 أقلام حرة

نشوء العقائد

عمار حميدفي البداية لابد من ان نعرّف العقائد على انها رأي محدد يحمل افكارا معينة يعتقد به عدد من افراد المجتمع ويتميزون به عن الباقين وفي اللغة يعود جذر الكلمة الى عَقَدَ وعاقد على الامر اي عازم عليه لا يثنيه شيء عنه وهي بذلك تختلف تماما عن الرأي الجدلي الذي تشكل فيه النظرية اساسا حيث يتميز هذا الرأي بالنظرية التي يحملها حتى تأتي نظرية مغايرة لدحضه وتشكل رأيا جديدا او مختلفا عن السابق اي انها قابلة للتأويل والتغيير.

اما العقائد فتحمل افكار ثابتة لا تقبل التغيير لكن من الممكن ان تتلاءم بنيتها الفكرية السطحية حسب الظروف التي تعيشها مع الوقت لكنها ترفض المساس بجوهر الفكر الذي تمثله وقد تقاومه اذا حاولت افكار مغايرة التداخل مع ما تحمله من ثوابت.

تبدأ العقائد بالظهور نتيجة موقف او حدث يتبناه عدة اشخاص او شخص واحد على الاغلب وتكون طريقة اتخاذ الموقف او الحدث استعراضية او لافته للنظر وتمثل العقائد الناشئة على الاغلب افكار ومبادئ هذا الشخص او المجموعة ويبدأ الموقف او الحدث بالتأثير على مجموعة البشر المحيطة بصاحب  هذا الموقف والشاهدة على ما يمر به فتبدأ هذه المجموعة بتبني مبادئه وتقليدها واتباعها بالاعتماد اولا على التأثير الذي احدثه هذا الشخص في داخلهم.

قد يقول البعض ان السياسة والاقتصاد والعسكرة هي احد المجالات التي تدخل ضمن تعريف العقيدة لكنها ليست كذلك لأنها تتعامل مع الواقع الملموس والعوامل المنطقية لذلك سرعان ما تتغير عند ظهور نظريات جديدة ضمن اختصاصها ، ولهذا السبب تنحصر العقيدة فقط في الاديان حيث يكون تعاملها مع الغيبيات او ما وراء الطبيعة والفلسفات المرتبطة بها التي لا يمكن التأثير عليها بنظريات مغايرة تخالفها او تبطلها لذلك فأن كل العقائد التي تتناول الامور الغيبية والاعجازية هي التي تستمر اما العقائد التي تستمد نظرياتها من الواقع الملموس فلا تستمر لأن بإمكان الجميع البحث ضمن المجال الذي نشأت فيه وتقديم نظريات وآراء أحدث.

ولكن العقائد قد تموت وتندثر ايضا ولهذا عوامله وظروفه ايضا فلاتموت عقيدة الا وعقيدة اخرى قد اخذت مكانها واهم اسباب موت واندثار العقائد هو اما محاربتها من قبل قوة بشرية اقوى من المجتمع البشري الذي يعتنق هذه العقيدة او تندثر من خلال ذوبان اصحاب العقيدة في مجتمع اكبر يحيط بها عبر الترابط او التزاوج  ويبدا بتأثير عقائدي مختلف حيث يتطلب ذلك زمنا طويلا وهذا المؤثر قد لا ينجح الا في بعض الحالات النادرة حيث غالبا ما يتشدد اصحاب العقيدة لعقيدتهم عندما يشعرون بتأثير عقيدة مغايرة تحاول ان تحدث تغييرا ما عليهم.

تحتاج العقائد لدوام استمرارها الى مؤثر مادي وهو اما يكون وثائق مسجلة او مكانا يحوي بداخله ما يذكر بالعقيدة ودليلا ماديا عليها ولقد ارتبط الانسان منذ القدم بالمكان لأن المكان يحتضن المعنى والحدث والذاكرة لأي امر او موقف او فعل فتتحول الامكنة التي تحوي مراقدا او وثائق او آثارا لمؤسسي العقيدة الى مولد مادي يعبر عن الجانب الملموس للعقيدة ومؤيدا لها.

ان تأثير العقائد على الفئات البشرية يقوى او يضعف ويعتمد بشكل رئيسي اعتمادا مباشرا على العامل الاقتصادي والمعاشي لهذه الفئات فكلما ازداد المستوى المعاشي رفاهية قل تأثير العقائد والعكس صحيح حيث تخضع المجتمعات لهذه العقائد للبحث عن ملجأ روحي ينقذها من حالة الضنك المعيشي الذي تمر به وعندما تفشل العقائد في تأمين الاطمئنان الروحي برغم حالة الخطر او الفقر وتقديم حلول لإنقاذ اتباعها عندها سيتم رفضها وانتقادها من قبل اتباعها انفسهم وهذا هو الاندثار الذاتي لها.

 

عمار حميد مهدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4836 المصادف: 2019-12-02 00:18:17