باسم عثمانصوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتاريخ 15/11/2019، لصالح تجديد ولاية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، بدعم 170 دولة، مقابل معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل، وامتناع 7 دول، ضمن مشروع قرار مساعدة الشعب الفلسطيني الذي تقدمت به اللجنة الرابعة للسياسات وإنهاء الاستعمار, وأوضح بيان الأمم المتحدة عقب جلسة التصويت أن الجمعية العامة قررت تمديد ولاية الأونروا حتى 30/6/2023، دون تعارض مع الفقرة 11 من القرار الأممي رقم 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، لكن الجمعية العامة أعربت عن قلقها من الآثار السلبية للأزمة المالية الحادة للأونروا على مواصلة تقديم خدماتها.

ولان قضية اللاجئين الفلسطينيين قضية سياسية وقانونية وانسانية بامتياز، لم ولن تنهيها كل المؤامرات التي تستهدفها سواء بمشاريع التوطين او بتغيير مفهوم وتعريف (اللاجئ)؟!،او بالاتفاقيات الثنائية السلطوية؟؟,او بتجفيف منابع الدعم المادي للأونروا بهدف تهميشها والغائها كشاهد حي على الحقوق القانونية والسياسية للاجئين الفلسطينيين, الذين هجروا من ديارهم وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم بالقوة وتقزيم قضيتهم الى قضية إنسانية فقط , لذلك, لا ينتهي الامر عند قرار تجديد التفويض بل يجب ان يترافق هذا الاعلان التأكيد على تحسين شكل الخدمات التعليمية والطبية والاجتماعية لكافة التجمعات الفلسطينية داخل الوطن الفلسطيني والشتات.

ان الأونروا قامت بدور يوازي حكومة فلسطينية في المنفى في خدمة رعاياها، ولا سيما قبل تولي منظمة التحرير الفلسطينية زمام القيادة في منتصف الستينيات من القرن الماضي, ولكن بعد توقيع إعلان المبادئ مع “إسرائيل” في عام 1993وجدت الاونروا نفسها في معترك ومناخ عدم الثبات والتجانس في خضم مسرح المصالح السياسية الدولية المتضاربة, وهي ليست فوق تداخلات المصالح السياسية الإقليمية والدولية, ولكن صمودها لغاية الان في هذا المناخ السياسي الراهن ,دليل على مسؤوليتها الدولية السياسية والقانونية لحقوق اللاجئ الفلسطيني وحقه في العودة الى دياره و ممتلكاته بموجب القرار السياسي الاممي رقم 194 .

وقبل استقالة كرينبول من منصبه بتاريخ 6/11/2019، على إثر تحقيقات "بالفساد"، أشار إلى أن الأونروا تعاني من "مخاطر وجودية"، وأضاف خلال مقابلة له بتاريخ 18/11/2019، بأن "التحقيق نابع من دوافع سياسية"، "واستغل هذا التحقيق في أوج تطبيق صفقة القرن."

الأونروا في أعقاب أوسلو:

ظل اللاجئون الفلسطينيون منذ نكبتهم وقبل ظهور منظمة التحرير الفلسطينية يرفضون بعفوية خطط الاندماج أو التوطين, حيث أصر معظم اللاجئين بأن وضعهم كلاجئين كان مؤقتا ورفضوا بحزم خطط تحسين البنى التحتية في المخيمات كما رفضوا استبدال سقوفهم "الزينكو" بسقوف إسمنت, وبحلول منتصف عقد الستينيات، تزامن صعود نجم منظمة التحرير الفلسطينية وانفتاح الأسواق الخليجية امام العمالة الفلسطينية, هذا الشعور الجديد بالتمكين الاقتصادي و السياسي وتنامي قوة منظمة التحرير الفلسطينية, خلق روحا من الثقة السياسية لدى الشعب الفلسطيني تراجعت فيها نفوذ الأونروا ومكانتها الرئيسية، ولكنه لم ينتقص من أهمية الدعم المادي الذي كانت تقدمه للكثير من أسر اللاجئين الفقيرة.

لقد زاد حضور منظمة التحرير الفلسطينية جرأة الفلسطينيين وشجعهم على الوقوف في وجه اختزال تطلعاتهم السياسية وحقوقهم القانونية الى مجرد قضية إنسانية، ولكن تفاقم موقف المنظمة بتوقيعها في عام 1993 على إعلان المبادئ المنشئ للسلطة الفلسطينية والذي مثل تحولا جذريا في السياسة الوطنية الرسمية وبداية الانقسام الفلسطيني الحاد على صعيد التوافق في الاجماع الوطني.

لقد أسفر إعلان المبادئ والاتفاقات اللاحقة والمعروفة عموما "بعملية السلام" –أوسلو-عن إقصاء لاجئي نكبة عام 1948 لأن الإطار الأمريكي-الإسرائيلي الذي ارتكزت إليه هذه الاتفاقات لم يكن قائما على القانون الدولي فضلا عن أنه تجاهل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

الاونروا والحق الفلسطيني:

لقد ساور اللاجئ الفلسطيني القلق عندما أعلن المفوض العام بُعيد توقيع إعلان المبادئ بأن وكالة الأونروا سوف تتهيأ على ضوء "عملية السلام،" لحل نفسها في غضون فترة مدتها خمس سنوات، وقد تفاقم الاضطراب السياسي جراء قرار الوكالة القاضي بتمويل برنامج "إقرار السلام" الرامي إلى مساعدة السلطة الفلسطينية في تشييد بنيتها الأساسية.

لقد كشف برنامج "إقرار السلام" بأن وكالة الأونروا ليست في منأى عن الوسط السياسي، وإنما متورطة للغاية في الترتيبات السياسية المحلية والدولية المتغيرة فالتأييد العلني الذي أبدته الأونروا لمفاوضات أوسلو السياسية، وخططها آنذاك الهادفة إلى "حل" نفسها، والخطوات التي اتخذتها لمساعدة السلطة الفلسطينية في بناء مؤسسات "الدولة" قبل حل مشكلة اللاجئين، كشف عن الصلات المعقدة بين المجالين الإنساني والسياسي.

لقد عطلت "أوسلو" م.ت.ف وأفرغتها من سلطتها وفعالياتها السياسية من خلال تفتيت مؤسساتها الوطنية ، وتوجيه الموارد والتركيز السياسي نحو "الداخل" -الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية -على حساب اللاجئين، ورغم الولاء الذي تظهره السلطة الفلسطينية بشعاراتها لحق العودة، مركز نضال الفلسطينيين , فإنها دفنت هذا الحق تحت عناوين سياسية متعددة، مما أسفر عن نشوء مزاج سياسي تشاؤمي في أوساط اللاجئين في المنفى, أما الأونروا فقد استمرت كمؤسسة ترمز إلى المصير السياسي المعلق للاجئي عام 1948 وحقهم في العودة المُهمَل والساقط فعليا بحكم المبادئ الناظمة لاتفاقات أوسلو.

إن لوكالة الأونروا أهمية بالغة في ظل المناخ السياسي الراهن بالنسبة للنضال الوطني الفلسطيني وذلك للأسباب الرئيسية التالية:

- الوكالة طرف موقع على كافة قرارات الأمم المتحدة بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

- برزت الأونروا -في ظل غياب جبهة وطنية تحتل فيها قضية اللاجئين مكانة مركزية في مشروع التحرير-كمؤسسة تحافظ على إبراز اللاجئين على الساحة الدولية وتشير إلى أن ولايتها لا تزال قائمة.

- الأونروا تبقى في ظل غياب مؤسسات الدولة، الخازن الأوحد والأهم للذاكرة الفلسطينية التاريخية لأكثر من سبعة عقود، فقد احتفظت بسجلات اللاجئين منذ مطلع الخمسينيات وجمعت ذاكرة مؤسسية تشهد على هذا التاريخ الجمعي، ومع ذلك، فهذه الأسباب وغيرها لا تبرئ الأونروا من التلاعب بها سياسيا وبما ينسجم مع مصالح القوى الدولية الكبرى، وهو ما يتطلب موقفا متيقظا من الفلسطينيين حيال توجهات الوكالة وسياساتها وبرامجها الحالية والمستقبلية.

لذلك، يمنح تجديد ولاية الأونروا لثلاثة أعوام مقبلة في حال إقراره المرتقب بشكل نهائي في كانون الأول/ديسمبر 2019 فرصةً لاستمرار عملها بشكل طبيعي ويعزز قدرتها على تجاوز أزماتها المالية والإدارية ويحافظ على تقديم خدماتها للاجئين عند التزام المانحين ماليا ودوريا.

كانت ولا زالت وستبقى الاونروا كمؤسسة دولية كلمة للقانون الدولي رغم تداعياته الدراماتيكية على خشبة المسرح السياسي الدولي.

 

د. باسم عثمان - كاتب وباحث سياسي

 

محمود محمد عليبدأت إدارة أوباما تبرز وتجسد أمام الرأي العام الأمريكي أنها ترفض هذا الانقلاب العسكري (حسب زعمها)، وتطالب بإطلاق سراح الرئيس مرسي، وأخذت تلوح بوقف مساعدتها السنوية لمصر، فقد أصدر الرئيس أوباما بيانا للتعليق علي الأحداث في مصر، مساء الخميس 15 أغسطس 2013، مقررا إلغاء المناورات العسكرية المشتركة بين مصر والولايات المتحدة "النجم الساطع" والتى تعد أحد أهم تجليات التعاون العسكري بين البلدين، وندد أوباما باستخدام "العنف" والإجراءات الأمنية التى اتخذتها الحكومة، فيما طالب المتظاهرين بالزام السلمية وأدان أعمال العنف والهجوم على الكنائس وذلك حسب ما ذكره د. علي الدين هلال في كتابه فكرة الدولة.

وبدأت القناة الإخبارية الأمريكية CNN تتبنى ادعاءات أوباما وبثها على المجتمع الدولي من خلال إلقاء الضوء على أنصار الرئيس المعزول والمرابطين أمام مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر بالقاهرة، وبث أحاديث تليفزيونية معهم توصف الأحداث في مصر بالانقلاب العسكري .وبدت المذيعة الأمريكية "كريستيانا أم نيور"، أكثر انفعالا وتوترا على غير العادة، وهى تستعرض إيهامات وصورا ذهنية تؤيد فكرة الانقلاب العسكري، وتستضيف ضيوفا يتبنون الفكرة، ويعد أهم الضيوف على الإطلاق التى استضافتهم كريستانا هو، الزعيم الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، الذي خرج على الشاشة الأمريكية ليؤكد أن ما يحدث في مصر هو انقلاب عسكري.

ولم تكتف إدارة أوباما بذلك، بل أخذت تتحالف مع بعض الدول العربية وغير العربية من أمثال قطر وتركيا إلي ضرورة إنشاء قنوات إعلامية غير القنوات التى جُندت في ثورة 25 يناير، تعمل ليلا ونهارا علي إبراز أن الحدث الانقلابات منافي لكل القيم والمبادئ الأخلاقية، وأنه لا بد من عودة الرئيس الشرعي المنتخب، ولا بد من تحريك كل منظمات المجتمع المدني والطابور الخامس إلي محاربة الانقلاب، فتم إنشاء مجموعة قناة مكملين وقناة الشرق وقناة الوطن وغيرها لتصوير ثورة 30 يونيو بأنها انقلاب عسكري، ولا بد من خروج كل طوائف الشعب المصري المعارض لهذا الإنقلاب والمؤيدة لحكم الإخوان من ضرورة الاعتصام في الشوارع والميادين لمقاومة هذا الانقلاب.

وهنا عقب الثالث من يوليو وإعلان المجلس العسكري أداء الرئيس المؤقت عدلي منصور رئيسا مؤقتا لجمهورية مصر العربية، بدأت معظم فصائل الإسلام السياسي والمؤيد لحكم الرئيس مرسي بالاعتصام في ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة، واستمر هذا الاعتصام لمدة 45 يوما . وخلال هذه الفترة  بدأت ردود أفعال جماعات الإخوان المسلمين والمؤيدة لها في إرسال رسائل للجيش المصري، والقيادة المصرية تنذر بحرب أهلية طاحنة إذا لم يعود الرئيس مرسي إلي سدة الحكم، فها هو ذا أيمن الظواهري، الرجل الأول في تنظيم القاعدة، يوجه رسالته عبر شريط فيديو مسجل يعلن تأييده لما سماه "شرعية الرئيس السابق" ويدعو أنصاره لتقديم الضحايا والقرابين، وها هم قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم الرئيس السابق محمد مرسي، ومرشد الجماعة في مصر، ود. محمد بديع، وغيرهم، وقد رفعوا لواء الجهاد في سبيل الله ضد الشعب المصري الأعزل، وقد تبنوا دعاوي الفتنة والاقتتال في سبيل استرداد الحكم، ليخرج أنصارهم وعناصر من الجماعات الجهادية في مصر رافعين أعلام ورايات تنظيم القاعدة والجهاد، ملبية لنداء قياداتها، ومعلنة الحرب على الشعب المصري في ربوع مصر، لتبدأ جماعات السلفية الجهادية مدعمة بالإرهابيين، الذين تم الافراج عنهم بقرار جمهوري من الرئيس السابق، في أثناء فترة حكمه في تنفيذ عمليات انتقامية في الشيخ زويد ورفح المصرية، ومدينة العريش بمهاجمة الكمائن الأمنية، وقطاعات الأمن المركزي، وأقسام الشرطة . ويعلن قيادي الجماعة محمد البلتاجي، من داخل اعتصام رابعة العدوية، عن وقف العمليات الإرهابية في سيناء في الثانية التى يعود فيها الرئيس السابق إلى الحكم . الأمر الذي يعنى أن الإخوان المسلمين هم العقل المخطط والمدبر لكل هذه العمليات الإرهابية في محاولة يائسة منهم للعودة للحكم .

كما بدأت تظهر دعاوي من منصة اعتصام "رابعة العدوية" لقيادات جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم بالتدخل لإنقاذ حكم الرئيس مرسي ؛ حيث وجه د. عصام العريان، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، كلمة للإدارة الأمريكية موجها سؤاله لهم :"كم من الشهداء والضحايا تحتاجون حتى تقولوا كلمتكم".  ولم يكتف جماعة الإخوان، بل أخذوا يتبنون لغة الخطابة الإسلامية التى تشحذ الهمم، وتلهب الحماسة لدي أنصار الجماعة، وتكشف الأساليب الرخيصة في السيطرة على عقول البسطاء حينما يخرج أحد الشيوخ على المنصة ليدعي أنه رأي سيدنا جبريل يصلي معهم في الميدان، وآخر يدعي أنه رأي رؤية في المنام؛ أن الرسول الكريم كان موجودا بينهم في جلسة، وحينما أذن للصلاة طلب سيدنا محمد من الحضور أن يجعلوا محمد مرسي إماما للصلاة ليضج المكان بالتصفيق والتكبير، بعدها تظهر دعاوي الاستشهاد في سبيل عودة محمد مرسي للحكم، ومن يُقتل سيتم وضع صورة الرئيس بجواره داخل القبر للتخفيف من عذاب القبر عليه، وتتوالي الأيام وشيوخ الضلال يخاطبون المعتصمين من فوق منصة رابعة مؤكدين لهم أن الاعتصام في رابعة أفضل عند الله من العمرة والحج، وأن عزل مرسي أكبر إثما وأعظم شركا عند الله سبحانه وتعالي، من هدم بيت الله الحرام، وأن من لا يؤمن بعودة مرسي للحكم يشكك في وجود الله . والمدهش هذا المشهد الذي تظهر فيه سيدة فقيرة من داخل اعتصام رابعة العدوية، وهي تروي للمذيع الأصناف المتعددة من المأكولات والعصائر التى تقدم مجانا للمعتصمين، وتمنياتها بعدم عودة مرسي للحكم لتظل في اعتصامها، حيث يتوفر المأكل والمشرب مجانا.

ولم يكتف دعاة الإخوان بهذه الله، بل اتجهوا من ناحية أخري إلي استخدام العنف عن طريق استخدام حرب العصابات عن طريق استخدام القنابل والتفجيرات، بيد أن الجيش تمكن من إبطال معظم هذه المحاولات، فمثلا تم إبطال مفعول قنابل بجوار محطة متروا جامعة القاهرة، وتم القبض على عامل فنى بمترو الأنفاق يعبث في مسار تحويل عربات المترو بمحطة السادات وملثمين يستقلون دراجات بخارية تفتح النيران على كنيسة بمدينة بورسعيد، وشهدت الشوارع المصري أثناء فترة اعتصامي رابعة والنهضة حمامات من الدم على إثر إطلاق النيران بشكل عشوائي، وزجاجات المولوتوف من نهاية القرن الماضي، ومشاهد من الإسكندرية لجماعات إرهابية تلقي بطفل في عمر الزهور من فوق سطح أحد المباني، وتتجلي أقصي درجات ممارسة الإرهاب على الشعب المصري في مشاهد قتل المواطنين في حي المنيل بالقاهرة، حينما اعتلي هؤلاء الارهابيون سطح مسجد صلاح الدين الأيوبي ليفتحوا نيران الغدر على المواطنين العزل في الشارع ليقتل على إثره 12 من المواطنين الأبرياء، ثم بعد ذلك اعتلاؤهم لمسجد الاستقامة بالجيزة وضرب المارة بالرصاص الحي ليُقتل 9 مواطنين أبرياء لا ذنب لهم، ناهيك عن أحداث الإرهاب والترويع للمواطنين في محافظات المنيا وأسيوط والأقصر، وخاصة مع الإخوة المسيحيين، في محاولة يائسة منهم لنشر بذور الفتنة الطائفية.

وعلى غرار أحداث محمد محمود عام 2011، لرفع كُلفة القمع بتحويل الاعتصام إلى مظاهرات متحركة كما تمت دراستها داخل اكاديمية التغيير القطرية، فقد قام معتصمو مسجد رابعة العدوية بتحويل اعتصامهم داخل ميدان رابعة إلى مسيرات متنقلة خارج الاعتصام، وتم التحرك نحو مقر الحرس الجمهوري في محاولة لاقتحامه بالأسلحة الآلية وقنابل المولوتوف بعد صلاة الفجر، الأمر الذي أجبر القوات المسلحة المصرية على استخدام حقها الشرعي والقانونى في الحفاظ على أمن المنشأة العسكرية، وبذلك تحقق المستهدف من الحدث، وسقط عشرات القتلي ومئات من الجرحي التقتهم عدسات قناة الجزيرة كالمعتاد، وقامت بتصدير المشهد في صورة الجيش المصري الذي يقوم بقتل المصلين العُزل، وهم ساجدون أثناء تأديتهم لصلاة الفجر على غير الحقيقة.

استمرت الحال على ما هي عليه من الأرض، اعتصام مفتوح للتيارات الإسلامية في ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر، وفي ميدان النهضة بالجيزة طوال شهر رمضان المبارك مع صدور فتوي من الشيخ القرضاوي، الذي أجاز الإفطار في شهر رمضان بدعوي وجود المعتصمين في ساحة الجهاد، وتظهر مجددا دعاوي جهاد النكاح داخل ميداني رابعة العدوية والنهضة، تلك الفتوي التى أطلقها الشيخ محمد العريفي للفتيات المسلمات في سوريا. ويصبح المصريون يوميا على جثث مجهولة تظهر عليها علامات التعذيب ملقاه في الشوارع الجانبية المطلة على ميدان رابعة العدوية بصورة ممنهجة، مع مشاهد لأشخاص يخرجون على شاشات التلفاز يصف أصحابها كيف تم تعذيبهم والتنكيل بهم من بتر الأصابع فالصعق بالكهرباء في أنحاء متفرقة من الجسم، وتم الشك في هويتهم، على حد قولهم، مع عمليات كر وفر أثناء المسيرات التى تخرج من قلب الاعتصام لتجوب شوارع مصر تارة بالسلمية،وتارة أخري يتم استخدام الأسلحة فيها ضد المارة من المصريين، وتتعالي أهالي رابعة العدوية بحجم الضرر البالغ الذي يقع عليهم جراء هذا الاعتصام خلال مداخلات تلفزيونية على شاشات الفضائية يصرخون ويبكون متوسلين أن يتم فض الاعتصام بالقوة للخلاص من هذا الجحيم، وخصوصا أن الأهالي بدأوا في رصد أسلحة متعددة تدخل إلى مكان الاعتصام، وصفوها بالأسلحة الثقيلة . تلك الشهادات التى أتت مطابقة للتقارير الأمنية التى رصدت وجود قناصة تعتلي أسطح المنازل من خلال كاميرات الطائرات الهليوكبتر التى تحلق فوق المعتصمين ومن خلال الأقمار الصناعية المصرية. الأمر الذي ينبئ بوقوع ضحايا ضخمة في حالة اتخاذ قرار بفض الاعتصام من الدولة التى ظهرت قياداتها منقسمة على نفسها حيال اتخاذ مثل هذا القرار .

وهنا قررت الدولة المصرية من خلال جيشها العظيم عدم السكوت على تلك المحاولات التى تحاول إسقاط الدولة إلى فض اعتصامي رابعة والنهضة وذلك في 14 أغسطس، حيث قامت قوات الشرطة والجيش بالتحرك لفض اعتصامات المعارضين لثورة 3 يوليو 2013 في مصر؛ حيث بدأ تحرك قوات من الشرطة تجاه المعتصمين في ميداني رابعة العدوية بالقاهرة وميدان نهضة مصر بالجيزة وأغلقت الطرق المؤدية إليهما، وصاحبت القوات جرافات للعمل على إزالة حواجز وضعها المعتصمون. قبل بدء العملية، أعلنت الشرطة أنها ستوفر ممرات آمنة لخروج المعتصمين. ثم تبع ذلك في حوالي الساعة الثامنة صباحا إطلاق كميات كبيرة من القنابل الدخانية المسيلة للدموع، وفي حوالي التاسعة صباحا تقدمت قوات الشرطة لفض اعتصام ميدان نهضة مصر أولًا، وصاحبت الشرطة مجموعات باللباس المدني أزالت الخيام واللافتات المؤيدة للرئيس المعزول. أظهرت الشرطة مقاطع فيديو تبين العثور على أسلحة وذخائر داخل نعوش في الاعتصام.

ولأن الجيش المصري قد تعلم الدرس جيدا من الماضي، فقد استخدم كاميرات لتسجيل الحدث بالكامل، فبثته كل القنوات الفضائية مع صباح اليوم التالي، ليكتشف الشعب حقيقة المؤامرة والخداع الذي يمارسه التيار الإسلامي وقناة الجزيرة القطرية، وCNN الأمريكية عليهم منذ بداية المؤامرة .وكان أكثر المشاهد إثارة للدهشة مشهد أحد مؤيدي الرئيس المعزول، وهو يقوم بضرب أحد المعتصمين من نفس الفريق من الخلف بطلق ناري أمام ساحة الحرس الجمهوري ليريده قتيلا، ومشهد آخر يُصور من داخل اعتصام أنصار الرئيس المعزول عند جامعة القاهرة بالجيزة؛ حيث يظهر أحد الإسلاميين وقد صوب مسدسه على زميل له من الخلف كان يسير بجوار مدرعة للجيش المصري ليتم إلصاق التهمة بالجيش، الأمر الذي يعيد لأذهان المصريين كيف كان يتم قتل الثوار داخل ميدان التحرير، وفي أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء بطلقات رصاص من الخلف يتم تصويبها من مسافة قريبة من القتيل ويصبح الفاعل مجهولا.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ابراهيم أبراشالنظام السياسي الفلسطيني بمؤسساته ونخبه، والذي ظهر مع السلطة الفلسطينية وارتبط بها، وصل إلى حافة الانهيار الكامل، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهي نفس الحالة التي وصل إليها ما يسمى (مشروع المقاومة) الذي تبنته حركة حماس وأحزاب أخرى كبديل للنظام الأول ونهجه .

وقبل الاستطراد يجب التمييز بين المشروع الوطني والنظام السياسي .المشروع الوطني تعبير عن آمال وطموحات الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال وهو تجسيد للمرجعيات والثوابت المستمدة من العلاقة التاريخية بين الشعب الفلسطيني وأرضه وهي علاقة أكدتها المواثيق والقرارات الدولية كحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه وحقه بدولة مستقلة، كما أن المشروع الوطني مشروع الكل الفلسطيني والتوافق الوطني وليس مشروع حزب بعينه ولا يجوز أن يكون لكل حزب مشروعه الوطني، أما النظام السياسي، سواء كان منظمة التحرير أو السلطة، فهو أداة مؤسساتية لتحقيق هذا المشروع، وأي خلل في الأداة قد يُعيق انجاز المشروع الوطني ولكنه لا يلغيه .

وعليه فإن الخلل يكمن في النظام السياسي بمؤسساته ونخبه الحاكمه وليس في المشروع الوطني مشروع كل الشعب الفلسطيني .

فكيف نتحدث عن نظام سياسي عندما : تستسلم مكونات النظام السياسي الفلسطيني لواقع الانقسام بل وتقبل بتقاسم جغرافي بينها، تغيب استراتيجية وطنية لمقاومة الاحتلال بل ويتم التخلي عنها عملياً باتفاقات هدنة أو بالتنسيق الأمني، عندما تتآكل منظمة التحرير وتموت ببطء و يتم تهميش وتجاهل نصف الشعب في الشتات، عندما يتم حل المجلس التشريعي، عندما يتم محاصرة السلطة الوطنية وتجريدها من مهامها الوطنية وتحويلها لمجرد مؤسسة تتكفل بتدبير أمور الحياة المعيشية اليومية للشعب في ظل الاحتلال ودون أن تستطيع منع إسرائيل من هدم منزل أو إقامة مستوطنة أو مصادرة بيت أو اعتقال مواطن حتى داخل مناطق نفوذها، وعندما يصبح مقاتلو حركة حماس حرس حدود للحفاظ على بقاء سلطة حركة حماس في قطاع غزة الذي خرجت منه إسرائيل وفصلته عن بقية مناطق السلطة خدمة لمصالحها الاستراتيجية؟ .

وكيف نتحدث عن نظام سياسي عندما :تتفكك المنظومة القيمية وتتضعضع الهوية الوطنية الجامعة، وينهار النظام الاقتصادي وتصبح الحكومة مفلسة وأوشكت أن تفلس معها البنوك الوطنية، وعندما يصبح الاهتمام الشعبي منصباً على قضايا ثانوية مثل رواتب الموظفين ونسبتها ورواتب الوزراء وفضائحها، المساعدات القطرية كم قيمتها ومتى تصل وما مقابلها، مخصصات الشؤون الاجتماعية، هجرة الشباب وحديث التهجير الجماعي، أموال المقاصة مع إسرائيل، حالات الفقر والتسول في قطاع غزة؟ .

وكيف نتحدث عن نظام سياسي مع تراجع وضعف مؤسسة القيادة بحيث لم يعد احد يعرف مَن يتخذ القرار وكيف يتم اتخاذه، وهل مرجعيته وموئله منظمة التحرير أم السلطة أم حركة فتح أم نخبة خفية تعمل بصمت وكل المؤسسات السابقة فقط للتغرير والخداع وإيهام الشعب بوجود نظام سياسي وقرار وطني؟وهل القرار الوطني ما زال وطنيا؟.

وكيف نتحدث عن نظام سياسي هدفه إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة وغزة عاصمتها القدس بينما أراضي الضفة تُهود وتُزرع بالمستوطنات كل يوم والقدس أصبحت خارج إشراف السلطة الوطنية وصيرتها إسرائيل عاصمة لها وواشنطن تشرعن الاستيطان دون أن يستطيع النظام السياسي الرد إلا ببيانات التنديد والاستنكار، أما غزة فأصبحت كيانا ونظاما سياسيا قائما بذاته خاضع لتوازنات وأجندة إسرائيلية وإقليمية ودولية؟ .

عندما تصل الأمور إلى هذا الحد فعن أي نظام سياسي نتحدث؟ وعن أية حركة تحرر وطني أو مقاومة إسلامية نتحدث؟ . الأمور تجاوزت مرحلة الحديث عن أزمة النظام السياسي وأصبحنا أمام انهيار للنظام السياسي .

إن كل ما يتواجد الآن في الساحة الفلسطينية من أحزاب وحركات ونخب سياسية، بما فيها منظمة التحرير بكل فصائلها وحركتي حماس والجهاد الإسلامي،  وصلت لطريق مسدود من حيث برامجها وشخوصها ومؤسساتها،  بحيث أصبح عاجزاً عن الفعل بل حتى عن ردة الفعل التي أصبحت تقتصر على بيانات تنديد واستنكار ممجوجة وسخيفة ردا على كل جريمة صهيونية أو مناشدة العالم بالتدخل لوقف إسرائيل عن غيها  أو اتخاذ قرارات لا تُنفذ؟.

صحيح، إن طول عمر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وسرعة التحولات والأحداث العربية والإقليمية والدولية انعكست سلباً على مجمل القضية الفلسطينية وعلى النظام السياسي، ولكن هذا لا يبرر استكانة الطبقة السياسية واستسلام النظام السياسي لهذه المتغيرات السلبية .

علينا الاعتراف، بدون مجاملات أو حسابات تعودنا لسنوات أن نأخذها بعين الاعتبار مثل عدم الترويج لليأس والإحباط وأن هناك انجازات دبلوماسية للقيادة والسلطة وانتصارات تحققها المقاومة المسلحة يجب عدم نكرانها الخ، يجب الاعتراف بأن النظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته وصل لطريق مسدود بل نقول قد فشل، واستمراره حتى الآن لا يعود لأنه يحقق انجازات أو يمكنه تحقيقها أو لأن الشعب قابل وراض عنه بل لأن إسرائيل وأطراف أخرى مستفيدة من استمراره بالحالة التي هو عليها، ولأن النخب الحاكمة والنخب الهامشية التابعة لها في الضفة وغزة مستفيدة من بقاء الأمور على حالها ولو على حساب المصلحة الوطنية .

ولأن فشل النظام السياسي لا يعني بأي شكل من الأشكال بأن القضية الفلسطينية غير عادلة أو أن الشعب تخلى عن حقوقه الوطنية المشروعة حيث غالبية دول العالم تقر بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره على أرضه وحقه بدولة مستقلة، كما أن الشعوب العربية ما زالت تؤيد عدالة القضية وإلا كانت كل الدول العربية طبعت علاقتها رسميا وعلنا مع إسرائيل، كما أن فشل النظام السياسي لا يعني فشل المشروع الوطني التحرري وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره السياسي على أرضه ... فإن المطلوب إعادة بناء وتأسيس نظام سياسي بنهج جديد وعقلية جديدة وشخوص جُدد، وهذا لن يتم على أيدي أحزاب وقوى النظام السياسي الراهن، وإن كان لهؤلاء دور أو يريدوا أن يلعبوا دوراً وطنيا فهو ألا يكونوا عائقاً أمام استنهاض المشروع الوطني وولادة نظام سياسي جديد وأن يساعدوا على ذلك من خلال انتخابات شاملة لا تقتصر على منافسة بين حركتي وفتح وبقية الفصائل المتواجدة لأنه إن حدث ذلك فلن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفشل سواء فازت حركة فتح أو حركة حماس .

إن لم يتم إعادة بناء النظام السياسي جذريا سيظل الشعب الفلسطيني في حالة تيه وضياع، حتى ما تم إنجازه تاريخياً بدماء الشهداء ومعاناة الأسرى والجرحى سيتبدد مع مرور الوقت، وقد تنجح تل أبيب وواشنطن في تنفيذ مخططاتهم المعادية سواء من خلال صفقة القرن أو غيرها من التسويات أو من خلال استمرار سياسة فرض الأمر الواقع كما جرى ويجري بقضايا القدس والاستيطان واللاجئين والانقسام .

 

إبراهيم ابراش

 

ضمن الاسلحة التي استخدمتها ابواق الدعايات المغرضة ضد العراق كان سلاح استخدام نشر المعلومات المغلوطة بين الشباب المطالبين بحقوقهم في المظاهرات في العراق . ومن تلك المعلومات التي ركزت عليها ابواق الشر وتم تداولها بكثرة حتى بين الطبقة المثقفة وحتى من اهل القانون هي العلاقة بين المجتمع الدولي والعراق . وقد سبق وان نشرت مقال عن ولاية المحكمة الجنائية الدولية على العراق والذي بينت فيه ان المحكمة الجنائية الدولية ليس لها ولاية على العراق لان العراق ليس من الدول التي صادقت على اتفاقية روما لعام 1998، كذلك نشرت مقال اخر اوضحت فيه طبيعة العلاقة بين منظمة الامم المتحدة والعراق وبينت فيه ان الامم المتحدة كمنظمة لايمكنها كمنظمة استنادا الى المادة الثانية من ميثاقها ان تتدخل في المسائل التي تعتبر من ضمن السيادة الداخلية للدول الاعضاء في المنظمة ومنها العراق .

بالرغم من ذلك استمرت الابواق في اللعب على هذا الوتر بل وصل بها الامر الى نشر اخبار عن اصدار مجلس الامن الدولي اصدر قرارا بعدم الاعتراف بالحكومة العراقية بعد ان قدمت ممثلة الامين العام في العراق لتقريرها في اجتماع مجلس الامن الدولي، من هذا المنطلق يجب توضيح طبيعة العلاقة بين مجلس الامن الدولي والعراق .

مجلس الامن الدولي هو احد اجهزة الامم المتحدة التي تم انشاؤها وفق ميثاق الأمم المتحدة الذي صدر بمدينة سان فرانسيسكو في يوم 26 حزيران/يونيه 1945 . ورد ذكر وتأليفه وفق الفصل الخامس من الميثاق في المادة 23 ويضم خمسة عشر عضوا منها خمسة دائمة العضوية هي الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية وعشرة أعضاء آخرين من الأمم المتحدة ليكونوا أعضاء غير دائمين في المجلس يتم  انتخابهم لمدة سنتين . يعمل مجلس الأمن، في أداء واجباته وفقا لمقاصد "الأمم المتحدة" ومبادئها والسلطات الخاصة المخولة لمجلس الأمن لتمكينه من القيام بتلك الواجبات مبينة في الفصول السادس والسابع والثامن والثاني عشرمن الميثاق .

استنادا الى المادة 24 من ميثاق الامم المتحدة قان اعضاء الجمعية العمومية للامم المتحدة بتخويل مجلس الأمن للقيام بالتبعات الرئيسية في أمر (حفظ السلم والأمن الدولي) واعتبروه نائبا عنهم في قيامه بواجباته التي تفرضها عليه هذه التبعات. الا ان ذلك التخويل مرتبط باحترام المجلس للمبادئ الواردة في الميثاق وأهمها: مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومبدأ المساواة في السيادة وكذا احترام مبدأ السلامة الإقليمية للدول، وهذا ما تم تأكيده في الإعلان الخاص بتعزيز الأمن الدولي الذي اعتمد ونشر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2734 (الدورة 25) المؤرخ في 16 كانون الأول (ديسمبر) 1970، والذي أكد رسمياً  أن على الدول أن تحترم كل الاحترام سيادة الدول الأخرى وحق الشعوب في تقرير مصائرها بأنفسها دون أي تدخل خارجي أو إكراه أو ضغط، لا سيما إذا كان منطوياً على التهديد باستعمال القوة أو استعمالها، بطريقة ظاهرة أو مستترة، وأن تمتنع عن أية محاولة للنيل كلياً أو جزئياً من الوحدة الإقليمية والسلامة الإقليمية لأية دولة أخرى أو بلد آخر؛كما تم التأكيد ان على كل دولة واجب الامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها. ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لأية دولة أخرى، وأنه لا يجوز إخضاع إقليم أية دولة لاحتلال عسكري ناجم عن استعمال القوة خلافاً لأحكام الميثاق ولا اكتساب إقليم أية دولة من قبل دولة أخرى نتيجة للتهديد باستعمال القوة أو استعمالها، ولا الاعتراف بشرعية أي اكتساب إقليمي ناتج عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها، وأن من واجب كل دولة الامتناع عن تنظيم أعمال الحرب الأهلية أو الأعمال الإرهابية في دولة أخرى أو التحريض عليها أو المساعدة أو المشاركة فيها

من خلال المحاولات التي بذلها فقهاء القانون الدولي لوضع تعريف عام شامل لمفهوم السلم الدولي يمكن القول انه عبارة عن "حالة من الاستقرار تغيب فيها كافة أشكال العنف المادية، والمعنوية بين الدول، كوحدات فاعلة في المجتمع الدولي" . أما الأمن الدولي فيمكن تعريفه بأنه " الإدراك الواعي لكافة أنواع التهديدات وانتفاءها، عن وحدات النظام الدولي ومؤسساته، من خلال مجموع الإجراءات الوقائية، والعقابية التي تؤدي إلى تحقيقه، على صعيد الواقع العملي".

في عام 2004 صدر تقرير فريق الأمين العام رفيع المستوى قامت باعداده ثلة من الخبراء و الشخصيات البارزة من مختلف مناطق العالم، وقد قدم لأول مرة في تاريخ المنظمة الدولية تعريفا لتهديد الأمن الدولي، حيث يعتبرأن " كل حادثة أو عملية تؤدي إلى وقوع خسائر في الأرواح على نطاق واسع أو الحد من فرص الحياة وتلحق الضرر بالدول بوصفها الوحدات الأساسية للنظام الدولي" هي تهديد للأمن الدولي، وبذلك أصبح حجم الخسائر المادية والبشرية معيار لتكييف عمل ما أو واقع ما على أنه تهديد للسلم والأمن الدوليين . وذكر التقرير ست مجموعات من التهديدات التي يعنى العالم بها وهي:

1- التهديدات الاقتصادية والاجتماعية بما في ذلك الفقر والأمراض المعدية وتدهور البيئة.

2- الصراع بين الدول.

3- الحروب الاهلية .

4- الأسلحة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية.

5- الإرهاب.

6- الجريمة المنظمة عبر الوطنية .

لا يتدخل مجلس الامن الدولي في المسائل المتعلقة بالشوون الداخلية للدول الاعضاء ومنها المظاهرات وقد اثار البعض موضوع القرار 1970 لسنة 2011 الصادر عن مجلس الامن الدولي باعتبار الاوضاع في ليبيا تهديدا للامن والسلم الدوليين الا ان من اثار هذا الموضوع تناسى ان هذا القرار قد صدر في 26 شباط/ فبراير لسنة 2011 والذي سبقه بيومين فقط انشقاق ممثل ليبيا في الامم المتحدة عبد الرحمن شلقم وتوجيهه رسالة الى الامين العام للامم المتحدة يطلب فيها من الامم المتحدة التدخل باعتبار ان الحرب في ليبيا قد اصبحت تهدد الامن والسلم الدوليين .

بالنسبة للحالة العراقية فان مجلس الامن الدولي لم يتحرك لاصدار قرارات ضد العراق الا بعد قيام القوات العراقية بغزو الكويت عام 1990 حيث تم خلال خلال شهر اب من عام 1990 اصدار عدد من القرارات كان اهمها واولها القرار 660 (1990) الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي في جلسته 2932 المنعقدة في 2 أغسطس/آب  1990 والذي نص على إن مجلس الأمن إذ يثير جزعه غزو القوات العسكرية العراقية للكويت في 2 أغسطس/آب 1990.وإذ يقرر أنه يوجد خرق للسلم والأمن الدوليين فيما يتعلق بالغزو العراقي للكويت.وإذ يتصرف بموجب المادتين 39 و40 من ميثاق الأمم المتحدة.

1- يدين الغزو العراقي للكويت.

2- يطالب بأن يسحب العراق جميع قواته فورا ودون قيد أو شرط إلى المواقع التي كانت تتواجد فيها في 1 أغسطس/آب 1990.

3- يدعو العراق والكويت إلى البدء فورا في مفاوضات مكثفة لحل خلافاتها ويؤيد جميع الجهود المبذولة في هذا الصدد, وبوجه خاص جهود جامعة الدول العربية.

4- يقر أن يجتمع ثانية حسب الاقتضاء للنظر في خطوات أخرى لضمان الامتثال لهذا القرار" .

ثم توالت القرارات ومنها القرار 661: صدر في 6 أغسطس/آب 1990؛ وفرض بموجبه حظر اقتصادي على العراق،والقرار 669 لسنة 1990 يستند الى المادة ( 5) من الميثاق عدم مساعدة للدولة التي يتخذ مجلس الامن قرار ضدها فقد طالب فيه مجلس الأمن جميع الدول بالامتناع عن أية تبادلات تجارية مع العراق، باستثناء الإمدادات الطبية والغذائية.والقرار671, وتم فيها فرض عقوبات على العراق بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، والقرار 687: صدر في 3 أبريل/نيسان 1991؛ وطالب بترسيم الحدود بين العراق والكويت من خلال لجنة خاصة بذلك، كما طالب العراق بالكشف عن كافة أسلحة الدمار الشامل التي يملكها وقبول تدميرها، وحظر توريد أية أسلحة أو مواد لها صفة عسكرية للعراق. وشكلت لجنة تفتيش خاصة بأسلحة العراق، وعينت وحدة لمراقبة الموقف بين البلدين.

وكان اخطرالقرارات التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي رقم 678، هو القرار المؤرخ 29 / تشرين الثاني / 1990 والذي منح الأذن بموجبه للدول الأعضاء المتعاونة مع حكومة الكويت، ما لم ينفذ العراق في 15 كانون الثاني 1991، أو قبله،، فوض الجهات المعنية في أتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ  القرارات السابقة تنفيذاً كاملاً، وتنفيذ القرار 660 (1990)، جميع القرارات اللاحقة، ذات الصلة، وإعادة السلم والأمن الدوليين في المنطقة.

وفي عام 1991 صدرت القرارات 706 , 712 /1991 وهو الاشراف الكامل على الموارد المالية العراقية وتحديد احتياجاتها الضرورية .والقرار 778 /192 وهو تخصص مبلغ لتمويل برنامج الاعانة من صندوق التعويضات . في عام 1992 صدر القرار 887 في 2 أكتوبر/تشرين الأول 1992؛ ويدين فيه مجلس الأمن عدم التزام العراق بالقرارات الصادرة عن المجلس، ويؤكد قلقه من تدهور الحالة الصحية والغذائية للسكان المدنيين العراقيين، كما يطلب من العراق أن يعيد جميع الممتلكات الكويتية التي استولى عليها.القرار 968/1995 سمح للعراق يتبع كمية من النفط لمدة 6 شهور لتمويل المشتريات

القرار 887 في 1992 / يرمي مجلس الامن العراق لعدم التزامه بالقرارات القرار 86/1995 مكن العراق من بيع النفط الخام . القرار 1051 في 1996 طلب مجلس الامن البيانات والمعلومات بأية محاولة لبيع او امداد من الاراضي العراقية . وصدر القرار 1143 في 1997 ينفذ احكام القرار 986 لفترة 180 يوما و القرار 1175 في 1998 السماح بتصدير قطع الغياروالقرار 1281 في 1999 مدد قرار بيع النفط مقابل الغذاء والقرار 1284 في 1999 حجز الاموال العراقية في الخارج القرار 1286يشير الى عدم التزام العراق بأعادة جميع الكويتيين لقرار 1302 في 2000 مدد برنامج النفط مقابل الغذاء .

في عام 2013 اصدر مجلس الام الدولي قراربرقم"2107 " الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 6990،المعقودة في 27/ حزيران يونيه 2013، والذي قرر فيه المجلس بموجــب الفــصل الــسابع مــن ميثــاق الأمــم المتحــدة، إنهاء التدابير المنصوص عليها في الفقـرات 2ج و 2 د و 3ج مـن القرار 686 لسنة 1991 ،والفقرة 30 من القرار 687 لسنة 1991 والترتيبات المنصوص عليها في الفقرة 14 من القرار1284 سنة 1999 والتي أعيد تأكيدها في قرارات لاحقة ذات صلة .

في عام 2017 اصدر مجلس الامن الدولي القرار رقم 2390 الذي اتخذه المجلس في جلسته 8126 في 8 كانون الاول 2017 بخصوص اموال العراق المودعة بحساب الضمان، والذي خلص بموجبه الى ان كل من العراق ومجلس الامن قد نفذا التزاماتهما بموجب قراري مجلس الامن 1958 لسنة 2010 و 2335 لسنة 2016 .

اما عن بعثة يونامي والتي تأسست بموجب قرار مجلس الامن 1500 لسنة 2003 فقد شكلت اساساً لتنسيق الجهود الدولية بعد إسقاط النظام لاشتراك أطراف دولية عدة الى جانب دول الاحتلال امريكا وبريطانيا في أعمال اعادة إعمار العراق .ويتم تمديد عملها سنويا بناء على طلب من الحكومة العراقية .

مما تقدم نخلص الى مايلي :

1- ان مجلس الامن الدولي هو احد اجهزة الامم المتحدة ويعمل ضمن اطار الميثاق الموسس للمنظمة الدولية ولايمكنه الخروج عن ذلك الاطار .

2- ان اختصاص المجلس ينحصر في الحفاظ على (الامن والسلم الدوليين ) في العلاقات بين الدول .

3- لا يتدخل مجلس الامن الدولي في الشؤون الداخلية للدول الاعضاء الا اذا اصبحت تهدد الامن والسلم الدوليين .

4- ان تدخل مجلس الامن الدولي في العراق كان بسبب غزو العراق للكويت عام 1990 . وبعد ان صدر قرار اخضاع العراق للعقوبات المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق تم فتح ملفات حقوق الانسان والانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق .

5- ان العراق قد اكمل كافة التزاماته وفقا للقرارات الصادرة عن مجلس الامن الدولي وتم رفع العقوبات عنه منذ عام 2013 .

6- ان العراق والامم المتحدة انهيا التزاماتهما المادية منذ عام 2017.

7- ان بعثة الامم المتحدة في العراق تم انشائها لمساعدة الحكومة العراقية ويتم تمديد عملها سنويا بناء على طلب من الحكومة العراقية.

8- ان كل من يحاول نشر اشاعات عن العلاقات بين الامم المتحدة والعراق هو اما جاهل مغرر به او انه يحاول اثارة فتنه عن طريق نشر اشاعات ومعلومات مغلوطة .

 

زهير جمعة المالكي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن انقلاب الشعب المصري على جماعة الإخوان المسلمين ثنا، وهنا يقول الدكتور علي الدين هلال في كتابه عودة الدولة المصرية : أما التيار المؤيد لإجراءات ما بعد 30 يونيو فيؤكد على بأن ثورة الثلاثين من يونيو والتى أبهرت المصريين أنفسهم، واستردوا بها الثقة المفقودة في قوتها وصلابتها وعراقتها لم تكن مجرد ثورة تقليدية على غرار الثورات الملونة في أوربا الشرقية، وثورات الربيع العبري التى طالت الشرق الأوسط، فعظمة المصريين اليوم تتحدث على انه إن كانت هناك ثورة، فلابد أن تكون ثورة مصرية خالصة، من دون تدخلات أجنبية ودولارات أمريكية وزعماء من ورق ارتموا في أحضان المخطط الصهيو أمريكي داخل جدران دكاكين الديمقراطية الأمريكية، ليتلقوا دورسا في كيفية إسقاط أوطانهم، وأن عظمة المصريين اليوم تتحدث عن أساليب حشد جديدة تخرج من عباءة الكتاب الشيطاني لــ" جين شارب " لتسطر للعالم اجمع كتاب "شارب المصري " بأياد مصرية عن فن تكتيكات الحشد والعصيان المدني وإسقاط الطغاة بطريقة سلمية بحتة، دون الحاجة إلى قناصة دوليين تعتلي أسطح المباني لقنص المتظاهرين، وفتح السجون وترويع المواطنين في منازلهم، واقتحام السجون وحرقها. وكان المصريون يقدمون اعتذارا عمليا لقيم ومبادئ العصيان المدني لغاندي.

وهذا الرأي يمثله طيف واسع من أقصي اليسار إلي أقصي اليمين، ويدخل فيه التيار القومي والتيار اليساري والمدني، ويضم هذا التيار القوي التى رحبت بتدخل القوات المسلحة لعزل الرئيس واعتبرته استجابة مشروعة لمطلب شعبي وتصحيحا لمسار ثورة 25 يناير، وحفاظا على وحدة مصر واستقرارها .ويلاحظ علي هذا التيار أنه شمل جبهات وتحالفات تم تأسيسها قبل 30 من يونيو وكانت من صفوف المعارضة وظلت حاضرة في المشهد بعد 30 يونيو وتنسيقية يوم 30 يونيو، والتى تمثل تحالف النشطاء الثوريين والأحزاب السياسية المصرية المعارضة لحكم جماعة الإخوان المسلمين وأعلن عن تشكيلها في 26 يونيو 2013 من قبل حركة تمرد ـ وتضم ما يقرب من ثمانين عضوا بصفتهم الشخصية يمثلون منظمات وحركات شبابية متعددة وأحزاب سياسية  .

وهؤلاء جميعا اجمعوا على أن عظمة المصريين، ومن خلفهم القوات المسلحة، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، تكمن في تعطيل مخطط الشرق الأوسط الجديد للصهيو أمريكية أمام صخرة الإدارة المصرية، الأمر الذي سيؤدي حتما إلى إجهاض هذا المخطط الشيطاني في المنطقة بأسرها فيما بعد، ذلك المخطط الذي تم وضع ملامحه الأولية منذ سبعينيات القرن العشرين، وبدأ التحضير له من العام 2003، لبدء التنفيذ في العام 2005، لتوصيل التيار الراديكالي الإسلامي إلى سدة الحكم في المنطقة، بعد أن أعادوا توصيفه إلى تيار إسلامي معتدل كنقطة انطلاقة لتقسيم المنطقة بالكامل.

وهناك تيار يقف موقفا وسطا بين كون 30 يونيو يمثل انقلابا أو ثورة، وهذا التيار تمثله مجموعة من القوي والأحزاب السياسية منها حزب النور والدعوة السلفية، وهذا الحزب كان في البداية داعم لحكم الرئيس مرسي، غير أن علاقة التحالف بينهم وبين الإخوان ما لبثت أن توترت، مما جعل الحزب في نهاية المطاف إلي تبني الموقف المعارض لحكم مرسي خاصة مع اقتراب 30 يونيو، وقد امتنع الحزب عن المشاركة في تظاهرات 30 يونيو ولكنه أيد إجراءات الانتقال السياسي التى قادها الجيش باعتبار أن هذا الحل يجنب مصر حربا أهلية محتملة. ومنها أيضا حزب مصر القوية وهو الحزب الذي تم تأسيسه في أكتوبر 2012 برئاسة عبد المنعم أبو الفتوح المرشح الرئاسي السابق، وهو حزب ذو توجه إسلامي، وقد رفض الحزب دستور 2012 وشارك في تظاهرات 30 يونيو التى طالبت بانتخابات رئاسية مبكرة على الرغم من وجود انقسامات داخلية حول المشاركة، كما رفض الحزب تدخل الجيش في عزل الرئيس مرسي ووصفه بالانقلاب.

وننتقل إلي نقطة مهمة وهي تتعلق بموقف الإدارة الأمريكية من سقوط حكم الإخوان وعزل مرسي، فقد أدركت إدارة أوباما أن التحرك السريع للجيش المصري لاعتقال مرسي وإزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن سدة الحكم في مصر يمثل انتكاسة لاستراتيجية إدارة أوباما في دول الربيع العربي في استخدام الإسلام السياسي في نشر الفوضي من الصين إلى روسيا من خلال منطقة الشرق الأوسط الغنية بالطاقة. علاوة على أن خروج الشعب المصري على حكم الإخوان أضحي يمثل كذلك نقطة تحول في انخفاض وزن الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمي في العالم عندما تعرض الأجيال القادمة من المؤرخين الأحداث. وهذا كانت الصدمة عنيفة بالنسبة للإدارة الأمريكية، وخاصة باراك أوباما الذي حاول أن يصور للمجتمع الدولي، أن ما يحدث في مصر هو انقلاب عسكري، وفي استجابة للضغوط الأمريكية قرر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، تعليق أنشطة مصر في أجهزة الاتحاد الأفريقي حتى استعادة النظام الدستوري في البلاد.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليفي بيان القوات المسلحة والقوي السياسية، تقرر تعيين رئيس المحكمة الدستورية رئيسا للبلاد وتعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتشكيل حكومة توافق وطنى قوية، وتشكيل لجنة بها جميع الأطياف لمراجعة التعديلات الدستورية ومناشدة المحكمة الدستورية العليا إقرار مشروع قانون مجلس النواب، ووضع ميثاق إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق المصداقية والحيدة،والعمل على دمج الشباب، وتشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بالمصداقية وتمثل مختلف التوجهات، وهي القرارات التى لاقت ترحيب المتظاهرين في الشارع، كما أنها بمقتضاها تم عزل الرئيس.

وقد صرح عبدالفتاح السيسي في لقاء له مع صحيفة واشنطن بوست في أغسطس 2013،: "الجيش المصري لم يقم بانقلاب.. لقد قاد الإخوان البلاد بطريقة تخدم الأيديولوجية التي يمثلونها، وهذا ما لم يجعل مرسي رئيسا لكل المصريين... كان الجيش حريصا جدا على نجاح مرسي، ولو كنا نعارض أو لا نريد السماح للإخوان أن يحكموا مصر لكنا تلاعبنا في عملية الانتخابات ...لقد اختار مرسي أن يصطدم مع جميع مؤسسات الدولة: القضاء، الأزهر، الكنيسة، الإعلام، القوى السياسية، وحتى مع الرأي العام . وعندما يصطدم رئيس مع كل مؤسسات الدولة؛ فإن فرصة نجاحه تكون ضئيلة .ومن ناحية أخرى، كان (مرسي) يحاول استدعاء وحشد أنصار ذو خلفيات دينية له من الداخل والخارج ...إن الفكرة التي جمعت تنظيمات الإخوان المسلمين في تنظيم دولي لا تقوم على القومية أو الوطنية وإنما على أيديولوجية ترتبط تماما بمفهوم التنظيم (لا ، الدولة...) خلال المراحل المختلفة أطلعنا مرسي على التطورات على أرض الواقع ، وقدمنا له المشورة وتوصيات مقترحة لكيفية التعامل معها وكان ممكنا عمل الكثير، فعلى سبيل المثال  كان من الممكن حل الأزمة من خلال حكومة ائتلافية دون المساس بمنصب الرئيس. لكن مرسي كان يستمع فقط دون أن يعمل بأي منها .وأعتقد أن اتخاذ القرارات والقيادة كانت في أيدي تنظيم الإخوان، وهذا أحد أسباب فشله الرئيسية ...قبل 30 يوليو" أعطينا مهلة سبعة أيام لكل القوى السياسية في مصر للعمل على إنهاء الأزمة، تم تجديدها لمدة 48 ساعة إضافية كفرصة أخيرة (لمرسي) للتفاوض مع القوى   السياسية والتوصل الى حل وسط. وأعلنت بشكل واضح أنه إن لم يتغير شيء مع نهاية المدة؛ فستعلن خارطة طريق من قبل العسكر والقوى السياسية ...وحتى في يوم إعلان البيان (بيان إقالة مرسي من منصبه في 3 تموز - يوليو، 2012) دعوت لاجتماع ضم بابا الأقباط، وشيخ الأزهر، ومحمد البرادعي والممثل السياسي لحزب النور، وممثل عن المرأة المصرية، وممثلين عن القضاء المصري، وعن الشباب، وتمرد، ودُعي حزب الحرية والعدالة الى الاجتماع، لكن لم يأت منهم أحد. واتفق الحاضرون على خارطة طريق بتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا مؤقتا للجمهورية وتشكيل حكومة تكنوقراط، وتشكيل لجنة من الخبراء والقانونيين لعمل التعديلات الدستورية ... وطرح الدستور للاستفتاء العام .وبمجرد الموافقة عليه سنجري الانتخابات البرلمانية والرئاسية في غضون تسعة أشهر ...وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه البيان وجُهت رسالة الى الرئيس السابق طالبته بالمبادرة لحل الأزمة بأن يطرح نفسه لاستفتاء شعبي ومعرفة ما إذا كان الشعب ما زال يريده رئيسا، لكنه قال :لا ليس بعد ...ولو لم نتدخل لكانت هناك حرب أهلية... وكنت كذلك قبل رحيل مرسي بأربعة أشهر قد أوضحت له أن  نهجه وجماعته في الحكم يخلق صراعا بين مؤيديه والمعارضة... وأخبرته أن الجيش لن يكون قادرا على فعل شيء في حال اقتتلت جماعته مع الشعب المصري.

والسؤال الآن هل سقوط نظام الإخوان المسلمين يمثل ثورة أم انقلاب؟

تمحورت الكثير من التحليلات والنقاشات حول ما إذا كانت إقالة مرسي تندرج في إطار  "انقلاب عسكري، أم أنها جولة ثانية لثورة  25 يناير" . فمثلا يري البعض كما يقول د. علي الدين هلال (وأخرون) في كتابه عودة الدولة": أن عزل مرسي بتدخل الجيش يمثل انقلابا كاملا على الشرعية الدستورية، وعليه فقد اعتبر الإجراءات الناتجة عن 3 يوليو من تشكيل الحكومة والاستفتاء على الدستور باطلة وتفتقد الشرعية وعودة الرئيس للحكم مرة أخري، ويضم هذا التيار بالأساس جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب التابعة لها، والأحزاب الممثلة للتيار الإسلامي بجانب أحزاب الجماعات الإسلامية، كما أن هذا التيار اتجه لتأسيس تحالفات توحد موقفه وتعبر عنه وكان أبرزها "تحالف دعم الشرعية"، وهو تحالف تم تشكيله قبل عزل الرئيس (في الجمعة السابقة على يوم 30 يونيو)، بهدف معارضة دعوات التظاهر لإسقاط الرئيس، ويضم التحالف حزب الحرية والعدالة وبعض حلفاء جماعة الإخوان من الأحزاب السلفية مثل حزب الوطن، وحزب الوسط، والجماعة الإسلامية، والبناء والتنمية، ويمثل التحالف القطب الرئيس المعارض لسلطة ما بعد 30 يونيو .هذا إضافة إلي بعض الشخصيات والحركات المشتركة مع جماعة الإخوان في نفس الايديولوجية السياسية مثل حازم صلاح أبو إسماعيل ومؤيديه، والسلفية الجهادية، وقد اقتصر دورها على المشاركة في المسيرات الداعمة لجماعة الإخوان، ولكن انحسر دورها بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

جواد بشارةيشهد العراق كما هو معلوم منذ أكثر من شهرين تظاهرات وحركة احتجاجات غير مسبوقة ضد الحكومة، والمنظومة السياسية برمتها، ولكن أسفر الرد العنيف للسلطات عليها عن سقوط أكثر من 500 شهيد وإصابة حوالي 20000 بجروح في العاصمة بغداد ومناطق في وسط وجنوب البلاد، في البصرة والناصرية والحلة والديوانية والنجف وكربلاء وغيرها من المدن.

هل كانت الاستقالة مناورة سياسية لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأمور وتنظيم صفوف الطبقة الحاكمة الموالية لإيران، من خلال تقديم كبش فداء هو رأس عادل عبد المهدي وإقالته أو إرغامه على الاستقالة، بغية الحد من اندفاعة الثوار ومحاولة تهدئة الشارع العراقي؟ وهل ستتجرأ الأحزاب الإسلامية الحاكمة على تحدي المرجعية التي طالبتها بتغيير سلوكها عبر مجلس النواب الذي يضم نواب الأحزاب والكتل السياسية الماسكة بالسلطة، بعدم تشريع قانون انتخابي جديد عادل ومنصف ونزيه من شأنه أن يتيح الفرصة للشعب أن يختار ممثليه بحرية، ما يعني المخاطرة بكنسهم من المشهد السياسية انتخابياً، وبالتالي سعيهم لتشريع قانون انتخابي ملغوم يؤمن لهم تواجدهم السياسي والسلطوي ما بعد الانتخابات القادمة؟ وتعمد الالتفاف على هذا المطلب بالاجتماع والتشاور والتنسيق فيما بين القوى السياسية وأحزابها لاختيار مرشح بديل لعادل عبد المهدي، بعد إطلاق بالونات اختبار لمعرفة ردة فعل الشارع العراقي على بعض الأسماء المتداولة ؟ وهل سينجحون في فرض شخص إبراهيم بحر العلوم، وزير النفط السابق وشقيق ممثل العراق في الأمم المتحدة محمد حسين بحر العلوم كنسخة محسنة لرئاسة الحكومة القادمة خلفاً لحكومة عادل عبد المهدي؟ إن عدم جرأة المرجعية الدينية في النجف على وضع خارطة طريق كاملة وواضحة لا تقبل اللبس والتأويل، وملزمة وبلغة الفتوى الواجبة التنفيذ، للخروج من الأزمة القائمة التي يروج ضحيتها يومياً عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، هو الذي يشجع السياسيين الفاسدين والقتلة على المضي في تعسفهم وتعاليهم واحتقارهم للشعب العراقي ومطالبه المشروعة . وبالتالي فسوف تستمر الطبقة الحاكمة الفاسدة في غيها باللف والدورات والتسويف والمماطلة، لإخماد زخم الانتفاضة الجماهيرية ضدها، قبل اتخاذها قرار الحسم الدموي في إبادة المتظاهرين والمعتصمين السلميين ودفعهم لحمل السلاح دفاعاً عن نفسهم وتحويل حركة الاحتجاج السلمي إلى مواجهات مسلحة وحرب أهلية على الطريقة السورية والليبية . هذا هو مغزى تواجد قاسم سليماني شبه الدائم في العراق ممثلاً عن الحرس الثوري ومحمد كوثراني عن حزب الله اللبناني لإدارة ملف الأزمة العراقية وفق توجيهات الولي الفقيه في طهران علي خامنئي، بغض النظر عن موقف ورأي المرجعية الدينية في النجف التي قد تكون طرفاً خفياً في مثل هذه التسوية إلا إذا أعلنت خلاف ذلك.

تناور أحزاب السلطة وميليشياتها المسلحة الموالية لإيران لاختراق التظاهرات والدخول على خط الحركة الاحتجاجية برفع شعارات استفزازية من داخل ساحات التظاهر مؤيدة لإيران ومنددة بالتدخل السعودي والأمريكي في الشأن العراقي وكأن إيران بريئة من أي تدخل ينتقص سيادة واستقلال العراق فقامت بزج تشكيلاتها الميليشياوية ولكن بلباس مدني وكانوا يحملون الأسلحة البيضاء والسكاكين والهراوات تحت ملابسهم، في نوع من استعراض القوة بذريعة طرد المندسين البعثيين وعملاء أمريكا وإسرائيل والتلويح بقدرتهم على طعن التظاهرات من الداخل وإنهاءها على الطريقة الإيرانية. هذا وقد صرح ناشطون فاضحين ومتهمين لعناصر مندسة تابعة للأحزاب السياسية الإسلامية بطعن بعض المتظاهرين السلميين المدنيين ممن تصدى لهم بالسكاكين في ساحة التحرير والشوارع الفرعية المحيطة بها. ولوح أتباع النظام بأعلام الحشد الشعبي حاملين صور لبعض مقاتلي الحشد والفصائل المسلحة حسب وكالة الصحافة الفرنسية بينما رفع آخرون صوراً للمرجع السيستاني محاولين الاختلاط والذوبان داخل معسكرات وتجمعات المحتجين المناهضين للحكومة والنظام السياسي برمته. والحال إن استقالة الحكومة لا يكفي لامتصاص نقمة المتظاهرين والمحتجين المطالبين برحيل الطبقة السياسية الفاسدة كلها والتي حكمت البلاد منذ عام 2003، ويعتقد أن وراء محاولة الاختراق هذه كتائب حزب الله وحركة النجباء فيما قامت بعض تشكيلات القوى الأمنية المتواطئة مع الدولة بنصب خيم لعناصرها على رصيفي جسر الجادرية .

لم يعد بإمكان الطبقة السياسية الإسلامية الحاكمة في العراق استغلال الدين والشعارات الدينية لصالحها لتبرير أفعالها وسرقاتها وتقصيرها بل وفشلها الذريع في خلق دولة مدنية وديموقراطية حقيقية مستقلة ومزدهرة، ولا لأي آيديولوجية سياسية أخرى أن تقوم بإلهام وتوجيه الحركة الاحتجاجية، ولم تعد تنطلي على المنتفضين ألاعيب نظرية المؤامرة التي يشهرها السياسيون في وجه المتظاهرين وبالتالي منع السياسيين وأحزابهم من ركوب موجة التظاهرات بحجة تأييدها كما يفعل مقتدى الصدر وتياره فقد تجاوز شباب الثورة بوعيهم كل الأساليب التضليلية التي اتبعها السياسيون والأحزاب الحاكمة ومعهم المرجعية الدينية التي كانت تغطيهم طيلة 16 عاماً . هناك من يعتقد أن المرجعية مؤسسة عفا عليها الزمن وإن دورها يقتصر على تقديم المشورة في الشؤون الشرعية والفقهية فقط  ولا علاقة لها بالسياسة أو الشأن العام، وهناك من لا يزال يأمل أن تستخدم ثقلها الروحي والمعنوي والديني للضغط على السياسيين والأحزاب الدينية بغية الحد من تغولها وبطشها ودفعها لأخذ مطالب المتظاهرين والمحتجين بعين الاعتبار . المشكلة هي في عدم جرأة المرجعية على كشف حقيقة التوغل الإيراني وتحكم الإيرانيين بكافة مفاصل الدولة العراقية الاقتصادية والعسكرية والأمنية والاجتماعية واستنزافهم لميزانيات العراق وثرواته طيلة عقدين من الزمن تقريباً كتهريب النفط العراقي بالتواطؤ مع أبناء صدام حسين وتقاسم الأرباح قبل سقوط نظام البعث البائد. ومن ثم تحويل العراق إلى سوق للمنتجات الإيرانية السيئة النوعية على حساب المنتج العراقي الزراعي والصناعي، وتحويل العراق إلى رئة يتنفس من خلال الاقتصاد الإيراني المنهك والمحاصر دولياً . ناهيك عن التدخل الإيراني السافر في الشؤون الداخلية العراقية واستخدام بعض تشكيلات الحشد الشعبي كقوة موازية للجيش تقوم بقمع وقتل المتظاهرين وتنفذ أعمال الخطف والقتل والتعذيب كما أثبتت ذلك الوثائق السرية المهربة المنشورة مؤخراً في نيويورك تايمز وموقع انترسبت والتي فضحت عملاء إيران وبالإسم الصريح من كبار السياسيين العراقيين.

 

د. جواد بشارة

 

محمود محمد عليبعد مرور عشرة أشهر على حكم الرئيس مرسي، تأسست "حركة تمرد " في 26 أبريل 2013 بهدف جمع توقيعات المصريين لسحب الثقة من الرئيس محمد مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة .وأعلنت الحركة عن جمع 22 مليون توقيع لسحب الثقة من محمد مرسي، ودعت هؤلاء الموقعين للتظاهر يوم 30 يونيو .وقد تجاهل الرئيس هذه التوقيعات ورفض إجراء الانتخابات المبكرة واصفا إياها بالمطالب العبثية، وفي المقابل، رفضت المعارضة دعوة الرئيس للحوار، وتشكيل لجنة لتعديل الدستور والمصالحة الوطنية، وذلك في خطاب امتد لساعتين ونصف.

وهنا انطلقت جموع الشعب المصري من كل ربوع مصر، في مسيرات ضخمة منذ الصباح الباكر ليوم 30 يونيو، ولم تمنعهم أزمة الوقود المفتعلة منذ عشرة أيام من الخروج في مسيرات من الاحياء المصرية سيرا على الأقدام لكيلومترات إلى ميدان التحرير، وأمام قصر الاتحادية ووزارة الدفاع، ومثلها في ميادين الاسكندرية، ومحافظات الصعيد ومدن القناة وريف مصر.

وقبل الموعد المحدد بساعات للتظاهرات، والذي حدد في تمام الساعة الخامسة، عصر ذلك اليوم امتلأت كل الميادين بجموع الشعب المصري العظيم،والذي خرج من فج عميق في مشهد تاريخي لم يسبق له مثيل معلنة عن بداية سقوط الطاغية ونهاية حكم الإخوان المسلمين، ظلت هذه الجموع والتى قدرت ما بين ثلاثين إلي أربعين مليون مصري، طبقا لإحصائيات وكاللات الأنباء العالمية والقنوات الفضائية المحلية والدولية حتى الساعات الأولي من صباح اليوم التالي تنشد وتغنى الألم والحسرة على ما تعرضت له البلاد من مخاطر تهدد الأمن القومي المصري، وما آلت إليه الأوضاع  الاقتصادية والاجتماعية من انهيار تام في شتى مجالات الحياة . وفي مشهد تاريخي تلقي طائرات الهليوكبتر العسكرية بالأعلام المصرية الفوسفورية على جموع الشعب المصري المتظاهرين في ميدان التحرير، وأمام قصر الاتحادية في رسالة من القوات المسلحة المصرية للشعب المصري ـ تعلن تفهمها للمطالب المشروعة للشعب المصري.

ويمكن القول من دون أدنى مبالغة أن الخروج الشعبي الكبير من المصريين إلى الميادين والشوارع استجابة لحركة «تمرد» في 30 يونيو لإسقاط حكم «الإخوان»، حدث تاريخي نادر ليس له سابقة في التاريخ المصري الحديث، بل إنه – كما عبر عديد من المراقبين الغربيين - ليس له سابقة في تاريخ العالم.

فلقد خرجت الملايين بعد أن تم توقيع أفرادها الموثق على استمارة حركة «تمرد»، والهدف كان محدداً وهو إسقاط حكم «الإخوان المسلمين» المستبد الذي عصف بالحريات السياسية، ومارس القمع المنظم للأحزاب السياسية المعارضة، ودخل في عداء مع مؤسسات الدولة الأساسية، وفي مقدمها القوات المسلحة والقضاء والإعلام والرموز الثقافية والفنية. وقد بادرت القوات المسلحة المصرية لدعم الإرادة الشعبية بعد أن كانت أصدرت تحذيراً للدكتور محمد مرسي بأن عليه أن يحاول التوافق السياسي خلال أسبوع مع قوى المعارضة، وتحذير آخر مدته ثماني وأربعون ساعة، ولم يتحرك إلى أن وقعت الواقعة في 30 يونيو.

إن خروج فئات متنوعة من الشارع ومساندة القوات المسلحة لها جاء دليلا على تعثر حكم الإخوان، وإثارته السخط لدي قطاعات عريضة ربما لم يستفزها حتى فساد نظام مبارك ولا يغيب عن المشهد الحشد المؤيد لحكم مرسي وقتها منذ أحداث الجمعة 28 يونيو في ميدانى رابعة العدوية والنهضة، غير أن تركيز الإخوان على مركزية الحشد في مقابل انتشار المعارضين أضعف من تكتيكات الإخوان في إجهاض 30 يونيو.

كما أن تعامل الرئيس مرسي الذي استخف بالمعارضين واعتبرهم مجرد ثورة مضادة للفلول أسهم في عدم قدرته على إدارة الأزمة، وبدا ذلك في خطابات مرسي الذي اكتفي بتوجيه اتهامات، وتفسير التظاهرات على أنها مجرد مؤامرة . في الوقت نفسه غلب علي جماعة الإخوان حالة الإنكار وربما الصدمة التى سببتها ضخامة الحشود وراديكالية مطالبها، فضلا عن حالات العنف التى وجهت لمقار الجماعة وحزب الحرية والعدالة.

لقد دفع الرد السلبي لمؤسسة الرئاسة على احتجاجات 30 يونيو المؤسسة العسكرية غلى التحرك بإعلانها في بيانها يوم 1 يوليو إمهالها جميع الأطراف 48 ساعة للاستجابة لمطالب المتظاهرين في إطار حمايتها للشرعية الشعبية . وهو ما كان يعنى ضمنا تنحي مرسي عن الرئاسة بطريقة أو بأخري . ومع اقتراب مهلة المؤسسة العسكرية من الانتهاء، واستمرار التظاهرات الرافضة لحكم الإخوان، ودفع الجماعة بمؤيديها يوم 2 يوليو إلي الشارع، وجاءت كلمة الرئيس ليؤكد فيها تمسكه بالشرعية الانتخابية، ورفضه إنذار الجيش ن، بل وتلويحه بالعنف ضد الرافضين للشرعية، وهو ما دفع الوضع إلى التأزم مع وجود عنف متبادل، وسقوط قتلي وجرحي، فاستبقت القوات المسلحة انتهاء المهلة باجتماعها بالقوي الوطنية والسياسية والأزهر لتتخذ قرارات 3 يوليو التى أسست لمرحلة جديدة. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عبد الخالق الفلاحالمشهد الذي اعاد الامل من وجود نيات لتغيير قواعد الاحتجاج ولتبدد كل التوقعات في بقاء الاضطرابات في بعض المحافظات الجنوبية بعد ان دخلت العشائر الشريفة في هذه المحافظات على الخط بكل حزم ضد من تسول له نفسه الاساءة للتظاهرات السلمية مثل عصابات الجوكرالمأجورة وغيرهم ولعل هذا التيارالمؤثر هو أحد أبرز الاضلع الاجتماعية الذي يفرض بوجوده وقادر على التحكم بصيغة العلاقات الاجتماعية والسياسية في المجتمع، وذلك من خلال صياغته لسلوكيات تلزم الأفراد الإقرار بها والتمسك بمبادئه و يرسم لنفسه صورة كمؤسسة اجتماعية متكاملة ذات مبادئ أساسية تمثل ما كان ومازال العراق يتسم بكونه مهداً للحضارة الإنسانية و بالموقع الاستراتيجي لبلاد الرافدين بسبب وجود نهري دجلة والفرات فيها مما يوفر التربة الخصبة والمياه الوفيرة والموارد الزراعية والمعدنية؛ وخرجت وبرزت ابداعات ونتاجات حضارية مهمة منها منبعاً للقيم والأصالة التي تلهم فيه كل يوم العزيمة للتجديد وبالتالي تُصبح مكانًا جاذبًا للاطماح، ولم يكن فيهم احداً يقبل الضيم والذلة والمواقف كثيرة على مر التاريخ ومعروف عن شعبه الذي يؤيد انهم يناهضون الظلم، ودلالات ذلك أن الوعي الذي تفجر في الشارع للخروج بالتظاهراذهل العقول والأكيد أن من بين أسباب هذا التنامي بروز الامبالات من جانب السلطة الحاكمة تجاه حقوق المواطن  وهي أكبر من أي محاولة لاحتواء الموقف دون نيل المطالب وإذ يقترن باستفزاز المشاعر وتشهد لهم ساحات الوغى وأنظمة سابقة ولاحقة بمقولتهم الحقة والوقوف ضد الظلم ومناصرة بلادهم في المحن ومن حق المواطنين حينما يقوم بواجبه المهني والوطني في مراقبة ومتابعة حالات التجاوز على القانون ومحاسبة الاشخاص وهي من الامور الطبيعية... وهم أقوياء في بأسهم على عدوهم يمتلكون ثقافة ووعياً وإدراكاً، لذلك يقولون كلمتهم ضد الفساد والمحاصصة والخلل الذي أصاب النظام السياسي في هذه اللحظات .

 العشائرالحرة والغنية بالعطاء بالمقابل رفضوا أن يكونوا جزءاً من مشروع يريد أن يشعل فتنة بين أبناء الوطن الواحد فوقفوا كرجل واحد ومنعوا اليد التي تحرق وتقتل وتنشر الفوضى هذا من جانب ومن جانب أخر وقفوا بصدق لتهدئة أبنائهم الذين إحترقت دماؤهم لاجل إخوانهم لإنهم عقلاء القوم ولابد من إعادة سريعة لكل منصف بهذا البلد أن نظر بمصداقية الى هذه المواقف التأريخية وخاصة العشائر ومواقفها الوطنية ونضعها اطواق من ذهب على صدورنا ونفتخر بهم بعد ان انتجوا ايدلوجية السلام مع الجميع لكي يسوقوا بضاعتهم نحو الخير للجميع . يسند ذلك ويعززه، إيمانه المطلق بحق التظاهر السلمي، الذي كفله الدستور والمواثيق الحقوقية، ما كان ملتزماً بالضوابط المنظمة وحقوق الآخرين المرعية دفعهم للاعتراض على ما سبق من ظلم الحكام واليوم هاهم يعترضون على فساد حكام هذا الزمان، وهذا أمر ليس بالغريب، وإذا ماكان من حقيقة فهي إن الناس يعانون، وليسو مدعين، ولاباحثين عن مناصب ومراتب، وهم يتحدثون عن كرامة ولقمة العيش، وعن وطن ووجود ومستقبل، ولابد من رعاية مصالحهم وحمايتها من مؤسسات الدولة المسؤولة عن ذلك وفقا للقانون الدستوري والإنساني و اثبتوا  من خلال تظاهراتهم السلمية  بكونهم  شعب حضاري يمارسون حقهم الدستوري في الاحتجاج السلمي ورفع مطالب مشروعة .

اما هذا البعض الذي عاث في التظاهرات فساداً من حرق واعتداء وتجاوز  على الممتلكات العامة والخاصة فليس منهم والاستغراب من الهجوم على المراقد الشريفة والمحترمة وتدمير المكتبات و المؤسسات الثقافية والصروح العلمية وغلق المدارس ودور العلم واجبار الطلبة للخروج بالقوة واهانة الهيئات التدريسية التي يجب ان نقف لها باجلال واحترام  وهي اعمال مشينة .

مهما يكن فلا يمكن إبطال حق المواطن بمجرد وجود مندس، مثلما لا يقبل الإعتداء على المؤسسة وهيبة الدولة، نتيجة وجود فاسد أو تعطل خدمة أو فشل مسؤول، كما لا يمكن الجمع بين هدفين متناقضين بتظاهرة واحدة، فيها مواطن صاحب حق ومندس ساعٍ للتخريب وإشاعة الفوضى، التظاهر حق وقاعدة لممارسة الشعب حقه والتأثير على القرار بشكل مباشر، لكنه مشروط بهدف الغاية السامية للشعب في ممارسة حقه وعزل هؤلاء من بين صفوفهم .

ما يقوم به البعض من المندسين والمشاغبين والجهلة هو أمر مُفتعل من قبل البعض للتأثير والتّخريب على احتجاجات نحن هنا نرفض افعالهم المخربة و الغير سليمة ومحاولات تهديم اكثر من كونها بناء ومؤشراً خطيراً لمحاولة حرف التظاهرات عن سلميتها واصطدامها بالقوات الامنية بطرق استفزازية تقلب الامور، ولعل، البعض يعتبر ان التظاهر من دون عنف ليس له نكهة، وانه يجب تجاوز الطابع السلمي كي يكون التحرك فعالاً ويحقق نتائج اكبر، بل بالعكس حيث تبتعد عن إنسانيتها وكرامتها ونشدد ونجدد دعوتنا للرجوع الى الحكمة والعقلانية فالحراك الإحتجاجي السلمي الصحيح يبحث عن إصلاحات منشودة لا تصطدم بوعي الشارع ولا تنال من ثقافته ولاتتقاطع مع مبادئ الدين الحنيف ولا تعبث بإرثه ولاتهدف الى تدمير حضارته وازدهاره أو إيقاف عجلة العلم في غلق المدارس والجامعات التي تبني اجيال المستقبل  .

وليس هناك  شك ان العمل السياسي هو الأداة الوحيدة للدفاع عن مكتسبات هذا الشعب في المعتركات  ويصون الممتلكات العامة والخاصة ولكن اي قوة سياسية ان  لم تحقق أهدافها على المدى الطويل فغيرقادرة على فعل  الخير والوطنية في المدى القصير ولن تبقى الاحزاب اللاعبة في  السياسية من الفاسدين والتي انتهت صلاحيتهم او على وشك و يبدو انه لا مفر من ذلك اذا لم تصحح امرها .

الجماهير مطلوب منها خلق احزاب جديدة تحمل زخماً استثنائياً وجيلا جديداً واعياً وبقاعدة شعبية واسعة متفهمة تقود الشعب لينتفض له باخلاص وتفاني. وسيكون المظلة التي تترجم التضحيات والآمال إلى حقائق ملموسة وتقف بوجه من يريدون العبث و أن يركبوا الموجة ولكن بسلمية.. نعم.. نريدها سلمية بلا دماء، ونقية بلا دخان، وإنسانية بلا تدنيس للقيم والمعتقدات الدينية والمذهبية وهذه مسؤولية تضامنية  بين السلطة والمواطن.. حينها ستنتصر الإرادة، وتنتصر معها القيم،وهزيمة للظلم، ولم تكن الاحتجاجات الاخيرة ضد هيمنة مصالح اقتصادية فقط، بل كانت ضد سلوكيات تنطلق من أفكار خاطئة حول علاقة المواطن بالسلطة، إذ تم إلغاء جوهر الإنسان المرتبط بكرامته وترتب عن ذلك إلغاء حقوقه ومكاسبه وقيمته الإنسانية، ومن الطبيعي أن تنمو مشاعر الازدراء إزاء هذه الممارسات الخاطئة وكان ما كان ويجب الوقوف عندها بدقة . تبقى كل الخيارات وردات الفعل مفتوحة أمام الشباب المنتفض الذي فجّر الاحتجاجات الاخيرة  بعد أن فقدَ الأمل بغد أفضل، طوال مدار سنوات 16 الماضية وهي ليست بالقليلة.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

بكر السباتينكيف انسحبت مصر من تلك المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية، وما هي الجزيرة التي منحتها لليونان، ولمصلحة من تم كل ذلك؟

هل يحق لحكومة الوفاق الليبية إبرام اتفاقات إقليمية؟ وأسئلة أخر على محك الأزمة المنتظرة..

تركيا توقع مع حكومة الوفاق الليبية اتفاقاً حول ترسيم حدود المياه الإقليمية المشتركة بين البلدين، يخول تركيا التنقيب فيها عن النفط والغاز، ويقوم هذا الاتفاق الثنائي الذي وقعه رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي، ورفضته مصر واليونان وقبرص، وسط صراع بين تركيا والبلدان الثلاث على موارد الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، بمثابة اتفاق أمني يصب في مصلحة البلدين.

وفي سياق متصل جاءت ردود فعل مصر واليونان وقبرص فور إعلان الرئاسة التركية عن الاتفاقين العسكري والبحري مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية يوم الخميس الموافق 29 نوفمبر 2019، سلبية، حيث أخذها التصعيد إلى أزمة محتملة بين أطراف الصراع التقليديين، وقد أدانت الدول الثلاث الاتفاق واعتبرته "بلا أثر قانوني".

وهو ما أكده وزير خارجية اليونان نيكوس دندياس الذي زار مصر الأحد الماضي على نحو عاجل، لإجراء مباحثات مع نظيره المصري سامح شكري حول الاتفاق البحري الليبي التركي، وتوافق الوزيران على عدم شرعية قيام "السراج" بتوقيع أي مذكرات مع دول أخرى خارج إطار الصلاحيات المقررة في اتفاق الصخيرات. كذلك، تم استعراض التدخل التركي السلبي في الشأن الليبي بما يتعارض مع مجمل جهود التسوية السياسية في ليبيا"، حسبما ذكر بيان لوزارة الخارجية المصرية، فيما أكدت مصادر دبلوماسية أن الخطوة التركية تُحتّم الإسراع بتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة بين مصر واليونان، علماً أن مصر أخرجت نفسها قانونياً من المنطقة لصالح الكيان الإسرائيلي المتمدد دون كوابح.

وتستمر الذرائع المصرية في تعميق الخلاف الإقليمي حول الاتفاق الليبي التركي، فمن جانبه، أجرى زير الخارجية المصري سامح شكري، الخميس الماضي، اتصالاً هاتفياً بكل من وزير خارجية اليونان نيكوس دندياس ووزير خارجية قبرص نيكوس خريستودوليدس، حيث أكد الوزراء "عدم وجود أي أثر قانوني لهذا الإجراء الذي لن يتم الاعتداد به لكونه يتعدى صلاحيات رئيس مجلس الوزراء الليبي وفقاً لاتفاق الصخيرات، فضلاً عن أنه لن يؤثر على حقوق الدول المشاطئة للبحر المتوسط بأي حال من الأحوال".

من جانبه، قدم المستشار الدكتور مساعد عبد العاطي شتيوي، عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للقانون الدولي البراهين القانونية على عدم شرعية الاتفاق الليبي التركي قائلا: بأن" حكومة السراج لا يجوز لها إبرام مثل هذه المذكرات، سواء من الناحية الدستورية أو الواقعية، لأن ليبيا تعد متجاورة في الحدود البحرية مع مصر وهناك سلطة وحكومة ليبيا أخرى في شرق ليبيا، ولا توجد حدود مباشرة بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط، كما أن تعيين الحدود ليس عملاً أحاديا من منظور القانون الدولي، بل لابد أن تشارك به الدولة المتقابلة والمتلاصقة، ولا يجوز أن تنفرد حكومة الوفاق بمثل هذه المذكرات" لكنه لم يوضح علاقة مصر في الخلاف حول المياه الإقليمية المتنازع عليها ما دامت مصر تنازلت عن حقوقها القانونية لصالح الكيان الإسرائيلي ضد المصالح التركية ودون مراعاة لحقوق القبارصة الأتراك التي تمثلهم تركيا.

وتابع شتيوي لـ"اندبندنت عربية"، "إن تركيا دولة تقوم بممارسات تخالف القانون الدولي في شرق المتوسط، وتعترض سفن التنقيب داخل المياه القبرصية، وتقوم بعمليات تنقيب غير قانونية، كما أنها تعترض على الاتفاقيات البحرية المصرية -القبرصية، وأيضا أنقرة غير منضمة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982" وهذا بحد ذاته يعد اعترافاً من شتيوي بأن هذه الاتفاقية الأممية لا تلزم تركيا بكافة الأحكام الواردة بها، ولكنه يرى بأن عدم انضمام تركيا للاتفاقية يدلل على سلوك لا يحترم قواعد القانون الدولي، ويمثل تهديدا للأمن والسلم الدوليين، متناسياً العربدة الإسرائيلية على هامش القانون الدولي واحتلالها لفلسطين، وخاصة دخولها عن طريق مصر إلى المياه الإقليمية المشاطئة لتركيا وقبرص ولو على حساب الحقوق السورية واللبنانية في المياه الإقليمية المحاذية لمنطقة الخلاف.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما غاية مصر من هذا الرفض لاتفاق تركي ليبي لا يؤثر على المصالح المصرية لا من قريب أو بعيد بعد أن تنازلت عن مياهها الإقليمية في تلك المنطقة لصالح ما يسمى "إسرائيل" ضد تركيا!

فمنذ بداية حكمه عام 2014، قام السيسي بالتوقيع على الاتفاقية الإطارية لترسيم الحدود البحرية المصرية مع كل من قبرص واليونان (برغم رفض الحكومة المصرية توقيعها منذ 2006 في عهد الرئيس الأسبق مبارك)، وبدون الأخذ في الاعتبار حقوق القبارصة الأتراك التي يتنكر لها العالم باستثناء تركيا التي تعتبر نفسها الضامنة لتلك الحقوق من ضمنها المياه الإقليمية لشمال قبرص التركي، كما أن تقسيم تلك الحدود ينتقص من المياه الاقتصادية لتركيا لحساب اليونان، الأمر الذي قابلته تركيا بعدم الاعتراف بتلك الاتفاقية التي تمت لأغراض سياسية واضحة.. والتضحية التي قدمتها مصر لصالح خصوم تركيا كانت فادحة، حيث أسفر الترسيم الحدودي المصري اليوناني حينذاك عن تنازل مصر عن مساحة تعادل ضعف مساحة دلتا النيل في مصر، وتضم تلك المنطقة جزيرة "تشيوس" حيث تم التنازل عنها لليونان التي تعتبر من أشد خصوم تركيا الإقليميين، صحيح أن الحكومة المصرية تؤكد أن الجزيرة لم تكن مملوكة لمصر.. ولكن الدكتور خالد فهمي رئيس قسم التاريخ بالجامعة الأميركية بالقاهرة يؤكد بأن الجزيرة ظهرت في الخرائط التركية من ضمن الأملاك العثمانية، حيث وهبت لمصر عام 1813.

ليس هذا فحسب فقد خسرت مصر خلال ترسيمها للحدود مع اليونان منطقة غنية بالغاز الطبيعي كما صرح الدكتور نايل الشافعي وهو محاضر في معهد ماساتشوستس للتقنية وأحد المهتمين بقضايا الغاز، حيث أوضح أن حقل ليفياثان الإسرائيلي وإفروديت القبرصي يقعان ضمن المياه الاقتصادية المصرية الخالصة، وبتوقيع السيسي على الاتفاق مع قبرص يكون قد اعترف بالتنازل عن حقوق مصر في تلك الثروات، كما أسفر ذلك التنازل عن منح اليونان منطقة اقتصادية خالصة لجزيرة كاستلوريزو (المتنازع عليها مع تركيا)، فيتحقق بذلك تلامس حدود اليونان مع قبرص، ويؤدي هذا الإجراء لتلاصق الحدود البحرية لكل من إسرائيل وقبرص واليونان، بما يسمح بتمرير أنبوب للغاز الإسرائيلي والقبرصي لأوروبا دون أن تدفع إسرائيل وقبرص أي رسوم لمصر.

ويبدو أن مصر لا يهمها الخسارة المادية إزاء ما هو لمصلحة الكيان الإسرائيلي، وهذا يعيدنا إلى فضيحة عقد بيع الغاز المصري إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 2005 ويقضي العقد، حسب ما اعلنه المسؤولون المصريون آنذاك ( بتصرف- مدل إيست أون لان/ 2008) ، بقيام كونسورسيوم مصري -اسرائيلي اطلق عليه "غاز شرق المتوسط" بتصدير 1.7 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً الى شركة الكهرباء الاسرائيلية على مدى 15 عاما بقيمة اجمالية 2.5 مليار دولار.

واعتبر الخبير الاقتصادي في مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية آنذاك، احمد النجار ان عقد بيع الغاز لإسرائيل هو "فضيحة سياسية واقتصادية".

وقال النجار بأن وزارة النفط "تبيع الغاز للكونسورسيوم المصري الإسرائيلي بسعر 1.5دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية وهو ما يعني أن هذا الكونسرسيوم هو الرابح الأكبر من هذه الصفقة".

وأكد النجار حينها أنه "إذا أخذنا في الاعتبار سعر الغاز الآن في السوق العالمية فإن هذا العقد يكون قد تسبب لمصر بخسارة قدرها 7.3 مليار دولار".

إذاً لماذا تتناسى مصر السيسي كل هذه التنازلات وتنسحب لصالح المصالح الإسرائيلية ثم تعود كرأس حربة سياسية لمهاجمة الاتفاق الليبي التركي حول ترسيم حدود المياه الإقليمية الملتهبة بين شركاء إقليميين ليست مصر من بينها.

 

دراسة استراتيجية تحليلية

بقلم بكر السباتين..

 

 

 

عبد الجبار العبيديالدستور هو القانون الاعلى في البلاد الذي ينظم شكل الدولة ونظام الحكم فيها ومدى سلطتها أزاء الافراد وحقوقهم.. ولا يجوز لاي فرد او سلطة اختراقه او تعطيل مواده الا بموافقة السلطة التشريعية التي أصدرته.

يتكون الدستور العراقي من 139 مادة فقط.. وما اضيف عليها من مواد تعتبر خارج نطاق موافقة الشعب.. لذا فهي مزورة من حيث قانونيتها في التنفيذ.

العراق اول من اصدر الشريعة الدستورية في عهد آوركا جينا السومري (2380-2360 ق.م).. تضمنت لائحة الحقوق ومحاربة الفساد.. وهو اول قانون في الشرق القديم أنظر:"مكتبة المتحف العراقي " .

بعده جاء قانون (آورنمو السومري 2003-2011 ق.م) لتحقيق العدالة والحرية وضمان آمن البلاد.. ومحاربة الفساد في الدولة.. "مكتبة المتحف العراقي ".

ثم جاء قانون حمورابي سادس ملوك بابل فأصدر قانونه المعروف عام 1790 ق.م وتضمن 282 مادة عالجت كل اوجه النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة.. وتضمنت بعض مواده الحكم بالأعدام على كل من يتجاسر على آمن المواطنين وحقوقهم.. والتلاعب باموال الدولة ، واعطى للمرأة مكانة التكريم في القانون.. "مكتبة المتحف العراقي".

نعم.. الدستور عراقي المنشأ والاصل.. أي للقانون والدستور في عراق العراقيين له تاريخ.. لا يجوز أختراقه لأي سبب كان لقدسية القانون عندهم .

أنظر دائرة المعارف العالمية.. مكتبة الكونكرس الأمريكية واشنطن.. تجد فيها الكثير..

ثم جاءت وثيقة المدينة التي كتبت على عهد الرسول محمد(ص) في السنة الخامسة للهجرة ".. 630 للميلاد.. " وتضمت اكثر من 72 مادة ركزت على الحرية واحترام رأي الانسان فيما يعتقد . .ولا زالت نسخة من الوثيقة موجودة في المتحف البريطاني.. قسم الأرشيف.. لمن يرغب بالأطلاع عليها.. أنظر: محمد حميد الله – في كتابه الوثائق النبوية.

ثم جاءت وثيقة (الما كنا كارتا) البريطانية التي صدرت في عهد الملك جون عام 1215 للميلاد والمنظمة للحريات في انكلترا ومقاطعة ويلز.. والزمت الوثيقة بعدم مقدور احد التجاوز عليها بالمطلق.. وقد وضعت الوثيقة الملك تحت وطأة القانون..

ثم صدر الدستور الامريكي العظيم عام 1787 م مستوحياً افكاره من المفكر جفرسون متأثراً بأفكار الفرنسي جان جاك روسو وغيره من المفكرين الفرنسيين.. والذي اوصى باحترام حقوق الانسان والدولة وعدم التعدي عليهما بالمطلق.. ولا زالت محافظة على مطلقيتها دون اختراق الى اليوم.. أعتبرت ثيقة مقدسة..؟

 الدستور العراقي الجديد الذي صدر في 15-10-2005 م.. وتضمن اكثر من 142 مادة..

في المادة الثانية منه.. اعتبرَ الاسلام المصدر الاساسي للتشريع.. وهذا اول تناقض بين التشريع الديني والديمقراطية.. لأن المجتمع العراقي ليس كله من المسلمين..؟ فَسَجلَ المشرع تجاوزاً دستوريا بحق العراقيين من غير المسلمين منذ البداية بتأثير الفكر الديني المتزمت.. الذي ساهم في تدمير الوطن والقانون.

في المواد 6-7 من الدستور الخاصة بتداول السلطةعبر الوسائل الديمقراطية.. لم تتضمن المواد كلمة كيانات ، ولا مذهبية ولا اقلية.. ولا محاصصية في السلطة.. ولا مدن مقدسة.. فقد استخدمت تجاوزا على النص؟.. وهذا خرق دستوري اخر يعاقب علية القانون.

المادة (9) الزمت الحكومة بتكوين جيش وطني من كل افراد الشعب العراقي دون تمييز.. "بعد ان حلت الجيش المنظم باطلاً".. وحضرت المادة الدستورية تكوين مليشيات عسكرية خارج نطاق القوات المسلحة.. وهنا تمت مخالفة الدستوربالسماح بتكوين مليشيات بحجة الجهاد الكفائي الذي ينتهي بانتهاء مدة انتدابه للدفاع عن الوطن.. لكن المليشيات تحولت الى جيش عقائدي رديف.. وهذه مشكلة كبيرة سيعاني منها العراق مستقبلاً على طريقة حزب الله اللبناني والحرس الثوري الايراني..

في مجال الحريات العامة آلزمت المواد 14 ، 15 ،16 ، 17 المساواة في الحقوق امام القانون في الحريات الشخصية وحرية السكن.. والوظيفة لكل العراقيين دون تمييز.. وعدم احتجازالمواطن دون قانون.. وكل هذه المواد اخترقت في الدستور لصالح حزب الدعوة الاسلامية ،والحزب الاسلامي ،والاكراد ، والمليشيات.. دون النظر الى القانون وحقوق الاخرين من المواطنين..

المادة 18 رابعاً.. يجوز تعدد الجنسية للعراقي ،وعلى من يتولى منصباً سياديا او أمنيا رفيعاً ،التخلي عن اية جنسية اخرى مكتسبة ،وينظم ذلك بقانون. بقيت المادة غير مفعلة تجاوزا على الدستور.

المادة 27 :نصت على عدم التصرف في المال العام واملاك الدولة فهي ملك الجميع.. لم تُفعل.. تصرفت الرئاسات الثلاث ومن يتبعها في المال العام واملاك الدولة بعد ان وضعت لنفسها قوانين خاصة بعيدة عن حقوق المواطنين في الرواتب والامتيازات والمنافع الاجتماعية.. دون مبالاة بهدر المال العام. .أنظر مقابلة فائق زيدان مع الصحافة العراقية.. وكيفية استيلاء المسئولين على املاك الدولة..؟

المادة 47 نصت على تكوين مجلس النواب من328 نائبا "نائب لكل 100 الف شخص" يراعى فيه تمثيل كل ابناء الشعب العراقي ولا يجوز الجمع بين العضوية ومنصب اخر.. لم يُفعل القانون الا لصالح الكتل والأحزاب المهيمنة على السلطة. .

المادة59 نصت على تقديم الموازنة المالية السنوية والحسابات الختامية الى مجلس النواب لاقرارها.. المادة لم تُفعل في موضوع الحسابات الختامية في عدة دورات.. فظلت طي الكتمان..

 المادة 70 نصت على عدم تنفيذ حكم الاعدام الصادر من المحكة الابعد توقيع رئيس الجمهورية عليه.. خالف رئيس الوزراء نوري المالكي المادة الدستورية ووقع على اعدام رئيس الجمهورية السابق دون اخذ موافقة الرئيس.. مخالفة دستورية يجب المسائلة فيها.. وسيسأل غدا.. فالقانون فوق الرغبات الشخصية الانتقامية..

المادة 104 نصت على تأسيس مجلس الخدمة المدنية العامة لتولي شؤون الوظيفة العامة الاتحادية.. المادة لم تُفعل لسيطرة الاحزاب والكيانات على وظائف الدولة لحسابها دون الشعب فأفرزت لنا البطالة الأجبارية لغالبية الشباب من الخريجين وغيرهم دون قانون..

خالفت الرئاسات الثلاث المادة 123 فيما يخص الاستيلاء او تاجير المباني الحكومية واموال الدولة.. وانفردت بالمنطقة الخضراء ملك الشعب دون قانون.

المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها بين الاقليم والدولة.. مادة وضعت خطئاً.. لان الاراضي المتنازع عليها تقع بين دولة واخرى مجاورة وليست بين الاقاليم.. مخالفة دستورية وقانونية.. ولا زالت موضع خلاف قانوني ودستوري كبير.

ليعلم من بيده السلطة من العراقيين ان :

الدستور والقانون مرتبطان احدهما بالاخر أشد الأرتباط ، ولا يستطيع المشرع القانوني وصاحب الفقه الدستوري ان يتحدث عن الدستور حديثاً معقولاً الا اذا عرف ماهية القانون معرفة تامة.. لتحقيق مجتمع العدالة والرفاهية بين ابناء الشعب الواحد.. الدستور العراقي لم يفِ على الغاية من اصداره بهذا الخصوص.. فمن اشترك في صياغة الدستور كان جاهلا بالفقه الدستوري الرصين.؟.

من واجبات الدستور هو منع الحاكم من التلاعب بالثوابت الوطنية.. كالحدود والمياه والموارد الوطنية وحقوق المواطنين الاساسية.. لانها ملك الدولة والمواطن.. وان تلاعب بها لصالحه فان المسئولية القانونية المستقبلية عليه باهضة الثمن.. لذا فهي تتشابه مع الآيات الحدية في القرآن الكريم كالوصايا العشر"الأنعام 151-153" التي لا يجوز لاحد تجاوزها بالمطلق حاكماً كان ام محكوماً ومنه استق الدستور المحمدي"وثيقةالمدينة".. لكنها بحاجة الى رقابة التنفيذ.. فأين هم منها..؟ فكيف لو كانت الرقابة معدومة كما في وطن العراقيين اليوم؟..  لذا فالقادة في غالبيتهم فاسدون.. واعوانهم يؤيدون ويتصرفون حتى في ارواح الناس دون قوانين.. وفي الثوابت الوطنية في الحدود والمياه.. يبيعون؟ فأين الدين منهم كما يدعون؟..

وفي ظل فقدان الرقابة والمتابعة القانونية وسكوت القضاء عنهم.. اصبحت تصرفاتهم يحيطها الظُلم والانانية وأحتقار الناس.. وبها يحاولون نشر ثقافة الامرالواقع على القانون واخلاقية المجتمع.. فاي فائدة عادت بالتغيير السياسي على العراقيين الذي به يتبجحون.. بعد ان دمروا القيم والمبادىء والقانون..؟ حتى اصبحنا دولة بلا قانون..

ألم يكن.. سكوت المحكمة الاتحادية والمدعي العام وهيئة النزاهة والرئاسات الثلاث على الفساد تعتبر هي بمثابة اتهام بالخروج على الدستور الذي يحتم عليهم ترك المنصب ومحاكمتهم امام الشعب باعتبارهم شركاء في التقصير بالألتزام بالقانون..؟ .

اذن لا بد ان تزول امتيازات الطبقات التي تحسب نفسها ممتازة وهي وضيعة وخائنة للمبادىء والقيم لأن أمتيازاتها تُخل بنظام المجتمع السليم.. وان لا يعطى لمُشرع القانون اسما يخالف التطبيق كما في قانون العفو العام العراقي المزيف الذي حمى اللصوص من القانون.. أنظر هروب عبعوب والسوداني والنصراوي وغيرهم كثير.. كما في مجلس النواب العراقي الذي تديره كتل الامتيازات والهيئة العامة اللامستقلة للأنتخابات واللاقانون.. وكلهم فاسدون؟

 ولابد ان يؤكد الدستور على كل فرد في الجماعة ان يكون آمنا على معاشه فلا بطالة.. ولا عوز.. وان يؤمن له الرعاية الصحية والتعليم ولا تفريق بين المواطنين.. لا ان تكون الوظيفة لهم ولأبنائهم دون افراد الشعب الاخرين.. "أنظروا السفارات والمؤسسات الهامة ومن فيها"، – كلهم لا يحترمهم الشعب لانهم لا يعرفون الاحترام لانفسهم وسلطة القانون... تؤيدهم اقلام الخيانة والمصفقون.. وكما قال فولتير الفرنسي:" أينما وجد الظلم فكتاب السلطة هم المسئولون عنه.. لأنهم هم الاسرع في الخيانة والقدرة على التبرير" .

وليعلم الحاكم المتغطرس.. ان بالتوجه القانوني المطبق على الصحيح والمراقبة الجادة له.. ينشأ قانون عملي جديد للمعاملات بين الناس يقوم على الثقة بينهم وبين الحكومة.. وبأستمرار هذه الحالة الصحية الجديدة تسود الثقة والتفائل ويعم التقدم سائر نواحي النشاط الانساني وهنا يصبح التفكير في التحسن والتقدم عقيدة..

كما هو عند الأوربيين اليوم..؟

على من يتولى المسئولية الوظيفة والمالية والحقوق.. ان يضع مشكلة حقوق الانسان العراقي واحواله الحالية والمستقبلية موضع درس عميق لتفتح له الابواب في التفكير والتغييردون تفريق.. فالبيت المنقسم على نفسه مهدد بالزوال.

وهل يعتقد الحاكم وصاحب السلطة ان الفبركة الكلامية والقوة المفرطة والتغليس في تطبيق القانون ستنجيه من اختراق القانون .يخطأ من يعتقد ذلك.. والشواهد اليوم امامنا أكيدة وواثقة من حساب القانون.. فغالبيتهم نادمون.. من هرب هرب والباقون يفكرون".. حسين الشهرساني والخُزاعي والعشرات مثلهم مثالاً ".. لكن الندم لا ينفع على فراش الموت النادمين..

قال الحكماء الآوولون.. وايدها الرسل والانبياء بأن الحاكم عليه ان يكون على خلق متين.. وامانة وصدق.. وصفاء نية وبعد عن الخداع ليكون من الناجحين.. والا سيقع كما وقع كل خونة التاريخ في شرك القانون.

الانسان له عقل يتصرف به فتصرفوا بعقولكم لتستطيعوا التغلب على الظروف غير المواتية بدلا من الرضوخ لها وتركها تشكلكم كيف شاءت وتبقون دوما في عار المهمة من قبل من لا يستحقون التقدير.. ستخسرون اولادكم وابناءكم الذين علمتموهم السحر وطرق الاعوجاج في القانون وسيبقون مثلكم في مذمة التاريخ.

نعم نظامنا نظام عقيم " أجرد" لا يمكن ان ينبت فيه شيئاً.. مؤسسة الدين ناصحة لا اكثر على مؤسسة الدين ان تقول الحقيقة بعد ان وافقت على شرعنة التغييرفي 2003.

.. أنظروا اين تذهب موارد العتبات المقدسة المليارية ومدنها مخربة وبلا قانون.. واهلها جياع وبلا ماء ولانور ولا دواء يستجدون من الاخرين.. فأين من يقودون بالنصية والدين.. اما الاجدر بهم ان يخاصمون الخارجين على القانون والدين.

أنظروا اهل الغرب كيف يحترمون القانون.. فهل هم الكفرة ونحن المسلمون الذي سندخل جنات النعيم ونتمتع بحور العين والجنة من تحتها الانهار فيها خالدين.. نعم الا اذاهم فهموا قرآن محمد (ص) مثلما فهمه العلماء الحقيقيين.. لا المفسرين جهلاء التأويل..

القانون في الغرب "الكافر" انعزلت سلطة الدين عنه واصبحت موجهة ومراقبة للقانون.. ليس كما في مؤسساتنا الدينية التي استغلت سلطة القوة لصالحها واسبغت عل نفسها القدسية ولا مقدس الا الله والقرآن ولا غير..

من اليوم لا تقولوا نحن المسلمون افضل من الاخرين.. فالافضلية عند الله هو الحق والقانون.. "أعدلوا ولو كان ذا قربى".. ايها المغفلون..؟ فالدين ليس صوما وصلاة وخطب ومظهرية كاذبة.. وأنتم اول من خان الحق والقانون وحنث القسم واليمين.. فلا تبقوا تهرولون خلف المال وهدايا الباطل وقوة السلطة الغاشمة.. فالحب الذي يتغذى على الهدايا يبقى جائعا على الدوام.. احذروا الخطأ.. فأن الله والتاريخ لا يهملان من يتعمد الخطأ.. فأنتظروا الجايات من الله والشعب.. فللعراق تاريخ.. في الانتقام من الظالمين..؟

أقروا بالأنتقاضة وسلموا مقاليد الحكم للشعب والتحقوا بالمنهزم ظالم عبد المهدي لتواجهون التاريخ..

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

علي اسعد وطفة

(الطائفية حرب يربحها الشيطان ويخسر فيها الوطن الإنسان)

تواجه سورية اليوم – سورية موطن الأبجديات ومهبط الرسالات ومسقط الحضارات وأرض التخوم – تواجه أكثر التحديات الوجودية همجية وجنونا وبربرية في تاريخها الإنساني. ويتمثل هذا الخطر في مشروع حرب طائفية مذهبية عرقية دموية مدمرة لا تبقي ولا تذر. وقد تكاثف هذا الخطر في صورة تآمر هو الأخطر من نوعه في تاريخ سوريا والأكثر قدرة على الفتك بوحدة هذه الأرض وعظمة هذا الشعب،ويتمثل هذا التآمر في صورة مشروع شيطاني وحشي جهنمي يريد القضاء على وحدة سوريا وتدمير لحمتها الوطنية، ومن ثمّ تحويلها إلى مستنقع دموي رهيب تغذيه حروب مذهبية وطائفية عمياء طويلة الأجل يقودها طغاة قتلة سفاكون لا يرحمون.

هذه القوى المتصارعة على سورية تتفق بالمطلق على ضرورة إذكاء حرب طائفية ضروس من أجل تفكيك البلد وتدمير مقومات وجوده. والمشروع الطائفي المذهبي الذي يُروج له يشكل نقطة تقاطع بين عدة قوى إقليمية وصهيونية وعالمية. ويعرف الجميع أن المشروع الصهيوني في المنطقة يرى في الحرب الأهلية أعظم انتصار للصهيونية العالمية في تاريخها الأسود. فهذه الحرب انتصار مجاني لإسرائيل لا يتطلب منها أن تحرك ساكنا أو تطلق هاجنا. ومن ثم فإن اندلاع الحروب المذهبية في سوريا يشكل حلما صهيونيا يفوق كل أحلام الصهاينة في العالم عبر تاريخهم المديد.

في هذا المشروع المذهبي الطائفي الطرف يكون الصهيونية العالمية هي الرابح الوحيد التي ترى في الحرب الطائفية بين أبناء سوريا حلمها الاستراتيجي، وهناك أيضا تكمن مصالح الدول الكبرى وبعض الدول الإقليمية في المنطقة التي تستفيد من ضعف سوريا وتفككها وتدمير وحدتها.

والطرف الوحيد الخاسر في هذه المعادلة، في هذا المشروع الشيطاني الجهنمي، هو الشعب السوري، والإنسان السوري، والكيان السوري الذي سيدفع الثمن غاليا أيضا من أجل حرب طائفية مذهبية مدمرة لا ناقة للشعب فيها ولا جمل ولا حمل.

وتأسيسا على ما تقدم نجد أن مشروع الحروب المذهبية الشامل بين مختلف مكونات الشعب السوري يتقدم على محورين أحدهما في مجال الممارسة المذهبية والثاني في مجال الفكر والثقافة الطائفية:

- المشروع المذهبي الطائفي يتقدم على الأرض بدعم وتأييد وبرمجة منظمة الجماعات المتطرفة المرتبطة بأهداف خارجية وإقليمية.

- المشروع المذهبي الطائفي يتقدم في المستوى الفكري الثقافي وهو اليوم يحتل مكانه بوصفه ظاهرة ثقافية حاضرة متقدمة في مختلف الأنساق الفكرية، وبالطبع هناك من يغذي هذا الفكر الطائفي المذهبي إعلاميا وفكريا وثقافيا.

ونحن إذا في مواجهة نزع طائفي مذهبي تتضافر فيه الثقافة الطائفية المذهبية مع الممارسة الطائفية المذهبية على الأرض مدعومة ومعززة من قبل النظام السياسي القائم وأطراف أخرى.

ويعرف الجميع اليوم من مثقفين ومفكرين أن الممارسات الطائفية بدأت على الأرض وقوامها الخطف الطائفي والقتل المجاني وسفك الدم بخناجر المذهبية والطائفية الذي يذهب ضحيته مختلف أبناء الوطن على أساس التناوب المذهبي (قتل الناس وإيهامهم بأن طرفا مذهبيا يقتل لتأجيج الفتنة).

ومن المحزن جدا اليوم أن تتعالى وتيرة الثقافة الطائفية حتى بين كثير من المثقفين والعارفين، حتى أن بعضهم يعلن بصورة واضحة انقلابه على علمانيته ووطنيته وقيمه الديمقراطية ويعلن مواقفا مذهبية وطائفية. ومن يتجول على صفحات المواقع في (الفيس بوك والتويتر) ويتأمل في كثير من المقالات التي تحمل مع الأسف هذا النفس الطائفي والمذهبي المتزايد بتأثير الأحداث المرعبة وتحت تأثير القتل الممنهج الذي يمارسه النظام.

من المؤسف أن عددا كبيرا من المثقفين انفعل مع المشروع الفكري الطائفي بدلا من أن يكون فاعلا فيه وبدأ يروج له دون أن يدري بأن كل فكرة طائفية هي مشروع قتل للأمة وفتك بالإنسان. وقد فات هؤلاء المفكرين والمثقفين أن الحروب المذهبية لا يربح فيها إلا الشيطان ويخسر الوطن والإنسان دائما وهذه قاعدة ذهبية تاريخية يعرفها الحكماء والمفكرون .

ومن الواضح أن كثيرا من المثقفين انتصروا للشيطان وانقلبوا على معادلة الثقافة نفسها فأصبحوا مع الشيطان ضد الوطن والأرض والإنسان. وهذا يعني أن المثقف لم يستطع أن يمارس دورا ثقافيا حقيقيا بل دورا مضادا للثقافة والإنسان ،  وهذا يدل على أن ثقافة المثقفين (واقصد المثقفين الذي انساقوا للغريزة دون العقل) هي ثقافة سطحية شكلية لم تصل إلى العمق ولم تكن جوهرية في أي حال من الأحوال.

كم هو جميل أن نتوسم الخير في هؤلاء المثقفين جميع المثقفين والمفكرين وأصحاب الرأي والثقافة من أجل العمل على  محاربة المشروع الثقافي الطائفي المذهبي العرقي القبلي من أجل وحدة الإنسان والشعب والحضارة والكرامة في سوريا ثانيا.

يجب أن نعلم علم اليقين بأنه في سوريا طائفتان اجتماعيتان لا ثالث لهما وتلك هي الرؤية الموضوعية التاريخية لما يحدث في سوريا:

أولا: طائفة المتعصبين المستبدين وهي من مختلف الطوائف والمذاهب والأديان والقبائل والإثنيات. وهذه الطائفة تتكون من فرعين: طائفة اجتماعية نخبوية (سياسية ثقافية دينية عسكرية) ارتبطت مصيريا بالنظام السياسي واستفادت من وجوده وهي طبقة تعي مصالحها ولا تستطيع الانفكاك عنه وستدافع عن وجوده لأن النظام يمثل وجودها ومصالحها، وطائفة أخرى مروضة مستلبة تمّ تزييف وعيها وتشكيله على نحو سلطوي، وهي بحكم اغترابها واستلابها تناصر النظام أيضا دون أن تدري مصالحها الحقيقية وهذه الطبقة المستلبة تمثل فقراء النظام من موظفين وتابعين وجند ومحرومين وهي تعتقد بأنها جزء من النظام دون أن تدري بأنها تشكل موضوع استغلاله واستلابه.

ثانيا: طائفة من الأحرار المهمشين والمغلوبين والمقهورين الذي أدركوا درجة الهامشية والذل والعدمية التي وضعهم فيها النظام. وهذه الطائفة عاشت على أطراف المدن وفي الحارات الشعبية وكانت دائما عرضة لاستغلال النظام وهمجيته وهي أقل تمدرسا في المجتمع وذلك بحكم التهميش الاجتماعي (تجار صغار مهنيون فنيون حرفيون مثقفون صغار مستقلون مهاجرون). وهذه الطبقة هي التي تشكل عماد الثورة ولحمتها وقوتها.

ومما لا شك فيه أن الصراع الحقيقي هو في جوهره صراع بين الظالم والمظلوم بين القاهر والمقهور بين الغالب والمغلوب بين أرباب النظام والشعب. وهذا يعني أن الصراع لم يكن أبدا ولن يكون صراعا بين طوائف ومذاهب وأقليات بل بين القاهرين المستبدين والأحرار المقهورين.

ومن هنا فإن كل تقوّل طائفي وكل تفكير مذهبي وكل خاطرة مشحونه بالتعصب المذهبي والطائفي والقبلي تشكل خطرا على الثورة وعلى القيم وعلى الإنسان. وأقولها بصراحة إن التفكير المذهبي والطائفي أفقد الثورة كثيرا من عزوتها وقوتها واستنزف دماءها.

وحري بنا نحن المثقفين والمفكرين أن نحارب المشروع الطائفي، والحرب تكون بالثقافة والكلمة والفكر والعمل في مختلف المستويات والاتجاهات من أجل الانتصار للثورة والحرية والكرامة في بلادنا. فالحرب الطائفية والمذهبية دمار للوطن والإنسان والكرامة والشجر والحجر. ومن هنا علينا نحن المثقفين أن نقدم فهما أصيلا رشيقا ضد كل أشكال التفكير الطائفي والمذهبي، وعلينا في هذا الاتجاه أن نرفض الأهازيج الطائفية القاتلة والمسمومة وأن نحاربها بمنهجيات واستراتيجيات عاقلة ذكية.

الفكر الطائفي سمّ زعاف يقض على الثورة والوطن، والتاريخ يعلمنا أن الوطن لا يبنى إلا بتماسك أبنائه وتضافرهم وتوادهم وتراحمهم. لا للقول الطائفي.. لا للمذهبية.. لا للطائفية.. لا للتعصب مهما حدث.. ومهما عمل النظام على تأجيج الفتن وذرع أفخاخ التعصب. المشروع السياسي للنظام طائفي يجب أن نحاربه أن ندمر مكوناته، المشروع السياسي للنظام مذهبي يجب أن نجتثه. وإذا كنا نحن المفكرين والمثقفين لا نستطيع أن ننتصر في مجال الثقافة الإنسانية فلن يكون للثورة انتصارها في ميدان الصراع على الأرض بين الطغاة والأحرار والثوار. إذا كنا لا نستطيع أن نوحد صفوفنا في مواجهة المذهبية والطائفية والحرب الأهلية يا لبؤس الثقافة والمثقفين.

حري بالمثقفين السوريين الأحرار اليوم أن يقاتلوا على جبهتهم الخاصة وينتصروا  للتسامح وبناء الروح الوطنية والإحساس بالانتماء لا بالطائفية والمذهبية، عليهم اليوم أن يعلموا الناس أن الناس تحكمهم مصالحهم ومواقعهم الاجتماعية لا طوائفهم ومذاهبهم، أن يعلموا الناس أن جغرافية الثورة هي جغرافيا الوطن وليس جغرافيا المذاهب والطوائف، وأن الطائفية دمار للوطن، وأن الناس لا يعاقبون إلا على الفعل والعمل، عليهم أن يعلموا الناس قيمة التسامح والمودة والمحبة، و أن كل فكرة طائفية أو مذهبية أو توتر مذهبي هو قتل في سوريا وتدمير لمكونات جودها، عليهم أن يعلموا الناس كيف يتسامحون وكيف يفكرون بطريقة يكون فيها الولاء للإنسان والوطن، وأن الولاء للوطن يكون برفض كل ولاء مضاد للوحدة الوطنية، وأن الفكر الطائفي هزيمة للوطن والكرامة والحرية وانتصار لنظام العبودية والذل والمهانة والإكراه، أي :أنه انتصار للنظام القائم وانتصار للعبودية والإكراه على الحرية والكرامة. فانتصار الثورة لا يكون إلا بوطن واحد وأرض واحدة وتاريخ واحد ومواطنة واحدة لا تغاير فيها. انتصروا للثورة بالانتصار على المذهبية والطائفية والإثنية والعرقية والقبلية. والثورة تهزم الإنسان في سوريا يهزم الحضارة في سوريا ستهزم إذا انتصرت الطائفية والمذهبية.

كم نتمنى على المثقفين أن يبدعوا طرقا وأساليب ومنهجيات في مجال بناء استراتيجيات ثقافية وطنية تحافظ على وحدة الوطن وتسقط المشروع الطائفي المذهبي للنظام والقتلة والمأجورين. إذ لا بد للمثقفين من بناء مشروعهم الثقافي الوطني في مواجهة المشروع الطائفي المذهبي وتدميره، لا بد لهم من تدمير قيم التعصب المذهبي والطائفي وحماية الثورة من سموم المذهبية والطائفية. كم نتمنى على المثقفين اختراق الوعي الجماهيري المعبأ بالطائفية وتحرير هذا الوعي من مكوناته وبث الطمأنينة في النفوس الخائفة. وهذا هو المشروع الثقافي المضاد لمشروع النظام الطائفي والذي يمكن الثورة من تحقيق انتصارها في الجبهة الفكرية والثقافية. وأخيرا لنتعلم ونعلم الناس قول الله عزّ وجل" من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً» المائدة 32. صدق الله العظيم.

 

أ.د. علي أسعد وطفة

2014

 

رياضـالسنديمقدمة: كيف يمكن وصف طلب إستقالة عادل عبد المهدي من رئاسة الحكومة والموجّه إلى البرلمان، من الناحية الدستورية والقانونية؟

وقبل إعطاء الوصف القانوني لطلب عبد المهدي، فإن من الضروري تقديم تعريف لهذه المصطلحات أولا، بقصد إدراك المقصود بها وأثارها القانونية.

يقصد بالإستقالة: الاستقالة هو الفعل الرسمي الذي يقوم به الشخص بالتخلي عن وظيفته أو منصبه. تكون الاستقالة إن قام شخص ما بترك منصب له أو عمل حصل عليه بالانتخاب أو بالتوظيف، بينما لا يعتبر ترك المنصب أو الوظيفة مع انتهاء الفترة المحددة استقالة منه. في حال الوظيفة، فعندما يختار موظف ما ترك عمله بنفسه فهو يعتبر استقالة، وذلك على عكس الفصل أو إنهاء العمل الذي يكون إما بانتهاء مدة العقد المحدد أو بقرار من الشركة بفصل الموظف.

فالاستقالة هي عبارة عن طلب يقدمه الموظف يعلن فيه رغبته بترك وظيفته دون ضغط ولابد من وجود سبب لقبول الاستقالة.

وعلى العموم لا يلجأ أحد للاستقالة وهو يعتقد أن البدائل أقل جودة، سواء على مستوى الراحة النفسية أو المادية، وتبقى الحكمة مطلوبة في اختيار التوقيت المناسب للاستقالة وانتقاء الطريقة المناسبة في التعامل مع العمل الذي سيصبح من الماضي.

وجرياً على ذلك، يمكن إعتبار إستقالة وزير الصحة السابق الدكتور علاء الدين العلوان بتاريخ 15 أيلول 2019، إستقالة من هذا القبيل.

ويقصد بسحب الثقة: حجب الثقة في المقام الأول عبارة عن بيان أو تصويت ينص على أن شخصًا ما يشغل منصبًا رفيعًا، سواء كان المنصب حكوميًا أو إداريًا أو غير ذلك، لم يعد صالحًا للاستمرار في هذا المنصب. وقد يكون هذا بسبب تقصير الشخص المذكور في بعض الجوانب أو بسبب إخفاقه في القيام بالتزاماته أو بسبب قيامه باتخاذ بعض القرارات التي يرى بقية الأعضاء أنها تمثل ضررًا.

في القانون، يُعد اقتراح حجب الثقة (ويُطلق عليه أيضًا التصويت على حجب الثقة أو اقتراح توجيه اللوم أو اقتراح سحب الثقة أو (فشل) اقتراح منح الثقة) إجراءً برلمانيًا من شأنه أن يبرهن لرئيس الدولة أن البرلمان المنتخب لم يعد لديه ثقة في (واحد أو أكثر من أعضاء) الحكومة المعينة السلطة التنفيذية (الحكومة).

وسحب الثقة أشبه بالفصل من الخدمة أو إنهاء العمل وهو الحدث الذي يتم فيه فصل الموظف من وظيفته من قبل صاحب العمل، وذلك على عكس الاستقالة التي تتم بقرار إرادي من الموظف نفسه لإنهاء العمل. يكون الفصل من الخدمة عادة بسبب خطأ من قبل الموظف أدى إلى حدوث أضرار كبيرة في العمل، لذلك عادة ما يعتبر الفصل من الخدمة أمرا معيبا وعارا لصاحبه، كما أنه قد يؤدي في الكثير من الأحيان إلى مشاكل للشخص أثناء بحثه عن عمله التالي. كما لا يمكن إعادته لوظيفته السابقة.

ويختلف سحب الثقة في النظام البرلماني عنه في النظام الرئاسي، حيث إن مسؤولية الوزارة في النظام البرلماني جماعية وتضامنية وبمجرد سحب الثقة عن رئيس الحكومة، فأن الحكومة تسقط بكاملها لإنها طاقم أو فريق رئيس الحكومة وهو الذي إختارهم. أما في النظام الرئاسي فأن كل وزير هو مسؤول أمام رئيس الجمهورية نظراً لعدم وجود رئيس للوزراء في هذا النظام.

وهناك حالة قانونية أخرى، وهي حالة الإقالة. ويقصد بالإقالة: قرار إداري يمنع الموظف من استمراريته بالعمل، وبالأغلب يكون هناك تحذير قبلها بوقت. ولم يشر إليها دستور العراق الحالي فيما يخص رئيس الوزراء لأنه إستعاض عنها بسحب الثقة، ولكنها وردت الأشارة إليها فيما يخص الوزراء فقط، وحصر حق إقالة الوزير برئيس الوزراء، حيث نصّت المادة (78) بقولها: " رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بإدارة مجلس الوزراء ويترأس اجتماعاته، وله الحق بإقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب". كما ورد ذكرها في النظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم (2) لسنة 2019 والصادر في 18/3/2019، والمنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 3533 في التاريخ المذكور، حيث نصّت المادة 16 في الفقرة ثانياً منها على ما يلي: " للرئيس الطلب من مجلس النواب إقالة الوزير عملا بأحكام المادة (78) من الدستور".

وهكذا نجد، أن الفرق بين الإستقالة والإقالة هو، أن الاستقالة طوعية (تقدم من قبل الموظف). أما الإقالة فهي جبرية من قبل الإدارة (كالإستغناء عن خدمات الموظف لعدم رضاها عن أدائه) بما يقضي بعدم إمكانية إعادته أو تكليفه بأي عمل مماثل مجدداً، بعكس الإستقالة التي تجيز ذلك. 

ملاحظات على طلب إستقالة عبد المهدي

إذا أمعنّا النظر بطلب الإستقالة المقدم من رئيس الوزراء، فإننا نرى أن شروط الإستقالة لا تتوفر في هذا الطلب. وكان من الممكن إعتبار طلب عادل عبد المهدي إستقالة إرادية لسبب وجيه لو قدّمها قبل إندلاع التظاهرات والإحتجاجات في العراق منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر الماضي. كما إن السبب أو الأسباب التي أوردها في طلبه المقدم إلى رئيس مجلس النواب بتاريخ 29/11/2019 غير منطقي ومخالفة للدستور والقانون للأسباب التالية:

ذكر رئيس الوزراء أنه يقدم إستقالته عن منصب رئيس الوزراء (إستجابة لنداء المرجعية ...) وهذا يعني إن إستقالته ليست بإرادته الحرة وإنما أرغمته المرجعية على ذلك. وهذا يطرح إشكالية قانونية وهي إن المرجعية هي التي منحته الثقة، وهي تنزعها منه اليوم، وليس البرلمان الذي صوَّت بأغلبية النواب الحاضرين وهم 220 من أصل 329 نائب، على منح الثقة به وبحكومته في (جلسة منح الثقة للحكومة) بتاريخ 25 تشرين الأول/أكتوبر 2018، وأدى اليمين الدستورية مع 14 وزيراً من أصل 21 وزيراً. كما إن هذا يوحي بأن المرجعية الدينية الشيعية هي أعلى من البرلمان العراقي، وهذا توجه خطير، ويثبت إن النظام الساسي السائد في العراق هو نظام ديني مذهبي قائم على حكم الطائفة الواحدة.

جاء في طلب إستقالة عبد المهدي الخطية بخط يده، بأنه يستقيل (إستجابة ... لمطالب الشعب)، وهذا يرتب نتائج قانونية خطيرة، وهي: -

إن هذا الطلب ليس بإرادته الحرة المختارة وإنما إستجابة لطلب الشعب الذي وجده فاشلا هو ووزرائه وغير أهل للثقة، فطلب إقالتهم جميعاً. والواقع، إن تقديم الطلب جاء بعد إندلاع التظاهرات قبل شهرين، وبعد إجراءات الحكومة بقمعها بكل الوسائل من بينها إطلاق الرصاص الحي عليهم، مما أدى إلى مقتل أكثر من 400 متظاهر في أقل تقدير، وجرح أكثر من 20 ألف أخرين.

تأسيساً على النتيجة السابقة، فأن الوصف القانوني لهذا الطلب هو (الإقالة) وليس الإستقالة، مثل فصل الموظف من عمله من قبل صاحب العمل أو رئيسه، وليس بإرادته كما في الإستقالة.

وتاسيساً على النتيجة الثانية السابقة، فإن الإقالة لا تعفيه هو وحكومته من المسؤولية القانونية الجزائية عما إرتكبه هو وحكومته وإدارته من جرائم تجاه الشعب عموماً والمتظاهرين خصوصاً. ويؤكد ذلك، النداء الذي أطلقته العشائر العراقية في محافظة ذي قار بعد مجزرة دامية جرت هناك يوم الخميس الماضي 28 تشرين الثاني/ نوفمبر، بقولها: (موش تذبها وتخلص... لازم تصعد بيها إعدام) أي (ليس فقط أن ترمي إستقالتك وتفلت من العقاب.. بل يجب معاقبتك على جرائمك بالإعدام).

والسبب الأغرب والذي يثير الإستغراب حد الضحك، هو ما ورد في طلب الإستقالة الذي قدّمه عبد المهدي بأنه يعلن إستقالته لسبب أخر قائلا: (وعدم قدرتي من العمل مع مجموعة من اللصوص وسراق المال العام). والواقع إن عبد المهدي هو أحد أعضاء مجموعة (اللصوص) التي ذكرها، وأحد (سراق المال العام) وفضيحة سرقة أفراد حمايته لمصرف الرافدين - فرع الزوية في آب/أغسطس 2009، عندما كان عادل عبد المهدي يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، ولم يستطع تبرئة نفسه منها حتى الآن. وكذلك تكليف عدد من عناصره العاملين في ممثلية العراق في الأمم المتحدة في جنيف من بيع سكائر غير مرسّمة كمركياً من السوق الحرة للدبلوماسيين وبيعها بأسعار مضاعفة وبكميات كبيرة بلغت أقيامها مليون يورو، وقد ألقت الشرطة الفرنسية بالتعاون مع الشرطة السويسرية القبض على إثنين من العاملين في الممثلية، وإتضح أثناء التحقيق إنهم من أتباع عبد المهدي كما أفادوا هم بأنفسهم وإتصل أحدهم به في مكتبي عندما كنت نائباً للسفير هناك عام 2012، وقد نشرتُ عن ذلك في مقال مستقل، كما نشرت الصحف والمواقع السويسرية عن الحادث. وقد جرى غلق التحقيق من السفير محمد علي الحكيم (وزير الخارجية الحالي). [1] 

في الدستور العراقي النافذ

الدستور العراقي النافذ حالياً هو دستور العراق لعام 2005، وتجدر الإشارة إبتداءاً بأن هذا الدستور لم يذكر حالة إستقالة رئيس مجلس الوزراء أو رئيس الحكومة، وإنما أورد حالة سحب الثقة من الحكومة في المادة

ونظراً لخلو دستور العراق من حالة الإستقالة، فهنا يجب الرجوع إلى القواعد العامة في هذا المجال. وتشترط القواعد العامة للإستقالة، الشروط التالية:

أ‌- أن تكون الإستقالة إرادية.

ب‌- أن تكون تحريرية ويفضل أن تكون خطية بخط يد المستقيل، لإثبات الشرط الأول السابق في أعلاه، وهو إن الأستقالة هي طوعية وبإرادته الحرة ودون تأثير أو ضغط.

ت‌- يجب أن تكون الإستقالة مسبَّبة. أي أن يذكر سبب أو أسباب الإستقالة، لإنها إعتراض على حالة واقعية للوظيفة.

ث‌- لا ترتب الإستقالة أية مسؤولية على المستقيل، لأنها رفض لواقع إداري خاطيء، أو تعبيراً عن الرغبة في واقع أفضل. مثل أجر أعلى أو درجة وظيفية أفضل.

ج‌- يجب أن لا تكون الإستقالة عند إنتهاء مدة عقد العمل، أو عند الإستجواب، أو عند التحقيق في إنتهاك قانوني، لأن ذلك يعّد تهرباً من المسؤولية وتخلصاً من العقوبة

ولو دققنا في الوقائع التي أدت إلى تقديم عبد المهدي لإستقالته، لوجدنا إنه قدّمها مرغماً وليس بإرادته، بدليل أنه قال فيها إنها تأتي إستجابة لنداء المرجعية ومطالب الشعب. وقد سبق له رفض تقديمها لأكثر من مرة، وطيلة 60 يوماً من إندلاع حركة الإحتجاجات في العراق، وحتى تاريخ 26 من شهر نوفمبر الجاري بقوله: إنه مرشح المرجعية، ولم يصعد على أكتاف أحد، وهو لن يستقيل إلا إذا طلبت المرجعية منه ذلك.

كما إنها جاءت بعد أن شهدت محافظة ذي قار في جنوب العراق موجة إحتجاجات كبيرة، قامت السلطات بقمعها بالرصاص الحي بقسوة مما أدى إلى مقتل 47 شخصاً وجرح أكثر من 100 شخص في يوم واحد.

لذا، فإن إستقالته هي للتهرب من المسؤولية القانونية الجنائية، بقصد التخلص من المحاكمة والعقاب. وإن ذلك لا يعفيه منها بأي حال بالأحوال.

أما حالة سحب الثقة الواردة في دستور العراق الحالي، فقد أوردته المادة 61 من الدستور بقولها: يختص مجلس النواب بما يأتي: -

ثامناً:

أ ـ لمجلس النواب سحب الثقة من أحد الوزراء بالأغلبية المطلقة ويعد مستقيلاً [2] من تاريخ قرار سحب الثقة، ولا يجوز طرح موضوع الثقة بالوزير إلا بناءً على رغبته أو طلب موقع من خمسين عضواً، إثر مناقشة استجواب موجه إليه، ولا يصدر المجلس قراره في الطلب إلا بعد سبعة أيام في الأقل من تأريخ تقديمه.

ب ـ

1- لرئيس الجمهورية تقديم طلب الى مجلس النواب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء.

2- لمجلس النواب بناء على طلب خمس "1/ 5" أعضائه سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، ولا يجوز أن يقدم هذا الطلب إلا بعد استجواب موجه إلى رئيس مجلس الوزراء وبعد سبعة أيام في الأقل من تقديم الطلب.

يقرر مجلس النواب سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه.

ج ـ تعد الوزارة مستقيلة في حالة سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء.

د ـ في حالة التصويت بسحب الثقة من مجلس الوزراء بأكمله يستمر رئيس مجلس الوزراء والوزراء في مناصبهم لتصريف الأمور اليومية لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً، إلى حين تأليف مجلس الوزراء الجديد وفقاً لأحكام المادة "76" من هذا الدستور.

وقد كررت ذلك، المادة (64) من النظام الداخلي لمجلس النواب المرقم 50 والمنشور بجريدة الوقائع العراقية العدد 4032 بتاريخ 05/02/2007 بقولها:

أولاً: لمجلس الرئاسة، تقديم طلب الى مجلس النواب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء

ثانياً: لمجلس النواب وبناءً على طلب خُمس أعضائه طرح سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء إثر استجواب موجه إليه، ولا يجوز أن يقدم هذا الطلب إلا بعد سبعة أيام في الأقل من تاريخ تقديم الطلب.

ثالثاً: يقرر مجلس النواب سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه.

كما تكرر ذات النص في قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم 13 لعام 2018، بالمادة 31 منه بقولها: "للنائب وبموافقة خمسة وعشرين عضوا توجيه استجواب الى رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء أو مسؤولي الهيئات المستقلة أو المحافظين لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل في اختصاصهم." 

ويمكن أن نستخلص شروط سحب الثقة عن رئيس مجلس الوزراء، وهي:

أن مجلس النواب هو الجهة الوحيدة التي يحق لها سحب الثقة من رئيس الوزراء.

إن طلب سحب الثقة يقدم من رئيس الجمهورية أو بطلب خُمس 1/5 أعضاء مجلس النواب، أي من (66) نائباً. في حين نصت المادة 58 من النظام الداخلي لمجلس النواب النافذ على أن يقدّم طلب الإستجواب من نائب وبموافقة (25) نائباً فقط. [3]

إن طلب سحب الثقة يقدم إثر مناقشة إستجواب رئيس الوزراء.

يقدم طلب سحب الثقة بعد سبعة أيام في الأقل من إستجوابه.

أن يتم التصويت عليه بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه ال (329)، أي بتصويت (165) نائب على سحب الثقة.

تعد الوزارة مستقيلة في حالة سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء.

في حالة سحب الثقة، تستمر الحكومة بتصريف أعمالها لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً. 

التكييف القانوني لطلب عبد المهدي

بعد هذا الشرح والتوضيح لحالات الإستقالة، والإقالة، وسحب الثقة، فماذا يمكن أن يكيّف طلب إستقالة رئيس وزراء العراق عادل عبد المهدي المشار إليه في أعلاه؟

من الناحية الدستورية، فإن الدستور العراقي لم يطرح سوى حالة قانونية واحدة تخص رئيس مجلس الوزراء، وهي حالة سحب الثقة. وهذه الحالة يجب أن يسبقها إستجواب لتقييم أداء رئيس الوزراء أو الوزراء في الشؤون التي تدخل في اختصاصهم. ومناقشته وإصدار قرار سحب الثقة بالتصويت عليه بالأغلبية المطلقة.

ولكن رئيس الجمهورية برهم صالح الموالي لإيران، لم يقدم إلى مجلس النواب طلب سحب الثقة عن رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، إستناداً لصلاحياته المنصوص عليها بالمادة 61 ثامنا/ب. كما إن مجلس النواب وخاصة رئيسه محمد الحلبوسي المحسوب على إيران أيضاً، قد رفض إستجواب رئيس مجلس الوزراء، على الرغم من تقديم طلب إستجواب عادل عبد المهدي، موقّع من (119) عضو، قدّمه النائب عدنان الزرفي، بتاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري استناداً إلى أحكام المادة 61 سابعا/ج من دستور العراق، والمادة 58 من النظام الداخلي لمجلس النواب [4] رقم 50 لسنة 2007 (الملغي) [5]مستنداً للأسباب التالية: -

إخفاق السيد رئيس مجلس الوزراء في تنفيذ البرنامج الحكومي المصادق عليه من قبل مجلس النواب.

إستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين وسقوط عدد كبير من القتلى في صفوف المتظاهرين السلميين.

الإخفاق في تنفيذ قانون الموازنة العامة الإتحادية لعام 2019 وعدم تنفيذ بنوده وفقراته.

وإزاء عدم القيام مجلس النواب بإجراءات إستجواب رئيس مجلس الوزراء فلا يمكن القول إننا أمام حالة سحب الثقة عن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.

كما لا يمكن تكييف الحالة المذكورة بطلب عادل عبد المهدي المذكور بانه إستقالة، لعدم ورود حالة إستقالة رئيس مجلس الوزراء في نصوص دستور جمهورية العراق النافذ لعام 2005، وبالتالي فإن الدستور النافذ لم يجيز رئيس الوزراء.

فما الحكم القانوني لهذه الحالة إذاً؟

لم تبق سوى حالة إقالة رئيس الوزراء من قبل الشعب الذي هو مصدر السلطات وفقاً لنص المادة (5) من دستور جمهورية العراق النافذ بقولها: "السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية".

وبهذا فإن الشعب قد أقال رئيس وزراء الكابينة الخامسة لحكومة عادل عبد المهدي، وعزلها بكامل وزرائها بإعتبارها مستقيلة وفقا للمادة الدستورية 61 من دستور العراق النافذ والنصوص القانونية ذات الصلة. وهي حالة نادرة تجرى لأول مرة في العراق. وهي حالة تدل على إستعادة الشعب العراقي لسلطاته المغيبة طيلة 17 سنة، بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وهيمنة إيران على الطبقة السياسية في العراق. وبالتأكيد ستسعى هذه الطبقة وبدعم من ربيبتها إيران على الإلتفاف على إرادة الشعب العراقي في ثورته المباركة للتخلص من الهيمنة الإيرانية وحكومات الفساد لإنقاذ العراق وشعبه.

د. رياض السندي

دكتوراه في القانون الدولي

كاليفورنيا في 30 نوفمبر 2019

.....................

[1] أنظر مقالنا، تهريب السجائر في الدبلوماسية العراقية، موقع مانكيش نت في 2016-08-24، وكذلك مقال غرامة مالية ثقيلة لموظفيْن بالبعثة العراقية بجنيف يهربان السجائر ويتاجران بها، موقع سويس إنفو الرسمي (Swiss info) في 23 أغسطس 2016.

 

[2] أخطأ مشرّع الدستور العراقي لعام 2005 بإعتبار الوزير الذي تسحب منه الثقة، مستقيلا. والصحيح أنه أقيل وليس إستقال. أي إننا أمام حالة إقالة بعد إستجوابه والتحقق من تقصيره، وليس إستقالة بناءاً على رغبته هو. لإن الإستقالة طوعية وبإرادة الوزير، أما الإقالة فهي قرار الجهة العليا الإدارة بمنع الموظف من الإستمرار بالعمل.

[3] نصّت المادة 56 من النظام الداخلي لمجلس النواب على ما يلي: لعضو مجلس النواب، وبموافقة خمسة وعشرين عضواً توجيه استجواب إلى رئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو الوزراء لتقييم أدائِهم في الشؤون التي تدخل في اختصاصهم، ولا تجري المناقشة في الاستجواب إلا بعد سبعة أيام في الأقل من تقديمه. وقد تكرر نفس النص في المادة 31 من قانون مجلس النواب وتشكيلاته لهام 2018، بقولها: للنائب وبموافقة خمسة وعشرين عضوا توجيه استجواب الى رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء أو مسؤولي الهيئات المستقلة أو المحافظين لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل في اختصاصهم.

[4] تنص المادة :58 على ما يلي: "يقدم طلب توجيه الاستجواب كتابة إلى رئيس المجلس موقعاً من طالب الاستجواب وبموافقة خمسة وعشرين عضواً على الأقل مبيناً فيه بصفة عامة موضوع الاستجواب وبياناً بالأمور المستجوب عنها، والوقائع والنقاط الرئيسة التي يتناولها الاستجواب والأسباب التي يستند إليها مقدم الاستجواب، ووجه المخالفة الذي ينسبه إلى من وجه إليه الاستجواب، وما لدى المستجوب من أسانيد تؤيد ما ذهب إليه. ولا يجوز أن يتضمن الاستجواب أموراً مخالفة للدستور أو القانون أو عبارات غير لائقة، أو أن يكون متعلقاً بأمور لا تدخل في اختصاص الحكومة أو أن تكون في تقديمه مصلحة خاصة أو شخصية للمستجوِب. كما لا يجوز تقديم طلب استجواب في موضوع سبق للمجلس أن فصل فيه ما لم تطرأ وقائع جديدة تسوغ ذلك."

[5] ألغي النظام الداخلي لمجلس النواب رقم 50 لسنة 2007، بموجب المادة 72 من قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم 13 لعام 2018 بقولها: يلغى بنفاذ هذا القانون قانون رقم (50) لسنة 2007 قانون مجلس النواب المعدل. وقد أشار إليه النائب عدنان الزرفي خطاً.

 

 

عبد الجبار نوريالمقدمة: أن معاهدة بورتسموث 1948 شددت تبعية العراق لبريطانيا في المنطقة، إلا أن المما نعة الشعبية بحراكها الجماهيري بقيادة قوى اليسار الديمقراطي العراقي والمرجعية الدينية آن ذاك أسقطت حكومة صالح جبر الذي وقع المعاهدة، ويتضح إن الأتفاقية الأستراتيجية الأمنية العسكرية الأمريكية مع العراق وبمقاربات سياسية تبدو وكأنّها بورتسموث جديدة بصياغة أمريكية، علماً أن الأتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية تنص على أنسحاب القوات الأمريكية المقاتلة من المدن والقرى بتأريخ لا يتعدى كانون أول 2011 وتحل محلّها القوات العراقية .

أهمية البحث :تكمن أهمية هذا البحث في أستكشاف المجاهيل المستقبلية المرتبطة بالعملية السياسية وخصوصاً عندما يكون المحتل الغاشم أمريكا عدوة الشعوب، نفوذها المتصاعد على الخارطة السياسية وكشف أطماعها في الوصول إلى مراكز الطاقة في العراق، وجعل الساحة العراقية برمتها قاعدة عسكرية كبيرة في تصفية حساباتها مع الدول الأقليمية للعراق وهذا مرهونٌ بمدى تواجد القوات الأمريكية وفاعليتها في أستهداف عدوها التقليدي أيران وأذرعها في المنطقة .

مشكلة البحث: ما الدور الذي ستلعبها القواعد الأمريكية من ظهور العدو داعش الأرهابي؟، وخاصة هناك ضبابية وشكوك  لدى الجمهور العراقي في مدى جدية أمريكا في مواجهة الأرهاب الداعشي .

-هل سيعزز التواجد الأمريكي خطوط التحالف المشتركة في دعم توجهات العراق الوطنية أقليمياً ودولياً أم العكس ؟ .

- هل سيحضى الساسة العراقيون على فرصة أن يغيروا بوصلتهم تجاه تحقيق مصالح الشعب ؟

- وهل يستطيع العراق الخروج من مستنقع هذه الأتفاقية الجائرة ؟ بأعتقادي إنّهُ لا يستطيع الخروج من الأتفاقية الأمنية مع أمريكا لسببين :

1- أن أغلبية النواب يرفضون خروج المحتل (المؤيدون لخروجه 60 نائب من مجموع 327 الباقي 267 نائب يرفض خروج المحتل البغيض .

2- تلويح المحتل الأمريكي ب(الذئب) خلف الباب ويقصد به داعش الأرهابي، أضافة إلى تلويح واشنطن في حالة عدم توقيع العراق على الأتفاقية تجميد 154مليار دولار من الأصول المالية في الخارج، وأبقاء شبح العقوبات الأقتصادية والديون التي تثقل كاهل العراق .

موضوع البحث:تنص الأتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية على أنسحاب القوات الأمريكية المقاتلة من المدن والقرى بتأريخ لا يتعدى كانون أول 2011 وتحل محلها القوات العراقية، ولكن الذي جرى على أرض الواقع يعكس غير ذلك بغطرستها المعهودة وتماديها في تنكيل الشعوب المقهورة فلا حصل العراق من بلح اليمن ولا من عنب الشام كما يقال في الأمثال فقد غيّبت أمريكا سيادة العراق بزيادة قوات المارينز حتى وصلت إلى أكثر من 6 آلاف مقاتل والأكثار من نشر القواعد العسكرية حتى وصل إلى أكثر من 50 قاعدة منتشرة في عموم العراق، والأكثر تحدياً في أهانة سيادة العراق تلك الزيارة السرية للرئيس الأمريكي ترامب لقاعدة عين الأسد في الأنبار سراً في نهاية عام 2018، واليوم السبت بتأريخ 22-11-2019 زيارة (بنس) نائب الرئيس الأمريكي لقاعدة عين الأسد سرا بدون علم الحكومة العراقية أن جميع زيارات المسؤولين الأمريكان غير معلنة الأهداف والنوايا وأبرز مخرجاتها تأجيج الشارع العراقي وخلق توترات جديدة لأرباك الحكومة والأكثر أهانة يذهب إلى أربيل ويتصل بعادل عبد المهدي وهو يعلم أن بغداد هي عاصمة العراق وليست أربيل، فزيارة بنس أنتهاك صارخ للسيادة العراقية وبتدخله الفج الغير مسؤول في أحياء فكرة الأقلمة في تقسيم العراق التي يروج لها الكونكرس الأمريكي، أجتمع (بنس) بشيوخ الأنبار وبعض من وجهائها وخاطبهم بخطاب تحريضي مدسوس {--- إنّ أقليم الأنبار أستحقاقٌ لكم وسوف ندعمكم} ؟؟؟!!!.

أما بالنسبة للتسليح فأن أمريكا تعرقل تزويد الجيش العراقي بالأسلحة والمعدات، ها أن القوّة الجوية العراقية لا تمتلك طائرات مقاتلة وتدني مستوى تجهيزها بطائرات التصوير، وأما بشأن تجهيز العراق بطائرات F16 أنها دخلت في نفق مظلم يلفهُا الغموض والتباطؤ والتردد ولم تفي بتعهدها .

ممكن للعراق تغيير عدد من مفاهيم الأتفاقية ضمن الأطار الستراتيجي المبرمة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية ولا يستطيع العراق الخروج منها في المنظور القريب ولا يستطيع الذهاب صوب دولة أخرى لأجل التسليح والتجهيز لكون الأتفاقية جعلت العراق مقيّداً بالتسليح والتجهيز وضمان توفير الأمن الداخلي والخارجي، وتعرض العراق لقصف بطائرات مسيرة أسرائيلية في مارس الماضي لمواقع عسكرية للعتاد والذخيرة العسكرية بيد أن أمريكا لم تتدخل بموجب ما نصت عليه الأتفاقية، وأن الأنسحاب الأمريكي من العراق تطبيقاً لما نصت عليه الأتفاقية الأمنية في عهد أوباما في الفترة الأولى من رئاستهِ أهم أنجازات رئاسته ولكن الفوضى الدولية وأنفجار أكثر من أزمة أمام الفترة الثانية لأوباما مثل الأزمة السورية والعراقية وثورات الربيع العربي ألقت بظلالها على المنطقة برمتها وتحوّل العراق من قصة نجاح لأنجاز أمريكي إلى قصة فشل وأرتباك وفوضى في السياسة الخارجية الأمريكية، حسب قناعتي خلقتْ تلك الملابسات والمطبات السياسية (فراغا) في العراق ملأهُ خصوم أمريكا على المستويين المحلي والأقليمي، وأصبح أمن العراق تحت سطوة أمبراطوريات شركات الأمن الأمريكية المتعددة الرؤوس فهي تدسُ أنفها بشكل وقح وفج حتى في الأمور الداخلية .

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

 

بكر السباتين

الديمقراطية في الأردن منقوصة لأن تهميش مجلس النواب الأردني عند اتخاذ القرارات المصيرية وتمرير القوانين من تحت الطاولة يوحي بأن المملكة شمولية النظام.. وإن محاولاتها الدؤوبة نحو الملكية الدستورية منذ خمسينيات القرن الماضي تراوح مكانها.

ولو أمعنت النظر في التفاصيل لوجدت بأن المملكة لديها مجلس أمة منتخب من الشعب وفقاً لقانون يقدم الفرز المناطقي الجهوي والمحاصصة العشائرية على السياسي القائم على الأحزاب المرخصة والتي تمارس عملها علناً، حيث من المفترض أن تمتلك تلك الأحزاب في هياكلها الإدارية منظومات عمل وبرامج تفاعلية تشكل برمتها الرؤية الحزبية في إطار حكومة الظل التي من المتوجب أن يعدّ برامجها مجموعة من الخبراء والمستشارين.. ويكون لديها اتحادات طلابية ونقابات فاعلة من باب الجاهزية لتقلد المناصب الكبير في الدولة ومنها رئاسة الحكومة الدستورية وفق شروط النظام الديمقراطي الحقيقي، فالقدرة على تشكيل حكومة حزبية أو ائتلافية منوطة بقدرة الأحزاب ونضوجها من خلال نجاح حكومة الظل والطوارئ التي من شأنها أن تواكب التطورات وتدرس الأزمات وتفترض الحلول الناجعة في سياق الاستعداد لدور مستقبلي فاعل، وفي المحصلة تظل هذه الحكومة عندما تناط بالحزب مهمة تشكيل الحكومة الدستورية، المرجعية الطارئة في ظل السلطة التنفيذية، وتمارس دور خلايا الأزمات لتوفير الحلول البديلة للحكومة التي يترأسها الحزب.. ناهيك عن دور البرلمان والحكومة في الدولة الديمقراطية الحقيقية بتنسيب رئيس المجلس القضائي ورئيس المحكمة الدستورية وقيادات جميع المؤسسات الأمنية من رأس النظام حتى القاعدة.. وهذا غير موجود في المملكة الأردنية؛ لذلك تجد خلطاً كبيراً ما بين مفهوم الملكية الدستورية والملكية الشمولية، وهو ما أحدث بلبلة في دور الأحزاب الأردنية مستقبلاً وجعلها تدور في فلك السلطة التنفيذية دون امتلاكها القدرة على شق طريقها نحو السلطة التنفيذية بكفاءة واقتدار.

إن عدد الأحزاب لا يعكس ديمقراطية النظام، بل تقاس الديمقراطية على دستورية الحكومة وربطها بتنسيبات مجلس النواب لرئاسة الحكومة على أن تكون دستورية حزبية وهو الأمر الذي تفتقر إليه المملكة.. إذ يبلغ عدد الأحزاب الأردنية خمسين حزباً أردنياً مرخصا مختلفة التوجهات والمشارب ما بين توجهات يسارية وتوجهات إسلامية وتوجهات وطنية، وتحدر الإشارة إلى أن جميع هذه الأحزاب استطاعت استقطاب حوالي 35 ألف مواطن أردني وهي نسبة تشكل أقل من نصف بالمائة من عدد السكان في الأردن.. حيث أظهر استطلاع للرأي أن 89 بالمئة من الشباب الأردني لم يلتحق بالأحزاب السياسية فيما اظهر استطلاع رأي آخر بان ثقة الشعب الأردني بالأحزاب لم تتجاوز 9 بالمئة فيما ترتفع هذه الثقة في مؤسسات الدولة الأخرى وخصوصاً الجيش.

معظم الأحزاب الأردنية هي أحزاب مغمورة شعبيا لا يعرف عنها الشارع الأردني الحد الأدنى من المعلومات ويستثنى من ذلك حزب جبهة العمل الإسلامي التابع لجماعة الإخوان المسلمين وأحزاب البعث السوري والعراقي قبل سقوط نظام صدام حسين وأزمة سوريا، فيما بدأت تظهر حديثا على السطح أحزاب خرجت من عباءة الإخوان مثل حزب المؤتمر الوطني زمزم وحزب الشراكة والإنقاذ.

صحيح أن الأحزاب تمثل أهم مظاهر الديمقراطية في أي بلد متحضر؛ لكنها في الأردن تحولت إلى عبء على المشهد السياسي لأنها غير فاعلة ومهمشة وفرضت عليها شروط الدعم الحكومي المالي لتعزيز التبعية من أجل الدوران في فلك السياسة المركزية للسلطة التنفيذية دون القدرة على تحديد ملامحها الحزبية (الشخصية) لذلك فإن رؤيتها في كل الصعد غير متوافقة مع أدبياتها الخاضعة بشدة لرقابة وزارة الداخلية لا بل عجزت أحياناً عن فرض استقلاليتها عن الحكومة وتحولت إلى نوادي تلتقي فيها النخب على هامش مركز الفعل الحقيقي في سياقاته التنموية والثقافية.. ومن هنا يمكن تفهم قرار حزب التيار الوطني الأردني بقيادة رئيس مجلس النواب الأسبق، عبد الهادي المجالي حينما أعلن عن حل حزبه عام 2018 ناعيا الحياة السياسية في الأردن حيث اتهم حينها الحكومة بخنق الحياة الحزبية وقتلها قبل أن يتم العودة عن هذا القرار.. وهذا بدوره كان محبطاً للنخب السياسية التي تطمح من خلال أحزابها بتداول السلطة كما هو الحال في الدول التي تتمتع ولو بحد أقل من الديمقراطية، فلماذا لا ينجح الأمر في الأردن؟

من هنا يمكن فهم لماذا لا توجد في الأردن أحزاب قادرة على التفاعل الجماهيري الحقيقي بعيداً عن النشاطات الهامشية التي لا تجير لصالح مكانة الحزب بين الجماهير، بحيث لا تحظى تلك الأحزاب بفرص الحصول على العدد الكافي من المقاعد في البرلمان، لتشكل ضاغطاً إيجابياً على سياسات الحكومات المتعاقبة لفرض القوانين التي تنسجم مع مستقبل البلاد، لأنها لا تمتلك نواة برنامج تنموي شامل في إطار حكومة ظل، ولا منظومة عقلية من الخبراء التكنقراط يكون من مهامهم مواكبة المستجدات التي تواجهها الحكومة لتقديم حلول مساندة حقيقية وليست إعلامية، تقوم على إطلاق المبادرات الفكرية المثالية المترفة البعيدة عن الواقع.. أو حتى إقامة المشاريع المدنية الخدماتية مثل الجمعيات والمشاريع التي ترافق التنمية الاجتماعية والثقافية، ليكون من حق تلك الأحزاب حينها حصاد المردود الجماهيري، كي تذهب مخرجات تدويرها لصالح جماهيرية الأحزاب التي تذهب وفق خطة الحكومة نحو الزخم العشائري والجهوية في المخيمات التي سيّست لصالح النظام السياسي الذي يحاول جاهداً تهميش مجلس النواب من خلال تمرير القوانين المؤقتة في فترات حل المجلس أو بالتمهيد لإقرارها من خلال إقناع النواب المحسوبين على الحكومة أو التأثير على الآخرين بالترغيب؛ لتمريرها والموافقة عليها كما يدعي كثير من النواب عبر ما يكتبون، وتتجاهل الحكومات المتعاقبة فكرة الحكومة الدستورية، واعتماد البنية العشائرية.. من هنا لا تستطيع الظروف الموضوعية خلق زعيم حزبي مفكر استراتيجي وإداري وسياسي ومبادر، يكون قادراً على تقبل الآخر ليقف من الجميع على مسافة واحدة.. زعيم يتمتع بطاقة جاذبة تساعده على التأثير ولديه مرونة تساعد على التعامل مع الجميع.

فالأحزاب الأردنية للأسف الشديد مجففة الينابيع إلا من الدعم الحكومي، فتفرض عليها ظروف الميزانية التقيد بالنفقات الإدارية فلا يظل هناك متسع للمشاريع الطموحة، لذلك هي تحتاج لمشاريع اقتصادية حتى لا تلوى أذرعتها من قبل الحكومة التي تُخْضِعْ هذه الأحزاب في كثير من الدول على صعيد عالمي- لرقابة شديدة غير مرئية تبدأ منذ مرحلة تجميع التواقيع المطلوبة كشرط للتقدم إلى الداخلية كمتطلبات تأسيس الحزب وصولاً إلى اللجنة المركزية ورسم سياسات الحزب وتحديد مدى الرؤية السياسية والثقافية والاجتماعية حتى تصبح كياناً يستطيع أن يقود الحكومة في مرحلة ما وإذا بقي الحال على ما هو عليه فإن الأحزاب الأردنية في مهب الريح.. وستظل حالة طاردة للجماهير وربما ستتحول إلى نوادي اجتماعية وثقافية يرتادها جمهور ينأى بنفسها عن الأحزاب، التي ارتبطت في ذهنه بالمعارضة والتي مصير بعض عناصرها السجون أو التضييق عليهم اجتماعياً .

 

بقلم بكر السباتين..

30 نوفمبر 2019

 

 

محمود محمد عليشهد القرن الماضي حالة من الصراع والتوتر والتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحلفائهم من فترة منتصف الأربعينيات حتى أوائل التسعينيات، وهو ما يسمي بالحرب الباردة، حيث أدرك الأمريكيون بأن إرضاء السوفييت المطلق يضر بالمصالح الأمريكية، والدخول معهم في صراع مفتوح هو أيضاً أمر قد لا تحمد عقباه، والنتيجة هي أنه يجب أن نخلق مساراً ثالثاً لا هو بالسلم ولا هو بالحرب التقليدية.. مسارا يعتمد على الاقتصاد والتغلغل داخل الحركة الشيوعية العالمية واعطاء صور إيجابية للديمقراطيات الرأسمالية.

ولذلك رأي جورج كينان (المنظر الأمريكي الحرب الباردة) أن للتغلغل داخل الحركة الشيوعية، معتبراً أن المشكلة ليست مع الفكر الشيوعي بقدر ماهي مع السوفييت، كما تبنى الطرح الذي يقول إن العقيدة الاشتراكية يمكن التأثير عليها باستقطاب شخصيات فاعلة ومدارس تكون أقرب للغرب وأبعد عن الشيوعية العدائية الراديكالية، بهدف الوقيعة بين الكرملين والحركات الإصلاحية المتعددة.

ومن هنا قامت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي إيزنهاور في وضع استراتيجية أخري لمواجهة المد الشيوعي، وهي الاعتماد علي الإسلام السياسي؛ وبالأخص الإخوان المسلمين والوهابيين؛ حيث يمكن تعبئتهم بشكل مناهض للشيوعية، والسؤال الآن : هل كان  سعيد رمضان والإخوان المسلمين واليمن الإسلامي حلفاء مفيدين في الكفاح أثناء الحرب الباردة ضد الشيوعية ؟ وهل تستطيع تلك الجماعة مواجهة الكتلة الماركسية القومية خاصة إذا حظيت بتأييد من العائلة المالكة السعودية؟ وهل تستطيع الدعاية الأمريكية التي تركز علي القيم الدينية الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي الملحدة، أن تجذب جماهير المسلمين إلي المعسكر الأمريكي أو علي الأقل بعيدا عن موسكو؟

يذكر "روبرت داريفوس" مؤلف كتاب "لعبة الشيطان: دور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الإسلامي" أن علاقة الولايات المتحدة بالإخوان المسلمين ليست وليدة الحدث،  بل تمتد لعقود طويلة خلت. ففي أواخر 1953م، حين برز سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا كمسؤول سياسي وخارجي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكان لقاء رمضان مع الرئيس "دوايت أيزنهاور"، في البيت الأبيض نقطة انطلاقة لرمضان كمسؤول عسكري ايديولوجي للجماعة، والذي قال :" إن عنف الجماعة نابع من إعادة تشكيل المنطقة العربية وفق المواصفات الإسلامية السلفية، وقد كانت الولايات المتحدة تنظر لرمضان على أنه حليف محتمل لها بحربها ضد الشيوعية

وقد كان مؤتمر جامعة برنستون للثقافة الإسلامية الذي تم دعوة سعيد رمضان للمشاركة به، مؤتمرا أمريكيا يهدف إلي التعرف علي قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد كان السفير المصري هو من يقوم بهذا الدول، وبعد ذلك أصبح رمضان حليفا للسعودية بعد وفاة حسن البنا إلي جانب ارتباطه مع مخابرات عدد من الدول الغربية.

كان مؤتمر برنستون، ولقاء آيزنهاور وسعيد رمضان بداية لحقبة من الزواج العرفي بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي، والملكيات العربية والإسلامية ممثلة في شاه إيران، وملوك السعودية، والأردن، والمغرب، فانطلقت جميع الأجهزة الأمريكية تعمل في كل مكان، وكل اتجاه لتعزيز استراتيجية الكفاح الإسلامي ضد الشيوعية. فما إن نجح الانقلاب الأمريكي ضد الدكتور محمد مصدق في إيران، وأعيد الشاه إلي السلطة، حتي كان نواب صفوي زعيم منظمة " فدائيان إسلام" التي خانت مصدق، وقد أصبح رجل واشنطن الثاني بعد الشاه نفسه، واستقدم صفوي نفسه لزيارة مصر في عام 1954، والتقي بزعماء الإخوان، وهناك رأي- يرجحه البعض- يقول إن زيارة الزعيم الإيراني ساهمت في دفع الإخوان لمحاولة اغتيال " الرئيس المصري " جمال عبد الناصر" المعروف باسم حادث المنشية عام 1954.

وفي ذلك الوقت صدر كتابان مريبان في القاهرة، قيل إنهما صادران من السفارة السوفيتية، ليتبين فيما بعد أن المخابرات الأمريكية هي التي أصدرتهما، وكان الأول بعنوان "محمد لم يوجد قط"، والثاني، بعنوان " أضرار الصوم في رمضان"، وفي هذه الحرب الدعائية أطلق الأمريكيون ما سمي باسم برنامج " الخنزير الأحمر"، حيث تظهر شخصية سينمائية كرتونية في صورة خنزير يرتدي شعار " النجم الأحمر الشيوعي"، ويحاول افتراس رجل اسمه " الدين"، ليلقي الخنزير مصرعه في النهاية علي يد " الدين.

كما جربت المخابرات الأمريكية وسائل خلاقة إبداعية رغم أنها لم تكتمل للتواصل مع الحركة الإسلامية. بعض تلك الوسائل وردت في كتاب " لعبة الأمم" الساخر الذي كتبه "مايلز كوبلاند" عميل المخابرات الأمريكية الذي خدم في الخمسينات كضابط اتصال مع عبد الناصر وقضي سنوات عديدة في أروقة السياسة العربية.

تقاعد كوبلاند في وقت مبكر من المخابرات لكنه حافظ علي اتصالات وثيقة مع عدد من الذين يعملون في نفس المجال من السابقين وممن كانوا في الخدمة خاصة كيرميت وارتشي روزفلت حفيدا تيدي روزفلت. واستغل كوبلاند سحره ونفوذه ليدعي فهما عميقا بالعالم العربي ليعود من جديد. وقد أشار إلي أنه في نفس الفترة التي تم فيها إطلاق برنامج الخنزير الأحمر فإن السي أي أيه أطلقت مشروع بيلي جراهام المسلم وفي عام 1951 استعار دين اتشيسون وزير الخارجية كيرميت روزفلت من المخابرات  حديثة النشأة ليرأس لجنة عالية المستوي من المتخصصين بعضهم من الخارجية والبعض من وزارة الدفاع والبعض مستشارين من الشركات والجامعات (وليس فيهم من هو من المخابرات إلا روزفلت ذاته) وكان هدف اللجنة هو دراسة العالم العربي كما قال كوبلاند وتم إطلاق عملية بيلي جراهام المسلم التي تهدف إلي تعبئة المشاعر الإسلامية، خلال اجتماع اللجنة.

وقال كوبلاند إن أحدهم روج لفكرة تعبئة المشاعر الدينية في حركة كبيرة باسم "بيلي جراهام المسلم" ضد الشيوعية وذهب إلي حد اختيار رجل عراقي يتمتع بنوع من القدسية أو التبجيل للقيام بجولة في الدول العربية . ولم يتم الكشف عن شخصية الرجل العراقي . لكن كوبلاند اعتبر العملية بالكامل تجربة للتعلم. وقال أن المشروع لم يضر وعلمت إدارته اللجنة المعنية الكثير من الأفكار الخاطئة في تخطيطهم الأصلي وهي دروس استفادوا منها عندما وضع مستشارو الملك فيصل أمام مشروع مماثل علي أن يكون  فيصل ذاته الرجل المبارك.

ومنذ ذلك الحين بدأ المخططون البريطانيون والأمريكيون قي التفكير في بناء تحالفات ونظام للدفاع ضد الاتحاد السوفيتي عبر حدوده الجنوبية، عندما أقحموا الإسلام في الموضوع، واعتبروا رابطة الدول العربية التي قامت بإيعاذ بريطاني مثلا ضعيفة لأنها لم تشتمل علي تركيا وإيران وباكستان، وعندئذ طرح اقتراح لتحويل جامعة الدول العربية إلي رابطة لعالم إسلامي لتشمل علي الأقل إحدى دول الشمالية وفشلت الفكرة وركزت السياسات التالية بدرجة أقل علي الإسلام وبشكل أكبر علي النفوذ الأنجلو أمريكي. وخلال فترة حكم ترومان وأيزنهاور استمرت الولايات المتحدة تنفذ سياسات وتقوم بجهود لتعبئة العالم الإسلامي في الحرب الباردة واستغلال الإسلام كسلاح ضد النفوذ السوفيتي.

وهنا يتضح لنا كيف بنت الولايات المتحدة علاقات مع الإخوان المسلمين كحليف لها، خلال الحرب الباردة في صراعها مع الشيوعية بالأساس، ولتقويض فكرة القومية العربية والناصرية التي جمعت بين الاثنتين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

نور الموسوي‎الدول ذات السيادة الكاملة، عندما ينتابها عارض أو خلل يعتري مسيرة حكمها، ينبري المخلصون، ذوي الحس الوطني، أن يتصدوا بكل الجهود والإمكانات المادية والمعنوية، من رصد الأحداث بكل أبعادها الأقليمية والدولية، ويرسموا خارطة طريق، والتي من شأنها تضيء المعالم الغامضة في نهاية النفق !!! الوضع في العراق يتهاوى الى الحافة الحرجة ! التي تنتظرها الدوائر الصهيوخليجي من أجل تمرير مشروعهم في الأقليم، المتعلق بأزاحة الأسلام السياسي وما يمت أليه بأي صلة تذكر، تارةٍ بالتسقيط الممنهج والذي نجح الى حدٍ كبير المتعلق بالفشل في بناء البنى التحتية للعراق، وأسداء الخدمات والمشاريع ذات الصلة بالمواطن وتطلعاته.. والكفة الأخرى بالنظام السياسي، الذي أعد بأيدي ذات صلة بالدوائر المشار أليها سلفاً، وهذا ما يلحظ بالدستور وما يتعلق به من معوقات ذات الحيثيات، التي تكاد تمنع من تحقيق ما يصبوا الية الشعب، اليوم خرج الشارع ليعبر عن الغبن والحيف الذي أصابه من جراء، الفشل الأداري والسياسي، وخطوات خارطة الطريق، تتوج، من خلال الأجراءات التالية:

١- تعديل الدستور، بأعتبار الدستور الحالي ِ يُشرعن وَيُقنن الفساد المالي والأداري، ومن الألغام التي زرعت في جسم الدستور، والتي أنطلت على المتصّدين للعملية السياسية آنذاك (التوازن، المكون، الأقليم، الفدرالية، حقول الآبار المكتشفة.. ثلاث محافظات، وغيرها..)، الى دستور المواطن والمواطنة الخالي من نتوءات؛ الطائفية.. والعنصرية.. والمناطقية !!!! . وجعله وطنياً بأمتياز، كي ينّعم الجميع بالعدالة الأجتماعية المفقودة !!! الفرصة التاريخية متوفرة، بأعتبار ورقة الضغط الجماهيري التي تعّم الساحات، والتي من شأنها تكسر المعادلة المجحفة بحق الأكثرية (الشيعة يشكلون ٧٠٪؜) وتعديل الدستور الذي يضمن حق الجميع بالعيش الكريم . 

٢- جعل نظام الحكم رئاسي، أو شبه رئاسي . النظام البرلماني الحالي ! فخ أُعد بأدوات ذكية، كي يجعل العراق يسبح بالفوضى والأرباك وعدم الأستقرار (اللبننة) . والغرض من ذلك تسقيط ممن تورطوا في الحكم . رئيس الوزراء (رئيس مجلس الوزاء) ليس لدية صلاحية التدخل في الوزارات بأعتبار الوزارات وَزعت حسب الأستحقاق الأنتخابي !(المحاصصة) .

وأخيراً رئيس الوزراء لا يستطيع أن ينجز المشاريع التنفيذية الأ من خلال الوزراء، وهـؤلاء لديهم أجندات، سواء كانت ذاتية نفعية أو أقليمية (تخريب العملية السياسية وأفشالها). وهذه الحالة هي السائدة في الوقت الحاضر، لغرض تثوير الشارع لكي نصل مرحلة الى الأبواب الموصدة .

٣- النظام الأنتخابي الفردي، ذات الدوائر المتعددة حسب عدد النواب . والذي يضمن حق المواطن في أنتخاب الشخص ذو المواصفات المطلوبة، من الكفاءة، والنزاهة، والشجاعة، والتدبير.. وينحصر ذلك بالمحافظة التي تتبنى أفراز النواب الذين يرتضيهم أبنائها . من الواضح أن رئيس الجمهورية يرفع مقترح الى مجلس النواب ضمن القانون الأنتخابي..نائب عن كل قضاء وهذا فخ جديد أبتدعته العقلية التي فصّلت الدستور حسب مقاسها ! والذي ندفع ضريبته اليوم..

٤ – أستبدال مفوضية الأنتخابات (المحاصصة) الى لجنة من القضاة والقانونين ومنظمات المجتمع المدني والنقابات، لكل محافظة وبأشراف رئيس القضاء الخاص بالمحافظة، والجدير بالذكر أن هذه اللجنة لا تكلف الدولة مبالغ طائلة . يشترط ! بالفرز اليدوي، وتأكيد الفرز اليدوي.. بمجرد يدخل الحاسوب في أي عملية ؟ يشير الى التزوّير، وتعد هذه ثغرة، يدخل من خلالها معوّل أخفاق العملية السياسية، والسماح للأجندة الأقليمية والدولية بفرض أدواتها .

٥- الأولوية الضرورية للنقاط السالفة، وتأجيل الآثار والعوارض الجانبية من العملية السياسية، التي حفرت أخدوداُ عميقا في حقوق الشعب (الأختلاسات، الكومشنات، المشاريع الوهمية، سرقة حقوق الشعب من قبل الشركاء < البرزاني > ومحاكمة الفاسدين وغيرها) . والسبب في ذلك يعود أن هؤلاء (الحيتان) لديهم من البطش والقوة أن يقفوا ويمنعوا أي أجراء أصلاحي للعملية السياسية . أذ لديهم قوة المال (مسعود يمتلك ٣٩ مليار دولار) يستطيع أن يصل الى أي شخصية مؤثرة في المشهد السياسي.. والبديل الآخر جاهز ! .

٦- يتخذ رئيس الوزراء قراراً، بأعطاء صلاحيات واسعة للمحافظين في المحافظات المنتفضة حصراً، من أجل الشروع في الخدمات الضرورية والتي تمس حاجتهم الأساسية المتعلقة بالسكن، العمل، الصحة، التعليم وبناء المدارس، الطرق والجسور، كل ذلك يعبر عن حسن نية الحكومةً وجديتها في تنفيذ المطالب المحقة للمواطنين .

كما لا بد من الأشارة، الى الأنقلاب الأمريكي ! المتوقع، لكن المانع الذي حال دون أنجازه، العائق الغير متوقع في الحسابات الأستراتيجية .

أ-الحشد الشعبي .

ب – المسيرة المليونية (الأربعين ويتكللها سماحة السيد السيستاني) التي أقضت مضاجع مؤسسة الصهيوأمريكي، التي تطمح تحقيق مشروع (مارتن أندك) ذات البعد الفوضوي لدول الطوق (العراق، سوريا، اليمن)، التي لا تكن الولاء لذلك المشروع المقيت .

كما أصبح من الضروري الأشارة الى دور الشعب الذي أفترش الساحات، يؤشر الى أستفتاء واقعي في رفض العملية السياسية ورموزها، وعلى رأسها الدستور الجامد المقيد ! {أن السلطة التأسيسية التي تقوم بوضع دستور معين، لا تستطيع تقييد سلطة الشعب او الأدعاء بأن صلاحيتها تسمو على مبدأ سيادة الشعب، فالشعب هو صاحب السيادة يستطيع تعديل دستوره} (د. خليل الحميد، القانون الدستوري، ص ١٥٠)، فقهاء القانون الدستوري يؤكدون ذلك ويعتبر خروج الشعب بمثابة أستفتاء ببطلان الدستور .

أذن المخلصون يترتب عليهم موقفاً حاسماً أزاء الأزمة التي تتجذر مأساتها في العراق، كل المؤشرات الموضوعية تشير نحو الأنحدار، والسيناريوهات الخارجية غير المتوقعة تفرض وجودها بأعتبار الأرضية، مُعدة ضمن مخططات سالفة من أجل وضع بون واسع بين تشكيلات الحشد الشعبي وحاضنته الشعبية، وأخيراً شيطنته والدعوة الى ألغائه في مرحلةٍ لاحقة .الفرصة جداً مناسبة والظروف مهيأة للتغير، والضرب بيداً من حديد (الشعب، المرجعية، الموقف السياسي الداخلي) من أجل أجراء وتنفيذ النقاط السالفة، والإ البديل... حلول ترقيعية لا تقوى على الصمود أمام التحديات الإقليمية والدولية.

 

د. نور الموسوي

اكاديمي وكاتب عراقي

 

سامان سورانيالإحتجاجات والمظاهرات الأخيرة في وسط وجنوب العراق والتي تسمی بـ"ثورة تشرین"، أثبتت بأن الوعي السائد في أجهزة الدولة يعاني من أزمة حادة، تكمن في إنفصالها العميق عن الشعب وإرادته، وبعده عن خياراته وقناعاته الكبرى، مما أدخل المجتمع العراقي في أتون صدامات صریحة ومضمرة مع الطبقة السیاسیة الحاکمة.

لقد فشلت القيادات السياسية منذ أكثر من 16 عام في صوغ مشروع وطني جامع يستهدف البناء وتعميق الحريات والتنمية الشاملة على مستوى المحلي ويبلور مقاصد الجميع على المستوى الحضاري.

هكذا تم إرهاق المجتمع العراقي وجعله على هامش الصيرورة وحركة التاريخ المعاصر.

السؤال هو، هل بأمكان القوی المحتجة صناعة قيادات جديدة تستطيع أن تنجز مشروعاً مدنياً قادراً علی البدء بعملية البناء أو إعادة البناء أو النهوض بالعراق الفيدرالي وتحقيق إصلاح شامل ومتكامل للحقل السياسي الوطني؟

نحن نعلم بأن الشعب العراقي المحتج والغاضب قد أعلن منذ إنطلاقة الثورة بشعاراته طلاقە من جميع الأحزاب السیاسية الدینیة، التي زرعت بذور الطائفیة المقیتة وفشلت طوال مدة حکمها في الإتفاق علی أبسط معالم الوطن، کالعلم الجامع لکافة المكونات والنشيد الوطني الجامع لكافة المکونات، لا النشيد الغير عراقي، وإحترام خصوصیات القوميات وصون الدستور وتنفيذ قوانیها.

إذن العراق الفدرالي الیوم بأشد الحاجة الی إصلاح ثقافة وفكر وسلوك سياسي وهياكل ومؤسسات وقوانين وأطر إرشادية موجهة لبناء الدولة بشكل سليم، حتى تتم إعادة الإعتبار والثقة بالسياسة من قبل المجتمع. 

يريد هذا الجيل الشبابي المنتفض والحامل لراية مكافحة الفساد والمحسوبية والمنسوبية أن لاتستمر حیاته في العيش تحت اليأس من أداء القوی السياسية الحاکمة منذ سقوط الطاغي صدام حسين، بل التقدم والدخول بتجربة الكفاءة والخبرة والنزاهة في تولي المواقع ووضع آليات لمنع تكرار ماحصل في السابق.

لقد وصل العراق الفدرالي فعلاً لمنعطف تاريخي مهم وهو يمر الآن في مرحلة صعبة جداً بحيث لايمكن إنقاذە سواء بالاستمرار بالطريق الذي سلكە الطبقة السياسية الحالية الفاشلة والمؤمنة بحکم الحشد الشعبي الغير دستوري والمیلیشیات الدموية الخارجة عن القانون أو تراجع عنه، لذا یمكننا أن القول بأن ساعة التغيير قد حانت لغرض صعود أسماء جديدة إلى سدّة الحكم بعيداً عن رموز الفساد والفشل والمحسوبية والإنتماءات الطائفية والإرتباط بأجندات خارجية، وإعمار مؤسسات الدولة بشخصيات قادرة على قيادة العراق نحو تنمية اقتصادية حقيقية.

لایمكن للعنف المسلح للسلطات القمعية المختفية تحت عباءة الطاغوت الثيوقراطي، والتي تقتل المدنيين الابرياء أن توقف التظاهرات السلمية التي تعبر عن رغبة الشعب في تبني إستراتیجية جادة ونزیهة لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وضمان الحقوق المشروعة للمواطنين ليتمتعوا بحياة ديمقراطية وحرية وسيادة علی أرضهم في بلد يعد المنتج الثاني للنفط في منطقة الشرق الأوسط.

وختاما نقول، بأن الشعب المنتفض الواعي والثائر من أجل حقوقه المشروعة في الحرية والتقدم والازدهار الاقتصادي تبحث عن الأمن عبر الدیمقراطية الإجتماعية وأنه لايقع مرة أخری في مخالب استراتيجية الهيمنة الإقلیمية الهادفة لنشر نماذج شمولية دينية فاشية، بل یناضل من أجل إیقاف احتكار السلطة ومنع استمرار نهب المليارات من ثروات المجتمع التي يفترض انها ملك لأبنائه. إذن عالم المستقبل يضمن العدالة والدیمقراطیة الإجتماعیة بعیدا عن الأیدیولوجیات الدينية والحکم المركزي وتهميش الغير.

علی العراق الجديد بلورة صيغة حضارية تضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تكون العلاقة علاقة تفاعل وتكامل، ‏لا قطيعة وصدام، ومنهج التفاعل والتكامل، يقوم على سيادة مفهوم الديمقراطية والقانون وحقوق القومیات. وعلیه أیضاً الخروج من الشرنقة الأيديولوجية والطائفية، التي تحيل كل شيء إلى قانون إما مع أو ضد.

بعبارة أخری، العراق الفدرالي بحاجة إلى بناء دولة القانون والإنسان والانتقال من دولة المشروع إلى مشروع الدولة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

باسم عثمانثمة حاجة ماسة إلى نسق سياسي جديد تحدد مساره قيادة سياسية جديدة تمثّل جميع الفلسطينيين بدون استثناء ولا يقتصر دورها المنوط بها على جغرافية الضفة و قطاع غزة، وهذا يتطلب التحرر من أوسلو وكل استحقاقاته والتزاماته البديلة عن الاجماع الوطني التوافقي الاستحقاق الرئيس لأي حركة تحرر وطني من الاستعمار والاحتلال، وإعادة صياغة الرؤية السياسية والاستراتيجية الفلسطينية الجديدة الكفيلة بانخراط الكل الفلسطيني وأن يتحوّلوا إلى لاعبين سياسيين مُنظمين يتصدرون المقاومة الوطنية والمجتمعية ضد المشروع الكولونيالي الاستيطاني الإسرائيلي.

ان الإنكار المتعمد "للرسمية الفلسطينية" لأثار أوسلو ونتائجه التدميرية، فاقم المشكلات الناجمة عنه في الوقت الذي لم يحصل اية مراجعة نقدية له، فضلاً عن أن ذلك أفضى إلى تكلّس العقل السياسي الفلسطيني السائد، والذي كفّ عن البحث عن خيارات بديلة، ناهيك عن إشاعته البلبلة في إدراكات الفلسطينيين الجمعية، بما فيها إدراكاتهم لمصيرهم المشترك ولعلاقتهم بقيادتهم السياسية والتمثيلية، رغم الإقرار الشعبي الفلسطيني مع مثقفيه وكادراته بضعف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، ودخولها حالة "الموت السريري"، الا انهم لا زالوا يعتبرونها كيانا حيويا ووطنيا (شرعيا وتمثيليا)، والمفتاح الرئيس لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد مؤسساته وبرنامجه، لكن دوما هذا الطموح يصطدم بهكذا نموذج للقيادة الفلسطينية الحالية في (شكلها وجوهرها) وهو شكلٌ من أشكال السلطة المركزية "الأبوية"، يدور في فلكها شخصٍ واحد أو فصيل سياسي واحد تساعده وتسانده شبكة من " المحسوبيات " والمنتفعين، هذا التمركز "السلطوي" في يد فاعل سياسي واحد أدى إلى فشل وتجميد كل المؤسسات الفلسطينية الحالية في عملها الديمقراطي بالنيابة عن الشعب الفلسطيني، وأدى إلى تهميش الفاعلين السياسيين الفلسطينيين الآخرين وإقصائهم عمدًا، ما تسببَّ في احداث هوة واسعة بين القيادة الفلسطينية الحالية والنخبة "المصلحجية" التي تدعمها من جهة، وبين سائر مكونات الشعب الفلسطيني وقواه الحية من جهة أخرى.

التجديد المؤسسي:

هذا النموذج للنظام السياسي الفلسطيني الحالي في أمس الحاجة إلى إصلاح وتجديد مؤسسي من خلال الفصل الكامل بين جميع السلطات: الوطنية -التمثيلية منها عن الإدارية - الخدماتية (السلطة الفلسطينية- منظمة التحرير)، لأنه لا يجوز بالمطلق وفي حالتنا الفلسطينية بالذات ان يتولى (عباس) مثلا كل السلطات الوطنية والإدارية، ويُمسِك بزمام السلطة التشريعية في غياب المجلس التشريعي الفلسطيني، ويتخذ بمفرده القرارات السياسية بشأن حاضر الفلسطينيين ومستقبلهم بمراسيم رئاسية في ظل غياب مطلق لكل المجالس التشريعية الفلسطينية، وما لهذا النموذج من آثارٌ كارثيةٌ على القضية الفلسطينية وحضورها الوطني والإقليمي والدولي .

-هذا الفصل المؤسساتي يجب ان يعتمد على مبدأ اللامركزية (من القاعدة الى الأعلى) في تجديد هيكلية النظام السياسي الفلسطيني و مؤسساته، أي بعيدا عن سلطة الجغرافيا وسلطة الاحتواء المركزية، وان ينصب التركيز والاهتمام على المجتمعات المحلية والمدنية الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة والشتات، في سياق الدعوة المطلبية الملحة لفصل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها عن السلطة الفلسطينية واداراتها ومن خلال انتخابات ديمقراطية حرة مجتمعية ونقابية ومهنية وعلى مبدأ التعددية النسبية للجميع دون استثناء.

ان القضية الفلسطينية تمر الان في أسوأ مرحلتها منذ نكبة فلسطين، وهذا لم يكن قدرًا ولا نتيجة المؤامرات والأخطار الخارجية فحسب، بل تتحمل القيادة السياسية الفلسطينية أولًا، وطرفا الانقسام الفلسطيني ثانيًا، وبقية القوى والنخب السياسية ثالثًا : المسؤولية عمّا وصلنا إليه وعن الأخطاء والخطايا والتنازلات والأوهام وحالة الانتظار وتقديس البقاء واحتلال" المواقع الثابتة" والعمل من دون رؤية استراتيجية ولا تخطيط ولا خطط ملموسة، وأيضا المسؤولية عن الرهان على المتغيرات الإقليمية والدولية التي لن تأتي بالخير إذا لم نكن قادرين على توظيفها، وتغليب المصالح الفردية والعائلية والسلطوية الفصائلية على المصلحة الوطنية العامة.

في السياق نفسه، فتح عدم الرد الفلسطيني الرسمي القوي على إعلان القدس عاصمة موحدة أبدية "لإسرائيل" ونقل السفارة الأميركية إليها، والسعي لتصفية قضية اللاجئين، وإسقاط خيار الدولة الفلسطينية؛ وعدم مواجهة الاستيطان والضم والزحف الإسرائيلي ميدانيا، شهية حكام واشنطن وتل أبيب، فلم : "تنطبق الأرض على السماء" كما صرحت نيكي هيلي المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة

السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير:

لقد كان قرار انشاء سلطة الحكم الذاتي بعد اتفاقية أوسلو بمثابة عملية تحنيط لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها التي جوفت من الداخل، وتأكلت هيئاتها واطرها تدريجياً وبشكل مبرمج ومسيس، وأخذت المؤسسات الجديدة للسلطة تبتلع دوائر المنظمة واحدة بعد الأخرى، وبدأ دورها بالانحسار وأصبحت سلطة الحكم الذاتي هي المرجعية الدولية بدلا منها، بحيث عُمِلَ على تغييب مؤسساتها عن العمل والظهور وقُلِّصت ميزانيتها حتى باتت كالشبح وبإرادة سياسية للمطبخ السلطوي .

ولهذا نرى ان الكل الفلسطيني وبكل اطيافه، يقوم بالتحرك فقط ضمن هامش الصراع وثنائية السلطة وعدمية القضايا بين (فتح وحماس) والتي باتت تشكل عبئا ثقيلا على الشعب الفلسطيني، فتارة تنشغل الساحة الفلسطينية بقضية المصالحة بينهما، وتارة أخرى بقضية الانتخابات الفلسطينية وعلى منصات الاعلام دون التركيز على الياتها وترتيبها وأدوات استحقاقها، حتى أصبحت استحقاقا اجوفا وشعارا تكتيكيا شعبويا لشريحة المنتفعين في السلطة في الضفة والقطاع.

لقد اصبحنا على يقين تام اكثر من ذي قبل، بغض النظر ان النوايا كانت حسنة ولا زالت، لكن واقع الحال وتعقيدات الحالة الفلسطينية وتدني مستوى السقف السياسي للقائمين على القرار الفلسطيني وامتيازات الشريحة السلطوية، جعل من شعار انهاء "الانقسام" وشعار الوحدة الوطنية واولوية إعادة احياء منظمة التحرير ومؤسساتها، كاجترار معزوفة موسيقية لا صدى لها، وتكرار هذه المعزوفة مع استحقاقات أوسلو الكارثي، اصبح يشكل مدخلا للاعتراف بكافة الاتفاقات التي وقعتها المنظمة مع "إسرائيل"، وما علينا الا ان نصطف كطابور هامشي في صفوف المعارضة اللفظية والمراوحة في مواقعنا الثابتة وان نسجل للتاريخ موقفنا الإعلامي والادبي واللفظي؟!!.

ان مخطط الغاء منظمة التحرير الفلسطينية وثوابتها واحلال سلطة الحكم الذاتي مكانها بات عمليا في حكم المنتهي، خدمة لأطماع النيوليبرالية الفلسطينية الجديدة المتربعة في سدة السلطة، و كل المحاولات لإعادة الروح والفاعلية لها باءت وستبوء بالفشل ومضيعة للوقت وهدر لتضحيات الشعب الفلسطيني امام تعنت وإصرار الشريحة الفلسطينية التي تهادت وانساقت مصالحها مع مصالح وجود الاحتلال الإسرائيلي.

الثابت والمتحول:

أطاح الشعب الفلسطيني في مسيرته الكفاحية التاريخية بكل الاطر القيادية التي فشلت في تحقيق ما نشئت من اجله، فقد تخلى عن الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج امين الحسيني عندما لم تنجح في دحر العصابات الصهيونية وبادر بالتخلي عن حكومة عموم فلسطين لفشلها في مقاومة ضم الضفة الغربية الى الأردن واسترداد قطاع غزة من الإدارة المصرية....، فهل حان الوقت للعمل على تأسيس الياتٍ وطنية أخرى بديلة وبغض النظر عن "التسميات والمسميات"؟ آلية جديدة تؤسس لبرنامج وطني يؤكد على الثوابت والقضية الوطنية وحقوقها الثابتة، آلية تتبنى المقاومة بكافة اشكالها كنمط للحياة، آلية نضالية شاملة لجميع النواحي السياسية والجماهيرية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والتنظيمية والدبلوماسية وغيرها، آلية تتفاعل مع الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي الجديد وتتحرك في ثناياه وتصيغ التحالفات المبدئية بما يخدم الأهداف الوطنية والاستراتيجية الفلسطينية، آلية تعمل على استنهاض روح المقاومة وتستمد ثقتها ودعمها من الجماهير، الية تسعى الى تفكيك سياسات الاحتلال بدلاً من التعاون والتنسيق معها؟!.

الحقيقة الاكيدة والواقع يشير الى ان الصيغ والهيئات الوطنية القديمة الجديدة – وبعد سياسة تفريغها من محتواها وثوابتها بوعي كامل – هي ذاتها السلاح الأمضى والرئيس في مواجهة الثنائية السلطوية الفلسطينية، بتجريدها منها وسحب البساط من تحت قدميها وتقليم اظافرها، لان مطلب انهاء الانقسام واحياء منظمة التحرير ومؤسساتها سيبقى شعارا طالما هذه العقلية الرسمية الفلسطينية ممسكة بزمام الأمور وتنتهج ذات السياسة التفريطية بالمشروع الوطني الفلسطيني، مستغلة المبدئية الوطنية والكفاحية لعموم الشعب الفلسطيني وقواه الحية ومطالبتها بالمحافظة على الثوابت الوطنية وتلازم الحقوق، لذلك، لا بد من العمل والتحرر من نمطية المواقع الثابتة لمجموع القوى الوطنية الفلسطينية، على إيجاد اليات وطنية بديلة يساهم فيها كل الشعب الفلسطيني وعلى كامل امتداد جغرافية وجوده من خلال لقاءات وحوارات وطنية تنطلق من القاعدة الجماهيرية بمختلف اطيافها الاجتماعية والنقابية والمهنية والمدنية، و تحوز على ثقة الشعب الفلسطيني وتدافع عن مصالحه وحقوقه وحشر السلطويين والمنتفعين على هامش الحراك الوطني الفلسطيني.

ان تنفيذية منظمة التحرير" بحلتها الجديدة "، تخلت عن دورها بنفسها كقيادة "شرعية" للشعب الفلسطيني وهجرت مكانتها السياسية بشكل "واع " بعد أن أصر رئيسها أن يحيلها الى "لجنة استشارية"، وبالمناسبة هي المرة الأولى في تاريخ منظمة التحرير تعقد لجنتها التنفيذية اجتماعات تسميها "تشاورية" و بدون حضور رئيسها احيانا، ما يشير الى عملية اضعاف دورها ومكانتها، وخاصة ان كل ما يصدر عنها لا يمثل "قيمة سياسية" ولا يحمل صفة التنفيذ العملي، وبدأت تتصرف وكأنها هيئة ملحقة " بالمطبخ السياسي السلطوي"، ذلك ما بدا واضحا ضمن حركة "الدعاية السياسية" برفض إعلان بومبيو حول "شرعنة الاستيطان".

والسؤال هنا، أليس دور اللجنة التنفيذية للمنظمة هو تنفيذ قرارات "الشرعيات الفلسطينية "؟ وهي الجهة المنتخبة والمخولة لذلك؟، أليست هي الجهة التي لها حق سحب الاعتراف المتبادل مع الكيان الاسرائيلي دون الرجوع لأي جهة أخرى، أليس من صلاحياتها دون غيرها اعلان دولة فلسطين لتحل مكان السلطة الفلسطينية وهي المرجعية العليا لكل مكونات السلطة ؟!، وكيف تطالب اللجنة التنفيذية بتنفيذ القرارات وهي "الجهة العليا" التي تمتلك حق النقض والتنفيذ!!.

ان الثابت في الحالة الفلسطينية هو القضية والحقوق الثابتة والتلازم بينهما، اما المتحول فهو الاليات والأدوات والاشكال الوطنية التي تخدم الثابت والدائم.

المرحلة الآن ليست مرحلة تحقيق الحل الوطني، وإنما مرحلة إحباط الحل الأميركي الإسرائيلي، فلا بد من تعزيز عوامل الصمود الفلسطيني على أرض فلسطين والحفاظ على نقاط القوة والمكاسب، وأيضا لابد من تفعيل البعد العربي للقضية الفلسطينية الذي من دونه لا يمكن أن تستمر القضية ودون إلغاء الدور الخاص الفلسطيني، والدعوة لإطلاق عملية سلام من خلال مؤتمر دولي كامل الصلاحيات، مرجعيتها القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بحيث يتم التفاوض على تطبيقها لا التفاوض عليها او حولها.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

ابراهيم أبراشفسر البعض إعلان الرئيس أبو مازن عن رغبته بإجراء انتخابات عامة وكأنه تعبير عن موقف تنظيم حركة فتح وأن الحركة جاهزة ومستعدة لخوض الانتخابات. سوء الفهم هذا يعود لتعدد رئاسات أبو مازن وبالتالي عدم التفريق بين خطابه كرئيس للدولة والسلطة ومنظمة التحرير وخطابه كرئيس لحركة فتح .

نعتقد أن خطاب الرئيس في الأمم المتحدة عبر عن موقعه وموقفه كرئيس للدولة والسلطة آخذاً بعين الاعتبار الجهة التي يخاطبها وما ترغب في سماعه عن الوضع الفلسطيني الداخلي وكيف سيتصرف رئيس الشعب الفلسطيني مع مشكلة الانقسام، أكثر مما هو تعبير عن رأي حركة فتح التي يمثلها أيضاً أو عن قناعة بأن الانتخابات ممكنة وقريبة .

صحيح أن حركة حماس تتخوف من دخول انتخابات غير مضمونة النتائج لأن خسارتها للانتخابات تعني: تبدد تطلعاتها للحلول محل منظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني، ستشكل هزيمة لمشروعها الإسلامي مما يفقدها مصادر الدعم الخارجي، ستفقد السلطة في غزة مما سيجردها من مبررات تحكمها بمصادر التمويل الداخلي، ستفقد احتكارها لشعار المقاومة أو شرعية المقاومة فكيف ستنطق باسم المقاومة الفلسطينية وغالبية الشعب لم ينتخبها، كما أن خسارتها للانتخابات سيطرح مسألة امتلاكها هذا الكم الهائل من السلاح الذي تسميه سلاح المقاومة، بالإضافة إلى صعوبة أن تصبح حماس مجرد حزب كبقية الأحزاب وتعيش كمعارضة سياسية ما دامت تعتبر نفسها مشروعاً إسلامياً وامتداداً لجماعة الإخوان المسلمين .

ولكن هل حركة فتح مستعدة بالفعل للانتخابات وراغبة فيها؟

نتمنى على الرئيس أبو مازن عدم الركون للمزاعم التي تقول بأن تنظيم فتح بخير وأنه سيحقق انتصاراً مضموناً في أي انتخابات قادمة، وإن كانت حركة فتح جادة بدخول الانتخابات فعلى القيادة سرعة إدخال تحولات جذرية على تنظيم فتح وخصوصاً في قطاع غزة قبل دخول معترك الانتخابات .

وفي هذا السياق نوضح القضايا التالية ليس من باب التشكيك بفتح وقدراتها بل من باب التمكين قبل الإقدام ولتبديد أية فهم أو قراءة مغلوطة لتاريخ حركة فتح وسر قيادتها للعمل الوطني:

أولا: في التجربتين الانتخابيتين التشريعيتين في ظل السلطة فازت حركة فتح في الأولى 1996 بالأغلبية لعدم وجود منافس، وخسرت في الثانية 2006، وطوال تسيُّدها كقائدة لمنظمة التحرير وعمودها الفقري لم يكن ذلك لأن الشعب كان ينتخبها بل لأنها كانت حركة تحرر وطني وتحتكر وتمثل مشروعاً وطنياً صاعداً، ولدورها القيادي والبارز في العمل العسكري في تلك المرحلة.

ثانيا: حركة فتح ليست كغيرها من الأحزاب والحركات، والخارطة السياسية تغيرت كثيراً، وبالتالي تداعيات هزيمتها ستكون كارثية على الحركة وعلى المشروع الوطني برمته .

ثالثا: إن تنظيم فتح ليس بخير والمؤتمر السابع كان مهزلة كبيرة، ولم يعد يكفي اليوم الحديث عن التاريخ المجيد و الرصاصة الأولى وأبو عمار، فحتى هذا المتوفر من رصيد هناك جماعات أخرى تنافسها عليه وتسعى لمصادرته لصالحها .

رابعا: بالرغم من أن حركة حماس تعيشا مأزقاً على كل النواحي وتراجعت شعبيتها وانكشفت أوراقها، وخصوصاً بعد استنكافها عن المشاركة في المواجهات الأخيرة مع إسرائيل وتركت حليفها الإسلامي وحيداً في المواجهة، إلا أن القوى الوطنية وخصوصاً حركة فتح لم تستنهض ذاتها أيضاً بل تعرضت لمزيد من الضعف والانقسام وخصوصاً في قطاع غزة الذي تتم المراهنة عليه لكسب العدد الأكبر من أصوات الناخبين، كما أن منظمة التحرير ازدادت ضعفا وتهلهلاً بعد خروج بعض تنظيماتها وانضمامها لحلف مع حركة حماس .

خامساً: إذا كان الشعب في غزة مستاءً من حركة حماس وراغب في التخلص من حكمها فليس بالضرورة ومن المضمون أن تذهب أصوات المعارضين لحماس إلى حركة فتح، فالخارطة السياسية ليست منقسمة ما بين مشروع إسلامي تمثله حركة حماس ومشروع وطني تمثله منظمة التحرير وعلى رأسها حركة فتح، بل باتت ملتبسة وغير واضحة المعالم وهناك قوى جديدة تهيئ نفسها لدخول معترك الانتخابات التشريعية والرئاسية .

سادساً: إن كان تنظيم فتح يراهن على أصوات الناخبين في غزة المكتوين بنار سلطة حماس فإن الحصار وسوء إدارة حماس والإجراءات التي اتخذتها السلطة بحق موظفي غزة كل ذلك أوجد حالة فقر شديدة ستجعل للمال السياسي دوراً كبيراً في تحديد خيارات وتفضيلات الناخبين، وإن كانت حكومة اشتية أنصفت نسبياً موظفي غزة، وهي خطوة لصالح فتح في أي انتخابات قادمة، إلا أن هناك أطرافاً عدة تشتغل منذ سنوات استعداداً ليوم الانتخابات وأنفقت ومستعدة لإنفاق عشرات الملايين لهذا الغرض .

سابعاً: استطاعت حركة حماس تشكيل تحالفات مع عدة جماعات بما فيها أحزاب فاعلة تاريخياً في منظمة التحرير كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية بالإضافة إلى جماعة محمد دحلان أو التيار الإصلاحي الذي يتحدث أيضاً باسم حركة فتح والمشروع الوطني .وهذا التحالف وفي حالة استمرار ترهُل تنظيم فتح فإنه قد يشكل حالة وطنية منافسة لمنظمة التحرير وحركة فتح إن لم يكن بديلاً عنها .

ثامناً: خسارة حركة فتح للانتخابات سيؤدي لفقدانها السلطة بقيمتها الرمزية، وبما تتيحه من قدرة على التحكم بمصادر التمويل وسلطة المال، كما ستعزز الشكوك حول أهليتها لقيادة منظمة التحرير، وستخلق ارباكات على مستوى الرئاسة حيث الرئيس أبو مازن رئيس لفتح وللمنظمة وللسلطة وللدولة، فكيف لحزب خسر انتخابات تشريعية أن يستمر رئيسه رئيساً للسلطة والمنظمة والدولة، فالانتخابات الرئاسية ستتأثر بنتائج الانتخابات التشريعية .

تاسعاً: قد تنال حركة فتح من الأصوات أكثر من حركة حماس في الانتخابات التشريعية في حالة إن تجنبت ترشيح قياداتها التقليديين وقادة التنظيم ورجالات السلطة، ولكن قد تحدث تحالفات ومفاجآت غير متوقعة في الانتخابات الرئاسية كما جرى في الانتخابات الرئاسية التونسية .

عاشراً: على حركة فتح عدم التصرف كمجرد حزب يصارع من أجل السلطة بل كمؤسِسة للمشروع الوطني وقائدة منظمة التحرير، وهذا يفرض عليها السعي نحو الوحدة الوطنية وأن تكون الانتخابات جزءاً من صفقة مصالحة شمولية وليس مغامرة .

أحد عشر: يجب إعادة النظر بمقولة فلنذهب للانتخابات "فإما نشيل كل شيء أو يشيلو كل شيء " فهذه مقولة خطيرة تتعارض مع مفهوم الشراكة السياسية ولا تلامس خصوصية الحالة الفلسطينية ومتطلبات مواجهة الاحتلال موحدين كما أنها تسيء لحركة فتح وتاريخها ومكانتها ودورها الوطني كتجسيد للهوية والمشروع الوطني .

اثنا عشر: يجب توقيع ميثاق شرف يلزم الجميع بأن تكون أي حكومة فلسطينية منبثقة عن الانتخابات حكومة وحدة وطنية يترأسها الحزب الحاصل على أكثر الأصوات مع مشاركة كل الكتل الانتخابية المشاركة في الانتخابات .

وأخيراً، نُعيد التأكيد على تخوفاتنا من أن يكون حديث الانتخابات مجرد همروجة للإلهاء لأن كل الأحزاب غير متحمسة أو راغبة بالانتخابات والنخب النافذة في الحزبين الكبيرين تفضل استمرار المحاصصة الجغرافية–غزة لحماس وما تبقى من الضفة لفتح – . لذ1 فإن الانتخابات لن تجرى إلا في حالتين: إما كمطلب دولي كما جرى في انتخابات 2006 أو ضغط شعبي بمسيرات وعصيان عام يُجبر الطبقة السياسية على إجرائها .

 

إبراهيم ابراش