 آراء

مأساة العراق قصة تقرأ من خاتمتها

احتلت الأحداث الأخيرة في العراق مكانا هاما في التغطية الأخبارية لآنها اتسمت بالعنف والعنف المضاد بين الجماهير والأجهزة الأمنية وارتفاع عدد الضحايا من الطرفين. وربما ولو كانت المظاهرات منظمة وترفع شعارات مطلبية مدروسة حتى لو كانت سياسية، بل يجب أن تكون سياسيا، ولم ينجم عنها ضحايا بهذا لعدد الكبير لما راينا هذا الاهتمام لأن الدول التي تقف وراء الكثير من وسائل الإعلام لا يهمها بل يخيفها أن يكون المتظاهرون العراقيون منظمين ويطرحون شعارات مدروسة تمس الواقع السياسي في البلد ويخيفها أكثر مسارعة المؤسس السياسية إلى الاستجابة لمطالب الجماهير ليعكس حقيقة أن العلاقة بين السلطة والحاكم لم تعد علاقة إخضاع بل إرضاء.

وإنه لمبعث أسف أن يأتي سيل من الصورالمحرضة تروجه مواقع التواصل الاجتماعي  على يد بعض العراقيين من الجيل الأول والثاني للهجرة والذين حصلوا على جنسية البلدان المقيمين بها ذلك أن مبعثها ليس الخوف على العراق ومصيره  بل إلتحريض على مزيد من العنف. إن لسان حال هؤلاء هو: بما أني أكره الحكومة فيلحل الخراب في العراق.

ويصدر بعض من هؤلاء "فرمانا" يدعو الحكومة الأمريكية للتدخل "لإنقاذ" العراق ونحن نعرف أن أقرب الحكومات إلى قلب أمريكا عبر التاريخ هي الحكومات الفاسدة والسبب بسيط هو أن لا مصلحة للغرب بنجاح الدول الفتية في نموذج تنمية مستقل يعتمد الطاقات الذاتية وأن الأموال المنهوبة تذهب إلى خزائن الغرب. أين ثروات الخليج وأموال الرؤساء السابقين مثل مبارك وبن علي والقذافي،  اليست في بنوك أوربا؟ ولم تستطع الحكومات التي ورثت تلك الأنظمة أن تسترجع إلا النزر اليسير من هذه الأموال بينما لا تنفك الحكومات الغربية  الناهبة لهذه الأموال تلقن قادة دول العالم الثالث دروسا حول معايير "النزاهة" و"الشفافية" و"الحوكمة الرشيدة" .

ورغم أن العراقيين الحاصلين عى جنسية البلد الذي يقيمون فيه يمتلكون كامل الحقوق المدنية المنصوص عليها في دساتير تلك البلدان فلم نر أحدا منهم ينشر صورا في مواقع التواصل الاجتماعي تعكس مشاركته في احدى مظاهرات الاحتجاج الاجتماعي في ذلك البلد سوا كانت عمالية أم غيرها. وتتفتح قريحتهم على العجائب في ابتداع ما يؤجج العنف في بلدهم الأم.

وجريا على عادة الضعيف الفاقد الحجة يعلل كثير من هؤلاء موقفهم بالقول أن سبب البلاء هو أن الحكومات المتعاقبة تدين بالولاء لإيران. هؤلاء لا يقرأون أو يسمعون إلا ما يصدر عن المصادر المتخصصة بذم العراق. عندما تسلم سدة الرئاسة ظل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد يتقاضى راتبه كمدرس في الجامعة  وظل يركب سيارته القديمة من طراز بيجو 504 موديل 1983. أما الرئيس الحالي روحاني فقد نشرت وكالة أنباء سبوتنك مؤخرا أن أخاه قد قدم للقضاء وحكم عليه بأربع سنوات بتهمة فساد مالي ولم يتدخل الرئيس في الأمر. ورغم سيل الإعلام المعادي لإيران القادم من الغرب ودول الخليج لم نسمع مرة واحدة من أعداء إيران المتربصين بكل نفس يصدر منها أن الفساد يستشري في صفوف الطبقة الحاكمة فيها. قد نختلف مع إيران في الكثير من سياساتها ولكننا لانستطيع أن نقول أن إيران صدرت لنا الفساد.

 إن حقيقة أن المتظاهرين ضد المؤسسة السياسية هم جميعا هم من الشيعة  يقوض كل ادعاء صادر من عناصر خارجية أو داخلية أن الحكومة ذات طبيعة طائفية لأن الطائفية تعني التمييز في المعاملة ومنح الحقوق والامتيازات بين المنتمين لطائفة معينة على حساب الطوائف  الأخرى..

وينص الدستور العراقي في المادة 22 على أن:

 " العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة"

 وفي المادة 30 على:

 اولاًـ تكفل الدولة للفرد وللاسرة ـ وبخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الاساسية للعيش في حياةٍ حرة كريمةٍ، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم.

ثانياًـ تكفل الدولة الضمان الاجتماعي و الصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتم أو البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك بقانون.

أين نحن من ذلك؟

وكما هو معروف فإن النص الدستوري ملزم لجميع السلطات ويستطيع اي مواطن عاطل عن العمل أو لا يتمتع بالتغطية الصحية أو الاجتماعية أن يحتج لدى المحاكم المختصة  لينال حقوقه. غير أنه من الناحية الواقعية فأن تكون بلدا نفطيا لا يعني بالضرورة أن على حكومة ذلك البلد أن تشغل جميع العاطلين عن العمل حتلى غير المؤهلين منهم  لأن ذلك يعني في الحالة العراقية  إمكانية حلول الكارثة  في أية لحظة في بلد يعتمد اقتصاده على ريع النفط بنسبة تفوق 90 بالمائة ونسبة ارتفاع الولادات الجديدة  فيه عالية جدا  لأنه بمجرد انخفاض أسعار النفط كما حدث زمن حكومة العبادي فإن الدولة لن تجد ما يكفي لدفع الرواتب. عندما انخفضت أسعار النفط في زمن الحكومة السابقة وانخفض سعر البرميل إلى 36 دولارا قبل أن يرتفع قليلا ليستقر لفترة من الزمن عند 40 دولارا صرح السيد العبادي أن واردات النفط  البالغة 40 مليار دولار سنويا  آنذاك لا تكفي إلا لدفع الرواتب..هذا يعني أن الحكومة لم يكن يبق لديها ما تصرفه على الاستثمار أو التشغيل أو تحسين البنية التحية ناهيك عن تغطية التكلفة الباهضة للحرب ضد الإرهاب فاضطر إلى السحب من احتياطي العملة (وهو مخالف للقانون) وإلى التداين من الخارج. أما حاليا فقد ارتفعت فاتورة الرواتب إلى 52 مليار دولار حسب تصريح رئيس اللجنة المالية في البرلمان هيثم الجبوري لإحدى المحطات الفضائية أي أن نصف الميزاينة تذهب لتغطية تكلفة الرواتب وإذا أضفنا التكلفة الإضافية التي ستنتج عن تشغيل مئات الآلاف حسب وعود رئيس الوزراء فإننا سنكون أما رقم مخيف.

ولا يعتبر العمل حقا دستوريا في الدول الغربية  و لا توجد قوانين تنص على ذلك رغم أنه منصوص علية في الاتفاقيات الدولية مثل العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي صدر في أواسط القرن الماضي ووقعت عليه هذه الدول . وفي الدول الاشتراكية السابقة فقط كانت القوانين تنص على أن الحصول على عمل هو حق من حقوق المواطن. ولا ننكر أن الدول الغربية تضمن لمواطنها الحد الأدنى من الدخل الذي تؤمنه منحة البطالة والتي يعتبرها المواطن الغربي معيبة بحقه لأنها في مفهومه تجعل منه غير صالح للعمل أي عضوا غير نافع في المجتمع ويمتنع الكثيرون عن تسجيل أسمائهم في سجل العاطلين المستحقين للمعونة لذلك غالبا ما تجئ إحصاءات الغرب عن البطالة غير دقيقة.  أما عندنا فلا يشعر العراقي بالحرج وهو يتقاضى منحة من الضمان الاجتماعي رغم أنه يمارس عملا حرا يدر عليه دخلا يكفي لإعالته. قال وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق محمد شياع السوداني أن وجد على لائحة الضمان الاجتماعي (وهي مرادفة لمنحة البطالة في الدول الغربية) في إحدى محافظات العراق (إحدى محافظات الوسط لا أريد ذكرها) 26 ألف شخص يتقاضى منحة ضمان اجتماعي لا يستحقها لأن لديه مصدر دخل. وفي مقابلة أجرته معه مؤخرا  إحدى المحطات التلفزيونية   قال وزير العمل الحالي باسم الربيعي وهو يتحدث عن القروض التي تمنح لإقامة مشاريع صغيرة  أن الوزارة وجدت أن الكثير ممن استلموا قروضا بحجة تأسيس مشروع قد صرفوها أما لشراء سيارة أو للزواج أو للبناء.

وانت لو واجهت واحدا من هؤلاء الذين يتقاضون منحة اجتماعية دون حق أو يصرفون القروض في مجال غير ما هو مخصص لها  وسألته لماذا يفعل ذلك فسيكون جوابه: "يابة هي الحكومة كلها تبوك بقت علي". ("يبوك" بتخفيف الكاف عامية عراقية تعني "يسرق").

هنا تكمن المشكلة الكبرى فالفساد وما روج لها في وسائل الإعلام وما استقر في تلافيف عقل المواطن العراقي أصبح خط الصد الأمامي له ضد أي مسائلة عن سوء تصرف. من الملام؟ ليس المواطن في نهاية الأمر فالإنسان يبحث عن مثل يسترشد به فلا يجده فتكون مصلحته الشخصية هي المعيار حتى لو كانت على حساب جاره بل ابن أمه. 

إن واحدة من الأسباب الرئيسية لأن لا يتمكن رئيس السلطة التنفيذية من الخروج إلى الجماهير ومصارحتها بالواقع خاصة ما يتعلق بالقساد هي أن الجماهير لن تصدقه لأنها تعتقد، وهي محقة إلى حد كبير، أن المشكلة تكمن في أن الحكومات المتعاقبة لم تعمل  على محاربته. هنا أيضا لا يستطيع رئيس الوزراء أن يرد بحجة مضادة مفادة ان الحكومة عاجزة بسبب تورط أحزاب سياسية بالفساد أو التغطية عليه وأن البرلمان لا يتعاون معها بل يعرقل عملها وأن القضاء يتعرض للضغوطات والتهديد. فقط عندما  بلغ الضغط الجماهيري ذروته وترافق معه ضغط المرجعية الدينية  وجدت السلطة التنفيذية  الشجاعة الكافية لأن تدافع عن نفسها وتشير بإصبعها إلى البرلمان الذي حاول أن يرد بالتصريحات وبعض الوعود ويبقى أهمها طلبه من الحكومة ان تقدم إليه قائمة بالفاسدين الكبار لاتخاذ الإجراءات بحقهم.

ثم جاءت كلمة رئيس الجمهورية التي حددت المسؤوليات بوضوح ووزعت اللوم بشكل عادل.

 إن ما يجعل الجماهيرالعراقية تؤمن أن من حقهم جميعا أن توفر الدول لهم عملا هو ليس وعيها الحقوقي بل ما تعتبره حقها الطبيعي في بلد يعتمد على النفط  كمصدر أساسي للثروة  وليس العمل المنتج  الذي يحصل العامل مكافئا له من رب عمله وأن هذه الثروة توزع  بطريقة غير عادلة وتستحوذ المؤسسة الحاكمة والمتنفذين في جهاز الدولة على جزء كبير و يذهب جزء آخر كبير أيضا إلى جيوب الفاسدين دون رقيب أو حسيب. ويمكننا أيضا أن نلاحظ العناصر التالية المؤسسة للأزمة:

 أولا: انسداد الأفق لدى المواطن بسبب غياب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والذي يعطل تفكيره ويجعله فاقد الحماسة في البحث عن الفرص وخلقها فالمبادرات الفردية لولوج سوق الانتاج  مفقودة أو محدودة جدا بسبب محدودية السوق والتي يقتصر نشاطها على التجارة  وبعض المهن الفنية والخدمية  التي لا تنتج قيمة مضافة تساهم في رفع  الطلب على سوق العمل مع غياب كامل للمؤسسات الحكومية التي تهتم بتوجيه المواطن نحو الاتجاهات التي يمكن ان يذهب نحوها لخلق فرصة وكيف يحصل على التمويل وتوفير التدريب الازم له حيث تدعو الحاجة. و عدا الحرب ضد الإرهاب والتي استهلكت الكثير من الثروة،  فإن الدولة لا تستطيع أن تصبح المستثمر الأكبر في السوق رغم امتلالكها الكتلة الأكبر من النقد  كما كانت الدولة العراقية في الزمن السابق لأنها دولة الاقتصاد الحر الذي يعتمد على القطاع الخاص كمحرك اساسي للتنمية وهذا لايمكن أن يحصل دون أن تتوفر لهذا القطاع الشروط الضرورية ليصبح  محركا. هذا التوجه الاقتصادي هو خيار مفروض من الخارج وقدرة الدول على رفض هذه الخيار محدودة إن لم نقل معدومة وغيرعملية وتجلب مشاكل أكثر من أن تحلها.

ثانيا: أن العمل الحكومي أصبح يدر دخلا سهلا دون متطلبات شاقة على المستوى الفكري أو الجسدي. ولم  تعد الكفاءة  معيارا للحصول عليه وتعج دوائر الدولة بموظفين لا يفعلون شيئا. في تصريح سابق له قال وزير الكهرباء أن 60 بالمائة من العمالة في وزارته فائضة عن الحاجة. ويمكننا بالطبع أن نفترض أن بقية الوزرات لديها نفس المشكلة. لذلك نجد كثيرا من طالبي العمل الحكومي لديهم نشاط اقتصادي تجاري ويحصول منه ما يكفي لعيشهم رغم ذلك لا ينفكون ينادون بالحصول على عمل حكومي خاصة منهم من يحمل شهادة مع ملاحظة أن هؤلاء لم يلجأوا يوما إلى العنف للتعبير عن مطالبهم. ويبدو لي أن ظاهرة العنف أي الاعتداء على رجال الأمن ثم الرد غير المتناسب من طرفهم لم يأت من متظاهرين يعانون من  الفقر والبطالة  فهاتين وحدهما ليستا عاملين حاسمين في توليد العنف أو الميل إلى ممارسته.إن قدح شرارة العنف في نفوس محتقنة ولكنها غير عدوانية جاءت من مجموعات منظمة.

ثانيا: الفساد المالي، أي ظاهرة سرقة المال العام (هنا يجب الإقرار أن سرقة المال العام أو أخذ العمولة  أو الارتشاء لا يشمل الطبقة السياسية أو التنفيذية العليا بل يسود في كافة دوائر الدولة في المحافظات المختلفة دون أن تفعل مجالس المحافظات شيئا لمكافحته). هذه الظاهرة لا تمدنا أية جهة موثوقة رسمية كانت أم مؤسسة خاصة بمعلومات تخص حجمها الحقيقي من حيث كمية المال المنهوب، أين ذهب المال، ما هي المنافذ التي يخرج منها المال، ما هي المؤسسات التي تتصدر قائمة الهدر والفساد، كيف تجري عملية مزادات البنك المركزي لبيع العملة ولمن تذهب العملة الصعبة المباعة، كيف يتصرف كبار التجار والمستوردين بالدولارات التي يشترونها،  ماذا فعلت عشرات البنوك التي تأسست عشية 2003 ولمن تعود ملكيتها وكثير منها كانت مهمتها غسيل الأموال وعشرات بل مئات من الأسئلة  التي يعتمد المواطن في معرفتها على الإعلام الخاص خاصة محطات التلفزيون. وفقط مؤخرا عرفنا أن قاعات البليار هي والبنوك التي تودع فيها الأموال المحصلة هي غطاء لتهريب الأموال وتبييضها ويتورط  بعض موظفي الدولة في العملية.

إن هذا العماء الذي يعيشه المواطن على مستوى المعلومة الصحيحة تجعله مستعدا لتصديق أي شئ يروج ضد الحكومة والمؤسسة السياسية الحاكمة ونتيجة لذلك فإنه يضع الجميع في سلة واحدة  فتأتي الأحكام الإطلاقية بأن الجميع فاسدون وهذا الأمر له تبعات خطيرة على مجمل النظام السياسي. ومن الطبيعي أن يحمل المواطن الحكومة المسؤولية الأولى  لأنها لا تعطيه الحقائق المتعلقة بأسباب تلكؤها كما وأنه ليس  مسؤولا عن حقيقة أن الحكومة أصبحت طرفا ضعيفا في المعادلة السياسية حيث تحولت الأحزاب إلى مراكز قوة والفساد إلى مؤسسة مخيفة قادرة على إدخال الرعب في النفوس التي تتجرأ على الكشف بما فيها القضاء.

إن هذا الموقف من السلطة السياسية يدفع بالمواطن إلى الانكفاء والسلبية وغير المبالاة وتصبح السلوكيات المضرة الصادرة من غيره ليست شأنه لأنه هو نفسه مستعد لممارستها لذلك نجد أنفسنا أمام  تحول خطير في القيم، من قيم الجماعة والتعاضد والتآزر إلى قيم الفرد والمصلحة الفردية ويصبح "البطل" هو من يجيد استغلال الفرصة ليحظى بأكبر جزء من الغنيمة.

ثالثا: الفوارق الاجتماعية الصارخة أي في الدخل إذ تجد قطاعات من الشعب تملك الكثير وتمارس البذخ بينما نجد قطاعات أخرى محرومة منه. فالسيارات الفارهة الغالية الثمن والفلل ذات الواجهات المكلفة تنتشر في كل مكان. صحيح أن الكثير منها أو ربما أغلبها يمتلكها كبار  التجار أو الأطباء  ولكن كثير منه ايضا  يملكها موظفون حكوميون  يفترض أن يصنفوا على أنهم من ذوي الدخل المحدود (الثابت والمعروف). ولم نعرف عن الحكومة أنها فرضت أية ضرائب دخل على هؤلاء لتصرفها على مكافحة الفقر والبطالة.

وخارج إطار المطالب الشخصية وعند الحديث عما هو عام لا يحس العراقي بأن تغيرا ملموسا  يطرأ على حياته وأن نوعية الحياة تتحسن مع مرور الوقت فسوء الخدمات وتهالك البنية التحتية والبروقراطية الحكومية القاتلة والعزلة المضروبة بينه وبين موظفي الدوائر التي يراجعها تلقي ضلالا ثقيلة على حيات اليومية  التي يستهلك جزء كبير منها على المراجعات. في مشهد كنت أرافق فيه صديقا  ذهب لمراجعة  دائرة التقاعد في إحدى المحافظات (لن أذكرها أيضا) وجدت أن علي أن ألج ممرات ضيقة بالكاد تتسع لمرور شخصين تأخذني يمينا ويسارا وأن سقوف البناية مكونة من سقائف من حديد "جينكو" يصطلي تحتها المراجعون، وأكثرهم كبار السن، حرا في الصيف  وسط عدم مبالاة من الموظف أزاء معاناة هؤلاء الناس الذين يتكومون أمام الشبابيك بانتطار أن تفتح فيتدافعون بينهم في مشهد مهين للكرامة ليسألوا أين وصلت أوراق معاملاتهم قبل أن يعود الموظف فيغلق الشباك في تكرار يبعث على الغضب. ولولا أن هؤلاء المتقاعدين قد تعلموا من الحياة الصبر ولو كانوا يمتلكون القابلية الجسدية  لكانوا في الصفوف الأولى مع المتظارهين. هكذا يكافئ من أفنى عمره بالعمل ظنا منه أنه سوف يستريح قليلا في نهاية العمر قبل أن يودع الحياة . وممن؟ من قبل موظفين شبان يفترض بهم أن يمتلكوا الحد الأدنى من الحس الإنساني أزاء من هم بعمر آبائهم و أجدادهم.

ونكرر القول أن مجالس المحافظات لا تجد أن تخفيف معاناة هؤلاء الناس هو شأن من شؤونها. إن إدعاء نقص المال لم يعد يقنع أحد.

وفيما تركزت مطالب الجماهيرفي لقاءاتها مع الحكومة العراقية  على قضايا تتعلق بالعيش والحاجات اليومية

تطرح قضية ضرورة خروج النظام السياسي من مأزقه نفسها بإلحاح شديد هذه المرة. فالحكومة تقول أن مجلس النواب يكبل يدها ويعرقل عملها فهو يتلكأ في الموافقة على مشاريع القوانين التي تقدمها له والتي تتعلق بحل مشاكل الناس وتعطل الكتل السياسية استكمال الكابينة الوزارية وتصر على تقاسم الدرجات الخاصة (تعبير أصبح مكروها لدى الناس) وغيره بينما يدعي بعض أعضاء في المجلس أنهم دائما ما تعاونوا في تمرير قوانين المشاريع  وأن الحكومة لا تأخذ بآرائهم ومقترحاتهم لحل المشاكل غير أن خطاب المرجعية ثم خطاب رئيس الجمهوررية قد وزع المسؤولية واضاف لها المسؤولية التي تقع على عاتق القضاء خاصة في ملف محاسبة رؤوس الفساد. ونحن نميل إلى تصديق رئيس الوزراء فيما يخص التعطيل لأن موضوع اختيار وزيري الدفاع والداخلية لا زالت حية في ذاكرتنا ولم يصوت المجلس على اختيار وزير للتربية إلا بعد مرور شهور من المناكفات والجدل و لايهم المواطن أن يكون التعطيل من الكتلة السنية أو الشيعية او الكرد أم غيرهم فهم يترفعون عن هذه القضايا ويحملون المجلس برمته المسؤولية.

إن توفر المال الكافي حاليا للاستجابة للمطالب الآنية  للجماهير سوف يؤجل أزمة النظام السياسي ولن يحلها ذلك أن إثقال الميزانية برواتب مئات آلاف العاملين الجدد يمكن أن تدفع ثمنه الوزارات القادمة بل الجماهير نفسها خاصة إذا حصل انخفاض مفاجئ في أسعار النفط وحصل ذلك في زمن العبادي كما أسلفت. إن زيادة الانتاج النفطي (حتى  لو تجاوز العراق أو تحايل على الحصة المقررة من أوبك) يمكن أن يفاقم المشاكل إذا ذهب الفائض لمزيد من الاستهلاك وليس الاستثمار في القطاعات المشغلة لليد العاملة و المولدة للقيمة المضافة.

لذلك وعند بالحديث عن إصلاح النظام السياسي نحن أما خيارين:

إما اعتماد صيغة الغالبية السياسية في تشكيل الحكومة (وهي صيغة طرحت عشية انتخابات 2014 ولم يستجب لها) أي أن رئيس الوزراء المكلف  يمتلك حرية اختيار الوزراء الذين سوف يعملون معه وتستطيع  الكتلة المعترضة أن تمتنع عن التصويت على من لا تقتنع به من الوزراء عند تقديم الكابينة الوزارية للتصويت بالثقة عليها في المجلس...وهذا الأمر سهل من حيث المبدأ لأنه لا يتطلب تعديلا دستوريا ذلك أن المحاصصة أو التوافق التي درج عليها النظام السياسي منذ 2003 ليستا مبدأين دستوريين بل أصبحتا عرفا معطلا ويمكن تجاوزة بوجود إرادة صادقة. عنذاك يمكن تحميل رئيس الوزراء الذي يأتي من كتلة الأغلبية  المسؤولية الرئيسية في الإخفاق ولن نجد أنفسنا أمام اتهامات واتهامات مضادة  فلا يدري المواطن لمن يحمل المسؤولية الأكبر.

أو جعل النظام النظام السياسي رئاسيا بحيث ينتخب رئيس الجمهورية من قبل الشعب مباشرة بعد أن يعدل الدستور لتوضع الصلاحيات التنفيذية الكبرى بيده  فهو يختار من يكون رئيس الوزراء ويكون شريكه في اختيار الوزراء و لا رأي لأحد من الكتل الأخرى في عملية الاختيار وتعبر عن موقفها في التصويت على منح الثقة للحكومة.

بالطبع كلا هذين الخيارين سوف يصطدم بعقبات كأداء واولها النص الدستوري (والذي اعتبره فخا دستوريا) الذي ينص في المادة  142 رابعا على:

 ـ يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر.

وكما هو واضح فإن النص يمنح إقليم كردستان حق النقض وبالتالي تعطيل اي تعديل دستوري لأن التعديل لا يتوافق مع مصالحه لأن الانتخاب المباشر للرئيس ومنحه غالبية الصلاحيات التنفيذية سوف يعني المزيد من السلطة بيد المركز وأنه باعتماد صيغة حكومة الغالبية السياسية  فإن الأحزاب الحاكمة في كردستان حالها بذلك حال بقية الأحزاب لن تكون قادرة على فرض مرشحيها للمناصب الوزراية.  ولا شك أن موقف غالبية الشعب الكردي سوف يتوافق مع الموقف الرسمي في الإقليم فيما يتعلق بالحفاظ على المكاسب الخاصة بالإقليم. أما الحديث عن ثلاث محافظات فهو غطاء ذلك أن محافظات الوسط والجنوب لا هيمنة لأحد عليها و سوف لن ترفض تعديلا ترى فيه مصلحة لها كما لايتوقع أن تقف الأحزاب الممثلة لها ضد تعديلات كانت هي أقترحتها وأقرتها.

وبموازاة ذلك لا بد من قضاء عادل حازم وصارم يتوجب على أية حكومة جادة أن توفر الحماية  الكاملة للقضاة وعوائلهم ومناطق سكنهم وتحركاتهم لأن  النزيه  فيهم هو عرضة دائمة للخطر من قبل الجريمة المنظمة التي تقف وراءها أهدافا تتعلق بمنع البلد من إصلاح نفسه ففي كركوك على سبيل المثال قتل ستة من القضاة عندما كان نجم الدين عبد الكريم محافظا لها وليس لدي شك أنهم كانوا قضاة عادلين وشجعان.

إنها لمأساة أن لا يجد العادل والنزيه والشجاع  من يحميه  فيصبح  مشروعا للموت.

 

ثامر حميد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4786 المصادف: 2019-10-13 02:00:39