 أقلام حرة

مئة يوم من التظاهر

سليم الحسنيمئة يوم تُعد فترة طويلة بحساب التظاهرات الجماهيرية، وقد فرضت تظاهرات تشرين نفسها بقوة على الساحة العراقية، حيث حاولت كل القوى السياسية مجاملتها، خصوصاً بعد أن حظيت بتأييد المرجعية العليا، مما أعطاها زخماً معنوياً هائلاً.

جاءت قوة التظاهرات من طرحها شعار الإصلاح وضرورة محاسبة الفاسدين، وهذا الشعار يمثل نقطة مشتركة لا خلاف عليها، وقد عكس وعياً ناضجاً للمطلب الجماهيري لتصحيح المسار السياسي، وإنقاذ البلاد من الكتل والمسؤولين والبرلمانيين الفاسدين.

لكن التظاهرات وبالاتساع الكبير الذي شهدته في أيامها وأسابيعها الأولى واجه ضربتين موجعتين، كانتا أشد من الإجرام القمعي الذي مارسته الحكومة:

الأولى: الموقف المتخاذل من المحافظات الكردية والسنية، واتخاذها موقف المتفرج الذي لا يعنيه الأمر، مع أن المتظاهر الشيعي لم يكن يرفع شعاراً فئوياً، إنما كان يريد المصلحة الوطنية العامة. وقد كشف هذا التخاذل السني الكردي أن لديهم تنسيقاً ومعلومات وتعليمات صارمة بعدم الدخول في التظاهرات لكي يجري تمرير مخطط خفي يستهدف روح التظاهرات. وكان ذلك المخطط هو توغل السفارات وحرف مسار التظاهر نحو التخريب وصناعة الاقتتال الشيعي ـ الشيعي، أي العمل على تدمير الشيعة بأيدي بعضهم البعض.

الثانية: الضربة الأخطر التي تعرضت لها التظاهرات، أنها كانت سهلة الإختراق، فظروف العراق المعقدة والرخوة تفتح عليها بوابات السفارات والعناصر المندسة والجماعات المرتبطة بالمال الخليجي. ولم يفكر المتظاهرون المخلصون بشكل كافٍ لوضع آليات سريعة لتفادي هذا الاختراق. وبذلك استطاعت القلة المندسة أن تنجح في حرف المسار، وأن تشوّه صورتها المطلبية. وقد كان مشهد الطفل الذي تم قتله وتعليقه في ساحة الوثبة بمثابة الإنذار الصارخ على سرقة التظاهرات. ورغم بشاعة تلك الحادثة وصخب الإنذار التحذيري الذي تتضمنه، إلا ان التظاهرات لم تعالج المشكلة، بل برزت مشكلة ثانية هي مجموعات حماية المتظاهرين التي أحاطتها الشبهات في كونها تتسبب في أعمال عنف وفوضى ولها أغراضها الخفية.

كان من نتائج المندسين أنهم فرضوا سيطرتهم على الجو العام للتظاهرات، فصارت أعمال التخريب وحرق الممتلكات مشاهد يومية، لم يتخذ المخلصون إجراءً عملياً لتطهير تظاهراتهم من هؤلاء، ولم تجر عملية التطهير حتى الآن رغم مرور مئة يوم على التظاهر، بل أن الكثير من المتظاهرين المخلصين، فضلوا العودة الى منازلهم بعد أن رأوا أن انتفاضتهم قد تم سرقتها.

إضافة الى اعمال الحرق والتخريب والاغتيالات المجهولة، تعاظمت ظاهرة طارئة شاذة في أجواء التظاهرات، وهي أفواج مكافحة الدوام، وهيمنت هذه الجماعات على شوارع العديد من مدن الوسط والجنوب، ولا تزال هذه الجماعات تمتلك السطوة والتحكم على المدارس والطلاب المساكين.

إن مئة يوم من التظاهر، يجب أن تخضع لتقييم مدروس من قبل المخلصين، فلابد من هيكلة التظاهرات من جديد، قبل أن تذهب سهلة يسيرة الى المندسين والمعتاشين على السفارات، فتضيع دماء المئات من الشباب العراقي الذين استشهدوا فيها، وعشرات الآلاف من الذين جرحوا في حوادثها.

إن المراجعة السريعة والإجراءات العاجلة التي يمكن أن يلتزم بها المخلصون، هو التمسك بانتفاضتهم وعدم التفريط بها، فالثورات الجماهيرية ـ وكما يسجل التاريخ ـ إنما تُسرق لظروف مشابهة لما تشهده هذه التظاهرات. وأن أول خطوات الحفاظ عليها من السرقة، هو العودة بها الى السلمية، وتطهيرها من المندسين، وتحديد الأهداف الواضحة المحددة.

لقد فرضت التظاهرات على الطبقة الحاكمة أن تستقيل الحكومة، وفرضت إجراء انتخابات مبكرة، وهذه إنجازات عظيمة لا يمكن الاستهانة بها.

وتبقى أهداف أخرى واضحة ومحددة، تختصر المسافات وتقرب النتائج، وفي مقدمة ذلك، المطالبة بإصلاح القضاء، فمع بقاء الفساد في القضاء، ستضيع الدماء وتتلاشى التضحيات، وسيعود الفاسدون مرة أخرى، أو تولد طبقة جديدة من الفساد أشد جشعاً ومكراً من السابقة.

القضاء الفاسد في العراق، هو المتسبب بكل كوارثنا، وهو مصدر القوة التي يتكئ عليها كل الفاسدين في الدولة. لن تكون للتظاهرات نتيجة مؤثرة، ما لم يتجه الصوت والنداء والشعار نحو إصلاح القضاء الفاسد.

 

سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور سليم الحسني تحية طيبة

لك في هذا المقال موقفان موقف لم تكن فيه صادقا فقد قصدت شيء والغاية كانت شيء اخر وموقف كنت فيه صادقا ونحن معك .
الاول انتقادك للموقف السني والكردي ليس الغاية منه انهم كانوا متفرجين على مايدور في ساحات التظاهر وغايتهم الاحتراب الشيعي الشيعي ولكن كان هدف انتقادك هو لعدم تصويت اعضائهم في البرلمان على خروج القوات الاميركية من العراق وترك العراق للاحتلال الايراني الذي تؤيده حضرتك لكونك منحازا له .
اما الثاني لقد كنت مصيبا به فالقضاء العراقي جزء لايتجزأ من العصابات الحاكمة التي حكمة البلاد ولابد من استبدالها بقضاء عادل وشريف تهمه مصلحة الوطن والمواطنين .
ونتمنى منك يادكتور ان تنحاز كليا لقومك ولا تميل كل الميل الى قوم كانوا سببا في دماره .
ولاينفعك هذا وكما قال الفيلسوف الرائع ماركوس اوريليوس في روائع تأملاته لامجد لك بمعزل عن مجد قومك فلا يفيد السّربَ لايفيد النحلة لامجد لنحلة في خلية منهارة ).

ونشكرك لسعة صدرك يادكتور .

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب الذي تتغلّب طائفيته على شعوره الوطني لن يكون موضوعياً في تحليله حتى لو
كسر وجبر كما يفعل دائماً السيد سليم الحسني .
لا حل إلاّ بإسقاط الأحزاب الشيعية العميلة واسترجاع ما سرقوه ولا حل إلاّ بمعالجة
الإنحراف الطائفي السني وتعريته بوصفه سلوكاً مرضياً على حساب العراق الواحد الموحد
والجميع تحت راية العراق لا تحت راية المذهب والعرق .
أما الأكراد فهم المشكلة الأكبر ولا حل إلا بمنحهم استقلالهم بالحسنى على ان تبقى كركوك
ضمن العراق الموحد ولا ضير من اقتطاع نسبة من نفط كركوك للأكراد حتى بعد الإستقلال
حتى نفاد نفط كركوك بعد خمسين عاماً , وإن دولة كردية جارة الى جانب العراق بيننا وبينها
مواثيق أفضل مئة مرة من إقليم يرفض عراقيته ويتعالى عليها ولا يرى في العراق بئر نفط .
فصل الدين عن الدولة بشكل مطلق هو الحل وهذا يعني منع المرجعية من تسميم أفكار البسطاء
وحشر المعممين في حسينياتهم تماماً كالأنظمة الغربية فما معنى الرجوع الى معمم بالصغيرة
والكبيرة وهذا المرجع ليس أكثر من غطاء لتخدير الناس وتمرير مخططات أمريكا وإيران .
العراق أكبر وأعرق من لحى وجبب سنية وشيعية , ولا بد لأجياله الجديدة من أن تتحرر من
لوثة الطقوس المتخلفة أياً كانت فلا خير في الدين إذا تحوّل من علاقة بين الذات والمطلق
الى أحزاب ونعرات وتخريجات تنظيمية أثبت الواقع بؤسها .
يتحدث الكاتب عن تعليق ذلك المراهق المسكين وهي جريمة لا تبرير لها بالطبع ولكنها لا ينبس
ببنت شفة بالخطف والقنص والتنكيل اليومي بالمتظاهرين ويخلط متعمداً بين المتظاهرين السلميين
وهم الغالبية وبين مندسين من أحزاب السلطة يفعلون كل ما من شأنه تلويث سمعة الغالبية , ويتعمد
الكاتب التركيز على ان التظاهر مشروع لأنه مطالب محقة ولا يريده ثورة تطالب باقتلاع
الأحزاب الشيعية والسنية والكردية من الجذور , أي باختصار يريد الكاتب ترقيع النظام خوفاً
من نظام جديد لا مكان فيه للحى والعمائم .
الملايين في العراق يا استاذ في العراق لا تحلم الآن سوى باقتلاع ما تصلي انت من أجل بقائه .
أمّا إذا انحرف مسار الثورة من السلمية الى شيء آخر فلا ملوم سوى الأحزاب الشيعية العميلة
لإيران بالدرجة الأولى فهي العار الذي لحق بالعراق ولا يزال مكشوف العورة يراها كل ذي عينين .

عراقي من الناصرية
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4879 المصادف: 2020-01-14 03:13:22