 أقلام حرة

ثورة القمصان البيضاء

سنسترد الدقائق، والساعات وكل الأيام التي قضيناها معا، لن ننتظر حقا ضاع منذ عمر طويل، ولن نعلق الصور مجددا لنبكي، سنعلق كرامة الراحلين وننتشي من عبق رحيلهم الذي استشهد مرات عدة ..

نحن اليوم لا نأبه من منا سيقع، سنحاول قدر الإمكان ألا نسقط حتى لو كان السقوط أمامنا سهلا والتراجع خلفنا موت ..

أصبحنا اليوم لا نرجو من الحياة حياة، نحن نحلم بالكرامة على أرض كل شبر فيها يحمل رائحة الموت، نحن لا نحلم أحلاما ملونة، أحلامنا توقفت حين زهقت أمامنا غدرا، غادرتنا الأحلام الملونة وبقيت أحلام يقظة جدا وحذرة، تحمل قلوبها على كتفها وتمضي دون الالتفات أو البكاء، أحلام ثائرة تغرس الأحلام تباعا لا يقف في وجهها موت ..

سيرحل الكثير ولن نبكي أكثر مما فعلنا، وسنضيع بين غدرهم وظلمهم بين حدود الوطن وبين أذرع العالم كاملا، سيخبو الأمل وسيموت الحب وسيرحل كل من نعرفهم ولن يبقى لنا إلا أصوات تختنق وأخرى تموت ..

و نحن نمضي حتما سنعثر مجددا على كل ما ضاع خلفنا، بصور تتمثل أمامنا بكل ما نعرف وكل ما نسينا أن نشتاق إليه، سنعثر على أطفال وجوههم كالملائكة يلعبون ويمرحون، وسنسمع صوتهم يكبرون ويكبرون جدا وبسرعة خيالية، سيرتدون الأبيض وسيحملون الوطن في يد والكرامة في أخرى، وسنسمع صوتهم عاليا، ستقشعر أبداننا لبطولات فتية محلقة لا تطأطئ الرؤوس أبدا، ولا تهاب الموت، ولا تغريها الألوان، اتشح ماضيها بأوجاعنا وأمواتنا والمستقبل البعيد بكل درجات الأسود ولم يكن ليليق بهم حتما، فاختاروا الأبيض لونا لهم ..

هم لا يهابون الموت ولا يعشقون الحياة، هم اختاروا الحياة للوطن والكرامة للشهداء وقرروا أن يزرعوا الوطن بأرواحهم ليثمر جيلا جديدا عنيدا عتيدا ..

إنهم الجيل الذي خلق ثورة القمصان البيضاء التي تستحق ان تسقط أمامها كل القبعات والعمائم بكل الوانها وانتماءاتها ..

 

د. فرح الخاصكي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

كلمات رائعة وفكرة سديدة خلطت الكاتبة فيها بين السياسة والادب والفكرة بحد ذاتها سياسية تنطلق من الماضي لتحاكي الحاضر واقرب وسيلة استخدمتها الكاتبة للوصول بالفكرة التي تحملها الى ذهن المتلقي هو استخدامها للادب اي انها وظفت الادب من اجل السياسة هذا اولا.
وثانيا نحن في الزمن الماضي كنا كما اصحاب القمصان البيضاء ولا ابالغ اذا قلت كنا ابيض من بياضهم واشد ثورية واذا كانت القمصان البيضاء قد لبسها اصحابها في زمن الديمقراطية والانفتاح ومنظمات حقوق الانسان التي تدافع عنك اينما كنت بحسب المصلحة طبعا فقد كان زمننا زمن الارهاب والقمع للفكرة والمفكر ولكن ماذا كانت النتيجة انها القوم نفس القوم والنتيجة ستكون نفس النتيجة والثورة تاكل ابناءها وكل ما رزعوه سيجنيه الاخرون وما لم تتغير الافكار والنفسيات والاتجاه بالقمصان البيض للتغيير من البحث عن دولة الانسانية الى انسانية الدولة فسوف لن يحصل التغيير التي تحلم به الكاتبة الدكتورة فرح الخاصكي وقد اعجبني تسلسلها الاحداث ووضع يدها على جرح مضى عليه الزمن واصبح تاريخا مؤلما يعيش في حفريات ذاكراتنا .

فاضل الشمري / ابو علي البغدادي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا أستاذ فاضل أسعدني تعليقك و مرورك .. و نشرت التعليق في حسابي في انستغرام لأني اعتبرته نقد جميل جدا ..
تحياتي

د. فرح الخاصكي
This comment was minimized by the moderator on the site

فاتني ان اذكر ملحوظة (ومن الخظأ الشائع القول ملاحظة) نحوية وهي :
يقال القمصان البيض وليس البيضاء والواحات الخضر وليس الخضراء لما ورد في الذكر الحكيم (ومن الجبال جدد بيض وحمر وغرابيب سود)

فاضل الشمري / ابو علي البغدادي
This comment was minimized by the moderator on the site

حسب معلوماتي المتواضعة .. تصح القمصان البيضاء .. لكن الأصح القمصان البيض .. لكني فضلت الأولى لأنها تناسب الهاشتاك الذي انطلق مع ثورة القمصان 👌🏻 تحياتي

د. فرح الخاصكي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4909 المصادف: 2020-02-12 23:56:13