 آراء

مجموعة العشرين.. قمة استثنائية عن بعد علي شرف كورونا!

محمود محمد عليفي الأسبوع الماضي عقدت قادة دول مجموعة العشرين G20 عن بعد من خلال وسائط الاتصال الحديثة - في تسجيل لحضور «كورونا» الكئيب ؛ ذلك الفيروس اللعين الذي انطلق من ووهان الصينية، أواخر العام الماضي، حتى الآن إلى قرابة 500 ألف مصاب حول العالم، وفتك بقرابة بأكثر من 20 ألف ضحية. وفِي حين هوت الأزمة بمؤشرات الأسواق العالمية من طوكيو إلى وول ستريت، وعلقت رحلات أساطيل الملاحة الجوية الدولية، وأجبرت الملايين من البشر على التوقف عن العمل، فإن هذا الفيروس «المُستبد» يضع العالم أمام ثنائية قاتلة كيفما نظرنا إليها: إعصار صحي قد يصيب الملايين ويختطف مئات الآلاف من الأرواح، و«تسونامي» اقتصادي قد يغرق دولاً بأسرها، أو ينسف بنيتها التحتية، ويشلها لسنوات طويلة.

نتذكر سوياً أن وباء كورونا ظهر ـ بداية ـ قبل ما يلامس الشهرين في الصين، ومنها انتقل الفيروس ليضرب جميع الدول بلا استثناء، فلم يفرق بين دولة غنية وأخرى فقيرة أو قوية وضعيفة، فكل الدول أمام كورونا سواسية، وطيلة هذه الفترة، لم نسمع عن تكاتف أو تعاون دولي قوي لمعالجة الأزمة التي فرقت جهود الحكومات، وجعلت كلاً منها منشغلة بنفسها وإحصاء مصابي المرض وضحاياه.

لذلك كان من الضروري اجتماع قمة العشرين والتي يشارك فيها لأول مرة عدداً من الدول منها إسبانيا والأردن وسنغافورة وسويسرا الاتحادية، كما شارك من المنظمات الدولية منظمة الصحة العالمية، وصندوق النقد الدولي، ومجموعة البنك الدولي، والأمم المتحدة، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومجلس الاستقرار المالي، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنظمة التجارة العالمية. إلى ذلك، مثلت المنظمات الإقليمية جمهورية فيتنام الاشتراكية بصفتها رئيسا لرابطة دول جنوب شرق آسيا، وجمهورية جنوب إفريقيا بصفتها رئيسا للاتحاد الإفريقي، ودولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها رئيسا لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجمهورية رواندا بصفتها رئيسا للشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا.

ومجموعة العشرين هو منتدى تأسس سنة 1999 بسبب الأزمات المالية في التسعينات؛ حيث يمثل هذا المنتدى ثلثي التجارة في العالم وأيضا يمثل أكثر من 90 بالمئة من الناتج العالمي الخام. تهدف مجموعة العشرين إلى الجمع الممنهج لدول صناعية ومتقدمة هامة بغية نقاش قضايا أساسية في الاقتصاد العالمي. فإن مجموعة العشرين ج20 يمثل ثلثي التجارة وعدد السكان في العالم وأكثر من 90% من الناتج العالمي الخام (وهو مجموع الناتج المحلي الخام لجميع بلدان العالم).

لقد كانت قمة مجموعة العشرين  والتي انعقدت الخميس الماضي  الأولى من نوعها والتي تمت عن طريق الفيديو لأول مرة في التاريخ، وهي كذلك تعقد لأول مرة تحت رئاسة دولة عربية، اجتمع عبر الفيديو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بكل من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، والرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، والرئيس الصيني "شي جين بينغ"، والرئيس البرازيلي "جايير بولسونارو"، والرئيس الإيطالي "سيرجيو ماتاريلا"، وغيرهم من قادة العالم المؤثرين؛ لمناقشة أزمة كورونا العالمية.

وقد كان خادم الحرمين الشريفين قد أعلن قبيل ساعات من انطلاق قمة العشرين الاستثنائية الافتراضية، اجتماع مجموعة العشرين في قمة استثنائية الهدف منه الخروج بمبادرات تحقق آمال شعوبنا، وتعزز دور حكوماتنا، وتوحد جهودنا لمواجهة هذا الوباء.. وكتب فى تغريدة على حسابه الرسمى عبر تويتر، مساء الأربعاء، "في هذا الوقت الحرج الذى يواجه فيه العالم جائحة كورونا المستجد، التى تؤثر على الإنسان والأنظمة الصحية والاقتصاد العالمي، نجتمع بمجموعة العشرين في قمة استثنائية؛ للخروج بمبادرات تحقق آمال شعوبنا، وتعزز دور حكوماتنا، وتوحد جهودنا لمواجهة هذا الوباء. حمى الله العالم من كل مكروه.

في صباح اجتماع القمة قد ألقي خادم الحرمين الشريفين كلمة افتتاحية شدد فيها على أن "جائحة كورونا تتطلب من الجميع اتخاذ تدابير حازمة على مختلف الصعد"، مضيفاً أن هذا الوباء تسبب في معاناة العديد من مواطني العالم. كما أكد أن الأزمة الإنسانية بسبب كورونا تتطلب استجابة عالمية، داعياً إلى التكاتف بين الدول. كما قال "نأخذ على عاتقنا تعزيز التعاون للبحث عن لقاح لفيروس كورونا"، ودعا إلى "تقوية الجاهزية العالمية لمواجهة الأمراض المعدية مستقبلاً"..

لقد كانت كلمة خادم الحرمين الشريفين في القمة كما اعتقد، هي بمثابة خريطة طريق، لعلاج تداعيات أزمة كورونا مجتمعة، ليس لسبب سوى أن الكلمة جاءت بالكثير من الخطوات والإجراءات والأفكار والمبادرات التي تجعلها نبراساً تهتدي بها الدول إن هي أرادت تجاوز مرحلة كورونا وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية بسلام وأمان.

وفي نهاية القمة صدر بيان موحد وفد خُصص فقط لبند واحد، وهو كيفية الانتصار على «كورونا» وتلافي أضراره الرهيبة، ليس على الصحة الجسدية للناس وحسب، بل على الاقتصاد العالمي وما يمكن أن يوصف بـ «الأمن الصحي العالمي" ؛ حيث لا شك أن كل الآمال معلقة على اتفاق هذه الدول العشرين ذات الاقتصادات الأقوى في العالم، وتوحد جهودها في مواجهة أكبر خطر يواجه مستقبل الإنسانية: فيروس «كورونا المستجد»، وأعتقد أن البيان الختامي للقمة، يشير إلى هذا الالتزام، وبقي التطبيق على أرض الواقع.

وثمة نقطة مهمة جديرة بالإشارة أود أن أشير إليها وهي أنّ رئاسة السعودية لـ«مجموعة العشرين» هذه السنة تضع الرياض مجدداً أمام مسؤولية تاريخية، ليس فقط بسبب «صدفة» استضافتها للقمة، ولكن بسبب «حقائق» تجعل من السعودية البلد الأكثر قدرة على تقريب المواقف، وتوحيد الصفوف بين الدول الأعضاء لمواجهة هذه الثنائية الفتاكة التي وجدت البشرية نفسها أمامها، فالسعودية ، بالإضافة إلى كونها البلد الأكثر تأثيراً في العالمين العربي والإسلامي، وفي أسواق النفط العالمية، هي وحدها التي تتمتع بعلاقات إيجابية مع معظم دول المجموعة. ويعود الفضل في ذلك إلى سياسة الاتجاه شرقاً من دون أن يكون ذلك على حساب العلاقات التاريخية مع دول الغرب، التي اتبعتها الرياض خلال السنوات الماضية وذلك كما قال فيصل عباس في مقاله بعنوان "قمة العشرين في مواجهة كورونا «المستبد".

كذلك فإن بيان قمة العشرين الاستثنائي أكدت بشكل واضح أن العشرين الكبار في العالم يتعهدون بالحفاظ على حرية التجارة الدولية والوضع كما كان قبل «كورونا» والمحافظة على سلاسل الإمداد الدولية.. الجديد هو تقدم بند الصحة للأمام من خلال دعم منظمة الصحة العالمية وتوسيع صلاحياتها، كما يدعم صندوق مواجهة جائحة «كورونا» ودعم الدول النامية في هذه الظروف العصيبة.

خلال الكلمة الافتتاحية للقمة الاستثنائية لمجموعة الـ20، دعا العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مجموعة العشرين لإرسال إشارة لاستعادة الثقة بالاقتصاد العالمي، من خلال استئناف التدفق المعتاد للسلع والخدمات في أقرب وقت ممكن.

كما أشار إلى أن جائحة «كورونا» قد عرقلت عجلة التنمية والنمو في العالم، قائلا: «مسؤوليتنا مد العون للدول النامية وتحسين بناهم التحتية لتجاوز الأزمة الحالية  بيان قادة مجموعة العشرين، تعهد بضخ 5 تريليونات دولار لحماية الاقتصاد العالمي، وقال قادة مجموعة العشرين، في بيانهم الختامي، إنهم ملتزمون باستعادة الثقة بالاقتصاد العالمي وتحقيق النمو.وجاء في البيان: «التصدي لآثار جائحة (كورونا) صحياً واقتصادياً واجتماعياً أولوية بالنسبة لنا». قائلين: «الاستجابة ستعيد الاقتصاد العالمي إلى نصابه».الدرس الكبير من جائحة «كورونا» هو أن العالم مرتبط بعضه ببعض بشكل يجعل من الصعب على العمل الفردي للدول على حمل مسؤولية كالتصدي لجائحة «كورونا»، ولذلك كانت إشارة الملك سلمان المهمة لوجوب دعم العشرين الكبار جهود البحث العلمي وتسريعه للخروج من نفق «كورونا».قمة العشرين الأخيرة، بارقة أمل سياسي دولي في ليل «كورونا» البهيم وذلك كما قال مشاري الذايدي في مقاله بعنوان قمة العشرين... بارقة أمل في هذا الليل الكئيب.

إن الدرس الكبير من جائحة «كورونا» هو أن العالم مرتبط بعضه ببعض بشكل يجعل من الصعب على العمل الفردي للدول على حمل مسؤولية كالتصدي لجائحة «كورونا»، ولذلك كانت إشارة الملك سلمان المهمة لوجوب دعم العشرين الكبار جهود البحث العلمي وتسريعه للخروج من نفق «كورونا.. قمة العشرين الأخيرة، بارقة أمل سياسي دولي في ليل «كورونا» البهيم.

في نهاية هذا المقال أقول مع  د. عبدالله ال مترك (وذلك في مقاله الفخر في قمة العشرين) بأن قمة العشرين نجحت وبجدارة، وبثت الأمل في شعوب العالم، بأن تتحد دول العالم لأول مرة في تاريخها، في مواجهة هذا الوباء، فكوكب الأرض لا يحتمل اليوم مواصلة الحروب العسكرية أو الاقتصادية أو المناوشات والاضطرابات، وتصدير الإرهاب، فلا مناص من التحالف والتآخي بحسب ما أوصت به كلمة خادم الحرمين الشريفين. .. وللحديث بقية عن تداعيات كرونا في المقالات المقبلة إن شاء الله!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4955 المصادف: 2020-03-30 04:37:20