 أقلام حرة

جوهر الفرق في ماهية الإمامة بين إشكالية التنصب الإلهي وإختيار الأمة

بدر الدين شيخ رشيدإن مناقشة هذا الإشكال يتفرع من تعريف ماهيّة الخلافة والإمامة عند الأشاعرة والإمامية. وهو إذا كانت الإمامة عندالإمامية، خلافة إلهيّة مثل النبوة تماماما عدا الوحىّ، وعند الأشاعرة خلافة إختيارية من قبل أهل الحل والعقد، فما هو جوهر الخلاف في ماهيّة الإمامة عند المدرستين؟.

رؤية السيد محسن الخزازي:

يرى السيد محسن الخزازي - وهو من علماء الإمامية- أن الخلاف بين الإماميّة والأشاعرة في مسألة الخلافة هو خلاف جوهري، وليس خلافا فرعيّا. ويقوم رأيه على عدة عوامل يرى أنها أساسية، في نظرية الإماميّة بخلاف نظريّة الأشاعرة.

يرى السيد محسن الخزازي أن الفرق الحقيقي يقوم من ناحية تفسير الإمامة. فالأشاعرة ومن معهم من أهل السنة يفسرون الإمامة« الخلافة الظاهرة» بينما تفسّر الإماميّة الخلافة« الخلافة الكليّة الإلهيّة» والخلافة الظاهرة التى تقول بها الأشاعرة تكون فرعا عن الخلافة الكليّة الإلهيّة.

يقول السيد الخزازي في بيان الفرق بين الأشاعرة والإمامية في مسألة الإمامة:«إن الإمامة عند الشيعة هي الخلافة الكلية الإلهية التى من آثارها ولايتهم التشريعية التى منها الإمامة والخلافة الظاهرة؛ لأن إراتقاء الإمام إلي المقامات الإلهيّة المعنوية يوجب أن يكون زعيما سياسيا لإدارة المجتمع الإسلامي ... فالإمام هو الإنسان الكامل الإلهي، العالم بجميع ما يحتاج إليه الناس في تعيين مصالحم ومضارهم، الأمين على أحكام الله تعالى وأسراره، المعصوم من الذنوب والخطايا، الصراط المستقيم، الحجة على عباده، المفترض طاعته اللائق لإقتداء العام به والتبعية عنه، الحافظ لدين الله، المرجع العلمي لحل المعضلات والإختلاقات، وتفسير المجملات، الزعيم السياسي والإجتماعى، الهادي للنفوس إلى درجاتها اللائقة بهم من الكمالات المعنوية، الوسيط في نيل الفيض من المبدء الأعلى إلى الخلق»[1].

يرى السيد محسن الخزازي، أن الفرق في حقيقة الإمامة بين الأشاعرة والإمامية من ناحية الشروط. فهو يرى أن الأشاعرة لا يشترطون العصمة، بل إن بعضهم لم يشترط حتى العدالة، وقد نقل هذا القول عن الإمام التفتازاني صاحب شرح المقاصد قوله:« وكذا إذا كان فاسقا، أو جاهلا على الأظهر، إلا أنه يعصي بما فعل، ولا يعتبر الشخص إماما بتفرده بشروط الإمامة. ويجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع سواء كان عادلا أو جائرا»[2].

ج.   العلم، فهو يرى أن الأشاعرة لم يشترطوا على الإمام بمعرفة العلم الإلهيّ،  بل إكتفوا بقدر الإجتهاد في فروع الشريعة.

د.   تشترط الإمامية أن يكون الإمام أفضل الأمة بخلاف الأشاعرة فهم يجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل.[3]

رؤية الشيخ السبحاني:

أصَّلَ الشيخ السبحانى الخلاف بين الإمامة عند الإمامية والأشاعرة، في مفهوم الإمامة حول إختلافهم في وجوب نصب الإمام. وذلك أيجب على الله نصب الإمام؟ أم على الأمة؟ ومن خلال هذه الجدليّة ينبني الفرق الحقيقي بينهما في ماهيّة الخلافة.

يقول الشيخ السبحاني في بيان الفرق بين المدرستين في مسألة الإمامة:«ثم إن إختلافهم في كون النصب فرضا على الله أو على الأمة، ينجم عن إختلافهم في حقيقة الخلافة والإمامة عن الرسول. فمن نظر إلى أن الإمام كرئيس دولة، ليس له وظيفة إلا تأمين الطرق والسبل، وتوفير الأرزاق وإجراء الحدود، والجهاد في سبل الله، على غير ذلك، مما يقوم به رؤساء الدول بأشكالها المختلفة،  قال: بوجوب نصبه على الأمة، إذ لا يشترط فيه من المواصفات إلا الكفاءة والمقدرة على تدبير الأمور، وهذا ما يمكن أن يقوم به الأمة الإسلامية»[4].

من جهة آخري، فمن أعتبر الإمامة بأنها« إستمرا لوظائف الرسالة- لا لنفس الرسالة فإن الرسالة والنبوة مختومتان بالتحلاق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى-، يقول: بوجوب نصبه على الله، فالمعلوم أن تقلّد هذا المقام يتوقف على توفر صلاحيات عالية، لا ينالها الفرد إلا إذا حظي بعناية إلهيّة خاصة،  فيخلف النبي صلى اله عليه وسلم في علمه الأصول والفروع، وفي سد جميع الفراغات الحاصلة بموته. ومن المعلوم أنه لا يتعرف عليه الأمة إلا عن طريق الرسول، ولايتوفر وجوده إلا بتربية غيبية... ومن فسّر الإمامة بأنها عبارة عن إمرة إلهية واستمرار لوظائف النبوة كلها سوى تحمل الوحىي فلا مناص له عن القول: بوجوب نصبه على الله»[5].

ويتفرع من هذا الخلاف، إشكالية أخرى، والتي تنصب حول عصمة الإمام. فعند الأشاعرة لم تًشْترط عصمة الإمام بخلاف الإماميّة. وثمرة عدم إشتراطيّة عصمة الإمام عند الأشاعرة، يظهر فيما إذا أحدث الإمامُ  الفسق، أو الظلم، أو الجور، هل ينعزل أم لا؟.

فإذا أخذنا مثلا، نظرية العلامة التفتازاني الأشعريّ، فإن الإمام لا ينعزل« بالفسق، أو بالخروج عن طاعة الله تعالى، والجور؛ لأنه قد ظهر الفسق وأنتشر الجور من الأئمة، والأمراء، بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولايرون الخروج عليهم... و نقل عن كتب الشافعية: أن القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام. والفرق أنّ فى إنعزاله(الإمام)، ووجوب نصب غيره إثارة الفتة، لما له من الشوكة، بخلاف القاضي»[6].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..............................

[1] - الخزازي،  بداية المعارف فى شرح العقائد الإمامية ، مركز مديريت حوزة علمية ،قم إيران، ط1/1411ھ ، ج/2ص 11-12.

[2] - التفتازاني، شرح المقاصد في علم الكلام ،دارالمعارف النعمانية ،باكستان، ط1/1401هـ / 1981م، ج2/ص271.

[3] -  الخزازي، بداية المعارف فى شرح العقائد الإمامية ، مركز مديريت حوزة علمية ،قم، إيران، ط1/1411ھ ، ج/2 ص12.

[4] -  السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشرالإسلامى قم، إيران، ط3/ 1417ھ، ج6/284-285.

[5] -   المصدرالسابق، ج6/284-285.

[6] -التفتازاني، شرح العقائد النسفية، تحقيق، محمد عدنان درويش، وبمراجعة، فضيلة الشيخ أديب الكلاس، مكتبة دار البيروني، 1411ھ(بدون رقم الطبعة)،ص239-240.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4836 المصادف: 2019-12-02 11:24:26