 أقلام حرة

أَين ارث محمود البريكان؟

سعد جاسمعلى الرغم من مرور ثمانية عشر عاماً على واقعة الاغتيال المأساوي لشاعر الصمت والعزلة: الشاعر العراقي الكبير محمود البريكان؛ فمازال نتاجه الابداعي مغيبّا ومختفياً ولم يرَ النور الذي يليق به بوصفه منجزاً ابداعياً وارثاً مهماً لشاعر رائد عاش حياته زاهداً  وطاهر الروح وأَبيض القلب ونادر الوجود.

ومن اللافت للانتباه ان الاراء قد تعددت بشأن اختفاء ارث البريكان؛ حيث ان هناك من يقول: ان نتاجه الشعري قد سُرق قبل رحيله بمدة قصيرة، ولم يعرف حتى هذه اللحظة مصير قصائده وكتاباته المسروقة؛ وهناك من يقول ان ذلك النتاج قد سُرقَ بطريقة غامضة ومتعمدة وجرى اخفاؤه مباشرة بعد حادث اغتياله الفاجع .

صحيح ان البريكان كان يعيش عزلة اختيارية خاصة جداً. وكان بعيداً عن الاضواء ومُقلاً او بالاحرى عازفاً عن النشر بمحض ارادته واختياره؛ الا انه لم يكن صامتاً او متوقفاً عن كتابة الشعر والنثر والتأملات الفكرية.

1364 البريكان

بل كان- وهذا مايؤكده بعض أصدقائه المقربين والخُلّص؛ دائم الانهماك والانشغال والتواصل بكتابة قصائده؛ وكان خلال رحلته الابداعية الهادئة من الخارج والصاخبة من الاعماق قد أنجز الكثير من القصائد التي لم تُنشر على الاطلاق، وذلك لأنه كان متريثاً في عملية نشر خزينه الشعري الكبير.

ان المؤسف في الامر والذي يدعو للدهشة والحيرة والاستغراب انه  ومنذ رحيله لم تسع أية مؤسسة ثقافية إلى البحث والتحري عن ارث البريكان الذي نعتقد بأنه ارث هام جداً؛ لا بل انه ارث واثر ادبي لايقل اهمية عن اي اثر وطني وابداعي آخر، ولذا فإننا ندعو جميع الجهات ذات العلاقة كوزارة الثقافة والاثار العراقية واتحاد الادباء والكتاب العراقيين بمركزه الرئيس وفرعه في مدينة البصرة والمؤسسات الثقافية الاخرى الى تفعيل عملية البحث والتحري عن ارث البريكان الابداعي الذي اذا ماعثرنا عليه ونشرناه فأننا سننصف شاعراً لم يُنصف في حياته أَبداً؛ وكذلك فاننا سنرفد ونعيد للثقافة العراقية والشعرية العربية منجزاً ابداعياً لشاعر حقيقي له فرادته وريادته وشعلة خلوده الابدي .

 

سعد جاسم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية للشاعر المجدد سعد جاسم.
سبق ان اصدر باسم المرعبي مختارات من البريكان مع مقدمة مناسبة و مختصرة. و لكن ضمت قصائده النثرية. و أمس و هنا في المثقف تكرم الدكتور عبد الرضا علي باستكمال النصف الثاني من الصورة و هي قصائده المقفاة و قصائد التفعيلة.
و هكذا اصبحت الاحظ انه من شعراء بواكير الحداثة لكنه تجاوز خطها الاحمر و اضاف ايقاعات نثرية تحتمل عدة قراءات. لقد ابتعد اكثر من السياب و الذي اختتم حياته بقصائد سطرية شبه مفتوحة على معنى الشعر الانساني و ليس على قوالب الشعر العربي الفني. فالبريكان اقترب من جاك بريفير و عالج مشاكل وجودية من منحى ذاتي. و اهتم بمحنة الانسان و هو يعارك ايامه و رتابة الحياة و تدهور الديمقراطية. وعدم قدرتنا على الخروج من ازمة الحاكم الواحد. و لذلك تراه مشتتا و حزينا و مقهورا و يغص بقضية فردية داخل محنة عامة.
نعم.
لا بد للبريكان من مشروع يتخطى محاولات الافراد. ليس لأنه مختلف فقط و لكن لغنه يمثل منعطفا في مسيرة الحالة الشعرية ككل،

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الاديب المبدع د. صالح الرزوق
سلاماً ومحبّة
أنا أرى ان البريكان : هو نسيج نفسه
ويختلف عن السياب وكل رواد الحداثة العربية
وكذلك فهو يختلف عن بريفير لان بريفير شاعر تفاصيل وحياة يومية
والبريكان شاعر كوني وخارج عن السرب ... وتبقى جهود باسم المرعبي ود. عبد الرضا علي
ومن قبلهما عبد الرحمن طهمازي وكذلك أسامة الشحماني وغيرهم ؛
تبقى جهوداً فردية جديرة بالشكر والاحترام .

اعتقد كما اشرت ان البريكان ينبغي ان تُخصص له الدولة العراقية ووزارة ثقافتها : مشروعاً ثقافياً كاملاً
يليق بمكانته ومنجزه الشعري المهم في الشعرية العربية .

سعد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع سعد جاسم
ودّاً ودّا

كان البريكان لغزاً في حياته وصار لغزاً مضاعفاً بعد موته مقتولا .
تشرفت بمقابلته والجلوس معه مرّةً يتيمة لا غير فقد زرناه أنا والشاعر عبد الزهرة زكي
في معهد المعلمين في البصرة في الربع الأخير من عقد السبعينيات في القرن الماضي .
لا أصدّق ان البريكان لم يكتب سوى ما نشره في حياته وذلك لأن المنشور من شعره يشير
الى ان البريكان كان يواكب التجديد في شعر التفعيلة فشعره الجديد في الخمسينيات يشبه
شعر الرواد الآخرين من ناحية التطورات التي طرأت على القصيدة فقد كان يكتب على ذات
التفعيلات التي شاعت في خمسينيات القرن الماضي ولكن اختياره لمواضيعه وزاوية المعالجة
كانتا متميزتين ثم صمت حتى قرأنا له شعره المنشور في أواخر ستينيات القرن الماضي
وكانت حارس الفنار أيقونة شعره في تلك المرحلة الوسيطة وفيها نقلة كبرى الى الأمام
مقارنةً بشعره الخمسيني , وأخيراً قرأنا له في الأقلام شعراً بارعاً في ملف الأقلام في أواخر
الثمانينيات ومطلع التسعينيات والتطور الذي وجدناه في شعره في المراحل الثلاث تدل بما لا
يقبل الشك ان البريكان قارىء متابع لكل جديد في تطورات القصيدة العربية وقصائده تدل
على خبرة ومران كبيرين نابعين أساساً من تجريب مستمر وغزارة في الكتابة ولا يُعقل أن
يكون مقلاً جداً حتى في الكتابة .
هل سرقت مخطوطاته وقتل وهو يدافع عنها ؟ لا جواب عندي ولكنني أشك في ان البريكان
كان سيشتكي أو يتشاجر مع السارق على جهاز تسجيل ومئة دولار , وأشك ايضاً أن السارق
خاف من البريكان كشخص أو خاف من الفضيحة , أقول ما أقول لأنهم يقولون ان القاتل من
أقاربه وهذا يؤكد حجتي في ان القاتل يعرف البريكان وأخلاقه فما الداعي الى اقتراف القتل ؟
لكنْ هناك إشاعات كنا نقرأ ونسمع الكثيرين يرددونها قبل مقتلة البريكان وهي ان البريكان
قد أودع مخطوطاته في مصرف , ماذا تعني هذه التفوهات ؟ لا أدري ولكنها تشير الى ان
هناك سراً يكتنف هذا الشاعر العظيم وقد تظهر مخطوطاته بعد أعوام لأنها لا يمكن أن تُنتحل .
لا أظن أن أحداً بعد موت الأجيال التي عاصرت البريكان سيتجشّم عناء البحث ولا حتى تكريم
هذا الشاعر تكريماً فعلياً وليس تكريماً دعائياً لا فائدة منه كما تعودنا على هذا النوع الفاشل
من تكريم الكبار.
دمت في أحسن حال أخي سعد .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

جمال مصطفى
الشاعر الرائي
سلاماً ومحبة

ياللمصادفة الغريبة اخي جمال ؛ حيث انا الآخر كنت قد التقيت البريكان
في ثهايات السبعينيات في معهد المعلمين في البصرة
حيث اصطحبني لزيارته الصديق الشاعر البصري " جمال حامد الفريح " اعتقد انك تعرفه ؟

ولاأُخفي بهجتي ورهبتي وخشوعي امام البريكان الانسان والشاعر المهيب
حتى انني احسست بأني في حضرة قديس او حكيم طاعن في النور والجلال

اخي الحبيب جمال : يمكنني ان ابوح لك بأنني انا كذلك اعرف بعض الاسرار والتأويلات والتصورات وارؤى والأفكار
عن شاعرية البريكان وطريقته ورؤيته في الكتابة الشعرية
وكذلك في قضية اغتياله من قبل الشخص المقرّب منه عائلياً .
وكذلك اعرف زوجته السابقة السيدة الشاعرة " عدالة العيداني " التي تقيم الآن مع ولديه " ماجد وخالد " في السويد

نعم ... اخي جمال : اشاطرك القول : بأننا من بلاد لاتكترث بارث مبدعيها ..ولايكلف مسؤولوها انفسهم بتكريم هؤلاء المبدعين
وافر الشكر لك على مداخلتك الرائعة اخي جمال المبدع

سعد جاسم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4923 المصادف: 2020-02-27 02:56:20