث عن طريق آخر)، صدر بيان عن مكتب السيستاني حول لقائه مع المندوبة، بعد حذف الجزء الأول من تلك العبارة تحديدا، والإبقاء على التفاصيل الأخرى! أما الجزء الثاني من العبارة فقد كتبت بصيغة غامضة نصها (وأشير أيضا إلى أن السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية إذا لم تكن قادرة على إجراء الإصلاحات اللازمة أو لم تكن تريد ذلك فيجب البحث فلا بد من التفكير بسلوك طريق آخر في هذا المجال) والفرق كبير بين الفعل "أشار" المبني للمعلوم وفاعله المرجع السيستاني، والفعل "أشير" المبني لمجهول والذي قد يعني أن طرفا آخر في الحوار أشار إلى ذلك! فمن حذف الجزء الأول من تلك الجملة وضبب على جزئها الثاني، أم أن بلاسخارت لفقت تلك الجملة وقوَّلت السيستاني ما لم يقل؟ وهل تساعدنا هذه الحادثة الصغيرة في حجمها الكبيرة في معناها في فهم حجم تأثير المرجع السيستاني على النظام وعلى قطاع واسع من المنتفضين؟

في الواقع لا أعتقد - أولا - أن موظفة أممية رفيعة تجرؤ على تلفيق كهذا، وهي تعلم - منطقيا - أن مكتب المرجع سيرد عليها، والحال، فليس هناك رد عليها بل حذف واضح لهذه الجملة فقط، وثانيا، فلا أجد أية مصلحة محددة لبلاسخارت في التلفيق وهي المعروفة بتصريحها السخيف حول مخاوفها من وقف تصدير النفط دون أن تقول شيئا عن دماء المتظاهرين السلميين التي تسفك على مدار الساعة! ولهذا أرجح أن الجملة "الخطرة" قد حُذفت من بيان السيستاني من قبل المشرفين على موقع السيستاني ومكتبة وفي مقدمتهم ابنه محمد رضا السيستاني. من الواضح أن هذه الجملة أثارت ذعر لصوص المنطقة الغبراء لأن متظاهرين كُثرا من مقلدي المرجع "المقتدين بفتاويه" اعتبروها فتوى أو بمثابة فتوى لهم بعدم مغادرة شوارع المدن المنتفضة! ويبدو أن جهات عليا في المنطقة الغبراء طلبوا من السيستاني الابن والحاشية في العتبات وشركات مقاولاتها حذف هذه الجملة من بيان يصدره المكتب للتخفيف من حدته فكان لهم ما أرادوا وحذفت الجملة أو قفزوا عليها فلم يوردوها في التقرير!

هذه الحادثة أثبتت لنا عدة أمور منها:

* إن الطغمة الحاكمة في بغداد ومن جميع الشركاء الطائفيين والقوميين من ساسة الشيعة والسنة والكرد تخشى من بقاء الجماهير المطالبة بحقوقها في الشوارع المنتفضة وتريد إنهاء المأزق بكل الوسائل من رصاص القنص إلى الإصلاحات الاحتيالية الترقيعية إلى الكذب والاتهامات وتزوير كلام السيستاني أو حذف ما لا يعجبها منه!

* إن للسيستاني تأثيرا كبيرا على أتباعه "مقلديه" من المسلمين الشيعة، خصوصا حين يتفق كلامه وفتاويه مع مطالبهم الطبقية والوطنية، ولكنهم لن يصغوا إليه لو أمرهم بالعودة إلى منازلهم اليوم. وهذا ما يجب أن يستثمر لمصلحة الانتفاضة مع الحرص المبدئي على إخراج السلطات والهيمنات الدينية من المشهد السياسي والاجتماعي العراقي كهدف رئيس لا قيمة لأي تغيير جذري وديموقراطي بدونه.

* كما أن للسيستاني تأثيرا كبيرا جدا على ساسة وقادة النظام وهو يمكنه حسم الصراع الأهلي الحالي الآن وخلال دقائق لو أراد بإصدار سطرين من مكتبة بضرورة تقديم الحكومة استقالتها الى البرلمان وحل هذا الأخير وتشكيل حكومة انتقالية. ولكن السيستاني لن يفعل ذلك فمهمته هي إخراج النظام من عنق الزجاجة كما دأب على فعل ذلك حتى الآن وطوال السنوات الماضية، ولأن واشنطن وطهران ستقفان ضده إذا تجاوز الخطوط الحمراء وانحاز صراحة للمنتفضين العراقيين ضد النظام التابع العميل!

* لقد لعب المرجع السيستاني عمليا - وحتى إذا أنكر المدافعون عنه - دور عرّاب النظام الذي أقيم بعد احتلال العراق سنة 2005. وكان قد دعا العراقيين الى التصويت بنعم على الدستور الاحتلال، وهو مَن دعا الى انتخاب القائمة الشيعية الأولى " قائمة الشمعة" والتي ضمت جميع الأحزاب الإسلامية الشيعية المتهمة بالفاسد شعبيا اليوم.

* وأخيرا فحتى تسمية "المرجعية الدينية العليا" الشائعة ليوم والتي يبالغ في تملقها ساسة الفساد، لم يكن لها وجود قط في العراق وفي التراث المرجعي الشيعي، وقد تم صك وترسيخ هذه التسمية في سنوات الاحتلال وبعد إقامة نظام حكم المحاصصة الطائفية ودولة المكونات. وصار مسؤولو السلطات الثلاث يرجعون إليها في كل شاردة وواردة ويتوسلون بها لاستقبالهم ويدَّعِّمون بكلامها وخطبها أفعالهم وأقوالهم حتى بعد أن توقف المرجع عن استقبالهم وأدلى بعدة تصريحات ضدهم وضد فسادهم الذي أصبحت عفونته لا تطاق ووبعد أن رفضهم الشعب كله بمن فيهم مقلدي السيستاني نفسه!

الخلآصة: إن دور السيستاني اليوم، هو كما كان طوال السنوات الماضية ولم يتغير، ولكنه يأخذ بنظر الاعتبار التطورات الفعلية الحاصلة في الشارع العراقي ولكنه لا يمكنه أبدا أن يتخذ موقفا حاسما لمصلحة الجماهير المنتفضة ويتخلى عن النظام. أعتقد أن الموقف الوطني الديموقراطي المطلوب في التعامل مع هذه الجهة التي صارت تسمى "المرجعية الدينية العليا" ينبغي أن يقوم على التثقيف بإخراج الجماهير من التبعية لها وجعل المواطنة بمبادئها ومثلها العريقة هي المرجع الحقيقي والوحيد، دون الوقوع في عداء وتشنج لفظيين وغير مبررين معها، وهذه مهمة ليست سهلة وتتطلب وقتا وجهدا وصعودا في الوعي الجماهيري العام الذي يعيش حالة صعود رائعة وسريعة تخطت كل التوقعات!

 

علاء اللامي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا لك يااستاذ علاء على صراحتك وجرئتك على قول الحق الذي يعرفه الجميع ولكن لم اجد حتى الان من يجرئ ويقول الحقيقة
بحق المرجعية التي دمرت البلد وباعته للاجنبي على حساب الوطن والمواطن ولولاها لما طال بقاء هؤلاء الفاسدين والعملاء على سدة الحكم يريقون دمائنا ويسرقون ثرواتنا وينتهكون حرماتنا ويستهينون بقدراتنا ان مافعلته المرجعية بحقنا لم يأتي احد بمثله من قبل فاخذت على عاتقها مسؤلية زرع الفتنة الطائفية منذ احيازها للبيت الشيعي الذي خطط له ونفذه الجلبي ودعمها المباشر والمستميت من اجل القائمة الشيعية واعطاء فتوة بالتصويت لصالح دستور بريمر وكان باشرافها المباشر له من خلال المقربين اليها احمد الصافي وعبد الهادي الحكيم وجلال الدين الصغير وعلي الاديب وهمام حمودي وغيرهم ..وها نحن اليوم ندفع ثمن مازرعته منذ سقوط نظام البعث حتى يومنا هذا فهي تترصد تحركات الجماهير وتحركات عملائها في الخضراء وعندما ترى الخناق قد ضاق على عملائها جاءت بحبل النجاة وهذا هو ديدن اعمالها ولا امل لكل حراك شعبي و وطني ان ينجح مادام هناك مرجعية طائفية وتبعية ايرانية وصامتة عن قوات احتلال امريكية .

ابو سجاد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4817 المصادف: 2019-11-13 13:32:54