 أقلام حرة

من طاعون عمواس إلي فيروس كورونا (2)

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثاني "من طاعون عمواس إلي فيروس كورونا"، وفي هذا يمكن القول : واستشهد في طاعون عمواس كثير من الصحابة أبرزهم أبو عبيدة بن الجراح الذي كان واليًا على الشام حينها، وكان عبيدة قد خطب في الناس عندما اشتد عليهم الوباء قائلًا: يا أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله تعالى أن يقسم له من هذا الطاعون حظه". وخلفه في ولاية الشام معاذ بن جبل، الذي أودى الطاعون بحياته أيضًا وقال حين ظهرت عليه أعراضه حيث ظهرت في راحة يده، فنظر إليها وقبل ظاهر كفه وقال: "ما أحب أن لي بما فيك شيئًا من الدنيا".

وهنا يقول الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك: "لقد تفرَّق الأَخَوان، المبشَّران بالجنان، وما علِما أن هذا اللقاء والحوار هو آخرُ لقاءٍ يجمعهما في دنيا الناس، ونَشرت العللُ أجنحتها، واحتَضَن الطاعونُ أرضَ الشام، وعَمَّ الموتُ بأهل الإسلام، وحلَّت مَهلَكةٌ ما عرفتْها الشام في تاريخها، حتى إن القبيلة الكاملة كانت تموت بأسرها، وحتى أشكلَ على أمراءِ الشام أمرَ توزيع الميراث، فكتبوا إلى عمر، يطلبون حلَّ هذه المعضلة، فكتب إليهم عمر: أنْ ورِّثوا الأحياء من الأموات، ولا تُورِّثوا الأموات بعضهم من بعض"؛ وكان الرجل أيامَ هذه المحنة يلقى أخاه فيقول له: كيف أصبحت من الطاعون؟! ويَلقاه عشيَّة فيقول له: كيف أمسيت عنه؟! لأن أحدهم كان إذا أصبح لم يمسِ، وإذا أمسى لم يصبح... فأصبح الموت هو حديثَ الناس، وانتظارُ الموت هو هاجسَ الناس، فكان الناس في المصيبة سواءً. فهذا الحارث بن هشام، صاحب رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يدخل الشام قبْل الطاعون، بسبعين من أهل بيته، فلم يَرجِع منهم إلا أربعة.

وذكر ابنُ قتيبة وابن حزم أن لِخالد بن الوليد نحوَ أربعين ، ولدًا ماتوا جميعُهم في طاعون عَمَواس. كان جندُ المسلمين بالشام ستةً وثلاثين ألف مُجاهدٍ ومُرابطٍ، مات منهم ثلاثون ألفًا، ولم يبقَ منهم إلا ستَّة آلاف.. وفي هذا الطاعون فُجِع المسلمون بفقْد قاماتٍ يعِزُّ وجودُهم، ممَّن كان لهم أثرٌ وتأثيرٌ في حياة الناس، لقد فَتك هذا الطاعونُ بالقادةِ العسكريين، والعلماءِ الربانيين، والزهَّادِ العابدين، ومِن آلِ البيت المقرَّبين: أبو عبيدةَ بنُ الجراحِ، ومعاذُ بنُ جبل، وبلالُ بنُ رباح، والفضلُ بنُ العباس، وشُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنَةَ، ويَزيدُ بنُ أبي سفيانَ، وأبو مالكٍ الأشعريُّ، وأبو الأسودِ الدؤليُّ، وخَلْقٌ كثيرٌ مِن أشراف الصحابة، وساداتِ الأمَّة، مضَوْا إلى ربهم متأثِّرين بهذا الوباء القتال.

وقد صَف تلك الحال أحد الشعراء فقال:

أَفْنَى بَنِي رَيْطَةَ فرْسَانَهُمْ *** عِشْرِينَ لَمْ يُقْصَصْ لَهُمْ شَارِبُ

وَمِن بَنِي أَعْمَامِهِمْ مِثْلَهُمْ  *** لِمِثْلِ هَذَا عَجِبَ الْعَاجِبُ

طَعْـنٌ وَطَاعُونٌ مَنَايَاهُمُ  ***  ذَلِكَ مَـا خَطَّ لَنَا الْكَاتِبُ

لقد كانت بحقٍّ فاجعةً هزَّت كِيانَ الأمَّةِ كلِّها، وأحدثتْ في جسدها جرْحًا غائرًا، لا يَلتَئِم مع الأيَّام.أمَّا حال عمر مع هذه المحنة فلا تسل عن حالِه؛ ضاقَتْ عليه نفسُه، ازداد غمُّه، وطال همُّه، وكَثُرَ تفكيره، ودام كمَدُه؛ ما ظنُّكم بحال رجلٍ كان يستَشعِر أنَّه مسؤول لو ضلَّت دابَّةٌ في أرض مملكته، فكيف وهو يرى الناسَ تتَخَطَّفُهم مصائب الموت؟! لقد كان الفاروق أكثر الناس إحساسًا بهذا البلاء، فكان هاجسُه الذي لا يُفارِقه، كيف يَخْرجُ بالأمَّة من هذا المأزق القدَري، كان يكتُب إلى قادته بالشام: إنَّكم نزلتم أرضًا عميقة، فارفعوا إلى أرض مرتفعة. كانت أخبارُ أهل الشام لا تَنقَطِع عن عمر، ولكأنَّنا واللهِ بقلْبِ الفاروق يتقطَّع ألمًا وكمدًا، كلَّما دلفَ سمعَه رحيلُ رجلٍ من رِجالات أهل الإسلام.

وكان عمر -رضي الله عنه- (كما يقول محمد رضا في عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين) مع حرصه على نجاة كلِّ فردٍ من رعيَّته من هذا الوَباء، إلا أنَّه كان يحمل بين جنبَيْه حرصًا أكثر، وخوفًا أشد، على أصحاب محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم-.واستَمِع إلى هذا المشهد المعبِّر عن صدق هذا الحرص: كتب الفاروق -رضي الله عنه- كتابًا إلى أبي عبيدة -رضي الله عنه- جاء فيه: "من أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح، أنْ سلامٌ عليك، أمَّا بعد: فإنَّه قد عَرَضت لي إليك حاجةٌ، أريد أن أشافِهَك بها، فعزمتُ عليك إذا نظرتَ في كتابي هذا ألاَّ تضعَه من يدِك حتى تُقبِل إليَّ". ففطن أبو عبيدة لِمُراد عمر، وعرف أنَّ الخليفةَ إنما أراد أن يستخرِجه من أرض الوباء. أمَّا القائدُ الزاهد الصالح أبو عبيدةَ فقد رأى أنَّ مُروءَتَه تَأبى عليه أن يخرج من أرضِ الشام سليمًا مُعافًى، ويبقى جيشُه الذي طالما قاتَل، وجاهَد معه تتخطَّفه الأمراض، ويفتك به الوباء... فكتب إلى أمير المؤمنين: "إنِّي قد عرفت حاجتك، وإنِّي في جندٍ من المسلمين، لا أجد فيَّ بنفسي رغبةً عنهم، فلست أُرِيد فراقهم حتى يقضيَ الله فيَّ وفيهم أمرَه وقضاءَه، فخلِّني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي". فلمَّا قرأ عمرُ كتابَ أبي عبيدة، خنقتْه عبراتُه، ثم تبعَتْها دمعاته، ففزع الناس، وقالوا: يا أمير المؤمنين: أمات أبو عبيدة؟! فقال عمر: لا، وكأنْ قد. وحصل ما كان يخشاه الفاروق؛ فأُصِيب أمين هذه الأمَّة أبو عبيدة بن الجرَّاح بالطاعون، ومات في إثر ذلك، وحزنت عليه الناس وخليفتهُم حزنًا شديدًا طويلاً، وكان الفاروق يقول في آخر حياته: لو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفتُه بَعدي، ولما جعلتُها شورى.

واستَخلَف عمرُ -رضي الله عنه- بعدَ أبي عبيدة معاذَ بنَ جبلٍ، العالِمَ الشابَّ، أعْلمَ هذه الأمَّةِ بالحلالِ والحرامِ، فخطب بأهل الشام في هذه المأساةِ خطبةً بَليغةً مؤثِّرةً ذَكَّرهم بالصبر على البلاء، والتسليم للقضاء، والحِرْص على الاستِمساكِ بالدِّين، وعدمِ التأسُّف على الحياة، وكان مِن دُرره التي قالها في مقامِه ذاك: "يأتي زمانٌ يظهر فيه الباطل، يصبح الرجل على دين، ويمسي على آخر، ويقول الرجل: والله لا أدري ما أنا؟! لا يَعِيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويُعطَى الرجلُ من المال من مال الله، على أن يتكلَّم بكلام الزور الذي يُسخِط الله". وقال أيضًا: "إنَّ هذا الوجع رحمة ربكم، ودعوة نبيِّكم، وموت الصالحين قبلَكم، وإنَّ معاذًا يسأل الله أن يقسم لآل معاذ منه حظَّه".... فانتَقَل الوباءُ إلى بعض أهل بيت معاذ بن جبل، ثم سرَت العدوى إليه، ولم يَدُم طويلاً، فلقي ربه في إثر ذلك وعمره ثلاث وثلاثون سنة -رضِي الله عنه-.وحين أراد الله -سبحانه- للغمَّة أن تنقَشِع، وللوباء أن ينكَشِف، هيَّأ له أسبابَه، فكانت نهايَة هذا المرضِ بعد إرادة الله -سبحانه- على يد الداهية عمرو بن العاص، فحين تولَّى أمر الشام بعد معاذ رأى أن هذا المرض يشتَعِل وينتَشِر حال اجتِماع الناس، فأصدر أمْرَه بأن يهجر الناسُ المدن، ويتفرَّقوا في الجبال والمناطق المرتفعة. فبلغ عمرَ ما صنع عمرٌو، فأَعجَبَه فعْلُه وما كرهه، وما هي إلا شهور وأيَّام، إلا وقد ارتَفَع البلاء وانتهت العدوى، وعاد الناس إلى أرض الشام بعد أيَّامِ الموت، ومأساةٍ غائرةٍ لا تُنسى.

قال الطبري: واختلف في خبر طاعون عمواس وفي أي سنة كان، فقال ابن إسحاق ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه، قال: ثم دخلت سنة ثماني عشرة؛ ففيها كان طاعون عمواس، فتفانى فيها الناس، فتوفي أبو عبيدة بن الجراح؛ وهو أمير الناس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث ابن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وأشراف الناس. وحدثني أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كان طاعون عمواس والجابية في سنة ثماني عشرة.

وقال الطبري أيضا : حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن شعبة بن الحجاج، عن المخارق بن عبد الله البجلي، عن طارق بن شهاب البجلي، قال: أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده، فلما جلسنا قال: لا عليكم أن تخفّوا، فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تنزّهوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء؛ سأخبركم بما يكره مما يتّقى، من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات، ويظنّ من أقام فأصابه ذلك لو أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظنّ هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج، وأن يتنزّه عنه؛ إني كنت مع أبى عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع، وبلغ ذلك عمر، كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك، أمّا بعد، فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألّا تضعه من يدك حتى تقبل إلي. قال: فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، قال: يغفر الله لأمير المؤمنين! ثمّ كتب إليه: يا أمير المؤمنين، إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه؛ فحلّلني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي. فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد. قال: ثم كتب إليه: سلام عليك، أما بعد، فإنك أنزلت الناس أرضا غمقة، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة. فلما أتاه كتابه دعاني فقال: يا أبا موسى، إنّ كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه، فقلت له: والله لقد كان في أهلي حدث، فقال: لعلّ وضع رجله في غرزه طعن، فقال: والله لقد أصبت. ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، ورفع عن الناس الوباء.

وعلى الرغم من شهرة طاعون "عمواس" إلا أنه لم يكن الوباء الوحيد ولا الأكثر فتكًا، حيث أصابت الدولة الإسلامية عدة طواعين بعد ذلك افتكها كان طاعون "الجارف" الذي حل بالبصرة سنة 69هـ/ 688م. حسبما ذكر نصير بهجت في بحثه "الطواعين في صدر الإسلام والخلافة الأموية" المنشور بمجلة جامعة كركوك، مضيفًا أن الطاعون وقع في عهد عبد الله بن الزبير إذ كان يحكم حينها جزءًا كبيرًا من الدولة الإسلامية وكانت البصرة تحت رعايته، وسمي هذا الطاعون بـ "الجارف" لكثرة ما مات فيه من الناس، ومن أشهر من مات فيه عالم النحو أبو الأسود الدؤلي. ويحكي شمس الدين الدهبي في كتابه " دول الإسلام" عن طاعون الجارف قائلًا: قل الناس وعجز من بقى عن دفن الموتى، وكانت الوحوش تدخل الأزقة وتأكلهم، بحيث أن أم أمير البصرة ماتت فلم يتهيأ من يخرج جنازتها سوى أربعة رجال. بل أن كثرة القتلى بلغت لدرجة أن في يوم الجمعة لم يحضر الصلاة سوى سبعة رجال وامرأة فقال الخطيب: ما فعلت تلك الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب.. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4922 المصادف: 2020-02-26 01:36:20