علي المرهجأشهد أنني وجدت في الكاظمي ذكاءاً يُحسب له في اللعب على أوتار التحدي في كل صراع الأثنيات، ليُشكل وزارة توافقية بإمتياز، يُهدئ بها أطراف الصراع الأثني الداخلي بدرجات ويسترضي بها الأحزاب، بل وينال قبول إيران من دون أن يمس لها طرفاً من أطرافها المساندة والمؤيدة لها من ميلييات وأحزاب، ومن دون أن يُاكس أمريكا، فهو فرد لا حزب له تمكن من العزف على أوتار الجميع بما يجعله الأكثر كسباً لمعركة الصراع، فهو "مايسترو" السمفونية العراقية، وهذا ليس مدحاً له ولا قدحاً، ولكنني أحسب أن كلا طرفي الصراع: أطراف الممانعة وأطراف الموافقة ارتضوا أن يكون الكاظمي "مايسترو" هذه المرحلة من تاريخ العراق السياسي، لا لميزة فيه سوى توافق أطراف الصراع على القبول به كطرف مقبول من قوى التضاد مع الممانعة التي أثبتت أنها الأقوى.

ما يُحسب للكاظمي أنه أجاد لعبة مسك العصا من المنتصف واللعب بها، بل والتلويح بها في أن سقوطها يعني انتصار طرف وخسران طرف آخر.

تمكن الكاظمي في تكوين وزارته من كسب كل أطراف الصراع الأثني الداخلي، بل وأطراف الصراع الخارجي.

ربما من محاسن المكاسب للكاظمي أن يجد أن كلا أطراف الصراع (الأمريكي) ـ (الإيراني) يتفقان عليه ويجدان في وزارته إمكانية إيجاد حل لمشكل الصراع في العراق وارتباطاته في سوريا واليمن.

في تشكيل وزرارة الكاظمي ـ كما أحسب ـ ترضية لأطراف الصراع الأثني والعرقي داخلياً، بل وترضية لإيران، ولكن في إختياره لمستشاريه وحاشيته التي يستقي منها المشورة إنما هو إختيار بذكاء لمن هُم مُقربون للغرب والتيار الأنكلو سكسوني، بل والأقرب لروحية الجماهير المنتفضة، ولربما يُحسب في قولي هذا اعتقادي بقبول فكرة التناغم بين المتأمريكين والمُنتفضين، ولكن ذلك بعيد بقدر بعد الشهداء عن المساومة في الوطنية.

فمثلما تلاقت المصالح عند أغلبية العراقيين في قبولهم لإسقاط نظام صدام حسين (الديكتاتوري)، أظن المصالح تلاقت بين متطلبات الجماهير المُنتفضة وما يدعو له بعض المستفيدين من سياسة أمريكا الهوجاء.

ما خدم المتأمريكين الذين كانوا عاملاً مساعداً في تشويه مطالب المنتفضين، هو ذاته ما خدم المتأسلمين الذين جاءوا على ظهر الدبابة الأمريكية ليكونوا قادة في (عراق ما بعد صدام) لينطبق عليهم المثل المصري القائل: "لا تعيرني ولا أعيرك، الهم طايلني وطايلك".

أقول لكم مستشهداً بالمثل العراقي القائل "لا تترجه من بارح مطر"، رغم ما في حكومة الكاظمي من كفاءات، لأن الحكومة حكومة توازن أثني ومذهبي وطائفي وعرقي.

إذن ماذا نرتجي من هكذا حكومة؟ الجواب أننا نرتجي منها بفضل وجود بعض أو كثير من الكفاءات فيها هو جلدهم وصبرهم أمام ضغوط الأحزاب التي جاءت بهم، أو رضيت بوجودهم على مضض، وهذا الأمر وإن كان صعباً في ظل التحديات التي نعرفها، ولكنه ليس بالمستحيل.

في أحسن التوقعات نقول أن هذه الحكومة لم تخرج بهذه الصورة المقبولة لولا سعي رئيس الوزراء لقبول التوازنات الأثنية واسعيه لتمرير وزارته من دون تجريح لأرواح الشهداء المنتفضين.

هذا أمر صعب، ولكن رئيس الوزراء عمل عليه، لكي لا تخرج وزارته بصورة يظهر فيها بعض توجه لقبول وزير طائفي أو أثني لولا تحدي أطراف الصراع له.

أقول أنه نجاح لقبول أن يكون الأميز في في العتبة الأولى ليضع قدمه على سُلّم الخدمة الوطنية.

لاأدعو أهالي الشهداء لليأس، بل للأمل في أن يكون سُلَم الشهادة طريق حياة أناروه للحالمين من بعدهم بغد أفضل.

لا أختلف معكم أنها حكومة تخدير، لذا ينبغي التحذير، وأظن أن الكاظمي إن كان جاداً في بناء حكومة إصلاح سيقبل بستمرار وجود الشباب المنتفض ليكون صمام أمان لحكومته، كي يُجيد التفاوض مع الطائفيين والعرقيين.

 

ا. د. علي المرهج

 

حسن خليل حسن(ندرك تماماً صعوبة الوضع المالي للدول في ظل جائحة كوفيد-19 وبالأخص الدول احادية المورد ومنها العراق لكن هذه المقالة لإمكانية تعديل المسار وليس لنفي اصل القرار)

كانت الوظائف قديماً من اهم مكاسب الحياة حتى قال عنها الروائي اليوناني سوفوكليس (العمل النبيل هو في حد ذاته مكافأة)، والى عهدٍ قريب كان هذا الامر واقعياً لان العامل في الوظيفة له مكتسبات كبيرة ورعاية اجتماعية كبيرة ناهيك عن المكانة الاجتماعية،  اما في عصرنا الحالي فقد  اختلف الامر  في كثير من دول العالم، وفقدت الوظيفة بريقها المعنوي المعهود واصبحت العوائد  المادية للوظيفة هي اكبر مطامح الموظفين لتعدد ابواب الانفاق على الاحتياجات العصرية التي لم تكن موجودة سابقاً، وربما كان هذا الدافع من رفض الموظفين العراقيين للقرار الحكومي الأخير (الذي ينتظر التصويت في البرلمان) باستقطاع 50% من المخصصات الممنوحة له والتي تشكّل العمود الفقري لمواجهة متطلبات الحياة المتزايدة أفقيا وعموديا (عددا وقيمة).. كما ان الموظف يشعر بما لا يقبل شك أنه أهون الفئات المستهدفة في القرار الحكومي الخاص بالتعامل مع ملف الانفاق في ظل ازمة تدني اسعار النفط التي رافقت جائحة كورونا، ولا اغالي ان قلت ان السواد الاعظم من موظفي الدولة  يعمل كالأجير مقابل قوت عائلته ومسكنها ويشببه البعض  بالعبد المملوك الذي لا يُعتق إلا في سن اليأس من الحياة..! وبينما ينتظر الموظف العراقي ما يُحسّن وضعه المعاشي من ترقية أو علاوة أو ترفيع يُفاجئ برفع نصف مخصصاته التي يعتمد عليها في ترميم أحواله المتهالكة في بلد لا تخضع فئات شعبه الى أي ضمانات اجتماعية تحميه من مارد الغلاء في جميع الخدمات الضرورية من سكن او صحة او تعليم او نقل أو كهرباء او ماء صالح للشرب، وقبل أن يقر تنصيف تلك المخصصات بفترة ذرّت صاحبة القرار الرماد في عينيه عندما تنازلت عن جزء من مخصصاتها الملكية، ولمن يظن ان وظائف الرئاسات والوزارات والمناصب السياسية التي جرى تخفيض مخصصاتها تحاكي وضع الموظف البسيط فهو مخطئ، فتلك الوظائف الرئاسية الشرفية ليس لها تاريخ وظيفي كما أن مخصصاتها مؤقتة لا تتأثر برفع جزء منها ، وغالبا ما توفر هذه المناصب أبواب شرعية أو غير شرعية للدخل الاضافي المسؤولين مقابل وظائف معظمها لا تسمح بمُزاولة وظيفة أخرى أو دخل آخر لدواعي القوانين الصارمة أو الوقت الكامل والجهد الكبير للعمل وبعيدا عن الجرح المادي والمعنوي لقرار قطع نصف المخصصات المبيّت منذ سنوات لطبقة الموظفين  يلاحظ أن الدولة حين أصدرت هذا القرار المؤذي لم تفكر بوضع السوق المحلية التي لا تتوافق مع مقدار التغير في قيمة الرواتب مقارنة بقيمة المعروض من السلع والخدمات التي تخضع فقط لمزاج التجار والمستثمرين وأصحاب المهن الخدمية..

ومن اهم النقاط المسجلة على هذا القرار:

1- لم تضع القرارات في حساباتها اسعار النفط  المتوقعة، علماً ان فترة انخفاض اسعار النفط (تحت 30 دولار لم تستمر لاكثر من 3 اشهر) بينما يحصل الانتعاش (الى ما فوق 40 دولار) مع نهاية شهر آيار وهو مستمر بالصعود التدريجي ومن المتوقع  بحسب خبراء ان ينتعش خلال صيف 2020 الي ما بين        50 – 55 دولار او اكثر، مع الاخذ بنظر الاعتبار ازدياد صادرات النفط العراقي الى اكثر من 4 مليون برميل، وهذا يقلل الفجوة بين العام الحالي وحجم موازنة العام 2019 التي استندت على احتساب سعر البرميل 52 دولار ولم ترافقها اي استقطاعات او ضغط للنفقات كما يحصل في ظل القرارات  الحالية.

2- كان سعر برميل النفط المعتمد في موازنة العام 2016    45 دولار  بالمقارنة مع العام 2017 التي كان فيها حساب الموازنة  كان على اساس سعر البرميل 42 دولار ، وكان سعر صرف الدولار 1182وهو ما يشبه السعر الحالي، والعام 2018 الذي حُسبت الموازنة على اساس سعر البرميل 48 دولار، ولا ننسى  ان في تلك الاعوام كان هنالك انفاق اضافي يتمثل بالتمويل الحربي الكبير لمواجهة ودحر فلول داعش الارهابي في العراق.

3- الحكومة لم توضح ما تمتلكه من مبالغ احتياطية للموازنات السابقة ولا فروق اسعار صرف الدولار من تلك الموازنات الذي احتسب على اساس (1182 دينار ) بينما قيمته الحقيقية تتجاوز عتبة (1200 دينار) حالياً.

4- ان المخصصات الممنوحة للموظف لا يمكن اعتبارها جزء كمالي في دخل الموظف  وانما هو اساس الانفاق الشهري للعوائل العراقية، واكثر من ذلك فان كفاية الراتب (ان وجدت) فهي اساس خدمات او تجارة سلعية لعمال اخرين في القطاع الخاص الغائب في حسابات الاستراتيجيات الحكومية السابقة واللاحقة، وهنا نسأل أصحاب قرار الاستقطاع الأخير.. هل ستتغير القيمة السلعية للمواد والخدمات في حال تخفيض الرواتب!! طبعا الجواب لا..

اذ ليس هنالك ما يشير الى إجراءات داعمة للموظف من قبل القطاعات الخاصة بل وحتى الحكومية في المرحلة القادمة..

فهل هنالك خطوة لخفض اجور الوقود والكهرباء وتوفير مياه اسالة صالحة للشرب..؟ الجواب لا.

بل على العكس فمن المحتمل ان تكون الوقود والكهرباء أسلحة ضريبية مرشحة للتصويب باتجاه جيوب الموظفين المغلوب على امرهم.. في ظل الحجج بخسارة في قيمة العوائد النفطية ... التي بدأت بالتعافي مؤخرا بشكل تدريجي...

فهل هنالك خطوة لتعديل تكاليف السلع الاستهلاكية؟ طبعا لا... هل هنالك دعم حكومي للقطاع الصحي ام تبقى العباد تهج إلى دول الجوار لتلقي العلاج أو تحصيل مهرب للأمراض الناتجة عن وضع العراقي البيئي والسياسي..

هل هنالك خطوة لتقييد المغالاة  في اجور الخدمات التعليمية والاستثمارات العقارية من ايجار وغيرها ؟طبعا لا.. بل على العكس يبدو ان الاجراءات الحكومية ستكون نحو رفع الدعم او تشديد اجراءات جباية الضرائب للقطاعات الخدمية  الاساسية كالماء والكهرباء وفرض جباية على الشركات الحكومية والخاصة بحسب القرار الحكومي.

5-  في ظل الازمة الحالية في العراق لا تزال هنالك زيادة لرواتب السياسيين  مقارنة براتب اقرانهم في العالم واكثر بكثير من متوسط رواتب موظفي الدولة العراقية، وهي لا تشير الى خطوة ايجابية تواسي الموظفين الذين جرى استقطاع نصف مخصصاتهم، وبالمقارنة مع رواتب السياسيين العراقيين مع ما يتقاضاه السياسيون في دول العالم فأن رواتب البرلمانيين في العالم سنويا تبلغ (19.210 دولار كأقل راتب في تونس) وفي سويسرا ( 67.918 دولار) سنوياً بينما يبلغ مجموع ما يتقاضاه الوزير وعضو البرلمان  العراقي كرواتب اسمي (73.115 دولار) سنوياً ، يظهر زيادة غير مبررة في رواتبهم برغم الازمة المالية الاخيرة، علماً ان راتب الوزير والبرلماني العراقي بعد التعديل يمثل ستة عشر ضعفاً من ادنى راتب في الدولة العراقية.

6- ان قرارات مجلس الوزراء الاخيرة التي تحجب جزء كبير من المخصصات لم تعالج اهم عاملين لسد العجز المحتمل في الميزانية وهما اعادة المبالغ المنهوبة من العراق في الخارج ومعالجة الاخطاء السابقة في منح جولة التراخيص النفطية التي تستنزف نسبة عالية من عائدات النفط العراقي.

7- عند احتساب الايرادات النفطية بمعدل 42 دولار للبرميل(وهو السعر الحالي) فان مجموع العوائد النفطية ستكون 49.301.280.000 الف دينار عراقي (بعد طرح نسبة 33% كلفة الاستخراج الحالية) وهذه العوائد تمثل نسبة 64% من الإيرادات النفطية للعام 2018 والبالغة 77.160.392.640 الف دينار عراقي(باستثناء ما يقارب من 14.5 تريليون دينار تأتي من الايرادات غير النفطية بحسب موازنة نفس السنة).

8- اختارت الحكومة اصعب الحلول في مقترحاتها لحجب نصف المخصصات فهي لم تعتبرها مؤقتة اجراءات بل تصدر قوانين نافذة كان من الممكن ان يشار الى اعادة النظر فيها او انها تستحصل كمدخرات اجبارية تعاد الى اصحابها بعد تحسن اسعار النفط كما كان من الممكن طرح كابونات بيع جزء من النفط بالسعر الحالي لأصحاب الرواتب العالية واصحاب الاموال الاستثمارية  واعتماد الاستقطاع من المخصصات كجزء من هذه الخطة.

والخلاصة ان الموظفين هم اكبر المتضررين من فقرات القانون الحكومي الجديد سواء من حجب نسب عالية جدا من المخصصات او من وقف الترفيعات والعلاوات، ناهيك على التشدد الضريبي للخدمات الاساسية المقدّمة لهم، فاذا كان الموظف يدفع ثمن سياسة التقشف السابق الذي تأثر فيه الاقتصاد العراقي في العام 2015 بالرغم من قراراته الاقل حدة فيما يخص الاستقطاع فكيف سيكون الحال في القرارات الصادرة مؤخرا وهي ترفع معظم مخصصاته التي يتعكز عليها في زمن الغلاء وتعدد ابواب الانفاق العصري في كافة المجالات.

كما ان عدم وضوح العجز المالي للسنة الجارية لا يبرر نسبة  50% المستقطعة من المخصصات  وبالرغم من ادراكنا ان الاعتماد على الريع النفطي لم يعد مؤومناً لوجود اتجاه عالمي نحو  عدم الاعتماد على الوقود الأحفوري في المستقبل المنظور، الا ان الا التركيز على تحميل الموظف تبعات كل عجز اقتصادي دون اعتماد استراتيجية اخرى سوف يتسبب بأضعاف الوظيفة وهي اساس حرف ومهن تجارية وصناعية اخرى يجب التفكير فيها، ولمن يبحث عن منافذ الخروج من ازمة الكساد النفطي فيجب ان اخضاع ذلك الى دراسات استشارية في الاقتصاد المحلي من اجل رسم سياسة اقتصادية استشرافية تتوخى العدالة وتوازن المستوى المعاشي لموظفي الدولة وتفتح ابواب جديدة للدخل القومي وتعوض الخسارة في سوق النفط خلال الازمات المتوقعة مستقبلاً، ولمن اراد البحث عن الموارد في العراق فهنالك الكثير  من المقالات العلمية اشارت لذلك ومنها مقالتنا السابقة قبل اشهر بعنوان (كنوز العراق... في زمن الكساد النفطي).

 

د.حسن خليل حسن

جامعة البصرة

 

زهير الخويلدي"لم يعد بمقدوري التنفس" جورج فلويد

احتج آلاف متظاهرين في المدن الأمريكية بعد مقتل الأسود جورج فلويد من طرف شرطي وأعيد انتاج الفرز القديم بين الملونين وذوي البشرة البيضاء في فضاء عمومي يفترض أن يكون فضاء يشترك فيه الكل على أساس المساواة في الحقوق والواجبات ويحترم فيها الجميع بعضهم البعض وفق مبادئ القانون.

في الواقع تظل الممارسة العنصرية طي الكتمان ومجال للتستر والإخفاء ونادرا ما يتم الكشف عن واحدة منها بفضل التقدم الاعلامي وثورة وسائل الاتصال الحديثة وتسليط المعرفة الضوء على جرائم السلطة وتبقى الكثير من التعديات والممارسات اللاانسانية في عداد المجهول ويعاني منه الناس دون قول يذكر.

لقد اعتقد بعض الناشطين أن فكرة المواطنة وحقوق الانسان والثقافة الديمقراطية وتجارب المشاركة السياسية قد ٌقضت نهائيا على الممارسات العنصرية المعادية وتجاوزت التقاليد العبودية البالية وأرست مجتمعا حرا يقدس أفكار التعايش والاعتراف والاندماج بين جل القوى الاجتماعية المتنافرة والمتنوعة.

لقد تعزز هذا الموقف المتفائل منذ وصول باراك أوباما وهو صاحب البشرة السمراء الى منصب الرئاسة الأمريكية في دورتين وكان بذلك أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية الذي يفوز بمنصب الرئاسة وينحدر من أصول افريقية ومن خارج الدائرة اليهودية المسيحية ولقد عمل على تدعيم هذه المكاسب.

لكن واقع الأمور كذبت هذه التحاليل وكشف عن وجود موقف عنصري في لاوعي الجماعات المهيمنة وممارسة إقصائية علنية في البيانات السياسية للكثير من الأحزاب اليمينية المحافظة والتي تدور في فلك الاقتصاد الحر وديانة الرأسمالية التي تتحرك في مدار الربح والاستغلال والاحتكار والقرصنة والتهريب.

لقد عانت الدول الرأسمالية في فترات متباعدة الكثير من الأحداث المؤلمة المرتبطة بالتمييز العنصري وما يترتب عنه من احتجاجات غاضبة وردود أفعال غاضبة شارك فيها على السواء أصحاب البشرة البيضاء والسوداء والمنحدرين من أصول جنوبية وأسيوية وعربية ومسلمة وافريقية واسبانية وأوروبية.

من المعلوم أن الفكر التقدمي هو الأكثر ادانة للعنصرية والممارسات الظالمة وأن الفكر المحافظ هو الأقل حماسة للتصدي لها ولكن الكثير من النصوص القانونية الموروثة التي وجدت منذ القدم حرصت على منع هذه الأمراض ومقاومتها خاصة في الدساتير الأولى والمواثيق والمعاهدات المبرمة في الحروب والسلم.

لم يعد التناقض المغذي للصراع يدور بين الرأسمالية والاشتراكية وبين البرجوازية والطبقة العالمة وبين المركز والأطراف ودول الشمال ودول الجنوب وبين النخبة الحاكمة والجمهور العريض من الشعب بل يتم بين الماسكين بالسلطة والمهمشين المنبوذين من أصحاب البشرة السوداء وبقية الأقليات المضطهدة.

لقد مثلت صرخة جورج فلويد الضربة القاصمة في وجدان محبي الخير والعدل في أمريكا التي استنهضت الهمم وصفعت الضمير الانساني للخروج والتمرد والعصيان انتصارا للقيم الكونية ودفاعا على الكرامة المنتهكة وتمسكا بالحق في عالم بلا ضمير وبلا بوصلة وبحثا عن أفق سياسي ما بعد رأسمالي متوحش. لقد وقع الكثير من الأحداث المرعبة في المنطقة العربية وحدثت تصفيات باردة لأرواح بريئة في فلسطين ولم يحرك العالم ساكنا وتبجحت الامبراطورية بأنها أذنت للكيان الغاصب لكي يدافع عن نفسه وشرعت العنف ولكن  النار التي اكتوت بها الشعوب العربية والاسلامية نراها اليوم تحرق قلب حصون الرأسمالية.

العنصرية مرض عضال تعاني منه البشرية ويصيب المعتدي بالغطرسة والتكبر والتعطش لسفك الدماء وإرادة الهيمنة واستغلال جهد الضعفاء ويجعله يتلذذ بتعذيب الآخرين ويتراوح بين السادية والمازوشية ويفتك بالمعتدى عليه من جهة الازدراء والتبخيس وفقدان الكرامة والاستسلام والخضوع والتخلي عن الانسانية من أجل المحافظة على البقاء والتكيف مع واقع الاستعباد والعزوف عن نقد السياسة الظالمة.

والحق أن العنصرية متغلغلة في كل مجتمع ولا تغيب عن كل مجال وتظهر بشكل علني في الاستغلال الاقتصادي والهيمنة السياسية والهرمية الاجتماعية والنفوذ الثقافي والاحتكار العلمي والتربية الشمولية وتقترن بمظاهر التسلط والعنف المباشر وباللاتسامح والتمركز على الذات وجنون العظمة وإرادة القوة.

لقد عانت الشعوب التابعة سابقا من الاستعمار والحروب الامبريالية ودفعت الثمن باهضا وقدمت كثير من التضحيات ولم يتم الاعتذار لها وجبر أضرارها حتى بعد الاستقلال وهاهي تعاني في الفترة الراهنة من عودة للاستعمار بأشكال مختلفة ومن سياسات ظالمة للدول الكبرى ومن تدخل مباشر في شؤونها الداخلية.

المفارقة أن معدلات الجرائم العنصرية تزداد في الأنظمة التي تدعي اتباعها سياسات ديمقراطية وتتظاهر باحترام حقوق الانسان وتزعم التقيد بالمواطنة والمؤسسات المدنية وتختفي من الاعلام ولا تذكر أصلا في المجتمعات المتخلفة بسبب قلة المتابعة وعدم الجدية في الاهتمام بها وكثرة انتشارها وتعميمها على الكل.

قد لا يكفي التضامن مع ضحايا التمييز العنصري ولا تعيد الادانة الشاملة للسلوكيات المهينة كرامة الذين تم الاعتداء عليهم ولذلك يجب الانخراط في الفعل المشترك الذي يكف عن إعادة انتاج هذا المرض الفتاك.

لا حل للمشكلة ولا خروج من الورطة إلا بتفكيك السياسة العنصرية والكف عن الأحكام المتحاملة وسياسة المكيالين ومنح الاعتراف للآدميين وتطبيق آلية المساواة على الجميع دون استثناء والاحتكام الى العدالة المنصفة ورسم الطريق نحو التعددية الفعلية والديمقراطية المباشرة والابتعاد عن تقديم الحلول الترقيعية والتمثلية الشكلية وترك الشعوب تقرر مصيرها بنفسها وتدافع عن سيادتها الشعبية في دولها الأصلية. لقد تخلصت جنوب افريقيا من حكومة التمييز العنصري بفضل نضالات السوء التي قادها نيلسون مانديلا ومازال الفلسطينيون الى حد الآن يخضعون لحكم الفكر الصهيوني العنصري ويكافحون بغية التحرر منه، فمتى يفهم حكام البيت الأبيض بأن الملون هو الذي صنع حضارة العم سام وأنه شارك بقوة في التحرير؟ وكيف السبيل الى وضع حد للآفة التمييزية التي تعتمدها السلطة العنصرية كأدوات للهيمنة والاستيلاء؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علاء اللاميمن 1619 إلى 1965

للتعريف بقصة الاميركيين من أصول أفريقية، هذه خلاصات سريعة تلخص قصة مأساتهم وكفاحهم من أجل الحرية والعدالة والمساواة منذ القرن السابع عشر. ولكن قبل ذلك أود أن أبدأ بهذه الفائدة اللغوية حول التسميات: *إن كلمة زنجي غير محملة بمحمولات عنصرية عادة، وهي ليست ترجمة لكلمة (Nigger)، فأصل كلمة (Nigger) هو من الكلمة الإسبانية (Negro) وتعني أسود. أما اسما الدولتين الأفريقيتين "نيجر" و"نيجريا" فهما ينسبان إلى اسم نهر النيجر والذي يطلق عليه "نهر الأنهار" البالغ طوله أكثر من أربعة آلاف كم.  وقد أصبحت كلمة (Negro) مهينة لأنها باتت تعني في اللغة اليومية في اللغات الأوروبية الغربية والشرقية "عبد"، وهي تعتبر شتيمة عنصرية في عصرنا، مع أن هناك كلمة أخرى تعني عبد وهي بالانكليزية (SLAVE) وبالفرنسية (ESCLAVE).

عربيا، الاعتقاد السائد هو أن كلمة زنجي مأخوذ من اسم أرخبيل جزر "زنجيبار = بر الزنج" بالمحيط الهندي تابع لتانزانيا في شرق أفريقيا، وتسمى الجزيرة الكبرى فيه (زنجبار) باللغة السواحلية: أنغوجا. وقد انتهى الحكم العربي لزنجبار سنة 1964 حين أطاحت ثورة بآخر حاكم عماني لها وهو السلطان جمشيد بن سعيد أحد أبناء السلطان سعيد وأصبحت جزر زنجيبار جزءا من تنزانيا مع شيء من الاستقلال الذاتي. وعلى هذا يمكن استخدام عبارة الزنجي الأميركي أو غير الأميركي، ولكن الأفضل من وجهة نظري استخدام عبارات من قبيل "الأسود والسود" و "الآفروأميركيون" و "الاميركيون من أصول أفريقية".

خلاصات تاريخية عن قصة كفاحهم ومعاناتهم المأساوية والبطولية:

* في القرن السابع عشر بدأت تجارة العبيد الأوروبية نحو أميركا وفي سنة 1619 وصلت اول حمولة من العبيد إلى ولاية فيرجينيا.

1793: تسبب محلاج القطن الذي اخترعه "ويتني" في زيادة الطلب على عمالة السخرة.

1793: سنت الحكومة قانون العبيد، والذي ينص على إعادة العبيد الهاربين حتى لو تخطوا حدود الدولة.

1800: جابريل بروسر، حداد من أصول أفريقية، حاول تنظيم ثورة للعبيد، وقام بالتخطيط لمسيرة إلى ريتشموند بفرجينيا، إلا أن المخطط تم كشفه، وأعدم هو والمتمردون الذين كانوا معه، وتبع ذلك تشديد في القوانين التي تخص العبيد في فرجينيا.

1808: منع الكونجرس جلب العبيد من أفريقيا.

1820: تسوية ميزوري تقرر حظر العبودية عند الحدود الجنوبية لميزوري.

1822: دنمارك فيزي، نجار أميركي من أصول أفريقية اشترى حريته، وخطط لثورة عبيد من أجل حصار مدينة شارلستون في جنوب كارولينا، وتم كشف المخطط، وشنق هو و34 شخصا ممن كانوا معه.

1831: نات ترنر، واعظ أميركي من أصول أفريقية، قاد أهم حراك ثوري في تاريخ أميركا، حيث قام هو وفرقة من أتباعه بإطلاق تمرد دموي في "ساوثمبتون" بفرجينيا، تم قمع التمرد وإعدام ترنر.

1846: وثيقة ويلموت، قدمت من قبل الممثل الديمقراطي لبنسلفانيا "دافيد ويلموت"، حاول فيها منع الرق في المقاطعات التي تم الاستحواذ عليها في الحرب المكسيكية، إلا أنه تم رفضها، لكن استمرت النقاشات حول الرق، كما أطلق في نفس العام "فريدريك دوجلاس" صحيفة ضد الرق.

1850: إلغاء تجارة العبيد في واشنطن مع تشديد القوانين التي تخص العبيد الهاربين.

1861: تأسيس الكونفدرالية عندما انفصل أقصى الجنوب، وبدأت الحرب الأهلية.

1863: أصدر الرئيس لينكولن، إعلان تحرير العبيد، معلناً أن جميع الأشخاص المحتجزين كعبيد داخل الولايات الكونفدرالية، هم من الآن فصاعداً أحرار.

- انتهت الحرب في 9 أبريل/نيسان من هذا العام، وتم اغتيال لينكولن في العام نفسه لاحقاً بسبب موقفه المناهض للعبودية.

- تم تشكيل جماعة الـ "كو كلوكس كلان" على يد الكونفدرالين السابقين، أو التي تعرف بـ "KKK" والتي يؤمن أعضاؤها بتفوق البيض.

- في نفس العام أيضاً، تم التصديق على التعديل الدستوري الثالث عشر، والذي يحظر العبودية.

1865-1866: تم تمرير قانون السود، والذي يختلف من ولاية إلى أخرى من ناحية الشدة والصرامة، إلا أنه يبيح لهم حق الزواج والملكية والمقاضاة في المحاكم، ولكن في نفس الوقت هناك تشديدات، مثل قوانين العمل الصارمة التي تخص المحررين السود، بالإضافة إلى الفصل بين البيض والسود في المؤسسات.

1868: تم تمرير الإصلاح الدستوري الرابع عشر، والذي يحدد مفهوم المواطنة، ويعطي الجنسية الأميركية للذين ولدوا في أميركا أو تجنسوا بعد ذلك، بمن فيهم العبيد.

1870: الإصلاح الخامس عشر للدستور، والذي يعطي حق التصويت للسود، حيث انتخب أول نائب أسود وهو "هيرام رفيلز"، وخلال فترة إعادة الإعمار التي تلت الحرب الأهلية، خدم 16 نائبا أسود داخل الكونغرس.

1879: الهجرة السوداء، عشرات الآلاف من الأميركيين الأفارقة هاجروا من ولايات الجنوب إلى ولاية كانساس.

1896:  صدور قرار المحكمة العليا الذي يقضي بدستورية الفصل العنصري بين البيض والملونين، مما مهد الطريق لقانون "جيم كرو" المجحف في الجنوب.

1905: إنشاء حركة نياغرا الاحتجاجية، والتي طالبت بالمساواة الفورية في كل نواحي الحياة الأميركية.

1909: إنشاء الرابطة الوطنية للملونين، في نيويورك على يد مثقفين بيض وسود بارزين، وتعتبر المنظمة الأكثر تأثيراً في مجال حقوق الأفارقة في أميركا لمدة نصف قرن لاحقاً، حيث اهتمت بقضايا المساواة السياسية والعدالة الاجتماعية.

1914: أسس "ماركوس جارفي" الرابطة العالمية لتحسين أحوال الزنوج، تتبنى المطالبة بحقوق السود، وتهتم بتعزيز روح الفخر العرقي، وإنشاء إحساس بالوحدة بين جميع السود في العالم.

1920: ازدهار نهضة هارلم (أحد الأحياء في مدينة نيويورك يقع في قسم مانهاتن) ما بين 1920 و1930، ونهضة هارلم هي نهضة ثقافية حدثت في مجال الآداب والفنون الأفروأميركية، ساعدت بعد ذلك في تشكيل وبلورة ثقافة وهوية السود في أميركا.

1948: بالرغم من مشاركة الأفارقة الأميركيين في كل معارك الولايات المتحدة المهمة، إلا أن هذا لم يكن رسميا إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما أصدر الرئيس هاري ترومان قراراً بدمج السود في الجيش الأميركي.

1952: أصبح مالكولم إكس، زعيما لحركة "أمة الإسلام"، وتزايد نفوذه خلال الفترة اللاحقة، ليصبح من أقوى المسلمين السود في أميركا، وتعتقد الحركة أنه لن يحل مشاكل السود إلا السود أنفسهم.

1954: أصدرت المحكمة العليا حكمها بإعلان أن الفصل العنصري في المدارس غير دستوري.

1955: قتل شاب أسود، بعدما زعم بعضهم أنه قام بالتصفير لامرأة بيضاء في مسيسيبي، واتهم شخصان أبيضان بقتله، ولكن تمت تبرئتهم من قبل لجنة محلفين كل أعضائها بيض، تفاخر الاثنان لاحقاً بقيامهما بقتل الشاب الأسود. وفي التفاصيل نعلم: في صيف عام 1955 في ولاية الميسيسيبي، تم إعدام إيميت تيل بشكل غوغائي، وهو مراهق بالغ من العمر 14 عاما، وذلك لأنه أطلق صفيرا لامرأة بيضاء. خاضت والدته صراعا لاستعادة جثة ابنها للعودة بها إلى شيكاغو، حيث كانت تعيش. فتحت التابوت، وأظهرت للجمهور الجثة المشوهة بفظاعة، حيث نشرت الصحافة الصور، وفي سبتمبر/ أيلول، تمت تبرئة القتلة الاثنين. حضر 50.000 شخص جنازة ايميت تيل في شيكاغو وكانت ملايين أخرى مستاءة من هذه الحالة التي ترمز إلى ما عاشه العديد منهم، ولم تتطور الحالة إلى أكثر من ذلك.

1962: جيمس مريدث، أول طالب أسود يلتحق بجامعة مسيسبي، وقد رفض حاكم الولاية "روس بارت" قرار إلحاقه بالجامعة، فاندلعت الاحتجاجات العنيفة، ما دفع الرئيس جون كنيدي لإرسال 5000 جندي لقمعها وحفظ الأمن.

1963: اعتقل الزعيم الأسود مارتن لوثر كنغ وسجن خلال احتجاجات ضد الفصل العنصري في "بيرمنغهام"، وكتب مارتن خطابا في مكان احتجازه، دعا فيه إلى العصيان المدني اللاعنيف.

- أطلقت في ذلك العام، في واشنطن مسيرة تطالب بالحرية وبوظائف وفرص عمل، حضرها ما يقرب من 250 ألف شخص، وهي تعتبر أكبر مسيرة شهدتها العاصمة واشنطن، وهناك قال مارتن لوثر كنغ خطابه التاريخي (I have a dream)،"أنا عندي حلم"،  وقد أعطت المسيرة زخما كبيرا ساهم في تشريع قوانين الحقوق المدنية.

- في 15 أيلول - سبتمبر اندلع مظاهرات عنيفة في بيرمنغهام، نتيجة قتل 4 فتيات جراء انفجار في كنيسة بابيست.

- أصدر الكونغرس وبسرعة قوانين لصالح الحقوق المدنية. ولكن تنفيذ القوانين استغرق وقتا طويلا، وكان على السود مواصلة النضال خلال متبقي الستينات.

- وفي ميدان الحرمان من حق الانتخاب والترشيح فعلى سبيل المثال في مدينة سيلمى بولاية آلاباما، التي كانت رمزا لاستبعاد السود من التصويت، نجح 335 أسود من أصل 15.000 من البالغين السود في المدينة بتسجيل أنفسهم في القوائم الانتخابية، أما البيض الذين كانوا أقل عددا منهم، فكانت نسبة المسجلين منهم 99 بالمائة من الناخبين.

1964: الرئيس جونسون يوقع قانون الحقوق المدنية، وهو يعتبر أكبر تشريع للحقوق المدنية منذ إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية.

- العثور على ثلاث جثث لعاملين في مجال الحقوق المدنية، قتلوا على يد الـ "KKK".

- حصل مارتن لوثر كنغ على جائزة نوبل.

- وفي تموز/ يوليو عام 1964، أقدم شرطي على قتل شاب أسود عمره 15 عاما، فاشتعل حي هارلم في نيويورك احتجاجا. وجاء هذا العصيان بعد اسبوعين فقط من اعتماد قانون الحقوق المدنية الذي حظر ممارسة التمييز العنصري. وفي غيتو واتس في لوس انجليس، اندلعت انتفاضة في 11 آب / أغسطس عام 1965 على وقع ممارسة الشرطة اعتداء على شاب أسود واستمرت ستة أيام، وتم خلاله مهاجمة الشرطة والبيض. فتم إلقاء القبض على 4000 شخص وقتل 34 وجميعهم من السود.

* خلاصات من تقارير صحافية منشورة.

في الجزء القادم نستكمل هذا العرض المختصر لقصة كفاح السود الأميركيين ومعاناتهم خلال القرن العشرين والقرن الجاري... شكرا لكم على المتابعة والتفاعل.

 

علاء اللامي

 

 

محمود محمد عليعقب مقتل جورج فلويد عمد الديمقراطيون في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى إتباع مختلف السبل لزعزعة استقرار حكم الرئيس ترامب لتحريك الشارع، من خلال وسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، من أجل التأثير على الرأي العام الأمريكي، حيث وجدنا أن من أهم الأساليب التي اتبعها الديمقراطيون، هو تحريك التي اتبعتها من خلال مساندتهم لشريحة واسعة من الشباب الأمريكي ذوي الأصول الأفريقية، من خلال تدريبهم على مفاهيم الديمقراطية، بهدف استثمار هؤلاء الشباب الذين وجدوا في سياسة الديمقراطيين الناعمة ما فقدوه في ظل حكم ترامب، وتم دعوة العديد من الناشطين إلى للنزول للشارع والاحتجاج ضد ترامب في عدد كبير من المدن الأمريكية من أجل اسقاطه في الانتخابات المقبلة في الرابع من نوفمبر المقبل .

وقد اتضح ذلك من خلال الخطاب الإعلامي الموجهة ضد ترامب داخلياً وخارجياً، ويمكن أن نعرض لهذا الخطاب بشئ من التفصيل، وذلك من خلال المبالغة في شرح تفاصيل مقتل فلويد وتسخين الأرضية، وذلك علي النحو التالي من خلال بعض وسائل الإعلام في الداخل والخارج :

أولاً: لتسع دقائق كاملة وتحديداً لثماني دقائق وست وأربعين ثانية ظلت ركبة الشرطي الأبيض علي رقبة رجل أسود، يتوسل إليه بعبارة واحدة، أصبحت خلال ساعات صرخة وشعاراً "أرجوك لا أستطيع أن أتنفس".. جورج فلويد العملاق اللطيف كما سماه أصدقائه.. قُتل أثناء القبض عليه في اشتباه بمحاولة صرف عملة مزورة، عشرون دولاراً ومجرد اشتباه، كلفه حياته.. مقتل فلويد أعاد للأذهان حوادث متشابهة برتوش مختلفة قبل عدة أشهر.. قبل عام أو عامين.. أربعة ويزيد.. مقتل فلويد كانت شرارة أشعلت الحريق ليس مجازاً هذه المرة.. مدن أمريكية كثيرة انطلق فيها الغضب وأعمال الشغب.. حرق سيارات ومحال.. ومواجهات حامية ما بين الشرطة والمتظاهرين.. الرئيس الأمريكي ترامب أُتهم اليسار المتطرف ومن سماهم بالفوضويين واللصوص.. هل ترون الولايات المتحدة بلداً للحريات؟ أم ساحة للعنصرية؟

ثانيا: أمريكا ليست ساحة معركة ومواطنون ليسوا العدو.. موقف نشره رئيس الأركان السابق الجنرال مارتن ديمبسي في تغريدة شكلت جزء من الجدل الذي أثارته طريقة ترامب في التعاطي مع الاحتجاجات الجارية في بلاده ضد مقتل جورج فلويد.. طريقة تعاظم فيها تعويل الرئيس الأمريكي علي دور قوات المن والجيش ما أثار انتقادات واسعة دعت قيادات الجيش للنأي بنفسها عن مجابهة الشارع الغاضب، حتي أن وزير الدفاع اتخذ مسافة من صورة جمعته بترامب معلنا رفضه الجيش لمجابهة الشارع الغاضب.. تطورات تزيد من الأعباء علي كاهل ترامب المعني بتشريعات جديدة تهدف لإعادة النظر في طريقة عمل الشرطة وتعزز إجراءات التحقيق معها..

ثالثاً:  "لا أستطيع أن أتنفس" ,, ما بعد استغاثة جورج  فلويد المقتول علي يد شرطي.. أحداث تجثم علي صدر الرئيس الأمريكي ترامب.. تستمر المظاهرات السلمية منها والغاضبة ضد العنصرية والرئيس المتهم بتكريسها.. احتجاجات عارمة تصيب الليل بالنهار في أكثر من مدينة أمريكية تطالب بالعدالة.. من مينيابوليس مسرج الجريمة التي هزت الولايات المتحدة إلي لوس أنجلوس ونيويورك وواشنطن وغيرها من المدن صدح المحتجون باسم فلويد ونددوا بممارسات الشرطة وسياسة ترامب المغضوب عليه في كل الحالات والآن أكثر..  كانوا ما لا يقل عن أكثر من 60 ألف في يوست التي نشأ فيها فلويد.. تحدي بعضهم قرار حظر التجوال في نيويورك وواشنطن وهتفوا لرحيل الإدارة الحالية.. ردت عنه الشرطة بالقوة.. ضربت واعتقلت وسحلت متظاهرين في صور مهينة بقيم الديمقراطية بالدولة العظمي..

رابعاً : مظاهر القوة هذه جاءت بعد تهديد الرئيس ترامب باستخدام القوة العسكرية لضبط الأمن.. تهديد كلفه  انتقادات لاذعة  من خصومه الديمقراطيين وحكام بعض الولايات.. وعند ترامب ليتقاسمه وزير الدفاع "مارك اسبر" الذي نأي بنفسه عن هذه الصورة الذي تجمعه بالرئيس وأعلن رفضه نشر الجيش.. وتعهد اسبر بفتح  تحقيق في قمع المحتجين عندما ذهب ترامب مشياً علي الأقدام إلي الكنيسة، نافياً علاقة الحرس الوطني لتلك الأحداث.. هل الولايات المتحدة مقبلة علي تشريعات جديدة طال انتظارها للحد من ممارسات الشرطة؟.. يصفها منتقدوها بالعنف والعنصرية والقمعية.. وعدت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي باتخاذ قرارات قريبة بشأن تشريعات تتعلق بتصرفات رجال الشرطة، تراجع طبيعة عملهم وتعزز إجراءات التحقيق معهم، مؤكدة أن مقتل فلويد ليس حادثاً فردياً، بل نهجاً متبعاً.. استناداً إلي رئيس الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ "ماكس شومر" يسعي الديمقراطيون لسن قراراً يدين تصرفات الرئيس الذي أمر الشرطة الفيدرالية باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ضد أمريكيين.. ممثلوا اتحاد الولايات الأمريكية من الديمقراطيين في سياق شارع محتقن وخلال السباق الانتخابي لا يريد الجمهوريون خسارة المزيد من الأوراق ومن الآن بعيدا عن واشنطن تقترب سلطات مينيسوتا من المتظاهرين استجابة إلي طلباتهم أعلنت الولايات فتح تحقيق بشأن الشرطة فيها.. سينظر التحقيق في احتمال حصول ممارسات تمييزية منظمة علي مدي السنوات العشر الماضية.. الخميس هو يوم حفل تأبين جورج فلويد.. تفشي عدوي الاحتجاجات في الولايات المتحدة الأمريكية تقول إن إدارة  الرئيس ترامب لن تتنفس الصعداء قريباً..

خامساً: قتلي واعتقالات وهتافات غاضبة وإعلان طوارئ واستدعاء للحرس الوطني وتلويح بجاهزية الجيش للانتشار ومظاهرات عارمة في أكثر من 30 مدينة.. ما الذي يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية؟ في الخليفة تظل صورة مقتل جورج فلويد الأمريكي من أصل أفريقي علي يد الشرطة في مدينة مينيابوليس يحتج  المتظاهرون علي ما يقولون إنها عنصرية ممنهجة ومتحزرة في أمريكا ضد ذوي البشرة السمراء.. دونالد ترامب يشعل الجدل واصفا المتظاهرين بقطاع الطرق والجماعات المنظمة.. تبقي الحقيقة أن أكثر من 1000 شخص قتلوا برصاص الشرطة في الولايات المتحدة العام الماضي وفقا لإحصاء واشنطن بوست، ويمثل السود غالبية القتلي ولا تصدر أحكام علي المسؤولين إلا نادراً.. رقعة الغضب تتسع إلي نحو ثلاثين مدينة أمريكية.. هنا في نيويورك كما في مينيابوليس وواشنطن ولوس أنجلوس وغيرها.. يتظاهر الأمريكيون احتجاجاً علي مقتل المواطن الأمريكي من أصل أفريقي " جورج فلويد" خنقاً تحت ركبة ضابط للشرطة، وقد رفعوا شعارات منددة بالاستخدام المفرط للعنف من قبل والشرطة، وبما تقوله منظمات الدفاع عن الحقوق المدنية إنه ميز عنصري يستهدف الأقليات الأمريكية بطريقة ممنهجة.. لم تسلم المظاهرات من أعمال العنف والتخريب فتحول أغلبها إلي مواجهات دامية مع قوات الحرس الوطني التي انتشرت في 6 ولايات، وخلفت قتلي وجرحي، وموجة اعتقالات واسعة..

سادساً : الشرارة  الأولي تفجرت في مينيابوليس أكثر الولايات استقراراً ورفاهية كما تُصنف.. جورج فلويد البالغ من العمر 46 عاما يُعتقل بتهمة استخدامه ورقة مالية مزيفة  من فئة العشرين دولارا.. لا أستطيع أن أتنفس يصرخ فلويد إلي أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.. لكن المأساة جديدة قديمة.. إيلي جارنر مواطن امريكي من أصل أفريقي يطلق الصرخة ذاتها قبل أن يموت خلال عملية اعتقاله.. كان ذلك في نيويورك عام 2014.. لماذا تستمر الممارسات العنيفة علي يد قوات الأمن، وضد الأقليات العرقية تحديداً.. يتساءل نشطاء حقوق الإنسان.. ولماذا فشلت الإصلاحات التي أوصت بها السلطات الفيدرالية عقب مقتل جارنر ووفاة مايكل برون أيضا في هندرسون ميزوري في أغسطس من العام ذاته.. لكن الانتهاكات العنصرية قد لا تفسر وحدها البعد الخطير الذي تأخذه الاحتجاجات علي مقتل فلويد.. وهنا يرجح مراقبون أن يكون تفشي جائحة كورونا قد أسهم في تأجيج مشاعر عدم المساواة في صفوف الأقليات العرقية علي المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فالإحصائيات تقول إن إجراءات التسريح من العمل استهدفت بالخصوص الأمريكيين الأفارقة منذ بدء الجائحة، كما سُجلت في صفوفهم نسب وفيات بفيروس كورونا، هي ثلاثة أضعاف النسب المسجلة لدي بقية المجموعات العرقية، والسبب حسب الخبراء، تفشي أمراض السمنة والسكر واستشراء الفقر في صفوفهم.. حقائق قد يصعب تجاهلها بعد اليوم ؛ خاصة وقد فرض موت فلويد نفسه علي انتخابات نوفمبر القادم.. واتهم الديمقراطيون الرئيس ترامب الذي رثي فلويد اتهموه بتأجيج الأزمة مستدلين بتغريدة نشرها علي تويتر جاء فيها : حين يبدا النهب.. يبدأ إطلاق النار ".. أبعد من ذلك ألقي الحادث أيضا بظلاله علي صورة الولايات المتحدة في بعض الدول الغربية والإفريقية خاصة بعد إعلان الاتحاد الأفريقي وعدداً من الزعماء الأفارقة رفضهم لما وصفوه بيان الاتحاد بالممارسات العنصرية المستمرة ضد الأمريكيين من ذوي البشرة السمراء، فاضطرت بعض السفارات الأمريكية إلي إصدار بيانات بأسف وانزعاج مما وقع في خطوة وصفها المراقبون بالسابقة.

سابعا: إنني لا أستطيع التنفس.. عبارة طوي بها جورج فلويد حياته مترنحا تحت ضغط ركبة تابعة للشرطة الأمريكية لتنطلق بعدها احتجاجات تستمر في عشرات المدن، مضيفة أبعاداً أكبر علي حادثة يقول الغاضبون إنها حلقة اخري في مسلسل لم ينتهي من تجاوزات بحق السود والأقليات في الولايات المتحدة.. احتجاجات اختار الرئيس الأمريكي أن يرفع في وجهها الاتهامات بالتخريب والإرهاب، وعصا غليظة تجدها قوات الحرس وأخري للجيش، بلوح باستدعائها.. خطاب تلفقته انتقادات خاصة من قبل قيادت ديمقراطية تعتزم التحرك بمشروع قرارا ضد ترامب الذي قالت إنه يريد الظهور بمظهر الرجل القوي، حتي لو استدعي الأمر المخاطرة الزج بالجيش في مواجهة جماهير محقة في غضبها حتي ولو شابته أعمال غير مشروعه.. علي مفترق طرق شائكة ومتشابكة، تبدو الدولة الأقوي في العالم.. أسبوع كامل مر ولا يزال مشهد اللحظات الأخيرة في حياة الأمريكي جورج فلويد يلقي بظلاله الثقيلة علي البلاد.. إذا لم تحل قرارات حظر التجوال في عشرات المدن وانتشار أكثر من 70 ألفا من أفراد الحرس الوطني دون خروج المزيد من الأمريكيين إلي الشوارع استنكارا لمقتل فلويد وللمطالبة بمحاسبة قتلته، وبينما تظاهر المحتجون بشكل سلمي في العديد من المدن الأمريكية، اندلعت أعمال عنف واضطرابات في نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغوا، كما وردت أنباء عن إطلاق نار علي رجال الشرطة في لاس فيغاس وتانكنيس.. في حين بدا الخطاب الأول للرئيس ترامب منذ اندلاع الاحتجاجات وكأنه جاء بنتائج عكسية، رغم تأكيده علي حق الاحتجاج السلمي، ففضلا عن تزامن خطابه في استخدام الشرطة للرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين بمحيط البيت الأبيض فإن تلوبحه بالزج بالجيش لفرض الأمن وإنهاء الاحتجاجات بالقوة وتحميله لما أسماه بـ" الإرهاب المحلي " مسؤولية أعمال النهب والتخريب تسبب في إطلاق موجة من الانتقادات الحادة له، وصلت حدتها بتمزيق نسيج المجتمع الأمريكي وتعميق الشق والانقسام داخل أطيافه ؛ لا سيما حين زار بعدها كنيسة أفريقية قبالة البيت الأبيض تعرض لحريق محدود خلال الاحتجاجات ورفع الإنجيل أمام عدسات الإعلام.. صورة حرص منافس ترامب في سباق الرئاسة المنتظر الديمقرايطي " جون بايدن" علي توظيفه في خطابه اللافت علي أحداث الساعة في الولايات المتحدة؛ خصوصا حين وصف كلمات ترامب بأنها لا تليق برئيس بل بشرطي عنصري..

ثامناً : كما لم بفوت بايدن فرصة ترسيخ صورته أمام الشارع الأمريكي،  وكأنه النقيض لمنافسه حين شدد علي قيم حرية الرأي والتعبير وعدم السماح لأي رئيس بإسكاتنا، وعلي وجود حرب بين المبادئ التي تؤمن بالمساواة وتلك التي تؤمن بالعنصرية.. الانتقادات لترامب داخل المعسكر الديمقراطي لم تقتصر علي بايدن، فقد سبقهم بذلك زعيمهم في مجلس الشيوخ "تشاك شومر" الذي اتهم ترامب بإطلاق قنابل الغاز علي المحتجين السلميين ليتسني له التقاط صورة والظهور كرجل قوي، كما أصدر شومر بيانا مشتركا مع رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي قالا فيه: " إن الأمة الأمريكية في حاجة إلي زعامة حقيقة في هذه الظروف الدقيقة.. واتهما ترامب بمواصلة تعميق الفُرقة والانقسام والكراهية والعنف في خطوة تتسم بالجبن والضعف والخطورة علي حد وصفهما.. وفي ظل هذا المناخ السياسي المتوتر تبقي التساؤلات حا    ضرة عن الخطوات التي يمكن أن تُعيد  الهدوء للشارع.. فما يعتبره الغاضبون وحشية من قبل الشرطة ليست إلا الجزء الظاهر في نظر الكثيرين من جبل جليدي يخفي تحته الكثير من مظاهر التهميش وعدم المساواة الممنهجة والعنصرية في حق الأقليات.. وللحديث بقية في مقبل الأيام..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

.............................

المراجع

1- قناة BBC  نيوز: مقتل جورج فلويد: هل ترون أمريكا بلدا للحريات أم ساحة للعنصرية؟ | نقطة حوار (نقطة حوار)

قناة الجزيرة

2- قناة الجزيرة : الحصاد - الاحتجاجات الأمريكية.. ترمب يلوح بالجيش  (يوتيوب)

3- قناة الجزيرة :  الحصاد- ما بعد مقتل فلويد.. احتجاجات دموية بأميركا (يوتيوب)

4-  قناة فوكس الأمريكية : احتجاجات أمريكية (يوتيوب)

 

 

عبد الجبار عيسىيعتقد الكثير بان العراق في طريقه الى الانهيار الاقتصادي في ضوء انهيار اسعار النفط وخواء الميزانية والتلويح بخفض رواتب الموظفين. ربما على العكس، انا متفائل، رغم إن راتبي الشهري من المحتمل ان ينخفض اكثر من ثلثه تقريبا. ولكن ماهو مصدر هذا التفاؤل؟

إن بقاء الوضع على ماهو عليه هو الكارثة !!

دولة ريعية تعيش على النفط تديرها شبكات زبائنية تتبع لمراكز قوى وعوائل مافيوية تمتد بفسادها من الداخل الى الخارج. هذه القوى خلال 17 عاما مارست عملية استنزاف لموارد الدولة بشكل لم يسبق له مثيل. وفضلا عن ذلك الاستنزاف قامت عن طريق السمسرة، او لاغراض الولاء، او القرابة، بتعيين مئات الآلاف ،إن لم نقل الملايين من الموظفين، في الجسم الإداري للدولة. فاصبحت هذه الأخيرة هكذا وببساطة: (ريع نفطي تحصد مراكز القوى وزبائنها اكثر من ثلاثة ارباعه، وما زاد منه يوزع كرواتب شهرية ومكافآت لموظفين غير منتجين ثلثهم غير موجودين في الواقع من الفضائيين أو لمتقاعدين بعضهم لم يعرف الوظيفة !!) لاصناعة ولازراعة ولا تنمية ولاتعليم .. إن الدخول في تفاصيل ذلك امر مزعج و يحتاج الى مجلدات. لكننا نأتي من الآخر كما هو القول الشعبي.

الحل الوحيد أمام  العراق هو التوقف عن كل ذلك أو الحد منه، وتغيير سياسة الدولة الاقتصادية من مرحلة الدولة ذات الطابع الإشتراكي الى نظام الدولة ذات الطابع الرأسمالي وما يستلزمه ذلك في تغيير نمط الدولة الريعية التي تملك كل شيء. ولذلك فإن من المرحج أن يكون تخطيط السياسة الاقتصادية العراقية تحت رعاية صندوق النقد الدولي الذي سيطبق وصفاته العلاجية (المرة احيانا) لكنها، المفيدة جدا، لنقل العراق من دولة ريعية الى دولة تنموية منتجة، هذا فضلاً عن الدعم الدولي الذي سيكون معياره سلوك الحكومة الجديدة برئاسة الكاظمي وكيف ستتعامل في قضية تثبيت سلطة الدولة.

والواقع إن تلك الوصفات العلاجية، للأسف، امر ضروري، لكنه يستلزم سلسلة من الإجراءآت تقوم بها الدولة ممثلة بالحكومة لتطبيق تلك الوصفات العلاجية:

1- خفض الانفاق وزيادة الضرائب.

2- فتح الباب للاستثمار وبالذات الاستثمار الخارجي.

3- يتبع ذلك خصخصة مؤسسات القطاع العام.

ماهي واجبات الحكومة إزاء ذلك؟ هنا تكمن العلة !!!

لايمكن أن تبدأ الإجراءآت الحكومية دفعة واحدة لاسيما في بد مثل العراق الذي يعيش وضعا أمنيا هشاً، ولكن كل ذلك يعتمد بصورة عامة هو إنهاء سطوة مراكز القوى التي تتصرف خارج سلطة الدولة وتمارس عملية الاستحواذ على الموارد. وهذا يتطلب سلطة حكومة قوية تحصر السلاح والقوة بيد الدولة. ومن المرجح أن ذلك سوف يحصل بدون خسائر، ببساطة، لأن معظم، إن لم يكن كل، مراكز القوى في العراق تتبع النفوذ الخارجي، والخارج هذا يبدو انه توصل الى تفاهم ما حول العراق مؤخرا. وهذا أمرلايتسع المقام هنا لتفصيله.

من الطبيعي أن تكون هناك كلف نفسية واجتماعية علاوة على كلف المعيشة للإجراءات التقشفية تستحق كل التعاطف معها، ولكن لنتخيل الآتي : (منتج وطني صناعي وزراعي، تشغيل أيدي عاطلة عن العمل في قطاعات استثمارية جديدة غير حكومية .... وغيرها كثير). ربما يرى البعض إن ذلك تفاؤل مفرط. نعم ، ولكن عكس ذلك، لنتخيل ما سيحدث إذا استمر الفساد ذاته والريعية والزبائنية ذاتها، وانفلات السلاح ومراكز القوى ذاتها، في الوقت الذي لم تعد فيه موارد الدولة كافية لسد احتياجاتها كالسابق، عندها مالذي سيحصل؟ من المؤكد إن السيناريو الأسوء في تفكك الدولة من زاخو الى الفاو هو الذي سيحصل، وهو أمرلايمكن أن تقبل به البيئة الدولية ولا الإقليمية لأنه وصفة جاهزة لحرب أهلية ليست هذه البيئات في واردها. إذن، من لايرضى بالتوجهات الاقتصادية في ظل اجراءات التقشف واحتمالية تدخل صندوق النقد الدولي عليه أن يجيب عن السؤال التالي: هل كانت 17 عاماً من التدمير والفساد وهدر الموارد افضل حالا؟ بالمقابل، ليس من المنطق القول أيضا أن جميع إجراءآت التقشف والآنطلاق الجديد ستكون ناجحة 100 بالمئة، لكنها بالتأكيد ستكون مفتاحاً أساسيا لنجاح تأريخي قادم بعد سنوات الضياع. إن  العراق يمكن ان ينهض من جديد بشيء من تجرع الدواء المر، او بالأحرى، العسل المر.

في الجزء الثاني ان شاء الله سوف نعرض الى كيف يمكن لهذه الإجراءات ان تحسن الوضع الاقتصادي للبلد والمواطن.

 

أ.د. عبدالجبار عيسى السعيدي

 

عدنان ابوزيدالعراقيون يتداولون الأنباء عن بناء مستشفى عظيم في الصين لمعالجة مصابي كورونا، باستعجاب، واستغراب.

قبل ذلك، هزّت أزمات ومصائب، شعوباُ، فانبرت الحكومات تحسم المحن، بأسرع من البرق.

الكارثة المالية اجتاحت أمريكا قبل سنوات، وحلّ الكساد، والبوار، وفَلِسَت البنوك، وعجز المواطنون عن دفع أثمان البيوت التي اشتروها، وخسرت الشركات مليارات الدولارات، لكن تكافل الجميع، وضخ أصحاب رؤوس الأموال، الآلاف من المليارات من الدولارات الى السوق، واستنفار حتى مطابع العملة، حسم الضائقة، باتجاه التعافي.

اليونان تخطّت كبوتها الاقتصادية وحققّت المعجزة، بعد الانهيار العظيم، واليأس العارم، والافلاس والجوع، محققة منذ العام 2014، فائض ميزانية، أتاح الإنفاق الاجتماعي على الفقراء.

لم يحدث ذلك بتخطيط الحكومة فحسب، بل بمساهمة المواطن الواعي الذي تجشّم أعباء التقشّف من أجل عبور الأزمة.

اليابانيون بعد نحو 15 عاما من الانكماش، اكتشفوا انّ الانغماس في كثرة المطالب ليس حلا، وأدى بهم الرشد الاجتماعي، الى تفضيل الأمن الوظيفي على الأجور، كي لا تهرب الشركات الى الخارج بحثا عن عمالة رخيصة، او تتبنى تقنيات وآلات تحلّ محلهم، الأمر الذي منح البلاد، استقرارا اقتصاديا باهرا.

ولم تكن المعجزة الاقتصادية الألمانية، في إعادة الإعمار، الفائق السرعة، أمرا سهلا بعد حرب دامية أزالت المدن عن بكرة ابيها، لكن اقتصاد السوق النيوليبرالي الذي أدغم بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، أتاح الحرية المطلقة لرأس المال والعمل، وهمّش الفساد، ما يسّر اندلاع ثورة تنمية كبرى، عمادها الشباب الواعي بمسؤوليته التاريخية في إعادة أمجاد بلاده.

ولم يكن الكثير من الصينيين يتوقعون بلادهم التي شهدت أكبر مجاعة تسبّبت في موت نحو 40 مليون إنسان، في نهاية خمسينيات القرن الماضي، سوف تطبّب الجراح، وتقبر اليأس، لكن العزيمة، وبعد أقل من سبعين عاما، قلبت الصين من أمة مغلوبة على أمرها، جائعة، إلى واحدة من أعظم القوى في العالم.

حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المتبادل بين قبيلتي الهوتو والتوتسي في رواندا، خلّف نحو المليون ضحية، العام 1984، حتى تكهّن البعض بانقراض شعبها. ولم يمض وقت طويل حتى انتقلت البلاد بعد أقل من عقدين من الفشل، الى النجاح في منافسة اقتصاديات الدول المختلفة، ونالت عاصمتها كيجالي التي كانت يوما ما، مدينة صفيح، لقب أجمل عاصمة افريقية.

 تشيلي التي عانت من هيمنة سلطة مركزية، ومجلس عسكري، بمقدراتها، أصرّ شعبها على التغيير الديمقراطي، وأثمر الجهد عن استفتاء العام 1990 أنهى حكم العسكر، بصناديق الاقتراع، لتقفز في زمن قياسي قصير، من بلاد يعاني النصف من سكانها، الفقر والمجاعة، الى أعجوبة اقتصادية واجتماعية عظيمة.

الى وقت قريب، كان شعب سنغافورة لا يعرف النظافة، ولا يتقن صناعة الحياة، وكان السواح يشتكون من قذارة المدن، وروائح المطاعم العشوائية في الشارع، ومضايقة المتسولين، والجرائم التي يقترفها العاطلون، ولم يمض سوى اقل من 50 عاما حتى نجحت الدولة في إرشاد سلوكيات المواطنين نحو طرق عملية، متحضرة.

ماليزيا التي عانت من الانقلابات والثورات والأنظمة الفاسدة، وطّدت مفهوم الوعي الحضاري والانفتاح على العالم، والاستثمار في الفرد الذي أصبح المحور الذي تدور حوله محركات البناء والاعمار.

إنّ الشعوب التي تثق في نفسها، لقادرة على إحالة الانكسارات والهزائم، الى فتوحات حضارية واقتصادية واجتماعية،

بعد ان يصبح الفرد فيها، أكثر من كونه رقماً، أو شخصاً، الى آلة فاعلة في دولة يتجشم الجميع فيها، مسؤولية رعاية الفرد حتى في حالة العجز أو المرض. من هنا تكون البداية، في التأسيس للثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن.

 

عدنان أبوزيد

 

الكلمات الرقمية.. هي اسلحة المستقبل!

رقمنة المواد الوثائقية والتعرف على الأنماط والتصور والطباعة الرسومية والوسائط المتعددة وأنظمتها على الشبكة الرقمية، وتوسيع إمكانيات الطباعة النصية المكتوبة بخط اليد وأنظمة التسجيل الصوتي المؤكدة للمعلومات المباشرة والأنظمة الذكية وما إلى ذلك، ستتغير وستستمر في تغيير البيئة التاريخية، وإن هذا التطور السريع لتكنولوجيا المعلومات والرقمنة النهائية لجميع الأوراق والوثائق التاريخية الأخرى، وحتى في البلدان الأكثر فقراً سيضع على جدول الأعمال مسألة إعادة تسمية دراسات مصادر المعلومات للمصادر التناظرية والرقمية، وستكشف الطريقة الرقمية لمعالجة المعلومات وتخزينها ونقلها عن الكثير من المزايا مقارنة بالجوانب التناظرية، ولان المستندات التقليدية تشكل طبقة ضخمة من قاعدة الماضي، فلذا يجب أن يستمر في رقمنتها وإعادة كتابتها عدة مرات دون فقدان الجودة.

 لكن ذلك كيف سيبدو؟ انه سؤال موجه اليوم للمنظرين التاريخيين، غير ان عمليات الرياضيات والحوسبة أثرت وبنطاق واسع على التغيير في مجال البحث والأدوات المنهجية للمؤرخين، ولذا فإن إضفاء الطابع المؤسسي على التاريخ الكمي والمعلوماتية التاريخية، وتعزيز المكونات البحثية التحليلية بدلاً من الأدوات القائمة على الأساليب الجديدة لمعالجة البيانات التاريخية، يسمح بالحصول على نتائج مهمة جديدة، كما وفي الوقت ذاته فقد ظهر تاريخ كمي بسبب التوسع في إمكانيات الباحثين لاستخدام أحدث تقنيات المعلومات التي تتجاوز حدود الحوسبة ومعالجة البيانات الكمية، وأصبح الأساس "القبلي" للمعلوماتية التاريخية أحد الأجزاء النامية ديناميكيًا.

 التاريخ الكمي متعدد التخصصات وحاليا هو ملتحم مع علوم الكمبيوتر، ولديه بالفعل "رأس مال" متين للتطورات النظرية والتطبيقية، وبه المؤرخين اتقنوا معظم الأساليب الرياضية والإحصائية لتحليل المعلومات التاريخية، وقد جادلوا علميًا في إمكانيات وحدود استخدامها، وطوروا أساليب العمل البحثي باستخدام تقنية قواعد البيانات ، والتي يمكن على أساسها تخزينها في اشكال قابل للقراءة آليًا، وتوفير بيانات من مصادر تاريخية، والبحث عن المعلومات ذات الصلة، ومعالجة صفائف البيانات القابلة للقراءة آليًا، وغيرها. وبالعقود الأخيرة من القرن العشرين كان الأساس لرقمنة التاريخ هو الجمع بين المعلومات ونهج هيكل النظم مع المبادئ التاريخية، والتي تتجلى كنظام للبحث عن اتجاهات وأنماط التنمية الاجتماعية، واكتشاف ظاهرة البيانات الجماعية والطرق المناسبة لتحليلها، وإدخال دراسات نظرية رقمية لفهم إمكانات المعلومات الكامنة بالمصادر التاريخية، وأساليب تحديد أساس لتطوير نظريات المعلومات، ومناهج جديدة لتحليل المعلومات النصية وغيرها من المعلومات التاريخية.

حاليا لا يتعلق الأمر بإتقان محو الأمية الحاسوبية، وانما حول تسريع وتيرة تطوير أمن الكمبيوتر والاتصالات المعلوماتية والعلمية، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن المصادر الحديثة بأعداد كبيرة تتطور إلى شكل إلكتروني "قابل للقراءة آليًا"، واستنادًا إلى إدخال أجهزة كمبيوتر شخصية قوية بشكل متزايد، فقد لا يتم منح المؤرخين حق الوصول إلى حزم التطبيقات الخاصة بالبرامج الإحصائية فحسب بل أيضًا من خلال تطوير تقنيات الكمبيوتر والاتصالات وتقنيات الوسائط المتعددة وأنظمة المعلومات الجغرافية، وموارد الإنترنت التي تم إنشاؤها حول العالم ، ولذلك احتلت المعلوماتية التاريخية بالفعل مكانة جديرة بالاهتمام في نظام العلوم، ومن المهم للغاية ليس فقط زيادة عدد الدراسات والمقالات العلمية القائمة على نتائج البحث، وانما إنشاء مناهج مبتكرة لفهم وادراك المصادر التاريخية، وايجاد أفكار إبداعية جديدة لمعالجة معلومات البيانات التاريخية، والدفع بآفاق العلوم التاريخية، وحل المشاكل ذات الصلة بنظرية المعرفة والدراسات الأرشيفية وأتمتة عمليات التخزين ومعالجة المعلومات بأثر رجعي وأصالة واكتمال وموثوقية المواد الأرشيفية والمنشورات الإلكترونية وطرق اختيار وعرض المواد التربوية. وقد يواجه الجيل الشاب من المؤرخين الذين ليسوا على استعداد للعمل مع تقنيات تكنولوجيا المعلومات المبتكرة ،"انفجار معلوماتي" جديدًا في السنوات القادمة، ولذا فحين تتم دراسة المواد الأرشيفية التقليدية بشكل كامل ستظل المجموعة الإلكترونية المتزايدة بشكل كبير خارج نطاق البحث العلمي، مما يزيد من تحديات "ثورة التاريخ الرقمي" ويطرح تحديات جديدة لعلم التاريخ، فيستوجب معالجتها في المستقبل القريب.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

ابراهيم أبراشالموقف الإسرائيلي الرافض لقيام دولة فلسطينية ليس تكتيكياً بهدف انتزاع مزيداً من التنازلات من الفلسطينيين كالاعتراف بيهودية الدولة أو بضم مناطق من الضفة، وليس لأن الفلسطينيين يريدون الدولة عن طريق العنف والعمل المسلح أو لأنهم (إرهابيون) ودولتهم ستهدد إسرائيل والمنطقة كما تزغم إسرائيل، وبالتالي إن التزموا بنهج السلام وتخلوا عن سلاحهم ومقاومتهم والتزموا بالشرعية الدولية وقراراتها الخ فإن تل أبيب وواشنطن ستقبلان بمنحهم دولة على أرض فلسطين.

الرفض الإسرائيلي لقيام دولة فلسطينية على أي شبر من فلسطين وخصوصاً الضفة الغربية موقف استراتيجي ومبدأي لفكرة قيام دولة فلسطينية حتى وإن تحول الفلسطينيون لملائكة سلام، لأن الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بدولة على أرض فلسطين يشككك بالرواية الصهيونية التوراتية حول أرض الميعاد وإسرائيل التوراتية، بل كانت إسرائيل وإلى وقت قريب لا تعترف بوجود الشعب الفلسطيني، وكل ما تبديه أحياناً من مرونة حول الموضوع كما جرى مع خطة خارطة الطريق أو مع صفقة ترامب-نتنياهو اللتان لمحتا لقيام دولة فلسطينية كان مجرد مناورة لكسب مزيد من الوقت لضم مزيد من الأراضي.

لمزيد من محاولة فهم الموقف الإسرائيلي الرافض لقيام دولة فلسطينية يستحسن الرجوع إلى حرب أو عدوان حزيران 1967 والذي يمر عليها اليوم 53 عاما حيث احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة بالإضافة إلى أراضي دول عربية.

لم تقم إسرائيل بعدوانها لأن أمنها ووجودها كان مهدداً من طرف الدول العربية وخصوصاً دول الطوق أو لأن العرب كانوا يريدون رمي اليهود في البحر كما كان يروج الإعلام الصهيوني، بل لأن إسرائيل كانت تريد ما تسميه استكمال تحرير أرض إسرائيل وخصوصاً يهودا والسامرة، مع تخوفات من حركة التحرر الفلسطينية الناشئة ودعوتها لتحرير فلسطين وارتفاع أصوات في حركة فتح تطالب بإقامة دولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت حكم عربي –الضفة الغربية وقطاع غزة-. وبالتالي لم تحتل إسرائيل الضفة الغربية ولم تقم بأعمال الاستيطان وشق الطرق فيها لاعتبارات أمنية أو لتُعيدها للفلسطينيين ليقيموا عليها دولتهم إن استقر الأمن في المنطقة، بل لتصبح جزءاً من دولة إسرائيل.

بعد ذلك وفي كل المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع الفلسطينيين لم تكن الدولة الفلسطينية موضوعاً للنقاش، بما في ذلك اتفاقية أوسلو التي ليس فقط لم تتحدث عن دولة فلسطينية بل تعاملت مع الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارها أراضي متنازع عليها. وفي هذا السياق يمكن تفسير الإصرار الإسرائيلي والأمريكي على أن تكون مرجعية عملية السلام والأساس الذي قامت عليه اتفاقية أوسلو هو قراري مجلس الأمن 242 و338 فقط، لأن هذين القرارين لم يذكرا كلمة فلسطين أو الفلسطينيين وكان المُخاطب فيهما الدول العربية التي شاركت في الحرب.

بل حتى عندما قامت السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 بعد توقيع اتفاقية أوسلو رفضت إسرائيل وجود أية سيادة فلسطينية ولو على شبر واحد من الأرض والمياه والفضاء، ليس هذا فحسب بل رفضت مسمى (السلطة الوطنية الفلسطينية) وكانت وما زالت ترفض التعامل مع أو استلام أية مراسلة تحت هذا المسمى ،وفرضت في المقابل مسمى (السلطة الفلسطينية) دون كلمة الوطنية بما تحيله هذه الكلمة إلى مفهوم الوطن والدولة، وإلى الآن فإن الهوية أو بطاقة التعريف التي يحملها سكان غزة والضفة كذلك جواز السفر معنونان بـ(السلطة الفلسطينية) بدون كلمة الوطنية.

في الحالتين اللتين اضطرت فيهما إسرائيل التعامل وبتحفظ مع فكرة قيام دولة فلسطينية تشمل الضفة أو أجزاء منها وضعت تحفظات أو شروطاً تعجيزية لقيامها، وهذا ما جرى مع خطة خارطة الطريق 2002 وصفقة ترامب-نتنياهو كما سنوضح. 

في عام 2002 وعلى إثر خطاب للرئيس الأمريكي جورج بوش ألقاه في 24/6/2002أشار فيه إلى إمكانية قيام دولة فلسطينية، طرحت الرباعية الدولية خطة خارطة الطريق في محاولة منها لإخراج المفاوضات من عنق الزجاجة والطريق المسدود الذي وصلت إليه عملية التسوية بسبب استمرار إسرائيل في عملية الاستيطان ولتهدئة الغضب الفلسطيني الذي تبدى في اندلاع الانتفاضة الثانية 2000، وفي هذه الخطة تم التطرق لأول مرة إلى فرصة قيام دولة فلسطينية مؤقتة ومنزوعة السلاح وتبادل أراضي ، وآنذاك وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون أربعة عشر شرطاً أو تحفظاً للقبول بالخطة وقيام دولة فلسطينية، ومع أن البعض آنذاك رأى في خطاب بوش وخطة خارطة الطريق فرصة للعودة لطاولة المفاوضات وإجبار إسرائيل على القبول بقيام دولة فلسطينية إلا أن خطاب بوش وخطة خارطة الطريق وضعتا بتنسيق مع شارون الذي اجتاح الضفة الغربية في عملية السور الواقي في مارس 2002 وكان يستعد للعملية العسكرية الثانية (الطريق الحازم) ،وكان هدف شارون من التجاوب مع خطاب بوش وخطة خارطة الطريق تنفيذ خطته الخاصة التي وردت في التحفظات الأربعة عشر وهي الخطة التي لخصتها صحيفة هآرتس في عددها 28/6/ 2002 كما يلي:

1-عدم إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين حول التسوية النهائية للصراع في المرحلة الحالية.

2- يتوجب تأجيل إنشاء الدولة الفلسطينية قدر المستطاع.

3- لا لإزالة المستوطنات أياً كانت حتى أكثرها عزلة.

4- بدلاً من تقصير الخطوط عسكرياً يتوجب السعي لاحتلال مناطق فلسطينية لمدة طويلة بما في ذلك أجزاء من مناطق (أ).

5- خطط شارون للاحتفاظ بمنطقتين أمنيتين: في الشرق كل غور الأردن، وفي الغرب كل منطقة التماس. وبمساعدة غلاف القدس، سيتم عزل القدس عن الفلسطينيين في الضفة الغربية بدرجة كبيرة.

وقد نجح شارون بالفعل في إفشال خطة خارطة الطريق ليس فقط من خلال الاستمرار في الاستيطان واجتياح الضفة الغربية واغتيال الرئيس أبو عمار بل أيضاً من خلال خطته للانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة في خريف 2005 وهو الانسحاب أو إعادة الانتشار الذي هيأ الظروف لسيطرة حماس على القطاع الأمر الذي كان بمثابة ضربة قاضية لحلم الدولة الفلسطينية على حدود 67 وهي ضربة لا تقل عن الاستيطان في الضفة.

  وفي هذه الأيام ورداً على تلميح صفقة ترامب-نتنياهو إلى إمكانية قيام دولة فلسطينية وضع نتنياهو عشر شروط للقبول بوجود دولة فلسطينية بعد ضم إسرائيل لمنطقة الغور وشمال الضفة الغربية والمستوطنات وبالتأكيد بعد ضم القدس، وقد زعم أن هذه الشروط متضمَنة في خطة الرئيس ترامب. فبعد أيام من منح حكومته الجديدة الثقة من الكنيست يوم 17 مايو صرح في مقابلة مع صحيفة إسرائيل اليوم (يسرائيل هيوم) بتاريخ 28 مايو: إنه في حال موافقة الفلسطينيين على بسط السيادة الأمنية على كافة أراضي الضفة الغربية والأغوار، فإنهم سيحصلون على كيانهم الخاص، الذي تحدده خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (صفقة القرن)، بأنها "دولة" لهم- . مع تأكيده أن هذه الدولة ستكون نتيجة مفاوضات بين الطرفين ستُعقد لاحقاً بعد عملية الضم وموافقة الفلسطينيين على الشروط السابقة.

وعليه فإن فكرة حل الدولتين لم تكن جزءاً من التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي ولا من أساسيات عملية التسوية السياسية الأمريكية بل هي فكرة فلسطينية مدعومة بتأييد دولي، أما بالنسبة لإسرائيل وفي أفضل الحالات فقد تقبل بدولة للفلسطينيين إما في الأردن أو في قطاع غزة، وإلى الآن هناك اشتغال ومراهنة إسرائيلية على ذلك، الأمر الذي يثير قلق وغضب المملكة الأردنية والوطنيين الفلسطينيين.

 هذا العنت والرفض الصهيوني وانغلاق أفق حل الدولتين عن طريق تسوية سياسية لا يمس في شيء الحقوق الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها الحق في الدولة المستقلة ومن حق الشعب الفلسطيني مواصلة نضاله وانتزاع حقه بدولة مستقلة عاصمتها القدس مع عودة اللاجئين بكل الطرق الممكنة في إطار استراتيجية وطنية عقلانية لأن الدولة ليست منحة أو منَّة من إسرائيل وواشنطن وحتى من المنتظم الدولي بل حق وطني تاريخي، وإن فشلت مراهنة القيادة والطبقة السياسية على حل الدولتين من خلال عملية تسوية سلمية فهذا فشل لهذه التسوية وللطبقة السياسية التي عليها الاعتراف بفشلها بدلاً من استمرار المراهنة على المفاوضات كما يظهر من التصريحات الأخيرة لوزير خارجية السلطة رياض المالكي.

 

إبراهيم ابراش

 

 

محمد الدعمياضطررت للاتصال بأحد أصدقائي من ضباط شرطة مدينة فينكس في ولاية أريزونا، بهدف تحذيره من عمليات الغدر والهجمات الاعتباطية لإيذاء ضباط الشرطة هناك على نحو متعامٍ، وهي تلك الهجمات التي راح المكون السكاني الأسود من الشعب الأميركي ينفذها بعد جريمة قتل “العملاق الناعم”، “جورج فلويد”، كما أخذ يسميه أهله وأصدقاؤه، خنقا.

والحق، فإن هذه الصفحة من “ثورة الزنج” المتجددة والجارية الآن عبر الولايات المتحدة الأميركية ما هي إلا حلقة من سلسلة انتفاضات طويلة بواعثها “جرائم الحقد” Hate Crimes التي جرت وتجري ضد الأقليات الملونة والعنصرية والدينية في الولايات المتحدة الأميركية، خصوصا في العهد الحالي.

وإذا كانت استجابة صديقي الضابط طيبة ومطمئنة، باعتبار أنه من أصول عربية ومسلمة لا تميز (كما يفعل البيض الشقر هناك) ضد هذه الأقليات، فإني لاحظت على مسامعه بأن انفجار الغضب الأسود الآن لا يشكل خطرا مباشرا عليه، ضابطا، ولكنه يشكل خطرا حقيقيا على الجميع من أقرانه لأنه يأتي من استثمار عصابات الجريمة والأذرع الصدامية للأقليات الخارجة على القانون ما يمكن أن يطلق عليه عنوان “الغضب الأسود” ضد المؤسسات عامة، على سبيل استهداف ضابط الشرطة بجريرة ما فعله ضابط شرطة واحد بمدينة “مينيابولس” من جريمة قتل لرجل أسود دون وجه حق. أما ما ينبغي أن يقلق أجهزة فرض القانون والنظام هناك، فيتجسد حسب رأيي، ليس بالغاضبين السود فقط، ولكنه يتجسد كذلك فيما هو أكبر وأكثر مشقة، أي فتح الأبواب أمام كل من له مشكلة مع قوى الأمن الداخلي للتنفيس عن أحقاده على هذه القوى وعلى ما ترمز إليه من نظام ديمقراطي وقانوني يعمل، كما تعمل “الساعات السويسرية”، بكل دقة وبتواصل لا يقبل الانقطاع أو الاختلال، ذلك أن أي ضعف قد يصيب قوى الأمن في أميركا يطلق العنان لمارد النهب والفوضى و”الفرهود” والصدامات الأهلية عبر المدن الأميركية الكبرى، خصوصا تلك التي تشبه “علبة السردين” في ازدحامها، كما جرى ذلك في مهاجمة أكبر المتاجر والحوانيت خلال الليالي التالية لمقتل “فلويد”.

هذا، وبكل دقة، هو ما يخشاه الرئيس دونالد ترامب وهو مقبل على انتخابات رئاسية غدت قاب قوسين أو أدنى، إذ يمكن للفوضى وللاحتجاج الاجتماعي أن يطيح بآماله في ولاية رئاسية ثانية. إن مارد الغضب الأسود والفوضى العارمة يطل برأسه ثانية الآن، وأن عملية الإخفاق في ضبط الأمن وإدارة المدن الكبرى، مضافة إليها إخفاقات “الحرب ضد كورونا”، إنما تهدد بالقضاء، ليس على آمال الرئيس ترامب أعلاه، وإنما على آمال سواه، أيا كان، في السيطرة على المدن الكبرى المكتظة وإدارة البلاد على نحو سلمي، بغض النظر عن الآمال والإدارة.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

سامان سورانيبما أن الأحزاب السياسية ناتج من نتائج الديمقراطية ومبدأ سيادة الشعب وأن وجودها في النظم الديمقراطية بمثابة رکيزة أساسية للحیاة السياسیة وضرورة مُلحة، إلا أن الدساتير والقوانين المعمول بها في تلك الأنظمة تفرض علی أحزاب السلطة و أحزاب المعارضة الإيجابية رزمة من الشروط والإلتزامات، منها إحترام قواعد النظام الديمقراطي وإحترام الرأي الآخر وحقوق الإنسان والعمل على دعم وإدامة دولة القانون والمؤسسات الدستورية و...

في النظام الديمقراطي تتمتع الأحزاب السياسية المؤمنة ببناء الدولة بالحرية التامة في ممارسة نشاطاتها السياسية، بما في ذلك نشاط مراقبة عمل الحكومة من خلال ممثليها في البرلمان والهيئات المنتخبة، حيث تقوم بتوجيه النقد لها وإظهار أخطائها للرأي العام، بعيداً عن اللجوء إلى العنف اللفظي والفكري بكل أشكاله.

في المقابل هناك  معارضة سلبية تسعی الی خطاب الإثارة وتصيّد العثرات، لا تمارس تحمل عبء وظيفتها کمعارضة بنزاهة وإخلاص للصالح العام، بل تعمل للصالح الحزبي أو لصالح مؤسسیها، وهم ينفذون في الغالب أجنداتهم الضيقة و أجندات خارجية تملأ علیهم.

المعروف في النظم الديمقراطية أيضاً هو أن الأحزاب السياسية تنظر الی السلطة کوسیلة لتنفيد برنامجها المخطط لها مسبقاً، لا لإمتلاکها. فالسلطة کما یراه المفکر الفرنسي Claude Lefort “غير قابلة للامتلاك”، ومجالها فارغ “غير قابل للاستحواذ”.

هنا لا نرید أن نقيم دور المعارضة السياسية في بناء الديمقراطية في إقلیم كوردستان، لأنها لم تتكون ولم تنمو وتبرز في جو سليم وعاد، بل سنحاول أن نقدم رأياً في أداء المعارضة السلبية في فترة الأزمات المالية، خاصة بعد إنتشار وباء كورونا. إن هدف هذه الأحزاب والمجاميع السلبية هو خلق نوع من الفوضی وعدم الثقة لدی المواطن العادي بالحکومة القائمة و نفي أداءها وإن كان ناجحاً أو مميزاً.

هذه الأحزاب المولودة من خلال ولادة قيصرية فشلت في السابق في تقديم برنامج واضح و محدد، وهي غير غير قادرة علی التجديد والتغيير السياسيين والتعبئة البناءة وبلورة مواقف سياسية حول الشأن العام و المشاركة في تسييرها بشکل تخدم رصيدها، لتتحول أعمالها الی قوة دفع واقتراح وتغيير إيجابي في المجتمع.

إقلیم کوردستان، الذي يمر بمرحلة مابعد الحرب علی داعش و يعيش الآن فترة التصدي  و مکافحة إنتشار فيروس كورونا المستجد، بحاجة الی تجند أوسع لکل طاقات الشعب الكوردستاني. نحن نری بأن المعارضة السياسية الإيجابية الواعية والبناءة يمكنها المساهمة وبقوة في إعادة "تشكيل" المجتمع وتقديم الاقتراحات البناءة وخلق فضاء فكري تناقش في إطاره كل القضايا المطروحة على الساحة الوطنية. فالنقاش و الاختلاف في القضايا الأساسية يجب أن يتم في إطار سلمي متزن مع احترام كل الاختلافات التي يسمح لها بالتعبير عن رأيها في إطار الفضاء القانوني.

مانشاهده في هذه المرحلة الحساسة، التي تعیشها المنطقة بشکل عام والإقلیم بشكل خاص أن المعارضة السلبية، التي تبني شرعيتها من عمق التناقضات والتوترات الاجتماعية والسياسية، تعمل بکل ما تحملها جعبتها الملوثة من نوایا خبيثة ضد أية محاولة لصيانة الوحدة الوطنية أو تعريف للمواطنين بالرموز الوطنية الإيجابية أو إستغلال لحماس الشباب ورغبته في بناء وطنه لدعم كل ما من شأنه أن يوثق عرى اللحمة الوطنية وإيجاد مخرج من التناقضات الاجتماعية العميقة التي تخلق بؤر الخلافات السياسية الحادة.

إنها لاتريد أن تعرف بأن أمام المعارضة السياسية مسؤولية تاريخية في إعادة بناء المجتمع على أسس السلام  والديمقراطية والتسامح وتقبل الآخر وحقه في الاختلاف في إطار ما يسمح به القانون والقيام بغرس مجموعة من القيم والسلوكيات الديمقراطية في وجدان الجيل الشبابي و المساهمة في تنمية البلاد من خلال البحث العلمي وتقديم الاقتراحات البناءة، لذلك نراها تشجع الناس بسیاساتها التحريضية الديماغوجية و أحياناً العدائیة والعدمية وتحفزهم في أكثر من مکان الی القيام بالمظاهرات المناوئة للقرارات والقوانين الحکومية التي تم إطلاقها بهدف حماية المواطنين من مخاطر إنتشار جائحة فيروس كورونا وذلك لعرقلة المجابهة و تأزيم الأوضاع.

المعارضة السلبية لاتبني الوطن و تريد أن تمارس الدور الرقابي على أعمال الحكومة ومراجعة الأغلبية في بعض الاقتراحات التي تتقدم بها، ولا هي مستعدة لتقديم البدائل التي تستطيع أن تحل محل اقتراحات الحكومة لتكون تحت نظر الناخبين في الانتخابات القادمة ولاتساعد الحکومة بتقدیمها الحلول لعلاج مشكلات واشكاليات الإقلیم لدفع تيار التقدم والرخاء والاستقرار لكل عناصر الدولة. فالهدف من المعارضة هو صون الحياة السياسية من الإضطراب و مدّها بأسباب الإستقرار، لأن وجودها يعني قوة توازن ضرورية في الحيز السياسي أو المجال العمومي، لا أن تصبح عبء أو مصدر إزعاج لإستقرار السلطة.

وختاماً يقال: إن فاقد الشيء لا يعطيه وأن الحزب المطعون في ديمقراطيته الداخلية لا تملك أن تقدم للمجتمع بديلاً ولا مشروعاً ديمقراطياً. إذن البون شاسع بين المعارضة البناءة والمعارضة الهدامة غير المسؤولة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

كاظم الموسويصور تظاهرات قطاعات واسعة من الشعب الامريكي في اكبر المدنالامريكية والشعارات التي ترفع فيها تؤكد واقع حال الاوضاع  الامريكيةوتعكس سياسات الإدارة الأمريكية واجهزتها الامنية القمعية فيمواجهتها وتذكر بتاريخ الاستعمار "الأمريكي" داخل حدوده اوخارجها.

الشرارة التي اطلقتها، جاءت من قتل مواطن "اسود" علنا على يدشرطي "ابيض"، واعتقال مراسلي القنوات الفضائية في المكان لمنعهممن ايصال الوقائع  الحاصلة الى الشعب والراي العام، كل هذه تفضحجوهر السياسات الإمبريالية وتذكر ايضا بحقب سوداء لها تتجدد حتىفي هذه الايام، وتقارن بنماذج مشابهة او موازية من سلوكيات قواعدهاالعدوانية في اكثر من مكان. وبعد انتشار الفيديوات العديدة عن الجرائمالمرتكبة زاد من صب الزيت على نيران الغضب الشعبي. لا سيما وان هذهالجريمة البشعة ليست اول أو آخر ما ترتكبه الادارة الامريكية واجهزتهاالأمنية، ولا حالة طارئة او منفردة، بل هي واحدة من سلسلة متصلة منالجرائم التي سجلها المؤرخون الامريكان في سجلات عديدة وصورت فيافلام سينمائية معروفة.

الضحايا دائما من الاقليات العرقية، والدينية، والموت معلن علىالشاشات الفضائية، وبعدها يخرج رئيس امريكي ليتهم المتظاهرينوالحراك باتهامات سوقية ويسميهم. بالعصابات والسراق والفوضويينويتنكر للاجرام الفعلي والارهاب الرسمي.

وصول الحراك الى البيت الابيض وعبور حواجزه اشارة غضب عارمووجع يومي من الادارة وسياساتها وقوانينها وارتكاباتها اليومية ضدحقوق المواطنين ودستور البلاد وشعارات الولايات الرئيسية في الحريةوالديمقراطية وغيرها ممن اختبرت في كل احتجاجات وردود الافعالعليها واساليب القمع والقتل والعسف التي لا تخفى بعد تقدم وسائلالاعلام وشبكة الانترنت وتوثيقها بالصوت والصورة.

العنصرية، الكراهية، الوحشية سمات الادارات الامريكية وخصوصاالاخيرة.

الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب أكثر الرؤساء تحريضا وتحفيزاللصراعات الداخلية والمواجهات الدموية والممارسات العنفية. وهذهالنتائج ملموسة وواضحة للعيان.

ومع جائحة كورونا ووفاة الالاف من المواطنين واصابة أعداد كبيرةوتوقف الاعمال في قطاعات اقتصادية عديدة وزيادة اعداد العاطلين عنالعمل والفقراء والفئات الاجتماعية العاجزة عن توفير أحتياجاتهااليومية، هذه وغيرها من عوامل القلق والحرمان وفقدان العدالةوالخدمات الاجتماعية والحياة الكريمة توفر البيئة الحاضنة للعنف كماتؤكد الدعوة إلى التغيير ، لا كما تفعل الادارة والرئيس بزيادة وحداتالقمع والاستمرار في سياسات الخداع والاتهام الجاهز والامعان فيالتدمير والخراب العام.

لا الرئيس الامريكي ولا مؤسساته ومستشاروه غائبون عن الاوضاعوالوقائع المرة، ولكن الغباء والتوحش والفاشية هي المطلوبة الان، هذهسياسة الادارة الامريكية. اعتقال الاف المواطنين ومنع الاحتجاجاتالسلمية وهذا ما يزيد في غضب الشارع والحراك الشعبي. هذه صورةامريكا الواقعية في سياساتها اليومية، او هذه هي الادارة الامريكيةوالبيت الابيض، والرئيس الاميركي.. بلا رتوش تقدم للذين يحلمون بخدمةامريكا وبتغنون باسم امريكا. ما الذي يستفيد منه من يدافع عن امريكا؟واي صورة يتشبث بها من الصور التي تعرضها الان وسائل الاعلامالصديقة والعدوة..

لا يكفي الاستنكار ولا تغير الادانة من حقائق ما حصل..  ويضحك المرءالان على تغريدات الرئيس الاميركي والمنظمات الدولية ومجلس الأمنوالاتحاد الاوروبي والمفوضيات والجمعيات التي تحمل لافتات حقوقالانسان خداعا وكذبا.

الوقائع تفضح وتعري من يحاول التستر او التغطية على الاحداث، اسبابا ويوميات.. وحتى اعمال التخريب والتدمير للمحال والاسواق تردعلى  سياسات الادارة القمعية وارهابها دون تفسير او تبرير، فهيتحصل في امريكا وبتعبئة يومية من ادارة اساسها يقوم عليها.

هل تتضح صورة امريكا وتتكشف ممارساتها وخططها الاجرامية الان؟،او تطبيقات الراسمالية المتوحشة وغطاؤها السياسي الهيمنةالامبريالية؟!. العالم لا يستطيع ان يتنفس اليوم!، هذا هو واقع امريكا. صرخة جورج فلويد الاخيرة.. والرد عليها امريكيا وعالميا : لم يعد الصمتممكنا بعد الان!. محاكمة الاجرام، العدالة لكل المواطنين، الحرية لكلالشعوب، احترام سيادة واستقلال كل الدول، دعم خطط التنميةوالحوكمة الرشيدة والامن والسلام في العالم..

 

كاظم الموسوي

 

 

رائد الهاشميالظرف الاقتصادي الذي يمر به العراق صعب وحرج نتيجة تحديات كثيرة ومعروفة للجميع أهمها سوء الأداء الحكومي منذ عام 2003 ولحد الآن وجائحة كورونا وما أتبعها من ركود اقتصادي عام في جميع دول العالم ومنها العراق وانخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية ما جعل الحكومة الجديدة برئاسة السيد الكاظمي في موقف صعب لاتحسد عليه.

المواطن العراقي هو من يدفع الثمن في كل ماجرى وسيجري في المستقبل, ويمكننا تقسيم العراقيين في اعتقادي الى ثلاثة أقسام الأول هو الطبقة السياسية والثانية الموظفون والثالثة هو الباقي من الشعب, قد يكون هذا التقسيم غريباً بعض الشيء ولكنه هو الحقيقة التي نعيشها فالطبقة السياسية هي اصغر هذه الطبقات عدداً ولكنها هي الطبقة المتنعمة بمعظم خيرات البلد وتحظى بمعظم موازنة البلد عن طريق رواتب خيالية ومخصصات وامتيازات غير عادلة ,أما الطبقة الثانية وهي الموظفين في القطاع العام والمتقاعدين والتي يبلغ عددها حوالي ستة ملايين وخمسمائة ألف شخص حسب آخر الاحصائيات الحكومية,وهذه الطبقة تعيش على الرواتب التي تتقاضاها من القطاع العام والتي يجب أن تكون خطاً أحمر لايمكن أن تتعداه الحكومة ويجب عليها أن لاتفكر أبداً بالمساس به لأنه مورد رزقهم الوحيد.

أما الطبقة الثالثة والتي أريد التركيز عليها في مقالتي هذه وهي الطبقة المغبونة دائماً والمحرومة من خيرات البلد وهي المتبقي من أفراد الشعب وهي الطبقة الكبيرة والتي تمثل أغلبية الشعب والتي يقدر عددها اذا ما طرحنا أعداد الطبقتين الاولى والثانية من تعداد سكان العراق التقريبي فسيكون عددها حوالي ثلاثة وثلاثون مليون نسمة وهي الأغلبية العظمى من الشعب العراقي وهي الفئة المغبونة والمنسية دائماً والتي لايذكرها أحد وكأنها تنتمي لبلد آخر غير العراق لذلك فحقوقها مفقودة ومعاناتها منسية .

تعتاش هذه الأغلبية العظمى على أعمال خاصة مختلفة فمنهم من يعمل في القطاع الخاص حسب اختصاصه ولكن بدون تقاعد ولاضمان ومهدد بأي لحظة بالطرد من العمل بسبب ضعف القوانين الحكومية الخاصة بالضمان الاجتماعي وعدم الزام القطاع الخاص بتطبيقها لذا ضاعت حقوقهم في زمن الفوضى,ومنهم من يعمل لحسابه الخاص عن طريق فتح محل أو ورشة أو معمل صغير أو بسطية صغيرة  أو عجلة أجرة أو حمل أو ستوتة أو دراجة يسترزقون منها لهم ولعوائلهم, ومنهم من يعمل عند الغير بأجر يومي بسيط  في مختلف الأعمال ومعظمها شاقة وبأجر قليل ومنهم من يعيش على اعانات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والتي لاتسمن ولاتغني من جوع, ومعظم هذه الطبقة يسكنون في الايجار أو التجاوز.

هذه الطبقة المظلومة المسحوقة والتي أصبحت بلا مورد رزق نهائياً منذ بداية جائحة كورونا وتطبيق حظر التجوال ولحد الآن حيث توقفت أعمالهم وأغلقت أبواب رزقهم وتوقفت رواتب العاملين منهم في القطاع الخاص,أتعجب من موقف الحكومة ووسائل الاعلام منهم والتي لم تفكر أن تذكرهم ولا أن تجد حلاً لمعيشتهم والجميع منشغل برواتب الموظفين فقط وأنا كما قلت أعلاه أنني أؤيد بأن رواتب الموظفين والمتقاعدين يجب أن تكون خطاً أحمراً دائماً وخاصة أصحاب الرواتب القليلة ويجب عدم المساس بها في أي ظرف من الظروف, ولكن أليس من الأولى أن تفكر الحكومة بالطبقة التي تمثل أغلبية الشعب والتي تعاني أصعب الظروف والمعاناة في توفير لقمة العيش لهم ولعوائلهم, أليس من الأجدى بالحكومة أن تسارع الى وضع الحلول لتأمين أرزاقهم كما أمرت كل الأعراف الدولية والدينية والانسانية وكما فعلت معظم حكومات العالم مع شعوبها وهم يمرون بنفس الظروف التي نمر بها, وأليس هذا من صلب واجبهم, الحلول كثيرة وعلى الحكومة أن تسارع بها دون تأخير ومنها توزيع سلات غذائية جيدة تحتوي على المواد الغذائية الأساسية وعن طريق وزارة التجارة (عبر وكلاء التموينية) ومنها توزيع اعانات مالية سريعة وليست كمعونة حكومة عبد المهدي التي اعلنوا انها ستوزع قبل رمضان ولم توزع لحد الآن, وكذلك الأمر يحتاج الى قرارات صارمة لأصحاب الأملاك باعفاء المستأجرين عن الايجارات المستحقة لهذه الأشهر العصيبة أو تخفيض الايجارات الى مبلغ رمزي وبسيط لحين انجلاء الأزمة وكذلك وضع حد لجشع أصحاب المولدات الأهلية الذين يتحدون القرارات الحكومية بتسعيرة الأمبير ويفرضون بالقوة تسعيرات عالية تؤكد جشعهم وفرض عقوبات صارمة على التجار المحتكرين والمتلاعبين بقوت الشعب وكل هذه الاجراءات تحتاج الى القوة واعادة هيبة الدولة المفقودة .

انا على يقين بأن هذه الاجراءات الحكومية ان لم تقم بها الحكومة وان لم تجد حلولاً سريعة لمعاناة هذه الطبقة المظلومة فستكون العواقب وخيمة وسيكون رد الفعل الجماهيري كبيراً وجارفاً وعظيماً بقدر معاناتهم ومظلوميتهم, فهل هناك من عاقل في الحكومة والبرلمان يسمع ويتعّظ؟

 

د. رائد الهاشمي

 

محمود محمد عليمنذ أن صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلي سدة الحكم في عام 2017 والجميع من خصومة الديمقراطيين يتهمونه بأنه" مخادع وغشاش ومراوغ .. لم يكتفوا بذلك بل سعوا إلي محاكمته برلمانياً بتهمة إساءة استغلال السلطة والدعوة إلي لاتهامه بتقويض الأمن القومي والمس بنزاهة الانتخابات.. بيد أن كل هذه الاتهامات فشلت في عزله.

وهنا قرر خصومه أن يلجأوا لأساليبهم القديمة، وهي حروب الجيل الرابع والقائمة علي استخدام القوة من خلال حركة أنتيفا لزعزعة استقرار نظام ترامب من خلال ترويج الشائعات والأكاذيب عن طريق استخدام تكتيكات جين شارب القائمة علي حروب اللاعنف من خلال التظاهرات والاحتجاجات والعصيان المدني، وهذه المرة يتم استغلال حادث مقتل رجل أسود يدعي جورج فلويد البالغ من العمر 46 عاما بعد القبض عليه أمام أحد المحال التجارية في منطقة مينيابوليس في مدينة مينيسوتا، لضباط الشرطة الممسكين به أنه "لم يكن يستطيع التنفس"، وذلك في يوم الثلاثاء الماضي الموافق السادس والعشرين من شهر مايو.

وهنا استغل الخصوم هذا الحادث من خلال نشر فيديو تسجيل لرجل شرطي أبيض يضع ركبتة فوق عنقة . وهو يستغيث قبل أن يفارق الحياة وهو يجاهد لالتقاط الأنفاس، وذلك في محاولة لاستدعاء مقتل المناضل الأسود (مارتن لوثر كينج) في مدينة ممفيس عام 1968م؛ مما تسبب في موجة عارمة من الاحتجاجات في عدد من الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يقتصر الأمر على أمريكا فحسب بل امتد إلى دول أجنبية عدة عبر مواطنوها عن استنكارهم للحادث.

وإلي الحزم إذن دعا الرئيس ترامب مشددا علي التعويل أكثر علي الحرس الوطني في إعادة الهدوء إلي الولايات والمدن الأمريكية التي عمتها الاحتجاجات الغاضبة علي مقتل فلويد، وترامب شدد علي ضرورة وضع حد لهذه الاحتجاجات التي تخللتها أعمال نهب وتخريب وشهدت اعتقال الآلاف .. لكن أصوات أخري داخل الولايات المتحدة تؤكد أن الحكمة تستدعي معالجة الاحتجاجات بروح العدل والانصاف، لأنه حتي لو نجحت إدارة ترامب في السيطرة علي موجة الغضب الراهنة، فإنها قد تندلع مجدداً، ذلك أن مقتل فلويد لم يكن سوي قطرة زيت جديدة سُكبت علي نار تضطرم تحت الرماد.

فمع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية لم يجد خصوم ترامب من وسيلة لإزاحة ترامب من الانتخابات سوي اللجوء لهذا الحادث، وهذا الحادث يمثل نوعاً من أنواع تكتيكيات جين شارب والتي تدخل ضمن ما يسمي الثورات اللاعنيفة أو النضال اللاعنيف ضد الأنظمة المستهدفة، حيث ينطلق في كتابه " من الدكتاتورية إلي الديموقراطية" من فرضية أساسية مفادها أن النظم الديموقراطية هي البديل الحقيقي للشعوب الخاضعة لنظم دكتاتورية، وأن نضال اللاعنف يمثل الطريقة الوحيدة للوصول إليها، حيث "تأخذ شكل المظاهرات، والاعتصامات، والمقاطعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. إن النضال اللاعنيف والعنف يعملان بطريقة مختلفة كلياً، فإن استخدام المقاومة العنيفة حتي ولو بشكل محدود أثناء حملة التحدي السياسي سيعود بالضرر علي الحملة، لأن المقاومة العنيفة تعطي الفرصة للحكام الدكتاتوريين لاستخدام سبل يتمتعون بالتفوق الكبير فيها، وهي الحرب العسكرية . من هنا نستنتج أن الانضباط اللاعنيف هو مفتاح النجاح، ويجب المحافظة عليه بالرغم من الاستفزازات والممارسة العنيفة التي يقوم بها الحكام الدكتاتوريين".

وقد انطلق (جين شارب) في أطروحته الفكرية، عن المقاومة المدنية أو السلمية أو غير العنيفة، من أن" الحكومة تعتمد في أساسها على طاعة المحكومين وتعاونهم، وأي خلل في هذه الطاعة يترتب عنه تحلل في قوة الحاكم إلى درجة فقدان السلطة والسيطرة على زمام الأمور".

وعليه يعتبر رفض التعاون مع الحاكم أمراً خطيراً وأداة سلمية ناجعة لقيادة الثورة والعصيان، وفي هذه الحالة "قليلاً ما تسعى الحكومة إلى تقديم تنازلات، وتسعى كثيرا إلى أساليب الإكراه والعنف لمحاصرة عدم تعاون الشعب؛ إذ يتم استخدام أساليب الردع والعقاب عبر الأمن والشرطة والجيش"، ورغم ذلك تظل المجموعة الحاكمة قابلة للتفكك وتلقي الضغط المؤثر؛ فحتى استعمال أساليب العنف من طرف المجموعة الحاكمة يكون فعالاً بقدر تعاون المحكومين وخضوعهم لهذه الأساليب الإكراهية، ولكن تبقى سلطة المجموعة الحاكمة مقيدة ومحدودة؛ إذ رفضت مجموعات مظلومة كثيرة، في مثل هذه الحالات، التراجع أمام كل المخاطر، بدافع من سلاح سلمي فعال هو "الإرادة" التي تغذي أسلوب عدم التعاون مع المجموعة الحاكمة. وعندما "يكون عدم التعاون شاملاً تتقلص قوة المجموعة الحاكمة، بقدر عدد السكان المشاركين في العصيان. لذلك تستطيع القوة السلمية الهادئة والمقدامة، بنظر جين شارب، حل مشكلة قوة الحاكم التي تبدو مطلقة، وذلك من خلال عدم التعاون والاستمرار فيه".

إن مصدر القوة إذن ليس هو العنف، كما أن الذي يحسم الصراع"، ليس الذي يملك أكثر أدوات العنف (المجموعة الحاكمة في حالتنا)، بل الإرادة والقدرة والوعي هي التي تحسم الصراع ".

ومن جهة أخري يؤكد شارب علي فرضية خطيرة، وهو أن حرب اللاعنف، هو التكنيك الجديد للغزو بلا تدخل عسكري، حيث" يتم الضغط على النظام من الداخل، عن طريق الطابور الخامس، بإضعاف أجهزة الدولة، واختراقها، وتهكيرها، وإحراقها، وإضعاف النظام في الدولة عن طريق الإضراب، ولزوم المنازل، ورفض التعامل مع مؤسسات الدولة، لإسقاط الدولة في الفوضى والديون، وبالتالي تدميرها بدون تدخل خارجي..

والسؤال كيف تنفيذ هذا المخطط ضد الرئيس بالنسبة لترامب؟..

والإجابة تتمثل من خلال اتهامه بالعنصرية ولترامب منذ أن وصل لسدة الحكم في عام 2017 وهو متهم بالعنصرية من قبل خصومه الذين يسجلون صباح مساء حركاته وأقواله وسكناته ولا ننسي مقولاته الشهيرة التي تعج صباح مساء بالعنصرية من تلك المقولات الشهيرة التي أخذت عليه منها قوله مثلاً : " لنجعل أمريكا عظيمة مجددا .. قالوا : أمريكا أولا وهذا قد يكون عنصريا .. قلت عنصريا ؟ لماذا هذا عنصري ؟ .. لنجعل أمريكا آمنة مجدداً .. عدم السماح للمسلمين بالدخول إلي أمريكا.. تم ترويج ذلك بنجاح من أجل الخروج للتظاهر ضد ترامب، وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث انتفضت مدن أمريكية بمظاهرات واسعة، احتجاجا على وفاة الأمريكي فلويد ذو الأصول الأفريقية أثناء اعتقاله.

ومع اتساع دائرة الاحتجاجات في الكثير من الولايات الأمريكية المختلفة تصدر هاشتاج 2020 قائمة تداول أمريكية علي تويتر وتداول من خلاله المغردون صورا من الاحتجاجات علي مقتل جورج فلويد علي يد الشرطة في ولايات عدة، كما انقسمت الآراء عبر الهاشتاج حول أعمال الشغب التي أظهرتها مقاطع متداولة، وندد مغردون باستخدام الشرطة العنف ضد المتظاهرين السلميين علي حد قولهم .

كما شهد محيط البيت الأبيض في واشنطن مصادمات بين المحتجين والشرطة وتداول مغردون صورا لأحد إطفاء البيت الأبيض فيما قالوا إنه إجراءً لحماية احترازي، كما أكدت وسائل إعلام أمريكية نقل الرئيس ترامب إلي مخبأ سري تحت البيت الأبيض مخصص لمواجهة أي تهديد كإجراء احترازي بسبب اقتراب الاحتجاجات علي مقتل جورج فلويد، وتداول مغردون صوراً أظهرت استخدام الشرطة بقنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين من محيط البيت الأبيض .

أحدثت الاحتجاجات في واشنطن صدي واسعا علي منصات التواصل خاصة بعد خروج المحتجين في ظل حظر التجوال المفروض في عدة مدن أمريكية، وقد أبرم محتجون النار في بالطابق السفلي من كنيسة "سانت جونز"، وسيارات، ومباني، وأحياء قرب البيت الأبيض قبل سريان حظر التجوال .

وبالأمس كان اليوم السادس علي التوالي، حيث ينادي المحتجون في ولايات مختلفة باسم جورج فلويد مطالبين بالعدالة له وللأمريكيين من أصول أفريقية الذين قتلوا علي يد الشرطة، في ولاية شيكاغو طوق المحتجون "برج ترامب " .

والسؤال الذي أود أن أطرحه هنا في هذا المقال : من وراء أعمال الشغب؟

تعددت وجهات أصابع الاتهام علي منصات التواصل، وفي هذا الإطار رصد ناشطون عبر هاشتاج عبر تويتر قيام عدد من الأشخاص الذين يرتدون زياً أسود وهم يهاجمون المتاجر والممتلكات العامة، بالإضافة إلي مهاجمة رجال الشرطة، وأثار الرئيس ترامب جدلاً علي تويتر بعد تغريدة له قال فيها :" ستصنف الولايات المتحدة الأمريكية "أنتيفا" كمنظمة إرهابية"، وهنا وجدنا الكثير من منصات التواصل الاجتماعي يعلقون علي كلامه، نذكر من ذلك أحد الهاشتاجات ؛ حيث تقول :" هذا بكل بساطة كبش فداء خالص، لا يرغب ترامب في معالجة أوجه عدم المساواة الاقتصادية، والعرقية، والمجتمعية الأساسية التي وصلت إلي نقطة الغليان، لذا فهو يكتفي بلوم أنتيفا علي أنها البعبع، هذا لن يحل أي شئ، لأن أنتيفا ليست مسؤولة .. في المقابل أيد السيناتور تيد كروز مقترح ترامب " قائلا :" هذا بالضبط الخطوة الصحيحة، العام الماضي دعونا أنا والسيناتور بيل كاسيدي لتصنيف أنتيفا كمنظمة إرهابية محلية، هؤلاء المتطرفون العنيفون يلحقون الدمار في المدن في جميع أنحاء البلاد، يجب أن نوقفهم قبل أن يصاب المزيد من الناس أو يقالوا".. والعازف الأمريكي " مايكل جوليت" كتب في تغريدة قال فيها :" أنتيفا ليست منظمة، لم تقتل أنتيفا شخصا واحدا، أنتيفا تعني ببساطة مكافحة الفاشية، إنها حركة صغيرة، وإلي حد ما لا مركزية بشكل كبير، ما يحاول ترامب فعله هو تصنيف أي شخص يتحدث خلافه بأنه إرهابي وهو ما يفعله كل الديكتاتوريين ..

إذن حركة أنتيفا هي حركة يسارية، ضد أشكال التمييز العنصري، وتناهض السياسات القومية تجاه المهاجرين والمسلمين ؛ فمع تصاعد الاحتجاجات في الولايات المتحدة إثر مقتل الأمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد علي يد شرطة منيابوليس في مينيسوتا، ترامب يتوعد حركة انتيفا اليسارية منظمة إرهابية ويحملها مسؤولية إثارة الفوضي في البلاد، في وقت اتهم فيه مسؤولون "متعصبين "و"محرضين مندسين، باستغلال الوضع لتنفيذ أجندتهم الخاصة .. فما هي أنتيفا التي تتصدر عناوين وسائل الإعلام هذه الأيام ؟

أنتيفا هي حركة مناهضة للفاشية ولأفكار النازيين الجدد، متأثرة بالتيارات اليسارية التي ظهرت في أوروبا منتصف القرن العشرين، وتعارض الحركة ونظيراتها في أوروبا كافة أشكال التمييز العنصري، وترفض السياسات التي تستهدف المهاجرين والمسلمين، وارتبط اسم انتيفا بالعنف والفوضي المسلحة خلال الاحتجاجات، لكن المنتمين للحركة والذين يُعرفون بارتداء ملابس سوداء وأفنعة ينفون استخدام السلاح إلا في حالة الدفاع عن النفس .. كثفت أنتيفا نشاطها في الولايات المتحدة مع صعود ترامب إلي الحكم، وليست هذه هي المرة الأولي التي يدعو فيها ترامب إلي تصنيفها ضمن لائحة الإرهاب .. حتي الآن لا توجد معلومات عن عدد المحتجين المشاركين في أنتيفا في المظاهرات الحالية، أو ما إذا كان أي من أعضائها مشاركاً في الأصل ... وللحديث بقية خلال الأيام المقبلة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

بكر السباتينفي مشهد أمريكي متأزم وعنصرية ترامب.. في أكثر من سؤال

* البداية وأكبر احتجاجات تشهدها أمريكا

تشهد الولايات المتحدة اضطرابات خطيرة لم تعرف لها مثيلا منذ عقود، إذ لا تزال وفاة المواطن الأمريكي جورج فلويد تثير تداعيات خطيرة في الولايات المتحدة،

وقد لفظ فلويد، 46 عاماً، وهو مواطن أمريكي من أصول إفريقية، أنفاسه الأخيرة في ولاية مينيسوتا يوم الاثنين الماضي الموافق 25 مايو بعد أن وضع ضابط شرطة ركبته على عنقه لأكثر من ثماني دقائق. وتم تداول شريط فيديو يوثق للجريمة على مدار واسع، وعلى إثر ذلك ألقي القبض لاحقاً على الضابط ويواجه اتهام بجريمة قتل من الدرجة الثالثة. وفي إجراءات وقائية تم إعلان حالة الطوارئ في 25 مدينة.

* احتجاجات بين الموضوعية والتخريب

ورغم عدالة القضية التي أخرجت الناس من بيوتها إلا أن ثمة من ركب الموجة للتخريب والنهب، حيث شهدت مدينة سانت لويس بولاية ميسورى الأمريكية، إحراق عدد من المحال التجارية بالمدينة، كما قام عدد من المتظاهرون بتدمير سيارات تابعة لشرطة الولاية.. وفى سانتا مونيكا تعرضت المتاجر الفاخرة للنهب فى شارع شهير للمشاة، وحطمت مجموعة من الشبان والشابات نوافذ مركز تجارى ونهبوا المتاجر ثم تفرقوا قبل بدء حظر تجول فرض على البلاد.. أما فى العاصمة واشنطن وفي تحد كبير للبيت الأبيض والذي يطل الرئيس من نافذة مكتبه مباشرة على الحدث،  فقد أشعل المحتجون حرائق قرب البيت الأبيض وتصاعد الدخان ممتزجاً بسحب الغاز المسيل للدموع الذى أطلقته الشرطة لتفريق المتظاهرين.. واندلعت أعمال عنف متفرقة في أكبر المدن الأمريكية.. وبدأت الرهانات على مستقبل الرئيس تُبْذَرُ في حرث الاحتجاجات المتصاعدة والمنتشرة في عموم البلاد كالنار في الهشيم .. إذن القضية أكبر من حادثة مقتل أمريكي أسود اعتبرها الأمريكييون جريمة عنصرية تستوجب إدانة الجاني بالقتل من الدرجة الأولى واعتقال بقية المشاركين في الجريمة الشنعاء.

* ترامب على محك الأزمة

ولكن ما أغاظ ترامب وأحرج موقفه أن الاحتجاجات جعلته على تماس مباشر مع الحدث الذي أعجزه.. حيث شهد محيط البيت الأبيض تظاهرات فى ظل حالة التوتر التى تشهدها الولايات المتحدة خلال الأيام القليلة الماضية، وتأججت الاحتجاجات، وتحولت لعنف وأعمال نهب وفوضى، واندلعت النيران في الحديقة الشهيرة أمام البيت الأبيض، ما جعل الرئيس ترامب يوجه اتهاماته لليسار على واعتبر بأنه هو المقصود من هذا التصعيد المشبوه في الاحتجاجات التي توصف بالسلمية عند غالبية المراقبين للمشهد الأمريكي الراهن.

* اعتقالات من جنب وطرف

الشرطة الأمريكية من جهتها نفذت حملة اعتقالات بعدد من الولايات والمدن بحق المتظاهرين ومنها على سبيل المثال أوكلاند سيتى و واشنطن و أتلانتا، فى محاولة منهم للسيطرة على التظاهرات، وكانت صحيفة أمريكية، ذكرت أن ما لا يقل عن 5 أشخاص لقوا مصرعهم في بداية الأزمة فى هذه الاحتجاجات والرقم قابل للزيادة .. ونمت أخبار عن اعتقال المئات من المتظاهرين، والقت الشرطة الأمريكة القبض على ما يقرب من 1400 شخص في 17 مدينة أمريكية في الوقت الذي تستمر فيه الاحتجاجات بسبب وفاة جورج فلويد.

وذكرت الشرطة ووسائل إعلام أمريكية أن ما لا يقل عن خمسة من أفراد الشرطة الأمريكية تعرضوا لإطلاق نار خلال الاحتجاجات العنيفة التي تشهدها مدن أمريكية.. وكان الرئيس ترامب يلوح بإجراءات أشد؛ لكبح جماح هذه الاحتجاجات التي يتهمها بالافتعال.

* ترامب يتهم "أنتيفا" بالإرهاب

وعليه فقد قال ترامب بأنه "سيحشد كل الموارد الفدرالية، سواء المدنية أو العسكرية، لوقف أعمال الشغب والنهب.. متهماً سلطات بعض الولايات بأنها فشلت للسيطرة على الشوارع من خلال انتشار أمني كثيف، مؤكداً على أنه كلف حكام الولايات بنشر قوات الحرس الوطني في الشوارع، مشيرا إلى أنه في حال رفضت سلطات المدن تلك الإجراءات، فإنه سينشر قوات الجيش "لحل المشكلة بسرعة"، معلناً تطبيق حظر التجوال في البلاد اعتباراً من الساعة السابعة مساء بشكل صارم .

* ترامب والورقة الرابحة فهل تنجح مساعيه؟

وكان ترامب قد اتهم مجموعة من المتظاهرين بأنهم "مجرمون يساريّون متطرفون"، متهماً شبكة "أنتيفا" وهي مجموعة تروج للفوضى المسلحة، بالوقوف وراء الاضطرابات التي أثارها مقتل فلويد.. ويقال بأن لها علاقة بالحزب الديمقراطي.

ويدرك الرئيس ترامب خطورة هذه المرحلة على نتائج الانتخابات المقبلة آخر هذا العام، وخاصة بعد أن تلقى ضربة من العيار الثقيل بفعل الخسائر التي تكبدتها أمريكا بسبب جائحة كورونا فخسر كل المكاسب التي حققها خلال فترة حكمة والتي تجلت بحل جملة من المشاكل الاقتصادية وانعكاس ذلك إيجابياً على البطالة.. لذلك ظلت رهاناته تستهدف الغالبية الطائفية البروتستانتية والتي تمثل ما نسبته 51.3 %.. علماً بأن غالبيتهم الساحقة ينتمون إلى العرق الأبيض الذي يمجد تفوقه الرئيس ترامب نفسه.. ويشكل الأمريكيون البيض غالبية الشعب الذي يعيش في الولايات المتحدة، بنسبة 72.4٪ من السكان في تعداد 2010 للولايات المتحدة.

* رهانت المقامر الأشقر على العنصرية

من هنا جاءت رهانات دوناند ترامب على فوزه المحتمل في الانتخابات المقرره في نوفمبر المقبل؛ لذلك غادر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب يوم أمس، البيت الأبيض سيراً على الأقدام متوجهاً نحو كنيسة ساينت جون المجاورة لمقرّ الرئاسة والذي طالته أعمال تخريب خلال الاحتجاجات الجماهيرية المتصاعدة على العنصرية وعنف الشرطة .. وبعد انتهاء ترامب من خطابه إلى الأمة من حديقة الورود في البيت الأبيض، توجه ومن معه  إلى كنيسة القديس يوحنا، التي يطلق عليها اسم "كنيسة الرؤساء" والتي أضرم فيها مخربون النيران ليل الأحد الماضي .. وكانت المفاجأة التي فتحت شهية المحللين على التأويل والشطح بالخيال على مختلف الاحتمالات.. وذلك حينما رفع ترامب الكتاب المقدّس وقال:

 "سوف تبقى الولايات المتحدة الأعظم في العالم آمنة وسالمة"..

وهو ما عمق حالة الغضب في البلاد خاصة بعد أن استخدم ضباط إنفاذ القانون الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لفتح الطريق أمام ترامب للسير إلى هناك عقب إدلائه بتصريحات في حديقة الزهور بالبيت الأبيض .

هذا السلوك المستهجن ربطه المراقبون بأهداف ترامب الانتخابية والتي يراهن فيها ترامب على تفوق الجنس الأبيض وخاصة من الغالبية البروتستاتنية المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي والتي تؤازر الرئيس الأمريكي ترامب وتتوافق كما يبدو مع تصريحاته العنصرية حتى قبل انتخابه رئيساً لأكبر دولة في العالم..

* تاريخ ترامب العنصري.. وقفات للتأمل

حينما يصبح الرئيس وسياساته جزءاً من الأزمة فهنا تكمن الكارثة لأن صاحب القرار الذي يمتلك أدوات الحل جذرياً يصطاد في المياه العكرة التي تختلط فيها الأوراق مراهناً على العرق الأقوى والأكثر عدداً لذك سيهمل بقية الطوائف والأعراق.. هذه هي الرأسماية المتوحشة في بعدها العرقي؛ لأن ترامب يؤمن وفق الدارونية بأن البقاء للأقوى ويقصد هنا عرقيا: الأمريكيين البيض. وطائفياً: البروتستانتيين. فالعنصرية متأصلة في عقل ترامب الباطن.. ومن وحيها يتعامل مع أطيف شعبه وخصومه في الداخل والخارج.

وفي سياق ذلك دعونا نستقرئ مسيرة حياة ترامب من خلال بعض الشواهد والوقفات..

فقد تمّت مقاضاة ترامب وشركته (ترامب مانجمنت) عام 1973 من قبل وزارة العدل الأمريكية بتهمةِ التمييز السكني ضدّ السود ولم يعترف ترامب حينها بالتّهم الموجّهة إليه.

وفي عام 1973، رَفعت وزارة العدل الأمريكية دعوى ضد مجموعة (ترامب مانجمنت)، دونالد ترامب ووالده فريد، بتهمة التمييز ضدّ السود في ممارسات الاستئجار. وكان الدّافع وراء هذه الدعوى هو رفض ترامب تأجير شقق في واحدة من أبنيته للأميركيّين الأفارقة"، منتهكاً بذلك قانون الإسكان العادل.

وأشارت العديد من الدراسات والاستطلاعات إلى أنّ المواقف العنصرية والاستياء العرقي غذّت صعود ترامب السياسيّ، وأصبحت أكثر أهمية من العوامل الاقتصادية في تحديد الولاء الحزبي للناخبين. ووفقًا لاستطلاع أجرته  Politico /Morning Consult في أكتوبر 2017، فإن 45٪ من الناخبين الأمريكيين رأوا أنّ ترامب عنصريّ و 40٪ لا يرونه كذلك.

من جهة أخرى نقل جون أودونيل في كتابه (Trumped) الذي نشره عام 1991 عن دونالد ترامب قوله:

«لديّ محاسبون سود في قلعة ترامب وفي ترامب بلازا، لديّ رجال سود يُحصون لي أموالي! أكره ذلك.

النوع الوحيد من الناس الذين أريدهم أن يُحصوا أموالي هم الرجال قِصار القامة الذين يرتدون الطاقية اليهودية... هؤلاء فقط هم من أريد منهم إجراء الحسابات على أموالي. لا أحد آخر ... بالإضافة إلى ذلك، أقول لك شيئًا آخر. أعتقد أنّ الرجال السود الذين يعملون لديّ كسالى وربما هذا ليس خطؤهم لأن الكسل هو سمة في السود.»

إنها قمة العنصرية البغيضة في أسوأ أشكالها، وخاصة أن دونالد ترامب اعترف بأن المعلومات الواردة في الكتاب "صحيحة على الأرجح" وذلك في مقابلة له في عام 1997،. ونفى أن يكون قد أدلى بالبيان بعد ذلك بعامين عندما سعى للترشّح إلى رئاسة حزب الإصلاح.. لأكن الأول هي الثابتة والتي برهنت عليها مسيرته السياسية منذ انتخابه ودمغت جبينه بالعنصرية وتضخم "أناه" ذات العرق الأبيض المتفوق.

* الخاتمة

ففي ظل الاحتجاجات التي يبدو بأنها ستطول، يطرح السؤال نفسه حول من سيقود أمريكا في مرحلة ما بعد الانتخابات في نوفمبر المقبل.. والتي قد يظفر بها مرشح الحزب الجمهوري ترامب.. فكيف سيقود أمريكا بفسيفسائها العرقي والطائفي رئيس يلوح بالإنجيل لاسترضاء البيض والبروستانت على حساب الأعراق الأخرى التي كما يبدو كانت تنتظر من يشعل النار في الهشيم، فتجأر أصواتهم في الشوارع عالياً مطالبة بالعدالة المفقودة..

القضية إذن أعمق وأبعد من مجرد مقتل أمريكي أسود من قبل شرطي فاسد بقلب بارد.. بل هي أزمة أخلاق ومأزق عنصري تناما في عهد المقامر الأشقر ترامب الذي لا يرى بعينيه إلا ما يشبع غروره وعنصريته البغيضة.. فهل سيقود رجل كهذا مستقبل أكبر دولة في العالم! الدولة التي بدأت تهرم وينتشر الشيب في رأسها وقد انحنى ظهرها في زمن لا ينتظر أحد.

 

بقلم بكر السباتين..

3- 6- 2020

 

بليغ حمدي اسماعيللم يكن في خاطر أو هواجس محمد علي باشا وهو يدشن لامبراطوريته المصرية أن دعائم الثقافة التي سعى إلى تكوينها وتأسيسها ستكون باعثا قويا ودافعا إيجابيا لحرية الوطن الذي تربع هو وأسرته متعددة الأنساب والأصلاب على عرشه قرونا طويلة . الأمر نفسه الذي لم يكن بخاطره وخاطر المؤسس الثاني للدولة المصرية الحديثة  الخديوي إسماعيل باشا أن المؤسسة العسكرية نجحت مرتين متتاليتين في العصر الحديث والعصر الراهن في تمصر الوطن والحفاظ على هويته الرئيسة التي لا يمكن أن تشوبها عاطفة سياسية موجهة أو تقتنصها تيارات وفصائل لها أطماع ومطامح أيديولوجية معينة.

فالمرة الأولى التي نجحت فيها المؤسسة العسكرية أن تعلن تمصيرها كانت أثناء الثورة العرابية حينما أعلن الخديوي توفيق حاكم مصر الضعيف والبليد سياسيا ضميره بقوله المشهور " لقد ورثت أنا ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا "، ووقتها أطلق عليه الزعيم الخالد البطل المصري أحمد عرابي قولته الأكثر شهرة وذيوعا وانتشارا حتى لحظتنا الراهنة " والله الذي لا إله إلا هو لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا، والله أننا لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم " .

ومنذ هذا المشهد المحفور في ذاكرة الأمة والمؤسسة العسكرية هي صوت الشعب وسلاح الوطن ضد كل فاسد أو جائر، وما هذا التصرف إلا نتيجة طبيعية لحالة الثقافة التي انتشرت منذ تولي محمد علي باشا حكم المحروسة، وأن مقومات الدولة المصرية الحديثة لم تبدأ منذ غزو الحملة الفرنسية مصر كما هو معهود ومشهود لدى الكثيرين بل هذه المقومات بزغت بالفعل بمجرد إعلان تأسيس الدولة المدنية عن طريق إيفاد البعثات العلمية إلى فرنسا وإن كان معظمها من رجال الأزهر الشريف إلا أن صبغة الدولة آنذاك كانت مدنية خالصة .

ورغم التغلغل الثقافي الأجنبي الذي تسلل خفية إلى الرجال الأوائل الذين خططوا للدولة المدنية الحديثة إلا أن مصريتهم كانت هي الهوية الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها أبداً حتى ولو كانت تحت سطوة الدولة العثمانية لأنها بالفعل دولة لا يمكن تحديد هوية محددة لها وخير دليل على ذلك محاولة كمال أتاتورك في انتزاع تركيا بعيدا عن التأصيل العربي والإسلامي صوب الشاطئ العلماني انتهاء بأردوغان الذي لا يزال يهرول زاحفا تارة ومتنازلاً عن تاريخ حضارته تارة أخرى من أجل رضا الاتحاد الأوروبي عليه والإنعام بانضمامه كشريك حيوي في الكيان الأوروبي .

أما المرة الثانية التي استطاعت فيها المؤسسة العسكرية أن تحافظ على التمصير والهوية المصرية للبلاد والعباد فكانت مع شرارة ثورة يوليو المجيدة في عام 1952، حينما قرر المؤسسة العسكرية الوطنية أن تحافظ على الوطن ومقدراته وتنأى به بعيدا عن مفاسد ومظالم حكم وراثي جائر، حينما قضت على آخر أطماع اللامبراطورية التي أسسها الأجنبي محمد علي باشا في مصر وتمصير السلطة الوطنية لأول مرة في تاريخها الضارب في القدم، ولاشك أن معادلة النهضة الثقافية التي كرسها وشيدها محمد علي باشا ومن بعده إسماعيل كانت هي الضربة القاضية التي أودت بحياة الأطماع العلوية في مصر الأمر الذي لا يمكن أن يتناساه الكيان التركي الذي يسعى إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي في مصر اليوم ويلازمه الفشل .

هذا المرور السريع على دور المؤسسة العسكرية الوطني لم يغفل عن حقائق مهمة وهي أن الجيش المصري العظيم هو أقدم مؤسسة مصرية استطاعت أن تحافظ على الوطن وسلامة أراضيه، وأن هذا الحفاظ وراءه كتيبة من المثقفين المصريين الذين ساعدوا في بناء الدولة المصرية المدنية الحديثة بدءا من الأزهري رفاعة الطهطاوي مرورا بأسماء لامعة في تراثنا الفكري والثقافة كالمجدد الإمام محمد عبده وعبد النديم وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد والشيخ مصطفى عبد الرازق والعبقري طه حسين وغيرهم ممن أثروا فكر العرب ومصر على السواء .

ومثلما انحازت المؤسسة العسكرية للشعب وتمصيره في العصر الحديث المنصرم، نجحت أيضا في انحيازها إلى أطياف الشعب ضد من سعى إلى اقتناص الوطن ومقدراته والعبث بوطن ضارب بجذوره في أعماق الأرض، وكان الانحياز في العصر الراهن أيضاً مرتين ؛ الأولى حينما أدركت المؤسسة العسكرية الوطنية أن مبارك ونظامه يسعون جاهدين إلى إعادة إنتاج الحكم الوراثي وإعادة تشغيل الماكينة السياسية القديمة في تكريس وتعضيد حكم خلافي يدوم، فكانت انتفاضة  يناير 2011 والتي أطلقها المصريون بدعوات ثقافية تؤكد على أن الثقافة على أرض هذا الوطن أكبر من كلمة الحرية، إن الثقافة في مصر معركة بقاء بدليل أن إسقاط مبارك ونظامه كان نتيجة أقلام سطرت، وأصوات خطبت، ومفاتيح إليكترونية ضغطت فكانت النتيجة سقوط مبارك ونظامه ورجاله ومن ثم كانت المؤسسة العسكرية الوطنية على موعد ثالث جديد في تمصير البلاد والانحياز إلى شعب عظيم .

أما المرة الرابعة التي أثبتت فيها المؤسسة العسكرية انحيازها النهائي والمطلق للشعب المصري وأطيافه وطوائفه حينما أدرك المصريون هوية وتكوينا أن ثمة استلاب ومحاولات اقتناص علنية تسعى لتقويض الوطن لصالح فصيل واحد، وأن جماعة سعت منذ وصولها إلى حكم البلاد والعباد لم تتعلم دروس التاريخ السابقة ففكرت في إعادة إنتاج حكم الخلافة الطويلة والتحكم في مفاصل الدولة العميقة وذلك خلال عام واحد من وصول مندوب جماعة الإخوان المسلمين إلى كرسي حكم مصر، فجاءت الولادة الثقافية المتعسرة هذه المرة شرارة أولى لتندد بممارسات استلاب الجامعة للوطن .

وليس مصادفة أن تنجح الثقافة المصرية الوطنية في إسقاط الرئيس المعزول محمد مرسي ونظامه وجماعته، وليس مصادفة أيضا أن تتناول الأقلام المصرية فترة حكم الجماعة لمصر سواء من حيث الرصد أو التحليل والتأويل، لكن المثير أن المنتمين لنظام مرسي وفكر الجماعة يعلنوا ليل نهار أن الإعلام المصري والأقلام الصحافية وقفت ضدهم وكانت السلاح الأول في إسقاط هذا النظام.

لكن برجوع تاريخي يسير لتاريخ الثقافة المصرية نلتقط أسماء كمحمد عبده والبارودي وقاسم أمين وعبد الله فكري وعيد الله النديم وطه حسين وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل والعقاد وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وجمال حمدان وأمل دنقل وغيرهم من رموز الثقافة والإعلام استطاعت أن تحرك المياه الراكدة الآسنة التي استمرأ بعض فئات الشعب البقاء في براثنها وتغيير بوصلة الشارع، لذلك يمكن القول بإن الثقافة المصرية رغم تعدد أشكالها وأنماطها وروافدها أيضا إلا أنها في النهاية تصاغ على كونها ثقافة مركزية واحدة بنكهة مصرية أصيلة.

وعود إلى دور المؤسسة العسكرية مرة جديدة حينما انحازت إلى أصوات المصريين المنددة بممارسات الجماعة وتسلطها الفكري عن طريق تسيدها سدة الحكم في مصر، فلقد أنصتت المؤسسة الوطنية إلى زئير المصريين الذين خرجوا في يونيو 2013 ضد جماعة الإخوان وكانت بحق طوق نجاة لتلك الأصوات .

وفي الوقت الذي اندفع فيه المؤيدون لجماعة الإخوان باتهام الذين خرجوا بأنهم ضد الإسلام وضد الشرعية وضد الضد، تحولت الثقافة المصرية من تجلياتها التنظيرية والذهنية الجافة إلى ممارسات وأفعال وتصرفات راقية سرعان ما تحولت إلى آليات بتفويض المؤسسة العسكرية الوطنية لمواجهة الإرهاب والتطرف.

والحقيقة لا يمكن توصيف الثقافة المصرية عبر نضالها التاريخي بأنها ثقافة علمانية، وبالتأكيد ليست بالدينية الأصولية، إنما هي ثقافة مدنية تولدت خصيصا من أجل بناء الدولة المصرية الحديثة منذ بدايات حكم محمد علي باشا. هي ثقافة واحدة لشعب واحد صبغت كافة الثقافات الفرعية بلونها واحتكمت تلك الثقافات بشرائطها وضوابطها المصرية الخالصة.

لذا يمكننا التأكيد على حقيقة مصرية أصيلة مفادها أن الدولة المصرية المعاصرة كانت نتيجة طبيعية ومنطقية للترابط والتوافق بين الثقافة وطروحاتها النظرية منذ ظهور رفاعة الطهطاوي على مشهد الحياة الثقافية في مصر انتهاء بشباب الفيس بوك المثقفين وبين المؤسسة العسكرية الوطنية على حد وصف المفكر المصري غالي شكري العمود الفقري لتأسيس المجتمع المدني المصري.

وهذه الثقافة المصرية الفريدة هي السلاح الذي يتصدى لكل من يسعى لاستقطاب الوطن والمواطنين، وهي الدرع المنيع الذي يتصدى لكل ممارسات ومحاولات اقتناص الوطن، لاسيما الحركات الإسلامية المتطرفة، ومن غريب الرصد أن كاتبا سياسيا ومفكرا جغرافيا مثل العبقري المصري جمال حمدان يندد بتلك الحركات المتطرفة ومساعيها غير المحمودة، وهو الوصف الذي ذكره المفكر المصري غالي شكري في كتابه الماتع " ثقافة النظام العشوائي .. تكفير العقل وعقل التكفير "، يقول جمال حمدان في حواره الصحفي مع مجلة المصور المصرية في أبريل 1994 : الحركات الإسلامية المتطرفة هي وباء دوري يصيب العالم الإسلامي في فترات الضعف السياسي أمام العدو الخارجي، وهي نوع من التشنج الطبيعي بسبب عجز الجسم عن المقاومة " .

وفي جملة الوصف لتحديد ملامح الثقافة المصرية يمكن القول بأنها ثقافة عقلانية وسطية أخذت طابع الوسطية من الدين الإسلامي الحنيف، ومن فطرة الإسلام النقية التي لا تقبل التطرف ولا تغتر بالغلو والتفريط ولا تسمح للمتهوكين بنزع فتيل الفتنة الطائفية بين نسيج الوطن .

حتى الثقافة الدينية الإيجابية كشكل من أشكال الثقافة المصرية نجحت بكفاءة وفعالية في رأب الصدع تجاه أية محاولات مشبوهة من قبل بعض المتطرفين دينياً لإشعال الفتنة بين الأقباط والمسلمين، ودعوات تجديد الخطاب الديني جاءت في البدء ثقافية وليست دينية وهذا دليل على خصوصية الحالة الثقافية في مصر.

وربما أكثر ما تخشاه إسرائيل وينكد المشهد على الكيان الصهيوني هو الثقافة المصرية المتجذرة أي الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، فبرغم محاولات ومساعي الكيان الصهيوني لزعزعة الاستقرار المجتمعي في مصر والمبادرات التي تتبناها الإدارة الأمريكية من أجل تدعيم الديموقراطية في مصر تحت مسميات متعددة ومن خلال منظمات وجمعيات مختلفة، تظل الثقافة المصرية بأسماء رموزها في الوعي المصري الجمعي، فرجل الشارع البسيط العادي يعرف طه حسين ودوره التنويري، وبائع الفاكهة يفطن على الفور صورة أمير الشعراء أحمد شوقي وتوفيق الحكيم، وحارس المدرسة يقر بدور السيدة هدى شعراوي الوطني وإن لم يكن يعرف طبيعة الدور .

هذه مصر التي يصعب مراسها ومن الأصعب استقطابها أو استلابها، لأنها بحق وطن عبقري .. تحيا مصر .

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

موسى فرجكعادتهم دائماً، العراقيون قلما اتفقوا في تقييمهم للأمور باستثناء قضايا معدودة من بينها: إن حكامهم بعد 2003 فاسدون أقحاح... وإن وصفهم الذي جاء على لسان المرحوم الجلبي نقلاً عن سفير أمريكي قال له قبل سقوط نظام صدام: إنكم "يقصد ساسة المعارضة في حينه" تنتمون إلى المدرسة الأخلاقية لصدام ذاتها" هذا الأمر بالذات لم يختلف عليه العراقيون...

من بين الكم الهائل من الأمور المختلف عليها بين العراقيين قضية: هل أن الأمريكان عند اجتياحهم للعراق عام 2003 كانوا يملكون مشروعاً لبناء الديمقراطية في العراق... ؟

على مدى السنوات الـ 17 الفائتة لم يحسم الجدل بشأن تأكيد ذلك أو نفيه منذ انطلاقته لأول مرة بعد سنة أو نحو من ذلك من احتلال العراق وما زال الجدل محتدماً لليوم بينهم:

ـ الفريق الأول يقول: إن أمريكا كانت تملك استراتيجية لإسقاط نظام صدام ولكنها لا تملك استراتيجية لحكم العراق بعد صدام ولا تملك مشروعاً لبناء نظام حكم ديمقراطي بعد سقوطه... 

ـالثاني يقول: بل إنها بالفعل تملك مشروع سياسي سعت لتطبيقه في العراق لتصنع منه نموذجها في الديمقراطية الذي تسوقه لشعوب الشرق الأوسط والعالم في عصر العولمة ويقوم على نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ولو بالقوة العسكرية وتغيير أنظمة الحكم الرسمية للدول، وقد عكفوا منذ أحداث أيلول 2001 على إعداد تلك الوصفة الأمريكية لبناء الديمقراطية باعتماد "الفوضى الخلاقة" والتي ترجع أصولها إلى ما صاغه "فرانسيس فوكوياما" بعنوان "نهاية التاريخ"، و"صمويل هنتنجتون" في مؤلفه "صراع الحضارات"،  و “مايكل ليدين” العضو البارز في معهد “أمريكا انتربرايز” أول من صاغ مفهوم “الفوضى الخلاقة” أو “الفوضى البناءة” أو “التدمير البناء” فيما عبر عنه في مشروع (التغيير الكامل في الشرق الأوسط) الذي أعد عام2003... وبعضهم يعود بها إلى أفلاطون...

...  ويقدمون لذلك ثلاثة أدلة:

1- ما قالته كَونداليزا رايس في عام 2005 لجريدة الواشنطن بوست عن نية الولايات المتحدة نشر الديمقراطية في العالم العربي وتشكيل "الشرق الأوسط الجديد" عبر نظرية "الفوضى الخلاقة" التي هيّئتها واعتمدتها مسبقاً...

2- ما قاله الرئيس الأمريكي جورج بوش في 2/ 8/ 2004 بعد تأكده من عدم وجود أسلحة الدمار الشامل: "حتى لو كنت أعرف قبل الحرب ما أعرفه الآن من عدم وجود أسلحة محظورة في العراق فإني كنت سأقوم بدخول العراق ".

3- ما قاله وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد رداً على الانتقادات القائلة بسماح الأمريكان لعمليات النهب والسطو والتخريب واسع النطاق أثناء دخول الأمريكان بقوله: "إن العراقيين ليسوا معتادين على الحرية وان هذه أول فرصة لهم للتعبير عما يختلج في نفوسهم وإن هذه العمليات الفوضوية إيجابية وخلاقة وواعدة بعراق جديد"... هذا الرأي تبناه عدد ليس بالقليل من الباحثين العراقيين وأعدوا في بحثه أطاريح لنيل الماجستير والدكتوراه... 

أنا من جانبي أقول: لا هذا ولا ذاك ...  إنما احتلال الأمريكان للعراق جاء على خلفية عنتريات صدام وتلويحه بـ "هلط "إسرائيل بالكيمياوي وبسبب محاولته اغتيال بوش الأب أثناء زيارته للكويت ورسم صورة له في مدخل فندق الرشيد تسحقها أحذية الداخلين والخارجين إلى الفندق على مدار الساعة من ناحية، وسعي الأمريكان لتدمير القدرات العسكرية للعراق وتفكيكه وتقسيمه بحيث لا يشكل خطراً على إسرائيل في المستقبل من ناحية أخرى، وفي حالة نجاحهم في ذلك سيوسعون النموذج ليشمل كل منطقة الشرق الأوسط والعالم من خلال إشاعة الفوضى المستدامة التي بدأت بانهيار الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية وأزالت دول مهمة كانت قائمة مثل يوغسلافيا ولن يتوقف مسعاهم في الصين ... ساعدهم في ذلك ساسة عراقيون فاسدون ينتمون إلى مدرسة صدام الأخلاقية ذاتها أشاعوا الفوضى وجعلوا منها فوضى مستدامة لتكون وسيلتهم للحكم والفساد ونهب المال العام  ...

ليلة البارحة وعلى وقع تصاعد الأحداث الجارية في أمريكا والتي انطلقت على أثر مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد الذي قضى خنقاً تحت ركبة الضابط الأمريكي وتهوره وعنصريته، قال الرئيس الأمريكي ترامب: لقد سمحت بتسخير كافة الإمكانات الفيدرالية المدنية والعسكرية لوقف عمليات النهب والسرقة وفرض القانون وسيتم التحرك فوراً... وسوف أعطي أوامري بتدخل الجيش الأمريكي المدجج بالسلاح بشكل فوري لإنهاء الفوضى...

عندما سمعت خطاب ترامب استرجعت كلام رامسفيلد القائل: "إن العراقيين ليسوا معتادين على الحرية وان هذه أول فرصة لهم للتعبير عما يختلج في نفوسهم وإن هذه العمليات الفوضوية إيجابية وخلاقة وواعدة بعراق جديد"... وتساءلت بصدق: لماذا لم يتح ترامب للأمريكيين التعبير عما يختلج في نفوسهم... مثلما سمحوا للعراقيين فعل ذلك... ؟1

صفحة من كتاب: "الفوضى المستدامة في العراق" الذي انتهيت من إعداده قبل أيام وهو في مرحلة التفاوض على الطباعة...

 

موسى فرج

... ... ... ... ... ... ..

*  كتاب تحت الطبع...

1- هذه الفقرة سارعت لم يتضمنها الكتاب وسارعت لإضافتها إليه.

 

 

تحت عنوان "اليوم العالمي للأكذوبة السياسية" نادت آنذاك، لتنبيه الرأي العام مؤسسة بيتر فايس Peter Weiss Stiftung للفنون والسياسة في برلين، إحياء الذكرى الثالثة لغزو العراق في 20 آذار 2006. من خلال إقامة النشاطات بمختلف الوسائل السياسية والعلمية والفنية وبواسطة الكاريكاتير والافلام الوثائقية. وتم نشر نص رسالة خاصة بعدة لغات للكاتب الأمريكي المعروف إيليوت فاينبرغر Eliot Weinberger، قرأت في ذات اليوم على نطاق واسع في العديد من المدن: برلين، لندن، سدني، لكسمبورغ، نيويورك، دلهي، لوس أنجلس ومدن أخرى من العالم. يتألف النص من عدد من التصريحات الصادرة عن أعضاء في الإدارة الامريكية وحلفائها قبل واثناء الحرب. إضافة الى مجوعة شهادات لجنود أمريكيين ومواطنين عراقيين يتحدثون عن حروب للولايات المتحدة في العراق ما بين 1992 و 2005 التي قضى فيها مئات الالاف من المواطنين وخراب المدن والبنى التحتية والصناعية والثقافية والمؤسسات العامة للدولة. لكن أهم ما جاء في نص الكاتب الأمريكي إيليوت فاينبرغر قوله: مع بدء القرن الحادي والعشرين على المرء ان يدرك ان الاكذوبة مازالت أداة تستخدم من قبل حركات سياسية متنفذة، لكنه من المفروض في الوقت نفسه توضيح ان القوى المناهضة لا يكبح نشاطها ـ من هنا سيجري في اليوم العالمي للأكذوبة السياسية فضح ما سمعته عن العراق!.      

على الرغم من مرور اكثر من عقد ونيف على تلك التظاهرة الفريدة من نوعها، والحكومات المتعاقبة منذ احتلال العراق مازالت مستمرة في كذبها على المجتمع. ولم يكن التهريج والمماطلات مقتصرا على أصحاب السلطة فقط، انما باتت ظاهرة لدى بعض النخب الثقافية والإعلامية الذين يرون مصلحة في تجميل صورة الفئات السياسية والأحزاب الطائفية المتربعة على سدة الحكم.

ولازالت البلاد سيما منذ بدء الحراك في أكتوبر 2019 مرورا بالكورونا ومعضلة رئيس الوزراء وتمرير المرشح الثالث، بالإضافة الى معاناة المجتمع، الفساد الإداري والمالي، الصراعات الحزبية لاجل المصالح على الوزارات والمؤسسات. تتعرض، الى أزمات خطيرة سببها الإصرار على التموضع في جزئيات خاطئة في اطار "مفهوم الدولة" وأهم اساسين لها "الحكومة" و "السلطة" المعنيتين وفقا لمبادئ "القانون الدولي" بترشيد طبيعة الحكم وكيفية إدارة الدولة على اثر "جيو ـ تاريخي" يراعي المصالح العامة للمواطنين وإنتمائهم للوطن. أيضا الدستور والصلاحيات والقوانين المتعلقة بالانتخابات والأحزاب وأمن الدولة ومواردها، الخ. للأسف أصبحت كلها في بلاد الرافدين ملتبسة وليس لها خصائص مادية قادرة على صناعة التوازن وتحمل وزر الرقابة والمحاسبة بحق الفاسدين. وفي هذا السياق لا أحد يعرف كيف سيكون بالمقدور تحقيق جميع الالتزامات التي اخذ على تحقيقها رئيس الوزراء الجديد "الكاظمي"، سيما القضايا المصيرية واهمها: الانتخابات وإحتمال عودة النواب الذي جلهم من أحزاب السلطة، وبعضهم يدور حوله جدل وشبهات فساد مالي وتزوير، من خلف الكواليس للعب أدوار جديدة وربما أسوأ من السابق تحت يافطة الشرعية الانتخابية.   

مشكلة الدولة في اعتقادي سببها الأفكار والعقائد والثقافة السياسية الفاسدة. التي بدأت أكثر وضوحا بشكل أساسي من خلال التشرذم السياسي ووجود أحزاب غير متآلفة مع الدستور والقانون، وتوليف الصراعات القومية والدينية والعرقية لاغراض نفعويه، أيضا من خلال انعدام حرية التعبير واستقلالية المعتقد. وهي أساسيات هامة في حياة المجتمع، يمكن جعلها مع سيادة القانون امرا ممكنا لازدهار الديمقراطية. لكن عندما تخضع الائتلافات الطائفية بين القوى والأحزاب للابتزاز والمساومات من اجل المصالح الفردية والفئوية، فستتعرض الديمقراطية حتى وان كانت زائفة، الى التلاشي. وبالتالي الى التناحر والانقسام السياسي الذي يؤدي الى انسداد الحكم وانكفاء السلطة والقانون، أساسيات بناء الدولة المتطورة.

لكن دعنا نتساءل ببساطة: ماذا تعني الدولة من الناحية العملية؟ ومن هي السلطة ـ وما هي الحكومة؟ ومن هو الحزب؟. كي نستطيع في شأن كالعراق، أن نحكم بين آراء المجتمع الذي يمثله الحراك وما يطمح الية من خيارات استحدثها لأجل تغيير شامل لشكل نظام الحكم وانهاء احتكار السلطة السياسية والإدارية. وبين مواقف وآراء البعض من طبقة المثقفين والإعلاميين الذين يشكلون رافعة للنفاق والانتهازية ويروجون في وسائل الاعلام وغيرها للفئات والأحزاب المتسلطة عن قصد مدفوع الاجر. في الوقت ذاته يضللون بأسلوب دراماتيكي الرأي العام سيما الشباب والبسطاء. لكن المقارنة، لا نعني بها سجالا بين قطبي الصراع المتناقضين على طول خط الجبهة، انما تحدٍ لما يسود، بين إشكالية التفكير عند هذه الطبقة الهجنة، والواقع الذي تتعرض له فلسفة الحياة بشكل موضوعي لكشف الحقائق.

اذن: الدولة من الناحية الجيوسياسية ـ التاريخية، حسب أعراف القانون الدولي المعاصر ـ أجهزتها، شعبها، مناطقها، اشكالها ـ يرتبط بموجبها الناس بعضهم ببعض في منطقة "أراض" ذات حدود وسلطة سيادية لحماية مصالحهم المشتركة. وقد تم وجود مثل هذا النظام منذ بداية العصر الحديث. في شأن ذلك، يعتمد القانون الدولي على وجه التحديد على أهم الوقائع والمعايير، وفقا لعقيدة العناصر الثلاثة ـ أراضي الدولة وشعب الدولة وسلطة الدولة. فيما تتحدث جوانب أخرى من القانون الدولي عن ظهور وانهيار "أسس الدولة" لكنها تعود من جديد من خلال مؤسسات وأطر جديدة على نحو دمج مقاطعات الدولة القائمة "محافظات او أقاليم" لتتأسس منها الهياكل الحاسمة لما يسمى بالدولة المتكافئة.   

وبصفتها موضوعا للنظرية السياسية العامة، فإن الدولة بمفهوم اليوم مرتبطة، بغض النظر عن طبيعة الحكم، بشكل لا ينفصل بـ "شعب دولة" وبصفة عامة شاملة "سلطة دولة". وكقاعدة عامة: على السلطة ان تتحمل مسؤولياتها بالاستقلال التام في تطبيق القانون على الخاضعين للحكم. بمعنى، ان سلطة الدولة هي سلطة سيادية وسلطة إلزامية، تتميز عادة بصلاحيات محدودة بحكم الدستور الذي يفصل بين السلطات والروابط. أما أجهزة الدولة فهي جميع الأشخاص والمؤسسات والسلطات الذين يشاركون في ممارسة سلطة الدولة بسلطتهم الخاصة باسم وتحت أجهزة الدولة العليا التي تخضع الى المنظومة الإدارية ـ الحكومة "السلطة التنفيذية"، البرلمان "السلطة التشريعية"، المحاكم العليا "السلطة القضائية" والمؤسسات التابعة للسلطات المركزية والإدارات، أي الوزارات. 

ويبدو انه منذ العصور اليونانية القديمة، كان انقسام أشكال الحكم، ملكية أو ارستقراطية أو ديمقراطية شائعا، لكنه تمكن في الغالب من بناء الدولة القوية. كما يبدو أيضا، انها أنظمة مختلفة، يتم فيها تنظيم "حكم الدولة" وشكل "سلطة الدولة"، بطريقة وأساليب تحددها الدولة أو الدستور. لذلك يجب التمييز حيثما تمارس أجهزتها سلطة الدولة، بين أشكال الحكم والحكومة. لقد بيّن التاريخ مرارا ان السلطة المحصورة بشخص أو مجموعة تعني في الغالب: الحد من الحريات أو الاضطهاد للآخرين. لذلك فان تقاسم الحكم والفصل بين السلطات الثلاث في الديمقراطيات، يمنع إساءة استخدام السلطة فيما يكفل حرية الجميع.   

على هذا النحو فان نظام الفصل بين السلطات، يقسم مهام الدولة الدستورية إلى ثلاثة مجالات واسعة: التشريع والإدارة "التنفيذ" والقضاء. يتم توزيعها بين مؤسسات الدولة المختلفة مع آلية التنسيق فيما بينها بإنتظام. لذلك، في الأنظمة الديمقراطية، لا يمكن لأي شخص أن يصبح قوياً لدرجة أنه يدمر هذا النظام او يتجاوز عليه. بيد أن فصل السلطات هو العنصر الأساسي الأفضل في أي دولة دستورية. يضمن السيطرة والتوازنات المتبادلة بين الحقوق والواجبات داخل المجتمع، وإدارة التفاعل الإيجابي للدولة ومؤسساتها تحت رقابة أحزاب فاعلة داخل وخارج المنظومة البرلمانية. 

في منظومة البلدان الديمقراطية، الأحزاب السياسية لديها مهمة أساسية، تمثيل المصالح السياسية للشعب. لكي يتمكنوا مرشحيها من أداء هذه المهمة، يتمتعون بحقوق والتزامات خاصة.ووفقا لاحكام قانون "الأحزاب"، فإنها تعتبر من الجماعات المجتمعية التي تؤثر بشكل دائم أو لفترة طويلة على صنع القرار السياسي والمشاركة في تمثيل الشعب في مجلس النواب "البرلمان" والاقاليم. وعلى قيد "أداء القسم" وللظروف الفعلية العامة، يجب أن يقدم الطرف "الحزب" تأكيدا كافيا بموجب معايير ذات صلة خاصة بـ "قانون الأحزاب" ـ نطاق ونوع المنظمة "الحزب"، عدد أعضاءها، أماكنها المحددة ومواردها المالية والاهم احترام القانون الاساسي للدولة "الدستور" والالتزام بمبادئه. ألا أن القانون لا تعتبر الجمعيات والمنظمات التي لا تريد المشاركة في الأنشطة السياسية أحزابا.     

اذن، بهدف المشاركة في تشكيل الإرادة السياسية للشعب، تتمحور أنشطة الأحزاب عادة حول، تأثيرها على تحريك الرأي العام، تشجيع المواطنين على المشاركة في الحياة السياسية وإشراك القادرين منهم على تحمل المسؤولية العامة في الحكومة "الاتحادية" والحكومات المحلية بالشكل الذي يساعد على تطور العمل السياسي في البرلمان والحكومة. بيد ان مبدأ حرية تأسيس الأحزاب بالإضافة إلى حرية الحزب فيما يتعلق بأهدافه وبرنامجه ونشاط أعضائه في سياق العمل الحزبي ـ لا يمكن تبرير أعمال إجرامية بحرية النشاط. فيما يلزم القانون الأساسي "الدستور"، الحكومة بمعاملة جميع الأطراف على قدم المساواة، وتطبيق مبدأ المساواة في التعامل بين الدولة والاحزاب الفاعلة بحيادية تامة. وهذا يلزم جميع السلطات، بما في ذلك هيئات البث العامة، بمعاملة الأطراف من حيث المبدأ بنفس الطريقة عند تقديم التسهيلات والخدمات الانتخابية. وذلك لضمان المنافسة العادلة بأحدث الأساليب المعروفة باسم "تكافؤ الفرص المتدرج" للحصول على أصوات ودعم المواطنين وفقا لأهمية الحزب ونزاهته. 

هناك ما يزيد عن 200 دولة على الأرض اليوم، وكل منها يختلف في طريقة تعيين القواعد وتغييرها، وما إذا كانت هذه القواعد تنطبق على الجميع أو من يقرر ما إذا كان هناك انتهاك ما. كثيرا ما نتحدث في هذا السياق عن أشكال مختلفة من الحكومات. يمكننا أن نفرق بين ثلاثة أشكال مختلفة: حكومة في دولة وراثية "ملكية"، يمارس السلطات الثلاث شخص واحد فقط. حكومة الاستيلاء على السلطة عن طريق الانقلابات أو العنف: يتمتع الشخص الحاكم الوحيد "دكتاتور" أو مجموعة من الأشخاص بسلطة سياسية غير محدودة "غير رصينة". حكومة في نظام ديمقراطي: تشكل من خلال انتخابات نزيهة ومحاكم مستقلة وفق دستور يتميز بفصل السلطات ويضمن الحقوق الشخصية والسياسية لجميع افراد المجتمع.. بالنهاية، فان مسؤولية التغيير السياسي وإنهاء نظام حكم غير محدود نحو الإصلاح، تقع بالتأكيد في مثال العراق على عاتق النيرين، لا يميز بينهم في ذلك دين او عرق أو جنس.. فكما أن شن الولايات المتحدة عام 2003 الحرب على العراق كان بسبب أكذوبة، فان مجيئها المرتبك زمن الغزو بمجموعة ممن لا يفقهون بالسياسة وإدارة الحكم الى السلطة، اكذوبة كبرى، نتائجها لازالت حاضرة.. خراب وفشل ومجاعة وامراض وإفلاس.!

 

عصام الياسري

 

غانم المحبوبيتمر علينا في ألثلاثين من هذا ألشهر (حزيران) ألذكرى ألمئوية لإندلاع "إنتفاضة" ألعراق ألكبرى سنة ١٩٢٠ وكما يسميها ألأستاذ ألسيد عبد ألرزاق ألحسني في كتابه "ألثورة آلعراقية ألكبرى" ألصادر عن دار ألرافدين للطباعة وألنشر وألتوزيع في بيروت سنة ٢٠١٣. ليس ألغرض من قراءتي لهذا ألكتاب ألغوص في ملاحم ألبطولة وألإباء لآبائنا وأجدادنا أيام هذا ألحدث ألكبير وألمهم، ولا ألغوص في معاجم أللغة لكي نصنف ان كان هذا ألحدث ألخالد في تأريخ ألعراق ألحديث هو "ثورة" أم "إنتفاضة" شعبية بل إن غرضي ألأساسي هو قراءة جديدة لأهم مفاصل هذا ألحدث علنا نستخلص درساً مهماً ونصيحةً مفيدة تساعد ألعراقيين في ألتفكير ألسليم لمواجهة مشاكلهم ألحالية وألبدىء في ألطريق ألصحيح نحو ألأمان وألإزدهار.

ان مواجهة ألشعوب ألمضطهَدة لقوى ألإضطهاد إن كانت مستعمِرة أو غازية أو لسلطات محلية مستبدة يعكس إرادة ووعي وطني وإنساني لذلك ألشعب. أغلب هذه ألمواجهات تأخذ شكل "إنتفاضة" وليس بألضرورة "ثورة" شعبية. فألإنتفاضة هي ألشرارة ألقادحة لانطلاق ألثورة، وكل ثورة تبدأ بإنتفاضة شعبية وليس بألضرورة كل إنتفاضة تنتهي بثورة شعبية إلا إذا إكتملت فيها ألميزات ألأساسية للثورة. أن تكون ألثورة جماهرية ألمنطلق مُلَبية للمطالب ألعامة للناس وذات أغراض واضحة ومُبَرَرَة، لتحقيق تغيراً جذرياً وشاملاً في مختلف مجالات ألحياة لذلك ألشعب وألدولة. وألأهم من ذلك هو ميزة ألنضوج ألمعرفي ألعالي للثورة وللثوار في مجالات ألسياسة وألإقتصاد وأدارة ألدولة وغيرها. إن أهمية مثل هذا ألنضوج يجعل ألثورة قادرة أولا على حماية نفسها بعد نجاحها وإستمرارها ألمستقر بيد ألثوار ألشرعيين وألذين يمتلكون ألرؤيا ألمبدئية وألعملية لتحقيق أغراضها ألأساسية ألمشروعة بشكل سليم بعيداً عن تهميشها أو إنحرافها أو لربما ألسطو ألكامل على ألثورة من قبل قوى أخرى بعيدة عن آمال ألشعب.

للعراقيين ألحق أن يفتخروا بأن وطنهم هو أرض ألأحداث ألكبرى بما في ذلك من منجزات إنسانية عظيمة وإنتفاضات متعددة. ولكن ومع ألأسف ألشديد إن ما ينقص ألعراق وبأشد ألحاجة له خصوصا في ألوقت ألحاضر هو ثورة حقيقية يسعى لها عراقيون لا يكفي أن يكونوا مخلصين بل وذو خبرة مهنية واسعة في مجالات ألحياة وبمنهج علمي، يدركون متطلبات ألعصر ويتحلون بألإرادة وألقدرة لتحقيق أهدافهم في ألتحضر وألبناء وألإزدهار. إن ألتحلي بألكرامة وألعزة وألشجاعة لرفض ألظلم ومواجهة ألمستبدين له ضرورته ألعالية كألشرارة ألتي تقدح شعلة ألثورة ولكن ما هو أهم من ذلك هو ألحفاظ على مبادىء ألثورة وألإستفادة من ثمارها. دعونا نقرأ بعض أحداث ثورة/إنتفاضة ألعراق سنة  ١٩٢٠ ونقارنها بما يحدث ألآن في ألعراق، علنا نتعض منها شيئاً يفيدنا في مواجهة أزمات ألعراق ألحالية:

بدون أدنى شك إن إنتفاضة ألعشرين كانت جماهيرية ألمنبع ومعبرة عن طموحات ألعراقيين ألأساسية بشكل عام وبمختلف فئاتهم ألثقافية وألطبقية. فمن ألناحية ألثقافية كان ألثوار من كبار علماء ألدين ألحوزويين وكذلك كانوا من بسطاء أفراد ألمجتمع ذو ألأغلبية ألأمية آنذاك مروراً بمثقفي ومتعلمي ألمجتمع من مفكرين وشعراء ومهنيين. كذلك، من شارك ودعم هذه ألإنتفاضة ألجبارة هم من كبار تجار ألمدن ومن ألعمال وألفلاحين في ألقرى وألأرياف مروراً بشيوخ ألعشائر ووجهاء ألمدن. كان هناك غرض واحد أعلن عنه ألشعب ألعراقي وبدون تردد ألا وهو إستقلال ألعراق ألكامل من أي نفوذ خارجي وإنشاء دولة ذات سيادة وهوية إسلامية عربية. جاء هذا ألهدف ألثوري لإنتفاضة ألعشرين تلبية لقراءة صحيحة وسريعة للبلاغ ألبريطاني/ألفرنسي ألصادر في ٧ تشرين ألثاني ١٩١٨ وألمُعلن لتبرير إحتلالهم لجغرافية ألإمبراطورية ألعثمانية ألمهزومة ونصه: "إن ألغاية ألتي ترمي إليها كل من فرنسا وبريطانيا هي تحرير ألشعوب تحريراً تاماً نهائياً وتأسيس حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من رغبة نفس ألسكان ألمحليين ومحض إختيارهم".

وكما إعتاد عليه ألعراقيون عبر ألتأريخ، وما أشبه أليوم بألأمس عندما إدعى ألأمريكيون وألحلفاء عن هدفهم في تحرير ألعراق في ٢٠٠٣ وأنتهوا بألإحتلال، جائت في ١٩١٨ فتوى ألمرجع ألديني ألأعلى آنذاك ألشيخ محمد تقي ألحائري من كربلاء لتنسف أطماع ألمستعمرين بشكل قوي ونصها: "ليس لاحد من ألمسلمين أن ينتخب ويختار غير ألمسلم للإمارة وألسلطنة على ألمسلمين". وكتلبية متوقعة وسريعة لهذه ألفتوى أعلن أهل كربلاء عن موقفهم ألشعبي نيابة عن ألعراقيين بما عُرفَ يومها "مضبطة كربلاء" في كانون ألأول ١٩١٩ وفيها: "تقرر رأينا على أن نستظل بظل راية عربية إسلامية، فأنتخبنا أحد أنجال سيدنا ألشريف (حسين) ليكون أميراً علينا، مقيداً بمجلس منتخب من أهالي ألعراق، لتسنين ألقواعد ألموافقة لروحيات هذه ألأمة وما تقتضيه شؤونها". وفي كانون ألثاني  ١٩١٩ إجتمع أعيان مدينة ألكاظمية في بيت أغا حسن ألنواب ليعلنوا نفس ألموقف وبنفس ألنص ألمشار إليه في مضبطة كربلاء.

لم يكن هدف إقامة دولة مستقلة وذات سيادة كاملة صعب ألتحقيق من ألناحية ألمبدئية وألقانونية، آخذين بنظر ألإعتبار حجم ألإنتفاضة ألكبرى وأثرها ألسلبي على ألمستعمر، بل ومع ألأسف ألشديد كان ذلك ألهدف عاليَ ألسقف جداً من ألناحية ألعملية وذلك لعدم تحلي ألثوار أو ألمنتفضون بميزة ألنضوج ألفكري وألمعرفي وألتي تمكنهم في تحقيق هذا ألهدف بألشكل ألصحيح. نعم، كان ذلك موقفا ثوريا بطولي في مواجهة أقوى قوتيين دوليتين في ذلك ألوقت ولكن في ألقراءة ألمعاصرة كان خطأ إستراتيجا كبيراً وقع فيه ألثوار نتيجة لعدم فهمهم ألسياسي ألصحيح، فجاء خيارهم ألمطلبي "بإستيراد" ملكاً من خارج ألوطن، قراراً مبنيا على نزعات عرقية ودينية عشائرية بحتة بعيدة عن متطلبات ألتحضر وألإزدهار ألمعاصر. وبغض ألنظر عن مؤهلات ذلك ألملك رحمه ألله وعائلته ألمغفور لها، لا أفهم كيف شرعنَ ألعراقيون آنذاك لعائلة حجازية لم تتذوق طعم ألمواطنة ألعراقية ولم تحلم يوماً بتطلعات أهل ألعراق وتتفاعل مع روح أهزوجة ألثوار ألخالدة "ألطوب أحسن لو مكواري"، أن تُمنحَ مجاناً عرش ألوطن وبمباركة ألمستعمرين؟ كذلك كيف إطمئن ألعراقيون لهذا ألملك وليس لملك بريطانيا ألعظمى، على سبيل ألمثال، أن يكون حريصا على سيادة ألعراق ومصالحه ألوطنية بمجرد أنه ينتسب إلى بني هاشم؟ أهكذا توردُ ألإبلُ أيها ألعراقيين؟ أم هكذا تُبنى ألأوطان وتزدهر ألحضارات في عصرنا ألحاضر؟! إن دولة جلس على عرشها رجل ليس من أهلها هي دولة تنقصها أو على ألأقل مثلومة ألسيادة، كذلك ألآن إن دولة يتصدر قيادتها مَن هم غير مؤهلين لذلك سوى أنهم مِن سياسي ألصدفة هي دولة فاشلة. يقول ألسيد ناجي ألسويدي (رئيس وزراء ألعراق ألسابق) في ١٩٣٥ بعد ثورة ألعشرين وإستقلال ألعراق "... نعم قد إستفاد ألعراق سياسيا، ولو قدر له يُنظِمَ شؤونه ألإدارية وألإجتماعية وألمالية بأيادي أكثر مقدرة وأعلى ثقافة وأشد إخلاصا وأوسع تجربة وإطلاعا لكانت إستفادته أتمُ وأكمل ...". ثم يليه ألسيد ناجي شوكت (رئيس وزراء ألعراق ألسابق) في ١٩٥٢ "... ألذي يؤسفني كثيراً هو أن ألعراق إكتفى بثورته ألسياسية وتأخر عن ثورته ألإجتماعية ...".

بألإضافة إلى ذلك ألخطأ ألكبير، بتعيين ملكاً غير عراقي من قبل ألثوار ألحقيقيين نتيجة لسذاجة فهمهم ألسياسي وبراءة تفكيرهم ألعاطفي، يأتي ألتآمر ألأخطر من بعض وجهاء بغداد. فبينما تأتي مضبطة أعيان بغداد لتؤكد ما سبقها بضرورة إنشاء دولة واحدة عربية يرأسها ملك عربي مسلم، يصرح نقيب أشراف بغداد ألسيد عبد ألرحمن أفندي ألكيلاني (ألنقيب) عن موقفه ألمعارض لتعين أي عراقي على رأس ألحكومة بل يؤكد على وجوب إستمرار ألإدارة ألبريطانية للعراق وتواجد ألحاميات وألقواعد ألعسكرية فيه حفظاً للأمن. ولهذا، وما أشبه أليوم بألأمس، قرر ألسير برسي كوكس، ألمبعوث من قبل ألعرش ألبريطاني لتشكيل أول حكومة عراقية مؤقتة، أن يوكل رئاسة ألحكومة ألأولى إلى ذات ألسيد عبد ألرحمن ألنقيب إكراماً لموقفه "ألودي" من بريطانيا في تشرين ألأول ١٩٢٠، حيث تم تهميش وإنحراف أهداف ألثورة ألمبكر بل ألسطو ألكامل عليها. وهكذا ينتهي هذا ألحدث ألكبير وإن أثمر بإستقلال ألعراق ولكن، وكما هو ألحال في تأريخ ألعراق منذ ثورة ألعلويين/ألعباسيين ضد ألإضطهاد ألأموي ولحد ألآن، يُسَلم ألعرش لملك ليس له في أمر ألعراق ناقة ولا جمل، يشاركه رئيس حكومة لم يكن له في ألثورة حضوراً لا في عيرها ولا في نفيرها، سوى مناوئته لها وتودده للغزاة بألإضافة إلى أول مجلس لتسعة وزراء، جميعهم (عدا واحدا) ليسوا من ألثوار أو على ألأقل مِمَن يُمثلَ منهم حواضن ألثورة ألأساسية. يقول ألحاج عبد ألواحد ألحاج سِكَرْ (شيخ عشيرة آل فتلة وألمعروف يومها بقائد قوات ألثائرين) بكل أسى "... لم يستفد ألعراق وألعراقيون من ثورتهم بل على ألعكس إن ألذين ثاروا لم يحصلوا إلا على ألضرر ...". وأخيراً، يقول ألحاج عبد ألرسول تويج (أحد أعيان وأثرياء ألكوفة ألمُمَوِلون لثورة ألعشرين، وما زلت أتذكر حضوره ألمهيب في مدينتي وأنا صبي) "وقد صرفت من حلالي نحو ألفي ليرة ذهبٍ على هذه ألثورة، بغض ألنظر عن نتائجها ألتي سببت هدم أملاكي وسجني".

فبعد أن تحولت ثورة ألعشرين إلى إنتفاضة نقلت ألحكم من يد مستعمر أجنبي إلى يد مستبد محلي، وإنتهت ثورة ١٤ تموز إلى إنقلاب عسكري دموي حُكمَ به ألعراق لخمس سنين بلا دستور وإنتخابات حتى قُضيَ عليها، ودُفنت ألثورة ألشعبانية في مهدها في ١٩٩١ مع رجالها في ألمقابر ألجماعية، وتحول تحرير ألعراق سنة ٢٠٠٣ إلى إحتلال أمريكي تلته دولة فاشلة ولحد ألآن، وأخيراً انتهت ما سُميت بألثورة ألتشرينية ٢٠١٩ إلى أعمال شغب مشبوهة ألدعم وألنوايا، أما آنَ ألأوان للعراقيين أن يتحلوا بسلوك ألتسامح وألسلم مع بعضهم وينبذوا ألجهل وألعيش في كهوف ألتأريخ، ليبدؤا ثورة ألمعرفة وألعلم وألتحضر؟

 

ألدكتور غانم ألمحبوبي

ملبورن، أستراليا

٠١/٠٦/٢٠٢٠

 

 

بليغ حمدي اسماعيلفي أثناء إجراء حوار صحافي مع طلبة قسم الإعلام بكلية الآداب الذين يجهزون لإصدار جريدة طلابية متخصصة فاجأني أحد المحاورين بسؤال مفاده هل الإعلام في مصر هو سبب الأزمة المصرية الراهنة ؟ وجاءت الإجابة تأكيدا لما أقره الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة ضمن لقاءاته المجتمعية المتواترة بأن الإعلام ليس سببا مباشرا في صناعة الحدث المصري لكن هو بالفعل وسيط ثقافي أصبح تحريضيا أكثر منه تنويريا . وأنا بالفعل على قناعة تامة بأن الإعلام المصري اليوم الذي يطل علينا عبر وسائطه المرئية والمقروءة والمسموعة بات يحترف التحريض إلا من رحم ربي ولم يعد يكترث بوظيفته الأصيلة والراسخة في اعتقاد المتخصصين من رجال الإعلام والميديا بوجه استثنائي وهي تنوير الوعي وكشف الحقائق بصورة موضوعية بعيدة عن أية محاولات مشبوهة لتعزيز ثقافة الرفض والامتقاع والشجب المستدام .

وبرغم أن مصطلح الكونية من المواضعات الأكثر رواجاً في وسائط الإعلام المعاصر من صحافة وفضائيات وإذاعات مسموعة ومواقع ومنتديات إليكترونية، وبات من البدهي أن يحتل هذا المصطلح الحيز الأكبر من الجدال والنقاش في هذه الوسائط التي طفقت تفرد مساحات واسعة من الحوار وإبراز الخصائص والسمات وربما المناقب والمثالب له أيضاً .لكن لا يزال يصر إعلامنا المصري والعربي الموجه على أنه يقدم نفسه بدور المرشد والموجه والملقن والمحرض لا كما ينبغي أن يكون وسيطا يقدم المعرفة عبر رسالة شديدة الموضوعية بعيدة عن العنصرية والإقصاء والرؤية القاصرة .

وإذا كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجه انتباه الإعلام إلى أدواره الحقيقية لاسيما الدور المتعلق بخدمة الوطن واستقراره بوصف الإعلام أقوى تأثيراً مستخدماً في ذلك سحر وتحايل الصوت والصورة في التأثير على المشاهد والمستمع إلا أن هناك أصواتا إعلامية تصر على اغتيال عقل المواطن حينما تدغدغ مشاعره بأفكار وشعارات من شأنها تقويض هذا الوطن الكبير . هذا الشأن يتمثل تماما في القضية المصرية الراهنة المعروفة بجزيرتي تيران وصنافير والتي بفضلها استحال الشعب المصري عموما والسادة الأفاضل مقدمو البرامج الحوارية الفضائية بقامة الجغرافي الاستثنائي المفكر الجغرافي جمال حمدان، فصالوا وجالوا وفتشوا بخبراتهم المعتمدة فقط على محرك البحث جوجل في تأكيد مصرية الجزيرتين وكنت أفضل أن يكترث هؤلاء بعض الشئ بالمجمع العلمي ووثائق كتاب وصف مصر وخرائطه والذهاب إلى الإسكندرية لمكتبتها وليس شواطئها لتقديم معلومات وبيانات يسهل تصديقها لا كما رأينا منذ أسبوعين أصواتا مرتفعة وضجيجا عاليا ومزايدات وطنية أرهقت مسامعنا وعقولنا . هذا يدفعني إلى عدم الخوض مثل ملايين المصريين في تحديد مصرية الجزيرتين والأحرى أن ينشغل البرلمان المصري قليلا بهذا الموضوع بعيدا عن مناقشة بدلات حضور الجلسات ونفقات الانتقال إلى القاهرة وغير ذلك مما أشار إليه شاعر العربية الكبير أبو الطيب المتنبي بقوله وكم بمصر من المضحكات .

ورغم أن هذه السطور لا تتعلق أصلا بموضوع الجزيرتين، بقدر ما هو إطلالة سريعة على توصيف المشهد الإعلامي القائم الآن في مصر المحروسة، وهذا المشهد يمكن باختصار توصيفه بأن الفضائيات المصرية عموما استقرت على قرار هو وضع العقل المصري في بؤرة اهتمامها، وبالفعل بدأت هذه الفضائيات في حملة غسيل الأدمغة التي استهدفت تحقيق مآرب شتى، منها ما يتعلق بمحو الهوية الوطنية، وتخوين الآخر، وإضعاف الروح العامة والعزيمة، وإحلال قيم وأفكار باهتة تسيطر على مجتمعاتنا، وهكذا بدأ بعض الفضائيات وليست كلها في استدراج المشاهدين بعيداً عن حصونهم المنيعة التي تربطهم بالوطن، ثم العمل على تدعيم شعور عدم الثقة في نظامهم السياسي القائم .

ولاشك أنني وغيري كثير يرون أن بعض وسائط الإعلام المعاصر يستهدفون بشراسة إسقاط الدولة المصرية من خلال برامج ومقالات وحوارات تتجه صوب اشتعال الغضب الشعبي نحو الرئيس والنظام السياسي ومؤسسات الدولة ناهيكم عن اقتناص الإعلام الموجه إلى كل شاردة وواردة وصغيرة وكبيرة وأية إشارة أو لفظة تصدر من كل مسئول أو قيادي في مصر دون أدنى اهتمام بالوظيفة الرصينة للإعلام المصري الذي كان يوما ما رائدا في المنطقة .

والمتابع للصحف المصرية منذ شهر تقريبا يستقرئ على الفور هذه الحملة الشرسة التي تقيمها صحافة صفراء ومغرضة مسكينة لا تعبأ بقدر مصر ومكانتها وخطورة المرحلة الراهنة التي تتحكم في إحداثياتها قوى وتيارات ودول في سعي دائم لإسقاط مصر نهائيا وبدلا من أن تقوم هذه الصحف بأدوار مهمة لتدعيم الدولة لجأت إلى امتهان أدوار أخرى أكثر إثارة وهي التشويه والتحريض والتخوين وأخيرا الاستهتار والسخرية .

والفضائيات الغربية الموجهة وهي في سعيها الدءوب لزعزعة الهويات الدينية تعمل جاهدة على انتفاء الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية، عن طريق نقد الإنتاج الثقافي لهذا الوطن العربي الكبير، وإظهار أنه إنتاج ثقافي بائد لا ولن يتسم بالجدة والحداثة والمعاصرة، حتى يصلون بذلك إلى هدفهم الرئيس وهو التشكيك في قيمة مصادر الإسلام الحنيف القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة . ولاشك أن هذا السعي الخبيث يشكل تقويضاً خطيراً للهوية العربية والإسلامية التي نمتاز بها، ولولا اهتمام بعض الهيئات والوزارات كالأوقاف والشئون الإسلامية والأزهر الشريف وبعض المؤسسات والمنظمات الدينية بتوعية الشباب وتكريس نزعة الاعتداد بالثقافة الإسلامية لفسد حال هؤلاء ولضن علينا معالجة أوجه القصور والخلل .

وإذا كنا في بعض الأحايين المضطربة سياسيا ومجتمعيا نحمد الله أن الوطن يحظى باهتمام واسع من قبل مؤسساته وأجهزته الرسمية للحفاظ على الهوية المصرية،و حيث إن كليات الإعلام وأقسامه ومعاهده الضاربة بطول مصر وعرضها سواء الرسمية أو تلك المعاهد المقامة تحت بير السلم  تؤكد جميعها على حقيقة راسخة هي أن الإعلام العربي الرشيد يعي جيداً أنه يقوم بمسئولية شاقة وقيمة وهي الحفاظ على الهوية المصرية واستقرار البلاد بصورة مستدامة، مع مراقبة ما تبثه الوسائط الإعلامية الغربية من لغط حول مصر وأهلها للرد عليها ودحض أفكارها المشوهة. لكن الواقع لا يفي بذلك بل إن إعلامنا لا يكترث بفضائح وأزمات أخرى وكوارث تقع بالكرة الأرضية وخير مثال على ذلك أن الإعلام المصري على وجه الاختصاص على خصومة من الأخبار الواردة بشأن تزوير التركي أردوغان لشهادته الجامعية والتي أعقبها حادث مصرع مكتشف فضيحة التزوير . وبالمناسبة الشهادة الجامعية شرط أساسي ورئيس للترشح لمنصب رئيس الجمهورية في تركيا التي لا تزال تدعم الإرهاب بل ويظل حلمها وهواجسها ومطامحها تتمثل في ثلاثة أركان لا أربعة عودة الخلافة العثمانية المريضة والفقيرة ثقافيا وحضاريا لأنها قامت على سواعد المصريين وحدهم والتاريخ كفيل بإثبات ذلك، والركن الثاني هو الارتماء في أحضان القارة الأوروبية التي تزال ترى في تركيا دولة متخلفة رغم أنها خلعت طربوشها وحجابها وطرحها الديني وصارت علمانية حتى النخاع أكثر من العلمانيين أنفسهم .

أما الركن الثالث والأخير فهو مصر، آه على مصر تلك التي تؤرق تركيا حكومة وقادة وسياسيين هنالك،  فأردوغان وعصابته يرون في مصر حاضرة الشرق الأوسط القوية بأهلها وشعبها وجيشها العظيم قاهر الصهاينة واستحال حلم العصابة التركية هو زعزعة استقرارها وتفتيت وحدة شعبها والحمد لله أن الشعب والجيش والنظام السياسي على وعي تام وكامل بفحيح تركيا وخبث أغراضها صوب مصر .

ومن هنا كان للإعلام المصري دور مهم في الالتزام بنقل المعارف والمعلومات والبيانات بالإضافة إلى التوعية المستمرة لحملات تشويه مصر وتدعيم أركان الثقافة المصرية  لدى جمهور المستهدفين الذين تركوا أدمغتهم لبعض البرامج التي تستهدف تشويه مصر العظيمة . الغريب في الأمر أن هذه الوسائط الإعلامية التي تدعي الكونية والعولمة والمنادة بثقافة واحدة يلتزم بها الجميع أن نجدها تفرض وصايتها الإعلامية على العقل المصري، فهي تنادي بشئ وتقوم بعمل آخر، فهي تصر على احتكار نقد الوطن، ونقد الرموز والقامات الفكرية المصرية، دون أدنى إشارة إلى ما يحدث ببقاع الأرض المعمورة .

والمستقرئ لما تبثه بعض هذه الوسائط الإعلامية من صحافة وفضائيات وإذاعات ومواقع إليكترونية يدرك على الفور زيف الشعارات التي ينادي بها هؤلاء الكوكبيون أو العالميون، ففي الوقت الذي يطلقون العنان لحرية الرأي والتفكير يقيمون سياجاً وعوائق ذهنية أمام الرأي الآخر، فإذا هم مصر وسياساتها ومؤسساتها التي بالفعل عليها الكثير أيضا من مهمة التطوير والتحديث،  فعلى الجانب الآخر يرفضون رفضاً شديداً في أن يظهر أحد المفكرين المصريين في وسائطهم التي تبدو مشبوهة الهدف والعرض والتناول  للحديث عن مثالب الدول التي تهاجم مصر . وهذا الترصد الواضح من قبل وسائط الإعلام يجسد عن قرب حقيقة العداء المباشر لمصر والمصريين،

وبهذه الصورة الإعلامية الموجهة ضد مصر ورموزها أيضاً فمما لا يدع مجالاً للشك هو وجود مؤامرة قصدية للتآمر على معالم الوطن، ولكن الخطر الحقيقي هو تقاعس الكثيرين من السياسيين ورجال التاريخ والخبراء  عن الرد على تلك الافتراءات التي لا تنقطع ليل نهار، وبل وأصبح بعض المؤسسات العربية بوسائطها الإعلامية في بلداننا العربية مشغولة بالشأن الداخلي لمصر دون التعريض لأية حوادث أخرى تجري بأوطانهم .

ومن هنا ينبغي على كافة الوسائط الإعلامية الإسلامية والمؤسسات الإعلامية الرسمية وغير الحكومية في وضع خطة سريعة لمواجهة مثل هذه الحملات المريضة التي لا تنقل أخبار مصر بل تشوه سمعتها فحسب، كذلك تلك المؤسسات التي تشوه صورة الإسلام والمسلمين، وتجعل الإسلام وجهاً لعملة الإرهاب والتطرف رغم أن الإسلام هو دين الوسطية والاعتدال وينبذ كافة صور العنف والتطرف والغلو في الدين والمعتقد . ولابد وأن تهرع الحكومة المصرية  بالاهتمام بمثل هذه المؤامرات، ولا ينبغي أن نغرق حتى أذنينا في هوس الدفاع بدلا من النهوض بالوطن . 

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م )

كلية التربية ـ جامعة المنيا