 أقلام حرة

الانسان عند جون لويس

حيدر جواد السهلانيجون لويس (1889_1976) ولد في بريطانيا و كان وزيرا وفيلسوفا ماركسيا ومؤلف العديد من الاعمال في الفلسفة والانثروبولوجيا والدين، وقد ادت اراؤه السياسية والاجتماعية في بداية حياته الى التصادم مع والده،  اذ كان يقوم والده بتعذيبه من جراء ارائه السياسية والاجتماعية. التحق بكلية (دولويتش) وكلية لندن الجامعية، وحصل على درجة البكالوريوس بعد تربيته الميثوديين، ثم في عام 1916 تم تعينه في كنيسة مشيخية في جرافيسند، وفي عام 1924 انتقل الى كنيسة برمنغهام وحصل على درجة الدكتوراه بالفلسفة وتخصص في فلسفة كارل ماركس. وقد كان للثورة البلشفية تأثيرا كبير عليه، فدرس اللغة الروسية واصبح اشتراكيا مسيحيا ومن ثم ماركسيا، وقد شارك في العمل السياسي، وكما شارك ايضا في مجلس اتحاد الحرف المحلي لدعم العاطلين عن العمل، ومن ثم استقال من وزارته، وتولى من سنة (1946_الى 1953) رئيس لتحرير مجلة الماركسية البريطانية الفصلية الحديثة، وكان مهتما بالكتابة الجدلية وقام بتأليف العديد من الكتب والمقالات في سياق جدلي حول موضوعات الفلسفة والقضايا الاجتماعية والماركسية، وكان له صلة وتبادل افكار جدلية مع الفيلسوف الفرنسي لويس التوسر(1918_1990) وقد رد التوسر عليه بمقال عنوانه (الرد على جون لويس)، وفي اثناء الحرب العالمية الثانية عمل لويس محاضرا في الجيش البريطاني، حيث كان يعمل مع فيلق تعليم الجيش، كما قام بالتدريس في العديد من المدارس المختلفة، بما في ذلك تدريس مادة الاحياء في كلية مورلي وهي كلية لتعليم الكبار في لندن. ومن اهم مؤلفاته: (العهد القديم في القرن العشرين، روسيا في عام 1932 كراسة للعالم المسيحي، المسيحية والثورة الاجتماعية، كتاب مدرسي للفلسفة الماركسية، الاشتراكية والكنائس، مقدمة في الفلسفة، الماركسية والمثالية، فلسفة الخيانة، مجتمع روسيا اليوم، اساس الفلسفة السوفياتية، الماركسية والعقلانية، الماركسية والعقل، اديان العالم، العلوم والايمان والشك، الاشتراكية والفردية، علم نفسك تاريخ الفلسفة، حياة وتعليم كارل ماركس، عاريه القرد او هومو العاقل، الماركسية لماركس، الانسان ذلك الكائن الفريد، ماوراء الفرصة والضرورة، ماكس فيبر وعلم الاجتماع(نقد ماركسي)، برتراند رسل الفيلسوف والانساني)

الانسان:

هناك عدة تفسيرات في نشوء الانسان، من اهمها التفسير الديني، تؤمن الديانات خاصة الديانات السماوية، بأن الله(جل جلاله) قد خلق الانسان على هيئته الحالية، وان الله(جل جلاله) خلق الانسان من الطين ثم قام بنفخ الروح فيه بأعتبار ان الانسان حسب المنظور الديني يتكون من جسد وروح، قوله تعالى في سورة الحجر(الاية 28 و 29)" واذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" وان الله(جل جلاله) قد خلق الانسان في احسن تقويم، قوله تعالى في سورة التين(الاية4) " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" وقد خلق الله(جل جلاله) ادم(عليه السلام) ثم قام بخلق حواء(عليها السلام) قوله تعالى في سورة النساء(الاية 1)" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا" اما التفسير العلمي، يرى ان الانسان هو الجنس الوحيد المتبقي من الانسان العاقل جنس الهومو، وهو فرع من قبيلة اشباه البشر التي تنتمي الى فصيلة القردة العليا، وهو العاقل الوحيد الذي يمتلك خلافا لبقية الحيوانات على الارض، دماغا عالي التطور قادر على التفكير المجرد واستخدام اللغة والنطق والتفكير الداخلي واعطاء حلول للمشاكل التي يواجها، ويمتلك جسما منتصبا ذا اطراف مفصلية علوية وسفلية يسهل تحريكها ويعمل بالتناسق التام مع الدماغ وهي خاصية تجعل من الانسان الكائن الحي الوحيد الذي يستطيع توظيف قدراته العقلية والجسمية واستخدام يديه بمهارة لصناعة ادوات دقيقة وغير الدقيقة التي يحتاجها في حياته اليومية، كما ان له تكوين حنجرة معقدة تعينه على الكلام.

الانسان عند جون لويس: يرى بعض المفكرين الانسان سوى حزمة من افعال ارادية، واسير الغريزة العدوانية المفترسة، هذا الرأي مازال يأخذ به عدد غير قليل من الناس، ويبشر به علماء في الاجتماع والوراثة والنفس والانثروبولوجيا والسياسة، اما جون لويس يرى في الانسان كائنا متفردا، بايولوجي وعقليا وسلوكيا، ولا يرى في الانسان وحياتهم محتدم صراع يختتم ببقاء الاقوى، كما تريد الدارونية الايهام بذلك، وينفي ان يكون التباين في الجينات او الموروثات سببا في قيام الحضارات او موتها، وبذلك ينفي ان يكون هذا التباين مسؤولا عن التخلف الذي يعانيه العرب اليوم، مثلما ينفي ان يكون تفوقهم العلمي على اوربا التي كانت ظلمة دامة الف عام. (ان التطور العلمي ليست قضية جينات متواجدة في شعب دون شعب اخر، وذلك ان اغلب الدول لديها علماء، لكن التدهور العلمي والانحطاط الحضاري هو نابع من الاخطاء التي يخطئها المجتمع، وهذه كثيرة ولربما عدم تطور الشعوب العربية، بسبب الاخطاء التي ارتكبها العرب ولعل من اهمها (تفسير النص الديني) اذ مع تفسير النص الديني قامت المذاهب وتشعبت الفرق الدينية وظهرت فتاوي القتل والتكفير وعم الخراب في اغلب بلدان العربية) ويعارض جون لويس الفكرة التي ترى في المنهج العلمي يصلح تطبيقه على الانسان، اذ المنهج العلمي اخفق في تفسير وجود الحياة والعقل ( بعد نجاح المنهج العلمي، ظهر بعض المفكرين ينادون بتطبيق نتائج ومنهاج العلم على الانسان، وبالمقابل ظهر عدة فلاسفة ينادون بأن القيم الانسانية غير قابلة للتطبيق، ويرون في الحرب العالمية الاولى والثانية هي من اسباب تطبيق المنهج العلمي على الانسان، فالإنسان ليس آلة ميكانيكية ومن ابرز هذا الفلسفات الوجودية) لذلك يرى  لويس ان بعض العلماء ذهب الى وجود عالم روحي يوازي العالم المادي، ولكنهم لا يفسرون شكل الترابط بين الدماغ والروح وحاولوا شرح العملية، لكن لويس يرى انهم فقط وصفوا العملية ولم يتم شرح عملية الترابط بين الروح والدماغ. ويرفض ايضا جون لويس رأي بعض من علماء الكيمياء الذي يرون بأن الكائنات الحية مكائن كيميائية، وكل الانظمة العضوية قابلة كليا للتفسير بلغة التفاعلات الكيميائية المحددة، ان هذا التفكير يبدو على شيء من القتامة، اذ كيف تفسر الكيمياء احساسنا بالحق والواجب، وعن قيم الحضارة، فمثل هذا الامور لا يمكن العثور عليها بين حقائق الوجود الجزئية، والتفاعلات ونتائجها، فالقيم تكمن خارج مجال التفاعل الفيزيائي. ويرفض لويس الفكرة القائلة بأن الانسان جاء من محض الصدفة والعوامل الفريدة هي التي شكلت الانسان ويرفض نظرية داروين(1809_1882) في التطور والبقاء الاصلح وتشكل الانسان من حيوانات مائية الى ان وصل الى الانسان العاقل، ويرى بالرد على داروين ان حيوان (السرطان) بقي الالف السنين على قيد الحياة، ويملك ميزات ضمنت بقاءه خلال مئات السنين، وبذلك يكون هذا الحيوان الاقدم في العالم وغير المتغير مع مرور العديد من الاجيال والمسألة هي اذن كيف يجب ان ننظر الى التغير وليس كيف تبقى الكائنات الحية. ويبدو ان العديد من الكائنات الحية تغير بيئتها بدلا من ان تتغير بها، اما الانسان يميل ويتجه الى الارتقاء، والارتقاء هو ليس مجرد تكيف مع ضغط البيئة المباشرة، بل هو طرائق مذهلة تتجاوز ذلك، والانسان كائن فريد قادر على تعلم اي نوع من الافعال، وبناء اي نوع من الاشياء، وفوق كل ذلك يستطيع تغير بيئته، فالانسان يتميز عن الحيوان بالذكاء والمرونة وتميز الشخصية والتأهل الاجتماعي، وهو الحيوان الوحيد الذي لا يتكيف مع بيئته بل يغيرها عمدا ويسيطر عليها وان الارتقاء الجديد الخاص بالإنسان يسير بالتعلم وبنقل المعارف المكتسبة والتجارب والاكتشافات من جيل الى جيل، والإنسان هو النوع الوحيد الذي يتغير بأستمرار منذ اللحظة التي وجد فيها، وليس ذلك طبعا في الشكل الجسدي بل في طبيعته وفي عاداته وفي مواقفه وفي تنظيمه الاجتماعي وفي عقليته والانسان وحده يملك تأريخا مستمر من التقدم المتواصل والنمو، ويستطيع ان يكيف نفسه مع كل المناخات وكل الظروف منتشرا في كل القارات وهو في كل مكان ينوع نشاطه وطعامه وملابسه واسلوب حياته وفقا للظروف المحلية ويرى في الانسان انتهى التطور البايولوجي الحر المستقل وان مملكة الطبيعة تخلي السبيل امام مملكة الحضارة، واللغة والمجتمع والتقاليد والمعرفة، تعبر عن فرادة الانسان، وهذا ما يميز الانسان عن بقية عالم الحيوان. اما الصراع فيرى انه ليس بين الكائنات الحية او ضد الكائن الحي بل بين التقنيات والاساليب، ان الآلة هي التغير وتستطيع ان تغير في سرعة مذهلة بالمقارنة مع التغير الوراثي فقد اقتضى تطور الطير الاول الى نوع الطير عالي الكفائه ثلاثون مليون سنه اما تطور طائرة (اورفيل رايت) الى جهاز جوي مكيف استغرق ثلاثين سنه. ويمثل ارتقاء الانسان بخلق الحياة المدنية والادوات وهذا يفوق بكثير الارتقاء البايولوجي، والارتقاء يجب ان ينظر اليه على انه عملية تتحرك ذاتيا وتتحول ذاتيا وتولد مستويات من التنظيم اعلى فأعلى، حتى يصبح الانسان نفسه القيم على العمليات الارتقائية. ويلخص الانسان جون لويس الى انه يملك صفات جوهرية عدا تلك التي تمتلكها كل الحيوانات الاخرى،و بقدرته على حل المشكلات ومرونته غير المحدودة، واستقلاله عن الانماط السلوكية الموروثة وتميز شخصيته وبخاصة وعيه الذاتي وتأهيله الاجتماعي، وقد نشأ الانسان نتيجة التغير الاحيائي التصادفي ولكنه بعد ان نشأ، يملك صفات فريدة بين جميع الاشياء الحية، اضافة الى ما يشاركها فيه، وان الدماغ عند الانسان ليس عضو التوافق او التكيف، كما هو عند الحيوانات، بل عضو اعادة بناء، وان الجسد والعقل ليس كيانين منفصلين وكلاهما وجدا بنفس الطريقة، وان العقل الانساني ليس كمادة يقوم بتحفيز المادة بل هو كيان يفكر، ان العقل والجسد غير قابلان للانفصال رغم انهما قابلان للتميز والانسان حيوان مفكر، وهذا يعني انه حيوان صانع الآلة، وان العقل الانساني  في عملية ارتقاء وارتقى الى الذكاء، ويرى جون لويس ان اسلاف الانسان ينحدر من الكائن الشبيه بالانسان، ويرفض فكرة ان الانسان انحدر من سلف شبيه بالقرد، ويعارض جون لويس فكرة الشر الموجودة في الانسان وان الانسان عدواني بطبيعته، فالعدوان ينشأ لدى الانسان والحيوان معا في ظل ظروف من الخيبة والحرمان، والعدوان لدى الانسان الحديث هو من الوضع الاجتماعي المغرق بالتنافس والتجزئة، ولابد من البحث عن العدوان لدى الانسان من خلال التأهيل الاجتماعي والتربوي التي تخلق احساسات عدائيه تجاه الجماعة الخارجية، والعدوان والشر ليس غريزة بل هو نتيجة للخيبة وغيرها من الظروف البيئية.

ينظر جون لويس: الانسان ذلك الكائن الفريد، ترجمة صالح جواد الكاظم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

 

حيدر جواد السهلاني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4883 المصادف: 2020-01-18 03:14:16