ابراهيم أبراشالتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني متعددة الوجوه والأبعاد :الممارسات الإسرائيلية الاستيطانية والعسكرية الإرهابية في الضفة والقطاع، الممارسات العنصرية في أراضي 48، السلوك الأمريكي المعادي لشعبنا والمساند لدولة الاحتلال، التراجع الملحوظ في التأييد الرسمي العربي، الانقسام الفلسطيني، والوضع الاقتصادي السيئ في قطاع غزة ...، إلا أن الوجه الآخر من التحدي والتهديد الذي قليلاً ما يتم الحديث عنه هو محاولات التشويه والتنكر لتاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة الذي يمتد لحوالي مائة عام، ليس فقط من أعداء الفلسطينيين بل من بعض العرب والفلسطينيين .

لا شك أن هناك أخطاء وسلبيات وأوجه تقصير صاحبت مسيرة الثورة الفلسطينية كحركة تحرر وطني من الاحتلال، سواء في بنيتها الداخلية أو في كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل أو في علاقاتها مع الجوار العربي وخصوصاً أثناء تواجدها في الأردن قبل 1970 أو في لبنان بعد ذلك، كما يجوز توجيه كثير من أوجه النقد لسلوك السلطة ومنظمة التحرير وكل النخب السياسية الراهنة، إلا أن ما لا يجوز السكوت عنه الحملة التي تشارك فيها أطراف متعددة تبدأ من إسرائيل وماكينتها الإعلامية إلى سياسيين وكُتاب عرب وفلسطينيين يتساوقون معها بتنسيق بينهم أو بدونه، والتي تشكك في مبدأ الثورة الفلسطينية ضد إسرائيل وفي منطلقاتها ومبررات وجودها وإظهارها وكأنها كانت مغامرة أو سلوكاً طائشاً لم يحقق شيئاً للفلسطينيين ولم يؤدّ إلا لمزيد من المعاناة للفلسطينيين والإساءة للدول العربية المُضيفة، وأن الفلسطينيين ناكرون للجميل ويسترزقون من وراء قضيتهم الخ .

كل هذه المزاعم وحملة التشويه الممنهجة لحاضر وتاريخ الثورة الفلسطينية الصادرة عن بعض الأطراف العربية والفلسطينية أيضاً  تزامنت مع سعي دول عربية للتطبيع مع إسرائيل والتخلي عن التزاماتها القومية تجاه الفلسطينيين، ومع حالة الفشل والعجز التي تعيشها الطبقة السياسية الفلسطينية الراهنة سواء في غزة أو الضفة،  وهذا التزامن يجعلنا نتلمس الهدف من وراء حملة التشكيك والتشويه لتاريخ الثورة الفلسطينية .

بالنسبة للأطراف العربية فإن هدفها كي وعي الشعوب العربية المؤمنة بعدالة القضية الفلسطينية والمؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني وتحريض الشعوب العربية والإسلامية ضد الفلسطينيين الذين من وجهة نظرها لا يستحقون الوقوف إلى جانبهم، وذلك حتى تستطيع تمرير توجهاتها للتطبيع مع إسرائيل .

أما بالنسبة لبعض الفلسطينيين وخصوصاً من الطبقة السياسية فالهدف من التنكر لتاريخ الثورة ورجالاتها الأوائل هو التغطية على فشلهم وعجزهم بل وتواطؤهم، والزعم بأنهم ليسوا مخطئين في نهجهم وسياساتهم، وأن ما تمر به القضية من تراجع لا يعود لتقصيرهم كطبقة سياسية حاكمة بل لأخطاء سابقة للثورة الفلسطينية، بل يصل الأمر بحركة حماس لتجريم حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتحميلها مسؤولية كل الانهيارات والتراجعات التي أصابت القضية الفلسطينية، وذلك في سعي محاولة منها لإحلال مشروعها الإسلاموي محل المشروع الوطني والقبول بأقل مما كانت ترفضه الحركة الوطنية الفلسطينية .

الفلسطينيون لم يقصروا تاريخياً في الدفاع عن قضيتهم، فقبل 1948 ناضلوا ضد وعد بلفور والاستيطان والاستعمار البريطاني وكانت ثورة 1936 -1939 التي استشهد وأصيب خلالها الآلاف وتم إجهاضها نتيجة قمع القوات البريطانية وتدَّخُل الأنظمة العربية آنذاك التي ناشدت الفلسطينيين بوقف ثورتهم على وعد أن تنصفهم بريطانيا، أيضاً نتيجة اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولو لم تكن مقاومة وثورة فلسطينية آنذاك لتم تنفيذ وعد بلفور على كامل الأراضي الفلسطينية وليس على نصف الأراضي كما نص قرار التقسيم رقم 181 .

وفي منتصف الستينيات ثار الفلسطينيون لكسر حالة الإحباط ولمواجهة محاولات تغييب الهوية الفلسطينية واختزال القضية كقضية لاجئين فقط، وعندما قامت الثورة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير كانت منسجمة ومتساوقة في منطلقاتها ومنطقها وسلوكياتها وثقافتها مع ما هو سائد في العالم آنذاك، من دعم عالمي لحركات التحرر الوطني وشرعية ومباركة الكفاح المسلح وموقف دولي عام يعتبر إسرائيل دولة احتلال من حق الشعب الفلسطيني مقاومتها بكل الوسائل .

نجحت الثورة الفلسطينية آنذاك في لفت أنظار العالم لعدالة قضيتها، وبالفعل اعترف العالم من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1974 بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني وبحق هذا الأخير بتقرير مصيره السياسي وأصبح للثورة الفلسطينية مكاتب تمثيل في حوالي مائة دولة، وحدث هذا عندما كانت الثورة الفلسطينية تمارس العمل العسكري ضد الكيان الصهيوني داخل فلسطين المحتلة وخارجها، وخلال الانتفاضتين 1987  و 2000  انتقلت ريادة الثورة من الخارج إلى الداخل وقد استطاعت هاتان الانتفاضتان إفشال محاولة فرض الوصاية على الفلسطينيين مجدداً وفرض شروط مذلة عليهم تمهيداً لتصفية قضيتهم  .

أن تتغير التوازنات الدولية والنظام الدولي وتتغير المصالح وينهار النظام الإقليمي العربي وتصبح بعض الأنظمة العربية منحازة لمصالحها ولو على حساب الشعب الفلسطيني، وأن ينهار أو يتخلخل النظام السياسي الفلسطيني نتيجة ثقل التحديات والمؤامرات ونتيجة الانقسام وسيطرة نخب سياسية فاشلة، كل ذلك لا يعني أن الفلسطينيين كانوا مخطئين في ثورتهم ومقاومتهم للاحتلال، كما لا يشكك بعدالة القضية الفلسطينية، ونستغرب كيف أن الذين يُدينون الفلسطينيين لممارستهم حقهم في مقاومة دولة احتلال عنصري إرهابي يدعمون في نفس الوقت بالمال والسلاح جماعات مسلحة تقاتل ضد حكومات بزعم أنها حكومات غير ديمقراطية ؟.

وأخيراً وبالرغم من رداءة وصعوبة الواقع والنجاح النسبي الذي حققته استراتيجية الإلهاء في كي الوعي وتغيير الأولويات وفي تفشي حالة اليأس والإحباط، إلا أن القضية ليست مسالة سلطة وحكم وطبقة سياسية مأزومة بل قضية شعب تعدداه يناهز 13 مليون نسمه لم يتنازل عن حقوقه الوطنية بالرغم من كل ما يتعرض له، لذا على الفلسطينيين أن يفتخروا بتاريخهم وبأنهم أصحاب قضية هي  الأكثر عدالة بين قضايا التحرر الوطني وبأنهم أصحاب ثورة هي الأطول في تاريخ حركات التحرر الوطني في العالم ضد تحالف صهيوني استعماري امبريالي، ليس فقط دفاعا عن فلسطين بل وعن الأمة العربية والمقدسات الإسلامية، ولولا وجود الثورة الفلسطينية ومقاومة الشعب الفلسطيني لكانت إسرائيل تمددت إلى عمق العالم العربي منذ عقود .

 

إبراهيم ابراش

 

 

"الانسان هو حقيقة العالم، وحقوقه هي الاكذوبة الابدية !!!"

 لماذا هنالك حقوق الانسان؟ لماذا يتمتع كل شخص منذ الولادة بالحقوق؟ ولماذا هذه الحقوق وليس غيرها؟ لماذا يؤكد الجميع ومن دون شك أن حقوق الإنسان يجب أن تأتي أولاً وأن تكون فوق كل شيء؟ لماذا يقول الكثيرين أنه يجب حماية حقوق الإنسان والتمسك بها؟ وهل كل ذلك يوفر مفهوم حقوق الإنسان؟ ومن أين جاء التأكيد من أن هذه الحقوق موجودة بالفعل؟ وأنها تنتمي لجميع الناس وبالتحديد من الولادة؟ وهل يمكن أن يثبت وجودها الحقيقي؟ وما هي حقيقة ذلك الأثبات؟ وهل من الممكن أن يكون كل هذا مجرد خيال أو خدعة؟ ومنطقيا لا يمكن لأي شخص الإشارة إلى هذه الحقوق بإصبعه، ومن المستحيل الإشارة إلى طبيعة وحقيقة وجودها، ولم يثبت أي شخص وجود حقوق للإنسان، ولا أحد يستطيع أن يثبت بعقلانية أن جميع الناس يملكون حقوق طبيعية منذ الولادة لولا الإيمان بالله والآخرة. ولكن إذا كان الايمان بالحقوق هو لكل شخص يؤمن بالله، فلا يمكن لأحد أن يفرض هذا الإيمان على الآخرين، واذا كان الإيمان بوجود حقوق انسانية طبيعية لأي شخص في طليعة الحياة القانونية والعامة والمنصوص عليها في الدساتير والقوانين ومعظمها تعلن تعددية الأيديولوجيات وحرية الضمير والدين، فلماذا هي تتناقض مع ذاتها وتجعل حماية واحترام الحقوق الانسانية الخيالية وتمزجها بالإيمان؟

إذا كان كل الناس في الواقع يعترفون ببعضهم البعض بأي حقوق طبيعية ، فلن تكون هناك حروب أو تطرف أو إبادة جماعية أو عنصرية أو صراعات عرقية، فحقوق الإنسان ليست مجرد اكذوبة، تم نسجها لتكون خطأ وفرضها على الناس، ولكن لأي غرض؟ هل من أجل منع ومراقبة هدر "الحقوق الطبيعية" لجميع الناس؟ وهل الاستبداد والإيمان العالمي بهذه الأكذوبة له ما يبرره ويناسبه؟ إن الأكذوبة التي مفادها أن الناس يتمتعون بحقوق طبيعية وغير قابلة للتصرف منذ ولادتهم لها جذور قديمة للغاية، وبالتالي فإن من سمات العديد من وجهات النظر العالمية عدم تحديدها بدقة وإذا كان القانون الطبيعي قانونًا موضوعيًا ومثاليًا، فإن الحقوق الطبيعية هي حقوق متأصلة في كل الناس منذ الولادة، ومع ان مفهوم حقوق الإنسان اكتسب بالفعل طابعًا عالميًا ترد أحكامه في العديد من دساتير العالم وحتى في ميثاق الأمم المتحدة غير انه ومع ذلك فلا يزال من غير الواضح ما الذي تسبب بالضبط في الغياب التام لمثل هذا المفهوم الجديد وازدواجية النظرة العالمية المتخبطة له.

 سوء الفهم الأساسي لدور التقاليد والثقافة وتجاهل مراعاة مبادئ العقلانية والحرية تؤدي إلى خط الانهيار العالمي الشامل، فتتمثل خصوصية الفترة الحالية في أن إمكانيات ترسانة التكنولوجيات الصناعية والقوات المسلحة للبلدان المتقدمة تقنيًا قد تجاوزت النطاق العالمي بالقدرة على القتل والتدمير وزهق كل حق انساني وفي الوقت ذاته فإن القدرة الأولية والعقلية الأساسية للعقل البشري على الإنقاذ والبناء والإبداع والتطور والارتفاع في الروح ضمن إطار الهيكل التنظيمي والإداري الحالي يتم قمعها بشكل لا يمكن السيطرة عليه لذا تقلصت هذه القدرة بالفعل إلى النضال اليائس من أجل مجرد البقاء !! وإن الإنسانية وحقوقها تخنق بالعمليات المدمرة العنيفة الخارجة عن القانون وتنزلق إلى الإبادة الجماعية غير المقنعة فلذلك نرى ان العالم بحاجة ماسة إلى علاقات أخرى علاقات دولية سلمية ومحترمة وظروف عمل إنسانية وعدالة حقيقي وضمانات الجودة وسلامة الحياة الحقة الانسانية بغض النظر عن النقطة على الأرض والوقت من اليوم. وان التوازن العام الحالي للحضارة العالمية هو الانهيار التدريجي وحتى هذا النوع من التقدم يدفعه الموقف الهمجي تجاه الإنسان والثقافة والتطور، ويتحقق ذلك على حساب تدهور الحياة الفعلية والمناظر الطبيعية والتلوث البيئي، وإن نظرتنا العامة لهذا اليوم وحتى العلمية إلى العالم ككل هي معاداة طبيعية وغير اجتماعية وخطيرة، وإن أفق التخطيط الدولي على أساسه ضحل وأحيانًا يعود إلى الغرائز الحيوانية العدوانية وردود الفعل المتمثلة في الحماية المتشنجة لتهديدات القوة والكوارث الإنسانية الناشئة تلقائيًا والاستفزاز المتعمد والمحطم لكافة الحقوق الانسانية ان وجدت، ولا يعتمد النظام القديم للقوة العالمية للحفاظ على نظامه بالكامل تقريبًا على الصدق والضمير الجيد والوعي القانوني للمواطنين ولكنه يعتمد على التقديم الأعمى والخداع والخوف والقوانين المكتوبة المحظورة ورشوة المسؤولين الخاصين والعامين والجيش والشرطة لدرجة انه اليوم هناك حديث عن حرب هجينة.

وقد لا يفي لمن كان قد صمم العلوم والحقوق الإنسانية شبكها بالضرورات وبالمتطلبات العاجلة للحضارة في تحقيق الفعالية الحقيقية للجمع بين المعرفة والعمل والقوة الكامنة المحققة تقنياً فيتحول المنهج الروحي والمنهج العلمي لتعميق الأزمة العالمية من هذه المعارف، وصولا للانهيار المرتب لعالما مريضا أيديولوجيا فاقدا لنظام الطاقة الأساس، ولهذا نرى الان انه قد ارتفعت مسألة بناء الدولة الحقيقية من جديد في جميع أنحاء العالم اذ حان الوقت لإدراك وفهم الأساس الصارم للأفعال البشرية التراكمية كاستراتيجية تهدف لأستيعاب العالم واحترام قوانينه لتحقيق النمو والتطور الاجتماعي، مما يعني أن هناك حاجة ماسة إلى ايجاد وصنع نسخة رسمية مختلفة تعمل بشكل عام لعلم بناء الامن والحق الانساني والبشري و المجتمعي. غير اننا نجد المؤسسات العالمية تسعى الى النقيض من الفكرة السلامية للامن البشري فهي ولتحقيق السيطرة على المجتمعات فكريا وروحيا ونهجيا نراها تكتفي بتضييق تفكير الشعوب، وبالفعل ففي هذه الأطر الآمنة يتم تنظيم مناقشات واحتجاجات ومظاهرات وصراعات عامة وعاصفة لا نهاية لها، ومن أجل عدم الوقوع في تلخبط في استراتيجية الفضاء بلا أبعاد فتقوم بأغراقها للشعوب ببحار من النقاش الساخن  حول "ما ، في وقت ما ، حدث خطأ ما او كارثة فجأة"، وعبر كل هذه الفوضويات السرابية تحتاج إلى التنقل السريع والفوضوي في جوانب واطر السياقات العامة.

من خلال تدهور الحقوق الانسانية والروح الاجتماعية يفقد النظام الاجتماعي حالته ويفقد ويبدد موارده الطبيعية ويرش الطاقة المجانية أكثر مما يراكم ويتم تدمير نظام شبكته الداخلي وتظهر ظواهر عدم الاحتجاج التي تمنع الحرية والإنتاجية وبمرور الوقت ستلتهم الطبقات الإجتماعية المتحللة روحيا نفسها وتنخفض المستويات التكنولوجية البشرية وتتزايد حالات الفساد الكامل وتضمحل الحقوق وتتحلل الأخلاق العامة، وتموت الفكرة المنظمة للدول باعتبارها "إنتروبيا اجتماعية"، وإن الحكم في الصورة المعززة والمتكاملة للعالم هو الجانب الروحي الأعلى للإنسان لكونه مرتبطًا بظواهر أكثر استقلالية وتعقيدًا لقوى "الكون الفكري" الرقيق المتمحورة بشكل غير مفهوم غير إنه يحمل دفعة تنظيمية لا تُقهر لتطور الكامل للعالم عبر تطوير عقله، وهذه الصورة من العالم لا تقودنا كطريقة للإدراك من المجمع إلى البسيط ولكنها تعمل دون إغفال مبادئ النظام العالي بالنزول إلى الملموسة والخاصة ، مع تذكر أن أي جزء على حدة ليس سوى أداة عمل للعقل العام ولا يعمل ككل فتشكل أجزاء كثيرة دائمًا الصحيح المعقّد بشكل غير مفهوم وبشكل أكثر دقة يعمل باستمرار على تحسين الهيكل التنظيمي مقارنة بأوركسترا سيمفونية، ومن ذلك كله تبرز استراتيجية لخلود الحياة وتطور الحضارة بصورة فعالة فقط مع المعالم الأبدية الخالدة عبر نمو الانسانية بمشاعرها الحقيقية والبشرية والتمسك بالإيمان وترجيح الظن الحسن والسير خلف حكمة العقل الرصين لينتقل كله تقليديا في الشفرة الوراثية الاجتماعية كتجربة روحية من خلال التعليم بتوظيف واستثمار كل شيء آخر وصبها عبر أدوات تنفيذية مطيعة في أيدي الاستراتيجية الهادفة لصنع عالم بحقوق انسانية منجرف عن الحروب والظلم والنزاعات.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

محمد سعد عبداللطيفجيوبوليتيك الصراع وديبلوماسية النفط والغاز في الشرق الأوسط

في السياسة ليس هناك عدو دائم او صديق دائم هناك مصالح دائمة. فی عام 1974 م وبعد الإنتهاء من حرب اکتوبر ۔ عقد مٶتمر سري فی الرباط ۔ تحت رعایة (المخابرات الآمریکیة) وتم توجیة الدعوة الی کل من "مصر والسعودیة" ۔ لمساعدة الآمریکان فی طرد الروس من القرن الافریقي ۔ والشرق الآوسط ۔ وقد لعبت مصر دورا کبیرا فی ذلك بطرد الخبراء الروس قبل حرب اکتوبر وبعدها رغم کل تسلیح الجیش المصري سلاح روسي ۔ نتیجة تفاهُمت بین السادات والسید / هنري کیسنجر ۔

وبعد سقوط الاتحاد السوفیتي وسقوط جدار برلین وتفکك حلف وارسو ۔ وبدایة نظام عالمي آُوحادي (العولمة)

سعت روسیا الاتحادیة الی بناء محاور لها محور موسکو طهران ۔۔لدخولها الی الشرق الآوسط ۔

وظهور صراع جدید للآهمیة

الجيوبوليتيكية للعالم العربي في قطبي الصراع العالمي حیث یتمتع

العالم العربي، لاعتبارات جيواستراتيجية وجيوبوليتيكية، بمكانة كبيرة وموقع مميز في النظريات الجيوبوليتيكية كلّها. فقد اعتبر العالم "ماكيندر" صاحب "نظرية قلب العالم"، أنَّ العالم العربي من الأماكن الاستراتيجية المركزية في الكرة الأرضية التي تؤدي السيطرة عليها إلى السيطرة على العالم، فهو البوابة التاريخية لمنطقة غربي آسيا وبقعة الوثوب الاستراتيجية على أوراسيا. وبالتالي كان لزامًا على من يريد أن يُحكم سيطرته على قلب أوراسيا أن يعمل أولاً على تأمين هذه المنطقة وإحكام سيطرته على قلب أوراسيا أن يعمل أولاً على تأمين هذه المنطقة وإحكام سيطرته عليها.

الجيوبوليتيكية لإيران وتركيا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، نجد أن العالم العربي بدوره يمتلك مفاتيح أساسية في التنافس الجيوبوليتيكي الأمريكي ـ الروسي، فالدول العربية تطل على المضایق المتحكمة في حركة الملاحة البحرية الأهم في العالم المتجهة من الشرق الوسط شرقاً إلى أوروبا غرباً، أي في مضیق هرمز، باب المندب، وقناة السويس، حيث تشكل هذه المضایق عاملاً حاسماً مهماً في واقع الجغرافيا السياسية للعالم العربي، كونه يحتل موقعاً جغرافياً يقع في ملتقى قارات ثلاثة من قارات العالم ويتحكم في أهم طرق التجارة العالمية براً وبحراً وجواً، مما يجعل من العالم العربي أرضاً للتنافس بين القوى العظمى .

يحاول النظام الإقليمي الشرق الأوسطي الجديد العمل ضمن استراتيجية تحييد القوى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية

أما بالنسبة للأهمية الجيوبوليتيكية للعالم العربي بالنسبة لروسيا الاتحادية، فإنه يتمتع بمكانة بارزة في الاستراتيجية الأوراسية وذلك نظراً إلى عوامل عدة أبرزها العامل الجيوبوليتيكي، إذ يكتسب العالم العربي أهميته الجيوبوليتيكية ووفقاً لذلك، فإن النظام الجدید لروسيا لم تكتف بحدود سوريا الجغرافية فقط، بل الولايات المتحدة الأمريكية مهدت لها الطريق لدخول الخليج العربي بعد ثورات الربیع العربي ثم سمحت لولي العهد السعودي للإتصال بالروس وتحقیق تعاون علی آصعدة ۔مختلفة وکانت مصر فی مقدمة الدول التی بادرت بحصولها علی المقاتلات الروسیه وتوقیع اتفاقیات معها وبناء مفاعلها النووي ، بداية عندما أمرت واشنطن حكام الإمارات بتمويل العمليات العسكرية الروسية في سوريا، وحتى دفع مرتبات الجنود الروس وقواعدهم،.

 ترى روسیا نفسها في موقع الدفاع عن مفاهيم ومرتكزات أساسية تدعم نفوذها في الشرق الأوسط وفي العالم العربي من خلال العوامل الكثيرة التي تحفظ حضورها وقوتها في الميزان العالمي أهمها الحق في حماية واستخدام الممرات المائية والمعابر البرية وهي تنسج معظم سياستها في الشرق الوسط ومحيط البحر الأسود وفقاً لهذه الاعتبارات كون أكثر من 50 % من تجارة التصدير الروسية تمر عبر هذه المياه، بالإضافة إلى المفاهيم والاعتبارات الدينية، وحماية مصادر النفط، بالإضافة إلى العامل الاقتصادي الذي بات يشكل الاستراتيجية الحديثة للسياسية الروسية الجديدة التي حلت مكان الإيديولوجية السابقة في العصر السوفييتي السابق ۔۔

 کذلك کانت ترکیا البلد المُتاخم للحدود الروسیة ۔دولة لها أهمیة إستراتیجیة للولایات المتحدة وحلف الناتو ۔۔ إبان الحرب الباردة وقواعدها العسکریة الأمریکیة علی أراضیها ۔ومطالب الروس بسحب الصواریخ من علی أراضیها إبان أزمة الصواریخ الروسیة علی الأراضي الکوبیة فی ستینیات القرن المنصرم ۔

تحتل تركيا موقعاً مركزياً في الاستراتيجية الأمريكية ليس لآعتبارات الإيديولوجيا بل للآعتبارات الجيوبوليتيكية، يعود ذلك إلى أن الرقعة الجغرافية التي تتمدد عليها تركيا كانت وما زالت في قلب المنطقة الأوراسية ومركز دائرتها. تعتبر القوة البحرية الحالية (أي الولايات المتحدة الأمريكية) هذه المنطقة هي أساس لسيطرتها العالمية، كونها تحاصر القوة البرية (أي روسيا الاتحادية) وتمنعها من التمدد والوصول إلى البحار المفتوحة بالإضافة إلى أن تركيا تسيطر على نحو متميز على الممرات البحرية في البوسفور والدردنيل، المؑمر الذي يجعلها في قلب أهم المواقع البحرية في العالم.

تمثل تركيا إحدى المفاتيح المهمة لفهم السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وذلك ليس فقط بسبب البعد الجيوبوليتيكي لتركيا والذي أعطاها ميزة ضغط بيد دول الخليج للتأثير على الدول الأفريقية النامية، بالإضافة إلى العامل الديني الذي أدّى دوراً بارزاً في ربط هذه الدول بمنظومة الدول الإسلامية التي أدّت فيها المملكة العربية السعودية دور المركز.

۔کذلك إیران الشاة ۔۔کانت هی الآخري البوابة الجنوبیة ونقطة الإنطلاق الی منطقة آورسیا وحدودها الممتدة مع الاتحاد السوفیتي السابق ۔۔ وکان الشاة هو الشرطي للخلیج وحارس نفط الامریکان ۔۔

حتى تتحقق اطماع الدب الروسي الي المیاة الدافٸة وتآمین خطوط الغاز على أرض الواقع، وجب أن تعمل روسيا الأوراسية على تكوين محاور جيوبوليتيكة جديدة منها محور موسكو ـ طهران، والذي يحقق لورسيا الأوراسية المفتقرة للمنافذ البحرية على المياه الدافئة، التمدد والوصول إلى الخليج العربي. هذا الهدف الجيوبوليتيكي ظلت وما زالت روسيا الاتحادية تسعى إلى تحقيقه، ووفقاً لهذا التصور تحتل طهران مكانتها لدى موسكو باعتبارها من أهم شركاء روسيا الاتحادية في المنطقة والذي يسمح لها بالوصول إلى الخليج العربي سياسياً.ومازال الدور الروسي الإیراني یلعب دورا بارزا فی شرق المتوسط فی سوریا والیمن والعراق ولبنان ۔۔ولم ینتة بعد فی الشرق الآوسط ۔۔

هذا التواصل الجغرافي الذي تتمتع به الجمهورية الإسلامية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط يفرض على روسيا الاتحادية تحقيق تواصل جيوبوليتيكي مع إيران، حيث تحاول موسكو الاستفادة من الموقع الإيراني في لعبة الصراع مع واشنطن، كون السياسة الإيرانية هي في موقع النقيض مع السياسة الأمريكية وطهران لا تزال على خلاف وعداء مع واشنطن. من هنا، فإن موسكو تعمل على استغلال الموقع الإيراني في إطار الصراع مع واشنطن ضمن خطة تتضمن اعترافاً عملياً بضعف موقع روسيا الاتحادية النسبي في منطقة الشرق الوسط مقارنة مع موقف الولايات المتحدة الأميركية. بالتالي، فإن روسيا الاتحادية لا تنظر إلى إيران كخصم بل كشريك وحليف استراتيجي سيساعدها على تحدي القوة الأمريكية من خلال توسيع نفوذ روسيا الاتحادية الإقليمي والدولي، وتهدف هذه الاستراتيجية أساساً إلى إيجاد عالم متعدد الأقطاب، حيث تحاول كل من روسيا الاتحادية والجمهورية الإسلامية الإيرانية إضعاف القوة والتواجد الأميركي في الشرق الأوسط ومن خلاله إضعاف حلف الشمال الأطلسي وتكوين حلف سياسي ـ عسكري مضاد يكون موازياً للهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط تشكل سورية نقطة ارتكازه ۔۔ولکن بعد مقتل صاحب مشروع الازرع الطویلة والوصول الی المیاة الدافٸة الجنرال قاسم سلیمانی ۔ هل ینتهي حلم الأمبراطوریة الفارسیة بمقتل " سلیماني ۔أم نجح فی قرار مجلس النواب العراقي بطرد الآمریکان من العراق ۔۔۔والتفکیر فی إمتلاك منظومة صواریخ روسیة (آس300/آس400 ) هل کانت العراق تستطیع أن تفکر فی ذلك من قبل ۔ وترکیا التی حصلت علی منظومة الصواریخ من روسیا واصبحت تلعب مع روسیا فی رسم السیاسات فی شمال سوریا ۔۔الأربعاء قبل الماضي تم الاتفاق بین الرٸیسین" اردوغان وبوتین " بوقف إطلاق النار فی " إداب " وفی الیوم التالي وقف إطلاق النار فی لیبیا ودعوة أطراف الصراع الی موسکو وتقود الملف " اللیبي " الیوم الی برلین ، روسیا ستقود المنطقة ۔مع بدایة نظام عالمي جدید فی الشرق الآوسط.

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

 

محمود محمد عليعلى الرغم من تحقيق النساء اللبنانيات تقدماً ملموساً في مجال التعليم والاقتصاد، إلا أن مشاركتهن السياسية بقيت محدودة، وذلك بسبب نظام الزعامة البطريركي والحكم الطائفي وسلطة المؤسسات الدينية؛ فالتاريخ يشهد بأنه لم ترحب الأحزاب اللبنانية بالمرأة، إلا أن دورها ظهر بشكل أوضح بعد استقلال لبنان، وبدأت تزداد مشاركتها في الحياة العامة نتيجة لزيادة نشاط الجمعيات النسوية، إلا أن المشاركة ظلت تتمحور حول الطائفة وسلطة الزعماء. فيما تغير هذا بدءا من حراك عام 2011 وصولاً لحراك "طلعت ريحتكم" عام 2015.

ومع انتهاء الحرب الأهلية في لبنان عام ١٩٩٠، قامت النساء بأدوار متنوعة سواء على مسـتوى النضـال الطلابي أو العمل ضمن مؤسسات سياسية، كما ظهرت في مجالات أخرى عززت دورها في الحراك الثوري أو المسلح.

والنظام الطائفي اللبناني يشكل عقبة أمام المرأة اللبنانية في وجه تحقيق تطلعاتها السياسية، إذ أنها تخضع لخمسة عشر قانوناً مذهبياً في لبنان تجعل من مشاركتها في الحياة السياسية أمرأ اكثر تعقيداً مما يعتقد. إلا أن الاحتجاجات الأخيرة قد تغير المعادلة؛ حيث لعبت اللبنانيات دورا رياديا في المظاهرات الشعبية، وأسهمت في إطلاق العديد من المبادرات، لدعم ومساندة المتظاهرين.

وشهدت ساحات التظاهر حضورا بارزا للنساء، في مقدمة الصفوف، وفي مواجهة الأجهزة الأمنية. وتصدت اللبنانيات اللواتي افترشن الأرض وتشابكن بالأيدي في ساحات التظاهرات، لقوة مكافحة الشغب التي أعطيت أوامر بفتح الطرقات ، لكن أصرار المرأة وعزيمتها غيرا المعادلة رغم ما نالته من عنف.

لقد أبدعت نساء لبنان في أساليب التظاهر، حيث تسلط الاحتجاجات الأخيرة في لبنان الضوء على دور المرأة في التغييرات السياسية الحاصلة حالياً، لتكون بذلك وجه الثورة اللبنانية وصوتها، من خلال مشاركتها الواسعة في المظاهرات التي انطلقت احتجاجاُ على الوضع الاقتصادي في البلاد.

وتنوعت المشاركة النسائية لتشمل جميع الفئات العمرية والطوائف ومختلف الأدوار جنباً إلى جنب. وهو ما صبغ الاحتجاجات بلون موحد، جاعلاً منها طريقاً لتجاوز الاختلافات الطائفية والتخلص منها في بلد يضم 18 طائفة.

لم تقتصر المشاركة على المواطنات من الطبقة المسحوقة، إذ شاركت الفنانات في الاحتجاجات سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل نانسي عجرم وأليسا، أو في الشارع مع المواطنين، مثل نادين نجيم، وكانت الفنانة الأخيرة قد عبرت من خلال فيديو عن حقها في التظاهر، وذلك تعقيباً على بعض التصريحات التي أشارت إلى أن الفنانين لا يشاطرون المواطن المعاناة ذاتها.

وأثارت المرأة اللبنانية الجدل لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إذ خرج البعض بتعليقات قالوا أنها "مزاح خفيف". وقد وصفت هذه المشاركات بـ"الذكورية"، لأنها تستهدف الحديث عن أنوثة المرأة اللبنانية، وحصر دورها الثوري جسدياً فقط، مما أثار حنق العديد من النساء في لبنان والوطن العربي؛ حيث إمتلأ الفضاء الإلكتروني بتعليقات لنساء لبنانيات رداً على التحرش الإلكتروني الذي تعرضن له، إذ كتب بعضهنً: "نحن مش سلع، مش عم ننزل نعرض أزياء، وريحة المظاهرة مش بارافان، ريحتها قمع".

وقد أبرزت الاحتجاجات ناشطات لبنانيات معروفات، مثل الكاتبة والصحفية جمانة حداد، والتي صرحت لـ DW عربية أن كل ما يهم الآن هو الثورة، "والثورة فقط"، بعيداً عن أية تعليقات سلبية تتعرض لها المرأة اللبنانية. وكانت المظاهرات قد سلطت الضوء على القمع الذي تتعرض له الفئات المهمشة في المجتمعات اللبنانية.

وتستمر الاحتجاجات اللبنانية علي الأوضاع الاقتصادية السيئة ، لكن برز خلال الأيام الماضية دور المرأة اللبنانية في تلك التظاهرات في ساحات المظاهرات واحتلت اهتماما كبيرا من قبل المغردين العرب ، حيث أصبحت صورة المرأة تمثل رمزا لاحتجاجات لبنان بعد لانتشار فيديو لركل إمرأة للمتظاهرين لضابط أمننا في بيروت ، وذلك في اليوم الأول من الاحتجاجات ، كما انتشرت صور النساء علي مواقع التواصل الاجتماعي ، فالنساء شاركن في التظاهرات منذ اللحظة الأولي ، وانتشرت فيديوهات عدة للنساء اللبنانيات ، ومن بين تلك المقاطع الأكثر انتشاراً لسيدة لبنانية ، وهي تخاطب ضابطاً أثناء التظاهرات قائلة: "نربد أن ندخل، إذا كنتم لبنانيين أطلقوا النار علينا، لقد جوعوكم، لا يعطونكم المال، فمن أجل ماذا تسكتون؟".

وتابعت السيدة حديثها قائلة: "هل تعتقد أن نبيه بري سيعطيك أموالا أو سعد الحريري أو حسن نصرالله أو باسيل الحرامي، لن يقوموا بذلك، هم فقط ينهبونكم".

وأضافت السيدة قائلة: "لا يمكنكم أن تطلقوا رصاصة على إسرائيل لكنكم تقومون بذلك على الشعب في بعض الأوقات، أنتم ممنوعون من إطلاق طلقة على إسرائيل، لماذا؟ هي عدوتنا نحن لسنا أعداءكم.

وانتقدت السيدة الوضع الاقتصادي في البلد قائلة: "جميع أولادنا أصبحوا في الخارج، من أجل من؟  فجميعهم ينهبونا"، وشنت هجوما على جميع الطبقة السياسية الحاكمة ومن ضمنها الرئيس اللبناني ميشال عون، وأضافت قائلة: "أنتم من يجب أن يحكم البلد في هذا الوقت.

وتابعت السيدة قائلة: "كلنا معكم، تخافون من نصرالله؟ فليطلق النار علينا، لا بأس، نموت فداء لأرضنا على أقل تقدير"، وتابعت قائلة: "أنظر إلى الفلسطينيين يموتون من أجل شجرة، فكيف لا نموت نحن من أجل أرض ووطن، فإذا لم يكن لديك أرض لن يكون لك وطن".

وما أن أنهت السيدة حديثها حتى بدأ المحتجون بإطلاق هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام"، قبل أن يقوم العسكري بتقبيل رأسها.

وفي ظلّ نظام سياسي لطالما اعتُبر التمثيل النسائي فيه دون المستوى، ترفع النساء أصواتهن في الشارع ، وتقول مستشارة العلاقات الإعلامية، ماريانا وهبي التي تشارك يومياً في التظاهرات "شكّلت النساء جزءاً جوهرياً من هذه الثورة. فنحن في الصفوف الأمامية ونمدّ بعضنا بالدعم والقوة ونحفظ السلام". ونظّمت وهبي مساء الأربعاء مسيرة نسائية لإضاءة الشموع في ساحة المدينة الرئيسية شارك فيها الآلاف. كانت لحظة بارزة لكن دور النساء في هذه الثورة لم يقتصر على الرمزية بل شكّل نقطة تحول جذرية لشخصياتهن وتوجّهاتهن.

كما التقطت إحدى الصور الراسخة والمعبّرة عن التظاهرات في ليلتها الأولى أثناء مشاجرة بين حرّاس أحد الوزراء والمتظاهرين. وبعد أن شهر أحد الحراس سلاحه، ركلته امرأة اسمها ملك علويّة أسفل بطنه، وأصبحت صورة المرأة التي تهاجم هذا الممثل عن الطبقة السياسية الفاسدة والذكورية في البلاد فوراً أيقونة تحولت إلى رسم متداول وإلى محرّك دفع بالمزيد من الناس نحو النزول إلى الشارع.

لكن الوقع الأكبر للنساء على التظاهرات هو دورهن في جعلها أكثر سلمية.

وسعدت جدا عندما تفاعلت المطربة السورية أصالة نصرى، مع حراك الشارع فى لبنان وعودة المظاهرات من الجديد بعد توجيه دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، منذ الأيلم الماضية، لبدء "أسبوع الغضب"، والعودة إلى قطع الطرق فى مناطق العاصمة، وتمنت "أصالة" حفظ لبنان من أى أزمات جديدة تعصف بمستقبل أبنائه، وغردت على حسابها الرسمى بموقع "تويتر"، يوم الأربعاء الماضي الموافق 15/1/2020 ، قائلة "ياربّ لبنان جنّة الأوطان احفظها يا الله.. لبنان".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

باسم عثماناتهم القائم بأعمال مدير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" كريستيان ساوندرز، يوم الخميس 16/1/ 2020، أميركا وإسرائيل بالعمل ضدها، مؤكداً أن أميركا تحشد تأييد البرلمانات الأجنبية لوقف التبرعات لها، وقال ساوندرز في مقابلته مع وكالة رويترز: "إن إسرائيل تسعى لاستبدال الخدمات التي تقدمها الوكالة للفلسطينيين بتفويض من الجمعية العامة للأمم المتحدة في القدس الشرقية المحتلة بخدمات تقدمها منظماتها، فيما تروج الولايات المتحدة ضد تمويل الأونروا في البرلمانات الأوروبية وغيرها".

وفي خدمة المجهود نفسه، قررت "بلدية الاحتلال" في القدس، انشاء مدارس تابعة لوزارة "التربية والتعليم الإسرائيلية" بدلاً عن مدارس وكالة الغوث "الاونروا"، كخطوة تصعيدية، في اطار مواصلة العدو الاسرائيلي استهداف الشعب الفلسطيني وطمس هويته وثقافته وحقوقه المشروعة إنّ قرار "بلدية الاحتلال" بإنشاء مجمع مدارس تابع لوزارة "المعارف الإسرائيلية" شرق القدس، يأتي تتويجا للجهود الرامية لتجسيد المخطط الذي تم اعداده مسبقا وهدفه تصفيه "الاونروا"، والذي بدأته "بلدية الاحتلال" في القدس بهذه الخطوة بدعم قوي من حكومتها اليمينية المتطرفة والإدارة الامريكية.

ان تراجع دور وأداء الاونروا ومهامها، مرتبط بالإرادة السياسية الدولية، والجهود الرامية لتحقيق الانهاء التدريجي لعملها ووظيفتها الاساسية، نظرا لما يحمله استمرارها في أداء مهامها، من معنى ومغزى سياسي وقانوني صرف يتعلق ببقاء وديمومة قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإقرار حق العودة في القرار 194.

بعد مرور سبعة عقود على تأسيس الوكالة الدولية، ثمة جدل واسع يطرح نفسه حول دور الاونروا ومستقبلها، خصوصا مع ما يترافق من حديث حول افاق عملية "التسوية" السياسية ومستقبلها، والتي يرتبط بها مستقبل الاونروا، على الرغم من انها لم تعرف نفسها سياسيا في أي من أدبياتها، واقتصر دورها على الجانب الاغاثي والاجتماعي، الا انها – أي الاونروا -لا تفارق التفكير السياسي للفلسطيني، بل ويرتبط واقعها في أكثر الأحيان ان لم نقل بمجمله، بالتطورات السياسية الإقليمية والدولية، وأنها لم تكن لتنشأ لولا العامل السياسي الذي رسم عنوانا سياسيا عريضا للقضية الفلسطينية من خلال قضية اللاجئين وحق العودة.

وهنا تجدر الإشارة ، الى ان أمريكا اخذت على عاتقها منذ عهد الرئيس ترومان الذي تولى الرئاسة في الفترة ما بين 12/4/1945 – 20/1/1953، منع عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، وتوطينهم ودمجهم الاقتصادي في المحيط العربي، وهو ما أعلن عنه ممثل أمريكا في "لجنة التوفيق الدولية الثلاثية حول فلسطين"، والتي الفتها الجمعية العامة للأمم المتحدة من ممثلي فرنسا وتركيا وامريكا، واقرها بروتوكول لوزان في 12/5/1949 ،حيث اعلن ممثل أمريكا في الاجتماع الذي عقد في بيروت 21/3/1949 ،ان "إسرائيل لا تقبل عودة اللاجئين...وهناك حقيقة واقعة وهي ان جميع اللاجئين لن يعودوا...يجب التفكير في إعادة توطينهم من جهة، واعداد المشروعات اللازمة لعودتهم للحياة العادية".

من اجل ذلك ،ايدت أمريكا انشاء وكالة الاونروا كفرصة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين خارج ديارهم، وضغطت على الدول العربية الخليجية كي تفتح أبوابها امام الفلسطينيين للعمل فيها وبأجور مغرية، وتسهيل كل السبل امامهم لنسيان الوطن والقضية، كما حاولت ان تغري بعض الدول العربية لكي توافق على توطين اللاجئين في بعض أراضيها، وهكذا، حددت أمريكا منذ ذلك التاريخ، موعد معين تتوقف عنده – الاونروا - عن تقديم المساعدات للاجئين، بهدف إجبارهم على الاندماج في البلدان التي هُجروا اليها ،وهذا ما حدث فعلا منذ سنوات عدة من قبل سياسة أمريكا، ما ادى الى توقف كثير من أوجه الدعم والخدمات التي كانت تقدمها الاونروا نتيجة النقص الحاد في موارد تمويلها.

ويقوم المشروع الامريكي على فرضية تقديم عملية التسوية في المنطقة والانسحاب التدريجي بموازاة ذلك للأونروا من مهامها ومسؤولياتها، لذلك جرى استحداث موازنة خاصة لمشاريع دعم ما يسمى "بعملية السلام"، وخطة للموائمة بين خدمات الوكالة ومثيلاتها في الدول المضيفة بهدف احالتها الى هذه الدول، حيث بدأ صندوق المشاريع يتغذى على حساب المساعدات المخصصة للموازنة العادية، التي شهدت تراجعا وعجزا طرديا سنويا، في الوقت الذي عملت الاونروا على إعادة هيكلة موازنتها السنوية على أساس صندوقين: صندوق الموازنة العادية لتوفير خدمات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وطرح صندوق "برنامج تطبيق السلام"، وبشكل صريح ذلك ما عبر عنه تقرير المفوض العام للأونروا (1998-1999) حيث جاء فيه ان الاونروا توائم بين عملها ومقتضيات أوسلو و"عملية السلام".

كما شهدت الاونروا بعد أوسلو عدة متغيرات مترابطة، شكلت انعطافه في تاريخ الوكالة، وانتقالا من الوظيفة التي أنشأت من اجلها، باعتبارها مؤشرا على استمرار معاناة الفلسطينيين وضرورة وقفها من خلال تطبيق القرار 194، الى وظيفة أخرى متكيفة مع الوجهة السياسية لعملية أوسلو، ومؤشراتها قضايا التأهيل والدمج في المجتمع المحلي وفقا "للجنة اللاجئين المتعددة"، والتي تشارك فيها الاونروا وفي اعمالها منذ تأسيسها 1992 ، وهكذا واكبت الاونروا انسجامها مع وجهتها السياسية الجديدة طبقا للمتغيرات ولمتطلبات المرحلة الانتقالية على المسار الفلسطيني، مما انعكس على ميزانيتها وهيكلة عمالتها، فتوارت المشاريع مع الميزانية العادية، وبرز نهج الموائمة بين خدمات الوكالة والدول المضيفة.

 هناك العديد من الثغرات التي أحاطت بالأونروا سواء لجهة نوعية التفويض أو لجهة دورها وعملها ومهماتها:

- صلاح صالح عبد ربه في كتابه "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بين مأساة التاريخ، ومأساة الحلول" الصادر مؤخرا، ونقلا عن وليد سالم حيث يقول: " وإذ عملت "لجنة التوفيق" في مناقشة الجانب السياسي لمشكلة اللاجئين مع الحكومات المعنية، فإن وكالة الغوث قد عملت في ميادين الإغاثة وبرامج التشغيل للاجئين، أي أنها انحصرت في الدور غير السياسي، وعندما تعطلت "لجنة التوفيق" بعد سنوات قليلة من حرب 1948، فقد أصبح الدور اللا سياسي للوكالة من الناحية الموضوعية دورا سياسيا، يصب باتجاه خدمة مشاريع التوطين".

- حصر نشاط الاونروا ببعض الدول (ما تبقى من فلسطين خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية) وسوريا ولبنان والأردن فقط، واستثنت من عملها اللاجئين في الجزء المغتصب من فلسطين إبان حرب 1948، وبقية الدول.

- تعريف وكالة الاونروا لمفهوم (اللاجئ)؟؟!!، الذي استثنى أعدادا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين من عملها واغاثتها.

- حصر صلاحياتها على الجانب الإغاثي والتشغيلي والانساني، واستبعادها العمل من أجل إعادة اللاجئين إلى ديارهم – الجانب السياسي والقانوني - وهو الأمر الذي يسمح به نظام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

- تسجيلها لقوائم اللاجئين الفلسطينيين يعتمد على الحاجة إلى المساعدة ومكان الإقامة، بدلا من الاعتماد على كون الفلسطيني لاجئا فحسب. وهذا ما حصل في المسح الذي أجرته الاونروا مؤخرا لاحتياجات اللاجئين، ما يوحي برغبة الوكالة في شطب أعداد إضافية من اللاجئين المسجلين في سجلاتها، حيث تم تصميم استمارة المسح بحيث تظهر النتائج عدم حاجة أعداد كبيرة من اللاجئين لخدمات الاونروا.

 - الأمم المتحدة التي أنشأت وكالة الأونروا متواطئة في خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص: خطتها التقسيمية (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181) التي استخدمها قادة الحركة الصهيونية لتبرير التطهير العرقي في فلسطين، وإن كان بتحريف المصطلحات في بنود القرار والتوسع إلى ما وراء الأراضي المخصصة "لدولة الأغلبية اليهودية".

- قبلت الأمم المتحدة بعضوية " دولة إسرائيل " في جمعيتها العمومية قبل تطبيق حق العودة للاجئ الفلسطيني، ما يشير الى خلل واضح في تطبيقات القانون الدولي وفقا للمصالح السياسية.

لهذا، فأن اللاجئين الفلسطينيين كانوا حذرين من دور الأونروا وسبب وجودها منذ تأسيسها، فإنهم وبفعل افتقارهم إلى جسم سياسي تمثيلي لهم يعبرعن تطلعاتهم السياسية في العودة، تعاملوا مع الأونروا كحكومتهم المعنية بتحقيق رفاههم المعيشي، وعند ظهور منظمة التحرير الفلسطينية، في الفترة التي أصبحت فيها أسواق الخليج الوجهة الجاذبة للعمالة الفلسطينية ( الجانب الاقتصادي المعيشي)، اكتسب اللاجئ الفلسطيني دعم وثقة سياسية واقتصادية، وبدت الأونروا أقل أهمية لبقائهم، غير أن اتفاقات أوسلو أحدثت أزمة وطنية وشرخا بين السلطة الوطنية والغالبية العظمى من اللاجئين، وهذا ما أعاد الأونروا إلى موقع الصدارة مجددا، حيث حافظت على أهميتها ليس كحكومة معنية بالإغاثة فقط، وإنما بوصفها حيزا يمكن اللاجئ الفلسطيني ان يعود من خلاله للمطالبة بحقوقه السياسية والقانونية، التي تجاهلتها اتفاقات أوسلو وانتهكتها، وان وجود الأونروا لا يزال يعني في القانون الدولي في عدم التوصل إلى حل سياسي وقانوني لقضية اللاجئين واستمرار مشكلتهم.

وخلافا للدعاية الصهيونية -الامريكية، فإن وجود الأونروا لم يشجع النضال الوطني الفلسطيني ولم يحتويه ايضا، بل تعامل الفلسطينيون مع الأونروا بطرق مختلفة كما فعلوا مع مؤسسات أخرى، وعلى مدار العقود القليلة الماضية ضَمِنَ نضالهم وكفاحهم عدم نجاح الوكالة –الاونروا -في إخماد قضيتهم السياسية.

والذي ينبغي تسليط الضوء عليه، هو ما إذا كانت البرامج التنموية وبرامج البنية التحتية في أماكن تواجد عمليات الأونروا ومرافقها مرتبطة بأجندات سياسية أشمل؟!، تسعى إلى الغاء وتهميش قضية اللاجئين وحقهم في العودة الى ديارهم.

ولكن تجدر الإشارة، ان لوكالة الأونروا أهمية بالغة في ظل المناخ السياسي الراهن بالنسبة للنضال الوطني الفلسطيني وذلك للأسباب التالية:

- الوكالة طرف موقع على كافة قرارات الأمم المتحدة بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

- برزت الأونروا -في ظل غياب جبهة وطنية تحتل فيها قضية اللاجئين مكانة مركزية في المشروع الوطني الفلسطيني-كمؤسسة تحافظ على إبراز اللاجئين على الساحة الدولية، وتشير إلى أن ولايتها لا تزال قائمة.

- الأونروا تبقى في ظل غياب مؤسسات الدولة، الخازن الأوحد والأهم للذاكرة الفلسطينية التاريخية لأكثر من سبعة عقود، فقد احتفظت بسجلات اللاجئين منذ مطلع الخمسينيات وجمعت ذاكرة مؤسسية تشهد على هذا التاريخ الجمعي، ومع ذلك، فهذه الأسباب وغيرها لا تبرئ الأونروا من التلاعب بها سياسيا بيد القوى الدولية الكبرى وفقا لأجنداتها السياسية، وهو ما يتطلب موقفا متيقظا من الفلسطينيين حيال توجهات الوكالة وسياساتها وبرامجها الحالية والمستقبلية.

لذلك، لم يكن تمرير قرار التجديد الكامل لتفويض الأونروا في الشهر المنصرم من العام الماضي مهمة سهلة، نظرًا لحجم الضغط الأميركي والإسرائيلي الذي شهدته أروقة الأمم المتحدة بهدف تعطيل القرار، ويبدو واضحًا صعوبة العمل في ظل تعقيدات السياسة الدولية الحالية، ورهن الدعم المالي للأونروا بأهداف سياسية، ومؤشر ذلك ، قبل استقالة كرينبول من منصبه بتاريخ 6/11/2019، على إثر تحقيقات بالفساد، أشار إلى أن الأونروا تعاني من "مخاطر وجودية"، وأضاف خلال مقابلة له بتاريخ 18/11/2019، بأن "التحقيق نابع من دوافع سياسية"، "واستُغل في أوج تطبيق صفقة القرن."

لقد عطلت (أوسلو) منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها وأفرغتها من سلطتها وفعالياتها السياسية، ووجهت الموارد والتركيز السياسي نحو "الداخل" -الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية -على حساب اللاجئين وقضيتهم، ورغم الولاء الذي تظهره السلطة الفلسطينية بشعاراتها "لحق العودة،"، فإنها قد دفنت هذا الحق تحت عناوين سياسية متعددة، أسفر ذلك، عن نشوء مزاج سياسي تشاؤمي ولا سيما في أوساط اللاجئين في المنفى، ولذات السبب، استمرت الأونروا وستستمر كمؤسسة دولية ترمز إلى المصير السياسي المعلق للاجئي عام 1948 وحقهم في العودة المُهمَل والساقط فعليا بحكم المبادئ الناظمة لأوسلو والتزاماته.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

 

 

موسى فرجمدخل: منذ 9/ 4/2003 ولغاية تاريخه والعراق يعيش محن متداخلة شكلت فوضى الحكم واستشراء الفساد والفوضى القيمية عند الحكام وبين أوساط المثقفين ورجال الأعمال أهم أسبابها والفقر والبطالة وانعدم سبل العيش أهم نتائجها في حين شكل تدني الوعي المجتمعي وتفتيت المتبقي منه السمة الأبرز للمرحلة ...

- النظام السياسي الذي أعقب سقوط نظام الاستبداد أقل ما يوصف به انه شكل صدمة للشعب العراقي وللعالم بسبب فساد وعدم أهلية الطبقة السياسية التي هيمنت على الحكم ...

- المثقف العراقي بدلاً من أن يضطلع بدوره المحوري في مواجهة المحنة كان البعض منهم أدوات غير نظيفة بل مقرفة تخدم ساسة المحاصصة والفساد في حين وقف البعض الآخر موقف الشامت إزاء ما يحصل تعلقاً منه بأهداب نظام صدام ورفضاً لكل ما عداه أملاً بعودته من جديد والبعض الثالث "واغلبيتهم ممن يعيشون في الخارج" يعيرون الشعب بما حل به ويكتفون برفض ولعن النظام الذي جاء به الأمريكان وقد يجنح ببعض منهم الشطط لتحميل من بقي في العراق المسؤولية في ذلك وقد يذهبون الى ابعد منه فيتهموننا بالعمالة والخنوع والمشاركة في صنع محنة العراق في حين كنا نستصرخهم أن يستجمعوا أنفسهم وهم قادرون لو أرادوا بحكم أعدادهم المليونية أن يؤثروا إيجابياً بمسار الانتخابات لكنهم أحجموا وكانت المشاركة لا تتعدى بضعة مئات الالاف من الملايين الأربعة ومن شارك فيها كان اغلبهم من مناصري أحزاب السلطة ، وكنا نستصرخهم إن تجنبوا صيغة الكلام من على المنابر مع أبناء شعبكم وتعاملوا مع العاجز منهم بصيغة الرعاية والتحبب لكنهم كانوا مصرين على فكرة التخلص منه الى دور العجزة أو ربما أفران الحرق وكنا نستصرخهم باعتماد الوسطية في القول والطموح ليجتذبوا مواطنيهم في الداخل ويرتقوا بوعيهم لكنهم كانوا صفريين في قولهم وكتاباتهم فإما دعاة سلفيين وإما متطرفون في يساريتهم أكثر من جماعة بادرماينهوف...

البعض منهم يريدك أن تكتب قطع أدبية مثل المنفلوطي وتتقيد بالمضاف والمضاف اليه والممنوع من الصرف والجار والمجرور وانت أمام عراق مجرور على طول الخط من قبل الغريب ومن قبل الجار القريب وعلامة جره الخيبات الظاهرة على حظه العاثر...

الاتفاق الصيني العراقي بين رافض له حد الهوس وبين مناصر له حد الوله في حين أننا لسنا امام اتفاقية تحيي وتميت انما نحن امام ممارسة ثانوية لا تستحق التوقف عندها لذاتها بل تستحق أن نتوقف عندها لجهة هل تستحق أن ندعمها لنصنع منها توجه مرحلي أملته الضرورة أم لا...؟.

نفس الأمر ينطبق على خروج العسكريين الامريكان من العراق، فالأغلب من بين العراقيين يريد خروج القوات الأجنبية من العراق ولكن بعضهم يقول لك: أخشى أنك لا تسعى لذلك الا لأنك تريد ان تستبدل الوجود الأمريكي بالوجود الإيراني فوق ما هو عليه...

- والبعض الآخر يقول لك: أنك بهلمتك والصور التي عرضتها في جلسة مجلس النواب لا يهمك خروج الامريكان من عدم خروجهم بقدر ما كان يهمك اثبات الولاء لإيران واظهاره للايرانيين والا فإن الفقرة الثالثة من المادة الثلاثون من الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية واضحه وتقول:

"ينتهي العمل بهذا الاتفاق بعد مرور سنة واحدة من استلام أحد الطرفين من الطرف الآخر إخطاراً خطّياً بذلك" بالتالي لا يتطلب الأمر منك سوى قيام عبد المهدي بتقديم الطلب أصولياً...

- والبعض الثالث يقول لك: إن التئام شمل الأخوة الأعداء في قم وتشكيل جبهة المقاومة يراد منه التعبير عن الولاء لإيران ليس الا لأنهم هم بالذات من يشكلون الأغلبية في البرلمان ويسيطرون على رئيس الحكومة وبإمكانهم دفعه لتوجيه طلب رسمي للأمريكان دون إثارة ترامب الأهوج ليركب ذريعة النص المشاراليه في الاتفاقية فيلحق الضرر بالعراق...

- والبعض الرابع يقول لك: ان دخول جماعة الخزعلي والعامري ضمن المليونية انما يستهدف فض المظاهرات الحالية والمستمرة منذ أشهر بالقوة وقد تكون نتيجة ذلك ضحايا إضافية من أبناءنا سواء كانوا من هذا الفصيل أم ذاك ...

الاتفاق الصيني بين الضرورة والصخب الإعلامي...

من بين ما صادفني في حياتي الوظيفية كنت في منتصف السبعينيات أعمل في دائرة مختصة بالتدريب والبحوث والاستشارات الإدارية وفي أحد الأيام وبينما كنت في الكافتيريا أحتسي الشاي دخل أحد زملائي ودخلن بعده مجموعة ضخمة من النسوة الأقرب الى الختيارات منهن الى سن الشباب ومظاهر النعمة والسلطه واضحة على مشيتهن ...

تخلف عنهن ليجلس معي بينما واصلن سيرهنَّ لتناول المشروبات سألته ما هذه الجهر...؟ "كن يشبهن برلمانيات عراق اليوم بس بدون عبي" فقال أنهن عضوات المكتب التنفيذي لاتحاد نساء العراق ومسؤولات فروع المحافظات خرجنا من قاعة المحاضرات وسنعود بعد ربع ساعه وأضاف قائلاً عملت لهن حاله دراسيه case study بموضوع تداول المعلومات وانت تعرف وضع الجلوس في قاعة المحاضرات على شكل مربع ناقص ضلع أخبرتهن بأني سأقول همساً معلومة محدده للمشاركة الأولى على اليسار وأريد منها أن تنقل المعلومة همساً للتي تليها وهكذا للأخير ... همست للأولى بان وزير خارجية باكستان وصل بغداد البارحه...نقلتها للتي تليها همسا والثانية نقلتها بنفس الطريقة حتى وصلت المعلومة الى آخر مشاركه قلت لها قولي بصوت مسموع ماهي المعلومة التي وصلتك ...قالت: انقلاب عسكري بكوبا ...وبعد إن ضحكن قلت لهن أرأيتن كيف تتغير المعلومة اثناء تداولها ...؟

آنا ضحكت وكَلتله السبب مو انتقال المعلومه بس مشاركاتك هم أمهات كَاله وهم بعثيات شتتوقع من يتناقلن المعلومه قابل تبقى بلوح محفوظ...؟ شفت شلون سوّن الزياره انقلاب...

اللي سوته فضائيات العراق الجديد مع الاتفاق مع الصين أضرب واضربين من رفيقات منال ....

هذه مقدمه حتى أحجيلكم عن الاتفاق مع الصين .... 

واقع جهود الاعمار في العراق...

1- مرحلة تسييح الأموال:

في مرحلة الـ (CPA) وهي المرحلة التي غطت المدة من 9/4/2003 لحين مغادرة بريمر في حزيران 2004: (900 مليون دولار جمعت من قاصات مصرفي الرافدين والرشيد إلى جانب المركزي وما عثر عليه الأمريكان في قصور صدام (عدا ما سرق منها من قبل عصابات الجريمة أو الأمريكان أنفسهم) + 1,7 مليار دولار من الأموال العراقية المجمدة سحبت من المصارف الأمريكية وأودعت في بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي في نيويورك ..) هذه المرحلة كانت عبارة عن تسييح للأموال العراقية وشكلت بروفة الفساد واسع النطاق في العراق في حقبة ما بعد سقوط صدام. وكانت الأموال تنفق خلالها كالآتي:

- يتم إحالة المقولات على مقاولين محليين في المحافظات بعدد هائل وبمبالغ صغيرة والمقاولون يأخذون النقود ويهربون..

نقل لي أحد العراقيون المصاحبون للأمريكان في تموز 2003 بعد اجتماع بريمر بهم أن بريمر وجههم بان لا يهتموا بالرشا وسرقة الأموال ففي النهاية إن تلك النقود تنشط السوق فيزدهر الاقتصاد العراقي ..قلت له لكن من يحصلون عليها يخرجونها إلى عمان ولا ينفقونها في العراق ...

- يتم توزيع النقود من قبل ضباط في سلطة الائتلاف على الجهات المستفيدة بشكل نقدي فتلقى الضباط الأجانب أول دورات ميدانية مكثفة وقصيرة في الفساد على أيدي الفاسدين من العراقيين وذاك لا يشكل شيئاً يذكر مما تعلموه من طرق الفساد في حقبة صدام ، فرئيس الدائرة أو الجهة المستفيدة يقول للضابط الذي يوزع تلك المنح : بدلاً من أن تعطيني ألف دولار أصرف لي 10 آلاف دولار وسأزودك بوصل يؤيد كوني استلمت 10 آلاف دولار ولكن فعلياً سأقبض منك 5 آلاف دولار فقط والـ 5 آلاف دولار الأخرى في جيبك ..وفي هذه الحالة يمتلئ جيبك بالدولارات وموقفك سليم أمام الجهة التي تدقق عليك وأمامي أيضاً فكانت إن انتشرت ولأول مرة في العراق مفردة : واووو..!.. والكل بات يستخدمها إلا أنا وأشجم غشيم في العراق بقينا نستخدم يا يابه...!.

2- مرحلة الشركات:

- ما بعد مرحلة الـ (CPA) بدأت مرحلة الشركات التي استحوذت على معظم العقود في ملف إعادة أعمار العراق ...؟ وفي هذه المرحلة سيطرة شركة هاليبرتون وشركة بكتل الأمريكيتين وشركة كويتية على معظم المقاولات (كشف تقرير أعدته صحيفة فاينانشال تايمز Financial Times أن عشر شركات عملاقة حققت أرباحاً طائلة قدرها 72 مليار دولار خلال عملها على تقديم الخدمات والأعمار في العراق، مبينة أن شركتين أميركية وكويتية تقفان على رأس من حصدوا تلك الأرباح)...

- لماذا سيطرت شركتا هاليبرتون وبكتل على عقود الأعمار ..؟.

الجواب: بسبب صلتهما بالإدارة الأمريكية إذ إن هاليبرتون يرأسها ديك تشيني قبل وصوله إلى البيت الأبيض نائباً الرئيس الأمريكي (كان يتولى منصب الرئيس التنفيذي للشركة قبل انتقاله إلي البيت الأبيض.. )...

- هل أن ذلك مخالف للقانون الأمريكي ويعتبر فساد ..؟.

الجواب: نعم بسبب تعارض المصالح.

- كيف كان يتم تحديد مبلغ المقاولة..؟.

الجواب: وفقاً لطريقة الكلفة زائد .. وتعني انه لا يتم تحديد سقف للمبلغ وإنما تجعل المقاول غير محدد بالصرف وكلما صرف أكثر زادت أرباحه أكثر (حالة واحده مشابهه على حد علمي حصلت في العراق قبل ذلك وهي إن حكومة صدام عندما أرادت بناء مبنى القيادة القومية لحزب البعث في شارع الزيتون في أوائل السبعينات كلفت شركة يوغسلافية وقالوا لهم: لا يهمنا المال إنما تهمنا النوعية فاصرفوا قدر ما شئتم ونحسب لكم هامش ربح يحسب على أساس كذا نسبة من الكلفة ..يعني بما يقابله باللهجة العامية ـ توصاه ـ كي تليق البنايه بمقام عفلق والياس فرح اللذان سيسكنان البناية عند انجازها... هذا ما تعنيه طريقة كلفه زائد بالضبط .

- ما هي مفردات الكلفة زائد في المقاولات الأمريكية...؟.

الجواب: الكلفة + تكاليف أمنية بنسبة 30% من الكلفة + هامش ربح بنسبة 12%من الكلفة...

- أثناء وجودي في هيئة النزاهة وجهت كتابين بهذا الخصوص مذيلان بتوقيعي واحتفظ بصورتيهما إلى رئيس الوزراء بتاريخ 28/5/2006 وهذا نص ما ورد فيهما:

((إن المشاريع التي يتم إحالتها من مكتب أعمار العراق التابع للسفارة الأمريكية تتم وفقاً للآتي:

1- تضاف مقدماً نسبة 30% من قيمة المشروع باسم فقرة (الخدمات الأمنية) في مختلف مناطق العراق (باستثناء كردستان فتضاف نسبة 8%).

2- تضاف نسبة 12% من القيمة الإجمالية للمشروع تسمى هامش ربح.

3- إن اعتماد صيغة الإحالة تلك يجعل الشركات المنفذة غير ملزمة بسقف للصرف أو تحديد للكلفة الإجمالية مسبقا والمنافسة على أساسها.

4- إن الصيغة أعلاه في إحالة العقود تتعارض مع الصيغة المعتمدة من قبل لجنة العقود المركزية في مجلس الوزراء وتنطوي على مضاعفة المبالغ لإنجاز المشاريع..

5- إن الأموال في كافة الأحوال هي أموال عراقية وبصرف النظر عن مصدرها سواء كان صندوق تنمية العراق الذي تودع فيه عائدات النفط أو المتأتية من قروض أو منح، وينبغي التعامل معها وفقا لهذا المنظور. .

6- سبق وان أكدنا على أهمية أن يتم تسليم المنح أو القروض إلى وزارة المالية العراقية وإخضاعها لرقابة الجهات العراقية المختصة، ولا يمنع ذلك من وجود لجان مشتركة تضم ممثلين عن الجهات المانحة لمتابعة تخصيص تلك المنح للأغراض التي منحت لأجلها ومتابعة كفاءة التصرف فيها... مع التنبيه إلى خطورة تكرار ظاهرة نقل الوثائق من قبل الـ (CPA) التي حصلت ضمن مرحلة سلطة الائتلاف.)..))

تم توجيه نسخ من الكتاب أعلاه إلى: السفارة الأمريكية ـ مكتب المفتش العام الأمريكي لتزويد هيئة النزاهة بكشف يتضمن المبالغ وصورة ضوئية من عقود المشاريع ..لكن ستيوارت بووين لم يتعامل مع هيئة النزاهة، والحكومة لم تحرك ساكنا...

في تلك الفترة تبين أن الشركات الأمريكية بعد رسو الاحالة عليها تقوم بتجزئة المقاولات وبيعها لشركات تركية أو كرديه بثمن بخس يعني ام الـ 5ملايين دولار بمليون دولار والشركات الثانوية تقوم ببيعها الى مقاولين محليين طكَ عطيه أم المليون بخمسين ألف دولار فيتحول المشروع من مشروع مجاري عملاق الى ساقية لتصريف مياه الأمطار...الأهالي يثورون على المقاول العراقي الغلبان يصيح يابه ماخذها بخمسين ألف ميفتهمون الشغله...

هذا نتيجته أن الأموال المصروفة على الأعمار بلغت للسنوات 2003- 2012 مبلغ 222 مليار دولار وفقاً لبيانات البنك الدولي منها 126 مليار دولار من موازنات الحكومة و96 مليار دولار من خلال سلطة الائتلاف والأمريكان والمنظمات متعددة الجنسية...والنتيجة على الأرض هي الآتي:

الـ 126 مليار المصروفه من موازنات الدولة نسبة التنفيذ السنوي 5% والـ 96 مليار دولار المصروفة من قبل الأمريكان النتيجة: صفر....

3- مرحلة الفرهود وأهم سماتها الآتي:

1- تبديد الموازنات العراقية السنوية على الاستهلاك دون البناء من خلال استيلاء النفقات التشغيلية "الرواتب والمخصصات ومصاريف الايفاد والهبات" على 70% من الموازنات في حين يخصص للمشاريع 30% ولأن الموازنات الحكومية تتضمن عجز سنوي دائم فإن تخصيصات المشاريع دائماً تقع ضمن فقرة العجز في الموازنة...

2- وكان الفرهود المشرعّن بقوانين من بين أحد سمات هذه المرحلة ويحتل الصدارة فمثلاً كانت تخصيصات الرئاسات الثلاث "رئاسة الجمهورية ومجلس النواب ورئاسة الوزراء " تفوق مجموع تخصيصات: قطاع الصناعة + قطاع الزراعة + قطاع الاتصالات + قطاع البيئة + قطاع العلوم مجتمعة للسنوات 2006 ـ2011 وراتب رئيس الجمهورية أعلى من رواتب الرئيس الصيني والفرنسي والروسي مجتمعة اما ما يقبضه البرلماني العراقي فكان يفوق ما يقبضه السيناتور الأمريكي عدة مرات ومصاريف ايفاد رئيس الجمهورية لحضور اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة لستة ايام كانت مليونا دولار وانتشر في مكاتب المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين وفي بيوتهم أيضاً الأثاث التركي الكاريكاتيري وكراسي الطاووس التي تظهر الجالس عليها مثل ذبابة عالقة بين تلافيف وردة عباد الشمس الضخمه...

3- اما فيما يتعلق بالمشاريع فقد سارعت بطانة المالكي وبعد تسلمه المنصب عام 2006 مباشرة الى نقل اختصاصات لجنة العقود والمناقصات التي تشكلت في عام 2005 بمبادرة من المرحوم احمد الجلبي وتختص بدراسة واجازة العقود والمناقصات التي تبلغ قيمتها 500ألف دولار فأكثر الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء فباتت إحالة كل المناقصات والعقود الضخمة من اختصاصها الأمر الذي جعلني أطلق تحذيري في عام 2008 من "أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء باتت تشكل بؤرة الفساد في الحكومة ".

وفي هذه الفترة بدأت احالة العقود على شركات لبنانية وإيرانية وتركية وأهلية معظمها وهمية وفاشلة قامت بتواطؤ من المسؤولين الحكوميين في أمانة مجلس الوزراء والوزارات والمحافظات باستلام مبالغ المشاريع أو الدفعات الأولى لتختفي وتعاود الظهور بأسماء جديدة مرة أخرى وتحولت مقاولات المشاريع الضخمة في المحافظات الى مجرد سواقي لتصريف مياه الأمطار وصبغ متكرر للأرصفة.

فكانت النتيجة أنه لغاية عام 2017 بلغت قيمة المشاريع الوهمية والفاشلة والمتوقفة حوالي 228 تريليون دينار ومن ثم جاءت هيئة النزاهة لتكشف وخلال شهرين "قبل أن يفقد رئيسها حياته بحادث مروري مفتعل لم يرافقه سطرين من تحقيق بالحادث" مشاريع وهمية أو مشاريع لا تزيد نسبة الانجاز فيها عن 5% بمئات التريليونات من الدنانير...

في هذه الحالة أنت أمام أزمة خانقة في مجال البنية التحتية من طرق وسدود ومدارس ودور سكن وعلى مدى 16 سنه خرجت صفر اليدين من كل ذلك رغم إنفاق مئات المليارات من الدولارات لبناء المشاريع، في نفس الوقت فإنك تخصص في الموازنة السنوية وطيلة السنوات الفائتة ما نسبته ما بين 25% و30% من الموازنة للمشاريع وهذه النسبة تعادل قيمتها قيمة حوالي 1,2 مليون برميل نفط يومياً ولكن دون طائل بسبب استشراء الفساد وفوضى الحكم ...

4- الاتفاق الصيني:

تخيلوا معي هذا السيناريو:

تأتي جهة لتقول لك:

- انا مقاول مضبوط ومشاريع البنى التحتية اختصاصي اتعهد بتسليمك مشاريع على الأرض بكلفه مناسبه ونوعية جيدة.

- وعلى سبيل التأكد اعرض عليك أن تحيل عليَّ 5% من الـ 30% المقررة للمشاريع في موازنتك فاذا وجدت عملي مضبوط من ناحية الكلفة والجودة والالتزام بالوقت فبإمكانك ان تحيل عليَّ مشاريع أكثر لتبلغ النسبة 10% أو 15%...

- وحتى أسهل عليك الأمر لن أأخذ منك فلوس وانما ما يعادلها من نفط ومقداره: 100 ألف برميل يومياً وكحد اقصى 300 ألف برميل وهذه الكميات هي اصلاً جزء مما تصدره لي حالياً من نفط فانت تصدر لي حالياً بين 850ألف الى مليون برميل يومياً... قيمة الـ 100ألف الى 300 ألف برميل يوميا منها سأدفعه لك نقداً لتقوم انت بإيداع المبلغ في حساب باسمي لتغطية تكليف المشاريع التي سأنجزها لصالحك ...

- ولتسهيل الأمر عليك أكثر أضع أمامك 3 خيارات:

أما أن انجز لك بمقدار ما تلتزم به من كمية نفط لي يعني 100أو300ألف برميل وفي هذه الحاله لا تتحمل اية فوائد بل تكسب مني فوائد على مبالغ الكميات اعلاه المودعة في حسابي قبل استحقاقي للسداد ولكن في حالة اذا كنت مستعجل وتريد انجاز مشاريع أكثر من قيمة الكمية المشار اليها فإني مستعد لوضع أموال تحت تصرفك وبسقف اعلى يعادل 6أضعاف قيمة ما تصدره لي من تلك الكميات المتفق عليها والبالغة بين 100- 300ألف برميل يومياً لكن في هذه الحالة استوفي فوائد على المبالغ التي اضعها تحت تصرفك باعتبارها قرض عليك ولكن بشروط وفوائد أقل من تلك التي يطلبها عليك غيري من المقرضين ومستعد أن اوفر لك مبالغ لحد 10 مليارات دولار خلال مدة الاتفاق الذي سيستمر بيننا لمدة 20 سنه بواقع 2 مليار دولار سنويا إن رغبت ...

- وأسهل عليك الأمر بعد أكثر راح نجيب شركة تدقيق دوليه يكون مقرها عندك في بغداد تقوم بتدقيق العروض التي تقدمها شركاتي من ناحية الكلفه والمواصفات لتكون متطابقة مع المعايير الدولية وعند تسليم أي مشروع أيضاً تقوم بتدقيق مدى توفر المواصفات المعيارية من ناحية الكلفة والمواصفات...

- وبعد... أي مبلغ تضعه في حسابي عن قيمة كميات النفط المتفق عليها سيكون مؤمن عليه من الحجوزات ...

- وبعد...انت حر في أي وقت تريد تفسخ الاتفاق براحتك بس تخبرني قبل 3 أشهر...

هذا هوَّ الاتفاق الصيني كما افهمه لا فوكَاه ولا تحته الله وكيلك، لا 500 مليار دولار ولا 8 ملايين وحدة سكنية ولا 25 ألف مدرسه ولا رهن نفطك ولا يحفرولك الصينيين حفره ظلمه ويدفعوك بيها ومن لديه توضيح مستند الى حقائق يراها فيه خافية سأكون ممتن...

أسئلة افتراضية واجوبه...

س: هل هذا يعني رهن النفط العراقي وهو ثروه ناضبه...

ج:

1- احتياطي النفط العراقي نوعين المؤكد ويبلغ 115 مليار برميل وهو ما يعادل 4أمثال الاحتياطي الأمريكي أما الاحتياطي غير المؤكد فيبلغ بحدود 360 مليار برميل وسيكون آخر برميل نفط يرى النور في العالم مستخرج من بلاد ما بين النهرين...

2- انتاج النفط العراقي حاليا 4،5 مليون برميل يومياً والطموح لـ 6 مليون برميل يومياً...

3- الكمية موضوع الاتفاقي بين 100- 300 ألف برميل لا تهدد الاحتياطي النفطي العراقي ولا تشكل فارق يذكر في كمية الانتاج خصوصاً مع مراعاة قضيتين الأولى: ان ما يتهدد العراق ليس نضوب نفطه وانما التحول عن النفط الى مصادر طاقه بديله وبالتالي المنطق يقول البيع الآن خير من البيع بعد 50سنه، القضية الثانية: النفط مثل البنت مشروع زواج وليس الغرض منه تعتيقه لتشربه بعد سنوات...

س: يقولون سنبني 8 ملايين وحده سكنيه أليست كثيرة...؟

ج: سلوك جماعة عادل عبد المهدي مع الاتفاق الصيني مثل سلوك فقاء المسلمين مع الدين الاسلامي خلقوا منه روايات وبلاوي لا 8 ملايين ولا خمسه وانما الصينيين بإمكانهم بناء اكبر من هذا العدد ولكن الأمر يتوقف عليك انت أقصد الحكومه وفلوس الحكومه المتأتية من قيمة الكمية المتفق عليها 100- 300 الف برميل أو المبلغ الذي تعهدت الحكومة الصينية وضعه كائتمان لصالح الحكومة العراقية ان طلبت منهم ذلك...

س: يقولون إن الصينيين سيبنون موانئ وجسور ومطارات ومدن وغيرها من الأمور ...متى نرى ذلك...؟

ج: الصينيين مستعدين يصنعون حتى أزواج وزوجات روبوت ولكن حسب طلبات الحكومة العراقية وبحدود المال المتوفر...أما ان تتوقع تصحو من النوم في أحد الأيام فتجد كل ما ذكرته موجود فهذا من صنع خيال فقهاء عادل عبد المهدي الذين رافقوه...

س: هل يشكل ذلك بداية للصين باستعمار العراق...؟

ج: هنَّ 100 ألف برميل وبعدين انت خلص نفسك من الاستعمار الحالي وبعدين خاف من الصين...

س: يكَولون الصين راح تحسب علينا فوائد...؟

ج: لا تطلب أكثر من نفطاتك الـ 100- 300ألف ميحسبون عليك فوائد...

س: ليش امريكا تعارض ...؟

ج: امريكا لا تعارض لأنها أيضاً داخله باتفاق بشأن تمويل قرض بمبلغ 5 مليار دولار للعراق 4 منه للحكومه ومليار للقطاع الخاص ولكن امريكا تتمنى أن يكون العراق لها وحدها خوفاً من ميله على المدى البعيد للصين ويتحرر من نفوذها...

س: هل يحتاج الى تشريع من مجلس النواب...؟

ج: لا يحتاج لأنه اتفاق وليس اتفاقية ومذكرة التفاهم والاتفاق لا يحتاجان تشريع لأنهما من صلاحية الحكومة بينما الاتفاقية تتطلب تشريع من مجلس النواب الى جانب ذلك فان ما يعادل قيمة الكمية المتفق عليها 100ألف يوميا لمدة سنه يعني حوالي 1,2 مليار دولار سنوياً ستكون من ضمن تخصيصات الموازنة العامه تحت بند المشاريعٍ وبتصويت البرلمان على الموازنة فانه سيكون ضمناً صوت عليها...

س: متى يبدأ العمل بالاتفاق مع الصين ...؟

ج: بدأ فعلاً منذ 1/ 10 /2019 حيث تم تصدير اول 100 ألف برميل...اما المشاريع التي تنجز لقاء هذه الكمية على مدى السنة الحالية 2020 فستكون استكمال محطة كهرباء غير مكتمله وبناء مخازن نفطيه ...

س: ما هو دور عادل عبد المهدي بالاتفاق مع الصين...؟

ج: الفكره قديمه من ايام الجلبي وفي فترة رئاسة العبادي قام بتوقيع مذكرة التفاهم مع الجانب الصيني ودور عادل عبد المهدي اقتصر على فتح حساب مصرفي وحساب نفطي للكمية المتفق عليها...

س: يقال إنه إذا ارتفعت اسعار النفط الاتفاق الصيني ليس بصالحنا، هل هذا صحيح...؟

ج: العكس هو الصحيح لأن الاسعار إذا ارتفعت فإن قيمتها سترتفع معنى هذا فلوسها أكثر وبالنتيجه تحصل على مشاريع أكثر بنفس كمية النفط المتفق عليها هذا إذا التندر حصل توقيعه قبل ارتفاع سعر النفط أما في حالة انخفاض اسعار النفط فانت ايضاً مجبر على بيعه سواء كان سعر البرميل 100أو10 دولارات لأن موازنتك معتمدة على ايراداته...

س: يقولون ان الصينيين يجلبون المواد اللازمة لتنفيذ المشاريع من الصين ولا يشترونها من العراق..هل هذا صحيح...؟

ج: مادامت المشاريع معظمها تتعلق بالبنية التحتية وليس بإنتاج المفاعلات النووية فإنه ليس من المنطق أن يجلبون التراب والرمل والحصى والجص والطابوق والفرشي والزفت معهم من الصين لأن تكاليف نقل مثل هذه المواد عاليه...

س: يقولون إن الصينيين يجلبون عمالهم معهم من الصين وهذا لا يساعد في معالجة البطالة في العراق...؟

ج: مبلغ الالتزام في الاتفاق الصيني سنوياً حوالي 1,1 مليار دولار وموازنة العراق لعام 2019 بلغت 112 مليار ...عالج بطالتك من الـ 111 مليار المتبقيه والـ 100 ألف برميل يوميا تعادل 2,5% من كمية انتاجك اليومي من النفط وهذا يعني أن تحت يدك 97,5% من انتاج النفط يومياً حره وبإمكانك معالجة البطالة من خلالها...

بعدين الفت عنايتك لشغله مهمه:

- أثناء حرب الثمان سنوات معظم العراقيين بجبهة الحرب وأحد معامل السمنت يتم تشغيله من قبل الكادر الصيني باتفاق مع شركة صينية وقت ذاك طلب منهم وزير الصناعه اشراك 50% من عمالتهم من العراقيين اعترض مدير الشركة الصينية وطلب فسخ العقد ...وصل الخبر لطه ياسين رمضان وكان يشغل منصب النائب الأول لرئيس الوزراء فطلب حضور الوزير الهيتي وبمعيته مدير الشركة الصينية فحضرا امامه ومعهم المترجم فسأله طه ياسين رمضان لماذا ترفضون اشراك العمالة العراقية معكم...؟ فقال المدير الصيني تقاليدكم تختلف عن تقاليدنا وتتسبب بإرباك العمل مثلا العامل العراقي اذا تموت خالته يروح جناز ويحضر الفاتحه 3 أيام والأربعين وبدورة السنه كلها هاي الأيام يتغيب عن العمل واذ يتزوج ابن خالته همين يغيب...أبتسم طه ياسين رمضان فتشجع المدير الصيني ليقول أكثر فأضاف أحنا سامعين الصلاه عند المسلمين لو 3 مرات لو خمسه باليوم بس مو 16 مره استغرب رمضان ...فسأله شلون يعني...؟ قال له : العامل العراقي يعيد الصلاة عدة مرات تهرباً من العمل وعندما نقول له لماذا تعيد صلاتك يقول بطلت بسبب خروج غازات أو أصوات من جسمه...

- حاله ثانيه: عملت في التسعينيات في احدى شركات وزارة الصناعه وعند خروجنا أنا وزميل لي في أحد الأيام من مطعم المنتسبين بعد الغداء قال زميلي ما رأيك ان نمر على ابو "ص" مدير أمن الشركة نشرب جاي ...؟ وكان بيومها الدنيا حاره بلبة تموز فتحنا باب الغرفه وجدنا ابو "ص" مدير أمن الشركة يجلس على كرسي عكس فتحة الباب يحقق مع صيني أجلسه على كرسي قبالته وعلى رأسه الطير لكن كونه صيني وما ضابط اللغه تراه مبتسماً.. شنو التحقيق...؟ صاحبنا موجهاً كلامه للصيني: أنته سنييييي ..يشيعي...؟؟؟ والصيني صادف من مسلمي الصين يعرف ما تيسر له من الفصحى فيرد عليه قائلاً: أنا أعرف لا الاه الا الله موهمد رسول الله... وصاحبنا العركَ مسبحّه ويصيح عليه بعصبيه...أدري أدري ...بس انته سنيييي يشيعي...؟ كَلت لصاحبنا يمعود ابو "ص" اتقي ربك هسا همه ماصارلهم فتره طويله طعلوا من شغلة ماو موزين يعرف لا الاه الا الله...ابو "ص" كَال مو اريد أعرفه خاف بحزب الدعوه ...! ليش ما يصيح الصيني أعرف عبد القادر الكَيلاني وجان ينقذ الموقف صحنا على ابو "ص" شفت يابه طلع سني الرجال فضها عاد وطبعاً أبو "ص" شيعي ...

شفت عيني ...مع محبتي للقوى العامله العراقيه المقدسه...

س: لماذا لا نعتمد على أنفسنا بدلاً من اللجوء الى الدول الأخرى...؟

ج: أنا لست مع استيراد البضاعة استهلاكية كانت أم مشاريع وانما مع استيراد التكنولوجيا وقيام أهل البلد باللازم ولكن للضرورة احكام ففساد الطبقة الحاكمة أفسد كل شيء افسد البشر والحجر فبات الموظف فاسد الا من رحم ربي والتاجر فاسد يستورد نفايات الأسواق ليسوقها على ابناء شعبه حتى بلغ الأمر ببعض التجار أن يشتري مواد احتياطية يابانية ملوثة بالإشعاع النووي الناجم عن تحطم المحطات النووية في اليابان ويطلب من البائع رفع التحذير المكتوب عليها لإخفاء الأمر ليسوقها الى ابناء مدينته في الناصرية وعندما يعذله التاجر الياباني لأن ذلك يضر بشعبه لا يهتم لكنه عندما يحل وقت الغداء يسأل التاجر عن مطعم يذبح على الطريقة الاسلامية..! وبات المقاول فاسد حد النخاع أذن في هذه الحالة لا مناص من التوجه للدول الأجنبية وبعدها اعتماد اسلوب المشاركة وبعد ذلك عندما اتيقن من أن التاجر والمقاول بلغ مستوى الحد المقبول أركن اليهم دون غيرهم ..

س: لماذا الضجة ضد الاتفاق ومن هي الجهات التي لا يعجبها...؟

ج: للضجة اسباب مختلفه:

1- انعدام الثقة بالحكومة وبأية خطوة تخطوها الحكومة...

2- انعدام الشفافية عند الحكومة فهي رغم الضجة المثارة ضد او مع الاتفاق لليوم لا تضعه على موقعها الإلكتروني...

3- المناكفات بين ساسة المحاصصة واتباعهم...

4- اتباع إيران يؤيدونه من منطلق الرغبة في ابتعاد العراق عن أمريكا وجماعة أمريكا يعارضونه من منطلق الحرص على عدم افلات العراق من منظومة النفوذ الأمريكي ...

5- والأهم من ذلك ركز على احالة المشاريع حالياً على أية جهات تتم...؟ الجواب الشركات اللبنانية والايرانية والتركية والكردية والمقاولين الفاسدين، هذه الجهات ستخسر فرص التعاقد معها على مقاولات وبنسبة ما يتم تخصيصه لهذا الغرض من كمية نفط أو اموال من المنهاج الاستثماري فتجد اصواتهم عالية ضده ...

6- والأهم من ذلك جداً جداً الموظفين والمسؤولين الحكوميين في الوزارات والمحافظات والبرلمانيين المستفيدين من علاقتهم برسو المناقصات والعقود إذا وسعت الحكومة علاقتها بتنفيذ المشاريع مع حكومات وليس افراد وشركات هؤلاء سيخسرون ميدان الكومشنات والرشاوي والابتزاز...

س: كيف يتم تحقيق اقصى استفادة ممكنة من الاتفاق الصيني...؟

ج: هذا السؤال مهم جداً...

1- أن يتم التعامل مع مخرجاته من منطلق تحقيق التنمية المكانية المتوازنة بمعنى تحديد الأولويات اولاً من منطلق وطني مثل السدود ومشاريع الكهرباء والموانئ ومن ثم على أساس المحافظات الاكثر شحة في مشاريع البنى التحتية وبعد ذلك المحافظات الأكثر فقراً...

2- ان يتم تشكيل ادارة عراقية رديفة نظيفة ومتمكنة للأشراف والمتابعة على تنفيذه...

3- ان يتم تنويع الجهات الدولية والتوسع في هذا المجال فيتم الاستعانة بألمانيا او فرنسا لمثل هذا الاتفاق وبالحدود التي يتيحها حجم الأموال التي يراد تخصيصها للمشاريع سنويا...

س: إذا هيجي الاتفاق الصيني هذا خوش ..ما رأيك...؟

ج: أنا فهمي للاتفاق الصيني هيجي فاذا كان هذا الهيجي يعجبك حاول تحصل على معلومات أكثر وشوفه إذا هيجي خوش وإذا مو هيجي خل يسووه هيجي...

س: وهذي الفضائيات الدوختنا...؟

ج: هذي الفضائيات مثل رفيقات منال يونس....

شكراً....

***

موسى فرج

 

محمود محمد عليخلال أيام قليلة وتبدأ الذكري التاسعة لثورة 25 يناير المصرية .. واسمح لي عزيزي القاري أن أطلق علي هذه الذكري " موسم 25 يناير"؛ هذا الموسم بدأ..  والبشاير بدأت تهل علينا..هي ليست بشائر بمعني كلمة بشائر.. بل وقائع وحركات وخطوات لا بد من أن نقف أمامها ، ونركز معها.. هذا الموسم أصبح يمثل بالنسبة لنا نحن المصريون عادة مكررة من ذكري ثورة 25 يناير التي أطاحت بأعتي عتاة الدكتاتورية وهو حسني مبارك (والذي بسببه تحولت مصر من دولة قوية إلي دولة رخوة بلغة أستاذي جلال أمين) .. كل سنة يبدأ الموسم والكل يهل علينا بطلته وكذبته ولعبته الجديدة.. وعندما نقترب من ذكري 25 يناير تبدأ بكائيات النشطاء وتنتشر حملات الإخوان ويبشرنا معتز مطر ومحمد ناصر وإخوانهم من خلال قنواتهم سواء الشرق أو مكملين بثورة جديدة ، ثم يطل علينا الدكتور محمد البرادعي كعادته.. وفي هذا التوقيت أو الموسم بالذات ، والذي يظل صامتاً طوال العام لا يتكلم كلمة واحدة .. إلي يأتي موسم 25 يناير لينطق بكلماته الغير مفهومة، وكأنه مثل ثمرة المشمش لا يظهر إلا في موسم قصير ومحدد جداً جداً .

الدكتور البرادعي بدأ موسمه خلال الأيام الماضية بتغريده قال فيها بأن :" الشعب المصري عايش في انقسام.. وغضب.. وإحباط.. وأشياء أخري كثيرة ... والحقيقة كلها سلبية "..عاد البرادعي ليكشف لنا أسراره داخل القصر والحزب والميدان بعد سنوات كاملة من الغياب والاختفاء.. غاب فيها أيضًا عن ذهنه أدنى قواعد العلاقة بين السياسي وجمهوره الذي يرغب في معرفة ما الذي حدث؟ ومن أخطأ؟ ومن يتحمل تبعات ما وصل إليه حالنا؟ يعود البرادعي ليقص علينا رؤاه وفلسفته التي ساوت بين الثورة والثورة المضادة، وما الذي كان وراء خياراته الفوقية والمتعالية على السياسة والحزبية طوال 4 سنوات قضاها في مصر.

عاد السياسي المنتهي ليبرئ ذمته وهو الذي كان واحدًا ممن شاركوا في تأزيم تلك الثورة ووضعها على حافة المخاطرة مرات ومرات، قبل أن ينتهي بها المشهد والبرادعي يتلو بيان وفاتها في الثلاثين من يوليو 2013... هيئت له سذاجته أو غروره أو كلاهما أنه سيطيح بخصومه، فإذا به تروعه مشاهد الدماء، فيختار الانسحاب نهائيًا من المشهد مفضلًا العودة إلى فيينا ؛ حيث أتى قبل 4 سنوات من ذلك اليوم.

والسؤال هنا لماذا يظل البرادعي صامتاً طوال السنة، ثم عندما يتكلم يؤكد لنا بإلحاح علي أن الشعب المصري غاضب ومحبط ومنقسم ... أين هذا الانقسام يا دكتور برادعي ؟  أين هذا الغضب؟ كيف يكون هناك شعب محبط وغضبان ومنقسم مع أول لمحة توتر أو مشاكل في المنطقة كما حدث في ملف ليبيا ، عندما قام هذا الشعب لينتفض ويتماسك ويعلن مساندته لجيشه وبلده .. لماذا يا دكتور برادعي عيناك لا تري ما يحدث إلا في المصائب ؟.. لماذا تؤثر عيناك النظر إلي نصف الرجاجة الفارغ وتكتب لنا تغريدة تساند مصر وتنقذها من كبوتها سواء في ملف سد النهضة أو ملف التهديدات التركية في ليبيا؟ .. أليست كل هذه قضايا تتعلق بالوطن يا دكتور برادعي؟

وهناك نقطتان مهمتان نود أن نشير إليهما حتي لا يقال عنا بأننا نصادر علي الدكتور البرادعي رأيه وهما :

أولاً:- إذا كان الدكتور البرادعي مهتماً بالشأن السياسي المصري، لماذا يظل طوال صامتاً.. مختفياً ولا نراه يتفاعل مع الأحداث أو يعلق ويساند وطنه في الملفات المهمة .

ثانياً:-لماذا الدكتور البرادعي مهتم بالشأن العام وانتشار السلام في المنطقة بشكل عام ...لماذا لا يعطينا تصريحات ضد الانتهاكات التي يمارسها أردوغان في الأراضي العربية ... هل يصح يادكتور برادعي أن تسمع سيادتكم أدوغان وهو يقول عن ليبيا بأنها ميراث الدولة العثمانية وتصمت ولا نجد لك تصريحاً يشجب ذلك وكأن شيئاً لم يكن !!

هناك تغريدة أخري للدكتور البرادعي ... تغريدة غريبة وعجيبة ؛ حيث : هناك فارق عظيم بين نبل الثورات وسمو أهدافها وبين سوء إدارتها ومحاولات اختطافها " ... كلام جميل د. برادعي .. نتفق معك.. ولكن هذا تنظير وليست تطبيق .. ألم يكن من الأولي أن تعترف بأنك كنت سبباً رئيساً في سوء إدارة 25 يناير .. وأنك أنت ومن كان معك هم الذين دشنوا الطريق لجماعة الإخوان المسلمين كي يصلوا لسدة الحكم.. لم تترك لنا فرصة معالي الدكتور برادعي إلا وقد خذلت فيها بلدك مصر .. لقد خسرت كل معاركك .. وفضحتك ممارساتك السياسية والقمعية علي تويتر .. وذلك عندما قمت بعمل بلوك علي كل من انتقدوك .. أتتذكر عندما رجعت إلي مصر .. المصريون جميعاً قالوا أُدخل الانتخابات وواجه الإخوان المسلمون.. لكن خفت وانسحبت .. ثم تشاء الأقدار بعد ذلك لتتولي منصباً مهما في ظل رئاسة عدلي منصور للبلاد ، وذلك في توقيت حساس كانت مصر تخوض فيه حربها مع الإرهاب .. وللأسف يا معالي الدكتور مع أول أزمة هربت كما تهرب الجيرزان وانسحت دون مواجهة .. وكالعادة آثرت أن تكتفي بكلام إنشائي ينم عن عدم الاستطاعة والظروف .. وفي الرابع عشر من أغسطس 2013 ينهي البرادعي إلى الأبد، ويعلن عن نهايته كسياسي، وينسحب من المشهد نهائيًا خاذلًا هؤلاء الذين التفوا حوله وعقدوا عليه آمالهم ومنحوه ثقتهم، ويتوقف نداء «شد القلوع يا برادعي.. مفيش رجوع يا برادعي»، وتنتهي الأسطورة الكاذبة وهي أسطورة «ضمير الثورة وقديسها".

السؤال الآن : إذا لم تكن لديك القدرة علي مواجهة الأزمات الكبيرة فأي نوع من الرجال تكون أنت سعادة الدكتور البرادعي ؟ .. لكن للأسف الدكتور البرادعي أخذ يشرح لنا عوالم السياسة وكيف تكون ولماذا وأين! ... وعندما أسس حزب .. وجلس علي كرسي إدارته.. فشل الحزب وهرب البرادعي بسبب الصراعات وغياب الرؤية السياسة .. صاحب جائزة نوبل للأسف سقط من عيون المصريين عندما كتب تغريداته ليصف بها محاربة مصر للإرهاب بأنها تمثل عنف متبادل .. وهذا وصف لشخص منزوع البصيرة لا يميز بين الجندي الذي يدافع عن أرضه بشرف وبين الإرهابي المجرم المعتدي ... أكمل كما تحب وغرد كما تشاء يا دكتور برادعي فالمصريون أدركوا حقيقتك .

وأخيرا ً أختم مقالي بما قاله عنه الأستاذ محمد عبد الفتاح السرورى في مقاله المنشور بالحوار المتمدن تحت عنوان "ضد البرادعي "؛ حيث يقول :".. إن المتتبع لتصريحات محمد البرادعي لا يجد إنصافا منه ولا عدلا... لا في القول ولا في الفعل لا يجد منه الا كل تحيز واستكانة ونظرة أحادية لا تخطئها العين المجردة .... هذا الأسد الجسور على (إيران) لا يتفوه بكلمه واحدة ضد إسرائيل التي لا تخفي أنها تمتلك بالفعل أسلحة نووية ومفاعلات ذرية ... هكذا عياناً بياناً لا ظناً ولا إدعاءً... ورغم تحفظاتنا على إيران وعلى سياستها تجاه المنطقة العربية وما ترعاه أحيانا من جماعات وأحزاب وما تقوم به من تمويل لهذه الجماعات والأحزاب بما لا يخدم أحد إلا أعداء هذه المنطقة إلا إننا في هذا المقام تقف مع الحق ومع الحياد ... أنني وبصفة شخصية لا أؤيد امتلاك إيران للأسلحة النووية و أرفض أيضا أن تمتلكها إسرائيل فإذا ما اتخذت الوكالة الدولية للطاقة الذرية موقفا مناهضا لامتلاك إحدى الدول هذا السلاح المدمر فيجب أن تقف نفس الموقف وبنفس القوة وبذات الإجراءات مع جميع الدول دون استثناء وهذا لا يحدث لا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بصفة عامة ولا من مديرها بصفة خاصة.

ويستطرد محمد الشروري فيقول: الدكتور محمد البرادعي الذي يتحدث ليلا ونهارا عن النزاهة والشفافية هو أول من يفتقد لهذه النزاهة وهذه الشفافية ... وإلا فعلية أن يجهر بآرائه تجاه الامتلاك الفعلي لإسرائيل لأسلحة الدمار الشامل وكان من الواجب على الدكتور محمد البرادعي أن يصرح بموقفه من إسرائيل وهو لا يزال من أوج منصبة، وذلك قبل أن يرحل أو يقترب من الرحيل عنه وهو لم يفعل ذلك .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ميثم الجنابيإن المراحل العاصفة في تاريخ الأمم والدول لا تخلو من مختلف المفاجئات. والسبب يكمن في أن مراحل الانتقال العاصفة عادة ما تتصف بانعدام الثبات والتقلب والتغير الذي يصعب رده إلى عامل أو سبب واحد بفعل تحطم أو تهشم منظومة الانضباط الذاتي للدولة والمجتمع والثقافة والقيم. من هنا إمكانية ظهور مختلف الأفعال وردود الأفعال، إضافة إلى انتشار مختلف المظاهر اللاعقلانية من الجريمة العشوائية إلى المنظمة، ومختلف مظاهر الفساد الفردي والجماعي. بحيث يصعب أحيانا عزل الفساد الفردي عن الجماعي، وذلك لتغلغله في كل مسام الوجود الاجتماعي من العلاقات العائلية إلى علاقات "النخب السياسية". من هنا عدم غرابة تحول المكر إلى فن من فنون "السياسة".

وعندما تتحول الحيلة والامتهان الشامل بما في ذلك للأعراف الراسخة إلى جزء من "صعود" الشخصية إلى "ذروة" السلطة، عندها تصبح الأفعال جزء محسوبا من نفسية وذهنية العدّ والنقد! غير أن هذا الحساب الرقيع لا يمكنه القيام بشيء غير ترقيع النفسية والذهنية المثقوبة. ومن ثم لا يمكنه الصمود لفترة طويلة أمام الحالة العاصفة للتحولات والتقلبات الملازمة لمراحل الانتقال. بعبارة أخرى، إن القوة الوحيدة القادرة على الثبات في تلك المراحل، هي تلك التي تتسم بالثبات المقترن بالفكرة العامة، أي بفكرة الدولة والمصالح الوطنية العامة. وهي الحالة التي تكشفت بصورة جلية ونموذجية في حالة العراق الحالية. إذ نقف أمام اقتران غريب، لكنه مفهوم، مثل مهاجمة أزلام السلطة للسلطة التي يعملون فيها، أو اتهام احدهم للسلطة بالطائفية وهو "نائب رئيس الجمهورية"! أو أنه يعمل احدهم أو بفرقته السياسية "البرلمانية" ليس فقط على تخريب "العملية السياسية" بل وتنظيم الاغتيال فيها وعبرها. وهذا كما يقال غيض من فيض. وهي حالة قد يصعب ربطها بطرف دون آخر، لكنها تعكس في الإطار العام حالة الخلل الفعلي في النخبة السياسية وطبيعة صيرورة السلطة والدولة ما بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة ومستوى الخراب الشامل للعراق بأثر عقود من سيطرة واستهتار الدكتاتورية الطائفية الفئوية الجهوية القبلية العائلية، أي اشد الأشكال تخلفا وانحطاطا لظاهرة العصابة المنظمة، من هنا يمكن توقع استمرار خرابها في بقاء وفاعلية إفرازاتها في القوى التي كانت للأمد القريب تمتص لبن وجودها منها!

ولم تعد هذه الظاهرة فردية بسبب سعة انتشارها بل غلبتها في الواقع السياسي الحالي في العراق، أي ظاهرة التفسخ البطيء لقوى الماضي في ديناميكية التحول العاصف صوب الانتقال من الدكتاتورية والواحدية العقائدية الفجة إلى فضاء النظام الاجتماعي السياسي المحكوم بفكرة الدولة والقانون. وليس مصادفة أن يتحول "القانون" إلى وسيلة لعبها الشخصي ومكرها السياسي. مع أن القضية واضحة وجلية. وذلك لأن ظروف الانفتاح والصراع العلني العنيف في ظروف العراق الحالية تجعل من الصعب بقاء وديمومة المؤامرات الصغيرة مخفية. ومن هنا أيضا تحول المؤامرات إلى مغامرات جلية. من هنا تحول "القانون" للمرة الأولى إلى جزء من تخريب القانون! لكنها مفاجأة ليست غريبة وذلك لأنها تستكمل حلقات هذه الذهنية والنفسية، أي تخريب السلطة من خلالها، والدولة من خلالها، والحق من خلاله، والقانون من خلال القانون!

ومن الممكن النظر إلى هذه الظاهرة على أنها جزء من لعبة الارتزاق السياسي، التي تحددها آلية عدم الثبات في مرحلة الانتقال. من هنا انتشار ظاهرة المؤقتين في بنية الصيرورة الجديدة للدولة والمجتمع. وهي الظاهرة التي وجدت منافذها من خلال العدد الهائل للشقوق في بنية الوجود الاجتماعي والدولة والقيم والفكرة الوطنية، كما كان يمكن رؤيته بوضوح في توسع وتضخم الظواهر التقليدية والمتخلفة من الطائفية السياسية والعرقية والجهوية والفئوية وغيرها وتغلغلها في بنية السلطة "الجديدة". وهي حالة كان وما يزال يصعب التحرر منها بسبب تخلف الوعي الوطني والدولتي عند الكثير من "النخبة السياسية".

إن صعود هذه الظواهر الخربة وقدرتها على الفعل والتأثير الخرب يكمن أساسا في مرحلة الانتقال وعدم نمو وتكامل الدولة بمعايير الحق، والمجتمع بمعايير المدنية، والثقافة السياسية بمعايير العلم النظري والعملي. الأمر الذي يفسر سبب صعود وهيمنة فكرة المحاصصة والوفاق التي جاءت بأغلب "شخصيات" السلطة على امتداد مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي ولحد الآن. إذ ليست المحاصصة والوفاق وما شابه ذلك سوى الوجه المحسن والمنمق والملون لقبح الطائفية والجهوية والفئوية والعرقية – أي لكل أشكال البنية التقليدية. من هنا الانهماك فيها مع كل خطوة تخطوها القوى السياسية والدولة صوب التكامل بمعايير الوطنية والاجتماعية. وإلا فماذا يعني الدفاع عن الأقلية في ظرف يحتاج العراق فيه إلى بناء منظومة عامة تحفظ الجميع؟ غير نفسية الأقلية؟ وهو سؤال يحتوي على إجابة في حال تأمل الخطاب السياسي السائد "للأقليات" بهذا الصدد. إذ نعثر فيه على إحدى الصيغ الفاقعة لنفسية وذهنية الأقلية الطائفية والعرقية! بمعنى انه يمثل التيار الذي يغلّب الفكرة الضيقة على الفكرة العامة (الوطنية). من هنا تحول نفسية وذهنية المؤامرة الصغيرة إلى فعل المغامرة السياسية، التي أدت ويمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج معاكسة لما كان يجري التخطيط له. وذلك لأن هذا النمط من المكر السياسي لم يعد بإمكانه العمل والفعل بالطريقة التي كانت ممكنة في مجرى السنوات الست التي تلت سقوط الدكتاتورية الصدامية.

إن طبيعة ومستوى ومسار الفرز الاجتماعي والسياسي والفكري قد اخذ يسير باتجاه، رغم تعرجه، صوب بلورة فكرة الدولة ومركزيتها وضرورة سيادة القانون وتذليل تركة الماضي. من هنا لم يعد بإمكان مناهضة وانتهاك القانون باسم القانون سوى مغامرة غير مجدية. وذلك لأنها لم تعد تمتلك تلك الأرضية التي جعلت في وقتها من الممكن أن تصبح المحاصصة والتوافقية "نموذجا ديمقراطيا". فقد كشفت عما فيها من خلل جوهري يتعارض مع المسار الضروري للدولة الحديثة. من هنا لم يكن التمسك بفكرة الأقلية سوى التعبير عن بقايا وتأثير وفاعلية نفسية وذهنية الأقلية. وهي بلا آفاق. والقضية ليست فقط في أن الأقلية كيان ما قبل تاريخي، بل ولأنه كائن غير قابل للتطور. فالأقلية حاملة الأزمة والانغلاق والقيم السقيمة. وهي التجسيد الفعلي للضيق والعجز عن الاندماج بمعايير المواطنة والحرية. من هنا لم يعن الدفاع عن الأقلية سوى الدفاع المبطن عن فكرة المحاصصة والتوافقية. وذلك لأن الإصرار على قيمتها لا يعني سوى الإصرار على بقايا وسيادة الجزء على الكلّ. كما أنها تشكل احد مظاهر النزعة التقليدية والانحطاط المادي والمعنوي حالما يجري رفعها إلى "فكرة سياسية" و"قانونية". وذلك لما في هذه الممارسة من خداع ظاهر ومستتر. وذلك لأن الأقلية بالمعنى "القانوني" المغامر يجعل منها لعبة المكر السياسي. كما أنها تحتوي من حيث مقدماتها ونتائجها ووسائلها على نكوص عن مبادئ المواطنة، والحقوق، والوطنية، والعقلانية، والديمقراطية. ومن ثم تتعارض مع فكرة المستقبل. بينما حقيقة العراق هو مستقبل فقط من اجل الخروج من أزمته التاريخية الطويلة والعليلة. وإذا كان بالإمكان الحديث عن أقلية جيدة فهي الأقلية الثقافية، أي المندمجة بمعايير المواطنة والعقلانية والديمقراطية والحقوق. وما عداها هي مجرد لعبة المكر السياسي وهواجسه المغلقة، وذلك لأنها محكومة بهموم خربة لا علاقة لها بالدولة الشرعية والمجتمع المدني وفكرة الحق والحقوق.

***

ميثم الجنابي

 

كاظم الموسوييمر المشهد السياسي في  العراق منذ اندلاع الحراك الشعبي مطلع تشرين الاول/ اكتوبر 2019  بمرحلة صعبة أشبه ما تكون أمام مفترق طرق متشعب ومتعدد المخارج والمنعرجات، مما يجعله مربكا في التحليل السياسي العميق أو عند المراقب السياسي له. حيث تتداخل عوامل كثيرة وأسباب متراكمة في تركيبه وتعقيده. في الوقت الذي اتفق الأغلب من الذين اشتركوا في الحراك أو في السلطات والأحزاب المتنفذة في أمر رئيس هو مشروعية المطالب التي رفعها المشتركون في الحراك وحقهم في الغضب، وفشل العملية السياسية، سواء في العاصمة بغداد أو المدن الوسطى والجنوبية. التي يشكل سكانها حاضنة السلطة وقوتها الانتخابية، بحكم قيامها على أسس المحاصصة والطائفية والاثنية والتوافقية السياسية. ولعل الانقسام الواضح في المشهد هو الجاري بين قوى الحراك وتطوراته من جهة وقوى السلطات وأحزابها ورموزها المتنفذة، من جهة أخرى. وهو ما يميز ما وراء المشهد ويضع متطلبات الخروج من الأزمة أو عنق الزجاجة كما يقال إعلاميا ليس يسيرا أو قريبا في كل الأحوال. وهذه الصورة لونت المشهد السياسي وجعلت كل طرف منه حاملا بنفسه ما يتعارض مع مقابله في التنفيذ والتشريع. وهو الأمر الذي اختلفت عليه، وأصبح فاصلا بينهما.

حسب التحولات والمنعطفات التي مر بها المشهد السياسي والحراك الشعبي فرضت عمليا استقالة الحكومة رسميا فقط، رغم أن تشكيل الحكومة جاء ضمن صفقة تكليف الرؤساء الثلاثة، والتي ينبغي ان يشترك الجميع في تحمل ما سبب المشهد ودفع الحراك، مع الاستجابة المتموجة أو ما يتم عمليا في تدرج خطب المرجعية الدينية في النجف الاشرف، والتي تمرحلت أسبوعيا واعطت بشكل أو آخر فترة مراوحة أو اختبار لوعي الطبقة السياسية المتنفذة والتي قادت بإدارتها واعترافها بالفشل الى مآلات الواقع الحالي.

التصديق على قانون جديد للانتخابات ومفوضية مستقلة جديدة عن الأحزاب والمحاصصة خطوة على الطريق الا انها غير كافية لحد الان، إذ ما تزال سياسات الإدارة القائمة وواقع الحال مستمرة كما هي، ولم تتغير كما سعى لها الحراكيون في المشهد السياسي، أو ما يتوجب تحققه فعليا. وما زالت المطالب الحقيقية للحراك تنتظر تجسيدها عمليا، بدءا من الحقوق الأساسية الى محاربة المحاصصة والفساد والتدخلات الخارجية بكل أشكالها وصورها ومحاكمة كل من ارتكب جرائم القتل والاختطاف والقنص والعنف الدموي، ومن اي طرف أو جهة، فرديا أو منظما وإعلانه بشفافية كاملة واسترجاع الأموال المنهوية، وكشف حساب كامل لكل القضايا الأخرى.

خطوة قانون الانتخابات والمفوضية المستقلة فتحت المجال أمام تغير في تسلم مسؤولية السلطات وبناء الانعطاف التاريخي الجديد بعد تلك الفترة التي امتدت من الغزو والاحتلال الى اليوم. وبات خيار الانتخابات المبكرة الاقرب من  أي وقت مضى، خاصة بعد تأييد المرجعية الدينية في النجف لها وتأكيدها عليها، ما اعتبر في المحصلة اتفاقا اخر على أبرز مطالب المتظاهرين، كما تؤيده أيضا قوى سياسية أخرى تحاول فرز نفسها عن أدوارها في العملية السياسية وتجاوبها مع مطالب الحراك  أو الاندفاع معها.

رغم وجود تساؤلات حول قانون الانتخابات، والمفوضية المستقلة التي ستكون مشرفة على العملية الانتخابية، فإنه في حال أجريت هذه الانتخابات فإنها تعد ثاني عملية انتخابية تجرى في ظروف استثنائية بعد الانتخابات التي جرت في 30  كانون الثاني / يناير 2005 لانتخاب جمعية وطنية (برلمان انتقالي)، وتمت تلك الانتخابات قبل إقرار الدستور الذي صوت عليه العراقيون في تشرين الأول/ اكتوبر من العام ذاته وجرت وفقاً لمواده أربعة انتخابات دورية في أعوام (نهاية 2005، و2010، و2014، و2018).

في ظل مواصلة البحث عن تكليف رئيس وزراء جديد، وفق مواصفات الحراك، والفترة الدستورية وتجاوزها، والكتلة البرلمانية الكبرى، يبدو أن المعركة السياسية تحتدم بين كتلتي "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر، و"البناء" بزعامة هادي العامري ونوري المالكي، فكل واحدة تصر على أنها الكتلة الكبرى وصاحبة الحق في ترشيح رئيس مجلس الوزراء، حسب مواد الدستور. ولم تقدم المحكمة الاتحادية تفسيرا حاسما او باتا لمفهوم الكتلة ألكبرى المختلف عليه، والذي استخدمه رئيس الجمهورية مبررا للمماطلة والتجاوز الدستوري. وهذا الأمر يزيد في ضبابية المشهد السياسي ولا يعبر عن جدية في إدارة البلاد، وتحمل المسؤولية، من الأطراف السياسية المعنية بالعبور من مفترق الطرق وارباكه.

ما عبرت عنه المحكمة الاتحادية في إن تعبير الكتلة النيابية الأكثر عددا الواردة في الدستور تعني إما الكتلة التي حصدت أكبر عدد من المقاعد خلال الانتخابات، أو الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من قائمتين أو أكثر وأصبحت مقاعدها بعد دخولها البرلمان في الجلسة الأولى الأكثر عددا من بقية الكتل، لم يكن جوابا كاملا مقنعا، وحتى في أشارتها إلى أن رئيس الجمهورية يتولى، اعتمادا على ذلك، تكليف مرشحها بتشكيل مجلس الوزراء طبقا لأحكام الدستور وخلال المدة المحددة. وهذه أمور لم ينته النقاش والاتفاق عليها، لا في دوائر القضاء أو اركان السياسة.

انتهت المدة المحددة ولم يستطع رئيس الجمهورية من تكليف مرشح، بكامل الاوصاف،  وعرضت اسماء عديدة رفضت مبكرا من الحراك الشعبي أو من جهات سياسية اخرى. وبقي المشهد السياسي منذرا بما لا يرغب به أي مواطن، دع عنك السياسي المشترك في المازق العام. وتسرب مصادر أو جهات أو وسائل إعلام، حسب توجهاتها، أخبارا عن تفاهمات وصفقات بين بعض الكتل أو القوى السياسية، لوحدها أو من طرفها دون أي تنسيق أو توافق مع الطرف الآخر في المشهد السياسي، والذي لم ينتخب أو يعين ممثلين له، بل يضع مواصفاته أو شروطه النابعة من صموده وتضحياته الجسام.

حتى تكليف رئيس مجلس وزراء واختيار الوزراء، وممارسة السلطة وإجراء انتخابات جديدة وفق القانون الجديد، يزداد الارتباك في المشهد السياسي، والأخطر فيه مشاركة قوى وجهات لم تستوعب بعد ما يحصل على الارض، كما تتفنن وسائل إعلام وجهات سياسية في نشر وإعلان ما تريده أو تعمل عليه، مما لا يخدم العباد ولا البلاد، ولا يهتم بالمصالح الوطنية والقومية ولا مستقبل العراق والمنطقة، لا سيما من ممن يرفعون شعارات إنسانية أو قانونا دوليا، كالامم المتحدة وسفراء مجلس أمنها واضرابهم. وهو امر خطير أن يظل العراق على مفترق طرق لفترة طويلة ويغيب عنه الضوء الهادي والسبيل التقدمي الذي عمدته دماء مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين.

 

كاظم الموسوي

 

جوتيار تمراتسمت هذه الفترة من تاريخ منطقة الشرق الاوسط بصورة عامة والعراق بصورة خاصة بالمزيد من التوترات التي احدثتها التدخلات الواضحة والصريحة للقوى الاقليمية والدولية بشؤون دول المنطقة بشكل عام ودون حصر بالاخص تلك الدول التي لم تزل تعيش حالة من الفوضى السياسية وفراغ سياسي سيادي لاتحسد عليه، ومع تزايد الصراع بين تلك القوى الخارجية على دول المنطقة، اوجبت العملية العسكرية التي قامت بها الولايات الامريكية المتحدة تجاه بعض قادة الشيعة التابعين للحرس الثوري الايراني والحشد العراقي الشيعي الموالي تماماً لايران، اوضاعاً خاصة، حيث بلغ التوتر اقصاه، وتلى ذلك تصريحات وتهديدات ايرانية والاحزاب والمليشيات التابعة لها سوى داخل ايران او وخارجها لاسيما في كل من العراق وسوريا ولبنان وحتى اذناب ايران في فلسطين "حماس"، فضلاً عن الموقف الدولي الذي وجدناه غير متوافق وغير واضح فيما يخص شرعية العملية لانها بلاشك ارضت الكثير من الدول باعتبار انها قضت على احد رموز الارهاب في المنطقة ككل، كما انها قصت اجنحة الحشد الشيعي العراقي وجعلت قادته الباقين يعيشون حالة من الفزع والذعر، ولم يكن خافياً على احد بأن تلك العملية كانت ردة فعل امريكية طبيعية تجاه ما كان قد قام به بعض قادة الحشد الشيعي والموالين لهم بالتوجه الى السفارة الامريكية في بغداد واقتحامها ، فكان ان جاء الرد الامريكي بشكل اكثر فعالية واعمق واكثر تأثيراً ليس فقط على العراق انما على ايران واتباعهم في المنطقة كلها.

نتج عن هذه التوترات عدة امور منها ماجرى داخل البرلمان العراقي الباحث عن السيادة الوطنية حيث خضع ممثلي الاحزاب الشيعية " غالبيتهم "للمنطق المذهبي الشيعي الموالي لطهران فبدل ان يبحثوا عن حلِ لمشاكل الشعب الخارج منذ اشهر للشارع في مظاهرات عارمة، وجدناهم يرددون " نعم نعم سليماني " في اشارة الى الجنرال قاسم سيلماني الايراني الذي استهدفته الطائرات الامريكية في تلك الضربة القاصمة للظهر فاردته مع ابو مهدي المهندس العراقي احد قادة الحشد الشيعي العراقي واخرين كانوا معهما، فضلاً عن قيام ايران باظهار عنترياتها من خلال اطلاق عدة صواريخ على ما سمته قواعد امريكية لاسيما في حدود اقليم كوردستان حيث اصابت تلك الصواريخ بعض الاماكن القريبة من مطار  " هه ولير " الدولي ، ومناطق اخرى بالقرب من ناحية برده ره ش الكوردية ، دون ان تسفر عن اية اصابات، كما انها اسقطت متعمدة احدى الطائرات الاوكرانية المدنية التي قضى فيها 176 شخص، وفي خضم هذه الاجواء المتوترة، والصراع المحتدم،  وجدنا الاحزاب الشيعية العراقية الموالية لايران يطالبون بعقد جلسة للبرلمان بهدف التصويت على اخراج القوات الامريكية من العراق، واجبار الحكومة العراقية على رفع مطلبهم بشكل رسمي للجهات المعنية على المستويين الدولي والامريكي، وتلى ذلك تصريحات وتهديدات  تتوعد القوات الاجنبية على ارض العراق، مع عدم نسيان بان ذلك العمل اللاسياسي – باعتباره حدث تحت ضغط ايراني صريح – احدث شرخاً في البنية السياسية والاجتماعية في العراق الفيدرالي، فكل من نواب الكورد والسنة لم يشاركوا في جلسة التصويت، مما يعني بوضوح ان الحاضرين كانوا ممن تم توجيههم من قبل ايران.

جرت كل هذه الاحداث بشكل سريع واخضعت المنطقة لقلق متزايد وخوف من ان تندلع الحرب بين امريكا وايران على ارض العراق، ولكن بلاشك ان الامر لم يكن الا مسرحية اخرى تهدف القوى الاقليمية والدولية من خلالها الى ترسيخ مصالحها بشكل اكثر على حساب شعوب المنطقة، وليس بغريب ان تخرج الشعوب للشارع ويبقى الساسة خلف المنصات المحمية ينددون ويحرضون  ويشيعون الفتنة بين اطياف الشعوب انفسها، كما انه ليس بغريب ان تخرج اذناب ايران في المنطقة لتعلن عن نفسها بشكل رسمي وتهدد الجهات التي تساند تواجد القوات الامريكية في العراق وفي المنطقة بشكل عام، منادين بحماية سيادة الوطن، والعمل على اخراج المحتلين للحفاظ على سيادة الدولة، والمناداة بالسيادة الوطنية المطلقة والى غير ذلك من الشعارات التي التحفت بها تلك الاحزاب الموالية لايران داخل العراق لتحريك الشارع العراقي، الذي وجدناه في ساحة التحرير اكثر ثبات وايمان بان هذه الشعارات لايراد منها سوى تفريغ الساحة لايران لكي تتحكم اكثر بكل موارد العراق، اي انها كانت بنظرهم كلمة حق يراد بها باطل، فمن يريد سيادة الدولة لايردد في جلسة رسمية للبرلمان نعم  لاحد قادة الحرس الثوري الايراني.

ولقد جعلتنا تلك الشعارات التي اطلقت تحت مسمى السيادة الوطنية، سيادة الدولة، السيادة المطلقة، الى النظر للموضوع بشكل اخر، ولعلنا من خلال الاسطر القادمة نعطي ملخصاً عن مفهوم السيادة، باعبتارها كما يراها " محسن افكيرين " تعتبر فكرة السيادة والاعتراف بها للدول من المبادئ المتفق عليها في ميثاق الامم المتحدة والاتفاقيات الدولية التي تصب في ذات الصدد، كم يرتبط مبدأ السيادة في قانون الامم المتحدة (القانون الدولي العام) مع انبثاق الدولة القومية الحديثة بعد معاهدة وستفاليا 1948 التي اقرت مبدأ السيادة (سيادة الدولة) باعتبار انها سلطة الدولة العليا والمطلقة على اقليمها – اي حدودها -، اي حق الدولة في ممارسة وظائفها وصلاحياتها واختصاصاتها داخل اقليمها القومي دون تدخل من اية دولة اخرى (القانون الدولي العام)، وفي سياق الحديث عن الدولة يقول: "محمد بلعيشة" اصبحت الدولة، وبحكم الصلاحيات الممنوحة لها، تتمتع بالسيادة التي تحدد علاقاتها بالدولة الأخرى؛ في فصل كل ماهو خارجي عن كل ما هو داخلي، واعتبرت القوانين والتشريعات التي سنتها الدول أثناء منشئها – سواء كان المنشأ ثورة أو انقلابًا أو انتقالًا- أن التدخل في شأنها الداخلي يعتبر أمرًا مرفوضًا يستدعي التصعيد والرد، وأصبح أمر التدخل في شؤون الدول، وإن خرقت المواثيق أو القوانين أمرًا صعب الحدوث، ان لم يكن مستحيلًا. (الدولة في الشرق الاوسط من القومية الى الهوية).

فالدولة بلاشك  كيان، وبناء استراتيجي، تضمن للمواطنين الأمن و الانتماء، وعبر العصور تطورت وفق متطلبات الفرد وفكره، لكن في الشرق الأوسط عصف بمفهوم الدولة وسيادتها، وساد منطق المرجعيات الدينية والعرقية، بدلًا من الدولة «الويستفالية»؛  لتشهد تصعيدًا يمكن توصيفه بالـ«حرب الباردة الشرق أوسطية»! توجهت من خلال هذه المنطلقات الجماعات العرقية والإثنية لتحمل مسؤولية بعض وظائف الدولة في تحقيق الأمن والمطالبة بالانفصال؛ وبالتالي الإنقاص من شرعية وسيادة الدولة في المنطقة ، وكما يقول "طلال العيسى": ان النظر الى مسألة سيادة الدولة وفق المذهب التقليدي يعطي الدولة حق الابتكار المطلق على اقليمها وشعبها دونما رقيب ولاحسيب على هذه السيادة ولكن الاخذ بالمذهب الحديث المعاصر الذي ينظر الى فكرة السيادة بواقع ما يشهده العالم من متغيرات بدأ يفرض نفسه حيث لم تعد هذه السيادة مطلقة بل على الاغلب لاتزال كذلك فقط على الاوراق او في نصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية بمعنى ان هذه النصوص مع مرور الزمن ماتت واصبحت مجرد حبراً على ورق، حيث نجد في ميثاق الامم المتحدة ابرز مظاهر التدخل في شؤون الدول والتي تحد من السلطات والصلاحيات السيادية للدول الذي جعل صلاحيات واختصاصات هذه المنظمة تشمل بالاضافة للنواحي السيادية والامنية والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها التي كانت تعتبر تقليديا من صميم الاختصاص الداخلي للدول ، ولقد استخدم حروشيوس مفهوم السيادة في كتابه قانون الشعوب ليدلل ان كل دولة تملك قرارها بنفسها وبذلك تصبح الدول متساوية السيادة وبذلك اكد على ان الدولة لها الحق في شن حروبها بدون مبرر او التنازل عن جزء من اقليمها او ضم اقليم من دولة اخرى وكل ذلك يعتبر هملاَ مشروعا في ظل مفهوم السيادة المطلقة، والواقع ان فكرة السيادة تقوم على انها مفهوم قانوني سياسي، بالمقصود بالسيادة : ان الدولة هي التنظيم السياسي الاجتماعي الذي يحق له وحده دون غيره ان يحتكر ادوات القوة التي يحتاجها، بما في ذلك ادوات القمع والاكراه لفرض سلطته على مجمل الاقليم الذي يشكل حدوده السياسية، وعلى الافراد الذي يقطنون هذا الاقليم. (السيادة بين مفهومها التقليدي والمعاصر).

على الرغم من وجود قوانين خاصة ومفاهيم سياسية خاصة تؤكد على وجود ما يسمى بسيادة الدولة، الا ان تلك المفاهيم وتلك القوانين ليست الا غطاء واضح للدول اصحاب المصالح  في المنطقة للتدخل بشكل واضح وتحت غطاء قانوني في شؤون الدول الاخرى، حيث ان هذه المفاهيم غير المتوافقة بين ما هو تقليدي ومعاصر، وبين ما هو مكتوب وما هو ماقعي ملموس، جعلت الشعوب تعيش حالة من الهذيان السياسي ولم تعد تعرف بشكل واضح ما هو سيادي مستقل وما هو سيادي مصلحوي وما هو سيادي تابعي، وبذلك دخلت شعوب المنطقة باكلمها في دوامة من موجبات المصطلحات التي لاتخدم سوى مصالح القوى الاقليمية والدولية دون اية اعتبارات لشعوب المنطقة، وهذا ما فرض وجهة نظر اخرى، حيث وجهت انتقادات كثيرة الى نظرية السيادة، حيث نجد بان هناك من يدعو الى استبدال مصطلح السيادة بمصطلح الاستقلال، فقد ذكر" هاشم بن عوض" ان السيادة مصطلح غير قانوني ولايشير الى اي معنى ثابت، ولكنه تعبير عاطفي بشكل كلي، كل شخص يعرف ان الدولة ذات سلطة، ولكن التأكيد على السيادة يؤدي الى المبالغة في سلطتها وتشجيعها على اساءة استخدامها. (السيادة بين مفهومها التقليدي وظاهرة التدويل).

وحين ننظر الى دول المنطقة من هذا المنظور الاستقلالي نجد عمق الهوة بين ما هو مدون ورقياً وبين الواقع العياني، فالعراق كأنموذج لايمكن ابداً ان نؤمن باستقلاليته لا ورقياً ولا سيادياً ولا واقعياً، لكونه ليس الا مستعمرة ايرانية من جهة، وساحة نزاعات بين القوى الاقليمية والدولية من جهة اخرى، ويفتقر الى اي نوع من انواع السيادة، فقراره السياسي ليس بيده، وتشريعاته لايتم تصديقها الا بمباركة اقليمية او دول ذات المصلحة، بل حتى انه يمكن ان نرى انموذجاً اخراً داخل ما يسمى بالسيادة الوطنية العراقية وهو ان العلاقات الخارجية التي تتبناها لاتقف على حاجات الشعب انما بما تفرضه عليه القوى الاقليمية كتركيا وايران، وهذا بالضبط ما حدث في موقف حكومة بغداد تجاه اقليم كوردستان أبان عملية استفتاء استقلال كوردستان 25-9-1917، حيث وافقت بغداد على دخول القوات التركية لعمق اراضي الاقليم التابع دستورياً لبغداد لضرب حزب العمال الكوردستاني المنتشر بشكل كبير في المناطق الحدودية، بالمقابل  ان تعلن تركيا معاداتها للاقليم والاستفتاء، في حين موقفها مع ايران واضح حيث ان الاخيرة وافقت على اغلاق المنافذ كلها بطلب من بغداد، بالطبع الامر ليس لان ايران خاضعة لبغداد ولكن لانها التي تعمل على وضع المسار الذي يجب ان تسير عليه بغداد، وبالتالي فان مفهوم السيادة المطلقة او الوطنية " الاستقلالية"  لم يكن موجوداً في اية مرحلة من مراحل تاريخ العراق المعاصر، لانها لم تكن  سوى اوامر خارجية تطبق داخل اروقة السياسة العراقية، وهذا ليس رأي شخصي انما هو واقع ملموس والناظر بعمق وبدون مذهبية او طائفية او عرقية قومية سيرى مدى خضوع العراق تحت تأثيرات هذه الجهات الاقليمية والدولية.

ولهذا نجد من حدد ماهية  "ميثاق مناحي العيساوي" الخرق السيادي الوطني وبحسب المفهوم السياسي من خلال ثلاث طرق: وهو إما اختراقها عن طريق الإغواء “من خلال توقيع الاتفاقيات السياسية والأمنية والاقتصادية والتحالفات العسكرية” وهذا مايحدث حالياً، أو اختراقها بالقوة العسكرية والأمنية “من خلال القوة الصلبة” كما حصل للعراق عام 2003، أو عن طريق اختراق مكونات الدولة الوطنية نفسها من الأسفل والتحكم بقواها الداخلية، وهي السياسة ذاتها التي تتبعها اليوم كثير من الدول الإقليمية ودول الجوار في العراق وسوريا، سواء من خلال دعمها للفصائل أو الحركات الداخلية المسلحة أو غيرها؛ من أجل أن تكون أداة سياسية وعسكرية متحركة وفقاً لأهدافها البراغماتية، وهذا الاختراق الأخير لمفهوم السيادة الوطنية يعد من أخطر أنواع الاحتلال الداخلي؛ لأنه يرتبط بروابط دينية أو مذهبية أو عرقية، مما يهدد الطيف الاجتماعي، ويضرب عملية الاستقرار السياسي في العمق. (مستقبل السيادة الوطنية في ظل سياسة التحالفات والحرب على الارهاب).

والملاحظ لهذه لمفاهيم المطروحة حول السيادة الوطنية او سيادة الدولة سيجد بأن غالبية دول الشرق الاوسط تعيش تناقضاً واضحاً بين ما هو مدون في دساتيرها، وما هو مدون دولياً واقليمياً حول مفهوم السيادة الوطنية، وبين ما تقوم هي به من اعمال سياسية تذهب في كل اتجاهاتها الى الخضوع لمنطلق المذهب الديني او النزعة القبلية القومية، فكلما اشتدت الاوضاع داخلياً حتى تبرز الاصوات الخارجية التي تحرض اجنداتها الداخلية للقيام باعمال تعسفية تجاه المكونات الاخرى سواء من خلال تهميشها او محاربتها لكونها تطالب بحقوقها الدستورية المشروعة، او حتى من خلال ضربها بالقوة العسكرية، وبالتالي ينتج عن ذلك فوضى عارمة تهدد كيان الدولة الفاقدة في الاصل لسيادتها، وتهدد السلام المحلي والاقليمي والدولي معاً، فضلاً عن ظهور مدى ترابط القوى المنتهكة لحقوق السيادة الوطنية وتحالفاتها وتوحيد مساعيها وخطابها السياسي المعادي للمكونات الاخرى الرافضة للخضوع والتذليل، والداعمة للاستقلالية والحرية ، ولعل خطاب حسن نصرالله الايراني قبل ان يكون اللبناني وهجومه على حكومة اقليم كوردستان وعلى احد قادة الكورد البارزيين "البارزاني" ليس الا دليل محكم على تخبط هذه القوى " الموالية لايران " الخارقة لسيادة الدول الاخرى، والساعية لزعزعة اوضاع المنطقة (لبنان – سوريا – العراق – اليمن)، كما انه دليل على فقدانهم لكل مقومات المقاومة الوطنية الحقيقية، وتمسكهم فقط بالخطابات والشعارات المحرضة التي لاتسمن ولاتغني عن جوع ، ونجد في رد حكومة اقليم كوردستان على نصرالله الايراني اللبناني ما يثبت الخرق السيادي الذي تمتهنه هذه القوى الموالية لايران " انك يا من لاتجرؤ على رفع رأسك خوفاً من اعدائك، مالذي يجعلك تتحرش بشعب لارابط يربطك به.."، موضحاً ان الرئيس بارزاني هو رمز صمود أمة وانت ايها الرعديد اصغر بكثير من أن تتطاول عليه..".

 

جوتيار تمر / كوردستان

 

 

عبد الحسين شعبانأعلنت المحكمة الجنائية الدولية أنها تنوي فتح تحقيق شامل يخص جرائم الحرب «الإسرائيلية» في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جاء ذلك في بيان أصدره مكتب فاتو بنسودا مدعي عام المحكمة، الذي أثار ردود فعل «إسرائيلية» رسمية وغير رسمية غاضبة لدرجة الهستيريا؛ وذلك لأسباب عدة؛ منها:

الأول: إن هذا الإعلان يعني أن الفحص التمهيدي لجرائم الحرب قد يقود إلى مثل هذا الإقرار، الأمر الذي يتطلّب الانتقال إلى التحقيق بخصوص الجرائم المرتكبة.

الثاني: إن اتخاذ الادعاء العام مثل هذا القرار؛ يعني وجود أساس قوي تولّد لديه؛ من خلال معطيات بأن جرائم حرب فعلية قد ارتكبت؛ وهو ما يدعم الدعاوى الفلسطينية والعربية بشأن الجرائم المستمرة التي أصبحت حقيقة، وليست اتهاماً فحسب.

الثالث: فقدان «إسرائيل» أدوات المواجهة القضائية عدا لجوئها إلى أساليب ابتزاز سياسي؛ عبر حليفها الأمريكي، الذي سبق له أن أعلن أنه لن يسمح بإدانة «إسرائيل» أو حتى وضعها في موضع الاتهام، سواء عبر «المحكمة الجنائية الدولية» في لاهاي أم غيرها من المؤسسات الدولية.

وقد لجأت «إسرائيل» إلى إثارة زوبعة من التشكيك بأن المحكمة مُسيّسة، واعتبرت صدور بيان المدعي العام «يوماً أسود للحقيقة والعدالة»، وقد شارك على رأس الحملة بنيامين نتنياهو الذي كال الاتهامات للمحكمة وقضاتها، وطلب أحد أعضاء المجلس الوزاري المصغّر الوزير بتسلئيل سموتريتيش إمهال السلطة الفلسطينية 48 ساعة؛ لسحب دعواها فوراً وإلّا فعلى «إسرائيل» أن تهدم كل يوم قرية فلسطينية مقابل ذلك حتى ترضخ.

جدير بالذكر أن واشنطن و«تل أبيب» انضمّتا إلى المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الذي تأسس عام 1998) قبل إغلاق باب الانضمام عام 2000 بسويعات، وانسحبتا منها بعد دخولها حيّز التنفيذ عام 2002. وكانت واشنطن قد باشرت ضغوطها؛ حيث سحبت تأشيرة دخول المدعية العامة بنسودا إلى الولايات المتحدة.

واستمرت التحقيقات الأولية نحو 5 سنوات على إقامة الدعوى، ولا شك أن الوصول إلى قرار يقضي بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها «إسرائيل» جاء بعد جهود دبلوماسية مضنية، يعود جزء منها إلى الدبلوماسية الفلسطينية المدعومة عربياً، والآخر لجهود مؤسسات حقوق الإنسان التي عملت بمهنية ومسؤولية ومعرفة بدعم عربي ودولي.

وبالطبع فجلب «إسرائيل» إلى قفص الاتهام ليس من السهولة بمكان؛ بل ثمة عقبات سياسية وقانونية وعملية تقف بوجهه؛ حيث تنشط الدبلوماسية «الإسرائيلية» المضادة بوسائلها الخشنة والناعمة، وبدعم كامل من واشنطن، في محاولة لإثارة موضوع الولاية الجغرافية؛ حيث يتم التشكيك بمقومات دولة فلسطين، وبالتالي هل من حقها تقديم مثل هذا الملف إلى المحكمة بالنظر إلى أنها «أراضي دولة تحت الاحتلال»؟ وهو ما دعا المدعية العامة لإحالة الملف إلى الدائرة التمهيدية للمحكمة من باب الاستدراك القانوني؛ لكي لا تُثار بوجهها إشكاليات قضائية.

ولكن مثل وجهة النظر هذه كان يفترض أن تكون محسومة لمجرد قبول الدعوى من دولة فلسطين، استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012 الذي اعترف بالمركز القانوني لدولة فلسطين، حتى وإن كانت دولة غير عضو في الأمم المتحدة؛ لكنها تمتلك مقوّمات الدولة؛ وهي منضمّة إلى عشرات المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة.

ويشترط أن يكون رد الدائرة التمهيدية خلال أربعة أشهر (120 يوماً)، ويمكن تمديده إلى شهرين (60 يوماً)، ويكون المجموع 6 أشهر (180 يوماً)؛ لكن ماذا لو كان ردّ الدائرة التمهيدية سلبياً؟ ففي ذلك الوقت يفترض أن تطعن دولة فلسطين بالقرار؛ حيث لا توجد أي محدّدات زمنية أو سقف محدّد لاتخاذ القرار بالطعن، وقد يستمر الأمر لشهور أو حتى لأعوام وسيكون ذلك تسويفاً للحق العادل والمشروع وللاتهام المدعوم بالوثائق والحقائق لارتكاب «إسرائيل» جرائم حرب.

وفي حال الرد الإيجابي يفترض بالمدعي العام المباشرة فوراً بالتحقيق؛ بهدف مساءلة المرتكبين، وتحقيق العدالة وتعويض الضحايا وإنصافهم، ولا بدّ من إبقاء هذا الملف مفتوحاً؛ إذْ لا يمكن مقايضة العدالة بأي حلول أخرى؛ لكي لا يفلت الجناة من العقاب.

ولا شكّ أن وتيرة المطالبة بالتحقيق في جرائم الحرب «الإسرائيلية» قد ارتفعت في السنوات العشر ونيّف الأخيرة على الصعيد الدولي؛ ارتباطاً مع نهج «إسرائيل» العنصري وعدوانها المتكرر، وهو ما عكسه تقرير القاضي الجنوب إفريقي من أصل يهودي غولدستون، والصحفي السويدي بوستروم، حتى أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر صرّح خلال زيارته لقطاع غزة بعد العدوان عليها عام 2009 وبعد حصارها الدامي منذ عام 2007، إن الفلسطينيين في القطاع يعاملون «معاملة الحيوانات»، في إشارة إلى الوضع اللّاإنساني الذي يعيشه السكان الأبرياء العزل خلافاً لاتفاقات جنيف لعام 1949 وملحقيها، وفي ذلك إدانة مباشرة ل«إسرائيل».

 

عبد الحسين شعبان

 

ابراهيم أبراش

منذ خروج المجتمعات البشرية من مرحلة الهمجية وشريعة الغاب إلى حالة المدنيَّة والمجتمعات المُهَيكلة في إطار كيان سياسي يسمى (الدولة) لم تمر حالة كحالة الكيان الصهيوني تتموقع خارج سياق الزمان والمكان، حيث تأسس هذا الكيان بدايةً نتيجة التقاء مصالح استعمارية غربية تتطلع للهيمنة واستعمار المنطقة العربية مع مزاعم دينية وأساطير تاريخية لحركة صهيونية تتحدث عن وجود علاقة تاريخية لليهود بفلسطين قبل ثلاثة آلاف سنة، وهو زعمٌ لم يثبت يوماً صحته، وهي الدولة الوحيدة في العالم – باستثناء نظام جنوب إفريقيا العنصري البائد - التي قامت على أرض شعب آخر وتنكرت لحقوقه القومية التاريخية والتي تمارس العنصرية والتمييز العنصري .

ولأن إسرائيل خارج سياق الزمان فإنها تعمل باستماتة لفرض روايتها التوراتية وتزييف التاريخ واختلاق سردية تفرضها على العالم بما يتوافق مع روايتها متجاهلة سرديات وروايات لعشرات الشعوب التي تسكن المنطقة أو تعاقبت عليها عبر الزمان .ولأنها خارج سياق المكان حيث زرعها الاستعمار البريطاني وسط الأمة العربية فإنها عملت وتعمل بإسناد غربي على فرض وجودها في المنطقة بالقوة والإرهاب والابتزاز، كما تعمل على تغيير هوية المنطقة وحتى تغيير مسماها وعلى تفتيت العالم العربي عرقياً وطائفياً ومذهبياً حتى يستقيم وجود إسرائيل كدولة عنصرية دينية مع منطقة مقسمة إلى كيانات على شاكلتها . 

الشعب الفلسطيني المتواجد على أرضه منذ أكثر من أربعة آلاف سنة، والذي تعترف التوراة اليهودية نفسها بوجوده قبل عبور بني إسرائيل وقبل ظهور الديانة اليهودية، هذا الشعب كان وما زال ضحية جور وظلم وقع عليه، نتيجة توازنات وحسابات للدول العظمى ذات المصالح في المنطقة العربية وهي حسابات لم تأتي كما تشتهي عدالة القضية الوطنية، ونتيجة توازنات مصالح داخل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى ثم هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فلو انهزمت بريطانيا في الحرب الأولى ما كان وعد بلفور وما كانت بريطانيا احتلت فلسطين وسهَّلت هجرة اليهود لها، ولو انهزمت بريطانيا والحلفاء وانتصرت المانيا ودول المحور في الحرب العالمية الثانية ما قامت دولة إسرائيل عام 1947، أيضاً لولا ما تلقته إسرائيل منذ تأسيسها حتى اليوم من دعم ومساعدات من دول الغرب ما استمرت في الوجود وما تجرأت على احتلال كل فلسطين بالإضافة لأراضي دول عربية أخرى .

انطلاقا من كل ما سبق فلا يوجد شعب في العالم يتعرض لظلم من دولة عضو في الأمم المتحدة (إسرائيل) كالشعب الفلسطيني، وهو ظلم مركب من الاحتلال والاستيطان والعنصرية والإرهاب، حيث جمعت إسرائيل في سلوكها الداخلي والدولي أسوأ الصفات التي توفرت في أسوأ دول العالم عبر التاريخ، وهي لهذا السبب الأكثر استفزازاً للرأي العام العالمي وللمنظمات الدولية المعنية بالسلم العالمي والاستقرار واحترام حقوق الإنسان . وقد آن الأوان لتسليط الضوء على جرائم الاحتلال وكشف حقيقة دولة إسرائيل الإرهابية تمهيداً لإنهاء الاحتلال .

توجه محكمة الجنايات الدولية لفتح تحقيق في جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين بناءً على طلب دولة فلسطين، حتى وإن جاء متأخراً، ومع المعرفة بأن حبل المحكمة طويل ومع دولة كإسرائيل المدعومة أمريكياً قد يطول التحقيق والمحاكمة لعقود، بالرغم من كل ذلك فإن فتح الجنايات لملف جرائم إسرائيل أمر مهم وخطوة جيدة في سياق نضال على جبهات متعددة ضد هذا الكيان العنصري .

وفي واقع الأمر لو كان هناك إنصاف وعدالة دولية حرة وموضوعية لجرت محاكمة قادة الحركات الصهيونية (أتسل، الهاجاناه، والإراجون) الذين مارسوا الإرهاب في فلسطين قبل 1948، ومحاكمة قادة الدولة الصهيونية على جرائمهم خلال حرب 1948 وما بعدها، بدءً من جرائم التطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين وتدمير أكثر من 400 قرية فلسطينية ومجزرة دير ياسين والطنطورة ...، إلى الجرائم ضد أهالي قطاع غزة مروراً بجرائم الاستيطان والتطهير العرقي في بقية الأراضي الفلسطينية .

ولو كان هناك عدالة دولية لتم محاكمة وإدانة بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور ثم ثبتته كجزء من صك الانتداب البريطاني على فلسطين مما أطلق يد الصهاينة وسهل عليهم الهجرة لفلسطين والاستيطان فيها بحماية جيش الاحتلال البريطاني، ولو كان هناك عدالة دولية لتم محاكمة قادة الولايات المتحدة على سياساتهم الداعمة للإرهاب الصهيوني والمدافعة عنه في المحافل الدولية، ولو كان هناك عدالة دولية لتم إجبار إسرائيل على الخضوع لقرارات الشرعية الدولية ذات الشأن بالقضية الفلسطينية منذ قرار التقسيم 1947 إلى قرار حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره الوطني على أرضه وكل القرارات الأخرى حول القدس والاستيطان وجدار الفصل العنصري والعدوان على غزة الخ .

ولكن، لأن إسرائيل خارج سياق الزمان والمكان فإنها لا تعترف بالشرعية الدولية وقراراتها، وهذا ما يستدعي عدم رفع سقف المراهنة الفلسطينية على محكمة الجنايات الدولية، وألا يجلس الفلسطينيون ينتظرون جر قادة الاحتلال للمحكمة الدولية، وفي الوقت الذي يجب الاستمرار في ملاحقة إسرائيل في كل المحافل الدولية إلا أنه يجب في نفس الوقت عدم وضع كل البيض الفلسطيني في سلة هذه المراهنة، بل يجب اشتقاق طرق كفاحية أخرى لمواجهة إسرائيل وسياساتها على الأرض الفلسطينية بما هو ممكن ومتاح من إمكانات وبما يجعل الاحتلال والاستيطان أكثر كلفة ومحفوفاً بالمخاطر على المستوطنين وعلى دولة الكيان الصهيوني .

 

د. ابراهيم ابراش

 

 

 

صائب خليلجميع ثورات الربيع العربي المدمرة بدأت بمرحلة "سلمية" ولم تنقلب الى مرحلة العنف إلا في مرحلة لاحقة. وسواء كانت التظاهرات قد خططت من قبل جهة التدمير أو انها استفادت من مرحلة سلميتها، او كانت جزءاً منها، فهذا لا يغير الكثير في النتائج رغم اختلاف النوايا. السلمية تبقى بداية ضرورية، والسبب بسيط: السلمية لها ميزتين اساسيتين: الأولى هي قدرتها على جمع الزخم. فتظاهرات التخريب تحتاج الى زخم كبير لا تستطيع ان تجمعه إلا برفع شعارات شعبية وأهمها هي "السلمية".

أما الميزة الثانية للتظاهرات السلمية فهي انه يمكن قلبها الى تظاهرات عنيفة في وقت قصير جداً، من خلال القتل والعنف الذي يلقى على الجانب المقابل أو على الجانبين، ثم ليعلن عدم جدوى السلمية فتقلب الى عنيفة، ولتستخدم الزخم الذي جمعته لتحقق اندفاعاً يصل الى اهدافه قبل ان يتمكن الجانب المقابل من رد مقابل.

المشكلة الأكبر في العراق، انه ليس هناك "جانب مقابل"!

فمن يريد تحويل التظاهرات الى مرحلة العنف، هو نفسه من يملك السلطة على اجهزة الامن في البلاد، ويملك رئيس الحكومة في يده ايضاً! والدليل على ذلك هو الشلل غير المعقول للشرطة رغم قتل مئات المتظاهرين وبشكل مسرف في العنف. فلماذا لا نرى جهودا من الشرطة للحد من سلطة المتظاهرين وعنفهم ما يتناسب مع استعدادها لقتلهم، او اي شيء قريب منه؟ لماذا شاهدنا اعمال العنف في جامعة واسط بعد يومين من تهديد قائد شرطة المحافظة وإعلانه انه لن يسمح لعصابات "منع الدوام" من العبث بالمدينة!

هذا يؤكد ما ذهبنا اليه في مقالة سابقة، من أن الجرائم التي ارتكبتها القوات الحكومية بحق المتظاهرين، لم تكن تستهدف قمع التظاهرات بل اثارتها وتحويلها الى العنف. والدليل على ذلك كان ان جميع الذين تم اغتيالهم كانوا من السلميين الذين لا يشكلون خطراً على الحكومة بأي شكل، أو على الأقل ليس بالشكل المؤثر الذي يستوجب القتل. إضافة الى ذلك فحوادث العنف المتطرف مثل صولة عميل السفارة الامريكية جميل الشمري كانت ابعد ما تكون عن محاولة انهاء التظاهرة، ولم تحقق اي شيء سوى زيادة العنف. ولم يتم التعرف على اية شخصية أخرى من التي ارتكبت الجرائم البشعة ضد المتظاهرين سواه، رغم شيوع القاء اللوم على "الميليشيات" كما يسمونها.

بشكل عام، بدا وكأن القتل يتم لا بهدف انهاء التظاهرة او منع افرادها من العنف، وإنما بطريقة وكأن الهدف منها هو الحرص على ان يكون ذلك القتل بأبشع شكل ممكن! كما تم تصوير مشاهد لقتل غريبة عديدة، كلها تؤكد ان الغاية منه لم تكن دحر التظاهرات او ايقافها. هذا اضافة الى المؤشرات الخطرة الاخرى مثل كفاءة التظاهرات وتنظيمها غير المعتاد وكثرة الاموال المصروفة عليها باعتراف المشاركين بها من العفويين الصادقي الهدف.

وهنا يأتي السؤال الآخر: لماذا لم تلق الحكومة القبض على من يوزع الأموال في التظاهرة، خاصة وان بعضها توزع نقدا والكل يعرف بها، وتسألهم من يمولهم؟ هل يعقل ان هناك حكومة لا تهتم بمعرفة من يمول تظاهرات اسقطتها واستمرت لأشهر ونتج عنها حالة كل هذه الفوضى والقتل والكراهية؟ إلا إذا كانت الجهة التي تقود الحكومة، تريد استمرار التظاهرات ودفعها نحو العنف!

لقد قمت بقطع الفيديو للتخلص من الحشو الذي كان يشرح المتحدث به لماذا من الضروري ترك السلمية وكيف ان البلد ضائع، اختصاراً للوقت وللتركيز على زبدة ما يريد قوله. لا يمكن اثبات ان وراء هذا المحرض خطة كاملة، لكنه مؤشر خطير، وخطابه يبدو مرتباً وأنه مدرب عليه. وسوف يتبين الأمر قريبا إن تكرر أو كانت حادثة عابرة او قد لا تأتي برد الفعل المرجو فتؤجل عملية الإطلاق. في كل الاحوال، المؤشرات تبعث على القلق وتدعو للحذر، لشدة التشابه بين ما يحدث وبين ثورات الربيع العربي.

ولا يمتلك المرء الا ان يسأل نفسه ان كان هناك علاقة بين عملية الاغتيال الثنائية وساعة إطلاق مرحلة العنف. وفي كل الأحوال ايضاً، فإن تصرف الحكومة الذي لا يشبه تصرف اية حكومة مع التظاهرات، يجب ان لا يغيب عن البال مستقبلاً، فلا هي حكومة تتصرف بسلمية وحضارية مع التظاهرات، ولا هي تستخدم ذلك العنف بشكل موجه لإنهاء التظاهرات، بل لزيادة عنفها فقط!

هذه حقائق تبقى صحيحة ومريبة حتى إن لم ينفجر العنف، أما ان انفجر، فالسؤال الكبير هو: إلى من يجب ان يتجه الناس وحول اية نواة يتجمعون وهم لا يعرفون لمن تعود الحكومة والقوات الامنية؟

 

صائب خليل

............................

فيديو رجل يدعو لنبذ السلمية

https://www.facebook.com/saiebkhalil/videos/825872277875850/

 

ميثم الجنابيإن مآسي الأمم هو قدرها الذي يعتمل في أعماقها. بمعنى أن ما تعانيه بهذا الصدد هو الاستمرار الملازم لما فيها من نقائص. فالنتائج دوما محكومة بأسبابها. وهو تلازم يرتقي إلى مصاف الحتمية. وفيه تظهر ليس فقط حقيقة القدر بل وإمكانية البدائل للخروج من ربقته. فالقدر هو الوجه الآخر للقدرة. وعلى قدرها تتراكم حقيقة القدر في عقل وضمير النخب الاجتماعية والفكرية والسياسية. كما انه يتراكم في مواقف المجتمعات والأمم بأشكال ومستويات شتى تترامى من الخنوع لكل ما يجري إلى المواجهة والتحدي والاستعداد لتضحية بكل شيء من اجل ما تعتقده مقدسا في عقلها وضميرها، أي كل ما يرتقي في وعيها وضميرها إلى مستوى المجرد عن الابتذال. وفيما بين هاتين الحالتين، أي الخنوع إلى حد العبودية السافرة والتوكل الزائف على قيم أكثر زيفا، والاستعداد الدائم للمواجهة والتحدي مهما كانت الظروف والقوى الخارجية، تكمن أيضا قيمة النخب والأمم على السواء. وقد سبق للفكر الإسلامي وأن سجل هذه الحقيقة في عبارة مأثورة تقول "الناس على دين ملوكها"! ويمكن تأويل هذه الفكرة في ظروفنا المعاصرة على أن الأمم على دين نخبها بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وذلك للدور الذي تلعبه النخب السياسية الآن في حياة المجتمع.

فالتطور التاريخي للأمم يسير في أشواط الانتقال صوب أولوية وجوهرية القيم والمبادئ والقوة الاقتصادية والثقافية. وهو تحول جوهري يجعل من السياسة، كما كان شأنها على الدوام، القوة العلنية في تحديد ماهية ومضمون القدر نفسه. بمعنى نقل حقيقة القدر من عوالم الغيب والسر اللاهوتي إلى ميدان الإرادة الفعلية للأمم ونخبها الفكري والسياسية.

وعندما نضع هذه المقدمة الفلسفية في الموقف من قدر العراق الحالي ومآسيه، فإننا نقف أمام حالة مزرية لقدرة نخبه السياسية وعجزها التاريخي عن تفعيل السياسة بالشكل الذي يجعلها قوة اقتصادية وثقافية قادرة على تذليل حالة البؤس الشامل فيه. بل يمكننا القول، بأن ظروف العراق الحالية بعد سقوط الصدامية تكشف عن إمكانية السير في نفس طريق الابتذال الذي ميز زمنه في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين. ويكشف هذا الزمن عن استمرار حالة الابتذال لفكرة المبادئ المتسامية (الوطنية والحق والعدالة والنزاهة الاجتماعية وأولية المصالح العامة وما شابه ذلك). بل إننا نرى استفحال متوسع لهذا الانتهاك على خلفية الشعارات والإعلانات والدعاوى التي رافقت زمن الأحزاب السياسية التي صعدت إلى سدة الحكم بقوة الغزو الأجنبي والاحتلال. وتمثل هذه النتيجة الوجه الآخر لحالة الانحطاط الشامل في العراق، التي جعلت من الاحتلال أسلوبا لبلوغ وتحقيق الديمقراطية!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة من الانحطاط جعلت وما تزال تجعل من المغامرة أسلوب التفكير والممارسة السياسية. ذلك يعني أن النتيجة سوف تكون محكومة هنا بأسبابها أيضا. بمعنى أن النتيجة سوف لن تكون شيئا غير الاستمرار في زمن الخراب الانحطاط. فمن الناحية المجردة، يمكننا القول، بأن إدراك حقيقة التاريخ الكلي للعراق الحديث والنتائج التي أدت إليها التوتاليتارية الدكتاتورية الصدامية، كان ينبغي لها أن تصنع في وعي النخب السياسية القدر الضروري، أو الحد الأدنى من تأمل ما يمكن أن تؤدي إليه مغامرة الخروج عن فكرة الدولة الشرعية والوطنية والنظام الديمقراطي والثقافة الحرة. إلا أننا نقف أمام جهل أو تجاهل لتاريخه الحديث. فالتجربة الصدامية قد صدمت كل ما في العراق بشكل جعلته عرضة للتهشم والاندثار السريع كما لو انه كيانا هشا. مع أن العراق اعرق حتى من كل ما فيه! وتعكس هذه المفارقة مستوى الخراب والانحطاط الملازم لتقاليد الراديكالية الضيقة كما مثلتها الصدامية بصورة نموذجية! وهي نموذجية قادرة في الواقع على تعليم الحمير، بأن الخروج عن "الصراط المستقيم" في بناء الدولة لا مخرج له إلا الانزلاق في هاوية الانحطاط والخراب. ويرتقي هذا الحكم إلى ما يمكن دعوته بالبديهية السياسية. غير أن أحداث العراق الحالية ما بعد سقوط الصدامية يبرهن على أن البديهية السياسية ليست مفهومة أو معقولة أو سهله بالطريقة التي تبدو في ميدان الرؤية المنطقية والرياضية. والسر غاية في الجلاء، وهو أن "تاريخ" الانحطاط لا يشبه زمن السلطة! فزمن السلطة عرضة للتغير والتبدل الاندثار السريع، بينما "مآثر" الانحطاط أكثر رسوخا وتغلغلا في بنية الوعي والعلاقات الاجتماعية والسياسية. وهي الحالة التي تشكل مفارقة المأساة العراقية الحالية. إذ أننا نقف أمام نخب سياسية هي الوريث غير الشرعي أيضا لزمن الانحطاط! مما يجعل منها قوى ضعيفة وهشة في قدرتها على تمثل مصالح العراق الجوهرية.

فمن بديهيات الأمور في الفكر السياسي أن تكون قدرة النخبة السياسية أو الحزب السياسي على قدر ما فيهما من استعداد فعلي لتمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة والأمة. وفي الحالة المعنية على ما فيهما من قدرة على تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة في العراق. فالأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية الشيعية العربية – قلبها في الحوزة، وعيونها إلى النجف وكربلاء، وأطرافها تعمل من اجل الاستيلاء على أجساد العرب لتحويلهم إلى طائفة(شيعية). والأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية السنّية العربية – قلبها ينبض فقط بالاقتراب من السلطة، وعيونها إلى عروبة مزيفة، وأطرافها تعمل من اجل الاستيلاء على أجساد العرب من اجل تحويلهم إلى طائفة (سنية). والأحزاب العلمانية العراقية (العربية) مشتتة القلب والأطراف، مهمومة بالتحالف الكاذب مع الآخرين، أما روحها فهو التأقلم مع تقاليد السرقة والابتزاز. والشيوعيون وأمثالهم لا قبلة لهم ولا دين بعد سقوط موسكو والشيوعية غير التأقلم مع "نحن" لا قيمة لها ولا معنى. والحركة الطالبانية الكردية – لا قلب لها ولا فؤاد غير السليمانية، ولا تتقن من الحكمة السياسية سوى لعبة المغامرة السياسية في بغداد وكركوك، أما أطرافها فسائبة مع الجميع وقوتها المصطنعة في رخويتها الفعلية. أما الحركة البرازانية الكردية فقلبها في اربيل، وعيونها متنقلة من ارث جبلي تقليدي إلى واشنطن وخدمها، وأطرافها متعاونة وخاذلة لأبناء جلدتها والآخرين.

إن هذه الأحكام القاسية في مظهرها لا تنفي وجود بعض فضائل هذه القوى، عند الجميع، بقدر ما أنها تشير إلى طبيعة النقص الجوهري عند النخب والأحزاب السياسية في العراق، بوصفها النتيجة الملازمة لزمن الانحطاط الشامل في الدولة والمجتمع والثقافة. إلا أن ذلك لا يقلل من مسئولية هذه الأحزاب والنخب، كما انه لا يزيل إشكالية القضية نفسها والقائلة، بأن قوى من هذا النوع ليست قادرة على تقديم وتحقيق بديل واقعي وعقلاني لتاريخ الخراب والانحطاط في العراق. ويمكن وضع هذه النتيجة في فكرة تقول، بان إذا كانت مآسي الأمم على قدر انحطاطها، فإن نجاحها على قدر ما فيها من نخب رفيعة المستوى ومجتمع حي هو مصدر وجودها ومعين إبداعها الأصيل. وبدون ذلك تصبح المأساة فعلا لا علاقة له بالعقل والضمير والإبداع. فالمآسي تصبح فضيلة فقط عندما تتحول إلى بلاء عظيم لقلوب أعظم، أي عندما تكون لقلوب الأمم كاللهب للذهب. الأمر الذي يجعل منها طاقة لتنقية القلوب والعقول.

ودروس التجربة التاريخية للعراق الحديث تكشف عن أن مصدر مأساته تكمن في عدم تكامله الذاتي. ويستحيل تحقيق هذا التكامل دون تكامل الأحزاب والنخب السياسية في رؤية وطنية واجتماعية واقعية وعقلانية. وعدم التكامل المشار إليه أعلاه هو الضعف الذي جعلت منه العقود الخمسة الأخيرة زمنا للتجزئة المغلفة بالوطنية الكاذبة والقومية الأكثر كذبا والتدين الأشد غشا. بحيث تحول العراق إلى كتلة متراكمة من التجزئة القومية الضيقة والعرقية والطائفية الآخذة في الصعود حاليا. ويمثل هذا الصعود عين السقوط. وفي أفضل الأحوال لا ينتج غير انحطاط آخر لا جديد فيه ولا معاصرة! كما انه لا يفعل إلا على استثارة النفسية الدموية ونزوعها التخريبي.

إذ لا يمكن للنزعات القومية الضيقة والعرقية والطائفية أن تحصل على إجماع وطني. كما أنها غير قادرة على الخروج من مآزقها الذاتي بوصفها أيديولوجيا المأزق التاريخي. من هنا ليس صعودها سوى الوجه الآخر لسقوطها التاريخي. وهي حالة عادة ما تميز الأبعاد الموضوعية في مرحلة الانتقال الكبرى من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. مما يجعل من صعود القوى الممثلة لهذه النزعات شيئا أقرب ما يكون إلى كبش فداء. أنها كبش بالمعنى السياسي، وفداء بالمعنى التاريخي. وتنعكس في هذه المفارقة حالة العراق المعاصرة. بمعنى خروجه من نفق التجزئة التوتاليتارية المغلفة بالوحدة والدخول إليه من جديد باسم "الديمقراطية". بينما تفترض حقيقة الديمقراطية الفعل والعمل بمعايير المصلحة الاجتماعية وقوة الشرعية والقانون، وليس بمعايير ومقاييس الدعاوى الأيديولوجية.

 فالقومية الضيقة والعرقية والطائفية هي قوى مجزئة. مما يجعلها بالضرورة ضعيفة من حيث إمكانياتها الوطنية، ومنهكة في ثباتها الاجتماعي، وناقصة في عقلها العراقي. وديمومتها الوحيدة هي المؤقت والتأقلم. ولا تصنع هذه الديمومة ثباتا واستقرارا ديناميكيا للعراق. مما يحرفها بالضرورة عن فكرة الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. مع ما يترتب عليه من استعداد دائم لاقتراف الرذيلة "السياسية" والتقلب فيها بمعايير ومقاييس العابر والمؤقت.

ومن حصيلة هذين الاثنين، أي الاستعداد الدائم للتأقلم والخيانة الاجتماعية يظهر "فداءها" التاريخي. بمعنى أنها منفذة المهمة التاريخية التي جعلت الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية، ومن اللاشرعية إلى الشرعية مهمة مقرونة بالقوى الأجنبية الغازية للعراق، بينما هي مجرد أداتها السياسية الظاهرية. الأمر الذي جعل منها بالحقيقة والمجاز كبش الفداء التاريخي. وتستجيب هذه المهمة إلى ما فيها من استعداد للمرور بكل أوحال مرحلة الانتقال الوسخة في العراق، ولكن بوصفها قوة انتقالية من حيث مقدماتها وتاريخها وفكرها وذهنيتها ورؤيتها للمستقبل. وفي هذا يكمن سر المأساة التاريخية الحالية للعراق. بمعنى أن صعود قوى سياسية لا علاقة عضوية لها بتاريخ العراق ومضمون كينونته الثقافية إلى "قيادة" و"توجيه" حركة الانتقال التاريخي الكبير إلى الديمقراطية هو الثمن الذي ينبغي أن يدفعه العراقيون من اجل التطهير العقلي والأخلاقي للرذيلة التي جعلت من الممكن صعود مثل هذه القوى إلى هرم السلطة.

فالقوى المؤقتة والعابرة هي النتاج غير المباشر لزمن التوتاليتارية والدكتاتورية. بمعنى إنها نتاج مرحلة الانحطاط التام في بنية الدولة والنظام السياسي والثقافة والعلاقات الاجتماعية. من هنا واقع استمرار بنية الدولة التوتاليتارية في "مؤسسات" "الحكم المؤقت". فعوضا عن التوتاليتارية نرى براعم ومظاهر الاستفحال الشامل للنعرات العرقية والقومية الضيقة والطائفية الدينية والسياسية. وعوضا عن حكم الحزب والعائلة في النظام السياسي البائد نرى توسع المحاصصة نفسها على أسس القومية والطائفية والجهوية وليس على أساس الكفاءة والنزاهة كما نراه جليا في توزيع مناصب الوزارة والمؤسسات والفساد الإداري والمالي والأخلاقي. وكما كانت حال الثقافة والمثقفين زمن الاستبداد الشامل نرى معاداة الثقافة والمثقفين على أسس أيديولوجية قومية ودينية مزيفة. وكما كان الحال بالنسبة لإبعاد المجتمع عن إدارة شئون الدولة والرقابة نرى نفس التوجه العام عن الاستمرار الفعلي في تفتيت القوى المدنية وإحلال النزعات الجهوية والعرقية والطائفية.

أما النتيجة الحتمية لهذا السلوك فيقوم أيضا في استعداد هذه الأحزاب والنخب السياسية للخيانة الاجتماعية والسياسية. مما يشير بدوره إلى أنها لم تتعظ من تاريخ المأساة العراقية، وأنها مازالت تعيش في زمن الانحطاط، دون أن تعي بان الانحطاط دوامة مخرجها الوحيد: الزوال من مسرح التاريخ والاندثار من ذاكرة الأمم!

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيإن احدى الحقائق الفكرية الكبرى، وإحدى البديهيات السياسية الكبرى تقوم في الإقرار، بأن الرجوع إلى النفس هو مفتاح الحلول الواقعية وأسلوب النجاح الفعلي لحل الإشكاليات التي يواجهها المرء والجماعة والمجتمع والدولة.

وتاريخ العراق الحديث ومآسيه العديدة، وانغلاق تطوره فيما مضى والعقود الأخيرة منه بشكل خاص تبرهن على أن الخروج على ما فيه هو سر سقوطه وانهياره.

فالحالة الواقعية للعراق الحالي تشير إلى انه يتعثر ويتمايل في خطاه وحركته ورؤيته. بحيث أصبح اقرب ما يكون إلى تجمعات وتراكمات متنافرة من حيث المصدر والأسلوب والغاية. الأمر الذي يشير إلى فقدانه لفكرة المرجعيات الكبرى، أي المرجعيات الجامعة التي تجعل من اختلافاته مصدرا للقوة والبحث، وليس للتخريب والانحطاط كما هو حاصل الآن.

أن فقدان المرجعيات الكبرى، او ما ادعوه بالمرجعيات المتسامية بالنسبة للقوى السياسية والنخب والمجتمع والدولة، عادة ما يؤدي إلى قلب حقائق الأشياء ومسار وجودها الطبيعي أيضا. بحيث تتحول حتى الأسماء إلى مضاداتها، مثل أن تتحول قائمة "العراقية" إلى كيان وأسلوب وغاية مناقضة لمرجعية العراق والهوية العراقية والدولة العراقية. بحيث يجري الاستعاضة عنه بالقوى الخارجية وتحويلها إلى "كعبة" الاستلهام "السياسي" في تحديد الموقف من الدولة الناشئة والمتراكمة في مجرى مخاض صعب ويتسم بقدر هائل من التعقيد والدرامية. الأمر الذي يشير إلى فقدان بوصلة الفكرة العامة المتعلقة بالوطن والدولة، مع ما يترتب عليه من إخضاع كل شيء لمصالح ضيقة وأنانية هي بحد ذاتها نموذج للخروج على النفس. ومن ثم تحتوي في أعماقها على ما أدت إليه "سياسة" الدكتاتورية الصدامية في جل العراق فريسة التدخل الخارجي والحصار والتدمير والانحطاط والاحتلال الأخير.

بعبارة أخرى، أن تجربة العراق المريرة والمأساوية التي أدت إلى الاحتلال تبرهن على أن الخروج على ما فيه هو سر خرابه المادي والمعنوي. وبالتالي، فإن البديل الواقعي والضروري الوحيد هنا هو المشروع المستقبلي الذي يؤسس لكيفية رجوع العراق إلى نفسه. وهو مشروع يستحيل بلوغ أهدافه دون إعادة بناء هويته الذاتية الاجتماعية والوطنية والقومية.

فقد كان الاحتلال الأمريكي للعراق دليلا على خروج نظامه السياسي ونخبته "القائدة" آنذاك والمتمثلة في التوتاليتارية والراديكالية على مرجعية العراق الكبرى الوطنية والاجتماعية والقومية وفكرة الدولة. مما يشير بدور إلى أن الاحتلال الأمريكي له قد كشف أيضا عن طبيعة الخل البنيوي للقوى السياسية جميعا. وإذا كان التاريخ لا يعرف قانونا صارما، فإنه يبرهن مع ذلك بصورة دائمة على أن الخروج على الحكمة السياسية يؤدي بالضرورة إلى الجحيم. وليس هناك من جحيم بالمعنى التاريخي والسياسي والأخلاقي أقسى من جحيم الانحطاط والتفكك الوطني مع ما يترتب عليه من حتمية ظهور مختلف أشكال الصراع والحروب غير العقلانية.

إن تجربة العراق المعاصرة تكشف وتبرهن بقدر واحد على هذه الحقائق. وبالتالي، فإن البديل العقلاني العراقي الممكن يصبح مشروعا واقعيا وقابلا للتحقيق حالما يجعل من هذه الحقائق بديهيات سياسية عملية لكي يتكامل الجميع بمعايير الرؤية الوطنية وتحقيق مصالحهم من خلال مصالح العراق العامة. 

إن مشكلة العراق الجوهرية ليست في كيفية خروج قوات الاحتلال (التي يدعو البعض لإرجاعها إليه تحت شعار "عدم اكتمال الديمقراطية" و"الخوف من الدكتاتورية" وما شابه ذلك من أغطية تعكس أولا وقبل كل شيء عمى العقل والقلب والضمير)، بل في كيفية رجوعه إلى نفسه. ولا ينبغي لهذا الرجوع أن يشبه في شيء رجوع "قوى الخارج" الأولى التي تعيش وتعتاش بقدر واحد على سرقة الحاضر والمستقبل باسم الشراكة السياسية والعمل بمقاييس المعارضة الخنيثة الخبيثة!

إن المهمة الكبرى القائمة أمام العراق ونخبه السياسية المحكومة والمهمومة بفكرة المرجعيات الكبرى للدولة والأمة تقوم في رجوعها المحكوم بفكرة الوطنية العراقية والمصالح العليا، أي بفكرة مركزية الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. حينذاك فقط يمكن رمي كل مشاريع قوى الاحتلال والرجعيات العربية (السعودية بشكل خاص) في مزبلة الزمن السياسي. أما تأسيس هذا الرجوع إلى النفس، فانه يفترض ربط فكرة الوطنية العراقية والرؤية الواقعية العقلانية وفكرة الدنيوية (العلمانية) في كل واحد، ووضعها في أساس مشروع البديل الوطني الاجتماعي العراقي. فهو المشروع القادر على تذليل مصادر الخراب الكامنة والفاعلة في مثلث الاحتلال والطائفية السياسية وعرقية الأقليات القومية.

***

ميثم الجنابي 

 

قصي الصافيربما يكون من باب المصادفة ان تنطلق انتفاضتا الشعب العراقي والشيلي في نفس التوقيت، ولكن مالا يمكن ان يكون مصادفة تشابه الانتفاضتين لا في أهدافهما الرئيسية فحسب، بل في آليات التعبئه والتنظيم والتعبيرات الرمزية التي تشهدها ساحات الاحتجاج.

وأنا أقرأ توصيف الصحافية مونيكا غونزاليس لانتفاضة تشيلي في مقابلة مع صحيفة (ذي نيشين) خيل لي انها تتحدث عن انتفاضة تشرين في العراق. تصف ما شهدته في ساحة ايطاليا بسانتاياغو (سميت الآن ساحة الكرامة) وكأنها تصف ساحة التحرير في بغداد فتقول : انني لم أر في حياتي من قبل تلك الملايين من الشباب الذين يتحدون النظام بشجاعة منقطعة النظير، دون أن تكون لهم خلفيات إيديولوجية أو انتماءات سياسية، فقد اعتدنا في السابق أن نرى تظاهرات محدودة لأحزاب أو قوى معارضة تحمل أعلامها وشعاراتها، الا ان هؤلاء الشبان يصرون على رفض أي علم سوى العلم الوطني. إنها صحوة عظيمة ومفاجئه لشعب تفتحت عيونه، وربما كان ذلك سبباً في أن قناصي السلطة يتعمدون التصويب على عيون الشباب حتى أطفئت عيون المئات ومنهم من أصابه العمى، لقد أدرك فقراء الشعب العلاقه بين معاناتهم في الحياة والفساد المستشري في النظام عبر التخادم مع الشركات الاجنبيه والمحلية، والعمولات والرشاوي التي تورط فيها جميع اعضاء البرلمان والسياسيين. باسم حرية السوق والخصخصة تركزت الثروة بيد فئة قليلة ممثلة بالشركات الكبرى والطبقة السياسية الفاسدة المتخادمة معها مقابل إفقار الشعب. لقد كانت لدينا مؤسسات رعايه اجتماعيه وتوزيع عادل نسبياً للثروة وديمقراطية حقيقية قبل عام1973، كل ذلك قد فقدناه مع انقلاب المخابرات المركزية الامريكية وتنصيب الدكتاتور العسكري بينوشيت، واستمرت الحكومات المتعاقبة بعده على ذات النهج ونفس الدستور والقوانين، التي مكنت كبريات البنوك الاجنبيه والشركات الكومبرادورية من السيطرة على كل مرافق الدولة عبر الخصخصة، وتسترسل قائلةً : حين يردد الاعلام الغربي قصة نجاح الاقتصاد الحر في تشيلي انما يعني نجاح الشركات الكبرى والبنوك الاجنبيه في استغلال ابناء الشعب، حيث تم خصخصة كل شئء من التعليم الى الصحة والتقاعد والتأمين الاجتماعي ومناجم النحاس والمعادن والصناعه والزراعة والخدمات، لا شئء توفره الدوله للمواطن، إما أن تكون غنياً فتدفع للتعليم والصحة وباقي الخدمات، أو ان تصارع الجهل والمرض والحرمان. ان الشباب مصرون على عدم العودة الى بيوتهم دون ازاحة الطبقة السياسية الفاسدة وصياغة دستور من قبل الشعب بدل الدستور الحالي الذي تم فرضه من قبل الولايات المتحدة بعد الاطاحة بحكومة الليندي عام 1973 والذي ما زال سارياً، ويطالبون أيضا بصياغة قانون انتخابات عادل بدل قانون الدكتاتور بينوشيت، وقد أثار إصرار الشباب رعب الرئيس الملياردير بنيرا والطبقة السياسية التي بدأت بتهريب أموالها خارج البلاد. وتعبر الصحفية عن دهشتها لما تسمعه في شوارع سانتياغو من أغاني ثورية لفناني المقاومة التي تعود الى فترة الدكتاتور بينوشيت، أغاني فكتور جارا وسيرجيو اورتيجا إضافة الى النشيد الوطني القديم لحكومة سلفادور الليندي، مما يشيرالى ادراك الشعب ان منظومة الفساد وسر معاناتهم تكمن جذورها في المشروع الامريكي بعد الاطاحة بحكومة الليندي المنتخبة .

 على شاكلة البرلمان العراقي أصدر البرلمان التشيلي قوانين ضد الفساد، ولكن لم يعتقل أو يحاكم أيا من الفاسدين.

في البداية كان للاحتجاجات في البلدين طابعاً مطلبياً، فكانت في حالة العراق للمطالبة بالوظائف وتوفير الخدمات وتحسين الاحوال المعيشية، أما في شيلي فقد بدأت احتجاجاً على زيادة اسعار مترو الانفاق، والذي يعتبر عصباً رئيسياً في الحياة اليومية للفقراء وابناء الطبقة الوسطى، ثم ارتفع سقف المطالب في الاتتفاضتين لأعادة صياغة الدستور وقانون الانتخابات وتغيير المنظومة السياسية بكاملها.

يبدو تفسير التشابه للوهلة الاولى عصيا، فالبلدان تفصلهما مسافة شاسعة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً، العراق مثلاً لا يتكئ على ارث ديمقراطي حقيقي، بينما تمتلك تشيلي تجربة ديمقراطيه عريقة تعود الى عشرينيات القرن الماضي قبل إجهاضها بالانقلاب العسكري الذي نفذته وكالة المخابرات الامريكي عام1973.

 رفض الانتفاضتين للطبقة السياسية الفاسدة وماتتحصن به من دستور وقوانين، يشير بوضوح الى رفض مخرجات المشروع الأمريكي في كل من البلدين، وقد زعمت الولايات المتحدة في الحالتين انها تهدف الى اطلاق الحريات ودمقرطة النظام السياسي، الزعم الذي قد يلقى في حالة العراق ترحيبا وتحمسا لدى الكثيرين، على اعتبار ان المشروع قام على انقاض نظام دكتاتوري متوحش، بل ان فريقاً مازال يبحث عن شتى المبررات لتبرئة أميركا من النتائج الكارثية التي آلت إليها اوضاع البلد والمنطقة، متناسين ان الدولة الراعية لمشروع سياسي هي الوحيدة المسؤولة عن إدارته وبالتالي هي المسؤولة عن مخرجاته بالبداهة.

أما في حالة تشيلي فقد تكشفت منذ الساعات الاولى فاشية الدكتاتور الذي نصبته المخابرات المركزية، والذي انتهى به المطاف الى المحاكمة الدولية لما اقترفه من جرائم بحق شعبه، ولكن بقي الدستور وحزمة القوانين التي حكم بها البلاد سارية المفعول الى اليوم. وقد جاء دستوره الأميركي كأطار قانوني لأطلاق يد الشركات والبنوك الاجنبية التي استشعرت حينذاك بتهديد مصالحها من قبل برنامج حكومة الوحدة الشعبية وحزمة الضوابط والالزامات الماليه التي ستفرض عليها، اضافه الى شبح تأميم بعض الصناعات، ولم يكتف الدستوربتقديم التسهيلات للشركات والبنوك فقط، بل ان المادة رقم8 منه تجرم قانونيا الافراد والحركات والاحزاب التي تدافع عن الحقوق الاقتصادية للفقراء والمهمشين، اذ تنص المادة على أن من يسهم في اثارة (الحرب الطبقية) يتعرض للعقوبات القانونية ولا يحق له التصويت أو الترشيح في الانتخابات.

لقد أعلن االمنتفضون في العراق وتشيلي أنهم يريدون وطناً مستقلاً، وشعباً حراً يقوم بصياغة دستوره وقوانين بلاده بنفسه، لا أن تفرض عليه من قبل قوى خارجية.

 

قصي الصافي

 

باسم عثمانالمقدمة: أراضي الضفة الفلسطينية مقسمة إلى مناطق "أ" و"ب " و"ج " وفق اتفاق أوسلو:

- تخضع المنطقة "أ" للسيطرة الفلسطينية الكاملة، والمنطقة "ب " للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية، اما المنطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتبلغ مساحتها 60% من أراضي الضفة الغربية.

- المنطقة "ج": مثل البحر الذي تنتشر فيه جزر "أ" و "ب "، ولا يمكن الانتقال من المنطقة "أ" إلى المنطقة "ب " أو العكس دون المرور بمنطقة "ج".

- "إسرائيل" تسابق الزمن لتغيير الواقع القانوني والتاريخي القائم بالضفة، لان مناطق " أ" و"ب " غير قابلة للحياة بدون مناطق" ج"، التي تمتلك ثروات طبيعية ومياه جوفية وشواطئ البحر الميت، وكان يفترض تحويل صلاحيات إدارة مناطق "ج" للسلطة عام 1999 لكنه لم يحدث لغاية الان وفق الاتفاقات الثنائية، في الوقت الذي تعمل فيه "إسرائيل" ضمن رؤية استراتيجية تهدف للهيمنة على أراضي ومناطق الضفة الغربية من خلال الضم والاستيطان.

بحر وجزر:

وليد عساف، رئيس هيئة مكافحة الجدار والاستيطان، شبّه بدوره المناطق المصنفة "ج": بالبحر الذي تنتشر فيه جزر تسمى مناطق "أ" و "ب "، مبينا أنه لا يمكن الانتقال من منطقة "أ" إلى منطقة "ب "، أو العكس دون المرور بمنطقة "ج "، وأضاف:" باتت مناطق (أ وب) تشكل 200 جزيرة مفصولة عن بعضها بمناطق (ج)، ولا يمكن المرور بينهن إلا من مناطق (ج)"، وهذا يعني، بحسب عساف، " أن أي جندي إسرائيلي في منطقة "ج" يستطيع منع الفلسطينيين من الحركة والتنقل بين مناطق "أ" أو "ب ".

مخزن الثروات الطبيعية:

 فالمناطق المصنفة "ج" هي مناطق الثروات الطبيعية، حيث تنتشر فيها حقول الغاز والنفط، كما أن أحواض المياه الجوفية تتركز بأراضيها، ولا يستفيد منها الفلسطينيون إلا بنسبة 15%، والباقي تسرقه المستوطنات الإسرائيلية، وفق عساف

ومن الأمثلة على تلك الثروات الطبيعية، يقول عساف:" البحر الميت بمكوناته كمنطقة حدودية وسياحية، ومنطقة أملاح، يقع في أراضي "ج"، ومخزون الأراضي القابلة للزراعة، مثل سهل صانور ومرج بن عامر والأغوار، والسهول الأخرى كافة تقع جميعها ضمن التصنيف نفسه".

وأضاف:" لا يمكن أن تتطور مناطق "أ وب " دون "ج"، التي بنيت على أساس أن مناطق ومساحات "ج" ستأتي للسيادة الفلسطينية لاحقا"، وتابع: "الاتفاقية المؤقتة تحولت إلى دائمة، بل على العكس، إسرائيل بسطت صلاحياتها الأمنية على مناطق "أ"، "ب "، حيث تعتبر مناطق "ج" المجال الحيوي الوحيد لقيام حياة طبيعية للفلسطينيين".

واعتبر رئيس هيئة الجدار والاستيطان: "أن القرار بوقف العمل بالاتفاقيات مع "إسرائيل"، يكتسب أهمية كبيرة من أجل تحقيق انتقال استراتيجي، وبدء مرحلة جديدة مع "إسرائيل"، التي تحاول إظهار مناطق "ج" كمناطق متنازع عليها"، ومضى بالقول:" القرار الفلسطيني يتطلب كسر البروتوكولات المتبعة في اتفاق أوسلو، والبدء بتطوير مناطق "ج" حسب الاحتياجات الفلسطينية، ومد الخدمات لها، من مياه وكهرباء وطرق وغير ذلك".

المعطيات:

في خضم الأحداث العاصفة والاًخذة للمزيد من التصعيد في منطقتنا، إثر تغول العدائية و"الهمجية" للسياسة الامريكية، حيث "يتشيطن" و" يتصهين" اللاعبون الدوليون بما يخص القضية الفلسطينية ومشروعها الوطني، في الوقت الذي تعجز فيه القيادة الفلسطينية عن صياغة استراتيجيتها المقاومة لهذه " الشيطنة"، والعبور بالقضية الوطنية الى بر الأمان.

بعد جملة من التطورات التي وقعت مؤخرا، اندلقت شهية نتنياهو وقوى اليمين المتطرف في "إسرائيل"، وبرعاية "العراب" الأمريكي، للقيام بخطوة اعلان استصدار قرار بضم المناطق "ج" من الضفة الغربية "لدولة الاحتلال"، والتي قامت فوق أراضي قراها الفلسطينية عشرات المستعمرات الصهيونية بعد 1967.

ان المناطق "أ" و"ب " و"ج"، تعني للفلسطينيين أكثر من كونها حروفا أبجدية، فهي ترمز لأراضي الضفة الغربية، مقسمة كـ "حصص" بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل"، وفق اتفاق أوسلو الموقع بين الطرفين عام 1993, إلا أن النصيب الأكبر من تلك "الحصص" كان في جيب "إسرائيل"، معنون بحرف "ج"، والتي تُشكّل مساحته 60% من أراضي الضفة الغربية، وعلى الرغم من أن المناطق المصنفة "ج"، تعد الامتداد الطبيعي لـ "أ" و "ب "، إلا أن "إسرائيل" تسعى للتوسع والتمادي في تنفيذ مخططاتها الاستيطانية، وتضيّق الخناق على الفلسطينيين واليمين الحاكم في "إسرائيل" يسابق الزمن لتغيير الواقع القانوني والديمغرافي والتاريخي القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة عامة، والمناطق المصنفة "ج" بشكل خاص، في محاولة منه لتعميق السيطرة الإسرائيلية عليها، حيث تترافق مع تصعيد إسرائيلي ملحوظ في سياسة هدم المنازل، وتخريب المنشآت الفلسطينية وتدمير اقتصاد الفلسطينيين في المناطق "ج"، وذلك لتوجيه رسالة للعالم بأن "إسرائيل" هي من يُحدد مستقبل تلك المناطق، وهي التي ترسم مستقبل الوجود الفلسطيني فيها من جانب واحد.

في ذات السياق, تأتي تصريحات وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي نفتالي بينت، في أن المنطقة "ج" من الضفة الفلسطينية المحتلة هي جزء من "إسرائيل"، وكأنها رسالة إلى كل من يعنيه الأمر، بأن الرهان على استئناف المفاوضات مع "دولة الاحتلال"، و الرهان على أنها الخيار الوحيد، باتت رهانات فاشلة بشكل نهائي ومغامرات "صبيانية"، وأن "دولة الاحتلال" لم تعد تقيم وزناً إلا لمشاريعها الاستيطانية الكولونيالية، وتتجاهل تماماً، ليس فقط حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والمشروعة، بل حتى أوسلو نفسه ايضا, كما انها تتجاهل وتزدري بقرارات الشرعية الدولية والمواقف الأوروبية والعالمية الداعية إلى وقف الاستيطان ,وأن حكومة "دولة الاحتلال" تعمل على رفع سقف التحدي، في الوقت الذي ما زال فيه الموقف الرسمي الفلسطيني يراوح مكانه، على رهانات أثبتت الوقائع والتجارب فشلها وانسداد الأفق أمامها.

ان الموقف الفلسطيني المقاوم واستراتيجيته الوطنية، هي التي يجب ان تقود إلى الخروج من اتفاق أوسلو والتحرر من قيوده، وطيّ صفحة الرهان على المفاوضات الثنائية كخيار وحيد، والذهاب في قرار وطني موحّد نحو المقاومة الشعبية بكل الوسائل المتاحة، نحو التحول إلى انتفاضة شاملة وعصيان وطني عام، يعلن حرب الاستقلال ضد الاحتلال والاستيطان.

وما على السفير الامريكي في "إسرائيل" ديفيد فريدمان , الا الكف عن إطلاق الأكاذيب وتشويه التاريخ في خدمة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، وتبرير انحياز إدارته لجانب "دولة الاحتلال" ومناصبة العداء للشعب الفلسطيني , وتهيئة الأجواء المسمومة لاستئناف تحركات مندوب ترامب في المنطقة (آفي بيركوفيتش) تمهيداً للإعلان عن الشق السياسي لصفقة "القرن".

إن تصريحات فريدمان تنسف القوانين وقرارات الشرعية الدولية التي اعترفت بحقوق الشعب الفلسطيني ,وتزوير للحقائق وإسباغ الشرعية المزيفة على أعمال كيان الاحتلال في الاستيطان وبناء المستعمرات والضم الزاحف، وتدمير الاقتصاد الفلسطيني، والعمل الحثيث على تهويد القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.

بالنتيجة:

إن ضم المناطق "ج" من الضفة الغربية "لدولة الاحتلال"، يعني تلقائياً، تمزيق الضفة الغربية وتحويلها لمعازل تضم مواطنين فلسطينيين، واهالة التراب على مشروع ما يُسمى بـ "حل الدولتين"، وبالتالي دخول المنطقة بأسرها في نفقٍ مظلم جديد.

إن مواجهة سياسات الأمر الواقع، التي يقوم بها كيان الاحتلال الاسرائيلي، لا تواجه بالندب واللطم، والشكوى والاستجداء، بل من خلال سياسات فاعلة وناجعة في الميدان الفلسطيني و في محافل المجتمع الدولي، أي بتفعيل كل أوراق القوة الفلسطينية, و في مقدمتها دعوة من بيده القرار السياسي الفلسطيني ، للرد على تصريحات فريدمان بخطوات ميدانية وليس ببالونات اعلامية، بوقف التنسيق الأمني والسياسي مع أمريكا و "إسرائيل", والشروع في التحرر من اتفاق أوسلو واستحقاقاته، والعودة الى برنامج التوافق الوطني والتزاماته البديلة ,و ضرورة توفير الغطاء السياسي للمقاومة الشعبية في مناطق الضفة الفلسطينية، وان تتحول كل الأراضي الفلسطينية الى عصيان وطني ومدني شامل أي : التكامل في خط المواجهة واستراتيجيتها، الاشتباك في الميدان ضد الاحتلال والاستيطان، ودعوة الأطراف الدولية الى تحمل مسؤوليتها تجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. 

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

كاظم الموسويمَن يعرف عدد وحجم الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة الان؟!. سؤال يصعب الجواب علية بدقة ومعرفة ولكن الجميع يعرف أن تواجدا عسكريا أمريكيا يتزايد في المنطقة وأن شبح حرب مدمرة يطوف فيها بين فترة وأخرى. وهذا لا يحصل دون وجود عسكري كبير وخطط منظمة وموجهة لذلك. ويتناول مختصون وخبراء في الشؤون العسكرية تصورات وتحليلات وتقديرات دون توثيق أو تأكيد مثبت للأرقام والاعداد. وتشهد المنطقة منذ اكتشاف النفط فيها تزاحما في الوجود العسكري، ويتداخل مع الموقع الاستراتيجي والاتفاقات بين الحكومات في الانتشار وإعادته في زراعة وتسمين القواعد وطلبات الحماية المتفق عليها. وتأتي التطورات المتزايدة والمتصاعدة في المنطقة شاهدا على ما قد يحدث. وتحرّض مراكز ابحاث ومؤتمرات في عواصم  في المنطقة، إضافة إلى تصريحات مسؤولين أو دعواتهم على الوصول الى الحرب وشنها من طرف الولايات المتحدة ومتخادميها. اخر أخبار الوكالات تقول إن الولايات المتحدة تعمل "على تعزيز وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، مع خطط لإرسال نحو 2800 عنصر من قواتها من الفرقة المحمولة جوا الثانية والثمانين للجيش الأميركي إلى الكويت، حسبما ذكرت وكالة أنباء بلومبرج". ووفقا لمسؤولين أميركيين اثنين لم يتم الكشف عن هويتهما، ستنضم الفرقة الأميركية الجديدة إلى حوالي 700 جندي كان قد تم إرسالهم إلى الكويت في وقت سابق من هذا الأسبوع كجزء من “كتيبة جاهزة” للرد السريع تابعة للفرقة. و"كانت الولايات المتحدة قد أرسلت بالفعل حوالي 60 ألف جندي إلى المنطقة. ويعود الإعلان عن الخطط الأميركية لإرسال قوات إضافية إلى منطقة الشرق الأوسط، إلى أوائل الشهر الماضي".

كانت تقارير إعلامية قد نقلت في السادس من الشهر الماضي عن مسؤول أميركي، طلب عدم الكشف عن هويته(!)، قوله إن وزير الدفاع الاميركي مارك إسبر يعتزم إرسال ما بين خمسة وسبعة آلاف جندي إضافي إلى "الشرق الأوسط". وهذه تسريبات من البنتاغون وأجهزته وأدواته والمتعاملين معه، ولا سيما من وسائل الإعلام، قد تكون صحيحة أو لجس نبض أو تحضيرا لاعداد اكبر وتحركات أوسع. وبالتالي التمويه على الحقائق والمعلومات وواقع الحال.

كانت قد نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" (10حزيران/ يونيو 2019 ) تقريرا لمراسلها غوردون لوبولد، أشار فيه إلى أن قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط الجنرال فرانك ماكينزي أكد أن التعزيزات العسكرية التي أرسلت إلى منطقة الخليج، وحاملة الطائرات والنظام المضاد للصواريخ، كانت بناء على معلومات "محددة" بوجود تهديد إيراني (!) ضد المصالح الأمريكية وحلفائها والمصالح في العراق ومناطق أخرى، وأكد أن التعزيزات أدت إلى تحييد الخطر في الوقت الحالي، مشيرا إلى أن هذا التهديد لم ينته بعد. ونقلت الصحيفة أن الجنرال الأمريكي "يفكر"! في توسيع القدرات العسكرية الأمريكية؛ للتأكد من وجود قوة عسكرية أمريكية رادعة، وعلى المدى البعيد في المنطقة. وهو ما يعمل عليه فعليا، رغم تعليق الصحيفة عليه، بان تحركا كهذا سيكون بمثابة تراجع عن الموقف الأمريكي العالمي، في ظل استراتيجية الأمن القومي لإدارة دونالد ترامب، التي خففت من الوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وركزت على مخاطر التنافس مع الصين وروسيا. وهو ما كان قد طرحه ترامب نفسه في خطبه وتغريداته.

واورد الكاتب نقلا عن الجنرال، قوله: "نقوم بعملية مناقشات"، واعترف بأهمية التحول، قائلا: "أفكر بحذر وبتأن قبل الحديث عن موارد إضافية للمكان، نحن نتحدث عن ذلك، لكنه سيكون بناء على التقديرات المستمرة للوضع، ونحن نتقدم للإمام".

ولفت التقرير إلى أن الوجود الأمريكي في المنطقة تغير منذ حرب الخليج الأولى عام 1990، وقامت وزارة الدفاع الأمريكية في الآونة الأخيرة بإعادة نشر قوات أمريكية، بعيدا عن نزاعات المنطقة، مشيرا إلى أنها نقلت في العام الماضي عددا من بطاريات باتريوت من الأردن والكويت والبحرين، بالإضافة إلى حاملات طائرات، التي ظلت موجودة في مياه الخليج، ولم تعد تصدر أوامر لها بالانتشار هناك. وحسب الصحيفة، (ولابد من الإنتباه لما تحمله الرؤية وحجتها في تخويف وترهيب حكومات المنطقة) فإن ماكينزي يرى أن تخفيف الأثر العسكري الأمريكي في المنطقة ربما كان عاملا مساعدا لإيران لتهدد الولايات المتحدة وحلفائها، مشيرة إلى أن الجنرال رفض الكشف عن طبيعة المصادر العسكرية التي يرغب في نشرها في المنطقة.

ونقل الكاتب، أن الجنرال ماكينزي تحدث مع 6 آلاف جندي على متن حاملة الطائرات، وقال لهم: "أنا سبب وجودكم هنا.. طلبت السفينة بسبب التوتر مع إيران، وليس هناك داع للقول إنكم مهتمون بأي شيء باستثناء حاملة طائرات وزنها 90 ألف طن وكل شيء يرافقها"، وأضاف: "كان هدفي من جلبكم إلى هنا هو استقرار الوضع، ولتعلم إيران أن الوقت ليس وقت ارتكاب عمل أحمق". (ماذا يعني هذا بأبعاده السياسية والعسكرية والإستراتيجية؟)

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين، قولهم إن إيران حافظت على جاهزية عالية منذ وصول التعزيزات العسكرية في أيار/ مايو، وأضافوا أنهم شاهدوا نشاطات مستمرة من إيران، حركة قوارب وغواصات وعربات مسيرة، لكن لم تكن هناك هجمات. كما نقل التقرير عن قائد مجموعة لينكولن القتالية جون ويد، قوله إنه رغم النشاطات العسكرية المتزايدة، فإن قوات الجيش النظامية والحرس الثوري واصلت عملها بمهنية دون صدامات، وأضاف: "منذ عملنا في المنطقة حصل تماس في أكثر من مرة مع الإيرانيين.. حتى هذه اللحظة كلها كانت سليمة ومهنية، أي أن الإيرانيين لم يفعلوا شيئا لعرقلة مناوراتنا، أو أنهم تصرفوا بطريقة تجبرنا على اتخاذ عمل دفاعي".

ورغم ذلك فإن الإدارة الأمريكية ومتخادميها في المنطقة يتهمون إيران في كل ما يحصل فيها، من أعمال عسكرية أو هجمات وتحركات دفاعية. واستجابة لذلك أعيدت قواعد وقوات أمريكية في المنطقة. واعلن قبل أشهر عن انتشار اكثر من 35 ألف عسكري امريكي في بلدان الخليج كاضافات في الاعداد والعدد في ما هو موجود فعليا أو قبل التطورات الجديدة.

 هذا الوجود العسكري بمختلف صنوفه وخططه وتكاليفه ليس للعرض العسكري أو لنزهة سياحية، وهو المعلوم من كل ما يحصل، وما خفي، بالتأكيد هو الاعظم.

 

كاظم الموسوي

 

سامان سورانيبعد سقوط الطاغي صدام عام 2003 توقع الكثير بأن يطوي العراق حقبة الماضي المثخن بالدماء والأحزان والجراحات ويودع كابوس القمع والمنع والعزل ليفتح صفحة تطوّر دیمقراطي مطّرد وثابت ونهائي، لکنهم لم يدرکوا بأن الإنتقال الی الدیمقراطية وإنجاحها بحاجة الی جیش جرار من المناهضين للإصلاح، فهي رهن بتوفير میزان قوی یرفده ویحمیه ويفتح المسارب والأنفاق أمام تدفق حرکته.

ولحسن الحظ تعامل شعب كوردستان مع الواقع الجديد في العراق بمنطق الجد والإجتهاد والنقد، بعيداً عن العُقَد والهواجس، وصار هذا التعامل من الأمور والمُسَلمات الضرورية للخروج من السُبات الفكري والقوقعة التراثية.

الحاضر الكوردستاني المتميز بالسلام والأمن الاجتماعي والقرارات السياسية السليمة للقيادة الكوردستانية الحکيمة وفّر  الأجواء المناسبة للمضي قُدماً نحو بناء الإقليم وبنيته التحتية.

أما فیما يخص الإنفتاح والتواصل وبناء العلاقات بين إقلیم كوردستان ومحیطە الإقليمي والدولي فهذا نابع من السعي الجاد لفهم المتغيرات العالمية الحالية والمستقبلية وقرأة المستقبل القريب والمتوسط والبعيد.

ومن المعلوم أنه لایمکن تحديد موقع الإقلیم في عالم الغد أو إستکمال الخطط والإستراتیجيات الداخلية بدون الإستشراف للمستقبل وتحلیله بشكل ممنهج وموضوعي.

نحن نعتقد بأن التطورات الأخيرة في العراق ماهي إلا نتاج لعدم وجود عقلية الوساطة ومنطق الشراكة والإحساس بالمسٶولية أو بسياسة التبادل والتعارف وكذلك لعدم الكف عن الهيمنة الدينية بمختلف درجاتها والخنوع لأجندات خارجية بعيدة کل البعد عن المصلحة الوطنية.

وبالتأكيد أدت الإستمرار في تكرار الأخطاء الممارسة من قبل الحکومات التي تولت السلطة بعد سقوط النظام الشمولي عام 2003 الی خلق نوع من النفور والتراجع وعدم ثقة الجیل الشبابي الواعي المنتفض بالنخبة السياسية الفاشلة، فما يحتاجه العراق هو مستقبل خالٍ من المفاجآت المؤذية.

للأسف لم تقم الحکومات الفاشلة بترسيخ مفاهيم الهوية الوطنية لدى أفرادها ولم تلغي مظاهر التمييز والتفرقة القومية والدينية والطائفية والسياسية في يوم ما ولم تسعی في أبداً بالقضاء على الفجوة بين الدولة والمجتمع من خلال الانبثاق الطبيعي للدولة والسلطة من رَحم المجتمع ذاته، وبالتفاني لتطبيق السياسات العادلة والمتوازنة الهادفة لخدمة الاجتماع السياسي والثقافي في المجتمع، فما بالنا من اعتناق الحداثة والأخوة الوطنية والإنسانية، لذا ظلّ مشروع الفدرالية في العراق مجرد مصطلح مهترء وصارت الدولة العراقية في النهاية كيان هش فاقد لسیادته، لم يتخذ من الإقليم الكوردستاني نقطة انطلاق وإشعاع، يغمر منها كل أنحاء العراق.

أما الإحتجاجات الشعبية الأخيرة والتظاهرات السلمية في کافة المحافظات الجنوبية من العراق والتي ترید الوطن، فإنها كشفت للملأ بأن الإنسان العراقي رغم القمع المستمر قابل لاستيعاب روح العصر، وقيم الإنسانية والديموقراطية والحداثة، ومؤهل لخلع عباءة القبلية والطائفية، وما يصاحبها من قيم وعادات وتقاليد تنتمي بالفعل إلى متحف التاريخ والرافض للبنية السياسية الفاسدة، لکن الأمبراطوریات الفاسدة من الأحزاب الدينية المؤمنة بالمشاريع الدينية والعقائدية الشمولية التي إحتکرت السلطة ونشرت نفوذها طوال 17 عاماً بالقوة والبلطجة من أجل أسلمة الحياة والثقافة علی غرار مشروع ولایة الفقيه المنتهية صلاحیتها غير قادرة علی إستیعاب هذا التحول النوعي، فكيف بالتقليل من الإنقسام المجتمعي المتواجد.

إن ممارسة حق المواطنة من قبل المتظاهرين يعني تفكيك آليات العجز لتغيير قواعد اللعبة، بتشكيل عوالم ومجالات وإبتكار أساليب ولغات أو خلق موارد وفرص تحدث تحولاً في الفكر وتسهم في تغيير الواقع العراقي نحو الأفضل لاإمتلاك وقائعيتها بعيدة عن ثقافات عاجزة وحداثات هشة وشعارات مستهلكة وتقسيمات فقيرة وخادعة أو النرجسية والمكابرة والمحافظة والتقليد والتحجر والذُعر من المتغيرات وتبرئة الذات لرمي المسٶولية علی الغير.

ما شاهدناه في الأقليم هو إحتذاء حکومة إقلیم كوردستان بنماذج ناجحة في الحکم الرشيد وهي سوف تستمر في نشرها لقيم الحضارة والمدنية والديمقراطية وحماية تجربة التعايش السلمي بين المکونات المختلفة وإحترام حقوق الإنسان.

أما فيما يخص حکومة المستقبل في العراق بعد إنتصار صوت المتظاهرين، فما علیها إلا أن تمارس الشراكة الحقيقية مع شعب كوردستان لصنع المستقبل علی نحو إيجابي وبناء علیه أن تتحمل المسٶولية المتبادلة وتتقن لغة الشراكة والمداولة برٶی ومفاهيم ومفردات المفاوضة والتسوية أو التعاون، ومن غير ذلك فسوف تکون مستقبلها مجهولة ومعها سوف يعيش العراق في مستقبل مجهول.

وختاماً نقول: یجب أن تنتهي حروب الوكالات وتنتهي معها عملية جعل العراق ساحة لعب للميلیشيات العازمة علی إبقاء حالة الفوضی وحالة اللادولة. من يريد بناء عراق جديد مصون سيادته، علیە الإحتکام الی العقل والمنطق وتشجيع الإصلاحات الممنهجة والعمل علی مکافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون وإعادة الخدمات وتطوير البنية التحتية وإضفاء شرعية كبيرة على عملية سياسية جديدة والإبتعاد عن عراق غير ديمقراطي لاتؤمن بحقوق شعب كوردستان أو بفدرالية الإقليم ودستورية مؤسساته الفعّالة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

عبد الجبار نوريوبدأ التشقق يدبُ لكيانات التكوينات اليسارية بعد أنهيار منظومة الأتحاد السوفيتي وسيادة الضبابية عليها، وأننا كنخبة مثقفة يسارية معنيون وبما حاجة ماسة إلى أعادة بناء اليسار لدوره الواقعي في كونه يمثل واقعية الطموحات المستقبلية في تحقيق آمال الجماهير ودحض النظريات الرأسمالية المهادنة للأستعمار والأستبداد، وهو الأكثر وضوحاً في تلمس مشكلات الواقع، وأن النخب اليسارية هي المؤهلة في تكوين كتلة وقيادة الجماهير المسحوقة وبالتأكيد حينذاك تنسحب أليها الحركات الأخرى، وأن اليسار قادر لمواجهة الزحف الأمريكي الذي يمثل النظام الرأسمالي العالمي، وهو قادر على تأسيس مشروع نهضوي عراقي وعربي بالوقوف بوجه الأحتلال السافر للعراق في 2003، والأحتلال (المموّه) لبعض دول الجوار ودول الخليج المدعومة صهيونياً .

وبالتزامن مع أنشطار الجماهير المؤيدة لتيار اليسارالمتشظي أصلاً كان حصيلة هذه الهزة الفكرية أنطفاء محركها الطبقي وأفول وهج الآيديولوجيات الثورية، بأعتقادي ذلك أوضح نعي جماهيري للذات الحاملة للمشروع الثوري الذين هم اليسار العراقي وآيديولوجياتهِ العلمانية والتي أصيبت بفايروسات الكوسموبوليتيه* الرأسمالية المعاصرة وذلك بأعلامها الموجه الذي يصعب مقاومتهُ، وعلى أثر هذا الصراع الطبقي وتدخلات العساكرفي تطبيقها لغة الأنقلابات وبالتحديد في ستينات وسبعينات القرن الماضي أضافة إلى هيمنة الكوليونالية البريطانية والأمريكية المتعددة الرؤوس بكارتلاتها الأحتكارية التي من الصعوبة مقاومتها لحصولها على تأييد  ودعم  من القوى الرجعية والأقطاعية زاد في أنقسام اليسار العراقي إلى ماويين متأثرين بالتجربة الصينية والفيتنامية والهرولة نحو ترجمة مشاريع تعريب الماركسية بتجارب هزيلة ومتهافتتة كأشتراكيات حميدة ورشيدة متجاهلة خط الأشتراكية العلمية بسبب هوس فوبيا الشيوعية، ولعل هناك سبب جوهري آخر لتشظي التيار اليساري  هو في تكثيف الأحداث المفصلية في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات في الأحداث التالية  :

1- الثورة الأيرانية 1978

2- أنسحاب مصر من الصراع العربي – الأسرائيلي 1977

3- أغتيال السادات على أيدي الأسلاميين 1981

4- أندلاع حرب الخليج الأولى 1980- 1988

أضافة إلى ظهور دكتاتوريات قمع بوليسية قطّعّتْ العمل السياسي بشكلٍ ممنهج على سبيل المثال لا الحصر أنقلاب شباط الأسود في 1963، فتفكك اليسار العراقي إلى ماوي وقومي ناصري وقومي سوري وأسلاموي متطرف فتحولت تلك الحركات المهزوزة من اليسار الماركسي التحرري إلى الهرولة نحو كراسي السلطة وغابت معهم الدولة المؤسساتية .

وللوصول إلى مفهوم دقيق لليساريجب أن يقوم على أسس متينة ونقية خالية من الشوائب الطفيلية والنفعية والأنتهازية، وان يكون مستعداً ومشاركاً فعالاً في الصراع العالمي اليوم المتمثل في سطوة الأمبراطورية الأمريكية القائمة على الأحتلال والأستحواذ على خيرات الشعوب، وتبني المشكلات الواقعية وتحقيق الهدف العام في دخول الحداثة في المنجزات العلمية والسياسية أضافة إلى التأكيد على المشكلات الأقتصادية والتي هي الهدف المنشود، وان يكون المدافع الحقيقي عن مصالح الطبقات الفقيرة والكادحة إذا سوف يكون اليسار في قلب عاصفة (الصراع الطبقي) ويكون حقاً أيقونة الشعوب المضطهدة بتحقيقه الديمقراطية السياسية والديمقراطية الأجتماعية .

والذي نراه على صفحات الخارطة السياسية العراقية تثير حالة الأستقطاب الحادة بين أقطاب المعادلة السياسية غياب قوى اليسار التقدمي وحالة التشظي التي باتت تميزهُ في ظل أنحساره وتراجعه وأنشقاقاته وتشرذمه بعد أحداث  غياب التجربة السوفيتية، ولا بأس حين تكون سمة الأنشقاقات تميّز عموم الأحزاب المحلية والأقليمىة بل وعموم الأحزاب العربية المختلفة التوجهات والبنى الفكرية خصوصا منها الأحزاب التأريخية وبالتحديد أحزاب التيارات اليسارية والقومية وبعده الأسلامية  .

وكان لتداعيات غياب اليسار في العالم وكذلك في العراق وعموم الوطن العربي وأفول نجمهِ كانت في بروز ظاهرة (اليمين) المتطرف في الغرب الأوربي وأمريكا وبروزها على الساحة السياسية الأوربية وهي أحدى أكبر الظواهر السياسية أهمية خلال العقدين الأخيرين وقلبت الأجواء بشكلٍ غير طبيعي في واشنطن بالذات وهذا معناهُ أن الأدارة في جغرافية هذه المساحة الواسعة واقعة تحت تأثير ممثلي الفكر اليميني المتطرف من مؤسسات وأفراد، وأن الخطاب الأمريكي بعد الألفية الثانية من هذا القرن قد مال ناحية اليمين المتطرف فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط وخاصة بعد أنهيار مفاوضات كامب ديفد للسلام عام 2000 بزعامة بيل كلنتون، والواقع المخيف بأعتقادي: أن هذا التقدم السريع لأحزاب اليمين أصبح رقما صعباً في المعادلة السوسيولوجية الجمعية الغربية حيث أصبح بأمكانهِ (أزاحة) اليسار بالطريقة الديمقراطية .

وهنا يتحتم علينا تشخيص صفات اليسار السياسي والأيديولوجي، ولو أنها من الصعوبة بمكان في تشخيصها والوقوف عندها، والآن مرّ نصف قرن على أطلاق المفكر الأكاديمي اليساري الدكتور عقيل الناصري تسمية ثورة 14 تموز 1958 بالثورة الثرية والثرة كاشفا ً أساليب الأستعمار والأستغلالها الأقتصادي، وكانت الحصيلة أن تسرق الثورة بواسطة الأقطاع والكوليونالية البريطانية واليمين الرجعي فكان ذلك أقوى نكوص لليسار العراقي وتشقق الأرضية المؤسساتية للثورة الكلية، ثم أزدادت الحالة أكثر نكوصاً في ظهور الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي وكل هذه الأنحسارات والضمور السياسي والأجتماعي برزت تداعياتها إلى أن تطفح على السطح العراقي أنقسام الجماهير حسب مصالحها الطبقية إلى عصبيات أثنية وطائفية وتشظي اليسار العراقي إلى اليمين المتطرف بتأثير المد القومي الناصري وإلى اليسار المتطرف برفع شعار الكفاح المسلح من قبل تيارات منشقة بعد ميثاق الجبهة في 1978 بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث الحاكم (المثير للجدل)، وتوسعت الهوة التي تفصل ما بين شعارات محاربة الأمبريالية والفاشية وممارسة الأحزاب اليسارية والبورجوازية ركوب التخندق الطائفي خصوصاً بعد سنة الأحتلال الأمريكي 2003، حيث يبدو لنا تلاشي اليسار التقدمي من على المسرح السياسي بظهور التناقضات جلية في عمق الشعب العراقي بأختفاء أفقها الثوري لتحل مكانها الأسلام السياسي الراديكالي بجلباب طلاب سلطة بغياب طلاب دولة يستمدون سلطتهم من الميليشيات وأمراء مناطقها .

 

عبد الجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

......................

* الكوسموبوليتيه: هي أتحاد الشركات الرأسمالية المتعددة الجنسيات (أللاقومية) الأحتكارية .