 آراء

أزمة الحكم في العراق

منذ نيسان ٢٠٠٣ والعراق يعيش حالة عدم الإستقرار، فبعد اكثر من ثلاث عقود من النظام الشمولي المستبد وسيطرة الحزب الواحد على كل مجريات الحياة، فجأة تحولت كل تلك الاوضاع التي اضحت من الامور المألوفة في البلد الى مرحلة جديدة لم يعيشها اغلب العراقيين طوال السنين السابقة الأ في مدة الحكم الملكي ١٩٢١_١٩٥٨، إذ شهد ذلك العهد نوعا من تطبيقات الديمقراطية وتنافس الأحزاب السياسية فيما بينها على الرغم من بعض حركة الإنقلابات العسكرية لتولي السلطة لفترات قليلة، الإ انها كانت مرحلة يمكن ان نسميها وفي ذلك الوقت وقياسا لبعض البلدان العربية مرحلة متطورة نسبيا من الديمقراطية، فكان تشكيل الحكومات وإستقالتها  مشهد متكرر في الحياة السياسية لغاية ما حدث في صبيحة يوم ١٤ تموز ١٩٥٨ وما صاحبه من تفسيرات متعددة بشأن ما جرى فيه وإختلاف المفكرين بطبيعة الحركة التي اسقطت النظام الملكي الى الابد هل هي حركة إنقلابية قامت بها مجموعة من الضباط ام انها ثورة، وعلى العموم يمكن القول بإن الحياة السياسية بعد عام ١٩٥٨ لم يشهد الحركة السياسية المتمثلة بقيام إنتخابات تفرز برلمان حقيقي وتنافس الأحزاب على تشكيل الحكومات كما كان سابقا، إذ سرعان ما سيطر المشهد العسكري على الموقف ككل، فبعد إستلام عبد الكريم قاسم للسلطة في عام ١٩٥٨، إنقلب عليه اقرب رفاقه الذين ساهموا معه في تنفيذ ما حدث في ١٤ تموز واقصد به عبد السلام عارف وما جرى من تصفيات وإعتقالات لفئات الشعب العراقي وسيطرة الحرس القومي وصولا لعام ١٩٦٨ الذي شهد سيطرة البعثيين على مقاليد الحكم في العراق وبزعامة احمد حسن البكر ولغاية تموز ١٩٧٩ التي شهدت سيطرة صدام حسين وبقوة على المشهد السياسي ولغاية دخول القوات الامريكية الى بغداد في ٩_٤_٢٠٠٣ التي أرخت لإنتهاء الحكم الشمولي الإستبدادي لتعلن بداية عهد جديد وإنفتاح ديمقراطي لم يألفه الشعب العراقي وذلك بتتافس الاحزاب السياسية المعارضة آنذاك وتوليها مقاليد الحكم في العراق الجديد.

وبعد ما جرى في ٢٠٠٣، دخل العراق مرحلة التحول الديمقراطي من نظام شمولي مسيطر على كل شيء الى نظام ديمقراطي وتغير شكل نظام الحكم فيه من النظام الرئاسي الى النظام النيابي وبذلك اصبحت العملية السياسية تدار وفقا لمعادلة توافقية تحاصصية تبعا لتقسيم المجتمع العراقي الى مكونات شيعية وسنية وكردية وبالتالي استمرت اللعبة الى وقتنا الحالي، فكما هو معروف بإن النظام البرلملني يعتمد على نتائج الإنتخابات وبالتالي تفرز الاحزاب السياسية الفائزة بها لتشكل حكومة إئتلافية تتكون من عدد من الكتل والاحزاب السياسية وهذا النظام يعد من اضعف الانظمة كونه يستند على التحالف وتوزيع الحصص فيما بينها لتعلن في النهاية حكومة إئتلافية تكون هشة غير قوية، وعلى هذا المنوال استمر تشكيل الحكومات بعد كل إنتخابات، وقد تستمر مشاورات تشكيل الحكومة لأشهر عدة  وبالتالي تعطيل مصالح البلاد والعباد لتكون حكومات تصريف اعمال لحين الإتفاق بين الكتل على من يدير مقاليد الحكم واقصد منصب رئيس الوزراء، الذي اصبح عرفا من حصة المكون الشيعي وعلى الرغم من ذلك، فتسمية المرشح للمنصب الاول في السلطة التنفيذية لا يحسم الإ باللحظات الحرجة، فهذا الامر تكرر منذ تولي السيد المالكي لفترتين متتاليتين ثم مع السيد العبادي وتاليا مع السيد عادل عبد المهدي حتى تقديم الاخير إستقالته ثم تكليف السيد محمد توفيق علاوي وإعتذاره في اليوم الاخير ثم ترشيح السيد عدنان الزرفي بعد فشل اللجنة السباعية المشكلة من قبل الكتل الشيعية لترشيح مرشحا تتوافق عليه تلك الكتل وتقديمه لرئيس الجمهورية خلال مدة ١٥ يوما من إعتذار المكلف الذي سبقه.

ونجد بإن اصل الازمات في العراق بنيوية وتتعلق بالنظام السياسي وبالتالي نحو امام مشكلة قائمة منذ إعتماد النظام التحاصصي في الدولة فضلا عن مشكلات تتعلق بالجوانب الاخرى في مجالات الحياة سواء كانت إقتصادية وإجتماعية وسياسية وأمنية ولذلك ورث النظام السياسي العراقي العديد من المشاكل المزمنة التي لم يستطيع إيجاد حلا لها وعليه وجد البلد نفسه امام ازمة حكم لم تخرج من فكرة توزيع المناصب حسب المكونات، فمن ازمة الى اخرى تعود البلد عليها دون الرغبة في النية لإيجاد الحل لها.

 

الباحث في الشأن السياسي: محمد كريم جبار الخاقاني.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4950 المصادف: 2020-03-25 03:42:12