معمر حبارعقب الاتّفاق المبرم ما بين المجلس العسكري السوداني والسّاسة في السودان حول المرحلة الانتقالية برعاية سعودية وإماراتية وإفريقية وغربية طالب على إثرها حزب FFS الجزائري من الجزائر أن تقلّد السودان في مسعاه وتدخل مثله إلى مرحلة انتقالية دون انتخاب ونقلت الصحف الفرنسية بدورها البيان وروّجت له عبر صفحاتها وعبر الفضائية الفرنسية النّاطقة بالعربية التي أقامت حصّة لذات الشأن وطرحت على مجموعة من الأساتذة والساسة والإعلاميين في السودان حفظهم الله ورعاهم: هل يمكن للجزائر أن تتخذ من السودان مثالا يقتدى به في إقامة مرحلة انتقالية دون انتخاب؟ والجزائري المتتبّع يرى الآن أنّ "الحل؟ !" السوداني لا يمكنه وفي ظلّ المعطيات أدناه أن يكون نموذجا لما تعيشه الجزائر من أحداث منذ 22 فيفري 2019 للأسباب التّالية:

أوّلا مقدمة:

1- نقدّر المجتمع السوداني ونحترم اختياراته التي ارتضاها لنفسه ولوطنه العزيز ونتمنى له كلّ التوفيق ونظلّ على عهدنا بأن لا نتدخل في شؤون السودان ولا الغير.

2- بعض ساسة الجزائر الذين يفضّلون "الحلّ السوداني" الملطّخ بالدماء والتدخل الأجنبي إنّما يسعون بذلك إلى تحقيق أحلامهم المتمثّلة في الاستحواذ على الجزائر وخيراتها دون المرور عبر الصندوق.

3- كلّ ما يهم بعض ساسة الجزائر تمكينهم من حكم الجزائر دون المرور عبر الصندوق ولذلك رحّبوا بالحالة السودانية التي تقفز على الصندوق.

ثانيا الجيش الشعبي الوطني الجزائري الذي يحقن الدماء والجيش السوداني:

4- من حسن حظّ الجزائر أنّ الجيش الشعبي الوطني لم يقلّد جيش السودان لأنّ الجيش السوداني قتل المتظاهرين وأسال دماء إخواننا السودانيين حفظهم الله ورعاهم بينما الجيش الشعبي الوطني مازال على عهده ووعده يحقن دماء الجزائريين ويحفظ أرواحهم وممتلكاتهم ويرافق مسيراتهم وهم في الجمعة 27 باحترافية عالية ولم يمسّ أحدا بسوء رغم ما سمعه مؤخّرا.

5- نظلّ على عهدنا نقف إلى جنب الجيش الشعبي الوطني وقادة الجيش الشعبي الوطني مادام الجيش الشعبي الوطني وقادته على عهدهم الذي قطعوه للجزائريين من حقن الدماء وصون الأرواح وحفظ الممتلكات والدفاع عن الحدود.

6- الجيش الشعبي الوطني الجزائري يرفض اللّعبة السياسية -لحدّ الآن- ويصرّ على حقن الدماء وإجراء الانتخابات بما يضمن انتخابات نزيهة دون تدخل الإدارة المتمثّلة في وزارة الداخلية والولاية والدائرة والبلدية ومن يمثّلهم من كبير أو صغير.

7- الجيش الشعبي الوطني الجزائري قوي متماسك عريق محترف يملك عقيدة حقن الدماء وصون الأعراض وحماية الحدود والممتلكات ولا يخضع لقوى عربية أو أعجمية أو غربية ولا يحتل أراضي الجار والبعيد ولا يستعين بالغير ضد الإبن والجار ولم يشارك في سفك دماء إخواننا اللّيبيين واليمنيين والسّوريين والعراقيين والسودانيين كما تفعل الجيوش العربية والأعجمية والغربية. إذن لا يمكن بحال مقارنة الجيش السوداني - بشهادة إخواننا السودانيين حفظهم الله ورعاهم - بالجيش الوطني الشعبي الجزائري وبالتّالي "الحل؟ !" السوداني لا يمكنه أن يكون حلاّ للجزائر.

8- الجيش السوداني تحت رحمة سلاطين آل سعود وأمراء الإمارات ودول كثيرة لا يمكنه بحال أن يرد لها طلب ناهيك عن مواجهتها والجيش الشعبي الوطني لم يتدخل في شؤونه أحد من الكبار ناهيك عن الصغار وظلّوا يحترمونه ولا يتدخلون في شؤونه وهذه من أعظم ما يميّزه لحدّ الآن.

9- الجيش السوداني رضي باللّعبة السياسية وساسة السودان رضوا باقتسام الكراسي على حساب الصندوق والدماء.

10- الجيش السوداني ضعيف هزيل مفكّك تتجاذبه قوى خارجية ونعرات داخلية وحروب من الإبن والجار لذلك رضخ للمال السّعودي لأجل قتل إخوانه اليمنيين ورضي من قبل بإقامة قواعد عسكرية تركية على ترابه ليواجه بها جاره وأخيه المصري بغضّ النظر عن طبيعة العلاقة ودرجة التوتر.

ثالثا التدخل الأجنبي في السودان:

11- أقوى الدول لحدّ هي المملكة السّعودية باعتبارها تملك المال من جهة ومازالت بحاجة إلى 5000 جندي سوداني يساعدها في الحرب ضدّ الجار والأخ اليمني.

12- الإمارات باعتبارها تملك المال.

13- مصر باعتبارها الجارة للسودان ولا يمكن للسودان - الآن - أن يستغني عن مصر رغم ما يعرف عنهم من اختلافات تتعلّق بالمياه والحدود.

14- إثيوبيا باعتبارها الوسيط الناجح وأزعم أنّ إثيوبيا تسعى لإقامة قدم في السودان لربح حليف يساعدها في الحدّ من النفوذ المصري خاصّة في ملف المياه أو ملفات أخرى لا نعرفها لحدّ الآن.

15- الاتحاد الإفريقي باعتباره من الرافضين للانقلابات العسكرية وتجميد عضوية كلّ نظام يقوم على الانقلاب العسكري وناجح في وساطاته ويملك أدوات الضغط.

16- غياب الجامعة العربية لضعفها وفضائحها وأزعم أنّ السّعودية حين تتمكّن من ملف بعينه تتعمّد إزاحة الجامعة العربية والأمين العام للجامعة وبعض الدول العربية يفضّلون الصّمت والانسحاب.

17- حاولت تركيا أن تستحوذ على السودان لمنافسة مصر والضغط عليها والإطلالة على السّعودية عبر المنفذ البحري الذي كانت تحلم به عبر القاعدة العسكرية التي مازالت تمثّل الحلم التركي وأزعم أنّ السرعة السّعودية في تلبية مطالب السودان بسخاء ودهاء وخداع يعود لأحد أسبابه لغلق الطريق أمام الحلم التركي.

18-  حاولت قطر أن تستحوذ على السودان عبر المال لكن في ظلّ هيمنة المال السّعودي والقبضة المصرية والدعم الإفريقي لاأعتقد حاليا أنّ قطر سيكون لها دور في السّودان.

19-  كلّ الدول التي ذكرناها والتي لم نذكرها تعاملت مع السودان بدهاء وخداع ومكر.

20- الإتّفاق أصلا وضعته السّعودية وإذا استمرّ الوضع على حاله أي سيطرة السّعودية والإمارات ومصر على الوضع السوداني فلا أعتقد -في المنظور القريب والمتوسط- أنّ تركيا ستسطيع إحياء أطماعها وأحلامها في السودان.

21- من قواعد الاتحاد الإفريقي أنّه يجمّد عضوية كلّ دولة عضو قامت على أساس انقلاب عسكري ولا ترجع إلاّ بإجراء الانتخابات بغضّ النظر عن طريقتها. المسألة ليست في خروج دولة كالمغرب من الاتحاد الإفريقي فلكلّ دولة الحقّ في الانسحاب ولا يمنع الاتحاد ذلك والسؤال لماذا رجعت؟ وهل تستطيع دولة في الاتحاد الإفريقي أن تنسحب كلية وإلى الأبد من الاتحاد الإفريقي بما فيها الدول الكبرى كجنوب إفريقيا ونيجريا؟ والإجابة كلا. حين نتحدّث عن ضغط الاتحاد الإفريقي نتحدث عن الضغط بالمفهوم الإفريقي وليس بمفهوم الدول التي تملك حقّ النقض والصواريخ العابرة للقارات. أؤكد من جديد غير نادم ولا آسف كلّ الدول التي تتعامل الآن مع السودان تريد الاستحواذ عليه ومنع منافسها من الاقتراب منه ولا أستثني أحدا وهذا ما يميّز الدول فالدول لا تعطي بسخاء ولا تثبت قواعد عسكرية ولا تتعامل بدهاء وخداع بالمجان.

رابعا الخاتمة:

22- لا يمكن بحال أن يكون "الحل"؟ !" السوداني حلاّ للجزائر لأنّه "حلّ" يقفز على الصندوق.

23- بني "الحلّ" السوداني على الدماء والتدخل الأجنبي ولا يمكن أن تكون الدماء والتدخل ممّا تقتدي به الجزائر.

24- حفظ الله إخواننا في السودان ووفقّهم الله لصالح السودان العزيز علينا والسودانيين الكرام.

 

معمر حبار

 

محمود محمد عليفي هذا المقال السادس نعود ونكمل حدثنا عن البعد الحقيقي لعزو الولايات المتحدة لأفغانستان وذلك عقب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، وفي نناقش: البعد الثالث وهو البعد الاقتصادي، وفي هذا نقول: في عام 1994م أصدر البيت الأبيض وثيقة بعنوان "استراتيجية الأمن القومي للارتباط والتوسع ”" National Security Strategy For Reengagement and Enlargement ” والتي تتحدث عن إمكانية اسـتخدام نفط بحر قزوين من أجل تنويع مصادر الإمداد بالطاقـة في سبيل تقليص الاعتماد الأمريكي على بترول الخليج العربي، وذلك من خلال تشجيع منتجين ومصدرين جددين للأسواق الأمريكية، فالاعتماد على بترول الخليج وحده أمر محفوف بالمخاطر في ظل التوترات التي تعيشها المنطقة آنذاك .

ومـن هنـا جاء الاهتمام الأمريكي بمفهوم "أمن الطاقة، وبالتـالي برز بترول بحر قزوين باعتباره البديل الأمثل، حيث تـشير تقديرات وزارة الطاقـة الأمريكيـة إلى أن الاحتياطيـات المحتملة، لنقط بحر قزوين تـصل إلى 200 برميل، وهو رقم يقترب كثيراً مما لدى السعودية صاحبة أعلى احتياطي نفطي في العالم (69 مليار برميل)، أما من حيث التوزيع فإن مجموع ما تنتجه ثلاث دول هي أذربيجان، وقازاقستان، وتركمنستان، يصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، في حين يتركزالقدر الأكبر من الاحتياطيات النفطية في كازاخـستان وأذربيجـان، وإلى حـد أقـل أوزبكستان، وتشير تقديرات عدة إلى أن أكثر من نـصف الثروة النفطية المحتملة في المنطقـة يقـع في كازاخـستان، وبتقديرات الحكومة الأمريكية يتوقع بلوغ الإنتاج النفطي في كل من كازاخستان وتركمنستان وأوزبكستان بحلـول عام 2010م إلى مستوى 5.4 مليون برميل إذا ما أزيلـت العقبات السياسية.

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الغزو الأمريكي لأفغانستان لم يكن مجرد رد فعل تلقائي على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لأن التحضيرات وخطط العمليات العسكرية، كانت مجهزة من قبل، فالغزو كان سيحصل تحت أي مسوغ لأهمية وضع أفغانستان في الجغرافيا السياسية لأوراسيا الذي هو عبارة عن محيط للثروة النفطية التي تتصارع عليها القوي الإقليمية والدولية، لأن المنطقة تحتوي على 60 % من الناتج العالمي، فالسيطرة على أفغانستان ستفتح الطريق إلى آسيا بعيدا عن السيطرة الروسية، بالإضافة إلى التحكم في التوازنات الإقليمية في المنطقة من خلال مراقبة نمو القوي النامية التى تعد بمثابة تهديد للمصالح الأمريكية في العالم (الصين، روسيا، الهند)، أضف إلى ذلك تأمين أنابيب النفط والغاز الآتية من آسيا الوسطي عبر أفغانستان وحماية المشاريع الكبري، فيما يخص إنشاء أنابيب نفط جديدة، مثل: مشاريع شركة "أتوكال" في تركمانستان ونقل النفط عبر أنابيب متوجهة إلى المحيط الهندي عبر أفغانستان، بهدف الالتفاف على روسيا وإيران، من أجل نفط بحر قزوين دون الاعتماد عليها .

كما يلاحظ أن هناك ارتباطاً مادياً ومعنوياً بين الغزو الأمريكي لأفغانستان، وبين مضامين السياسة الخارجية الأمريكية وانعكاس ذلك على أمن المنطقة، وخاصة القوقاز، فقد احتلت هذه المنطقة أهمية كبيرة منذ منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي في مرتكزات السياسة الأمريكية، وأعلنت الأخيرة أن هذا الإقليم يمثل عمقاً حيوياً لمصالحها الاستراتيجية، وأنها تتطلع إلى تطوير الديمقراطية، وخلق اقتصاد السوق الحرة، واحتضان السـلم والأمـن والتعـاون، وإدمـاج هـذا الإقلـيم بمنظومـة الأمـن الجماعيـة الدوليـة، فوجـود الولايـات المتحـدة فـي أفغانستان حمل ويحمل بين طياته هدفاً استراتيجياً، ضد دول الجوار (القوقاز) من أجل احتواء روسيا وإقصاء إيران ومراقبة الصين، وتغطية تحتية قائمة على التعددية الجيوسياسية في القوقاز من جنوبه وانتهاءً بشماله وإنشـاء منظومـات لممـرات نفطيـة أورو- آسـيوية لا تمـر عبـر الأراض الروسـية والإيرانيـة والصـينية، وبـذلك تتوجس روسيا خيفة من أن الولايات المتحدة تهدف إلى طردها من دائرة تنمية الطاقة القوقازية، ولذا لا غرو أن نجد هناك تلاقياً للمصالح الايرانية – الروسية ضد تنامي النفوذ الأمريكي في القوقاز وبحر قزوين .

وتمثل موارد الطاقة في منطقة القوقاز وبحر قزوين مصدراً هاماً للطاقة الرخيصة، كما يقلل الاعتماد على نفط الخليج العربي في إطار المسعى الأمريكي لتنويع مصادر الطاقة من النفط والغاز الطبيعي، ومن أجل هذا الغرض قام البيت الأبيض في عام 1994 بإصدار وثيقة بعنوان (استراتيجية الأمن القومي للارتباط والتوسيع)، وقد نصت هذه الوثيقة على إمكانية استخدام نفط وغاز بحر قزوين من أجل تنويع مصادر الطاقة، مما يؤدي إلى تقليل الاعتماد الأمريكي على مصادر الطاقة من منطقة الخليج العربي، وقد ذكرت تقارير وكالة الطاقة الدولية كيف تطورت مراحل سيطرة الشركات الأمريكية على موارد الطاقة في المنطقة، وذلك على النحو التالي :

1- ففي /24/ 10 1993 تم الاتفاق بين الحكومة الأذرية والكونسورتيوم الذي يضم عدد شركات النفط المحلية والدولية والأمريكية على استثمار حقلي Chirag-Azeri وقد بلغت حصص بعض الشركات الأمريكية في هذا الكونستوريوم، مثل شركة أمكو Amoco حوالي 17.1% وكان نصيب شركة يونيكال Unocal حوالي 15 % وشركة بانازول Penzoil حوالي 9.81 % من المشروع.

2- في /14/ 08 1994 قام الرئيس الأذربيجاني بزيارة واشنطن واتفق على توقيع ثلاث عقود مع كل من الشركات الأمريكية Exxon - Mobil-Chevron، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية تعاون مع شركة Amoco الأمريكية هذه الاتفاقية تتيح للشركة الحق الاستثنائي في إجراء المباحثات وقد نص حول حقل Inam، وقد نص العقد الأول على استكشاف واستثمار حقلApshereon جنوب بحر قزوين والذي بموجبه حصلت شركة Chevron على 30 %من المشروع والحق في ممارسة عملية التنقيب، أما العقد الثاني فيهتم بالتنقيب في حقل Tagiev.Z بواسطة شركتينExxon- Aioc، حيث تحصل كل منهما على 50 %من أسهم المشروع، أما العقد الثالث فتم توقيعه بين شركتين Aioc -Mobil بخصوص حقل Ogaz الموجود شرقي باكو وينص هذا المشروع على تكافؤ المساهمة بين الشركتين الأمريكيتين والأذربيجانية، لكنه يعطي الحق في مباشرة عملية المشروع إلى شركة "موبيل" الأمريكية .

3- وفي 2/12/1995 بدأت شركة Caspian International Company في عملها في أذربيجان، حيث قامت بعملية استكشاف في حقل "كاراباخ" وهي شركة أمريكية مشتركة وفي الفترة 6-9/4/1997 عقد مؤتمر في دالاس حول منطقة بحر قزوين .

4- عرضت فيه شركة "هوستن" Houston أكبر مجموعة من التقارير والخرائط وقواعد البيانات حول منطقة بحر قزوين، وفي 11/ 05 /1998 قامت وكالة الطاقة الأمريكية بعقد مؤتمر حول احتياطات الطاقة في منطقة بحر قزوين وأجرت مسحا استراتيجياً للمنطقة، وفي 11/ 05 /1998 وضعت شركة "سوكار (Socarتقريراً حول كمية الغاز الطبيعي القابلة لاستخراج وقدرتها بحوالي 15 مليار م3 وفي 20/5/1998، شركة قدمت "First Exchange Crop" (FEC) عدة مشاريع استثمارية في بحر قزوين وخاصة في كل من كازاخستان وأذربيجان وتركمنستان .

5- وفي يومي 25- 26/ 06/ 1998 عقد مؤتمر دولي في مركز التجارة العالمي في نيويورك من أجل بحث مشاكل النفط والغاز الطبيعي وخطوط أنابيب نقل الغاز الطبيعي في منطقة بحر قزوين، وفي 13/ 11 /1998 وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على تمويل مشروعات البنية التحتية اللازمة لصناعة النفط والغاز الطبيعي في تركمنستان .

6- وفي 11/ 10/ 1999 شرعت شركة "شيفرون" Chevron الأمريكية بالتباحث مع حكومة كازاخستان على صفقة شراء 25 % من استثمارات حقل تنجيز "Tengiz "وفي 02/ 11 /1999، قامت الولايات المتحـدة الأمريكية بتقديم منحة تقدر قيمتها بـ 425 ألف دولار لدراسة إمكانية إنتاج وتطوير حقول الغاز في أذربيجان حيث تقوم بهذه الدراسة شركة Enron .

يتضح لنا من العرض السابق لنشاط الشركات الأمريكية في منطقة القوقاز وبحر قزوين مدى اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على موارد الطاقة في المنطقة، كما أنها لم تكتف بتواجد شركاتها النفطية في المنطقة، بل سعت إلى السيطرة على منابع النفط والغاز الطبيعي في المنطقة، بالإضافة إلى رغبتها في السيطرة على أنابيب نقل النفط والغاز الطبيعي إلى الأسواق العالمية، حيث قامت بتنويع طرق تصدير النفط والغاز الطبيعي عبر عدة دول حول منطقة بحر قزوين، وقد جاءت هذه السياسة بهدف التحكم في سيطرة روسيا وإيران على موارد الطاقة في المنطقة .

وهنا يمكن القول بأن حقق الغزو الأمريكي لأفغانستان عدة مكاسب اقتصادية للولايات المتحدة أهمها:

أ- السيطرة على نفط بحر قزوين:

إن أحد الدوافع الرئيسية الغزو الأمريكي لأفغانستان هو السيطرة على منطقة قلب آسيا المليئة بالنفط، بما يضمن تنويع مصادر الطاقة العالمية وتقليل الاعتماد الأمريكي على نفط الخليج العربي الذي يصعب السيطرة عليه حيث يعد بحر قزوين ثالث أكبر احتياطي للنفط والغاز الطبيعي في العالم، لاسيما وأن الفريق السياسي الجمهوري الذي أدار الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان، هو نفسه الذي خاض- قبل عشر سنوات- الحرب في الخليج من أجل النفط (آل بوش – ديك تشينى- كولن باول)، ومن ثم يجيئ تحالف بوش – تشينى السياسي من خلفية تحالف المصالح البترولية .

وجدير بالذكر أن معهد النفط الأمريكي في واشنطن والذي يعتبر صوت شركات النفط الرئيسية اعتبر إقليم بحر قزوين الغنى بالنفط بديلاً لنفط الشرق الأوسط، وتختلف التقديرات المتنوعة في تقييم حجم الاحتياطات التي يمتلكها بحر قزوين من النفط والغاز، وإن اتفق الخبراء على أن المنطقة تأتى على الصعيد العالمي بعد منطقة الشرق الأوسط وقبل بحر الشمال، من حيث الاحتياطات وفقاً للتقديرات التي قدمتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فإن حجم الاحتياطي النفطي المؤكد لبحر قزوين يصل إلى 10 بلايين برميل والاحتياطي المحتمل بليون برميل، كما تتميز المنطقة بوجود كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، حيث يصل الاحتياطي المؤكد للغاز الطبيعي إلى 170,4 تريليون متر مكعب، وقد بلغت صادرات منطقة بحر قزوين من النفط خلال عام 2001م حوالى 920 ألف برميل سنوياً .

إن هاجس السيطرة على منابع النفط عالمياً غدا متحكماً في توجهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ومن ثم مبرراً لغزو أفغانستان التي وإن افتقرت في ذاتها إلى الثروة النفطية، إلا أنها تقع على تقاطع طرق تصدير هذه الثروة صوب الغرب .

2- دعم مصالح شركات النفط الأمريكية:

يمكن القول بأن مصالح شركات النفط الأمريكية قد شكلت ضغطاً متزايداً على الإدارة الأمريكية، للقيام بدور قيادي أكثر في دول جنوبي القوقاز وآسيا الوسطي، لا سيما في ظل تنامى مصالح شركات النفط الأمريكية منذ النصف الثاني في عقد التسعينيات، وكان لزاماً على الولايات المتحدة ترجمة هذه المصالح الواسعة إلى أهداف سياسية، بما يكفل حصول الشركات الأمريكية على أكبر حصة ممكنة من كعكة بحر قزوين النفطية، وهنا لنا أن نؤكد على أهمية "موقع أفغانستان" في إطار هذا التحرك الأمريكي للسيطرة على نفط منطقة بحر قزوين التي غدت بيئة مواتية لتنافس اقتصادي محتدم بين بعض الشركات النفطية العالمية في الولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا، والخليج، وآسيا التي تتولي مشروعات إنتاج النفط في جمهوريات آسيا الوسطي، وتوصيله إلى الأسواق العالمية .

ولعل أبرز الحالة الدالة على مثل هذا التنافس المحتدم أو الصراع بالأحرى، تلك التي طرفاها الأساسيان شركة "بريداس" الأرجنتينية من جانب وشركة "يونكال" الأمريكية من جانب آخر من أجل مد أنبوب مشترك من تركمانستان إلى أسواق الغاز في شبه القارة الهندية، وإلى مجمع لتصدير النفط بالقرب من كراتشي في باكستان لأن هذا الأنبوب المشترك كان من المفترض أن يمر عبر إقليم غرب أفغانستان الى كانت تسيطر عليه طالبان في ذلك الوقت .

وبإلإضافة إلى ذلك فقد تم إعلان الحرب الأمريكية على أفغانستان بعد أسبوع من إعلان "شيفرون وتكساكو" (وهما من كبري شركات النفط الأمريكية) عن اتحاد بينهما في هيئة كاتل بلغ حجم ميزانيته 100 مليار دولار واحتياطاته الصافية 11,5 مليار برميل من النفط وإنتاجه 2,7 مليون برميل من النفط ويدخل حقل "تنكيز" النفطي في كازاخستان والذي لا يبعد كثيراً عن أفغانستان في إطار شبكة الإنتاج النفطي لهذا الاتحاد، وهو ما يعد مسوغاً إضافياً لاحتلال أفغانستان . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال الخامس نعود ونكمل حدثنا عن البعد الحقيقي لعزو الولايات المتحدة لأفغانستان وذلك عقب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، وفي هذا نقول: هذه الحقائق جعلت من الصين العائق الاستراتيجي الأكبر أمام مشروع الهيمنة الكونية للولايات المتحدة باعتبار " التحدي الأصعب"، لأن الصين خلافاً للاتحاد السوفيتي، ليست دولة عسكرية جبارة، تقوم على اقتصاد ضعيف، وإنما لها اقتصاد قوي يبنى قوة عسكرية مؤثرة . هذه التحولات الجيوبوليتيكية الهائلة التي بعثها الصعود الصيني في آسيا الوسطي، أثارت قلقاً عميقاً لدي الحكومات الأمريكية، مما دفع إلى تشكيل مفاهيم ثلاثة بين: التشدد، الحل الوسط، واللين في مقاربة العلاقات الصينية – الأمريكية .

وتبرز إلى السطح في خضم النقاشات الدائرة، ضرورة احتواء الصين، ليس بمفهوم الاحتواء السائد في الحرب الباردة، ولكن بالعمل على كبح جماح النفوذ الصيني في المجالات الجيوسياسية في آسيا الوسطي، عن طريق توسيع التحالفات القديمة في الشرق الأقصى مع اليابان، وتطوير العلاقات مع دول آسيا وزيادة الوجود العسكري في مناطق مثل آسيا الوسطي.

وتأتى آسيا الوسطي على رأس المجالات الجيوسياسية المهمة وإحدى مناطق الضغط المهمة في حالة الصراع مع الصين، فهي تشكل قاعدة مهمة وقريبة من أقاليم التوتر الصيني (التبت) مثلاً، وهو إقليم قد يُعد أحد مفاتيح التدخل ضد الصين في المستقبل، وتدخل هذه الاستراتيجية في حسابات سياسة التطويق الأمريكي للصين من الغرب، لمنع التمدد الاستراتيجي الصيني في آسيا الوسطي، كمنطقة مهمة في حسابات أمن الطاقة للصين، التي باعتبارها واحدة من أهم موارد الطاقة للاقتصاد الصيني. فالتواجد الأمريكي عسكرياً في المنطقة يفرض التحكم في خطوط نقل إمدادات الطاقة نحو الصين .

وتتلخص الأهداف الاستراتيجية الأمريكية من احتوائها للصين في نقطتين أساسيتين:

النقطة الأولي: استغلال التماس الجغرافي بين الصين وآسيا الوسطي، لتشكيل نوع من العزل الاستراتيجي لمنع التمدد الصيني نحو الغرب بعدما أحكمت التطويق من الشرق وجنوب شرق، حيث اليابان وكوريا الجنوبية، لتشكيل تحالف استراتيجي مع الصين، لمجابهة أمريكا الخطر المشترك .

النقطة الثانية: باعتبار آسيا الوسطي حسب النظرية الأوراسية – الأمريكية محوراً جيوبوليتيكياً حاجباً للموارد ومعيقاً للتمدد الاستراتيجي للاعبين الاستراتيجيين، فإن الاستراتيجية الأمريكية في آسيا الوسطي، تسعي إلى حجب موارد المنطقة عن الصين، خاصة النفط، والغاز، واليورانيوم المفاتيح الأساسية للاقتصاد الصيني، فالتحكم في النفط والغاز القادم من آسيا الوسطي، عامل أساسي في استكمال حلقات احتواء الصين من الغرب، عن طريق الانتشار العسكري، وتعزيز التحالفات مع الدول المحيطة بالصين.

العنصر الثالث: محاصرة إيران: ما بعد الاحتواء المزدوج:

تهدف الولايات المتحدة الأمريكية من خلال حضورها العسكري المباشر في آسيا الوسطي، والذي أتاحته ترتيبات ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والحرب العالمية علي الإرهاب إلي استكمال حلقات الاحتواء المزدوج (السياسة التي كانت بدأتها إدارة الرئيس بيل كلينتون لاحتواء إيران والعراق) لمحاصرة إيران من الجهة الشرقية، بعدما أنهت احتواءها للعراق، واحتلاله وإيجاد موطئ قدم للقوات الأمريكية علي حدود إيران الغربية؛ حيث القوات الأمريكية في العراق والخليج العربي، وفي الوقت الذي تسعي فيه الولايات المتحدة إلي دمج مصالحها في الشرق الأوسط بمصالحها في آسيا الوسطي وأوراسيا، من خلال استراتيجية الاحتواء الشامل، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يمتد علي مساحة جغرافية من المحيط الأطلسي إلي شرق أفغانستان، وتظل إيران الدولة الوحيدة المنتمية إلي المنطقة، والتي تنهج سلوكاً في سياستها وأدوارها الإقليمية مغايراً للمعايير الأمريكية، فحسب بريجينسكي، فإن إيران هي دولة مشاغبة جيو سياسياً ومصدر تشويش استراتيجي، وهي بمثابة القاسم المشترك لكل مشاكل الولايات المتحدة، بالرغم من كونها دولة محورية جيو سياسية في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية. ويستدل المسؤولون الأمريكيون علي مدي تهديد إيران للاستراتيجية الأمريكية من سيل الاتهامات الموجهة ضد إيران، والمتمثلة في رعاية الإرهاب ومعارضة العملية السلمية وتخريب الجهود الدولية لإحلال السلام في الشرق الأوسط، علاوة علي سعيها لامتلاك السلاح النووي وتطويرها لأسلحة الدمار الشامل.

وفقا للتصور الاستراتيجية الأمريكي، فإن الولايات المتحدة تسعى إلى تعميق عزلة إيران الخارجية من خلال تحجيم الصلات الاقتصادية بينها وبين دول العالم عن طريق فرض عقوبات اقتصادية ومالية على الأطراف المتعاملة مع النظام الإسلامي في إيران، وقد سنت الولايات المتحدة لهذا الغرض قانون داماتو في 1996م، والذي مدده الكونجرس في عهد إدارة بوش الابن لمدة 5 سنوات أخري، ويقضي بفرض عقوبات على أية شركات تستثمر أو تتعامل مع إيران، وهو ما يمليه التواجد الأمريكي في آسيا الوسطي، فقد عارضت الولايات المتحدة الأمريكية كل مشاريع النفط والغاز التي تمر عبر الأراضي الإيرانية والقادمة من آسيا الوسطي وبحر قزوين، كما تهدف الولايات المتحدة الأمريكية إلي إشغال إيران بنفسها وبمشكلاتها الداخلية من جراء سياسة التطويق والحصار من الشرق والغرب، حتي لا تكون مصدر أذي في الخارج، وعندما نترجم ذلك الي مصطلحات السياسة، فإن ذلك يعني – ضمناً- إنشاء أطراف شريرة مستقلة، وهذا من مصطلحات الحرب الباردة، تتعاون معها الولايات المتحدة لاحتواء الخصوم الأكثر تهديداً، وفي حالة إيران، تسعي الولايات المتحدة إلى إحاطة إيران بخصوم من ذات المصفوفة الحضارية، وهى الدول الإسلامية للجوار الإيراني من الجهات الثلاث: تركيا في الشمال الغربي، والعراق في الغرب، وباكستان، وأفغانستان، ودول آسيا الوسطي في الشرق والشمال الشرقي، وهى كلها دول إسلامية سنية المذهب مقاومة لإيران وهى دولة شيعية المذهب. فالغاية هي أن تكون إيران محاطة بأطراف شريرة سنية، من أجل إثارة الانقسامات، وإثارة حرب أهلية إسلامية، وذات الأمر تقوم به الولايات المتحدة في الخليج عن طريق التهويل من الخطر الإيراني وبرنامجه النووي والهلال الشيعي المتشكل في الشرق الأوسط، وقد أفضي ذلك إلى تشكل ما تسميه السياسة الأمريكية محور الاعتدال العربي في مواجهة محور التطرف الإيراني .

وتتلخص الأهداف الأمريكية من احتوائها لإيران عبر آسيا الوسطي في النقاط التالية:

1- تحجيم الصلات الاقتصادية والتجارية بين الجمهورية الإسلامية في آسيا الوسطي والجمهوريات الإسلامية الإيرانية .

2- استكمال حلقات الطوق الأمريكي على إيران ومحاصرتها من الشرق، بعد ما تم لها ذلك من جهة الغرب والخليج العربي .

3- مراقبة التوجهات الإيرانية نحو آسيا وأوراسيا، من خلال التحرك الإيراني النشط على المحور الصيني- الروسي.

4- نزع ورقة الطاقة ونقل الإمدادات النفطية والغازية من آسيا الوسطي وبحر قزوين عبر إيران، باعتبارها تمثل الممر الجغرافي الأكثر أماناً والأقرب والأقل تكلفة.

5- الاحتواء الفكري لإيران.

بناء على ما سبق يتبين لنا أن ساحة الحرب على الإرهاب تقع في آسيا الوسطي (بالقرب من بحر قزوين)، حيث إن تلك البقعة تشكل أهمية كبري، وعمقاً استراتيجيا للولايات المتحدة لكونها تقع في منطقة تتوسط تقاطع التهديد الثلاثي (الصين، وروسيا، إيران)، ولمنع هذا التهديد من الظهور، تبنت الولايات المتحدة سياسة الحرب الاستباقية، بهدف التواجد المباشر بالقرب من هذه الدول، ومؤشر ذلك التوسع العسكري السريع الذي تقوم به واشنطن على مدي آلاف الأميال التي تمتد من البلقان إلى حدود الصين، هذا التوسع أحاط بالقوقاز ووسط آسيا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية من "كامب بوندستيل" Camp Bondsteel في كوسوفو بعد حملة حلف الأطلسي عام 1999م، إلى قاعدة بيشكك الجوية في قيرغيزستان بعد التواجد الأمريكي في أفغانستان، ويعمل الأمريكيون على إنشاء حضور عسكري في أماكن لم يكونوا فيها من قبل . بالإضافة إلى وجود 13 قاعدة جديدة في تسعة بلدان تحيط بأفغانستان أنشأت بسرعة مما جعل جنوب روسيا مسرحا أمريكيا للمرة الأولى.

بالإضافة إلى دول شرق أوربا التي تشكل حاجزاً أمام احتمال أي توسع روسي مستقبلي، فإن دول وسط آسيا، أو دول القوقاز، وبحر قزوين، تتميز إلى جانب أهميتها كحاجز، بثروة نفطية من شأنها توفير عنصر القوة الاقتصادية لمن يهيمن عليها، وهى قوة لم يقم الاتحاد السوفيتي السابق باستغلالها، أو لم يكن قادراً على ذلك، كذلك فإن هذه الدول الأسيوية الإسلامية الجديدة هي دول ليست متقدمة، وهى مصنفة عالمياً ضمن ما يعرف بالعالم الثالث، وفي هذا المجال ومقارنة مع دول الشرق الأوسط التي تصنف كذلك من دول العالم الثالث، ولذلك أصبحت المنطقتان تنتميان جيوبوليتيكيا إلى مستطيل يمتد من جنوب روسيا مكون من دول غنية بالنفط والغاز، ولا تملك الأموال ولا التكنولوجيا ولا القدرة السياسية والاقتصادية للسيطرة على ثرواتها ومقدراتها، وبهذه الصورة تتكشف خلفيات الأهداف الأمريكية منها ما كانت معلنة وغير معلنة، والتي تسعى من خلالها لتمرير سياساتها وطرح مبررات تدخلها في أماكن كثيرة من العالم وتحديداً في العراق لأحكام السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وأفغانستان بوابة الدخول إلى منطقة آسيا الوسطي والتواجد العسكري بالقرب من الأعداء القائمين أو المحتملين، وبهذه الصورة تكون الولايات المتحدة، قد نفذت أهدافها الاستراتيجية العالمية من المنظور العملي، وذلك تحقيقاً لجانب التخطيط النظري، والتى رسمها المفكر الاستراتيجي " الفرد ماهان" Alfred Maha (1840-1914م)، التي تنص على:" إن من يحكم شرق أوربا، يسيطر على منطقة القلب، ومن يحكم منطقة القلب يسيطر على الجزيرة العالمية، يسيطر على العالم كله ".

فإمساك الولايات المتحدة على هذه المواقع الجغرافية الهامة، وسيطرتها على ثرواتها الواعدة من نفط وغاز وغيرها، تكون قد أنهت سيطرتها العسكرية المباشرة على العالم، بحيث لا تبقي قارة أو إقليم يخلو من الوجود العسكري الأمريكي المباشر، مما يعنى أن مسألة التفكير الروسي، للعودة إلى المياه الدافئة والشرق الأوسط أمر صعب التحقيق حالياً، وأن نهوض المارد الصيني مستقبلاً أصبح بعد التواجد العسكري الأمريكي، بالقرب منه في حكم المهمة الصعبة، كذلك للحد من الدور الهندي الصاعد، وبات الرهان على باكستان رهاناً محفوفاً بالخطر الكبير، بعد أن أصبحت هدفاً تحت السيطرة المباشرة للجيوش الأمريكية.

ولكن وفي ظل هذا الوضع الجديد الذي يحقق للولايات المتحدة حرية التحرك باتجاه استكمال التحكم والسيطرة على أهم مناطق العالم (قلب العالم) والمعرفة بغالبها تقع ضمن أراضِ عربية وإسلامية، والتي لم يكن للولايات المتحدة السيطرة عليها عسكرياً، لولا ظروف استثنائية تمثلت بفرصة أحداث 11 سبتمبر 2001م وانطلقت مع الحرب على الإرهاب.

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ستستمر تلك الظروف التي تعانى منها شعوب العالم الإسلامي، نتيجة غطرسة القوة الأمريكية وانفرادها في القرار الدولي، وغزوها للعراق ومن قبلها أفغانستان ودعمها للاحتلال الاسرائيلي وتشريد شعبه، وتدخلاتها المستمرة في الشؤون العربية والإسلامية؛ بمعنى هل من الممكن للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة "باراك أوباما" Barack Obama بإجراء تبديل أو على الأقل تعديل في استراتيجية أو عقيدة إدارة بوش الابن تجاه قضايا العالم الإسلامي أم ستبقي الأمور على ما هي عليه؟ وهل بالإمكان التكهن بحصول مفاجآت غير متوقعة في الشؤون الداخلية والخارجية للولايات المتحدة؟ .

خلاصة القول إن الهدف الأسمى من غزو الولايات المتحدة لأفغانستان من الناحية العسكرية، يتمثل في وضع موطئ قدم في منطقة آسيا الوسطي، وهو ما يعمد على إفساد طبخة التضامن الروسي – الصيني والعمل على التقارب بين موسكو وواشنطن، خاصة لما لهذه المنطقة من أهمية لروسيا في السيطرة على نصف القارة الأوربية وعلى مد نفوذها إلى أجزاء متعددة من الشرق الأوسط وشرق آسيا، ولم يكن غزو أفغانستان مجرد فعل تلقائي، باعتبار أن منطقة أوراسيا عبارة عن محيط من الثروة النفطية، فاختيرت أفغانستان لتكون نقطة ارتكاز وقاعدة أمريكية لعملياتها العسكرية في أوراسيا، ويبقي الدوافع الخفية لذلك، هو مواجهة تحديات نمو الصين في أوراسيا وتمدد علاقتها النفطية مع دول الجمهوريات الإسلامية، وكذا إبعاد الجار الروسي وتقزيم دوره في المنطقة، وإحكام السيطرة على قواعد اللعبة الدائرة بين شركات متعددة الجنسيات في مجال النفط، والغاز والخدمات البترولية التي تنتمي لعدة دول غربية وروسية وهندية، لكن بالرغم ما خطط له في شن الضربات الاستباقية في إطار" الحرب العادلة "، إلا أنها عجزت عن احتواء ذلك الخطر الذي يمثل تحولاً في منطق الحرب ودلالتها، وعدم التحكم الذكي في الوضع بفتح جبهة جديدة لنفوذ قوي أخري صاعدة خاصة روسيا والصين، لذا عمدت أمريكا في فتح جبهة جديدة في علاقتها مع القوي الإقليمية خاصة تركيا محور القارة الأوراسية فما وراء ذلك التقارب – الأمريكي في المنطقة... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

ضياء الحكيممتى ستدرك الأحزاب السياسية المذهبية الدينية أنها خلفت التشويه والتخلف لشعوبها؟ لماذا تكرر هذه الأحزاب أخطاء الماضي بأرتكاب أخطاء جديدة وتخترق أسس إصلاح الدولة؟

كل شيئ يسير بمعايير إرادة إلاصلاح داخل الدول والعراق يستحق أن يعيد أناقته بالأصلاح . والمفروض ان عملية التغيير في الدولة تتم على مراحل، يترأسها بعيون فاحصة، مسؤولون عن تقدمها أو تأخرها بمراقبة أفضل الخدمات اليومية ويبادلون شعوبهم برابطة الصدق بالصدق . الفرصة لفتح باب الأناقة والجمال أمامنا تتطلب خطوات جريئة صادقة وضوابط تتخذها وترتأيها الدولة وتغذية فائدتها لكل الطبقات الشعبية وبمشاهدة مؤشرات ماذبل ذبل وما تخلف تخلف. فالأمرُ ليس متروكاً للسماء ونحن نسير ولا نرى ما أمامنا إلا معايير جمال الدول الأخرى وطبيعتها الخلابة وعناية حكوماتها بأفرادها صحياً وعلمياً وإجتماعياً . أرى مرور الوقت وهو يمر سريعاً ولانرى إلا صراخ المأذن للتوبة . وأنت ترى بالتلفونات الذكية ماأثقلتكم حكومات بناء المتاريس والعقبات السياسية الدستورية وحكومات " تعطيل العمل بالعطل".

ذاق أهل العراق الطعم المر من الأحزاب السياسية على إختلافها وإختلاف توجهاتها وعقائدها وتجاعيدها وأقوال قادتها. وها نحن اليوم أمام واجهة العلم والتعلم في كيفية إدارة الوطن من العتبة الأولى. 

كثيراً ما طرحنا على الطبقة السياسية التي تقود الوطن سؤال السائل: ماهو الوجه الواحد الذي يميز أرض دولتنا ودستورها؟ وظهرت أمامك أوجه عديدة مختلفة التوجه والتجاعيد الزمنية وإنهالت على المواطن عشرات الأجوبة في التفسير والتغطية الإعلامية، أغلبها، سياسية عقائدية دينية مذهبية قومية، رافقها نوعية مبطنة من أيديولوجية الصراع بين جيل يطمح في ترتيب أناقة الدولة وسلامتها وعطائها الفكري وجيل من مشايخ الشيوخ وساسة السياسة القابعين في مقراتهم وهم يرون أن أناقة وكرامة الدولة ينبغي أن تبقى مع أتربتهاعلى حالها السابق بتغييب ماهو قادم وجديد ولاتحتاج المضي في التغيير .

العراق في تحليل مجتمعي دقيق تسوده أحزاب رفعت بقيمها البالية الى السماء وأنزلها الله بقوة ولعن قادتها أشد لعنة . العراق مراقد ومقامات وأضرحة وهمية كريهة الشكل والمنظر أضيفت لها ألوان الاكاذيب والخداع والغش في السنوات القليلة الماضية لتمرير تجارة كسب المال من الفقراء والسذج .

ليتهم يعلمون ضياع الوقت والطاقات بتوريط العراق في المزيد من خلق الذريعة للكراهية العنصرية المذهبية (داعش) . ليتهم يعلمون الخدمات السرية التي قدمتها وكالة الأستخبارات الأسرائيلية الى داعش وحث أفرادها على الصلاة والتعبد والجلوس في المساجد والمقامات والأضرحة وذبح من لايؤمن. المسلحون من أفراد وشخصيات داعش أدخلوا على مقاتليهم الطاعة التامة لنبذ الحياة الدنيا والاختلاف على دنيا الأخرة . حالتان مميتتان لامفر منهما كرستهما لهم أجهزة المخابرات، فياليتهم يعلمون . ألم يبدو لنا واضحاً أن إسرائيل تغدق على " مقاتلي داعش بالمال والسلاح وتعتني بالجرحى المصابين منهم في مراكز ميدانية طبية خصصت لهم ؟ ألم يبدو لك واضحاً لماذا لم يقم تنظيم داعش بأي عمل عسكري ضد المستعمرات اليهودية جنوب سوريا والجولان؟ وهل مازال خافياً كيف أشغلت إسرائيل العراق وسوريا ولبنان بنشر قوات داعش وإيصالهم للمدن والقرى كي تضيّع على هذه الشعوب فرص التقدم وتُشغل جيوشهم وبعثرة طاقاتهم في قتال طائفي مرير؟

لقد جاء الدور للإصلاح وحان الوقت للعمل والبناء . فمن هو القائم به؟ المقترح هو حل وإبعاد كل الأحزاب السياسية بقرار جماعي متفق عليه وتشكيل حزب واحد بمسمى (حزب الإصلاح المدني المنهجي) وينضوي تحت راية كتابة نص دستوره ممن يؤمن بستقبل العراق والطريق الأصلح لأنهاء الأحزاب جميعاً ومن دون تمييز عنصري بين القوميات والمذاهب .

الصورة البارزة المعطاة عن أناقة دولنا وتقدمها الحثيث تجابهه عقليات أقامت لنفسها أحزاباً إعتقدت أنها أسهمت و تُسهم بتقدمه بينما يتنقل وجهائها في ربوع بلدان أوروبية وأمريكية ويلتقطون الصور والتصوير والفيديوات وما يرافقها من بيانات ساذجة عن نية العمل لاحقاً . الوطن يستحق الحرص والحماية والأصلاح المبرمج ونبذ الأرهاب. ويستحق مواطنوه العيش من أجل جيلهم وجمال ارضهم . فهل في الأستطاعة أن تستوعب أفكارنا وأعمالنا مكاناً واسعاً له، ونلقي في السواقي البالية جيوش الظلام التي حاربته.

أتحب إزدهار وطنك؟ فإخضراره وعذوبة مياهه يبدأ بك. يبدأ عندما يتوافد السواح إليه وهم في إطئنان وسلام يعاودونا السلام ونعاودهم بالسلام والسلام عليكم وعلى وطنكم الزاهر المرفه .

 حقيقة الحقيقة هو ما يجثم على صدورنا من تفاعلات نفسية سلبية أصبحت العنوان السائد والمهيمن على طبيعة العلاقات بين أناس يرون الحياة خدعة حزبية، فطنة شيطان برلماني، أو عبودية لرب إفتراضي سطره للبشر من قاد عقيدة مضللة.

ماذا ستربح أية دولة بعقيدة تعم وتُسندها القصص والأساطير والرويات وتتحالف مع الآخرين ضد دولة مسلمة وجارة، أيا كانت مبادئ وعقيدة تلك الدولة ؟

الخطأ الجسيم ترتكبه دول بحق جمالية دينها وتأريخها وأجيالها، وتسهم بصورة مباشرة ببرامج ومشاريع تستنزف منها ثرواتها وطاقاتها وما أهلك مواطنيها بدعاوى عقائدية أو مذهبية أو دينية تحبب الطائفية وترفع شأن التعادي والقتل المباح.

ويبدو أن هذه الدول تابعة قابعة ومأسورة الإرادة والمصير ومقيدة بأحزابها السلطوية، وأنها تمضي على سكة المسموح به من حرية التعادي والتقاتل والإحتراب والدمار وعمومية التأخر الماثل أمامهم ولاتراه أعينهم . هذه الأحزاب الملوثة بأحقاد الماضي تقدم خدمة مجانية للاعداء والمستغلين وتخشى أن نكون أمة واحدة ذات قدرات إعتصامية بمعاني وقيم الإسلام الحقيقي، ويأتي في مقدمتها حق السلام والجيرة وأسسهما وأهميتهما في بناء الحياة الأقوى والأفضل والأعز. فالدولة عمل وإصلاح تدونُ أناقته المؤشرات ببيانات مكتوبة.

 

ضياء الحكيم

باحث وكاتب سياسي

 

 

 

عبد الخالق الفلاحكل الانظمة السياسية الوطنية اسماً وعملاً أيا كان نمطها وخلفية تشكيلها تبحث عن تعزيز شرعيتها والتي تشير الى التزام النظام الحاكم أو السلطات بالقوانين والدستور في ادارة الشأن العام ، و تعني توافق المبادئ العامة والأيدلوجية والافكار والاطار المؤسساتية لتأتي بالنظام السياسي الحاكم والمقبول  وفق القوانين الدستورية المناسبة والمتطابقة مع ارادة وطموحات الجماهير"إلأ في العراق" فلا تنتهي الصراعات المتفاقمة،والانسدادات التي يعيشه شعبه على كل الأصعدة بالحلول الترقيعية وبالتسميات او في الارتفاع فوق الرؤية الوطنية وليس من موقع الضد السياسي او الفكري العقلاني المفقود اساساً انما من اجل السباق للحصول على جزء من الكعكة و فشلت جهود "محتكري السياسة "في تكوين قيادة وطنية موحدة سليمة النوايا تحقق ارادة الجماهير ، لها ثقل سياسي واضح المعالم، تستند الى مشاريع استراتيجية وأهداف واضحة تسعى الى بناء الوطن ، نابعة من تاريخه الكبير، حريصة على لملمت شتات القواعد الجماهيرية للشعب في ظل امة واحدة رغم اختلاف مكوناتها العرقية والقومية والاثنية ،وبعيدةً عن التناحر على السلطة بتسمياتها الحزبية والمذهبية والمناطقية، و تعمل وجل اهدافهم  التفكير بالمصالح الشخصية الضيقة، وحسابات الربح والخسارة ،متنافسة ومتنازعة على حصص المسؤولية والقادة الذين لم يصلوا بعد الى حالة من القناعة السياسية وادراك مفهوم الديمقراطية الجديدة إلى الان وأن غالبية القوى السياسية هي لا تؤمن بشرعية المؤسسات أو السلطات الحاكمة ، مما سبب الاعتقاد بالفشل الذي يشمل إلى حد كبير كافة القوى السياسية وبأن السلطة تعاني من العديد من الازمات والانقسامات وانهيار التحالفات بسرعة والتي بالامكان رصدها على مدى الاعوام الماضية دون الكبير من العناء. وغياب مفهوم المعارضة لان " المعارضة السياسية الحقيقية لها علاقة وثيقة بالديمقراطية فهي تُعد جزء أساسي وشرعي من النظام السياسي الجماهيري، حتى قيل " لا معارضة بدون ديمقراطية، ولا ديمقراطية بدون معارضة موجهة فعالة ، ولا سياسة أصلا دون تعددية ومن التعددية تنبثق المعارضة والتنافس، فحيوية المجتمعات تعود من بعض الجوانب إلى التعددية السياسية وإلى المعارضة النشطة حيث تكون نداً للحكومة ومعارضاً لها، وبديلاً عنها و فلا يمكن أن يكون هناك تداول سلمي للسلطة ما لم تكن هناك تعددية سياسية حرة تؤمن بوجود المعارضة في إطار المجتمع والنظام السياسي الديمقراطي والعكس صحيح. ومن غير الممكن للديمقراطية كبنية وآليات وقواعد أن تنضج وترسخ على مستوى الممارسة السياسية، إلا في ظل بنية ثقافية تقوم على المساواة وحرية العمل السياسي للقوى والتنظيمات السياسية المختلفة".

ان المعارضة الوطنية الحقيقية والصادقة هي التي  عليها تقويم عمل الحكومة ووضعها في مسارها الصحيح أذا وجدت أن هناك أنحرافا عن خط سيرها وعن ما طرحتها ونادت بها قبل تسلمها قيادة الدولة. وتتمثل الإستراتيجية بالوسائل التي تختارها لتحقيق أهدافها ، وتختلف طبيعة الإستراتيجية المتبعة بأختلاف طبيعة النظام السياسي القائم ، فقد تلجأ المعارضة الى حاله المنافسة الحادة  فتدخل في منافسة نزيهة معها "اي الحكومة " مما يدفعها لتقديم أعلى درجات العطاء والأداء ليس على الصعيد السياسي فحسب بل على كل الأصعدة والذي يصب في النهاية في مصلحة الوطن الممزق والمتردي سياسيا وأجتماعيا وأقتصاديا ودينيا وأمنيا والمواطن المظلوم يعاني الامرين . المعارضة الوطنية بعيدة عن  التلفيق والأكاذيب ولا تتحالف إلأ مع الداخل ولا تضع يدها بيد قوى خارجية أقليمية أو دول معروفة بمواقفها السلبية والعدائية وغير الطيبة تجاه بناء الوطن و خشية كل حزب على معسكره او يخشى من منافسية في ذات المعسكر وبالعكس من ذلك  فان جولة حوارات الحلول التي ترسم معالم المستقبل مسألة غاية في الصعوبة والتعقيد ولا تقرر مسار ومستقبل العملية السياسية المليئة بالثغرات والافخاخ وحساب الامتيازات ، أما أذا كانت المعارضة خارج النظام السياسي فأن هدفها الأساسي هو السعي لإسقاط الحكومة والحل محلها ، او من الناحية النظرية قد يرى البعض خطأً أن الدخول في المعارضة قد تكون مشروعة أو لديها القدرة في ادارة البلد رغم تمزق قواه وعدم تناسق التيارات السياسية بسبب الاختلافات الشكلية لا الجوهرية وعدم المصداقية او ضعف بنيتها التنظيمية والظنون لذلك فإن مطالبتها فى حالة عدم الاستجابة لطلباتها بحجة ان ذلك التيار مهمش رغم مشاركته في ادارة الحكومة  بشكل واخر وعلى مستويات مختلفة .. والأهم من هذا وذاك هو أنها لم تحدد هوية الحكم فهل هي دولة ديموقراطية او بيروقراطية ذات مرجعية فى ظل حكم أصولي ورفض البعض الآخر بأنه شرط على المضي فيها مرتهناً بالاعتراف والإقرار بمشروعه وانه هو الحريص على طبيعة الحكم وهويته ومحاربة الفساد في ظل الصراع على الغنائم والمكاسب وإثارة المشاكل الأمنية والعشائرية والطائفية كما نشاهده اليوم في الكثير من مجالس المحافظات حيث يتم اختيار المحافظ على اساس الربح – الربح لحساب الكتل المنضوية فيها. بذلك فان هذه الخطوة  (المعارضة) تحسب على المعارضة السلبية التي " تهدف إلى اسقاط العملية السياسية والتمسك بالمناصب لاغير وإثارة الشارع، وتصعيد الوضع الأمني فقط ولا غاية غيرها وهم جزء مهم من الاخفاق الحكومي ،

وبالاساس ابتزاز لانها تنظر الى الامور بعين واحدة ومن يذهب باتجاه المعارضة الواقعية يجب ان تكون خارج التشكيلة الحكومية وتسمى  بالمعارضة الإيجابية التي ترى بعينين فترى الأعمال الصحيحة النافعة للوطن والمواطنين وتؤيدها، وترى الأعمال السيئة والخاطئة فتعمل على بيان خطئها وخطرها و تصحيحها وتؤشر مواطن الخلل والفساد بكل مصداقية بعيدا عن المجاملات وتدعم الخطوات الاصلاحية التي تدعم دولة المواطن وليس دولة المسؤول والفوضى والمناصب التي تنفجر فيما بينها بين حين واخر ولن تتحقق الغاية الاساسية من هذا المفهوم وفق اي رؤية مغايرة ، وأن القوى التي تدعي المعارضة الحالية هي في بداية الطريق ولا تملك قواعد محكمة لها في الشارع مع الاحترام لها رغم التطبيل والتهويل الاعلامي لانها بنيت على وعود ومناصب ومزايدات وافتقارها الى التثقيف ، كما أنها مختلفة فيما بينها على نفسها ومنقسمة ومن ثم فهي لا يمكن لها أن تقوم على هذه الخطوة او تقوم بمهامها في تحقيق مطالب الجماهير رغم كل الجهود التي تسعى إليه و أن تفعل ما يمكن أن يتحقق أو يكون فى متناول اليد ومن الصعب تحقيق الاستقرار وتوضيح ملامح المرحلة القادمة والنظام السياسي القادم والحد من العنف وعاجزة على ان تستعد للخطوة القادمة إلأ بالتوافق المعهود والذي يعمل به منذ عام 2003"هذا لك وهذا لي "و أحتكار السلطة وتركيزها في يد فئة قد تكون عشائرية اواجتماعية ونخبة سياسية ضيقة على الرغم من الامكانيات والعقول والخبرات النيرة الوطنية التي يمتلكها العراق مستعدة للعمل بما يلبي  طموحات كل مكوناته ولكن تعارض الآراء وتعـدد المصالح الانية والشخصية تمنع النهوض بالواقع السياسي والاقتصادي للدولة العراقية في الاعتماد على الكفاءة والتخصص في ادارة المؤسسات والدوائر الرسمية والشبه الرسمية  . وهناك من لا يؤمن بأحقية راي المواطن في الحكم ومن ثم بمفهوم القيادة الجماهيرية اصلاً .

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حدثنا في هذا المقال الرابع عن البعد الحقيقي لعزو الولايات المتحدة لأفغانستان وذلك عقب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، وفي هذا نقول: أقامت الولايات المتحدة قاعدة جوية أمريكيـة في قيرغيزستان، وصفها قائد الحملة الأمريكية علـى أفغانـستان "تـومى فرانكس" Tommy Franks بأنها قاعدة نقل جوى رئيسية، ويتمركز فيها ثلاثة آلاف جندي أمريكي، بالإضـافة إلى طـائرات مقاتلـة وطائرات دعم أخرى. وقد بدأت الولايـات المتحـدة في بداية يناير 2002م،في تعزيز تلك القاعدة علـى أسـاس مذكّرة تفاهم بين البلدين حصل الأمريكيون بموجبها على حقوق سيادية في هذا البلد، منها إدخال أسلحة وإعفاء من التفتيش وتمتع المواقع والمـواطنين الأمـريكيين بالحـصانة الكاملة وعدم إخـضاعهم للقـوانين المحليـة والـسماح للمواطنين الأمريكيين بالدخول والخروج من قيرغيزستان ببطاقات الهوية، مما جعل أحد جنـرالات الاسـتخبارات الروسية ويدعى " فاسيلي ليوفوف " يتحـدث عـن "تحويـل قيرغيزستان إلى بلد محتل "، كما أعيد تجهيز مطار "ما نـاس" لاستقبال ثلاثة آلاف خبير عسكري أمريكي وعدد كـبير من الأجهزة والطائرات الأمريكية . وتكتـسب القواعـد الأمريكية العسكرية في قيرغيزستان أهمية خاصة مع كونهـا تقام في مناطق قريبة من الصين، ولهـذا سـيكون بوسـع الولايات المتحدة استخدام هذه المرتكزات للإشراف علـى المناطق الغربية وعلى الحدود الهندية الباكستانية.

أما طاجيكستان، والتي كانت تعد أقرب حليف لروسيا في المنطقة، فقد أخذت تعزز علاقتها مع الولايـات المتحدة الأمريكية، فوافقت على وضع قاعدة "كولياب" الجوية الواقعة على بعد 100 كيلو متر من الحـدود الأفغانيـة، تحـت تصرف القواعد الأمريكية والفرنسية، كما وافقت علـى نشر ما يقرب من 4000 عسكري أمريكـي وأوروبي في تلك القاعدة، في الوقت الذي طالب الرئيس الطـاجيكى "إمام على رحمانوف "، موسكو بـدفع 200 مليـون دولار سنوياً لقاء وجود قاعدة روسية في أراضي بلاده . وكانـت الولايات المتحدة قد ألغت الحظر الذي فرضته سابقاً علـى تصدير السلاح إلى طاجيكستان مما يوحي بأنها تريـد أن تشارك في إعادة تجهيز القوات المسلحة الطاجيكية تمهيـداً لتقليص الاعتماد على روسـيا.

هذا بالإضافة إلى القواعد الأخرى وسط آسيا مثل قاعدة "دييجو جارسيا" في المحيط الهادي بالمشاركة مع القوات البريطانية، والتي تعد قاعدة دعم لأسطولها ولجيشها في وسط آسيا وقواعدها الجوية في اليابان (كادينا بأوكيناوا وميساوا ويوكوتا)، و(قاعدة أنجرليك الجوية في تركيا )، بالإضافة إلى قواعد في كوريا الجنوبية وفي الفلبين، وفي أوربا الشرقية هناك قواعد بويدز وكرزيسنى الجوية في بولندا، وقاعدتي بيرمير وجراف إجناتيف الجويتين في بلغاريا، بالإضافة إلى قاعدتين أرضيتين وهما مركز آيتوس اللوجستى ونوفو سيلو، ومرفأ البحر الأسود كونستانزا في رومانيا.

وكان هدف الولايات المتحدة من ذلك هو الاحتفاظ بقواعد عسكرية قرب الدول المناوئة لها لتسيطر من خلالها واشنطن على مختلف السياسات في آسيا الوسطي والقوقاز بالذات لتذويبه في حيز جيوسياسي واستراتيجي واسع يمتد حتى الوطن العربي ومنطقة الخليج العربي، بقصد الهيمنة على أوراسيا، وهذا يعنى أن احتلال أفغانستان يمثل بداية حلقة السيطرة على الشرق الأقصى،ويحد من أي توسع لنفوذ روسيا أو الصين، ويؤدي كذلك إلى توسيع النطاق العسكري والسياسي لحلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا شك في أن التواجد الأمريكي في آسيا الوسطي من خلال تلك القواعد العسكرية نقل الاستراتيجية الأمريكية من مرحلة الدبلوماسية الهادئة إلى التواجد العسكري المباشر بعد أحداث 11 سبتمبر2001م، بعدما انتهي التقييم الاستراتيجي للفرص والمزايا والمخاطر والتهديدات التي تنطوي عليها المنطقة،

والذي دفعها إلى قمة أولويات الانتشار الأمريكي، بوصفها منطقة جيواستراتيجية مهمة في لعبة الصراع العالمي على منطقة النفوذ وموارد الطاقة.

وعليه فقد وجدت الولايات المتحدة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م الفرصة سانحة، لتحقيق مراميها الاستراتيجية في التحكم في موازين الطاقة العالمية ليس فقط عن طريـق السيطرة على منابع النفط، ولكن أيضاً عن طريق إيـصال موارد بحر قزوين إلى البحار المفتوحة، ومنها للأسواق العالمية عبر طرق آمنة ومضمونة؛ حيث وفرت الحرب الأمريكيـة المزعومة ضد الإرهاب للجيوش الأمريكية التواجد في آسيا الوسطى، عن طريق القواعـد العـسكرية في تركمنـستان، وأوزبكستان، وأفغانستان، ومن ورائهم باكستان، فضلاً عن التواجد المسبق في دول القوقاز "أذربيجان، جورجيا.

وبالتالى يمكن تلخيص الأهداف الموسومة بالاستراتيجية لأمريكا في المنطقة تميزا لها عن الأهداف الظرفية والتكتيكية (نشر الديمقراطية، محاربة الإرهاب، وتثبيت دعائم الاستقرار، منع النزاعات والحروب الاثنية وتطبيق حقوق الإنسان...) في العناصر الثلاثة:

العنصر الأول : عزل روسيا : من السلام الساخن إلى الحرب الباردة الجديدة :

تشكل روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي المصدر الثاني للقلق الاستراتيجي الأمريكي على مستقبل مشروع الهيمنة الأمريكية على العالم، إذ لا تزال روسيا بمثابة الثقب الأسود واللغز المحير في المشروع الاستراتيجي الأمريكي للهيمنة الشاملة على عالم ما بعد الحرب الباردة، بالرغم من تراجع الدور الروسي في العقد الأخير من القرن العشرين على الساحة العالمية، إلا أن التطورات الداخلية التى حدثت في روسيا، ومنها وصول "فلاديمير بوتن" Vladimir Putin إلى سدة الرئاسة سنة 1999م، حفزت روسيا على النظر إلى ما وراء أفقها الداخلي وأثبتت السياسة الروسية في السنوات التالية وفي علاقاتها الخارجية على عودة منظورة للدب الروسي إلى لعبة الصراع الدولي بعدما انقضت فترة السلام الساخن التي أعقبت نهاية الحرب الباردة. وقد استشعرت الولايات المتحدة هذه التوجهات فسارعت إلى تبنى استراتيجية لعزل روسيا جيوسياسياً عن طريق منعها من العودة إلى مناطق نفوذها السابق في أوربا الشرقية والقوقاز وآسيا الوسطي كشرط أساسي لأية علاقات أمريكية – روسية، الأمر الذي دعا إليه " هنري كيسنجر" بضرورة احتضان روسيا كجزء من النظام العالمي الجديد بشرط أن تفهم عملية مشاركتها المتعبة . وعليها أن تعي أنها ليست مخولة بأن يتم تسليمها مناطق النفوذ التي طمع بها القياصرة والمسؤولون في الحزب الشيوعي على طول حدود روسيا الشاسعة لمدة 300 عام، فإذا أزمعت روسيا أن تكون شريكاً جاداً في تشييد نظام عالمى جديد، فعليها أن تستعد للامتثال لضوابط الاستقرار، ومن ضوابط الاستقرار تسليم مناطق نفوذها وعدم العودة إلى سياسة الأخ الأكبر والتخلي عن حديقتها الخلفية.

أرادات الولايات المتحدة أن تعيق عملية بناء قوة روسيا كلاعب استراتيجي في منطقة أوراسيا، وعملت بكل قوة على حرمان روسيا من ثلاث ركائز هى : أوكرانيا، وأوزبكستان، وأذربيجان، فأوكرانيا تطل على البحر الأسود الذي يؤدي إلى المضايق التركية، ويقف النفوذ الأمريكي في أوكرانيا حائلاً أمام النفوذ الروسي ومساعيه لنشر الأساطيل، وفي هذا الشأن تسعى الولايات المتحدة عبر الأبواب الخلفية لإقناع تركمنستان بقبول بناء خط ترانز- خزر المتجه للشواطئ الأذربيجانية لكى تقلل من الفوائد الروسية وتقلص فرص نجاح موسكو في السيطرة على مصدر حيوي مثل   الغاز.

ويقول بريجنسكي:" إن هدف الولايات المتحدة ينبغي أن يكون دائماً الحفاظ على التعدديات الجيوستراتيجية في منطقة أورآسيا بكل ما تعنيه من خصوصيات ثقافية وخطوط تماس عقائدي. فالحفاظ على التعدديات الجيوسياسية يمنع نشوء تحالف كيانات معادية للولايات المتحدة، وعلى واشنطن أن تبحث عن شركاء استراتيجيين يساعدونها في بناء أمنى الأوراسي – الأطلسي على المدى البعيد".

وتنطوي استراتيجية عزل روسيا من خلال التواجد العسكري في آسيا الوسطي على اعتبار هذه الأخيرة تشكل قاعدة مثالية لتهديد روسيا بالاقتراب من حدودها الجنوبية وإحاطتها بكماشة تستكمل حلقة النفوذ الأمريكي من جهة أوكرانيا، فإذا عزمت روسيا على تحدي الدور الأمريكي السياسي والعسكري، فإن هذه المنطقة هي الأصلح لإيذاء روسيا لتوفر مجموعة من الذرائع والتبريرات للتدخل في هذه المنطقة وشؤونها فقد خلقت الإمبراطورية السوفيتية المنهارة عدداً كبيراً من المشكلات الإقليمية التي تصلح للاستغلال، فهناك النزعات الحدودية والقومية وتصاعد دعوي الاستقلال والانفصال القومي والديني، وهي عوامل لها امتدادات واسعة داخل العمق الروسي نفسه، وجيوسياسياً مهدت الولايات المتحدة من خلال آسيا الوسطي، إلى بناء عائق استراتيجي نحو التوجهات الروسية في آسيا حيث الهند والصين، وينم ذلك عن مخاوف أمريكية عميقة من تشكل حلف استراتيجي أو مثلث استراتيجي بين روسيا والصين والهند، وهو الذي دعا إليه الرئيس الروسي" فلاديمير بوتن" عند زيارته كل من الصين والهند في عام 2004م.

فهكذا تحالف لا شك أنه يشكل أكبر قيد على التحرك الأمريكي لعزل روسيا على ثلاثة أعمدة رئيسية:

أ- هو إقامة تحالفات وعلاقات سياسية مع دول الجوار الروسي خاصة في القوقاز وآسيا الوسطي وأوربا الشرقية.

ب- توسيع المظلة الأمنية لحلف الطاقة بمنع روسيا من التحكم في خطوط نقل النفط وعبر الممرات السوفيتية السابقة .

وتتلخص عملية عزل روسيا ضمن استراتيجية الاحتواء العالمي أو الاحتواء الشامل، إنه بالمزج بين الوسائل الاقتصادية والوجود العسكري المباشر علي حدود روسيا سوف يزيح كل أوهام روسيا بشأن احتمالية قيام نوع من الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية يتيح لها أن تضم دول الجوار إلي دائرة نفوذها أو تشارك في أي شكل من أشكال التحالفات المضادة "المشكلة للحد من التفوق الأمريكي في أوراسيا ". لذا يتعين علي الولايات المتحدة الأمريكية أن تتبع سياسة تقديم معضلة البديل الوحيد أمام روسيا، علي أن تعمل-في الوقت ذاته – علي الحيلولة دون قيام أي تحالف محتمل مع الصين وإيران ضد هيمنتها، وقد ساعد ذلك علي جعل روسيا تبعد اهتمامها وتركيزها عن جمهوريات آسيا الوسطي، ويمكن للولايات المتحدة من تنفيذ لاستراتيجيات في أوراسيا دون أي عقبات تذكر، وذلك فيما يمكن اعتباره أساساً استراتيجيا في الاحتواء العالمي من جهة أخري، وقد كشفت أزمة القوقاز الأخيرة بين روسيا وجورجيا علي صحة التحليلات التي تري في الأزمة الأخيرة بوادر حقيقية علي عودة الحرب الباردة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، قاعدة انطلاقها هي السيطرة علي آسيا الوسطي والقوقاز وهو ما دفع بوسائل الإعلان والتحليلات السياسية الدولية إلي الحديث عن حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا .

كما سعت الولايات المتحدة لتطويق روسيا عبر عدة وسائل من أبرزها تشجيع حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي للولايات والأقاليم التي تحاول الانفصال عنها، وبالتالي تفتيت الوحدة الوطنية الروسية، إضافة إلى منعها من إعادة البناء الاقتصادي وتنشيط اقتصادها، مما يؤهلها لاستعادة النفوذ السوفيتي ولتنهض كقوى عظمى وهو مسعى الحكومة الروسية الحالية، ويتأكد ذلك من خلال توجهاتها نحو استعادة نفوذها على الجمهوريات السوفيتية السابقة، ومنها جمهوريات وسط أسيا وتطوير اقتصادها بالاعتماد على ما تمتلكه هذه الجمهوريات من موارد معدنية (نفط وغاز)، وهو ما تعارضه الولايات المتحدة، لأجل ذلك اتبعت الولايات المتحدة عدة وسائل لمنع روسيا من الوصول إلى هذا الهدف، ويأتي في مقدمة تلك الوسائل هو اختراق الجمهوريات السوفيتية السابقة، ومنها جمهوريات وسط أسيا، والهيمنة، والسيطرة عليها لقطع الطريق أمام روسيا، وكذلك أثارت النعرات الأثنية والانفصالية في الداخل الروسي لإضعافها وتفتيتها.

العنصر الثاني: احتواء الصين في مثلث الاحتواء الشامل:

أما الصين صاحبة أكبر عدد سكان في العالم والموقع الجغرافي المهم، والتي تطرح نفسها كقائدة لآسيا، وأن أي محاولة لمنعها من هذه القيادة، قد يؤثر على الولايات المتحدة أكثر من الصين، لأنها ستفتح الباب أمام روسيا من جديد، أو على أقل تقدير سيدخل الطرفان في صراع، أو حتى حرب لا تخدم الطرفيين، الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة لاستخدام أسلوب جديد مع الصين، يختلف عن الأدوات التي استخدمتها مع روسيا، وتمثل هذا الأسلوب باستغلال العلاقات المتوترة مع جيرانها، مما يبعث برسالة إلى الصين، بإمكانية أثارة الاضطرابات مع الدول المجاورة، وبالتالي يفتح الباب واسعا" أمام التدخل الأمريكي ضد الصين، مما قد يؤثر في نهاية المطاف على الاقتصاد الصيني.

ويمثل الصعود الصيني المطرد والمتنامي اقتصادياً، وعسكرياً، وثقافياً هاجس التفكير الاستراتيجي الأمريكي، ومبعث القلق الشديد في الأوساط الأكاديمية دوائر التخطيط الأمريكية لفترة ما بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي عن مسرح العلاقات الدولية والسياسة العالمية، إذ لم تعد الصين ذلك العملاق النائم كما درجت الأدبيات السياسية وصفه، بل أضحي ذلك التنين الأصفر ذو الرؤوس الاقتصادية والمالية والعسكرية المخيفة، والذي استحق به لقب زعيم آسيا بدون منازع، فبعد قرون من السبات تهب الصين، لتقف على قدميها لتحتل المرتبة الأولي في العالم، كأسرع معدل للنمو، والمرتبة الثانية كثاني أكبر وأوسع اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، وكثاني أكبر مستورد ومستهلك للطاقة في العالم، وثاني أكبر دولة في الانفاق العسكري السنوي.. الخ ... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليفى سبتمبر 1996م استولت حركة طالبان علـى كابول وهرب رباني وشاه مسعود نحو الشمال إلى "وادى بانجشير" معقل مسـعود، واسـتهلت قوات طالبان دخولها كابول باقتحام مقر بعثـة الأمم المتحدة فى كابول والقبض على الرئيس الأسبق نجيب الله وأخيه وشنقتهما علنًـا في شوارع كابول.

ويشير المحللون إلى أن الولايـات المتحـدة قدمت الدعم لحركة طالبان منذ بداية ظهورها رغبة منها فى أن تسيطر الحركة على أكبـر مساحة ممكنة من الأراضي الأفغانيـة وتقـوم بترحيل الأفغان العرب المقيمين على الأراضي الأفغانية، وبعد استيلاء طالبان على السلطة أقدمت على بعض الأفعال التى اعتبرتها الولايات المتحدة غير مقبولـة، مثل إعدام الرئيس الأسبق "نجيب الله "، وفـرض الحجاب على النساء وإلغاء عمل المرأة خارج المنزل، ورفض تسليم أو إبعاد أسامة بن لادن الذى تعتبره الولايات المتحدة المسـئول الأول عن أعمال استهدفت رعايـا أمـريكيين مثـل انفجار الخبـر والظهـران وأخيـرا تفجيـر سفارتيها في نيروبي ودار السلام في أغسطس عام     1998م  .

ومع اسـتمرار مـا اعتبرتـه واشـنطن تجاوزات من الحركة في مجال حقوق الإنسان، وخوفاً من أن تمثل طالبان نموذجـاً أصـولياً متشدداً، وجهت واشنطن انتقادات حادة للحركة، ودعت للدخول في مفاوضـات تضـم جميـع الفصائل الأفغانية، وقيام حكم فيدرالي يتـيح للأعراق المختلفة مساحة واسعة مـن الحكـم الذاتي، وإعادة تقسيم البلاد إدارياً علـى أسـس عرقية، وتحويل كافة السـلطات الفعليـة إلـى الأقاليم المختلفة فى الدولـة، وعـودة الملـك المخلوع ظاهر شاه إلى السـلطة علـى رأس حكومة موسعة .

ومثلما ظهرت حركة طالبان على المسرح السياسي الأفغاني بشكل مفاجئ، فإنها سقطت بصورة مفاجئة أيضاً، فحين تعرضت الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، لهجمات مست أحد برجي مركز التجارة العالمية، ومبنى وزارة الدفاع (البنتاجون) في العاصمة واشنطن، عقب هذا الحدث وجهت الولايات المتحدة أصابع الاتهام إلى " أسامة بن لادن" الذي كان موجودا في تلك الفترة في أفغانستان تحت رعاية حكومة طالبان، فطالبت بتسليمه إلى المحاكمة، لكن الحكومة الأفغانية رفضت ذلك لعدم ثبوت الدلائل القوية التي تقر فعلا بما قام به .

حينها صرح الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بتاريخ 20 سبتمبر 2001م، أي بعد وقوع الاعتداءات بتسعة أيام يقول فيه بلهجة الغاضب والمحذر في أن واحد:" على أي دولة في أي منطقة في العالم أن تختار منذ الآن فصاعداً، إما أن تكون معنا أو مع الإرهابيين، وأضاف أيضاً مخاطباً نظام طالبان بتسليمه جميع المسؤولين عن تنظيم القاعدة : " عليهم أن يسلموا الإرهابيين أو يتقاسموا معهم مصيرهم" .

من خلال هذا التصريح يتضح أن الرئيس الأمريكي كان يقصد الإرهابيين الموجدين داخل الأراضي الأفغانية، ومن يدعمهم كحركة طالبان، في إشارة واضحة إلى ضرب نظام طالبان والقضاء عليه، وعلى صعيد الطرف الآخر قام أسامة بن لادن بتوجيه الاتهام، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 قائلاً: "إن ما تشعر به اليوم الولايات المتحدة يعد شيئاً صغيراً مقارنة بما ذقناه لعشرات من السنين، إن امتنا ذاقت الذل والهوان لأكثر من 80 عاما " وأضاف قائلاً :" إن أمريكا وحلفاءها يرتكبون المجازر ضدنا في فلسطين، والشيشان، وكشمير، والعراق وهجمات الحادي عشر من سبتمبر لم تستهدف النساء ولا الأطفال، إن الأهداف الحقيقية كانت الرموز العسكرية والاقتصادية " .

وعقب هذا التصريح الذي دل على أن  لأسامة بن لادن علاقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر بالولايات المتحدة سواء عن قريب أو بعيد، أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع يوم 28 سبتمبر القرار 1373 الذي اعتمد بموجبه الفصل السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة، والذي نص على صلاحيات واسعة لمجلس الأمن في فرض قرارات ملزمة، لجميع الدول الأعضاء لمكافحة الإرهاب، وتجميد النشاطات المالية للمنظمات الإرهابية، وضرورة تنظيم وتنسيق التعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية، هذا القرار الذي أعطي للولايات المتحدة شرعية التدخل العسكري في أفغانستان وهجوماً شاملاً على الأراضي الأفغانية .

وقبل أن يبدأ الهجوم على طالبان عرضَ الرئيس الأمريكي بوش الابن على طالبان عدة نقاط على طالبان في 20/ سبتمبر/2001، وهي :

- على طالبان أن تسلّم جميع أعضاء القاعدة لأمريكا.

- على طالبان أن تطلق سراح جميع السجناء الأجانب وتسلمهم للولايات المتحدة الأمريكية (44) .

- على طالبان وبأسرع وقت إغلاق جميع مراكز التدريب للمقاتلين.

- السماح لأمريكا بأن تصل إلى مراكز تدريب “الإرهاب”، وتحقق بشأن ذلك.

وبعد شهرين من الهجوم على برجي التجارة العالمي في نيويورك، بدأ الهجوم العسكري الأمريكي- البريطاني على أفغانستان، بعدما رفضت حركة طالبان تسليم "بن لادن" للسلطات الأمريكية، فأمريكا ادعت أن تنظيم القاعدة الذي يقوده بن لادن، كان وراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وطالبت حركة طالبان بتسليمة لأمريكا، لكن الحركة بدورها طالبت أمريكا بتقديم أدلة ووثائق تثبت تورط "بن لادن" في هذه الأحداث، ورغم أن أمريكا لم تقدم أي دليل مقنع يثبت ادعاءاتها تلك، شنت هجومها العسكري واسع النطاق على أفغانستان .

ففي الساعة 8,20 ليلاً بتوقيت العاصمة كابول من يوم الأحد السابع من أكتوبر عام 2001م، أقلعت المقاتلات الأمريكية من حاملة الطائرات المستقرة في (بحر عمان)، وقاذفات القنابل من جزيرة (جزيرة ديبوغارسيا) الواقعة في المحيط الهندي، وأغارت على منطقة (جلال آباد) الجبلية الواقعة في محافظة "تنكرها " وقصفتها بالقنابل والصواريخ . وفي نفس الوقت سمع صوت مهيب لخمسة وعشرين انفجاراً على أقل تقدير في العاصمة كابول تسببت في قطع التيار الكهربائي عنها.

وفي الأسبوع الثاني للعمليات الحربية الأمريكية في أفغانستان، أعلن المسؤولون في وزارة الدفاع (195) الأمريكية أن بعض وحدات القوات الخاصة الأمريكية المتشكلة من: مغاوير القوات البرية، وأصحاب القبعات الخضر، والوحدة المعروفة بالخنازير البحرية Seals والمارينز، وقوات مكافحة الإرهاب (الدلتا) قد دخلت الأراضي الأفغانية، علماً أن بعض وحدات الجيش الأمريكي الخاصة، كانت قد استقرت في شمال أفغانستان بصورة سرية قبل الهجوم الجوي والصاروخي على أفغانستان.

وبدعم من هذه القوات تمكنت (قوات التحالف الشمالي الأفغاني) من السيطرة على عدد من المدن الأفغانية ومنها: مدينة مزار شري، وإخراج قوات الطالبان منها، وعلى أثر اشتداد الهجمات التي تعرضت لها قوات الطالبان، تراجعت إلى المدن الجنوبية، وتمركزت في قندهار.

وفي المرحلة الثانية من العمليات العسكرية التي تحمل اسم (ثبات الحرية) استقرت (قوات المارينز الأمريكية) بالقرب من مدينة قندهار، ووفرت هذه القوات غطاءً ودعما للهجوم البري لقوات تحالف الشمال الأفغاني المدعوم بالغطاء الجوي الأمريكي على مدينة قندهار. وبعد شهرين من بدء الهجوم (الأمريكي – البريطاني) على أفغانستان، وبدأت قوات طالبان تسلم نفسها بالتدريج، بينما توارت قياداتها إلى جهات مجهولة.

وبعد 33 يوماً من الحملات الجوية الشديدة، ظهرت آثار الانكسار على (قوات حركة طالبان) المستقرة في الجبهات الشمالية لأفغانستان، كما إن القصف المتواصل والمكثف بواسطة طائرات الــ (25-B) العملاقة من جهة، والتحرك العسكري لقوات الجبهة الشمالية المعارضة لطالبان من جهة أخري، أدي إلى انسحاب طالبان من مدينة مزار شريف.

استمرار الحملات العسكرية على هذه الوتيرة من الشدة والكثافة، أدي إلى انسحاب قوات طالبان من إحدى عشرة محافظة في الشمال والوسط، والتراجع إلى المناطق الجنوبية، حيث انتشروا في المحافظات البشتونية، مثل: قندهار، وهلمند، وكندوز (قندوز) وفي مرتفعاتها، هذا الارتباك الواضح في أداء قوات طالبان أمام الهجوم العسكري يعكس بجلاء الضعف العسكري لهذه الحركة، وهو ضعف يمكن إرجاعه إلى انقطاع الارتباط بين القائد الأعلى والقوات.

بعد أن حققت الولايات المتحدة انتصارها المرحلي على أفغانستان، وبعد أن تم انسحاب طالبان من مواقعهم الاستراتيجية وافقت الفصائل الافغانية بالإجماع على اختيار (حامد كرزاي) رئيساً للحكومة الانتقالية، وذلك أثناء انعقاد مؤتمر بون بألمانيا، والذي عقد في الخامس من ديسمبر ٢٠٠١م، وقـد تـولى "قرضـاي" رئاسة الحكومة المؤقتة لمدة سـتة اشـهر فـي بادئ الامـر، وفـي حزيـران العـام 2002م جـرت انتخابـات فـي أفغانستان تم انتخاب (كرزاي) رئيسا للدولة، وطمأن الولايات المتحدة الأمريكية بأنه سيكرس ولايته للتصدي لأمراء الحرب والإرهاب ودعي المجتمع الـدولي لمسـاعدته فـي مهمتـه المتمثلـة بتـوفير حيـاة أفضـل ومحاربـة ظاهرة الحرب الإرهاب وكل أشكال القمع .

وهذا الأمر أكد نية الولايات المتحدة في التواجـد طويـل الأمد في تلك المنطقة، هذه النية التي كشفت عنها الممارسة الأمريكية على أرض الواقع؛ حيث بدأت في تعزيز تواجدها العسكري وتمديده إلى مناطق أخرى، بعدما انتهت الحملـة على طالبان، هذا بالإضافة إلى تـصريحات العديـد مـن المسئولين الأمريكيين التي تؤكد نية التواجد طويل الأمـد، فمثلاً صرح السفير الأمريكي في روسيا "ألكسندر فيرشيو" Alexander Vershbo، في مطلع يناير، أن حكومة بلاده تنوى - بعد إنجاز مهمتـها في أفغانستان "- مـساعدة دول آسـيا الوسـطى في تطـوير الديمقراطية، إن الوجود الأمريكي لا يجوز اعتباره خطرا لأنه يؤدى إلى الاستقرار والديمقراطية "، كذلك أكد نائـب وزيـر الخارجية الأمريكي "لين باسكو " Lynn Pascoe في منتصف يناير 2002م، رغبة بلاده في "علاقات طويلة الأمد في مجال الأمن " مـع دول آسيا الوسطى، وقال إن واشنطن تريد "تعزيز الديمقراطية في المنطقة".

كذلك أكدت مـساعدة وزيـر الخارجيـة الأمريكي "إليزابيث جونز" Elizabeth Jones أثنـاء زيارتهـا لطاجيكـستان وقيرغيزستان في نهاية يناير 2002،" أن الوجود الأمريكي في بعض دول آسيا الوسطى سيستمر لسنوات " (وكان قـد سبق تلك التصريحات تصريح أكثر دلالة في هذا الشأن لأنه صدر عن وزير الخارجية الأمريكي كولين باول أثناء زيارته لدول آسيا الوسطى في ديسمبر 2001م، حين قال إنه يريد التطلع إلى ما وراء أزمة أفغانستان، وكيفية تطوير علاقات واشنطن مع تلك الدول، موضحاً حرص الولايات المتحدة على إرساء الديمقراطية داخل الأنظمة الحاكمـة في هـذه المنطقة، وانتهت تلك الدلالات القاطعـة علـى نيـة التواجد الأمريكي الدائم في آسيا الوسطى بزيـارة وزيـر الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد إلى تركمنستان في 26 أبريل 2002م، ثم كازاخستان في 28 أبريل  2002م.

البعد الثانى: البعد العسكري:

بعد انهيار الاتحاد السوفيتى ودخول العالم في حقبة القطبية الأحادية، تمكنت الولايات المتحدة من اللعب في الحديقة الخلفية للنفوذ الروسي منذ تسعينيات القرن الماضي؛ حيث تدخلت القوات الأمريكية في البلقان ضد حليفته صربيا الأرثوذكسية بعد تفكيك يوغسلافيا في تسعينيات القرن الماضي، وفي شرق أوروبا انفرط عقد النفوذ الروسي، وبدأت دول المنطقة تسعى إلى دخول الاتحاد الأوربي، مثل بولندا، والمج، ورومانيا، وبلغاريا، والتشيك، بالإضافة إلى دول البلطيق إستونيا ولاتفيا وليتوانيا.

ثم ظلت الولايات المتحدة تتقدم في مناطق إرث الاتحاد السوفيتي السابق، واستطاعت أن تشعل الثورات على أنظمة موالية لروسيا فيما عرف بالثورات الناعمة، البرتقالية والمخملية والوردية، واستطاعت الولايات المتحدة في النهاية أن تحيط بموسكو من كافة أقطارها، وبدأت الولايات المتحدة بعد ذلك في تضييق الخناق على روسيا التي حاصرتها المشكلات السياسية والعسكرية والاقتصادية، لتضع الولايات المتحدة موطئ قدم لها على معظم حدودها في بولندا، وألمانيا، وأوكرانيا، وجورجيا، وتركيا، وأوزبكستان، وقيرغيزستان.

لم تكن أطماع الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة بحر قزوين وليدة لأحداث الحادية عشر من سبتمبر، وإن كانت تلك الأحداث سبباً قوياً لبدء تحركها تجاه تلك المنطقة، حيث إن منطقة بحر قزوين تعتبر من أهم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

ويعتبر التحرك الأمريكي ضد الغزو الذي قام به الاتحاد السوفيتي السابق على أفغانستان في نهاية السبعينات من القرن الماضي أحد مظاهر الاهتمام الأمريكي بتلك المنطقة.

لذا استغلت الولايات المتحدة الأمريكية أحداث 11 سبتمبر 2001م وما بعدها من أجل تحقيق أحد أهدافها الاستراتيجية في منطقة آسيا الوسطى، حيث تصر على دعم التواجد العسكري الدائم في دول المنطقة بدعوى القضاء على الإرهاب، كما تسعى إلى توسيع حلف الناتو، بحيث يغطي دول المنطقة، وذلك من أجل حصار القوى الكبرى، مثل روسيا، والصين، وإيران، وتوفير أجواء أمنية وعسكرية وسياسية توفر أرضية مناسبة للسيطرة الغربية والأمريكية على منابع النفط والغاز في منطقة بحر قزوين، وقد أتاحت أحداث 11 سبتمبر 2001م الفرصة أمام الولايات المتحدة الأمريكية، لفعل ذلك من خلال إرسال قواتها العسكرية إلى أفغانستان للقضاء على حركة طالبان. أما الهدف الرئيسي لهذه القوات هو دعم الهيمنة ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الدول التي كانت بعيدة عن سيطرتها في السابق، وتمهيداً لقيامها باستغلال ثروات هذه المنطقة.

وتحت ظلال دخان الحرب على الإرهاب في آسيا الوسطي؛ وبالأخص أفغانستان، قامت الولايات المتحدة بتأمين حضورها العسكري ونشر وجودها المباشر، ففي ديسمبر 2001م قام وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (دونالد رامسفيد) بعمل زيارة لأذربيجان الهدف منها بحث سبل التعاون في المجال العسكري معها، حيث أكد في هذه الزيارة أن بلاده مهتمة بالتعاون العسكري مع دول المنطقة من أجل ضمان توافر حالة الأمن والاستقرار لديها، ثم جاء الإعلان عن نشر قوات أمريكية في جورجيا في فبراير 2001م بهدف تحقيق حالة من الاستقرار الأمني والاجتماعي والسياسي، محاولة حسم المهام الاستراتيجية والجغرافية في المنطقة.

وبالفعل تم تنصيب القواعد العسكرية، وكذلك نصب منظومة الدرع الصاروخية في بولندا والتشيك، وأضحى التواجد العسكري الأمريكي وراء البحار هو أحد أعمق مرتكزات الاستراتيجية العسكرية الأمريكية؛ حيث تحتاج الولايات المتحدة إلى قواعد ومحطات في أوربا وشمال شرق آسيا، وكذلك إلى تأسيس شبكة قواعد دائمة من أجل توفير الإمكانية العسكرية اللوجستية، لتحريك القوات الأمريكية لمسافات واتجاهات مختلفة ضمن الإطار الجيواستراتيجي لها، كما يتضح من خلال القواعد العسكرية الأساسية في وسط آسيا في كل من باجرام، قندهار، خوست، لورا، مزار شريف، (أفغانستان)، والقواعد الأخرى الموجودة في أوزبكستان، وفي قيرغيزستان، وطاجيكستان .

أما أوزبكستان وافقت على تأجير قاعدة آباد الجوية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 25 عاماً، كما قامت الولايات المتحدة بعد فترة وجيزة من حملتها في أفغانـستان بنشر نحو 1500 من جنودهـا في أوزبكـستان، كمـا توصلت إلى اتفاق مع أوزبكستان يقضى بمـنح الجـيش الأمريكي مرونة في العمل مـن القواعـد العـسكرية في أوزبكستان، مقابل أن تـضمن واشـنطن حمايـة أمـن أوزبكستان، بالإضافة إلى إعادة فتح الحـدود الأوزبكيـة الأفغانية وفتح جسر استراتيجي بين البلدين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

رياضـالسنديمقدمة المترجم: هذا مقال كتبه كل من فيليب س. زان وهو محامي، خريج كلية القانون في جامعة نيويورك، ومحاضر في جامعة جورج ميسن بولاية فرجينيا، بالإشتراك مع واليتا كانون وهي أميركية آشورية تعيش في شيكاغو، ولدت عام 1919 وتبلغ من العمر حالياً 99 سنة. وتعمل في اللجنة التوجيهية لمنظمة الديمقراطيين الإشتراكيين في أميركا DSA في شيكاغو. وقد قمنا بترجمته أثناء البحث في القضية الأشورية نقدمه لقراء العربية.

ترجمة المقال:

في عام 1930، وقّع الملك جورج الخامس ملك بريطانيا العظمى وفيصل ملك العراق، معاهدة دخلت حيز النفاذ عند انضمام العراق إلى عصبة الأمم. فقد تم قبول العراق في العصبة بتاريخ 3 أكتوبر 1932. وفي ذلك التاريخ، وعملا بالمعاهدة المبرمة بين بريطانيا العظمى والعراق، فقد انتهى الإنتداب البريطاني على العراق. وتوقفت مسؤولية بريطانيا القانونية - وليس المسؤولية الأخلاقية - عن الأقليات في العراق. وبعد الإعلان عن التوقيع على المعاهدة الأنغلو - عراقية حيث كان من المقرر أن ينتهي الانتداب البريطاني، بدأت عصبة الأمم تتلقى تقارير عن انتهاكات والتماسات للانتصاف من الطائفة الآشورية. وكان القلق هو أن الظروف بالنسبة للآشوريين في العراق سوف تزداد سوءا بمجرد أن تسلم بريطانيا السلطة إلى العراقيين. قد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة لإنشاء وطن للآشوريين أو توفير الحماية لهم. وكانت المعاهدة الأنغلو - عراقية لعام 1930 صامتة تماما بشأن حماية الأقليات. وقد أدرج الدستور العراقي ضمنا مفهوم " حماية الأقليات "، وأصرت الحكومة العراقية على إنها ستلتزم بهذا التوجيه. بينما يسجل التاريخ، بطبيعة الحال، أنها لم تفعل ذلك.

الالتماسات (الطلبات) الآشورية الخمسة

وفي عامي 1931 و1932، تلقت عصبة الأمم ما لا يقل عن خمس التماسات من الجماعات الآشورية". وقد شكل توقيت الالتماسات والإنهاء الوشيك للانتداب البريطاني في العراق مشكلة أساسية لعصبة الأمم. ولأن الانتداب البريطاني يخضع لعصبة الأمم، فإن تقديم التماس ناجح يمكن أن يؤدي إلى قرار من مجلس عصبة الأمم يوجه بريطانيا إلى اتخاذ بعض الإجراءات فيما يتعلق بالأقلية الآشورية. ولكن بمجرد انتهاء الانتداب البريطاني في العراق، أصبحت الالتماسات المقدمة إلى العصبة موضع جدل. ولا يوجد للعصبة سلطة أن تأمر الحكومة العراقية بالقيام بأي شيء فيما يتعلق بها. وفي 24 سبتمبر 1932، أوعز مجلس عصبة الأمم إلى لجنة الولايات بمراجعة الالتماسات والوثائق ذات الصلة، بما في ذلك ردود الحكومتين البريطانية والعراقية. وأصدرت لجنة الولايات تقريرا أشارت فيه إلى أن السلطة الإلزامية البريطانية في العراق قد انتهت. وقد وصف التقرير المقدم إلى المجلس في 3 كانون الأول/ديسمبر 1932، بعد شهرين من انتهاء السلطة الإلزامية في بريطانيا، هذا المأزق، مشيراً إلى "الطبيعة الحساسة لمهمة [لجنة الولايات] من وجهة النظر الدستورية". ولا يمكن القيام بأي شيء، حتى لو كان المجلس يميل إلى القيام بشيء ما، ورفضت الالتماسات رسميا.

وكان الإلتماسين الأوليين مؤرخين في 20 و23 تشرين الأول/أكتوبر 1931. جاء هذين الإلتماسين من ممثلي الآشوريين في العراق بمن فيهم مار ايشاي شمعون الثالث والعشرون، بطريرك كنيسة المشرق. وطلبوا فيهما نقل الآشوريون في العراق إلى إقليم تحت حكم إحدى الدول الغربية أو، في حالة تعذر ذلك، إلى سوريا، التي لا تزال الانتداب الفرنسي. ولم تعترض بريطانيا ولا العراق على هذه الفكرة، ولكن لم يتطوع أي بلد لأخذ الآشوريين. وجادلت بريطانيا بأن إنشاء وطن ليس ضرورياً لأنه بمجرد تخلينا عن الآشوريين في سعيهم لإقامة وطن مستقل؛ فإنهم سيصبحون جزءا متكاملا و"مفيدا" من العراق. وفي وقت لاحق، سيتم اكتشاف بأن فكرة نقل الآشوريين إلى إقليم جديد تحظى بجديَّة أكبر (انظر أدناه).

وسعى الالتماس الثالث إلى الاعتراف بالآشوريين كأمة داخل العراق وإنشاء منطقة آشورية داخل العراق عن طريق إعادة رسم حدود العراق مع تركيا لتشمل داخل العراق المناطق التركية التي عاش فيها اللاجئون الآشوريون في العراق قبل طردهم من تركيا. وفي حالة عدم القيام بذلك، طلبت العريضة إقامة وطن خاص داخل الحدود القائمة للعراق، يتكون من كامل منطقة العمادية بالإضافة إلى الأجزاء المتاخمة من زاخو ودهوك وعقرة، للاجئين الآشوريين من تركيا في العراق. ونص الالتماس على أن تعترف الحكومة العراقية بسلطة مار شمعون الزمنية والدينية على المِلّة. ولأن سلطة مار شمعون امتدت على أتباع كنيسة المشرق، فإن السجل ليس واضحاً ما إذا كان القصد هو منح مار شمعون سلطة على الآشوريين من الطوائف الأخرى أو ما إذا كان التماس الاعتراف بالحقوق والحصول على وطن ينطبق فقط على الآشوريين الذين كانوا أعضاء في كنيسته. استغلت الحكومة العراقية هذا الارتباك: فنوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي، عندما كان من المناسب القيام بذلك، قد فسَّر تعبير "الآشوريين" على أنه يعني فقط أعضاء كنيسة المشرق. وقد أتاح له ذلك الاحتجاج بأن الالتماسات ذات الصلة بالغت إلى حد كبير في أعداد الآشوريين. ويبدو أن التحليلات اللاحقة، بما في ذلك تلك التي استندت إليها سياسات الحكومة الأميركية، قد فامت على هذا الأساس، ويبدو إنها وقعت في هذا الفخ.

كما طالب الالتماس كذلك، إعطاء مار شمعون الحق في تعيين نائب في البرلمان العراقي. وينص القانون العراقي بالفعل على انتخاب نائبين مسيحيين في البرلمان من قبل لواء الموصل. وحجّة نوري السعيد ضد اقتراح نائب إضافي مفيدة: فالقانون العراقي يحدد نائباً واحداً لكل 000 20 ذكر؛ وكان هناك 73,000 مسيحي في الموصل، أو، إن السعيد ضمنَّهم، حوالي 36500 من الذكور، لذلك فإن إستحقاقهم كان نائبان فقط، كما إحتجّ بأن ذلك "أكثر من كافي". وعلى هذا الأساس فإن مسيحيي الموصل ممثَلون بالفعل بشكلٍ كافٍ. فالآشوريون ليسوا الطائفة المسيحية الوحيدة في لواء الموصل. ففي الواقع هم يبلغوا حوالي ربع السّكان المسيحيين. فهناك أيضاً مسيحيون كلدانيون وأرمن وسريان أرثوذكس وسريان كاثوليك". وعندما وجد العراقيون أن من المناسب تقسيم تلك الأقلية الكبيرة نسبياً إلى مجموعات منفصلة صغيرة ذات مصالح مختلفة، فعلوا ذلك. وادعى السعيد أن "الآشوريين" لا يشكلون سوى ربع المسيحيين البالغ عددهم 73 ألف مسيحي في الموصل، أي حوالي 18 ألف مسيحي.

ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الأرقام تشمل لاجئين آشوريين من تركيا. وعلى أية حال، ونظراً إلى أنه لم يتم إجراء أي تعداد بين نهاية الحرب العالمية الأولى وإنتهاء الانتداب، فإن أرقام السعيد هي في أحسن الأحوال تخمينات موضوعية تماماً. وكان الرد البريطاني على هذا الالتماس هو أن الالتماس يمثل آراء الآشوريين المطرودين فقط من تركيا وليس الآشوريين الأصليين في العراق. وأعربت المملكة المتحدة عن قلقها من أن منح اعتراف خاص للآشوريين من شأنه أن يعرض الوحدة الوطنية للعراق للخطر. وأكدت أنه لا توجد أراضٍ غير مأهولة بما فيه الكفاية لإقامة وطن آشوري داخل العراق، ولكنها وافقت على أن تكون المنطقة المطلوبة من تركيا داخل العراق. وبالمقابل، وبطبيعة الحال، رفضت تركيا الحدود المقترحة كما رفضت أيضا السماح للآشوريين بالعودة إلى ديارهم.

أما الالتماس الرابع، والمؤرخ 21 أيلول/سبتمبر 1932، فقد وقَّع عليه 58 شخصاً يدعون أنهم يمثلون 395 2 أسرة. وتشير الوثيقة البريطانية التي قدمت هذا الالتماس إلى أنها جاءت من الأسقف إيوالاها مطران برواري بالا والعمادية الذي كان الأول على قائمة الموقعين. واعترض هذا الالتماس على الالتماس الثالث، بحجة أن مار شمعون لا يمثل جميع الآشوريين، وأن الآشوريين، اللاجئين والسكان الأصليين على حد سواء، ممتنين للحكومة العراقية. وفي معرض الرد أو تقييم هذا الالتماس، فإن بريطانيا والعصبة، انساقا بسرعة إلى تعريف نوري السعيد الضيق جداً للآشوريين كأعضاء في كنيسة المشرق إلى ما يجب أن يكون تعريف أوسع بكثير، وربما واسع بما فيه الكفاية ليشمل جميع الناطقين باللغة السريانية في العراق. وهنا خدم مصالح العراقيين في النظر إلى الطائفة الآشورية ككل واتخاذ المعارضة الآشورية لإمتيازات مار شمعون الخاصة كدليل على رضا عامة الآشوريين عن حكومة العراق وعدم رضاهم العام عن مار شمعون. إنها سياسة فَرِّق تَسُد.

أما العريضة النهائية، والمؤرخة في 22 سبتمبر 1932، فهي الأخرى مقدّمة من مار شمعون وتدعي أن للآشوريين الحق في المطالبة بمنازلهم الأصلية أو البدائل المناسبة من المملكة المتحدة، التي حارب الآشوريون من أجلها في الحرب العالمية الأولى. وتطلب إعادة مقاطعة هكاري أو إعادة التوطين على غرار ما هو مطلوب في الالتماس الثالث. وأشار الالتماس إلى أن الآشوريين صوتوا لصالح العراق في استفتاء لواء الموصل بناء على توصية العصبة في عام 1925 الخاصة بمنح الآشوريين حكما ذاتيا محليا. إنه قمع للهوية العرقية الآشورية.

وعلى العموم، فقد رفضت الحكومة البريطانية الخلافات العرقية بين الآشوريين والأكراد، وفضلت النظر إلى الآشوريين بدلاً من ذلك على أنها مجرد أقلية مسيحية تحتاج إلى التخلي عن مطالبها بالوطن وتصبح جزءاً من النظام السياسي في العراق. وكتب السير فرانسيس همفريز، المفوض السامي البريطاني في العراق في نهاية فترة الإنتداب: لا ينبغي إيلاء أهمية كبيرة للخلافات الطائفية المحلية، التي كثيرا ما يوجد تفسير لها في بعض المسائل أو الحوادث التافهة البحتة. ... تقارير [أي، من التهديدات المحتملة للطائفة الآشورية] لا يمكن إلا أن تعمل على إثارة العداوات الدينية، لإبعاد الحكومة العراقية، وزعزعة الآشوريين أنفسهم، الذين تعتمد آمالهم في الرفاه في المستقبل على دمجهم في النظام السياسي في العراق، وقبولهم كرعايا مخلصين للملك فيصل، والعيش في سلام مع جيرانهم.. ولا يشارك الجميع هذا الرأي، بالطبع. وفي معرض التعليق على معاهدة العراق إلى جمعية غروشيوس في عام 1931، فقد كتب س. غ. فيسي - فيتزجيرالد، إن السلطة المكلفة بالقانون الدولي والشريعة الإسلامية، أنه بمجرد أن تصبح المعاهدة مع العراق نافذة المفعول وبضمنها الإنتداب فإنه "ستتوقف مسؤوليتنا أمام مجلس العصبة. ولكن هل سيكون علينا أن نتوقف عن أن نكون مسؤولين أخلاقياً؟

وفي تموز/يوليه 1933، غادر نحو 800 رجل أُسَرهُم في العراق إلى سوريا، معتقدين أن الفرنسيين سيقدمون لهم الأرض التي لم يوفرها العراقيون والبريطانيون. وكانوا يخططون لجلب عوائلهم بمجرد استقرارهم. وقد عبروا الحدود إلى سوريا في 22 يوليو/تموز، لكن الفرنسيين أمروهم بالعودة إلى العراق. وعندما عبروا عائدين إلى العراق، اشتبكوا مع مفارز الجيش العراقي. وقد قُتل العديد منهم؛ وعاد نحو 500 شخص إلى سوريا ثانية، حيث اعتقلتهم السلطات الفرنسية. وفي نهاية المطاف، سمح الفرنسيون لهؤلاء الآشوريين بالعيش في منطقة الخابور، حيث أصبحوا مجتمعاً زراعياً مكتفياً ذاتياً. وفي الشهر التالي، في 11 آب/أغسطس 1933، ذبح العراقيون الآشوريين في سميل. ربما نجا 1500 آشوري، معظمهم من النساء والأطفال. وقد أرسلت الحكومة العراقية هؤلاء إلى معسكر في الموصل. واعترفت العصبة بأنها ارتكبت خطأً وقررت توفير موطن جديد للآشوريين "الذين يرغبون في المغادرة أو الذين لم يتمكنوا من الاندماج بسلام في الدولة العراقية". وعُينت لجنة لمعالجة هذه المشكلة. ونظرت في نقل الآشوريين إلى منطقة نهر پارانا في البرازيل؛ أو غويانا البريطانية؛ أو سوريا. وقد أصبحت پارانا مستحيلة عندما أصدرت البرازيل قانوناً يحدُّ من الهجرة. واعتُبرت غويانا البريطانية غير مناسبة لإعادة التوطين على نطاق واسع. التي تركت سوريا. وبحلول ذلك الوقت، كان المزيد من الآشوريين قد انضموا إلى 500 لاجئ في الخابور. بيد أن الأتراك والعراقيين عارضوا التوصل إلى تسوية دائمة في الخابور، لأنها كانت قريبة جداً من الحدود التركية والعراقية. وفي نهاية المطاف، وافقت السلطات الفرنسية في سوريا على السماح بتسوية آشورية دائمة في الغاب. وسيتم نقل الآشوريين في الخابور إلى الغاب، وسيُسمح لأي آشوري ينشّد الانتقال إلى الغاب بذلك. وسيكون جيرانهم مسيحيين آخرين، وسيدير حكومتهم جزئيا حاكم فرنسي.

انهيار حل الغاب Gap

وافق 24 ألف آشوري في الموصل على الذهاب إلى الغاب. وأعرب ثمانية آلاف آخرين في الموصل عن اهتمامهم. كما أراد الآشوريون في بغداد وكركوك الذهاب. وتوضح الأعداد الكبيرة المعنية أن الآشوريين الذين يخططون للانتقال إلى الغاب لم يكونوا مجرد لاجئين آشوريين من تركيا، وليس فقط أعضاء في كنيسة المشرق، بل يجب أن يكونوا أشوريين من جميع الطوائف. وفي عام 1935، أفادت العصبة بأنها مستعدة لنقل الآشوريين من العراق الذين يرغبون في المغادرة، وأن لديها الأموال اللازمة للمضي قدما في الخطة. ولكن في نيسان/أبريل من عام 1935، أعلنت فرنسا أنها ستطلب إنهاء الانتداب الفرنسي في سوريا. وفي ظل غياب سلطة الإنتداب الفرنسية في سوريا، فإن خطة التوطين في منطقة الغاب كان محكوم عليها بالفشل.

وأدى الاستياء العربي السوري من إدخال أقلية مسيحية أخرى داخل سوريا إلى معارضة الخطة: فلا توجد حكومة سورية تدعم توطين الآشوريين في الغاب. وفي 4 يوليو 1936، وافقت العصبة على التوصية التي قدمتها لجنتها لإعادة توطين الآشوريين بالتخلي عن خطة توطين الآشوريين في الغاب. وأصبحت مستوطنة الخابور دائمة، لكنها لم تتمكن من دعم عشرات الآلاف من الآشوريين الذين خططوا للذهاب إلى الغاب. ولم يقدم الخابور سوى القليل من الأمن لأن الأكراد والبدو داهموا المستوطنة بانتظام. وأخيراً، دعت العصبة الآشوريين في العراق إلى "الاندماج في الشعب العراقي كمواطنين عاديين في الدولة العراقية". وسرعان ما انساقت العصبة مع الكارثة التي بدأت تلوح في الأفق في أوروبا، وبذلك أصبحت العصبة نفسها غير معنية بالموضوع.

 

ترجمة: د. رياض السندي

..................................

المقال الأصلي:

The League of Nations and the Quest for an Assyrian Homeland

Phillip C. Zane and Waleeta Canon

الرابط: http://www.aina.org/articles/lfnaqfah.htm

الرابط:

 

 

محمود محمد علينعود للمرة الثانية نكمل حديثنا عن الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في 2001 وأبعاده الحقيقية، وذلك عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي هذا يمكن القول: عندما أطيح بشاه إيران في ديسمبر 1979م، فقدت واشنطن أهم خلف لها وأهم موقع متقدم في المنطقة ضد الاتحاد السوفيتي، ناهيك عن المنشآت العسكرية والالكترونية ومحطات الرصد التي أقامتها في إيران لمواجهة موسكو.

وفي السادس والعشرين من ديسمبر عام 1979م، قرر الاتحاد السوفيتي غزو أفغانستان عسكرياً؛ وذلك بهدف دعم الحكومة الأفغانية الصديقة للاتحاد السوفيتي، والتي كانت تعاني من هجمات الثوار المعارضين للسوفييت، والذين حصلوا على دعم من مجموعة من الدول المناوئة للاتحاد السوفييتي من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، والسعودية، وباكستان، والصين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري التمدد نحو الجنوب والوصول إلى المياه الدافئة. ولهذا عندما أطيح بنظام "شاه إيران" في ديسمبر 1979م وقيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، واختلال التوازن السياسي في المنطقة لغير صالح أمريكا، استغل الكرملين هذه الفرصة وأقدم على احتلال أفغانستان عسكرياً .

وهنا قامت الإدارة الأمريكية بتشكيل ائتلاف في الكونجرس الأمريكي سمي بقوات الضربة الأفغانية، وكان الهدف من إنشاء هذه القوات هو الثأر من السوفييت والانتقام منهم على ما فعلوه في فيتنام؛ حيث كانوا قد دعموا ثوار الفيتكونغ Viet Cong الذين ألحقوا الهزيمة بالقوات الأمريكية وكبدوها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وحسب وجهة نظر الأمريكيين، فإن أفغانستان تعد أنموذجا للثأر من الشيوعيين .

وقد استخدمت الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها الحرب بالوكالة A proxy war؛ حيث استقطبت المجاهدين الأفغان، وقامت بتسليحهم خلال الحرب، كما قدمت وكالة المخابرات الأمريكية (CIA)، أحدث أنواع الأسلحة التي يمكن للأفراد الأفغان استخدامها ضد الطائرات السوفيتية، واعتبرت الولايات المتحدة أن دعمها لأفغانستان هو أفضل فرصة للانتقام من السوفييت ودورهم في فيتنام. واعتبر قادة الـ " CIA "، أن أفغانستان ستشكل فيتنام الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي؛ خصوصاً وأن الاتحاد السوفيتي كان يضم ست دول مسلمة في آسيا الوسطي، وللعديد منها حدود مع أفغانستان .

وكان "قلب الدين حكمتيار" أحد قادة الأفغان، من الذين يعملون مع المخابرات الباكستانية التى كانت مرتبطة في تلك السنوات بتعاون مع الـ" CIA "، وفي عام 1986 بدأت الـ "CIA " بإرسال صواريخ "ستينغر"، وهي أحدث الصواريخ المضادة للطائرات في ذلك الوقت إلى الأفغان، لإسقاط الطائرات السوفيتية .

وأشارت التقارير العسكرية الأولى إلى الصعوبات التي واجهت السوفييت أثناء القتال في المناطق الجبلية، فالجيش السوفييتي لم يكن معتاداً على ذلك الشكل من القتال، ولم يحظ بتدريب لمواجهة حرب غير نظامية وحرب عصابات، وكانت آلياتهم العسكرية، وخاصة السيارات المصفحة والدبابات ليست ذات كفاءة في كثير من الأحيان، وعرضة للهجمات في البيئة الجبلية، وتم استخدام المدفعية الثقيلة بشكل مكثف أثناء قتال قوات الثوار.

وعلي هذا الأساس عمل " زبجنيو بريجينسكي" Zbigniew Brzezinski (مستشار الأمن الأمريكي للشئون الخارجية في عهد الرئيس جيمي كارتر) مع الإدارة الأمريكية لتوريط الاتحاد السوفيتي عسكرياً في الوحل الأفغاني، ولتغدو أفغانستان بالمقابل بمثابة "فيتنام سوفيتية " تثأر فيها الولايات المتحدة من هزيمتها في "فيتنام الأمريكية" بدعم سوفيتى يومها. وهكذا كانت أفغانستان " الفخ الفيتنامي" للسوفييت فيها، وقد نصبه الأمريكان ببراعة فائقة، كان من الصعب على السوفييت التخلص منه بسهولة بعد وقوعهم فيه .

هكذا تم إعداد أفغانستان من قبل واشنطن لحرب مروعة دامت 12 عاماً ضد الاتحاد السوفيتي، لم يكن الشعب الأفغاني قد طلبها أو أرادها، وقد كانت حكومة كابول في ذلك الوقت تعد البلاد إلى حكم علماني إصلاحي، أما الولايات المتحدة، فكانت تسعي كما سبق القول إلى تحويل أفغانستان إلى فيتنام للسوفييت هذه المرة، لكى تراق دماء الروس فيها، مثلما أريقت دماء الأمريكيين في فيتنامهم، ولم يكن يهم واشنطن كثيراً أن تتحول أفغانستان إلى دولة إسلامية أصولية متطرفة وهو ما كانت تعادي إيران الإسلامية بعد سقوط الشاه بسببه، بقدر ما يهمها أن ينتشر هذا المد الأصولي الإسلامي إلي جمهوريات الاتحاد السوفيتي في آسيا الوسطي ويقلب الأوضاع على موسكو، ولم يكن الأمريكيين يجرؤون على استخدام تعبير"الإرهابيين" في وصف هؤلاء المتمردين الإسلاميين، حين كانوا يسقطون بقذائفهم طائرة مدنية في أفغانستان ويزرعون المتفجرات في المطار .

تمكن المجاهدون الأفغان – وبدعم من قبل الولايات الأمريكية المتحدة، وبريطانيا، ودول أخرى من دحر قوات الاحتلال السوفيتي، وحملها على الانسحاب من أفغانستان؛ حيث تكبدت موسكو خسائر عسكرية كبيرة وعلاقات دولية متوترة. وكان المحاربون غير النظاميون الأفغان يتم تسليحهم وتمويلهم وتدريبهم بشكل رئيسي من قبل الولايات الأمريكية المتحدة، والسعودية، وباكستان.

وفي عام 1992م تولت حكومة المجاهدين السلطة في أفغانستان، وذلك بعد أن تمكنوا من السيطرة على العاصمة كابول، وهنا بدأت هذه الحكومة تعلن عن أهدافها الأيديولوجية التي تقوم عليها تنظيم القاعدة الذي أسسه "أسامة بن لادن" و"أيمن الظواهري"، والذي يتطلع – شأنه شأن تنظيمات أخرى معنية بـ "الجهاد العالمي" – إلى نشر الدين الإسلامي، وإقامة نظام الخلافة الإسلامية؛ أي السلطة القائمة على الشريعة الإسلامية وفرضها على جميع دول المعمورة، ويستند تنظيم القاعدة عقائدياً إلى التيار السلفي السني الذي يعتبر فترة صدر الإسلام عصراً ذهبياً يجب إحياؤه واستعادته في العصر الحالي، وبحسب مفهوم القاعدة يتعين على أي مسلم المشاركة في الجهاد، لاستعادة مركز الإسلام الذي يليق به. ويستهدف الصراع "الكفار" الذين لا ينتمي إليهم "غير المسلمين" فحسب، بل أيضاً الأنظمة العربية والإسلامية التي لا تسير على نهج الإسلام الصحيح؛ بمعنى أنها تميل إلى الغرب (وإسرائيل) وتسعى لاعتماد طريقه. ويعتمد تنظيم القاعدة، مبدأ الحرب الشاملة التي لا هوادة فيها ضد أعدائه، وبالتالي فإنه يرى جواز اللجوء إلى جميع الإجراءات لبلوغ أهدافه، ومنها استخدام الأسلحة غير التقليدية، وإصابة المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال.. إلخ .

وحين بدأ هؤلاء المجاهدون يمارسون السلطة في أفغانستان، نجد أنهم عجزوا عن القيام بتشكيل حكومة شرعية وموسعة ومستقرة في كابول، فزيادة طمع أحزاب المجاهدين في السلطة، وقلة تجربة هؤلاء المجاهدين في الحكم، وعدم وجود برنامج لديهم لإدارة الدولة، وعدم تربية كادر سياسي لهذا الأمر، والأكثر من ذلك انفصال القوة البشتونية القوية بقيادة "حكمتيار" عن قوات المجاهدين الطاجيك؛ كل ذلك أدي إلى عدم الاستقرار في أفغانستان، وإضعاف حكومة المجاهدين.

علاوة على أن تركيبة المجاهدين لم تكن تركيبة موحدة ومتجانسة، إنما كانت تمثل خليطاً غير متجانس، فخلال فترة الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي تشكلت المجموعات الجهادية، بحيث إن كلاً منها يمثل أو ينتسب إلى شريحة من شرائح المجتمع الأفغاني، تختلف عن بعضها البعض من ناحية الانتماء القومي واللغة. وكانت هذه المجموعات قد اتخذت من باكستان وإيران مقراً لها قبل ذهابها إلى كابول، والمجموعات السنية كانت في باكستان والمجموعات الشيعية كانت في إيران.

وحينما شارفت حكومة "نجيب الله" الشيوعية على السقوط أكد الشيعة على مشاركتهم بنسبة 25% في حكومة المجاهدين، علما بأن المجموعات الشيعية الثمانية كانت قد توحدت في حزب واحد بعد فترة من الصراع والاقتتال فيما بينها، وهو (حزب الوحدة).

حكومة المجاهدين منحت الشيعة عدداً من الوزارات، لكن جناحاً من حزب الوحدة بقيادة "عبد العلي مزاري" قائد حزب الوحدة لم يقبل بهذه الحصة، واتخذ موقفاً معارضاً للحكومة، واستقر في إحدى جهات العاصمة على الرغم من أن حكومة المجاهدين كانت تحظى بالتأييد والدعم الشعبي، إلا أنها بسبب اختلافات المجموعات الجهادية القومية والسياسية، لم تتمكن من وضع برنامج سياسي مشترك لإدارة الدولة، فالمجموعات السنية الشيعية الثمانية، فعلى الرغم من أنهم توحدوا في حزب الوحدة بمساعدة إيران، إلا أنهم لم يتخلوا عن خلافاتهم، فبعض أجنحة (حزب الوحدة) بزعامة "مسعود أكبري زاده" تعاونت مع حكومة المجاهدين، أما البعض الآخر بقيادة (عبد العلي مزاري) فقد امتنع عن التعاون مع هذه الحكومة.

وعليه واجهت حكومة المجاهدين التي كانت ترفض أن تكون أداة بيد باكستان – مشاكل كثيرة، فالحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار، الذي كان يعتبر نفسه ممثلاً عن البشتون أمطر العاصمة كابول بالصواريخ، كما إن الأجهزة الأمنية الباكستانية وبالتعاون مع أمريكا والسعودية وظفت كل قدراتها وإمكاناتها من أجل دفع هذه الحكومة إلى الانهيار من الداخل .

فمع مجئ "برهان الدين رباني" اتخذت الحرب الداخلية أبعاداً أكثر خطورة، ونتيجة لهذه الحرب ولعدم الاستقرار السياسي لم يستطع المجاهدون تشكيل حكومة موسعة، ووطنية، ومستقرة . وإثر هذه الحروب الداخلية – التي استمرت حوالي أربع سنوات والتي شاركت الولايات المتحدة وباكستان في تأجيجيها، فقد المجاهدون شرعيتهم السياسية يوماً بعد آخر، وفي ظل هذا الوضع استشرت حالة انعدام الأمن، والفوضى، وراحت تزداد مظاهر السرقة والاعتداء، على أموال الناس وأعراضهم من قبل بعض الجماعات شبه العسكرية المحسوبة على المجاهدين؛ كما أن الحكام المحليين يفرضون بالقوة ضرائب عالية على الناس في المناطق التي تقع تحت سيطرتهم، والوضع الاقتصادي والتجاري للبلد ازداد تدهوراً وسوءاً . ويمكن أن نلخص العوامل التي أدت إلى الفوضى الداخلية التي عمت البلاد في عهد حكومة المجاهدين في النقاط التالية:

1- عدم وجود حكومة مقتدرة وذات تجربة في كابول.

2- احتدام الحرب الطويلة بين المجموعات الجهادية، وانعدام أمن العاصمة كابول بسبب استمرار الحملات الصاروخية.

3- وجود مشاكل أمنية كثيرة يعانى منها الناس وعدم اتباع رجال الحكومة للقوانين والمقررات الوطنية.

ومن هذا المنطلق أدركت الولايات المتحدة ومعها باكستان بأنه لا بد من التخلص من حكم المجاهدين في أفغانستان؛ فلم يكن وجود دولة إسلامية مستقلة لها أهداف ومحفزات ثورية، إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران قابلاً للتحمل بالنسبة للولايات المتحدة.

ولهذا فكرت الولايات المتحدة في أفغانستان بمشروع جديد تتمكن فيه من كسر شوكة المجاهدين وإلحاق الهزيمة بهم، لكن تحقيق ذلك ليس بالأمر الهين، لأن هؤلاء ألحقوا الهزيمة بأكبر قوة عالمية على وجه الأرض، وهي الاتحاد السوفيتي، لذلك لجأت الولايات المتحدة إلى ضرورة التخلص من نظام المجاهدين في أفغانستان عن طريق مبدأ فرق تسود، فلجأت إلى بث الفرقة بين نظام الجهاديين والعمل على زعزعة استقرار حكمهم؛ حيث أخذت الولايات المتحدة مع باكستان ينسقان سياساتهما في ذلك الوقت إزاء أفغانستان وكليهما تريدان إضعاف نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أفغانستان، لأن "برهان الدين ربانى"، و"أحمد شاه مسعود"، كانا من الطاجيك الذين يتكلمون اللغة الفارسية . ثم إن مجموعتين من المجاهدين ترتبطان بعلاقات جيدة مع إيران، وتتمتعان بنفوذ كبير في حكومة كابول هما: الطاجيك وبعض الفصائل الشيعية، وهذا الوضع لم يرق للولايات المتحدة وباكستان والسعودية، ولذلك أقدمت هذه الدول على رصد الأموال الطائلة من أجل إيجاد تيار جديد يمكن أن يتحرك ضد هذا الوضع، ويخالف إيران من الناحية المذهبية والقومية واللغوية .

وكان هذا التيار الجديد هو " حركة طالبان"، وكلمـة "الطالبـان"، تعنى باللغة المحلية الأفغانية طلبة المدارس الشرعية الأهليـة الأفغانيـة، وهـى جمعية دينية تفرعت عن جمعية دينية باكستانية هي جمعية علماء الإسلام، ويطلق لفظ طالـب على المتعلم في هذه المدارس، ولفظ الملا على من يكمل النصاب التعليمي ويتلقـى إجـازة للتدريس، ويعلن أفراد الجماعة أن نشـأتها جاءت كرد فعل تلقائي للاقتتال بـين فصـائل المجاهدين، مما أدخل الـبلاد في دوامـة لا متناهية من الاقتتال .

وأهم المبادئ التي تتبناها الجماعة وتعتبرها تمييزاً لها عن باقي الفصائل هي:

1- إقامة حكومة إسلامية على نهج الخلافة الراشدة.

2- قلع جذور التعصبات الإثنية والقبلية.

3 -التركيز على الحجاب الشرعي للمـرأة والإلزام به ..

4-أسلمة اقتصاد الدولة والاهتمام بالتنميـة في جميع المجالات.

5 -تكوين هيئات للأمر بالمعروف والنهـى عن المنكر.

وقد شـاب ظهـور الحركـة نـوع مـن الغموض، إذ تناقلت الصحف الباكسـتانية فـى سبتمبر 1994م بصورة غامضة أنبـاء إنقـاذ قافلة باكستانية مكونة من 30 شاحنة متوجهـة إلى وسط آسيا على يد مجموعة مـن طـلاب مدارس الشريعة. وفى يناير 1995م أعلن عن أن طلاب تلك المدارس قـد اسـتولوا علـى مقاطعة قازانى فى شرق البلاد . وبحلول مارس 1995م كانت طالبـان تسـيطر علـى ثلـث الأراضي الأفغانية وأصـبحت قواتهـا علـى مشارف كابول وهزمت قوات حزب الوحـدة الشيعي وقتلت قائدهم على مزارى . أما حكمتيار فقد أخلى مواقعه فى جنوب كـابول وهـرب ناحية الشرق . ونجحت قوات شاه مسعود فـى البداية فى إبعاد قوات الطالبان عن العاصـمة إلا أن الطالبان تقـدمت مـرة أخـرى نحـو كابول .. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

مصطفى محمد غريبيحتدم النقاش حول أهمية الدولة المدنية والحكم المدني التي لها ثوابت وطنية وديمقراطية وسياسة مستقلة تعتمد على مؤسسات قانونية وإنسانية وتستمد شرعيتها من المواطنين الذين يرون فيها الكيان المعتمد على السلطات الثلاث المعتمدة في إدارة الدول وتحديد أهدافها الوطنية والمطلبية وعلاقاتها بالمجتمع الدولي، وهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، وبدون هذه السلطات تفقد الدولة مصداقية مدنيتها وعدم تمثيل الشعب بجميع مكوناته، الدولة المدنية هي الهدف الإنساني الذي يسعى إليه الإنسان السوي والمسالم وتسعى له الأحزاب والمنظمات السياسية الوطنية والديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني التي تتبنى مشروعاً وطنياً ديمقراطيا يؤسس مشروعية حقوق الإنسان والتخلص من لغة عسكرة المجتمع تحت طائلة من المسوغات منها تبادل السلطة سلمياً ونبذ فكرة الحلول العسكرية والانقلابات الدموية ولهذا نجد في أكثرية البرامج والمشاريع التي قدمتها القوى الوطنية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي قبل الاحتلال وسقوط النظام الدكتاتوري تؤكد على الديمقراطية وحق تقرير المصير وفق معايير إنسانية وحضارية ووفق الظروف الموضوعية والذاتية، وبما أن الدولة المدنية مشروع للقوى المدنية بمختلف مشاربهم وأفكارهم وأيدلوجياتهم على الرغم من وجود وجهات نظر متباينة حول قضايا مستقبلية لكن ما يجمعهم هو قيام الدولة المدنية التي تقوم على أسس واضحة في مقدمتها استقلالية السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة والانتقال السلمي للسلطة حسب قوانين الانتخابات والقوانين التي تختص بديمقراطية العلاقات السياسية التي تعتمد النضال السلمي من اجل تحقيق المطالب المشروعة المنصوص عليها في الدستور الدائم.

كما أن هناك الكثير من القضايا الملازمة لعملية البناء والإصلاح وعدا ذلك لا يمكن أن تسمى بالدولة المدنية. كان المؤمل بعد سقوط النظام الدكتاتوري التوجه نحو هذا الهدف لإنقاذ البلاد من الشرور التي تحيط بها وبخاصة تركة (35) عاما من الحكم الفردي الإرهابي ومن تركة الماضي التي نشأت منذ تأسيس الدولة العراقية، ولم يكن بخلد القوى الوطنية الديمقراطية أن ذلك سيكون عن طريق احتلال البلاد وتدمير الدولة بالكامل بل كان السعي أثناء نضالها الطويل هو العمل السياسي السلمي في أكثر الأحيان ما عدا السنين التي شهر الحزب الشيوعي العراقي السلاح بسبب استهتار ودموية حكم حزب البعث الذي أغلق كل الطرق أمام العمل السياسي السلمي المعارض كم قامت العديد من القوى الوطنية والقومية العربية والكردية بحمل السلاح إلى جانب النضال السياسي من اجل التغيير لإقامة الدولة المدنية الوطنية الاتحادية بدلاً من دولة البعث الاستبدادية التي خلقت ظروفاً غاية في التعقيد على

1 - المستوى الوطني الداخلي سياستها القمعية واستئثارها بإلغاء إي هامش للعمل المعارض بما فيها السلمي الذي يعتمد على أسس تبادل السلطة سلمياً بدون اللجوء للعنف والسلاح.

2 -على المستوى القومي والعالمي بسبب حروبها المتواصلة واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً في الداخل والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى تحت طائلة من الحجج في مقدمتها التضامن القومي المتطرف وبحجة الدين أو الطائفية المقيتة ثم اللعب على ورقة القضية الفلسطينية واستغلالها من اجل المصالح الضيقة التي تهدف إلى البقاء في السلطة ومحاربة أي قوى معارضة.

أن العودة إلى مجريات ما حدث بعد الاحتلال وتكليف أحزاب الإسلام السياسي منذ البداية بمهمات قيادة الدولة وبدعم من الإدارة الأمريكية والدول المتحالفة معها دفع التوجه نحو مشروع إقامة الدولة الدينية التي تعتمد على السلف والأصول وهذا التصور الذي كان يعشش في أدمغة البعض من المفكرين الإسلاميين الناشطين والتنظيمات الطائفية الدينية السياسية على إذكاء وهم قيام الدولة الدينية على غرار ما سبقتها من دول متخطين روح العصر والتطورات التي حدثت على العالم اجمع بما فيها مفهوم تشابك الكنيسة في الماضي مع الدولة في أوربا أو الدول المسيحية لحين حدوث فصل الدين عن الدولة والسياسة، والعجز الذي حدث في تلك المفاهيم بعد رؤيا علمية باستحالة بناء الدولة على أسس دينية مع ما يجري من تطورات واكتشافات علمية واقتصادية وسياسية ومفهوم قضايا حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطبقة العاملة ونقاباتها وباقي منظمات المجتمع المدني.

إن الذي حدث من تطورات في العراق على البنية الطبقية والسياسية الاجتماعية والثقافية جعلت المواطن يدقق في الخطابات التي طرحت من قبل أكثرية القوى التي دخلت العملية السياسية مع استشراف رؤيا جديدة فيما يخص العلاقة بين هذه الأحزاب وتعاليم الدين ما بين القوى التي قامت بإطلاق الوعود ومنها وعود بعدالة توجهاتهم الدينية وارتباطها بشكل عملي بمتطلبات الحياة الاعتيادية المعيشية والاقتصادية وبين الوعد الخالد بتحمل شقاء الدنيا طمعاً في الجنة الموعودة أو استغلال أسماء الأئمة ومن هذه الرؤيا أن القائمين على أكثرية الأحزاب والدولة ومرافقها سعوا من اجل جمع الثروات بمختلف الطرق حتى غير الشرعية ومنها الاستيلاء على المال العام بدون أي ضمير ولا الانتظار الموعود بالجنة ولا أي اعتبار للائمة إضافة إلى ما جرى على نمط قيام الدولة التي كان المفروض وبعد مرور أكثر من (16) عاما تنتقل لإنجاز واستكمال شروط بناء العراق وفي مقدمة هذا البناء الخدمات العامة" كهرباء وماء والصحة والتعليم والأمن " والتقليل من البطالة وإيجاد فرص عمل للخريجين وبقية العاطلين على العمل واستكمال بناء أجهزة الدولة التي انهارت بعد الاحتلال وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية المستقلة الوطنية، لكن الأوضاع سارت بالاتجاه المعاكس فلا بناء الدولة أنجز معالمه بشكل صحيح ولا الفساد قضي عليه إضافة إلى ما حدث من خروقات أمنية كبيرة وقيام عدداً من التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها داعش ثم انتشار الميليشيات الطائفية المسلحة القديمة والجديدة وأصبح إلى جانب الفساد والاستئثار بالسلطة وانتهاج سياسة التزوير والتزييف في الانتخابات وغيرها ثم الهاجس الأمني المنفلت الذي أدى بحياة الالاف من المواطنين إضافة إلى التهجير والهجرات والنازحين جراء الحروب الداخلية ومنها احتلال داعش لثلث العراق ثم التحرير بعد سنين من القتال والتضحيات المريرة ، طوال هذه الفترة لعبت وما زالت تلعب البعض من التنظيمات الطائفية المسلحة دوراً في تأجيج النزعة الطائفية والتشجيع على العنف ثم الاستخفاف بقرارات الدولة وعدم الالتزام بما يصدر عنها بخصوص انتشار الأسلحة خارج إطار الدولة واستغلت هذه التنظيمات فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها السيد السيستاني والذي قال عنها جابر المحمداوي وهو رجل دين مستقل يعمل في تدريس المذهب الشيعي في النجف إن "فتوى الجهاد الكفائي ضد داعش واضحة، وتعني بأنها مؤقتة وليست دائمة" وان السيد السيستاني ليس مع وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة كما رفض مشاركتهم في السياسة والانتخابات، وحسب قول المحمداوي لم يكن السيد السيستاني متحمساً لقرار البرلمان بتحويل الحشد إلى قوة مستقلة "

وهكذا تحولت الفتوى بدون أي اعتراض علني واضح من" طواعية قتال الإرهاب " إلى دمج تنظيمات وميليشيات طائفية مسلحة اتفقت فيما بينها على "الحشد الشعبي" (للعلم نحن لسنا بالضد من الحشد الذي التزم بالفتوى نصاً وروحاً وندعم الجهود المخلصة للتخلص من إرهاب داعش) وعلى الرغم من جميع الجهود لجعله تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة ودمجه بالقوات العسكرية الحكومية مثل الجيش والشرطة ...الخ فقد رفضت الفكرة واستبدلت بجعل الحشد الشعبي قوة عسكرية مستقلة نسبياً عن الجيش والشرطة وقد " رفضت تنفيذ الأمر الديواني الذي أصدره رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي القاضي بدمج الفصائل المسلحة ضمن تشكيلات وزارتي الداخلية والدفاع" وهناك أراء من قبل البعض من قيادة فصائل منظمة للحشد الشعبي ومنها النجباء حيث صرح يوسف الناصري معاون زعيم النجباء في حديث على التلفزيون بان الجيش العراقي " مرتزق " ودعا إلى حله واستبداله بالحشد الشعبي مما أثار حفيظة الكثير واعتبروا تصريحه إساءة للجيش وطريقاً لتسهيل أمر الحشد الشعبي لينتقل إلى شبيه الحرس الثوري الإيراني، واستنكرت قيادة العمليات المشتركة في الجيش العراقي هذه التصريحات التي أطلقها يوسف الناصري ورد الفريق الركن عبد الأمير رشيد بار الله نائب قائد العمليات المشتركة إن تصريحات يوسف الناصري "غريبة ومفاجئة"، ووجه للجيش "تهما قاسية تطعن بوطنيته وعليه الاعتذار " وأشار النائب عبد الخالق العزاوي " إن فصائل الحشد الشعبي ترتبط بأحزاب وقوى سياسية ولا تنفذ القرارات التي يصدرها عبد المهدي، وأن الكثير من هذه الفصائل أعلنت أنها ترفض الانصياع لأوامر الحكومة" وخير مثال ما حدث في منطقة جرف الصخر وسهل نينوى ومناطق أخرى امتنعت بعض فصائل الحشد الشعبي تسليمها للجيش وأبقتها تحت سيطرتها على الرغم من قرارات الحكومة المركزية، وبين النائب عبد الخالق تمرد فصائل الحشد يهدف " لإشغال " مواقع أمنية اكبر مساحة من الأجهزة الأمنية الحكومية توضح حيثيات خطته "لتشكيل دولة عميقة داخل الدولة العراقية ما يجعل استتباب الأمن والاستقرار أقرب إلى المستحيل" وهذا الأمر يتناقض مع الدولة المدنية ولا يمت بصلة إلى دولة ذات سيادة تقوم على مؤسسات قانونية واضحة .. من الجهة الثانية عادة القوى الإرهابية وعلى رأسها داعش لشن هجمات والقيام بالاغتيالات في أماكن عدة وذكرت الصحف من بينها فاينانشال تايمز في 15 / 8 / 2019 وتهديد تنظيم داعش مازال " قائماً في سوريا والعراق " وأشار تقرير الصحيفة المذكورة وجود ما بين "14 و18 ألفا من مقاتلي التنظيم ما زالوا في سوريا والعراق .. وتذكر فاينانشال تايمز إن "التقرير الذي أعتده البنتاغون يأتي وسط قلق من أن تتسبب تحولات جيوسياسية في الشرق الأوسط في تقويض الانتصارات التي تحققت حتى الآن" ضد تنظيم داعش

أمام هذه الصورة التي تبدو أكثر من مأساوية بالنسبة لاستتباب الأمن فان الدول العراقية تبدو في مهب الريح وسط هذه العواصف المتتالية وهنا تظهر استحالة بناء الدولة المدنية إذا لم يجري إصلاح الأمور بشكل سريع ومسؤول وقد ظهر القلق على المصير في تساؤلات المرجعية الدينية جاء على لسان ممثل المرجعية العليا في كربلاء السيد أحمد الصافي في خطبة الجمعة " تعب وتعب وتعب بات المواطن يفكر بمغادرة البلاد، ولماذا الدولة لا تربي الشعب على احترام القانون، فالبلاد تتجاذبها الرياح يميناً وشمالاً والجميع يتفرج". نُذكر السيد الصافي ليس الجميع يتفرج بل أولئك المهيمنين على السلطة بعيداً عن متطلبات القوى الوطنية والديمقراطية منذ زمن غير قليل وقبل ما جاء على لسان السيد أحمد الصافي مؤخراً.

 

مصطفى محمد غريب

 

صائب خليلرفض الكثير من القراء ما ذهبت اليه في الحلقة الأولى من المقالة (1) من مؤشرات على ان حكومة روحاني تحاول التقرب من أميركا، وانها وقعت اتفاقاً نوويا سيئا. واعتبر هؤلاء أن ما فعله روحاني لا يكفي لمثل هذا الحكم القاسي.

يجب ان نتذكر اولاً ان تأثير الأشخاص يعتمد على بيئتهم، فيختلف هذا التأثير حسب تلك البيئة حتى لو تشابهت نوايا هؤلاء. فمثلاً يمكننا بسهولة ان نرى ان كل من صدام حسين وجورج بوش يحتقران القانون وقد عمل كل منهما على اضعافه، لكننا لا نتوقع من بوش ان يفعل ما يفعله صدام. وهذا قد لا يكون بسبب الفرق بين شخصيتيهما بالدرجة الأولى، بل بين البيئتين وما تسمحان به. ورغم ذلك فهما متشابهان في موقفهما من القانون.

وهناك طريقة لا تكاد تخطئ للفحص: انظر تأثير الشخص على بيئته. هل كان القانون اقوى ام اضعف بعد حكم بوش؟ كان اضعف كثيرا، تماما مثلما هو الأمر مع صدام.

لذلك فأن مقارنة "التأثير" تدلنا على الشخص اكثر مما تدلنا مقارنة الأفعال بحد ذاتها، وأرى أن هذا مبدأ عام جدير بالتذكر في التحليل السياسي. فهو يستطيع ان يخلص الذهن من الكثير من التشويش الذي تسببه الحقائق التفصيلية والشكلية الأقل أهمية.

بهذا المنظور يجب ان نحلل “تأثير” السيد "حسن روحاني" على إيران وتوجيه سياستها. وأنا اعتقد انه من ضمن الإيرانيين الذين يسعون لتقريب إيران من الخندق الأمريكي، رغم أنك لن تجده يهتف لأميركا، لأنه ببساطة لن يستطيع ان يفعل ذلك في ايران حتى لو أراد. فهناك قوى مهمة في ايران تقف على النقيض من ذلك. هل يريد روحاني سياسة إيرانية اقرب الى اميركا وعلاقة اقوى معها رغم كل شيء؟ أنا اعتقد ذلك، وفي هذه المقالة التي نشرت جزءها الأول قبل أيام وانشر هنا جزءها الثاني، أحاول ان ابين وجهة نظري.

في الجزء الأول تحدثت عن الاتفاق النووي السيء، وهنا سنتحدث عن تأثير حكومة روحاني في دفع الاقتصاد الإيراني نحو ما تتمناه اميركا. وفي الحلقة الثالثة الأخيرة – او الملحق، سنتحدث عن بقية المواضيع مثل الموقف من التفاوض مع اميركا، والموقف من العراق، وتفسير التصرفات الإيرانية في هذين الموضوعين على ضوء ازدواج السلطة هذا في ايران.

في الجزء الأول بينت اننا يجب ان لا نخلط كل ايران في كتلة واحدة حين نحلل أي موقف لها، بل ان نتساءل: أي ايران هي التي تدفع بذلك الاتجاه؟ هل الموقف بضغط من الحكومة ام من المعارضة؟

صراع حكومة تجار البازار وأحمدي نجاد

لفهم السياسة الاقتصادية لإيران، علينا ان نتذكر اننا نتعامل مع الحكومة التي يساندها تجار البازار، وان هذه الحقيقة اهم بكثير من كل العمائم التي تجدها فوق رؤوس أعضاء الحكومة. وفي هذا لا يختلف الإيرانيون عن غيرهم من شعوب الأرض. فالتاجر الناجح الذي وصل الى القمم، هو التاجر المتناسق مع أخلاقية التجارة والذي استطاع ان يزيح اية أخلاقية أخرى عن طريقها. هؤلاء تجمعوا واختاروا روحاني. والنتيجة كما هو متوقع، توجيه الاقتصاد لصالح الأثرياء وعلى حساب الفقراء، رغم كل توصيات الإسلام بالعكس.

وقد بدأ صراع التجار من اجل "اقتصادهم" قبل استلامهم السلطة، فخاضوا معارك مريرة مع رئيس الفقراء احمدي نجاد وضغطوا عليه واستخدموا السيد الخامنئي في ضغوطهم، والذي استجاب لهم كثيرا للأسف الشديد، بل انه مع مجلس صيانة الدستور، حمى روحاني من غضب الشارع فمنع نجاد واعوانه من الترشيح ضدهم في الانتخابات الماضية، وهو خطأ هائل، بل خطيئة أتمنى ان يكون السيد الخامنئي قد ادرك حجمها، وهو يملك من الأمانة ما يتيح له مراجعة نفسه في رأيي.

في مقالتي قبل عامين "إيران التي تمنع نجاد من الترشح لا تستحق الثقة" (2) والتي كتبتها، في يوم الانتخابات الإيرانية السابقة، كتبت أن العداء الشديد للسيد نجاد امر طبيعي من حكومة البازار التي تحظى بدعم عائلة تاجر الفستق الفاسدة، رفسنجاني وامثاله،

فتلك الحكومة الباحثة عن حرية الربح، لن تحب من "يعطي حتى النساجات الفقيرات في بيوتهن القروية النائية، الحق براتب تقاعدي!"

ورغم ان روحاني قد تاجر ببيع ما قام نجاد بتحقيقه من أوراق ضغط نووية لفك الحصار عن ايران، وحصل على دعم الغرب كثيراً، فإنه لم يحصل الا على تسهيلات محدودة لبيع النفط ووعود بالإفراج عن بعض المبالغ المحتجزة، (لم يتم تنفيذ معظمهما كما نعلم اليوم). وكان بإمكان نجاد لو أراد، ان يبيع هذه الأوراق أيضا ويظهر بمظهر من حقق "إصلاحا" اقتصاديا، لكن اخلاقيته المختلفة منعته من هذه المتاجرة. (انظر مقالاتي حول نجاد (3)

وكما هو متوقع، فشل روحاني في إدارة الشئون الاقتصادية في البلاد، فازداد التضخم رغم التنازلات وهبطت الرواتب خاصة بالنسبة للفقراء، ومازالت العقوبات قائمة ولم تلتزم أمريكا والغرب ببنود الاتفاق

كان أول عمل قامت به حكومة روحاني هو محاولة ترتيب اتهامات اختلاس ضد نجاد لكنها فشلت في تقديم أي دليل. وليس هذا غريباً، وقد وضع الرئيس نجاد على الطاولة جرداً بممتلكاته عند استلامه الرئاسة وكانت عبارة عن بيت صغير(4) في أحد أحياء طهران الفقيرة وسيارة بيجو موديل 1977 (5) رغم انه كان يشغل منصب رئيس بلدية طهران، والذي لو أستلمه لص من التجار "الإصلاحيين"، لجعل منه تجارته الكبرى. واشترط نجاد على كل وزير يتعين لديه أن يقدم كشفاً بممتلكاته، وألا يخرج من الوزارة أغنى مما دخلها!

عندما جاء نجاد الى السلطة، كان "الإصلاحيون" رفسنجاني وخاتمي، قد اورثوا ايران نظاماً اقتصاديا شديد الفساد، فواجه الرجل صراعاً مريراً لدحره. فنسمعه يقول: "لقد بذلنا جهدنا من اجل نظام للضريبة يعمل بالحاسبات من اجل تسجيل الدخل لكل مواطن ونحسب الضرائب على أساس ذلك، لكن كلما حاولنا أن نطبق النظام، ترتفع الأيادي معترضة عليه."(6)

كذلك صارع نجاد المصارف وبضمنها الحكومية واتهمها بأنها تقدم قروضاً مشكوك بصحتها إلى بعض الشخصيات المحددة، بينما يعاني المواطنون الإيرانيون العاديون، وأشار إلى أن الحكومة سعت إلى وضع القواعد لمنع التلاعبات المصرفية والفساد، لكن كان هناك اعتراضات وتم إلغاء القواعد.

على إثر ذلك انتفض رجال الدين وتجارهم. وبلا حياء كان لاريجاني يصرخ بمراوغات غريبة: "العدالة لا تتطلب توزيع الأموال.. توزيع الأموال يضر بالعدالة.."!!

أما أية الله محمد رضا مهدوي كاني فدعا صراحة رجال الدين أن "لا يخافوا من رجل واحد". وساند الدكتور حسين تبريزي إلغاء الدعم عن المواد الأولية، دون شرط وقال غاضباً: "يجب أن نتحرك في جميع المجالات نحو لبرلة الاقتصاد. الحكومة الحالية (حكومة نجاد) تتجرأ على القول بأنها لا تؤمن بمبادئ حرية السوق!" (7)

فتخيلوا أي نظام إسلامي يمكن ان يأتي من مجموعة تعتبر عدم الإيمان بمبادئ السوق "كفراً" يجب عدم التجرؤ عليه!

هذه المواجهة الشرسة تبين بوضوح ان إيران ليست واحدة، ومن يحاول ان يتخيلها كذلك سواء كان يراها وحدة واحدة منزهة او ذاك الذي يراها وحدة واحدة شريرة، فهو واهم بلا شك، وليس سوى كسول يمتنع عن التفكير.

أخلاقيات ليبرالية

ويمكننا أيضا ان نشاهد هذا التناقض بأجلى صوره بين ايران التي يشغل رئيسها وقته بزيارة كل قرية في ايران ليبحث أحوال الفقراء ويعود لها ليراجع ما تم تحقيقه من انجاز، وبين ايران التي تزدهر فيها صناعة السيارات الفارهة وغيرها من رفاهيات الأثرياء والتي لا تؤشر الا على زيادة الفوارق الطبقية بشكل شديد، وتشجيع الأثرياء على المزيد من الجشع والسرقة، للحصول على ذلك الترف الإضافي.

ويمكننا أيضا ان نلاحظ ان استخدام النساء في الدعاية لتلك السيارات هو ابعد ما يكون عن مكانة المرأة في مجتمع إسلامي. صحيح أنهن ما زلن يضعن قطعة قماش صغيرة على شعرهن، لكن كل ما عدا ذلك، لا يختلف عن طريقة امتهان المرأة من قبل السوق الرأسمالية.(8)

الاحتجاج

كل هذا لم يكن ليمر بلا احتجاجات، فالرأسمالية أساسها السرقة، ولا بد للمسروق ان يحتج، فكانت التظاهرات. الكاتب الايراني محمد مجيد الأهوازي، يكتب عن تلك المظاهرات ويقول انها انطلقت من مدينة مشهد لأن هناك 160 الف عائلة مشهدية خسرت اموالها في مشروع شانديز السكني الذي وصفه بأنه أكبر عملية نصب واحتيال، تورط فيها مسؤولون في النظام لم تتم محاسبتهم، وخسر أهالي مشهد أموالهم وحلمهم بالحصول على السكن.

إضافة الى ذلك أعلنت أكثر البنوك الايرانية في مدينة مشهد افلاسها وفقد الناس أموالهم.

وقد زاد الأزمة انخفاض المداخيل السياحية وارتفاع الاسعار وازدياد البطالة، فازداد الادمان في المدينة. وكتب ان مدناً أخرى تعاني من ذات المشكلة الاقتصادية.(9)

الاقتصاد مسألة مركزية في تحديد مدى علاقة حكومة اية دولة مع الولايات المتحدة. فهذه الأخيرة قد تتساهل بالكثير من الأمور إن كان الاقتصاد يسير في الطريق الذي تريده اميركا. فبعد خلق الطبقة المستفيدة من تلك العلاقة، فالأمر لن يحتاج عادة إلا لبعض الضغط والتنسيق وبعض الوقت.

اتهامات من الداخل الإيراني

ولسنا وحدنا من استشعر ان هناك اموراً مقلقة في حكومة روحاني. فقد صرح عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس النواب الإيراني، محمد جواد قدوسي، أن كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين ونائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية، عباس عراقجي، يسعى لتحقيق أهداف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

وحسب وكالة «الباسيج» للأنباء التابعة للحرس الثوري، أشار محمد جواد قدوسي إلى أن بعض مواقف الفريق المفاوض النووي الإيراني تتطابق مع أهداف العدو، وأكد أن عباس عراقجي يسعى لتحقيق أهداف واشنطن وتل أبيب، في رده على تصريحات كبير المفاوضين النوويين الإيراني الذي قال «إنه لأجل إلغاء العقوبات المتبقية على إيران يجب إجراء جولة جديدة من المفاوضات مع واشنطن».

واتهم قدوسي بأن عراقجي ينسق مع غرف الفكر في الولايات المتحدة.(10)

وسواء كان هذا الكلام دقيقاً في تفاصيله أم لا، فهو يكشف ان الشق ليس صغيراً.

الخطر حقيقي – السوفييت مثالاً

النقطة الأخيرة التي نود الإشارة اليها هي التساهل العام وعدم الإحساس بالخطر الذي يمثل أصدقاء ايران ومن يثق بثورتها الإسلامية ويعتقد انها حصينة من الضرر، وانها منيعة من مصير الاتحاد السوفيتي لأسباب عقائدية. لكن هذه الثقة ليس لها أساس. فعندما يعرض الاقتصاد لأخطار الليبرالية وحرية السوق فكل شيء ممكن.

في مقالة بعنوان "أصواتٌ من عالمٍ ينهار" (11) ينقل عامر محسن عن المؤرّخ نيال فيرغسون إنّه، حتى سنة 1987، لم يكن أحدٌ من المراقبين يرى الاتحاد السوفياتي في طريق السقوط أو يتخيّل أنه سيتفكّك خلال سنواتٍ قليلة. الانهيار حصل بسرعةٍ مدهشة؛ خلال أقلّ من عامين على إطلاق «البريسترويكا»، كان الاقتصاد السوفياتي مشلولاً وفي حالة انهيار، وماليّة الدولة في عجزٍ هائل، والعملة تخسر من قيمتها كلّ يوم.

لم تكن "المقاطعة والحصار" ولا سباق التسلح الذي فرض عليه حسب الباحث كريس ميلر، ولا كذلك التخفيض الشديد لأسعار النفط الذي تسببت به المملكة العربية السعودية، هي ما اسقط الاتحاد السوفيتي واقتصاده، بل هي إصلاحات غورباتشوف وفشلها الذريع، فخلال أقلّ من عامٍ على إطلاق «الإصلاحات السوقيّة» كانت سلسلة الإنتاج في الاتحاد السوفياتي قد توقّفت، وأغلب المصانع لا تعمل أو لا تجد من يزوّدها بالمواد الأوليّة، والدولة في عجزٍ كبيرٍ وهي تطبع العملة لتغطّيه (انظر ميلر: «الصراع لإنقاذ الاقتصاد السوفياتي: ميخائيل غورباتشوف وانهيار الاتحاد السوفياتي»، منشورات جامعة كارولينا الشمالية، 2016).

ومثلما رقص الشباب الإيراني على وعد المواد الاستهلاكية وبزيادة مساحة الشعر التي ستتمكن الشابات من اظهارها في حكم روحاني "الإصلاحي"، فأن الكثير من الناس، وخاصّة الفئات المثقفة في موسكو ولينينغراد، كانوا فرحين بسياسة الانفتاح السياسي التي انتهجها غورباتشوف، وانتشر الاعلام المؤيد لمبادئ السوق بشكل كبير. لكن الصفوف كانت تزداد طولاً أمام المتاجر، والرفوف فارغة، والإنتاج وصل إلى حدّ الشلل. إنها الحالة الكارثية المعتادة التي تصلها معظم الحكومات التي تتبع خطوات "الإصلاحات الاقتصادية" التي تفرضها المؤسسات المالية العالمية على من تستطيع من حكومات العالم، أو في حالة ان يسيطر على تلك الدولة حكومة تتبع تلك السياسة لمصالحها التجارية، او الاثنين معا.

في الاتحاد السوفيتي، تحولت الازمة بسرعةٍ فائقة، إلى انهيار لإمبراطورية عمّرت أكثر من سبعين سنة، وجُبلت بدماء وتضحيات وعمل الملايين من النّاس. جيلٌ كاملٌ أبيد في الحرب، ولكنه هزم ألمانيا النازية ورفع علمه في برلين، جيلٌ ثانٍ أمضى حياته في العمل والبناء، انهت «البريسترويكا» احلامهم بالوطن الذي عملوا لأجله.

يتبع: ملحق للمقالة حول تأثير ازدواجية السلطة في ايران على العلاقات الإيرانية العراقية وتفسير بعض غرائبها، وكذلك اختلاف خطاب التفاوض والرفض تجاه الولايات المتحدة.

 

صائب خليل

.......................

(1) روحاني – هل يكون غورباتشوف الثورة الإسلامية في ايران؟ 1- الاتفاق النووي السيء

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2513256562064731

(2) إيران التي تمنع نجاد من الترشح لا تستحق الثقة

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=916835&catid=287&Itemid=139

(3) مقالات للكاتب حول احمدي نجاد كتبت بعد انقضاء فترة حكمه.

صائب خليل: اليساري نجاد وداعاً 1- صديق شعبه

http://almothaqaf.com/index.php/qadaya/75833.html

اليساري نجاد وداعاً 2- سياسته الخارجية – لم الشمل الإقليمي

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/533337530056654

اليساري نجاد، وداعاً 3- الحرب النفسية والتشهير

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/534155919974815

(4) بيت احمدي نجاد

https://www.youtube.com/watch?v=CCxWNxg4yCk

(5) Ahmadinejad car peugeot 504 - YouTube

https://www.youtube.com/watch?v=LpSCQsduyRo

(6) Ahmadinejad versus the Technocrats

http://www.aei.org/publication/ahmadinejad-versus-the-technocrats/

(7) Ahmadinejad retreats in clash over Iran’s budget

https://www.wsws.org/en/articles/2010/04/iran-a02.html

(8) Iranians reveal reverse-engineered Lamborghini Murcielago SV - YouTube

https://www.youtube.com/watch?v=_uN1nK50-xA

(9) تغريدات - الكاتب الايراني ك محمد مجيد الأهوازي

https://www.facebook.com/adnan.akif.503/posts/1786985114668668

(10) مسؤول أمني إيراني: ظريف يخدم أهدافا أمريكية

http://www.alquds.co.uk/?p=568349

(11) عامر محسن: أصواتٌ من عالمٍ ينهار

https://www.al-akhbar.com/Opinion/270426/أصوات-من-عالم-ينه

 

علجية عيش (نابليون اعتبر اليهود الورثة الشرعيين لفلسطين ودعا إلى تسليم مملكة القدس لهم)

الجغرافيا الدينية واحدة من العوامل التاريخية التي تشكل رؤية الغرب للإسلام والمسلمين عامة، فالهجرة كانت عاملا قويا في الدفاع عن "السامية" وساهم الإرث التاريخي المعقد والإعلام المتطرف وتصاعد الأزمات الاقتصادية في العالم، في ارتباط دين أو مذهب بمنطقة معينة، إلى درجة أن بعض الأقليات اعتقدت أن احتلالها الأراضي العربية ليس احتلالا، بل هو ملكه الضائع تريد استعادته، فإسرائيل جعلت من القدس عاصمة لها، اعتقادا منها أنها صاحبة الأرض أو الملك، في إطار مشروع تهويد القدس

تمثل إسرائيل اليوم في الجغرافية الدينية جيل اندمج مع المجتمع، بعدما أخذ وقتا طويلا ليتغير، بحكم ما يملكه من مقومات اقتصادية جعلته أكثر قوة، وبدا البحث عن استعادة هويته وإثبات ذاته، حيث تعتبر أرض فلسطين في الجغرافية الدينية الفضاء الذي وجب أن يسكنه اليهود ويقيمون فيه طقوسهم الدينية، ويشكلون فيه مملكتهم المقدسة، حيث عملت الحركة الصهيونية بكل الوسائل التأثير على الدولة العثمانية وإجبارها على تسليم أرض فلسطين لليهود، ونشأ صراع كبير حول مسألة معاداة السامية، وقد وجهت نظرية معاداة السامية نظرتها العدائية والعنصرية، وساهم عنصر "المصاهرة" التي تمت بين اليهود والأوربيين في انتشار اليهود،  ومن المؤكد أن إسم اليهود يدل على مجموعات بشرية يعيش جزء كبير منها حالياً في فلسطين، ويتواجد الجزء الآخر منهم في شتى البلدان والدول الأوروبية، وأما الصهيونية فهي تعود إلى جبل صهيون، الذي يقع جنوب غرب مدينة القدس، وتُعتبر تلك البقعة بالذات أحد أهم المناطق المقدسة عند اليهود، لأنها في اعتقادهم المكان الذي بنى فيه سليمان هيكله ونقل إليها تابوت العهد.

 تجمع العديد من لكتابات أن اليهود كانوا يعيشون نوعا من الإنغلاق فيما يطلق عليه اسم "الغيتو" ضمن أوطانهم في اوروبا، وقاموا بتزوير التوراة وما جاء على لسان ابرهيم عليه السلام حول مسألة الأرض وتوريثها لنسله من بعده،  وكرسوه في كتبهم السوداء حتى الوقت الحاضر،، وبات الحديث عن أرض الميعاد أمرا واقعا بالنسبة ايهود العالم، وتم اختيار فلسطين، لأ نها تقع حسب الإعتقاد الديني بين النيل والفرات، لقد ظهرت أولى دعوات إعادة اليهود إلى أرض فلسطين (ارض الميعاد) عام 1921 على يد محام انجليزي شهير اسمه هنري فينش في مؤلفه (العودة العالمية الكبرى)، وصدرت كتب في  ومؤلفات تدعو إلى عودة اليهود منها كتاب بعنوان: نداء إلى اليهود للدكتور جوزيف بريستلي، وكراسي: خطاب ودي لليهود صدر عام 1787، وكتاب علامات الأزمنة للكاتب والكاهن الإنجليزي جيمس بيشنو عام 1794، وكاتب آخر اسمه ريتشارد برذرز وهو ضابط بحرية بريطاني، أاصدر كتابا يدعو فيه إلى ( تجديد مملكة إسرائيل) وكتب اخرى ذكرها فيليب سيمون ورفائيل ميرجي في كتابه بعنوان ماهير كهانا وغلاة التطرف الأصولي اليهودي.

ومثلما ظهرت دعوات في بريطانيا لعودة اليهود إلى أرض فلسطين، ظهرت دعوات أخرى في فرنسا ايام نابليون، فقد تطلع الفرنسيون لتنزظيغ هذا المشروع لصالحهم من خلال كراس بعنوان: (إعادة تاسيس الدولة اليهودية)، وقد وجه نابليون نفسه نداء إلى يهود العالم في 22 ماي 1799 أثناء حصاره مدينة عكا في حملته على بلاد الشام، يدعوهم إلى الإنضواء تحت لوائه والقتال من أجل إعادة تأسيس مملكة القدس القديمة وتسليمها لليهود الورثة الشرعيين لفلسطين، لليهود بفرنسا وتم تشكيل مجلس أعلى وعقد مؤتمرا لبيهود بفرنسا وتم تشكيل مجلسا أعلى لهم، ثم جاء مشروع تشرشل لتوطين اليهود في فلسطين عندما كان قنصلا لبريطانيا في دمشق وضابط أركان جيش الحلفاء، ووجه نداءً إلى يهود أوروبا عام 1842 يدعوهم فيها إلى استيطان فلسطين، وكان للولايات المتحدة الأمريكية نصيب من هذا الإهتمام، فقد كتب الرئيس ألمريكي جون آدمز لصديقه الكاتب والصحفي اليهودي مردخاي مانويل نوح عام 1881 عبر في رسالته عن أمله في أن يرى اليهود في ارض يهودا مرة أخرى أمّة مستقلة، وظهرت في امريكا حركات تبشر بعودة اليهود إلى بلدهم (المزعوم)  ومنها حركة المورمون  والأوفنست والسبتين، ومارست هذه الحركات كل اساليب الدعاية للترويج بوجود الأمة اليهودية وابدية العداء للسامية والتفرد العرقي، ورفعت شعار أرض إسرائيل لشعب إسرائيل

 و المتتبع لمسيرة اليهود في التاريخ العربي أو الإسلامي يقف على أن اليهود كانوا يعيشون في أريحية، إذ كان الكثير منهم يتولون مناصب عليا في بلاط الخلفاء في العصور الاموية والعباسية وفي الاندلس ثم في عصور الانحطاط وحتى في عصور الفاطميين والمماليك والعثمانيين، واستطاعوا من أن يخلقوا لهم مكانة، حيث ما تزال حارات اليهود في معظم البلاد العربية، فنسمع عن يهود سوريا ويهود مصر والعراق، واليمن، ويهود تونس ويهود الجزائر  والمغرب، ولهم معابدهم ومقابرهم الخاصة، فالقدس تعتبر من أهم مدن العالم ولذا ترى إسرائيل أن فلسطين ( القدس) هي ممكلة اليهود، ولا أحد ينازعهم فيها وتعمل منذ قرون على ترحيل اليهود إلى فلسطين، حسب الأرقام، اليهود اليوم يسيطرون على أكثر من 85 بالمائة من أرض فلسطين، ولذا فهي ترى (أي إسرائيل) أن من حق اليهود ممارسة طقوسهم الدينية في المسجد الأقصى، ويحاول الإسرائيليون اليوم طمس كل ماهو عربي في أرض فلسطين وإلغاء التاريخ العربي والوجود العربي ككل، وإضفاء على فلسطين الطابع اليهودي، حتى تصبح الجغرافية الفلسطينية كلها يهودية، بدليل ان إسرائيل قامت بتغيير اسماء الشوارع والحارات من أسماء عربية إلى اسماء عبرية،  وشيدت جدار الضم والتوسع الصهيوني حول القدس، والذي من بين أهدافه تسريع حركة المستوطنين، وتشجيعهم على السكن في المستوطنات ضمنها، إلى جانب تجسيد فكرة "يهودية الدولة"، وعزل كل من هو عربي مسلم خارج الحدود التي تريد إسرائيل رسمها بعد الانتهاء من بنائه.

 

 جل الدراسات اثبتت أن العلاة بين الجغرافية والدين لها عواقب وخيمة على الممارسات، خاصة لدى الشباب، فالحروب والصراعات عبر التاريخ كان لها بعدا دينيا، تولدت عنها حالات تطرف و أشعلت الحرب بين الجماعات، ثم توسع هذا البعد الديني وأعطيت له صبغة سياسية، أي صراع على السلطة، فارتفعت معاداة السامية والإسلاموفوبيا في أوروبا، والعرب المسلمون اليوم أمام تحديات كبرى للحفاظ على جغرافيتهم الدينية بحكم ما يمتلكونه من عبء تاريخي ثقيل يتصل بالاستعمار والصراع الدائم مع إسرائيل، كما يتحمل الإعلام جزءاً كبيراً من المسؤولية، كونهم فتحوا الباب على مصراعية للهجرات الإسرائيلية باسم التبادل الثقافي، مع ما يشهده التطور التكنولوجي وثورة المعلومات، حيث أضحى الفضاء الإلكتروني بفضل الإنترنت أحد العناصر الأساسية التي تؤثر على الرأي العام، و القیام بعمليات حشد وتعبئة حول العالم، مما مكن اليهود من الإندماج في البيئة العربية.

 

علجية عيش

 

 

محمود محمد عليشكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 م علامة فارقة في الوضع السياسي والجيوستراتيجي في العالم، بوصفها من أهم الحوادث في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، لدرجة أن هناك من وصف الهجوم الذي تعرضت له أمريكا بأنه "الحرب العالمية الثالثة الصغر والقصر"، لأنها لم تستغرق ساعة من الوقت، لكنها كانت الأكثر كثافة من جهة الخسائر والأكثر تأثيراً من جهة التداعيات؛ كما صدرت العديد من المواقف عن محللين ومثقفين من مختلف العالم تراوحت ما بين الإدانة للهجمات، ومواقف أخري تساءلت عن ماهية الأسباب الحقيقية لهذا الحدث العظيم الذي وقع في أمريكا ؟ منها ما قدمه البروفسور الأمريكي "نعوم تشومسكي" Noam Chomsky من تفسير واضح لتلك الأحداث بقوله :" إن هجمات 11 سبتمبر تنطوي بالتأكيد على قطاعات مروعة، لكن يجدر بالأمريكيين أن يدركوا أنها ليست سوي رد فعل على فظاعات لا تقل عنها حجماً ترتكبها السياسة الخارجية الأمريكية منذ نصف القرن الماضي، فقد قامت الولايات المتحدة باللجوء إلى القوة في جميع أنحاء العالم تقريباً... ولا ننسي تدخل الولايات المتحدة في تيمور الشرقية وأمريكا الوسطي وفيتنام، وكم يثير دعمها لإسرائيل موجة استياء في مجمل العالم الإسلامي.

وفي نفس الاتجاه يقول الكاتب الإسرائيلي " أوري أفنيري" Uri Avnery، الذي يكتب بهذا الصدد بصحيفة معاريف 16/9/2001 م بقوله ": لقد أثارت أمريكا غضباً شديداً في أنحاء واسعة من العالم وليس فقط بسبب قوتها، ولكن بسبب الطريقة التي تستخدم فيها القوة في قتل أحلامهم، ويكرهها أعداء العولمة ويتهمونها بالمسؤولية عن الفجوة المتسعة بين الأثرياء والفقر في العالم، ويكرهها ملايين العرب بسبب دعمها للاحتلال الإسرائيلي، وبسبب معاناة الشعب الفلسطيني وتكرهها جماهير المسلمين بسبب دعمها للسيطرة اليهودية على المقدسات الإسلامية في القدس. إن السياسة الأمريكية، هي المسؤولة عن خلق الأرضية الصالحة لتفريغ المتطوعين الممتلئين، بالعداء والحقد والمستعدين للتضحية بكل شئ وأثمن شئ، بما في ذلك النفس البشرية انتقاماً من الأمريكي حفار قبورهم، ومروع أطفالهم، وقاتل أحلامهم .

وفي تحد جرئ يري تشالمرز جونسون Chalmers Johnson بأنه ": سيكون من الخطأ أن  نعتقد في الولايات المتحدة، أننا لا نستحق أي لوم من جراء ما حدث في 11 سبتمبر ".، ويضيف تشالمز " المغتالين الانتحاريين .. لم يهاجموا أمريكا"، كما يصر قادتنا السياسيون ووسائل الإعلام، بل إنهم هاجموا السياسة الخارجية الأمريكية . كان 11 سبتمبر بالنسبة لــ تشالمز، ضربة مرتدة حصدت فيها الولايات المتحدة جوائز سياستها الإمبريالية تجاه العالم الثالث، بما في ذلك دعمها لإرهاب الدول .

وكيف ما كانت الآراء والمواقف والاتجاهات من أحداث 11 سبتمبر رسمية كانت أو شعبية، وحتى ثقافية، إلا أنها أدت إلى بعث نظرية (صراع الحضارات)، على اعتبار أن هذه الأحداث تمثل تجسيداً مادياً حياً، لصراع بين جماعات بشرية مختلفة في العقيدة، والحضارة، والدين، وعليه فقد أصبح النظام الدولي بعد الحادي عشر من سبتمبر، عبارة عن صورة لهم تتربع عليه الولايات المتحدة، لتصبح القطب الوحيد في العالم، حيث بدت السياسة الأمريكية، وكأنها تستهدف إعادة تشكيل العالم، وبدأ الآخرون وكأنهم في حالة استكانة واستسلام، ولكن – في الوقت نفسه – كانت هنالك بوادر مقاومة تنبئ، أن الشكل النهائي لما بعد سبتمبر لم يتحدد بعد .

وهنا يرى" هنري كيسينجر" Henry Kessinger وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أن اتجاهات العلاقات الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر2001م هي:

الاتجاه الأول: مثلت أحداث سبتمبر نقطة تحول في صياغة النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين، حيث إنها أدت بصورة واضحة إلى تعزيز المكانة العالمية للولايات المتحدة، ودفعت القوى المنافسة، مثل أوربا الموحدة، واليابان، وروسيا الاتحادية، والصين، والهند، إلى التعاون بصورة وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهي مسألة لم تكن متوقعة قبل هذه الهجمات، مما أدى لبناء علاقات شراكة بين هذه الأطراف والولايات المتحدة، ويرى كيسنجر أن هذا الوضع أدى للمرة الأولى خلال نصف قرن أن تكون الولايات المتحدة لا تواجه خصماً استراتيجياً، أو أي بلد وحيد أو متحالف، يستطيع أن يصبح منافساً لها للولايات المتحدة، بل إن الدول الكبرى أصبحت ترى أن الخطر الذي يتعرضون له جميعاً لا يأتي عبر الحدود، وإنما من الخلايا الإرهابية المزروعة داخل بلدانهم، أو من النزاعات الإقليمية، مما يعني أن الجغرافيا السياسية قد شكلت اتجاهاً جديداً في العلاقات الدولية، حيث أصبحت محور ارتكاز في السياسات الدولية وسياسة الولايات المتحدة بشكل لم يسبق له مثيل في العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، وبينما كانت السياسة الأمريكية تميل إلى الانفرادية قبل هذه الهجمات، فإن الهجمات أقنعت الجميع بأن الإرهاب أصبح يمثل خطراً داهماً، وأن أياً من هذه القوى لا يملك بمفرده الوسائل الكفيلة بمواجهة هذا التهديد مهما كان الاختلاف كبيراً حول المدبرين الحقيقيين لأحداث 11 سبتمبر2001م، وقد اعتبر البعض هذه الأحداث أولى حروب القرن الجديد.

الاتجاه الثاني: إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات العربية مع الغرب؛ خاصة مع دول أعمدة النظام الإقليمي العربي، رغم أنها قد أيدت الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب وأدانت أحداث سبتمبر، ولكن سيطرة التيار المحافظ المتطرف أيديولوجياً، واللوبي الصهيوني على الإدارة الأمريكية، والتحكم في القضايا الاستراتيجية الأمريكية والسياسة الخارجية، من خلال وزارة الدفاع ومجلس سياسة الدفاع الذي تشكل في أغسطس 2001م، ليقدم تصوراته الاستراتيجية، وتولي التخطيط الاستراتيجي الأمريكي والدولي، وقضايا أسلحة الدمار الشامل، وكل هذه التحركات الأمريكية، أدت لإضعاف دور العرب في هذه الحرب ضد الإرهاب، وذلك لاتهام الولايات المتحدة للأنظمة العربية في سوريا، والعراق، والسودان بدعم الحركات الإرهابية، فقد أفرزت أحداث سبتمبر حالة من الاصطفاف خلف مواقف الولايات المتحدة، باعتبارها القطب الأوحد والأقوى، ومارست الدول الغربية، بالإضافة للولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على الأنظمة السياسية العربية لتفكيك الحركات الإرهابية وحصارها والقضاء عليها .

الاتجاه الثالث: وهذا المسار يعرف بمسار العزلة الأمريكية على الساحة الدولية، إثر انحسار موجة التعاطف العارم معها بعد الحدث، فالتحالف الدولي ضد الإرهاب، أصبح هشاً، ولم يعد بإمكانه تأمين الوقوف الآلي مع الوحش الأمريكي المنفلت من كل قيود وضوابط .

لقد أثرت تلك الأحداث علي جميع المجالات الاجتماعية، والسياسية، والعسـكرية، والاقتصـادية، سـواء داخل الولايات المتحدة، أو خارجها، ولعل أبرز التداعيات، كان حين حشدت الولايات المتحدة القوات العسكرية الكبيرة، لشن حملة عسكرية باستخدام الوسائل العسكرية الكافية، بهدف تدمير معاقل الإرهاب في أفغانستان، حيث تعتقد الولايات المتحدة أن حركة طالبان وتنظيم القاعدة يقفان وراء أحداث التفجير؛ خاصة بعد أن رفضت الحركة تسليم "أسامة بن لادن"، الذي اعتبرته الولايات المتحدة مسؤولاً عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واعتبرته طالبان غير مسؤول لعدم تقديم الأدلة التي تثبت تورطه. وتطورت الأحداث بعد ذلك عندما سحبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة اعترافهما بحكومة طالبان بتاريخ 22 سبتمبر 2001، لتبقي باكستان الدولة الوحيدة التي تعترف بحكومة طالبان، ثم لتبدأ الحملة العسكرية بتاريخ 8 أكتوبر عام 2001 من خلال ضربات جوية مركزة استمرت حتى تاريخ الثامن والعشرين من أكتوبر 2001، ومن ثم الحرب البرية، حيث حققت الحملة أهدافها المعلنة من خلال تدمير قواعد تنظيم القاعدة وعزل طالبان من الحكم، وفي 13 نوفمبر 2001 سقطت العاصمة كابل في يد قوات التحالف، ولم ينته هذا الشهر حتى سقطت مدن أفغانستان من يد حركة طالبان، بعد أن وقع الكثير من عناصرها في الأسر، لتنسحب بعدها إلى الجبال، معلنة أن الهدف من الانسحاب، هو تفادى تكبيد الشعب الأفغاني خسائر كبيرة في أرواح المدنيين، ولتنظيم صفوف قواتها، واستعدادها للمعارك الجديدة مع القوات المحتلة .

لذلك لم يكن غزو أفغانستان مجرد رد فعل تلقائي علي هجمات 11 سبتمبر 2001، لأن التحضيرات وخطط العمليات العسكرية كانت مجهزة من قبل. فالغزو كان سيحدث تحت أي مبرر لأهمية وضع أفغانستان في الجغرافيا السياسية للنفط والغاز الطبيعي لمجمل المنطقة الممتدة من الصين إلي ألمانيا، وهو الحوض الضخم المسمى أوراسيا؛ بمعنى آخر تكمن مقاصد التدخل الأمريكي في أفغانستان في هدف قصير المدى، وهو إسقاط نظام طالبان واستئصال شبكة القاعدة، وهدف آخر بعيد المدى وهو التموقع الاستراتيجي في قلب منطقة آسيا الوسطي .

وهنا ندرس في هذا المقال الأبعاد الحقيقية وراء الغزو الأمريكي لأفغانستان، وكيف استغلت الولايات المتحدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، لتحقيق أهدافها في منطقة آسيا الوسطي، وهى تصر على تواجدها العسكري للقضاء على الإرهاب، والحركات المتطرفة، وتقوم كذلك بتوسيع حلف الأطلسي، ليشمل دول المنطقة، وإيجاد أجواء أمنية، وسياسية، وعسكرية، توفر بيئة مناسبة للسيطرة، ولقد قامت بدعم وجودها في منطقة آسيا الوسطى من خلال تواجدها العسكري بدعوى حماية أمن الطاقة والحفاظ على استثماراتها  ؛ ولن يتحقق هذا الأمر إلا من خلال رصد الأهداف الأمريكية في أفغانستان، في إطار الحملة الأمريكية لمواجهة الإرهاب منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان واحتلاله عام 2001م، وذلك الكشف عن معرفة الأهداف الأمريكية خلال تلك الفترة .

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الغزو الأمريكي على أفغانستان، قد أخذ ثلاثة أبعاد، يمكن توضيحها بشئ من التفصيل على النحو التالي:

البعد الأول: البعد السياسي:

شكلت أفغانستان على مر تاريخها محطة فاصلة في عمليات الصراع بين قوي النفوذ والسيطرة والتسلط في العالم، وقلما عرف بلد من بلدان العالم تلازماً متداخلاً بين الجغرافيا والتاريخ، مثلما عرفته أفغانستان، وهذا ما دفع الرحالة الإيطالي "ماركو بولو" Marco Polo (1254-1324م)، إلى وصف أفغانستان بأنها "سقف العالم". كما وصفها الكاتب المصري الكبير "محمد حسنين هيكل"، قائلاً بأن "أفغانستان بلد معتقل في موقعه، ومعتقل في تاريخه" .

وأفغانستان بلد ذو طبيعة جبلية ويتمتع بموقع استراتيجي مهم وقد تعرض لهجمات العديد من القوي الكبرى على مدي قرون، بدءاً بقوات "الإسكندر المقدوني"، ومروراً بقوات "نادر شاه أفشار" (التركماني) (1698-1747م)،  ثم الإمبراطورية البريطانية العظمي وبعدها الاتحاد السوفيتي، ومنذ القرن التاسع عشر الميلادي فصاعداً، تحول هذا البلد إلى منطقة حائلة بين إمبراطورية بريطانيا العظمى، وإمبراطوريه روسيا القيصرية ومستعمراتهما في آسيا الوسطي وشبه القارة الهندية، وكانت القوي الكبرى تتصارع فيما بينها من أجل الاستيلاء على أفغانستان أو توسيع دائرة نفوذها فيها .

وخلال حرب الخليج الأولى أدركت الولايات المتحدة أهمية مكانة وموقع أفغانستان؛ حيث أدركت أنها تمثل بالنسبة لها معبراً نحو آسيا الوسطي معروفة ولا تخفي على أحد، فهي تربط المنطقة بطريقين بريين- أحدهما يمر من قندهار نحو الجنوب الغربي، والآخر يمر من كابول نحو الشمال، وكلا الطريقين يبدآن من باكستان، وينتهيان بآسيا الوسطي، بعدما يقطعان الأراضي الأفغانية. والولايات المتحدة كانت تريد فتح هذه الطرق وتفعيلها، لكنهم على ما يبدو لا يريدون، أن ينتفع الشعب الأفغاني بالأرباح المالية لعوائد هذه الطرق!، ولذلك كانوا يخططون لإقامة حكومة أفغانية ضعيفة غير قادرة على العمل بشكل مستقل بحيث لا يمكن الاستغناء عنهم .

لذلك عملت واشنطن بالاتفاق مع نظام شاه إيران (قبل الثورة الإسلامية الإيرانية) بالضغط على أفغانستان ورشوتها لإبعاد النفوذ السوفيتي عنها . ففي عهد "محمد داوود خان" (1909-1978م) في السبعينات، حاول شاه إيران بتكليف من واشنطن، إقناع نظام حكم داوود، باستبدال الدعم السوفيتي بمبلغ 2 مليار دولار تدفعها واشنطن لأفغانستان كمساعدات اقتصادية، وحث شاه إيران داوود على الانضمام إلى منظمة التعاون والتطور الإقليمي، التي شكلتها إيران وباكستان وتركيا التي نددت بها أفغانستان، واعتبرتها امتداداً لحلف المعاهدة المركزية (سينتو) Central Treaty Organization- Cento، الذي حاولت واشنطن تأسيسه في الخمسينات (حلف بغداد كان جزءاً منها) لمواجهة موسكو، وفي السبعينات كان "السافاك" The Savac جهاز مخابرات شاه إيران) من الناشطين داخل أفغانستان في رصد الضباط الشيوعيين داخل الجيش والحكم .  وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

حسن الحضريالنظام الحاكم في أي مكان وزمان، ما هو إلا ثلة من جموع الدولة أو الشعب، فلا يمكنه الاستمرار إلا في ظل سياسة تعمُّ أفراد وجماعات ومؤسسات تلك الدولة، وهذه السياسة ربما كانت تطبيقًا لمنهجٍ –على اختلاف طبيعته- وربما كانت قوة غاشمة لا هدف لها إلا فرض السيطرة -على اختلاف درجات نجاحها في ذلك- ومهما اختلفت السياسة فلا بد لها من فكرٍ تعمل من خلاله، وبحسب طبيعة ذلك الفكر، ومدى التزام تلك السياسة بتطبيقه؛ يكون نجاحها أو فشلها.

وفي سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- مواقف كثيرة، يُضرب بها المثل في طريقة والتزام وتطبيق الفكر الصحيح، الذي يعبِّر عن النضج السياسي، ويؤتي ثماره المطلوبة، التي تتمثل في إثبات المصداقية، وفرضِ الهيبة والاحترام؛ ومن ذلك -على سبيل المثال- قصة عبد الله بن أُبي ابن سلول، حين قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؛ فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه» [أخرجه البخاري (4/ 183)]، وقد كان بإمكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يترك عمر –رضي الله عنه- ليقتل ذلك المنافق، لكنه -صلى الله عليه وسلم- يبني أمَّة، فلم يترك مجالًا لسوء الظن مِن قِبَل أعداء الإسلام، فإِعمال الفكر أمرٌ ضروري قبل استخدام القوة وإن أتيحت.

وحين ننظر إلى واقعنا المعاصر، الذي تدهورت فيه أحوال العالم العربي والإسلامي، وضعُفت أنظمته الحاكمة عن النهوض من كبواتها التي طال أمدها؛ نجد الفجوة الواسعة بين سياسات هذه الأنظمة وبين أهل الرأي والحكمة من العلماء والمفكرين، تلك الفجوة التي تنْفذ منها الأفكار الخبيثة، التي تقذف حممها في أوعية أنظمة سياسية وجدت نفسها تدير الأمور دون أن تدرك شيئًا من معنى السياسة، التي جاءت لتمارسها، سواء أكان مجيئها بطريقة مشروعة، أم بأسلوب الغلبة والقهر.

إن الأنظمة السياسية يجب أن تدار من خلال فكرٍ واعٍ، قادرٍ على قراءة الأحداث قراءة صحيحة، ولديه القدرة على استنباط العِبَر من الماضي، والإفادة منها في الحاضر، واستشراف  المستقبل، والإعداد الجيد له؛ وتلك هي الأنظمة القوية، التي تستطيع الحفاظ على إمكاناتها ومقدَّراتها، وقد قصَّ علينا القرآن الكريم قصة بلقيس ملكة اليمن، وذكر لنا حصافتها، في قوله تعالى (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) [النمل: 33- 35]؛ فهي لم تلجأ إلى التعامل من منطلق القوة، رغم توافرها في جيشها؛ لكنها ساست الأمر بفكرٍ واعٍ، كان من نتائجه هدايتها إلى الحق وإسلامها هي وقومها.

والأمر الملاحَظ من خلال الشواهد التاريخية؛ أن أهم عوامل الضعف السياسي تكمن في التخبط الفكري في قراءة الواقع، الذي يؤدي بدوره إلى الفشل الذريع في التعامل معه، وكذلك في استنباط العواقب، وبالتالي عدم القدرة على التعامل معها عند وقوعها؛ ولا يمكن لعوامل القوة الأخرى أن تعالج ذلك الضعف السياسي، إلا إذا كان في مقدمتها قوة الفكر وجدِّيَّته، سواء أكان الأمر يتعلق بالسياسة الداخلية أم بالسياسة الخارجية؛ فربما توافرت لبعض الأنظمة عوامل القوة، لكنها لا تحسن استغلالها، حيث يتربص المنتفعون وذوُو المصالح، الذين يسعون إلى الارتماء في أحضان السلطة، واستغلال مقدَّراتها في تحقيق أهدافهم الخاصة، التي تعود بالضرر على الآخرين، وهم حين يسعون إلى تحقيق ذلك إنما يسعون من خلال فكرٍ خبيثٍ، يقوم على التوجُّه بمقدَّرات دُوَلِهم إلى الطريق الذي يصلون به إلى غاياتهم، فنجد الإمكانات والمقدَّرات متوافرة في تلك الدول، ورغم ذلك تعاني من الجهل والتخلف، الذي يرسم صورة حقيقية لضعف أنظمة الحكم القائمة؛ بينما نجد دولًا أخرى لا تتوافر لديها مقوِّمات التقدم، لكن تسير أنظمة الحكم بها في تيار الفكر الصحيح، الذي يصطنع تلك المقوِّمات اصطناعًا، وما على النظام السياسي القائم إلا تنفيذ تلك الخطط وتطبيقها بصورة صحيحة، تعود بالنفع على مؤسسات الدولة وجماعاتها وأفرادها.

ومما سبق نلاحظ أن علاج الضعف السياسي ليس بالأمر العسير؛ لكنه يتوقف على مدى استعداد الأنظمة السياسية نفسها لتقبُّل ذلك العلاج، الذي يوفره لها العلماء والمفكرون غير الانتفاعيين.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

محمود محمد عليفي هذا المقال الخامس نعود لحديثنا عن التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث نستكمل مناقشتنا للفرضية الثالثة السالفة الذكر؛ حيث نستشهد بما قاله "هشام كمال عبد الحميد" في كتاب له بعنوان "11 سبتمبر صناعة أمريكية الخطوة الأولى نحو تغير خريطة العالم وتنفيذ المشروع الأمريكي للقرن الجديد"، عن بعض الأدلة التي تثبت تورط المخابرات الأمريكية في أحداث 11 سبتمبر، حيث نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:-

1- تعطيل أجهزة الدفاع الجوي لتسهيل مهمة وصول الطائرات المختطفة إلي أهدافها: فقد ثبت أن أجهزة الدفاع الجوي التي تنطلق أتوماتيكيا" علي أى طائرة تخرج عن مسارها لم تنطلق علي هذه الطائرات الأربع المختطفة، وثبت بعد ذلك أن هذه الأجهزة تم تعطيلها عمدا" بأيدي مجهولين، كما أن بعض الطائرات الأربعة ظلت تحلق في سماء الولايات المتحدة، بعد أن خرجت عن مساراتها لمدة ساعة ونصف دون أن تعطي وزارة الدفاع الأمريكية أي أوامر للطائرات الحربية المقاتلة بمطاردتها، أو إجبارها علي الهبوط، أو إسقاطها إذا لم تستجب للأوامر، وكأن وزارة الدفاع الأمريكية لا ترغب في مطاردة وإسقاط هذه الطائرات بل تسهل لها مهمتها للوصول إلي أهدافها .

2- تدريبات عسكرية غريبة ومريبة صباح 11سبتمبر تؤدى إلي حالة من الارتباك والتضليل لأجهزة الرادار والعسكريين: هنا فجر الكاتب هشام كمال مفاجأة من العيار الثقيل عن أسباب عدم انطلاق المقاتلات الحربية لملاحقة الطائرات المختطفة؛ حيث كشف عن الأسباب الحقيقية التي تعمدت الإدارة الأمريكية التعتيم عليها حتي الآن، حيث تسربت معلومات مؤكدة عن تدريبات عسكرية تمت صباح 11سبتمبر 2001 اشتركت فيها القوات الكندية مع القوات الأمريكية وكانت وحدات المراقبة الجوية المدنية والعسكرية علي علم مسبق بهذه المناورات التي تهدف للتصدي لمجموعة من طائرات الركاب المدنية التي سيتم اختطافها من قبل مجموعة من الإرهابيين لضرب مجموعة من المنشآت المدنية والعسكرية، لذا لم يتعامل المراقبون الجويون مع الطائرات المختطفة في الحقيقة والتي خرجت عن مساراتها المحددة لها باستغراب فقد اعتقدوا أن هذه الطائرات جزء من التدريبات العسكرية وبالتالي لم يتخذوا ضدها أي إجراءات وكانت هذه هي الخدعة الكبرى والتي تشير بأصابع الاتهام للإدارة الأمريكية لأن الموضوع لا يمكن اعتباره مجرد صدفة .

3- تعتيم إعلامي علي الأحداث وعرقلة لجهات التحقيق تثير الكثير من الشبهات: من الأمور المثيرة والغريبة التي ألقت بظلال من الشك علي دور المخابرات الأمريكية في التورط في أحداث 11سبتمبر وتسهيل نجاح العملية تعمد الإدارة الأمريكية التعتيم علي الكثير من المعلومات، والأدلة، والمستندات المتعلقة بحقيقة هجمات 11 سبتمبر والفاعلين الحقيقين وعرقلتها لعمل العديد من جهات التحقيق التي تم تشكيلها من الكونجرس الأمريكي،

بالإضافة إلي ممارسة العديد من الضغوط علي المراقبين الجويين ومسئولي شركات الطيران .

4- اصطدام الطائرات بالبرجين ليس سبب انهيارهما: أما أسباب انهيار البرجين فأكد هشام كمال أن اصطدام الطائرتين بهما ليسا السبب في انهيارهما فقد صرح لي " روبيرتسون" المهندس المصمم للبرجين للصحفيين عقب الهجمات لا يصدق ما حدث فقد صمم أبراج مركز التجارة العالمي بطريقة تسمح باصطدام طائرة عملاقة بأي برج دون أن يؤدي ذلك لانهياره لأنه مصمم لمقاومة الأعاصير، والرياح العاتية، والتفجيرات الداخلية، واصطدام الطائرات ببعض أدواره. أما ما قيل في التصريحات الرسمية من أن وقود الطائرات المشتعل، هو السبب في انهيار البرجين، لأنه أدى إلي إذابة الأعمدة الحديدية الصلبة للبرجين، فقد فند بعض الباحثين، هذه المقولة من الناحية العلمية والمنطقية وأثبت أن درجة الحرارة الناتجة من احتراق الينزين المشتعل تصل في أقصي درجاتها إلي 815 درجة مئوية في حين أن الحديد الصلب لا يذوب إلا عند درجة حرارة 1538 درجة مئوية (2800 فهرنهايت)، وبالتالي فلو ظل الحريق مشتعلا" لعدة أيام فلن يؤدى ذلك إلي ذوبان الأعمدة الصلبة للبرجين، هذا بالإضافة إلي انطفاء النيران بعد وقت قصير بدليل خروج سحب كثيفة من الدخان الأسود لعدم وجود أكسجين كاف لاستمرار اشتعال النيران بالطوابق التي حدث بها الاصطدام . أما الأسباب الحقيقية للانهيار فتعود لنسف قواعد البرجين وأماكن أخرى استراتيجية في المبنى بالديناميت وأشعة الليزر بمعرفة المخابرات الأمريكية وهذا ما جعل المبني ينهار عموديا" ولا يتساقط كالشجرة، وهذه هي نفس الطريقة التي يستخدمها الخبراء عند إزالة المباني المحصورة وسط أبنية مزدحمة، وأستشهد في ذلك بآراء مجموعة من الخبراء والفنيين الذين أكدوا هذه الحقائق. أما مبنى البنتاجون فأكد من خلال مجموعة من الصور التي التقطت لمكان الحادث قبل وبعد اصطدام الطائرة المزعومة به أن المبنى لم تصطدم به أي طائرة وتفجير الجزء المنهار منه تم بمتفجرات داخلية أو بضرب المبني بصاروخ أرض جو خاصة أن الجزء المنهار من المبني ليس به أى أثر يدل علي اصطدام طائرة به .

5- دور الموساد في أحداث 11سبتمبر : لم يغفل هشام كمال دور الموساد وتورطها في هذه الأحداث فخصص لذلك الفصل الرابع من الكتاب الذى استدل فيه بمجموعة من الأعمال الإجرامية والإرهابية التي قام بها الموساد ضد المصالح الأمريكية والغربية خلال القرن العشرين لتحقيق مصالحهم ودفع أمريكا لاتخاذ مواقف عدائية ضد الدول العربية والإسلامية، ثم تطرق بعد ذلك لمجموعة الإسرائيليين الذين ألقت السلطات الأمريكية القبض عليهم لصلتهم بالهجمات ثم تم الإفراج عنهم دون إبداء أسباب مقنعة لذلك التصرف الغريب، ثم ألقي الضوء علي علاقة شركات الاتصالات اليهودية الأمريكية بهذه الهجمات وعلمها المسبق بها حيث أرسلت رسائل تحذيرية للعاملين الإسرائيليين بالبرجين تحذرهم من هجمات إرهابية بالأبراج قبل ساعتين من الأحداث، هذا بالإضافة إلي المعلومات التي كانت متوفرة لدى الموساد عن هذه الهجمات قبل حدوثها بعدة شهور.

6- أدلة براءة الخاطفين وحقيقة تنظيم القاعدة : تحت هذا العنوان فند الكاتب هشام كمال بالفصل الخامس كل ما قيل من ادعاءات من الإدارة الأمريكية حول تورط تنظيم القاعدة في تنفيذ هذه الهجمات، وأكد من خلال الوثائق والمعلومات التي عرضها بهذا الفصل عدم قدرة تنظيم القاعدة علي شن مثل هذه العمليات داخل أمريكا وأن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة ليس إلا أداة من أدوات الـ CIA التي ضخمت من قدراتهما لإقناع الرأي العام العالمي بانهم السبب المباشر وراء كل أحداث العنف والإرهاب في العالم وبالتالي يتسنى لها إلصاق هذه التهمة بالمسلمين، كما أماط اللثام عن الاتصالات واللقاءات السرية التي جرت بين أسامة بن لادن ومسئولين من الـ CIA قبل وبعد أحداث 11 سبتمبر وأكد أن بن لادن لم يعترف في أي شريط مما أذيع له بمسئوليته عن هذه الهجمات واكتفي فقط بمباركتها والثناء علي من نفذوها، ولكن الأمريكان كانوا يزيفون ما يقوله ويدعون اعترافه بالمسئولية عنها .

وبالنسبة للخاطفين المزعومين فقد أكد من خلال قوائم المسافرين للطائرات المختطفة والمعلنة من شركات الطيران المالكة لهذه الطائرات خلو هذه القوائم من أسماء الخاطفين الذين كشفت عنهم الإدارة الأمريكية وأيضا" خلو هذه القوائم من أي راكب عربي أو مسلم . كما ثبت بعد ذلك أن مجموعة من الخاطفين الــ 19 منهم من مات قبل الأحداث ومنهم من غادر أمريكا قبل الأحداث بسنوات وعاد إلي وطنه ومنهم من ثبت أنه حي يرزق بعد هذه الأحداث التي يفترض أنه لقي حتفه فيها، وكلها أمور تدل علي زيف وكذب الادعاءات الأمريكية وتلفيقها للتهم دون أي دليل لنفي تورطها بالأحداث وإلصاق الجريمة بالمسلمين بأية وسيلة ..

وهنا  نتساءل: هل كانت أحداث 11 سبتمبر الإرهابية مؤامرة دبرتها الولايات المتحدة الأمريكية لتتخذها ذريعة ومسوغاً لفرض هيمنتها الامبراطورية على العالم ؟!.

والواقع الفعلي يؤكد أن الفاعلين الحقيقيين، من قادة تنظيم القاعدة، قد اعترفوا هم أنفسهم بأنهم وراء هذا الحدث، بل أضافوا إلى الاعتراف الفخر والمباهاة، ومن اقترف ثم اعترف لا يجوز الدفاع عنه بحال من  الأحوال .

ولكن، ورغم اعتراف الفاعل بفعلته، إلا أن هناك العديد من الأدلة والشواهد التى تؤكد وبقوة وجود شبح (مؤامرة) فى الموضوع، حيث يعتقد ثلاثة أرباع العرب والمسلمين على الأقل، أن عمليات 11 سبتمبر الإرهابية سكتت عنها، إن لم تكن ساعدت في التخطيط غير المباشر لها المخابرات المركزية الأمريكية نفسها، على غرار ما حدث في اليابان عندما ضُرب الأسطول الأمريكي في قاعدة "بيرل هاربر" العسكرية الأمريكية فى صبيحة يوم 7/11/1941، ليكون ضربها مبرراً لإعلان أمريكا الحرب على اليابان واستعمال القنبلة الذرية فى هيروشيما.

فقد أتت تفجيرات سبتمبر لتؤدي الدور نفسه بطريقة أو بأخرى فى تبرير غزو الولايات المتحدة للعالم الإسلامي وللخليج العربي عبر بوابة العراق المستباح. ومن ثم القضاء على الانتفاضة الفلسطينية التي باتت تهدد بشكل لا يقبل الجدل، ليس أمن إسرائيل فحسب، وإنما وجودها ومهمتها في المنطقة العربية، وكذلك بالجملة القضاء على هذه الصحوة الإسلامية القومية المتنامية، والتي تمد الانتفاضة على الأقل بالدعم المعنوي البالغ الأهمية .

وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد (إبسيوس1 رايد) لمصلحة صحف مجموعة كنوست الكندية ونشر فى 12/9/2006 أن واحداً من كل خمسة كنديين يعتقدون أن اعتداءات 11 سبتمبر دبرتها مجموعة نافذة من مسئولين أمريكيين بارزين، وأن هذه المجموعة تقوم حالياً بحماية أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة !.

وكان تقرير أحداث 11 سبتمبر، الذي صدر بعد أكثر من ثلاث سنوات من الأحداث موضعاً للتشكيك، بل والاستنتاج بأن ثمة مؤامرة وذرائع لاستخدام الأحداث وافتعالها من أجل حرب لاحتلال دول والسيطرة على العالم وتحقيق مصالح للشركات النفطية والصناعية الكبرى. ويعتقد ديفيد راي جريفين، الذي أصدر كتابا في مناقشة التقرير، أن اللجنة المكلفة بإعداده لم تكن تدير تحقيقاً فعلياً، وثمة أسباب برأيه تدعو إلى مراجعة التقرير وفحص النتائج المستمدة من الدلائل المتوفرة. وقد صرح عدد من أعضاء إدارة بوش علناً بأن هجمات 11/9 قدمت فرصاً عظيمة .

وفى يوم 14 أغسطس 2006 " كتب الأكاديمي والمحلل الأمريكي اللامع بول كروجمان في النيويورك تايمز في معرض انتقاده سياسات إدارة الرئيس جورج بوش الابن: " ندرك اليوم أنه منذ البداية لم تر إدارة بوش ومعها حلفاؤها في الكونجرس أن تهديد الإرهاب معضلة يجب حلها، بل سانحة سياسية يجب استغلالها" (94). وهذا الرأي ليس جديداً، فقد سبق أن ظهر خلال السنوات الفائتة العديد من المقالات وصدر العديد من التعليقات بهذا المعنى عن محللين واستخباراتيين وساسة كبار، منهم الرئيس السابق جيمي كارتر نفسه يوم 25 أكتوبر 2004م. ولكن ما يكتشفه العالم مع مرور كل يوم أنه لو لم تقع أحداث 11 سبتمبر من تلقاء نفسها لوجب تنظيم   وقوعها .

وقبل سنة من 11/9/2001 نشرت وثيقة بعنوان (إعادة بناء دفاعات أمريكا) من قبل منظمة تسمي نفسها مشروع من أجل قرن أميركي جديد PNAC  ويقودها عدد من الشخصيات الرئيسية في إدارة بوش. وتطالب هذه المنظمة بزيادة الإنفاق على الأغراض العسكرية، لأن السلام الأمريكي ينبغي أن يرتكز على أساس آمن هو التفوق العسكري الأمريكي المطلق، ويمكن لهذا التحول أن يحدث بشكل أسرع إذا تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لـ(حدث كارثي محفز – مثل بيرل هاربر جديدة)، وبعد حدوث الحادي عشر من سبتمبر، قال الرئيس بوش وبعض مؤيديه إنها شكلت بيرل هاربر جديدة .

لقد " استثمرت إدارة بوش دماء ضحايا العملية الإرهابية للسمسرة السياسية وخلط الأوراق، بهدف الانطلاق في تنفيذ برنامجها الاستراتيجي المبيّت، لإقامة نظام عالمي جديد بزعامتها يخدم مصالحها الاستراتيجية الاقتصادية ومصالح احتكاراتها عابرة القارات ومتعددة الجنسيات. هذا البرنامج الذي تسعى إدارة الإمبريالية الأمريكية لتجسيده كونياً منذ انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي وأنظمة النمط السوفييتي في أوروبا الشرقية، واحتكار جبروت القطب الأوحد الاقتصادي والعسكري لفرض الهيمنة عالمياً، وخاصة في المناطق الهامة استراتيجياً كمنطقة الشرق الأوسط، وقد جاءت عملية التفجيرات كهدية من السماء لأرباب العدوان في البيت الأبيض للبدء في تنفيذ مخططهم الاستراتيجي، فإذا اتخذ الامبرياليون قبل انهيار الاتحاد السوفييتي من محاربة الشيوعية في بعض المناطق والبلدان ذريعة لتبرير عدوانيتهم باسم الدفاع عن الحرية والديمقراطية، فإنهم بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر اتخذوا من محاربة الإرهاب أو الحرب الكونية ضد الإرهاب ذريعة للبدء بتجسيد الخطة الاستراتيجية الإمبريالية الأمريكية للهيمنة عالمياً .

ويؤكد الكاتب الفلسطيني "ياسر الزعاترة" أن " هجمات 11 سبتمبر قد وفرت لخطاب المحافظين الجدد، أو لنقل برنامجهم المعد مسبقاً فرصة الانطلاق، لكن الأكيد أيضاً هو أن عدم وقوع تلك الهجمات، أو لنقل وقوعها بشكل آخر أقل قوة ودموية لم يكن ليغير في البرنامج المذكور الذي كان قد تبلور كفكرة منذ عام 1997م في سياق ما عرف بمشروع قرن إمبراطوري أمريكي جديد، وقبله رسالة المحافظين الجدد لرئيس الوزراء الإٍسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في العام 1996م .

خلاصة ذلك البرنامج الذي صاغه ليكوديو الصهاينة، بالتعاون مع أصدقائهم من المحافظين الجدد، وتجار السلاح، والنفط، هو ضرورة ضمان سيطرة الولايات المتحدة على العالم خلال القرن الجديد بسطوة القوة العسكرية، على أن يبدأ المشروع من العراق، كمحطة لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، والسيطرة على منابع النفط، وصولاً إلى التمدد نحو آسيا الوسطى وحوض بحر قزوين .

في الأبعاد الكامنة كانت خلفية المشروع، هي القناعة بأن هذا الوضع العربي، القائم على هزاله وضعفه، لا يمكن أن يمرر مشروع التسوية والهيمنة الصهيونية على الشرق الأوسط، وأن مشروع أوسلو لن يحقق المطلوب، مما يعني ضرورة إعادة تشكيل المنطقة وتفتيتها، على نحو يجعلها أكثر قابلية لتمرير المشروع. ونتذكر في هذا السياق ما عرف بدراسة هارفارد الشهيرة التي فضحت عملياً هذا المخطط وتوجيهه من قبل الصهاينة لحساب مصالح الدولة العبرية.

من هنا لم يتردد الرئيس  بوش الابن بعد ساعات قليلة من هجمات 11 سبتمبر في تحديد وجهته السياسية نحو أفغانستان، ومن ثم العراق، حتى قبل أن يجزم أي أحد بهوية من يقف خلف الهجمات. والنتيجة هي أن البرنامج كان معداً في الأصل، بل إن ذلك هو بالضبط ما يبرر الكثير من الشكوك التي ساورت البعض بشأن الهجمات عبر مقولة المستفيد منها، وعبر الحديث عن تواطؤ وربما تساهل في تعقب المشبوهين بتدبير الهجمات رغم توفر معلومات عن نيتهم تدبير عمليات داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي لا يمكن استبعاده على قاعدة أن الأجهزة الأمريكية، ربما اعتقدت بأن هناك عملية تلوح في الأفق، يمكن استثمارها، من دون أن تتخيل أنها ستكون مدوية، كتلك التي ضربت الولايات المتحدة صبيحة 11 سبتمبر" ... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عباس علي مرادأعادت تصريحات النائب آندرو هايستي الذي يشغل منصب رئيس لجنة الأمن والإستخبارات النيابية، والذي ينتمي لحزب الأحرار حول الصين إلى الواجهة مسألة العلاقات الأسترالية مع الولايات المتحدة الأميركية ومع الصين التي وضعت تحت المجهر مجدداً.

يقول هايستي: يجب أن نبق أوفياء لمعتقداتنا الديمقراطية ورؤية العالم كما هو، وليس كما نتمنى، ويجب أن نوازن بين الأمن والتجارة، ويجب علينا في أستراليا، التمسّك بسيادتنا وازدهارنا".

"من المستحيل التخلي عن الولايات المتحدة الأميركية، شريكتنا الأمنية والإستثمارية الأقرب، وفي نفس الوقت أيضاً من المستحيل الإبتعاد عن الصين، شريكتنا التجارية الأكبر".

"إن العقد القادم سيختبر قيمنا الديمقراطية، إقتصادنا، تحالفتنا وأمننا كما لم يحصل في أي وقت مضى من التاريخ الأسترالي".

هذا الكلام موزون، ولكن تصرياحت هايستي والتي نشرها في مقالة بعنوان "يجب أن يكون لدينا رؤيا واضحة حول الصين، الفرص والتحديات" في صحيفة "ذي سدني مورننغ هيرالد" الخميس 8/8/2019 لم تتوقف هنا، بل أنه ذهب بعيداً عندما شبّه الرئيس الصيني زي جينبنك بأنه ستالين العصر الحديث، وحذّر من أن الإسترخاء في أسترليا اليوم يشبه ما حصل في فرنسا عام 1940 عندما كانت الدبابات الألمانية تتجه نحو حدودها. وبهذا الخصوص يقول محرّر الشؤون السياسية في (س م ه) بيتر هرتشر بأن اندرو هايستي يعتقد بأنه يجب على أستراليا أن تكون يقظة للخطر الصيني المقترب بسرعة. فهايستي وان أخطأ فانه يحاول ان يجري مقارنة بين المانيا زمن هتلر والصين في عهد زي جينبنك ولكن من دون التطهير العرقي.

سبقت تصريحات هايستى، تصريحات لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أثناء زيارته لأستراليا الأحد 4/8/2019 حول أولوية العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة على العلاقات التجارية مع الصين، أو مبادلة الأمن بتجارة الصوايا كما قال، وذلك على هامش الاجتماعات الإستشارية الوزارية الدورية بين وزراء الدفاع والخارجية لكل من أستراليا والولايات المتحدة الأميركية  المعروفة AUSMIN.

 تعقد هذه الإجتماعات وبشكل دوري في البلدين منذ عام 1985، وكانت قد أثيرت التكهنات حول ما دار في الإجتماعات التي عقدت في أستراليا في الرابع والخامس من شهر آب الحالي التي تصدرتها التوترات في الخليج العربي، والعلاقات مع الصين، واحتمال أن تكون الولايات المتحدة طلبت من أستراليا نشر صورايخ متوسطة المدى في شمال أستراليا والتى نفتها الحكومة الأسترالية. لكن رئيس الوزراء الأسترالي العمالي الاسبق بول كيتنغ ورغم نفي الحكومة صحة المعلومات قال: يجب على أستراليا أن ترفض أي محاولة من الولايات المتحدة لنشر صواريخ متوسطة المدى في شمال البلاد.

وحسب وكالة (رويترز) - قالت الصين يوم الثلاثاء 6/8/2019 أنها "لن تقف مكتوفة الأيدي" وستتخذ تدابير مضادة إذا نشرت الولايات المتحدة صواريخ متوسطة المدى في منطقة المحيط الهادئ والتي تعتزم القيام بها في غضون أشهر...

أثارت تصريحات هايستي العديد من ردود الفعل من القوى السياسية الأسترالية، سواء كانت مؤيدة أو منددة ومعارضة، وحتى من بعض زملاء هايستي في حزب الأحرار وجناح اليمين الذي ينتمي أليه، وكذلك من السفارة الصينية لدى أستراليا التي شجبت بشدة ما جاء في مقالة هايستي، وحثّت بعض السياسيين الأستراليين على خلع عدساتهم الملونة والنظر بموضوعية وعقلانية لنمو الصين بعيداً عن عقلية الحرب الباردة والإنحياز الإيديولوجي.

رئيس الوزراء سكوت موريسون، الذي لم يتبنَ تحذيرات النائب هايستي، لكنه في نفس الوقت لم يعارضها، قال أنه كنائب من نواب المقاعد الخلفية له كل الحق في التعبير عن وجهة نظره.

رئيس الوزراء الأسبق جان هاورد الأحراري، والذي كان دائم التفاؤل في التعامل مع الصين، يرى أن الصيغة القديمة للتعامل مع الصين قد تغيرت لأن النظام الصيني اليوم أكثر إستبداداً مما كان عليه قبل 10 أعوام.

وزير التجارة الأسترالي سايمون برنغهام والذي عاد قبل أسبوعين من زيارة للصين، وهي الأولى منذ أكثر من سنتين لمسؤول أسترالي بهذا المستوى، بعد ان كانت الصين وجهت رسائل سياسية لأستراليا وتوقفت عن استقبال المسؤولين الاستراليين، برنغهام كان قد بحث مع الزعماء الصينيين تطوير العلاقات التجارية أعطى نصيحة لزملائه في الائتلاف بالتفكير ملياً قبل إطلاق تصريحات علنية بخصوص العلاقات مع الصين.

وزير الداخلية بيتر داتون أيّد بدون تحفظ تصريحات النائب هايستي وقال: لا فائدة من التظاهر بأن كل شيئ على ما يرام، وعلينا أن نكون واقعيين، وأضاف أن هايستي يستحق إحترام جميع أعضاء البرلمان، وكذلك أيد موقف هايستي النائب دايف شرما والذي ينتمي لحزب الأحرار، وكان شرما شغل سابقاً منصب سفير أستراليا لدى أسرائيل.

واعتبر السفير الأميركي لدى أستراليا آرثر كلافهوس أن تصريحات هايستي تلقى الترحيب من إدارة ترامب (س م ه10/8/2019)

وزير المالية ماثيوس كورمن انتقد تصريحات هايستي ووصفها "بالخرقاء" وغير المناسبة بالإشارة إلى التشبيه بالنازية، وكان موقف ملفت لوزير الإدعاء العام الفيدرالي كريستشن بورتر الذي اتهم هايستي "بالإفراط في التبسيط" .

حزب العمال وعلى لسان نائب زعيم الحزب ووزير الدفاع في حكومة الظل ريتشرد مالرز سلّم أن المسالة الصينية مسألة معقدة، خصوصاً في علاقاتها الإقتصادية مع أستراليا، وتموضعها في المنطقة، ورأى انها تشكل تحدياً لنا، ولكنه وصف تصريحات هايستى بأنها استفزازية لاننا لسنا في حالة حرب باردة، والصين ليست الإتحاد السوفياتي.

وقال مالرز يجب أن يكون هناك مقاربة مشتركة من قبل الحكومة والمعارضة، لكيفية التعامل مع صعود وارتقاء الصين، وأضاف أنه من المهم جداً أن تقول أستراليا رأيها وبثقة وتؤكد على مصلحتها الوطنية عندما تختلف عن تلك الصينية.

 وكان للقطاع التجاري الخاص موقف من تصريحات النائب هايستي، عبرعنه مجلس الأعمال الاسترالي الصيني الذي يمثل مؤسسات تجارية وصناعية ومالية وشركات إتصالات وتعدين كبيرة منها شركة الطيران كوانتس، بنك أي أن زد، هاواوي، تلسترا وريو تينتو، فوصفت الرئيسة التنفيذية للمجلس هلن سوكزاك تحذيرات هايستي بأنها "ليست مساعدة" للقطاع الذي يساوي 215 مليار دولار من التبادل التجاري بين البلدين، وأشارت الى ان أستراليا حققت نمو إقتصادي على مدى 28 سنة متواصلة وبدون ركود بسبب علاقاتنا القوية مع الصين، وحذرت من الأضرار التي تخلّفها تصريحات بعض السياسيين وإن كانت لا تعكس وجهة النظر الحكومية، وتعهّدت بمواصلة تطوير العلاقات الإيجابية مع الصين.(س م ه 10/8/2019).

رئيس شركة الإتصالات العملاقة هاواوي جان لورد انتقد النائب هايستي وقال أنه تفاجئ بتصريحاته وعليه كرئيس لجنة برلمانية مهمة أن لا يصدر بيانات كهذه، ويجب عليه أن يتجنب الإنحياز. واعترف لورد أن صعود الصين يلقى الإهتمام عند البعض، مضيفاً اعتقد اننا حُشرنا في الحرب الباردة.

وسلّم لورد أن شركته فقدت الأمل بإعادة النظر بالقرار الذي اتخذته الحكومة الأسترالية برئاسة مالكوم تيرنبول في آب عام 2018، والذي منعت بموجبه شركة هاواوي من المشاركة في بناء شبكة الإتصالات السريعة من الجيل الخامس G5 بسبب المخاوف الأمنية وعلاقة الشركة مع الحكومة الصينية حسب الحكومة الأسترالية، وعلى خلفية التوترات بين البلدين كانت الحكومة الأسترالية وبالأتفاق مع المعارضة قد مررت في البرلمان مشاريع قوانين تتعلّق بالتدخلات الخارجية لوضع حدّ للتاثيرات الخارجية في الإنتخابات الأسترالية، وغيرها من القضايا بتحديد لنسبة التبراعات المالية التي تتلقاها الأحزاب الأسترالية من جهات خارجية والإعلان عنها بعد فضيحة السينتور سام داستياري الذي اضطر قبل سنتين إلى الإستقالة بسبب تلقي تبراعات من جهات صينية.

رئيس جهاز الإستخبارت الأسترالية (آزيو) السابق دينس ريتشردسون الذي كان قد انتقد الصين بسبب تجسسها على أستراليا، وموقفها من الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي بين الصين وجيرانها، حذّر من التصريحات المثيرة للجدل وأشاد بموقف الحكومة ومقاربتها العاقلة والدبلوماسة للعلاقة مع الصين خصوصاً مع وجود بعض المعلقين المصابين بجنون العظمة الذين يطلقون تصريحاتهم بشكل يومي.

ويقول ريتشردسون أن للولايات المتحدة خطابها الخاص مع الصين، والذي يتعلّق بمصالحهم وليس بالضرورة أن ينعكس على مصالحنا، ورفض بشدة مقولة التنازل عن مصالحنا الأستراتيجية الواسعة لأسباب إقتصادية.

إذن، العلاقات الأسترالية الصينية أمام تحديات عديدة منها القديم ومنها الجديد، منها السياسي ومنها الاقتصادي، منها الأستراتيجي ومنها التكتيكي، ولكن يبقى السؤال إلى أي مدى ستستطيع أستراليا المحافظة على الوضع القائم والموازنة بين مصالحها الأستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية والتجارية مع الصين في ظل تصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأميركية والحرب التجارية التي قد تطال شظاياه الإقتصاد الاسترالي كما الإقتصاد العالمي بأجمعه؟!.

يبدو أن المسالة مسألة وقت، وقد لا يكون أمام أستراليا الكثير من الخيارات والمتسع من الوقت لتحدد موقفها، وهذا ما بدأ يظهر في تعديل مواقف مسوؤلين بارزين في الحكومة، حيث وحسب جريدة "الأستراليين" فان وزير الخزينة جوش فرايدنبرغ والذي كان يقارب المسألة من وجهة نظر الحكومة وبدبلوماسية، دعى إلى إلى تبني الموقف الأميركي في المحيط الهادئ، لانه من واجبنا أن نكون أقوياء، في ظل التوتر الأستراتيجي المتزايد بين الولايات المتحدة الأميركية والصين.

وكما يقول المثل: إن غداً لناظره قريب.

 

عباس علي مراد - سدني

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الرابع لحديثنا عن التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث نناقش هنا تلك الفرضية الثالثة القائلة: أن تنظيم القاعدة بالاشتراك مع المخابرات الأمريكية هما من أحدثا هجوم 11 سبتمبر 2001م ،وذلك علي النحو التالي :

وفي اعتقاد أصحاب هذه الفرضية، أن تنظيم القاعدة لا يستطيعون بمفردهم، أن ينفذوا هذه العملية بدون مساعدة أمريكية من الداخل، فمثلاً يذكر الكاتب الفرنسي "تييري ميسان " في كتابه " الخدعة المخيفة – قراءة ثانية لأحداث نيويورك"؛ حيث يطرح هذا الكتاب ثلاثة افتراضات:

الافتراض الأولي: إن الانفجارات التي أدت إلى انهيار مبنى برجي نيويورك وتدمير جزء من مبنى البنتاغون، لم يكن وراءها انتحاريين أجانب، بل من المرجح أن تكون من صنيع عناصر من الحكومة الأمريكية ذاتها، أي أنها دسيسة محلية يرجى بها تغيير وجهات النظر والتعجيل في مجرى الأحداث..

الافتراض الثاني : إن أحداث 11 سبتمبر لا يجب أن تتخذ كحصان طروادة، لتبرير الحرب على أفغانستان، إذ أن هذه الأخيرة تم التحضير لها مسبقاً بعون من البريطانيين. فلقد استند "بوش الابن" إلى مجموعات إنجيلية لشن حرب صليبية على الإسلام، في إطار الاستراتيجية المسماة " صراع الحضارات". أما "الحرب ضد الإرهاب"، فليست أكثر من حيلة يراد بها تقزيم الحريات الفردية في الولايات المتحدة والدول الحليفة مع وضع أسس الأنظمة العسكرية في البلدان هذه.

الا فتراض الثالث: إن أسامة بن لادن ليس سوى صناعة جهاز المخابرات الأمريكية، وهو لم يتوقف قط عن العمل لحساب هذا الجهاز، كما أن عائلتي بوش وأسامة بن لادن تجمعهما علاقات عمل وتعاون في إطار "مجموعة كارليل"، زد على ذلك أن قيادة حكومة البيت الأبيض غدت تحت أيدي زمرة من الصناعيين (الصناعة الحربية، النفطية، الصيدلية...إلخ)، الذين وضعوا مصالحهم الشخصية فوق كل اعتبار. ومن جانبه لم يتوان جهاز المخابرات الأمريكية (C.I.A) في تطوير برنامج تدخل أساسه التعذيب والاغتيالات السياسية.

ومن خلال تلك الفرضيات يطرح المؤلف عددا كبيراً من التساؤلات حول أنصار وأهداف هذه الانفجارات التي زعزعت النظام الجغرافي العالمي حسب العديد من المراقبين.

ومن هذه التساؤلات كيف يمكن لثلاث طائرات كبيرة من طراز البوينج الاصطدام ببنايات عالية، مثل توأم المركز التجاري في نيويورك، ويقع الاصطدام في المنتصف بالضبط؟! وكيف يمكن لها أن تصطدم بمبنى قصير مثل البنتاجون دون أن تظهر صورة للطائرة في الصورة الأولى التي نشرت مباشرة بعد الحادث؟!

ويلقي الكاتب تساؤلات حول تفسير اختفاء " ديك تشيني" نائب الرئيس الأمريكي والرئيس نفسه تحت مبرر حمايتهما من هجوم وشيك؟! ويتساءل الكاتب: هل يمكن للمرء أن يقتنع بأن نظام الرادار العسكري الأمريكي غير قادر على تحديد مكان طائرة بوينج موجودة في منطقة لا تتجاوز مساحتها بضع عشرات من الكيلومترات، وأن طائرة مدنية ضخمة يمكنها أن تخدع مقاتلي إف16، أرسلتا لاقتفاء أثرها ؟! وحتى لو استطاعت أن تتجاوز العقبة الأولى فكيف استطاعت أن تقترب من البنتاجون دون أن يمنعها النظام الأمنى السري الذي يحيط بوزارة الدفاع الأمريكية ؟! .

ويمضي الكاتب الفرنسي في تساؤلاته حول حقيقة اصطدام  طائرة بوينج بمبنى البنتاجون الذي يعتبر أكبر مبنى حكومي في العالم ؛ حيث يعمل فيه 23 ألف شخص ، ويمتد على مساحة 29 فداناً ويرتفع 24 مترا.. ويقول ميسان : إنه لكى يتم إلحاق أضرار بالمبنى يجب الاصطدام به من السطح، وليس من الواجهة كما حدث، ولكن الإرهابيين فضلوا الاصطدام به من الواجهة، فكيف استطاعت طائرة بتلك الضخامة، الطيران على ارتفاع منخفض دون أن تتلف أية منشآت في طريقها ؟! .

ويرجح الكاتب أن يكون انفجار البنتاجون قد وقع من الداخل وليس من الخارج ، ولكن تظل التساؤلات تحوم حول مصير الطائرة 77 التابعة لشركة أمريكان إيرلاينز، التى اختفت بالفعل في هذا اليوم ومصير ركابها؟! .

وحول انهيار برجي مركز التجارة العالمي يستبعد "تييري ميسان" التقارير الرسمية التى صدرت فيما بعد، والتي ترجع سبب الانهيار إلى الحرارة العالية الناجمة عن انفجار الوقود داخل الطائرة، مما أدي إلى إضعاف البنية المعدنية المركزية للمبنى، لقد استبعدت اتحادات المطافئ في نيويورك هذا التفسير، وأصدرت نشرة رسمية قالت فيها: إن البنية الأساسية للمبنى يمكن أن تتحمل حرارة النيران لمدة طويلة ، ولكن رجال المطافئ أكدوا سماع صوت انفجارات من أسفل المبنى ويطالبون بفتح تحقيق مستقل عن الحادث .

ويختتم المؤلف كتابه قائلاً : لقد وجهت الاتهامات إلى الإسلاميين ، وبالأخص إلى تنظيم القاعدة، ونشر مكتب التحقيقات الفيدرالية أسماء عدد من المتهمين السعوديين المفروض أنهم كانوا على الطائرة، ثم اكتشف فيما بعد أنهم أحياء يرزقون في بلادهم..!! .

ويتساءل المؤلف: كيف يمكن تخطيط عملية بكل هذه التعقيدات من كهف في أفغانستان ؟ وكيف يمكن لأسامة بن لادن تمويلها ، بينما كل حساباته مجمدة منذ عام 1998م غداة عملية نيروبي ودار السلام؟

كل هذه التساؤلات لا تقود إلا إلى أن التحقيقات التي تمت استهدفت التعتيم على وجود مسئولية أمريكية – أمريكية، ومن أجل تبرير العملية العسكرية التي ينوي الجهاز العسكري القيام بها في الخارج..!! .

ويشير المؤلف إلى أن هناك رسائل تحذيرية وفورية وجهت إلى المسئولين في إسرائيل وأمريكا من هجوم وشيك على نيويورك قبل ساعتين من وقوعه .. ويؤكد المؤلف أن الخونة موجودون في كل مكتب أجهزة المخابرات وعلى أعلى مستوي في أجهزة الدولة .!!  .

وينتهى المؤلف إلى القول :"  ليس ابن لادن عدواً لأمريكا بل هو عميل لها، (هذا رأي المؤلف) ومن جهة أخرى هو لم يقطع يوماً علاقته بعائلته التي تشكل شريكاً تجارياً أساسياً لعائلة بوش الأب، وذلك من خلال مجموعة كارليل -carlyle group، التي تدير الحسابات المالية لمجموعة "بن لادن" السعودية إذا كان صحيحاً ما يدعي العديد من الرسميين الأمريكيين أن عائلة ابن لادن مازالت على علاقة بأسامة، وأنها لم تكف يوماً عن تمويل نشاطاته السياسية، تكون مجموعة كارليل متورطة في جنح المطلعين لا محالة، ويكون بالتالي جورج بوش الأب أحد المستفيدين السعداء بحركة البورصة في الحادي عشر من سبتمبر، مما سيشكل سبباً قوياً يدفع مكتب التحقيقات الفيدرالي أو مكتب التحقيق الاتحادي (F. B. I)  إلى إقفال الشق المالي للتحقيقات)

نعود في هذا المقال للحديث عن  التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، حيث ذهب بعض الباحثين إلى أن" إيكهارت فرتباخ" الرئيس السابق للمخابرات الألمانية في مقابلة صحفية تمت ، عن رؤيته عما حدث في نيويورك وواشنطن، وتحليله لقدرة مجموعة صغيرة من تنظيم القاعدة التابع لأسامة بن لادن في صناعة هذه الأحداث الضخمة. استبعد أن يقوم بها أي تنظيم، بل في رأيه لا يمكن أن تنفذه إلا دول متقدمة ومتطورة، وقال "إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت تحتاج إلى سنوات من التخطيط وحجمها يبين أنها نتيجة لأعمال تنظمها دول" .

فالاختراق للولايات المتحدة بهذا الحجم الضخم، ليس من السهولة بمكان، وخاصة لتنظيم كتنظيم القاعدة، كما تدعي الولايات المتحدة وأجهزتها الأمنية، أو كما يدعي قادة القاعدة عبر أشرطة فيديو، تبث من قناة الجزيرة القطرية، فتنظيم القاعدة لا يضاهي لا في الشكل ولا في المضمون أجهزتها الأمنية، سواء أكان في الحجم، أو الإمكانات، أو القدرات المادية والتقنية وغيرها، فلا توجد مقارنة ولا بأي نسبة كانت .

إضافة أن الموقع الجغرافي للولايات المتحدة المطوق بالمحيطات، لا يسمح بهذا الاختراق السهل، وهذا الموقع المحصن جغرافياً، أفشل محاولات أعدائها من الدول العظمى في الحربين العالميتين الأولى والثانية من الوصول إلى برها. وطالما تغني الأمريكيون بالأمن من خلال موقعهم الجغرافي، الذي صعب حتى على هتلر اختراقه في الحرب العالمية الثانية، أو حتى الوصول إلى شواطئها، كان ولا زال سوراً أمنياً مانعاً، يحمي الولايات المتحدة من أي هجوم بري محتمل.

كما أن قواعدها العسكرية مزروعة في دول عدة على امتداد المعمورة، لا يسمح بحدوث ما حدث، إلا عبر تقنيات متقدمة جداً، وخدمات لوجستية ومخابراتية هائلة، سواء في داخل الولايات المتحدة وخارجها، حتى يتم تنفيذ عمليات بهذا الحجم الضخم، الذي حدث في الحادي عشر من سبتمبر.

وبما أن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر لا تستطيع القيام به أي دولة من الدول المتقدمة اليوم، والتي تناطح الولايات المتحدة بامتلاكها القدرات العسكرية، والاقتصادية، والمخابراتية، فكيف بـ"بن لادن" وإمكانياته المتواضعة، أمام الولايات المتحدة ومن خلفها الحلف الأطلسي بإمكاناته الهائلة، يقوم بهذا العمل دون غطاء داخلي، وتسهيلات من أجهزة الرصد الاستخباراتي للولايات المتحدة؟ .

وللدلالة على توفر غطاء مخابراتي من قبل أجهزة أمنية أمريكية وغيرها، أو من أجهزة استخباراتية دولية تعمل في الولايات المتحدة عدم استغلال عامل الزمن لمنع مسلسل الأحداث؛ حيث نرى أن فارقاً زمنياً بين الطائرتين اللتان اصطدمتا في مركز التجارة الدولية في نيويورك يزيد على ثلث الساعة، ووجود فترة زمنية ثانية، بين الطائرة الثانية التي صدمت برج مركز التجارة الدولية، وارتطام الطائرة الثالثة بالبنتاجون في واشنطن المحصن تحصيناً بالغاً .

فأين غابت تلك القوة الهائلة من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية المكلفة برصد الخطر عن بلادها عن منع بقية الطائرات من التنفيذ بعد ارتطام الطائرة الأولى بمركز التجارة الدولية؟ وكيف لم تستغل القوات المسلحة والأمنية هذا الوقت في درء الخطر بعد الضربة الجوية الأولى؟ ولماذا ترك هذا الزمن لتنفيذ مخطط الجريمة؟ .

والسؤال الآخر الذي يخطر على البال، أين الصناديق السوداء لتلك الطائرات، التي قامت بضرب مركز التجارة العالمي والبنتاجون؟، فمن المعروف لدى الجميع أن تلك الصناديق لا تتأثر لا بحريق أو ماء بحر أو غيرها. لماذا لم يعلن عن وجودها؟ وما هي المعلومات التي احتوتها أشرطتها.؟ فحتى تاريخ هذا اليوم لم تعلن الولايات عن اكتشاف تلك الصناديق السوداء، بل لم تقل شيئاً!!. فما مصير تلك الصناديق؟ وأين هي الآن؟ ولماذا التكتم عليها من قبل الإدارة الأمريكية؟ .

إن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن، حسب كل الخبراء من عسكريين واستراتيجيين وباحثين في كل أنحاء العالم، يستغرق إعداده عدة سنوات. فكيف لم يكتشف خلال الإعداد له، الذي قدر بعدة سنوات؟ وكيف يكتشف بعد التنفيذ مباشرة وبساعات قليلة؟- حيث اتهمت الإدارة الأمريكية بعد ساعات من الحدث تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، بالهجمات التي أصابت برجي مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع (البنتاجون) .

فالذي يتمكن من معرفة القائم بالعملية خلال ساعات، ويمتلك القدرة الدقيقة في معرفة الفاعل، وبسرعة مذهلة! أليس بالأحرى أن يكتشف عمليات التخطيط له، التي استغرقت سنوات؟.

أليس من الغريب أيضاً أن يطلب وزير الدفاع رامسفيلد من الإدارة العسكرية بعد خمس ساعات من الأحداث، وضع خطة لضرب العراق ، وكأن وزير الدفاع يترقب هذا الحدث، فيسرع بالاستفادة الفورية من نتائجه، فيضع جدولاً لتوظيف الحدث تنظيم القاعدة، وأفغانستان، ومن ثم  العراق!!  .

ولماذا أطلقت على دول معينة العراق، وإيران، وكوريا الشمالية دول محور الشر؟ وهؤلاء ليس لهم أية علاقة بين الحدث لا من قريب أو بعيد، كما نشرت السلطات الأمنية الأمريكية عن مرتكبي الحادث، إلا لنوايا مبيتة ومرسومة مسبقاً، ثم تختار سبع دول أخرى أسماها الرئيس الأمريكي بالدول المارقة وهي (العراق، وسوريا، وإيران، وليبيا، والسودان، وإيران، وكوبا، وكوريا الشمالية) بذريعة أنها تهدد الولايات المتحدة على زعمه، هل جاءت التسمية عبثاً أم لتصفية حسابات من دول نهجت نهجاً وطنياً مستقلاً غير تابع لها؟.

وعقب الحدث شنت وسائل الإعلام الغربية المشبوهة حملة على الإسلام، تتهمه بأنه مستودع يفرخ الإرهابيين، وبأنه يعلم اتباعه كراهية الغرب، وأنه خطر على ديمقراطية الغرب .

ولكن لمعرفة المجرم الحقيقي صانع الحدث، لا بد من العودة إلى بديهيات قانون اكتشاف الجرائم، الذي يقول (لمعرفة الجرائم إبحث عن المستفيد). فمن هو المستفيد من نتائج هذه الأحداث سوى الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني!!.؟ فالإسلام المتهم، لم يستفد منه، بل تمت محاصرته، وأخذت بلدانه على حين غره .

وقد فوجئت به كافة الدول الإسلامية بما فيها حكومة طالبان في أفغانستان، التي يتواجد فيها أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، والمتابع لسير التداعيات العسكرية والسياسية بعد الأحداث، قد شاهد أن الاستغراب والاستنكار لما حدث، كان بادياً على جميع تلك الدول والمؤسسات الروحية والمدنية الإسلامية، لما جرى في نيويورك وواشنطن .

وهذا ينفي التهمة عن الإسلام والمسلمين، وإن كان تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن تورط به، كما تدعي أشرطة قناة الجزيرة القطرية على لسان أسامة بن لادن وكبار تنظيم القاعدة، أو أشرطة بعض المنفذين، وحتى وإن كانت ملفقة، فالتقنيات الحديثة في علم الصوتيات والتصوير قادرة على خلق مثل هذه الأشرطة، فمن المؤكد أنه تم استغلال القاعدة لتنفيذ الحدث، سواء علمت، أو لم تعلم بهذا الاستغلال، وإنها كانت تقوم بهذا الحدث برعاية وتسهيلات ومراقبة أجهزة الأمن الأمريكي والصهيوني .

فالمستفيد هو الولايات المتحدة وفق معادلة قانون الربح والخسارة لدى الرأسماليين والتجار والحركات العنصرية وسياسي الغرب، فبالنسبة للولايات المتحدة الربح أكبر وأعظم من خسارة برجين وقسم من البنتاجون ؛ والمستفيد الرئيسي الثاني من الحدث إسرائيلي، فقد عادت لـه الأحداث بمكاسب كبيرة، سواء بتغطيتها للجرائم الهائلة، التي يرتكبها بحق الشعب العربي الفلسطيني وأرضه، أم في صرف أنظار الرأي العالمي عن هذه الجرائم. كما أتاحت لـه فرصة لصق تهمة الإرهاب بالمقاومة الفلسطينية.

إذن تنظيم القاعدة ليس لديه القدرة علي شن مثل هذه العمليات داخل أمريكا وأن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، ليس إلا أداة من أدوات الـ CIA التي ضخمت من قدراتهما لإقناع الرأي العام العالمي بانهم السبب المباشر وراء الحادث .

وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

ابراهيم أبراشالخصوصية المجتمعية والسياسية الداخلية للنظام السياسي الفلسطيني يجعل من الصعب تحليله انطلاقا من نظريات علم السياسة أو ما هو معمول به في المجتمعات والدول الأخرى، إلا أنه يمكن مقاربة وتحليل المشهد أو الحقل السياسي انطلاقاً من أداء مكوناته السياسية وما تم إنجازه من أهداف تضمنتها المواثيق الأساسية للأحزاب وما وعدت به الشعب .

في ظل المشهد السياسي تبرز منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح كعنوان رسمي وشرعي للكيان السياسي، إلى جانب أحزاب أخرى من خارج المنظمة، وانطلاقاً من الصفة التمثيلية للمنظمة وموقعها القيادي وبالمقارنة بواقع حال غيرها فإننا لا نتردد في الانتصار لها ودعمها، وهذا لا يعني أن المنظمة وحركة فتح منزهتان عن الخطأ أو أنهما عالم الملائكة والآخرون عالم الشياطين، فالتحيز في هذا المجال نسبي وغائي .

لا أحد ينكر أنه خلال المسيرة الطويلة لمنظمة التحرير تم ارتكاب تجاوزات وفشلت مراهنات بما فيها المراهنة على اتفاقية أوسلو وعلى الوسيط الأمريكي، وهو فشل اعترفت به القيادة مؤخراً عندما قرر الرئيس أبو مازن وقف العمل بالاتفاقات الموقعة .إلا أنه في مقابل ذلك حققت منظمة التحرير كثيراً من الانجازات مثل تكريس قضية فلسطين دولياً كقضية شعب يناضل من أجل الحرية ويريد تقرير مصيره السياسي كما فضحت ممارسات إسرائيل العدوانية والإرهابية والخارجة عن الشرعية الدولية وحافظت على الثقافة والهوية الوطنية .

إن انتصارنا لمنظمة التحرير ولحركة فتح ودفاعنا عنهما هو انتصار ودفاع عن الفكرة والمشروع الوطني، وهناك فرق بين الفكرة والمبادئ والمنطلقات التي قامت عليهم وما زالت تجمع أغلب أبناء حركة فتح وفصائل منظمة التحرير من جانب، وما آل إليه حالهما مؤسساتياً وواقعاً راهناً من جانب آخر . ولكن، لأننا لا نتحدث عن فكر فلسفي يستمد معقوليته من اتساقه المنطقي وجدله الداخلي وليس من خلال تطابقه أو انسجامه مع الواقع، كما لا نتحدث عن أيديولوجيا تستمد معقوليتها وأهميتها من قدرتها على التأثير على العقول وليس على الواقع ، بل نتحدث عن فكر ونهج سياسي لحركة تحرر وطني لشعب يرزح تحت الاحتلال، فإن مصداقية وصحة هكذا فكر ونهج يتأتيا من قدرتهما على تغيير الواقع بما يلبي مصالح الشعب .

في منظمة التحرير وحركة فتح كثير من القادة السياسيين تحولوا لفلاسفة ووعاظ يرددون مقولات فكرية وأخلاقية ويجترون الذكريات وهم في أبراجهم العالية، وآخرون تبوءوا مواقع قيادية دون أن تتلوث أقدامهم، ولا أريد أن أقول دمائهم، بتراب الوطن، إلا أن ذلك لا يؤثر كثيرا على النهج العام ولا على صحة الفكرة وعدالة القضية الوطنية، كما أن هؤلاء، العابرين وقادة الصدفة والتوازنات الاجتماعية الداخلية و الحسابات والاشتراطات وحتى الدولية، يعتبرون قلة مقابل الكثرة الوطنية المؤمنة بمنظمة التحرير وبحركة فتح ومشروعهما الوطني وتاريخهما المشرف .

الفكرة والمبادئ والمنطلقات الأولى صحيحة ويجب التمسك بها، سواء تعلق الأمر بحركة فتح كحركة تحرر وطني تعبر عن الهوية والانتماء الوطني أو بمنظمة التحرير كعنوان وإطار جامع للكل الوطني ومعترف بها عربياً ودولياً، ولكن في نفس الوقت ننتقد وبشدة كل انحراف عن هذه المبادئ وكل سلوك لأي شخص أو جماعة وحتى للقيادة إن بالغت في المناورة على الثوابت والمنطلقات الأولى .

واقع منظمة التحرير وعلى رأسها حركة فتح ليس بأفضل حال الآن وستزداد الخشية عليها في حالة غياب الرئيس أبو مازن ,وقد انتقدنا وانتقد آخرون حتى من داخل المنظمة الواقع المترهل للمنظمة والكل طالب بضرورة تطويرها واستنهاضها واستيعابها لكل القوى والأحزاب غير المنضوية فيها، وحتى بدون من هم خارجها عليها أن تعيد ترتيب بيتها، لأنه بدون ذلك ستجد من يثير الشكوك حول صفتها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وكذا الأمر بالنسبة لحركة فتح التي باتت تعيش على قوة الفكرة الوطنية والحنين للماضي وليس على انجازات التنظيم راهناً .

صحيح أن الساحة الفلسطينية لم تنتج حالة سياسية أفضل وأكبر من المنظمة ومن حركة فتح بتاريخها النضالي وبفكرتها الوطنية، ومحاولة حركة حماس تشكيل البديل فشلت فشلاً ذريعاً، إلا أن الحكم بالأفضلية لا يكون من خلال المقارنة مع ما هو أسوأ بل بما يجب أن يكون وبالالتزام بالمنطلقات والأهداف الوطنية، وإن لم يتم تدارك الأمر بسرعة فإن قوة الفكرة ستتآكل بمرور الوقت أو ستجد من يصادرها وهناك محاولات حثيثة في هذا السياق من بعض الأطراف الفلسطينية المدعومة من دول عربية وتجد تجاوبا أمريكيا وإسرائيليا.

غالبية الشعب الفلسطيني أيدت قرارات الرئيس أبو مازن بوقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل كما تؤيد مواقفه الرافضة لصفقة القرن ولمجمل السياسة الأمريكية، حتى وإن كانت هذه المواقف حتى الآن مجرد قرارات، كما تبارك جهوده الدولية الحثيثة للحفاظ على حضور القضية دولياً، ولكن، هل واقع تنظيم حركة فتح وواقع منظمة التحرير مهيئين لاستعادة دورهما الوطني التحرري في الضفة وغزة، إذا ما تم انهيار السلطة وفرض صفقة القرن ؟ أتمنى ذلك وإن كنت أشك في ذلك .

وأخيراً نقول للجميع لا تخذلوا الرئيس أبو مازن في مواقفه الوطنية كما خذل البعض الرئيس أبو عمار، ودعم مواقف الرئيس الوطنية - التي يجب أن تتحول إلى أفعال تصب في خدمة المصلحة العامة للشعب - لا يكون بشعارات المداهنة والنفاق بل بممارسات نضالية فعلية على الأرض، وقد رأينا وجربنا كيف أن كثيراً من قرارات الرئيس الصائبة يتم إفشالها أو تفسيرها على غير مقاصدها من طرف البعض في النخبة المحيطة بالرئيس أو من قيادات في تنظيم فتح ومن كل المستفيدين ببقاء الأمور على حالها .

 

إبراهيم أبراش

 

 

محمود محمد علينعود لحديثنا عن التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث نناقش هنا تلك الفرضيات التي أشرنا لها في المقال الأول وذلك على النحو التالي :

أولاً- الفرضية الأولي: فريق المحافظين الجدد وراء حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001م:

حسب هذه الفرضية يقف المحافظون الجدد في البيت الأبيض الأمريكي، وراء حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001م، لخلق المبررات اللازمة لشن الحرب، والقيام بمهاجمة الدول الأخرى. ففي مقال للبروفيسور"جيمس فيتزر" James H. Fetzer (عمل في قوات المارينز الامريكية ) في مجلة Veterans Today  في 1 مايو 2015، بعنوان "الكشف عن 11 سبتمبر : سلسلة من المؤامرات داخل المؤامرات، جاء فيه":" …الحقائق تدل علي أن الفاعل هم المحافظون الجدد في وزارة الدفاع وحلفاؤهم من الموساد” .

كما يري أصحاب هذه الفرضية أنه لكشف حقيقة الجهة التي تقف وراء الحادثة، لا بد من أن نعرف الجهة التي تستفيد من هذه الحادثة، ففي كل الأحوال من الصعوبة بمكان القول، إن القاعدة تعتبر المسبب الأصلي للحادثة ، فالضحية الأساسية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، كانت حركة طالبان وتنظيم القاعدة، حيث لا يمكنهم بأي وجه تبرير قتل المدنيين أمام الرأي العام .

وفي إطار إثبات هذه الادعاءات يأتي كتاب (11 من سبتمبر.. الاكذوبة الكبرى) للكاتب "محمد صفي الدين" الذي يحاول إبراز تلك الألغاز، وإلقاء الضوء على الوقائع التي تفند الادعاءات الامريكية؛ حيث يتناول الكاتب في الباب الأول هذه الألغاز، كما يلي:

1ـ اللغز الأول: اعلنت الإدارة الأمريكية عن قائمة تضم أسماء مختطفي الطائرات الأربع، وهم 19 عربياً أغلبهم من السعوديين والإماراتيين يقودهم مصري. ولكن بعد ذلك أكدت العديد من العواصم العربية على وجود عدد من المشتبه فيهم على قيد الحياة، كما أن عدداً آخر توفى قبل وقوع أحداث 11 من سبتمبر بفترة. كذلك لم ترسل الحكومة الأمريكية إلى الحكومة السعودية ما يؤكد تورط أي سعودي في تلك الأحداث، إضافة إلى عدم وجود أي اسم من أسماء المشتبه فيهم، ضمن قوائم ركاب الطائرات الأربع المختطفة.

2ـ اللغز الثاني: يتعلق بعدد من النقاط هي:

أ- كيفية اختراق المختطفين المطارات الأمريكية في توقيت واحد، وهم يحملون الأسلحة التي سيطروا بها على الطائرات.

ب- المهارة الفائقة التي ظهر بها قائدو الطائرات المختطفة، رغم إعلان الإدارة الأمريكية أنهم تلقوا تدريبات في مدرسة مبتدئين لتعليم قيادة الطائرات.

جـ-  كيفية حصول المختطفين على شفرة الاتصال الرئاسية وإرسال رسالة تهديد للرئيس الأمريكي، كما أعلنت الإدارة الأمريكية، وكذلك كيفية علمهم بتحركات الرئيس، وهم في الجو رغم انقطاع الاتصالات عنهم.

د- أسباب عدم قيام الرئيس بوش بقطع زيارته لإحدى المدارس الابتدائية لمواجهة الموقف رغم معرفته به منذ خروج الطائرات عن مساراتها المعتادة، واستمراره في المدرسة لمدة 25 دقيقة بعد وقوع الأحداث دون اتخاذ أي رد فعل.

3- اللغز الثالث: يرتبط بأسباب عدم قيام سلاح الجو الامريكي أو سلاح الدفاع الجوي بمواجهة الطائرات المختطفة، رغم مرور وقت طويل على خروجها عن مسارها المعتاد وصل إلى حوالي ساعة .

4- اللغز الرابع: أسباب عدم قيام المقاتلات الاعتراضية الأمريكية في قاعدة أندروز الجوية باعتراض الطائرات المختطفة، خاصة أن القاعدة تعتبر أكبر قاعدة جوية أمريكية على الساحل الشرقي، كما أن بها سربين من المقاتلات الاعتراضية مخصصين للدفاع عن العاصمة الأمريكية، إضافة إلى أنها مقر طائرة الرئيس الامريكي  .

كذلك هناك لغز آخر يتعلق بالقاعدة، حيث إن موقع القاعدة كان يذكر طوال يوم 11 من سبتمبر أنه مقر لسربين من الطائرات الاعتراضية، ولكن بدءاً من يوم 12 من سبتمبر تغيرت معلومات الموقع واكتفى بذكر أن القاعدة مجرد مقر لأسراب النقل الجوي فقط .

5- اللغز الخامس: يتعرض لأسباب قيام السلطات الأمريكية بالتحفظ على الشرائط التي صورت الطائرة التي اصطدمت بمبنى البنتاجون وعدم السماح بإذاعتها، بل وعدم الاعلان عن وجودها أساساً، كذلك نفي الإدارة الأمريكية وجود طائرة أخرى كانت تطير بالقرب من الطائرة التي ضربت البنتاجون رغم تأكيد عدد من شهود العيان رؤيتهم لها، ثم رجوع الإدارة الأمريكية وإعلانها عن وجود هذه الطائرات والتأكيد على أنها قامت بمهمة مراقبة الطائرات التي ضربت البنتاجون، بناء على طلب برج المراقبة الجوية، وهو ما يعني أن برج المراقبة كان على علم بكل ما يحدث .

6- اللغز السادس: يرتبط بأسباب عدم استخدام أمريكا لتكنولوجيا السيطرة عن بعد في السيطرة على الطائرات المختطفة، خاصة أن العديد من المسئولين الدوليين الموثوق بهم أكدوا على وجود مشروع سري أمريكي لمواجهة اختطاف الطائرات يقوم على وجود محطات سيطرة أرضية متخصصة تستطيع الاستماع إلى محادثات طاقم القيادة داخل كابينة قيادة الطائرة وقيادتها عن بعد بغض النظر عن إرادة طاقم الطيران أو المختطفين .

7- اللغز السابع: يتعلق بأسباب انتظار الحكومة الأمريكية ستة أشهر كاملة بعد أحداث سبتمبر لإذاعة شريط فيديو عن حادث البنتاجون لا توجد به أية صورة تشير إلى الطائرة التي اصطدمت بالبنتاجون، أو أي شيء   يشبهها .

8- اللغز الثامن: يرتبط بحقيقة الهجوم على مبنى البنتاجون، حيث يمكن الإشارة إلى عدد من النقاط هي:

أ- إن الصور التي ظهرت للجزء الذي تعرض للحادث من مبنى البنتاجون تشير إلى أن الصف الخارجي لأحد المباني هو فقط الذي تعرض للإصابة، وهذا يتناقض مع ما يمكن أن يحدثه اصطدام طائرة بوينج 757 تزن أكثر من 100 طن وسرعتها لحظة الهجوم نحو 425 كم/ ساعة (27).

ب- إن الطائرة دمرت فقط الدور الأرضي من المبنى، بينما ظلت الأدوار الأربعة العليا على حالتها، رغم أن الطائرة يبلغ ارتفاعها نحو 14 متراً وطولها نحو 47.5 متر وارتفاع كابينة قيادتها نحو 3.5 متر.

جـ- بعض الصور أظهرت أن الحشائش في مكان الحادث ظلت سليمة دون وقوع أضرار أو حروق، فكيف يمكن تفسير ذلك؟!

إن عرض الجزء المنهار حوالي 24 متراً، ومع ذلك أعلنت الإدارة الأمريكية أن جناحي الطائرة اللذين يبلغ طولهما 47 متراً قد استقرا داخل هذا الجزء المنهار.

9- اللغز التاسع: الانهيار الكامل لبرجي ومركز التجارة العالمي لم يكن ممكن الحدوث دون وجود متفجرات كانت مزروعة داخل المبنى، والدليل على ذلك يكمن في أن الصور التي التقطت للطائرة الثانية التي اصطدمت بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، أظهرت أنه لا يوجد أي دخان على الإطلاق يتصاعد من البرج في مستوى اقتراب الطائرة أو أدنى منه. ولكن قبل حدوث الاصطدام مباشرة ظهر دخان يرتفع على بعد عدة طوابق أسفل مستوى  الطائرة .

10- اللغز العاشر: تلقى موظفون من العاملين بالمقر الرئيسي لشركة أوديجو لخدمات البريد الالكتروني، وهي شركة أمريكية إسرائيلية، في الساعة السادسة من صباح يوم 11 من سبتمبر 2001، رسالتين تذكران أن هجوماً على برجي مركز التجارة العالمي سيقع بعد قليل، وقد اتصلت إدارة الشركة على الفور بالأجهزة الأمنية الأمريكية والإسرائيلية لإبلاغهما .

11- اللغز الحادي عشر: التعاملات المريبة التي أجريت في البورصات الأمريكية والأوربية في الأيام القليلة السابقة على 11 من سبتمبر، والتي تركزت كلها في عمليات بيع كبيرة وغير عادية لأسهم شركتي الخطوط الجوية يونايتد وأمريكان (صاحبتي الطائرات الاربع المنكوبة) .

12- اللغز الثاني عشر: تأثير احتراق وقود الطائرتين اللتين ضربتا برجي مركز التجارة على انهيارهما، حيث يمكن الاشارة للآتي:

أ- أن البرج الشمالي ظل لمدة 103 دقائق بعد اصطدام الطائرة به قبل أن ينهار على عكس البرج الجنوبي الذي سقط بعد 47 دقيقة فقط من الاصطدام، وذلك رغم أن البرجين تعرضا لنفس درجة الحرارة، لأنها نتجت عن اشتعال نفس نوع الوقود في الطائرتين وبكميات متساوية تقريباً، وكذلك رغم أن الطائرة الأولى اصطدمت بمنتصف واجهة البرج الشمالي وغاصت بكاملها داخله، بينما اصطدمت الطائرة الثانية قرب الركن الجنوبي للبرج، أي أن هناك فارقاً بين التصادمين تبدي أهميته في أن وقود الطائرة الثانية قد تطايرت كمية كبيرة منه خارج المبنى الجنوبي، وبالتالي فحجم الوقود الذي اشتعل داخل هذا البرج كان أقل حجماً وكمية من نظيره الذي اشتعل بالبرج الشمالي .

ب- أن وقود الطائرة يغلي عند 176 درجة مئوية ويشتعل عند 250 درجة مئوية ليعطي حرارة تصل حتى 815 درجة مئوية، وذلك يعني أن اشتعال وقود الطائرتين لا يمكن أن يؤدي إلى صهر الحديد الصلب المستخدم في البرجين، حيث يحتاج صهر هذا الحديد إلى درجة حرارة تبلغ 1538 درجة مئوية، وبالتالي فإن اشتعال وقود الطائرتين غير مسئول عن انهيار  البرجين .

جـ - أن سقوط كلا البرجين كان متماثلاً وبشكل رأسي منضبط، يعني أن الانهيار بدأ في المرتين بشكل متماثل في جميع أجزاء السقف الذي انهار أولاً وسبب الانهيار المتتالي للأسقف الواقعة تحته، وهو ما يعني أن جميع الأعمدة الصلبة الحاملة لهذا السقف، قد تم تسخينها في وقت واحد، وبشكل منتظم حتى حصلت كل نقطة فيها على نفس كمية الحرارة الكافية لانصهارها، فانصهر الصلب فيها جميعاً وفي وقت واحد وبكيفية  متماثلة .

د- أن انهيار المناور الخرسانية في البرجين تم بنفس طريقة انهيار المبنى وفي نفس التوقيت، وذلك رغم أن تأثير الحرارة على الخرسانة المسلحة يختلف عن تأثيرها على الصلب، وهو ما يعني أن هذه المناور كان من المفترض ألا تسقط أو على الأقل كانت ستنهار بشكل مختلف أو في توقيت مختلف

13- اللغز الثالث عشر: يتعلق بقصد أحد الضباط الأمريكيين الذي كان في مهمة مخابراتية في موسكو عام 2000 للحصول على وثائق، خاصة بالإجراءات الرسمية المضادة للبرنامج الأمريكي المضاد للصواريخ، حيث وجد ضمن هذه الوثائق وثيقة تتحدث عن هجمات إرهابية وشيكة داخل الولايات المتحدة ضد برجي مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون. وعندما تم القبض على هذا الضابط في كندا بتهمة الاحتيال، أعلن عن وجود هذه الوثيقة، إلا أن الحكومة الأمريكية رفضت هذه الرواية .

14- اللغز الرابع عشر: يتعلق بقصة موت (جو أونيل) النائب السابق لرئيس جهاز الـ FBI الأمريكي أثناء انهيار البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي، حيث كان المسئول الأول عن مطاردة أسامة بن لادن منذ عام 1993، إلا أنه استقال من منصبه قبل أحداث 11 من سبتمبر بأسبوعين، بسبب اعتقاده أن إدارة الرئيس بوش تتعمد إعاقة تحرياته ضد الإرهاب، بل إنه اتهمها بأنها أعاقت مبادرة طالبان لتسليم بن لادن للإدارة الأمريكية مقابل حصولها على معونات سياسية واقتصادية. وقد أعلن اونيل هذه الاتهامات، مما أدى إلى تحوله إلى مصدر خطر يهدد الإدارة الأمريكية ويجب التخلص منه .

وبالتالي فإن حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001م كان حادثاً مخططاً له من قبل المحافظين الجدد، الذين أخذوا العزم على إسقاط نظام صدام حسين عقب أزمة حرب الخليج الثانية ، وذلك لاحتلال العراق، وهذا لا يتم إلا بإثبات أن نظام صدام حسين يأوي تنظيم القاعدة، وأنه المحرض على تنفيذ جميع العمليات الإرهابية التي تحدث في العالم من خلال إيوائه لهذا التنظيم، علاوة على أن نظام صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل تهدد الإنسانية، وبالتالي فصدام حسين ونظامه غير مأموني الجانب، لهذا اختلقت إدارة بوش الابن حادث 11 سبتمبر، وذلك حين استفزت تنظيم القاعدة بالضربات المتوالية عليهم وزاد هذا الاستفزاز أكثر وأكثر، حين سمح  العاهل السعودي الملك "فهد بن عبد العزيز" للقوات الأمريكية والقوات الحليفة بالانتشار على الأراضي السعودية، وهو ما أثار غضب بن لادن، لأنه كان يؤمن أن وجود القوات الأجنبية في "أرض الحرمين" يعتبر انتهاكاً للأراضي المقدسة. وبعد أن انتقد علناً الحكومة السعودية لإيوائها الجنود الأمريكيين، نفي إلى السودان. وسحبت منه الجنسية السعودية في 9 أبريل 1994، وتبرأت منه عائلته. وهنا أخذت القاعدة التحضير والتنفيذ لحادث الحادي عشر من سبتمبر 2001م.   وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليبعد انهيار وتفكّك الاتحاد السوفيتي، وإثر حرب الخليج الأولى، انتهى النظام العالمي "القديم" متعدّد الأقطاب، ليحلّ محلّه نظام اصطلح على تسميته بالنّظام العالمي الجديد، وساد رأي بالإدارة الأمريكية؛ وخاصة لدى صنّاع القرار مفاده أنّ الولايات المتّحدة حققت قيادتها المطلقة للعالم، لأنّها استطاعت أن تمسك باللّحظة التاريخية الفريدة التي توفّرت لها". وعليها منذ الآن أن تستعمل كلّ إمكاناتها المادّية والمعنوية للحفاظ على هذا المكسب، وأن تؤسّس له للاستئثار بريادة العالم وزعامته، وإعادة صياغته وتشكيله من جديد، وفق المصالح القومية الأمريكية .

ولقد كانت حرب الخليج الثانية، انطلاقة جديدة للسياسة الأمريكية في قيادة العالم ؛ لقد بينت تلك الحرب أن الولايات المتحدة لن تختفي من المسرح الدولي، وأنها راغبة في القيام بدور عالمي، فالدور القيادي لواشنطن اتضح في نمط معالجتها لتلك الأزمة، وهو عبارة عن كشف لهيئة النظام العالمي الجديد، فكان السلوك الأمريكي القيادي يعمل بثبات داخل دوائر الأمم المتحدة. استجابت القرارات الدولية للتحركات الأمريكية وبموافقة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن على الدور الأمريكي الجديد، وهذا ما عرف فيما بعد بنظام الأمم الإجماع بقيادة الولايات المتحدة  الأمريكية .

كانت حرب الخليج الثانية نقطة تحول جذري في النظام الدولي، حيث تأكدت مقدرة الولايات المتحدة الأمريكية في سيطرتها العالمية بعد عملية عاصفة الصحراء التي أخرجت العراق من الكويت، ومنحت واشطن الوسيلة لصياغة ما يعرف بالنظام العالمي الجديد، بالاعتماد على تفوقها العسكري، والتمهيد لتقديم منطق القوة، وإرساء أرضية الغلبة للأقوياء ولا مجال للحوار ولا دور للقانون، وأحدث ذلك خللاً في النظام الدولي المتمثل في هيئة الأمم المتحدة، ففي الثالث والعشرين من أغسطس، أي بعد ثلاثة أسابيع من اجتياح العراق للكويت، استخدم الجنرال (المتقاعد) "برنت سكوكروفت Brent Scowcroft مستشار الأمن القومى في عهد جورج بوش الأب الرئيس الأمريكي السابق، مصطلح النظام العالمي الجديد للمرة الأولى، حيث خاطب الصحفيين قائلا : " إننا نؤمن بأننا سنقيم أركان النظام العالمي الجديد على أنقاض العداء الأمريكي – السوفيتى، الذي كان قائماً .أما رئيسه بوش الأب، فقد خاطب الكونجرس الأمريكي بعد ذلك بعدة أسابيع في 11 سبتمبر 1990م قائلاً :" لقد بدأت شركات جديدة بين الدول ... إن الأزمة القائمة في الخليج الفارسي على خطورتها ودمويتها، (حرب الخليج الثانية) تمنحنا فرصة نادرة ... ومن خضم هذه الأوقات العصبية ... قد يولد نظام عالمي جديد.

وجدت الولايات المتحدة في غزو العراق للكويت سبباً للدفع بقواتها العسكرية لدخول المنطقة، ومن الجائز أن تكون هذه فرصة تحينتها واشنطن كثيراً، فمنذ أكثر من سنتين (قبيل غزو الكويت)، كانت القوات العراقية تجري مناورات عسكرية استعداداً لاحتلال القوات العراقية الكويت، حتى سارعت القوات الأمريكية بالدخول إلى السعودية، والانتشار في منطقة الخليج العربي، فالهدف الأول ليس حماية شعوب المنطقة، بل الوصول إلى منابع النفط فيها، أو ربما التوسع في المنطقة وما يحيط بها

وبصورة أو بأخري لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دوراً رئيسياً في تصعيد النزاع العراقي الكويتي وتوجيهه لمصالحها، فهى بذلك تخلق مبرراً للتدخل العسكري من أجل حماية تدفق نفط الخليج العربي، كما إنها كانت تبدي عدم اهتمامها للتهديدات العراقية للكويت، وإنها لا تنوي القيام بأي هجوم على العراق، فكانت المواقف السياسية، والتصريحات الرسمية الأمريكية، خالية من أي تحذير قد يمنع الحكومة العراقية من القيام بعمل عسكري ضد الكويت، فظن العراق بأن الولايات المتحدة لا تمانع من غزو العراق للكويت، وهكذا لعبت الولايات المتحدة دوراً مزدوجاً في بدايات حرب الخليج الثانية، فمن جهة حثت الولايات المتحدة الكويت على رفض المطالب العراقية، ومن جهة أخري شجعت العراق بصورة ما على مهاجمة الكويت.

كانت هناك الكثير من الشكوك تدور حول الدور الأمريكي في الإيقاع بالعراق في حرب الخليج الثانية، حيث تم الإيحاء للعراق بأنه رابع قوة في العالم، وهو جدير بلعب دور قيادي في المنطقة، فقد أبدت جلاسبي السفير الأمريكية في بغداد، عام 1990م في عدم اعتراضها على رغبة العراق في ضم الكويت، لأن ذلك يعتبر شأن عربي داخلي، كما أنه لا توجد أي معاهدة دفاع مشترك بين الكويت والولايات المتحدة، إلا أن الولايات المتحدة قامت بحشد أكثر من 32 دولة ضد العراق بعد غزوه للكويت في أغسطس عام 1990م.

وبعد حرب تحرير الكويت ازدادت حدة التوتر والكراهية من قبل الكثير من العرب والمسلمين للولايات المتحدة الأمريكية، وأضحت صورة القوات الغربية في نظر عامة العرب والمسلمين مرفوضة، لأنها دمرت العراق، وازدادت معها معاناة عامة العراقيين تحت عقوبات الأمم المتحدة، إضافة إلى ذلك، استمرار تواجد الولايات المتحدة في الخليج أثار مشاعر مسلمي العالم، وولد الكراهية للغرب على مستوي كافة الخلفيات الإسلامية .

لكن تياراً جديداً للناشطين الإسلاميين، حول هذه الكراهية إلى تهديد أمنى كبير واجهته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبدأت معها الجماعات الإسلامية العربية وغيرها في أفغانستان، تعود إلى أوطانها في السعودية، ومصر، والأردن، وفلسطين، وكذلك إلى باكستان، والفلبين، وأماكن أخري؛ لتقود عملياتها في صورة ميلشيات إسلامية مسلحة، وقد ارتبطت بها مجموعة من الشبان في صورة شبكة محكمة لنشر العنف حول العالم .

ففي السابع من أغسطس 1998م حدث تفجير سفارات الولايات المتحدة في كل من دار السلام (تنزانيا)، ونيروبي (كينيا)؛ في وقت واحد، وذلك بالتزامن مع الذكرى السنوية الثامنة لقدوم القوات الأمريكية للمملكة العربية السعودية، وأسفروا عن مقتل 213 شخص في نيروبي ؛ بالإضافة إلى أحد عشر شخصاً في دار السلام كانت غالبيتهم من الكينيين.

ومنذ ذلك الوقت مالت الجماعات والمنظمات الإسلامية الموالية للقاعدة، إلى التمسك بالعنف، مبدأً للتعبير عن أهدافها بدلاً من لغة الحوار، فقد أطلق تنظيم القاعدة الإرهابي الذي تأسس عام 1988م شعاره في عبارة واحدة كتبت على لافتة منمقة: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، وقبل هذا النموذج الغالي في التطرف، أعلن "حزب الله" اللبناني شعاره في كلمة واحدة هي "المقاومة". وعندئذ شعرت الولايات المتحدة بالقلق، والخوف على مصالحها في الشرق الأوسط؛ خاصة وجود إسرائيل وتدفق النفط. كما شعرت أيضاً الولايات المتحدة، بأن التيارات والجماعات الإسلامية، التي تحالفت معها سابقاً، تحولت عن نهجها، من الدعوة بالحسنى والصراع السياسي، إلي الاعتماد على السلاح، والعنف، والتطرف، كوسيلة للتغيير بالقوة " .

وزاد هذا التهديد بشكل لم يسبق له مثيل في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م ؛ حيث تعرضت الولايات المتحدة في صبيحة ذلك اليوم لأسوأ كارثة قومية في تاريخها، وذلك عندما تحولت ثلاث طائرات تجارية، إلى أسلحة متحركة مليئة بمواد شديدة الانفجار، أسقطها مجهولون على برجي مركز التجارة العالمي، رمز الرأسمالية العالمية بمانهاتن، وجزءاً من مبنى البنتاجون (وزارة الدفاع) رمز القوة العسكرية الأمريكية، وقد سقط نتيجة لهذه الأحداث 2973 ضحية، منهم 24 مفقوداً، فضلاً عن آلاف الجرحى والمصابين بأمراض، ونشأت حالة طوارئ عالمية، مخلفة حالة من الذعر والخوف، هذا الاختراق الأمني العميق، أدي إلى تقويض نظرية الأمن المطلق، وسقوط جدار الحصانة الأمنية عن الولايات المتحدة بسقوط البرجين المتهاويين أرضاً بفعل ارتطام الطائرات، واخترقت الإجراءات والاستخبارات الأمريكية، تلك العملية لم تكن ناتجة عن خطأ إنساني غير مقصود، بل عملاً متعمداً ومخططاً له تخطيطاً دقيقاً. ورغم التحذيرات التي قدمتها السلطات الأمريكية لإدارة الرئيس بوش الابن، التي صمت آذانها وأعاقت التحقيقات اللاحقة، ورغم هول الحدث، إلا أن الإدارة الأمريكية ؛ سارعت إلى استيعاب أحداث 11 سبتمبر في مخطط سياستها وأهدافها العالمية .

ووفق الرواية الرسمية للحكومة الأمريكية فإن 19 شخصاً على صلة بتنظيم القاعدة، نفذوا هذه الهجمات بطائرات مدنية مختطفة، وقد انقسم منفذو العملية إلى أربع مجموعات، ضمت كل منها شخصاً تلقى دروساً في معاهد الملاحة الجوية الأمريكية، وتمت أول هجمة في حوالى الساعة 8:46 صباحاً بتوقيت نيويورك، حيث اصطدمت إحدى الطائرات المخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي، وفى حوالى الساعة 9:03 اصطدمت طائرة أخرى بالبرج الجنوبي، وبعد ما يزيد على نصف الساعة اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى البنتاجون، أما الطائرة الرابعة فقد تحطمت قبل الوصول لهدفها.

وكان لهول العملية أثر على حشد الدعم الحكومي لمعظم دول العالم للولايات المتحدة، أما في الدول العربية والإسلامية، فقد كان هناك تباين شاسع في المواقف الرسمية الحكومية مع الرأي العام السائد بالشارع الذي تراوح بين اللامبالاة والشماتة بسبب الغرور الأمريكي.

ومن أبرز خصائص هذا الحدث الآتي:

1- إن الهجوم أصاب مواقع حيوية واستراتيجية، أثرت على مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وهيبتها، من الناحية الدولية، وانهارت معها المزاعم الأمنية الأمريكية، وهو ما دفع القيادة الأمريكية إلى القيام بمراجعة شاملة، لمفهوم الأمن الداخلي ومؤسساته، وبرامجه، ضمن استراتيجيات جديدة، تأخذ في حسبانها التهديدات الداخلية بالقدر نفسه الذي تأخذ به التهديدات الخارجية.

2- أن هذا الهجوم لم ينطلق من دولة معينة، ولم ينفذه عدد محدد يمكن الرد عليه وإلحاق الهزيمة به، بما يعيد للولايات المتحدة هيبتها ومكانتها، ولم يكن أمام الولايات المتحدة سوي إعلان الحرب على الجماعات الإرهابية، التي خططت لهذا الهجوم، وهذا يعنى أيضاً أن الرد لن يقتصر على هدف محدد يمكن القضاء خلاله على المجموعات المسؤولة عن الهجوم، وإنما يتعدى ذلك إلى ضرب مراكز تجمع هذه الجماعات داخل دول بعينها.

3- أن هذا الهجوم لم تتورط فيه دولة من الدول، لا بشكل مباشر أو غير مباشر - لأن حسابات الدول تختلف عن حسابات الأفراد، ولا توجد دولة من دول العالم الراهنة، يمكنها المجازفة بعمل من هذا النوع، مهما كان عداؤها للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يؤكد أن منفذي الهجوم ليسوا سوي أفراد ينتمون إلى فكر وعقيدة، ويتخذون مواقف حادة تجاه مسلك الولايات المتحدة الأمريكية : السياسي والعسكري.

4- أن الهجوم لم يأت من خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما من داخلها وعبر مطاراتها وأجهزتها المدنية المختلفة، مما نسف قدرات الأجهزة الأمريكية، كما أن الطريقة التي نفذ بها الهجوم، أذهلت الجميع وفاقت جميع التوقعات، كما أن الهجوم استهدف الولايات المتحدة الأمريكية، فقط دون غيرها من الدول ما يعنى أنها مستهدفة لذاتها كرد فعل على سياساتها ومواقفها.

5- أن هذا الهجوم أدى إلى استنفار في الساحة الدولية بلا استثناء للوقوف صفاً واحداً ضد الإرهابيين ومواجهة آثاره وتداعياته، خاصة أن بعض الدول توقعت أن يكون هذا الهجوم له امتدادات أخري، بحيث يمكن أن يشملها، وبحيث لا تستبعد تعرضها لهجمات مماثلة في المستقبل .

6- أن حادث 11 سبتمبر كشف عن أول خرق مدمر يتعرض له الأمن القومي الأمريكي، عندما ضرب في العمق الداخلي الأمريكي، وفي صميم رموز الهيمنة الأمريكية الاقتصادية (برج التجارة العالمي في نيويورك) والعسكرية (مقر البنتاجون في واشنطن)، في وقت كانت الولايات المتحدة تبشر فيه بأطروحتها (القرن الأمريكي الجديد).

وهنا استهلت الولايات المتحدة ردة فعلها تجاه الأحداث بالدعوة إلى تحالف دولي لدعم حربها الواسعة على الإرهاب، لذلك حملت التصريحات الأمريكية الصادرة عن كبار المسئولين، مثل كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، آنذاك، تهديداً مباشراً لأفغانستان ومطالبة الدول العربية بالتعاون معها وتزويدها بالمعلومات المتعلقة بالمنظمات الإسلامية .

علاوة على أن الولايات المتحدة قد استخدمت هذه الهجمات كغطاء لتنفيذ استراتيجيتها بعيدة المدي في ترسيخ هيمنتها على كل من الخليج وجنوب ووسط آسيا، وهى مناطق حيوية في الاستراتيجية الأمريكية ؛ علاوة على أن وسط آسيا يشكل أضخم مخزون نفطي معروف للطاقة في العالم . أما منطقة الخليج، فإنها إلى جانب أهميتها النفطية، تقع ضمن المنطقة العربية بموقعها الاستراتيجي، وبكونها مسرحاً الصراع العربي– الإسرائيلي، وهو صراع تمثل الولايات المتحدة أحد أطرافه الفاعلين. أما الهدف الإسرائيلي فهو سحب أيديولوجيا محاربة الإرهاب، والتي أفرزتها هجمات نيويورك وواشنطن، على حربها المستمرة لكسر شوكة المقاومة الفلسطينية .

بسبب الحرب على الإرهاب تجاوزت الولايات المتحدة قاعدة تساوي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ووضعت نفسها فوق الشرعية الدولية، وهمشت دور الأمم المتحدة في التعامل مع الأحداث الدولية، ورفضت الانصياع للحوار والتفاوض والتقيد بالقوانين الدولية وشرعت الولايات المتحدة في تصنيف الدول إلي إرهابية وغير إرهابية ومحور الشر وغيرها، هذا السلوك الانفرادي أضعف الدور القيادي ليحل محله الدور الأمريكي .

وفي هذا المقال نحاول بتوسع أن نبرز الغايات والأهداف التي من أجلها تمت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكيف استفزت الولايات المتحدة تنظيم القاعدة بقيادة "أسامة بن لادن "، من خلال تواجدهم على الأراضي المقدسة أثناء حرب تحرير الكويت إلى القيام بهذا الحادث الإرهابي، وكيف استفادت الولايات المتحدة من هذا الحدث، من أجل التمركز في آسيا، لتكون بجوار روسيا والصين، وما يتطلبه ذلك من أن يكون لها تواجد في أفغانستان يمكنها من السيطرة، وكذلك تفتيت الجيش العراقي والحصول على البترول بها، وهو ما تم فيما بعد، وكيف كان لأحداث 11 سبتمبر نتائج مأساوية وكارثية أصابت العالم العربي والإسلامي.

وللكشف عن الأبعاد الحقيقية لحادث الحادي عشر من سبتمبر، لا بد من مناقشة الفرضيات المختلفة التي طرحت لتحليل حادثة الحادي عشر من سبتمبر، وإحدى هذه الفرضيات تقول: إن الحادثة كانت من تخطيط مجموعة من المؤسسة الأمريكية تعرف بالمحافظين الجدد، وفرضية أخري تقول إن تنظيم القاعدة كان من القوة بحيث استطاع – وبتدريبات معقدة – أن يخطط لمثل هذه العمليات الواسعة والكبيرة، ويوجه هذه الضربة لأمريكا. وإلى ذلك هناك فرضية أخري تقول إن تنظيم القاعدة كان تحت نفوذ الولايات المتحدة، وما يقوم به هذا التنظيم - أراد أو لم يرد - كان يخدم أهداف التدخل الأمريكي في الدول الأخرى، مثل شفرتي المقص بصورة متضادة، ولكن حركتهما تؤدي إلى نتيجة واحدة، إضافة إلى فرضية ثالثة، وتتمثل في الأحداث تمت من تنظيم القاعدة بمعونة أخرين لهم بالولايات المتحدة . وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط