 آراء

هل تخلق كورونا حرباً باردة بين أمريكا والصين؟!

محمود محمد عليعلى مدى العقود السبعة الماضية، عملت الولايات المتحدة الأمريكية على تطويق الصين؛ حيث قامت سياسة الرئيس باراك أوباما نحو «التحول نحو آسيا»، وتوجه ثلثى القوات البحرية الأمريكية نحو آسيا والتي كانت مصممة لاحتواء الصين، مما مهد لحرب باردة جديدة، وقد عززت هذه الاستراتيجية عقيدة الدفاع الوطني للرئيس "دونالد ترامب" - الذى تبنّي نهجًا متشددًا للغاية إزاء التعامل مع الصعود المتنامي لبكين على الساحة الدولية، ومحاولة فرض مزيد من الضغوط عليها، سواء فيما يتعلق بالعلاقات التجارية بين البلدين أو بالتطور التكنولوجي الصيني.. وهناك العديد من الكتابات الغربية التي بدأت تُنظِّر لتلك العلاقة الصراعية، وذهب بعضها إلى إمكانية إعادة إنتاج حرب باردة جديدة يكون طرفاها هذه المرة: الولايات المتحدة، والصين.

لذلك أخذت إدارة ترامب تتواصل المساعي بكافة السبل للحد من تنامي التنين الصيني الذي في حال عدم ترويضه، قد يبتلعها بعد سنوات، وقد تعيدنا الحرب الباردة بين الجانبين التي تظهر طابع من الاحترام إلى تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي المعزول جون بولتون في واشنطن يوم 27 نوفمبر نوفمبر 2018 والتي تحدث فيها عن وجود تهديد متنامي من عمق آسيا تبصره الولايات المتحدة وتتأهب له ؛ حيث قال "بولتون"- خلال كلمة ألقاها في مؤسسة هريتدج للأبحاث: “إن الأولوية الأهم لدى واشنطن ستتمثل في تطوير علاقات اقتصادية في المنطقة… فالمنافسون على القوة العظمى، وتحديداً الصين، توجه استثماراتها في المنطقة عن عمد وعلى نحو عدائي لنيل أفضلية تنافسية على الولايات المتحدة.

هذا التهديد الذي تحدث مستشار الأمن القومي الأمريكي عنه والذي يعكس استراتيجية الولايات المتحدة دفع الأخيرة للتفكير بحلول للحد من التنامي الصيني المتسارع،، تلك الحلول التي ستقوم بها الولايات المتحدة- إما أن تكون عسكرية وهي مستبعدة كون الصين قوة عسكرية حقيقة والولايات المتحدة خلال العقد الأخير لم تعد تتبع فكرة الاستراتيجية العسكرية المباشرة مع دول أضعف من الصين بكثير، أو اقتصادية، لكن تم اتباع استراتيجية أمريكية اقتصادية تجاه الصين والتي ظهرت بشكل جلي بعد قيام الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية بنسبة 10٪ على البضائع الصينية بقيمة 300 مليار دولار، والتي ردت عليها الصين بإجراءات مماثلة على منتجات أمريكية بـ 50 مليار دولار، قبل أن يظهر للولايات المتحدة بأن هذه الطريقة غير فعالة .

وخلال الشهور الماضية ضج العالم بخبر ظهور فيروس ” كورونا” الذي أصبح لا صوت يعلو فوق صوته، ذلك الفيروس اللعين والذي ضرب العالم مع مطلع العام الميلادي الجديد، مخلفا حتى يومنا هذا نحو ثمانية آلاف وفاة ونحو أكثر من 600 ألف شخص وحصد أرواح ما يزيد على 37 ألفا آخرين في قرابة 177 دولة حول العالم، وحسب آخر بيانات نشرتها جامعة جونز هوبكينز الأمريكية - التى تتابع تفشى الفيروس فى العالم - فقد ارتفع إجمالي عدد الوفيات بالفيروس حتى اليوم إلى 31700، فيما بلغ عدد الإصابات به 678720 حالة... الفيروس لم يتسبب فقط في خسائر بشرية، وكذلك مادية، بعد الخسائر المهولة التي تعرض لها العالم مؤخرا جراء توقف الحركة الدولية، ولكنه تسبب في عدد من الأزمات السياسية، والتي طفت إلى السطح مؤخرا، منها ما هو قديم، وتسبب الفيروس في تعميقه، وآخر حديث خلقه كورونا، كان في 19  مارس 2020، ذلك اليوم الذي مثل علامة فارقة للصين والتي أعلنت فيها يومها الأول بدون حالة إصابة جديدة.. طوال الأزمة أثنت منظمة الصحة العالمية على إجراءات الحكومة الصينية فى التصدي للوباء، وأشاد مسئولون بالمنظمة عند زيارتهم للصين بالإحساس الهائل بالمسئولية بين أفراد الشعب في محاربة الوباء.. لا يمكن إنكار أن الصين في البداية حاولت إنكار وجود المرض، ولكنها بعد وقت قصير أعلنت عن وجوده وقدمت وتبادلت معلومات عن الفيروس مع المجتمع الدولي.. ولكن في خضم هذا اختارت الولايات المتحدة الصراع بدلا من التعاون.

ولذلك بمجرد وصول أخبار انتشار الفيروس إلى الغرب بدأوا الأمريكان فى انتقاد رد فعل الصين العدواني وسخروا من الجهود المبذولة، وهناك إشارات تشير لنظرية المؤامرة التي دخلت على خط أفكار متتبعي المرض فالمؤامرة السياسية توجهت إلى تصنيع هذا الفيروس في المختبرات الأمريكية، ومن ثم نشره في الصين لتحاصرها بذلك المرض وإغلاق أسواقها التجاري؛ وليس غريباً أن نجد السلطات الأمريكية أول من تقوم بإجلاء طاقم قنصليتها في مدينة " ووهان" والسحب الجزئي لطاقم السفارة هناك والذي جعل وزير خارجية الصين" وانج يي." يستنكر موقف أمريكا ويوضح أن كل ما يحدث ما هو تدبير أمريكي لنشر الذعر العالمي وإسقاط الصين.

ومع انفجار المرض في الولايات المتحدة في 14 مارس 2020، حققت الولايات المتحدة أرقاماً قياسية من نوع آخر؛ أكبر زيادة في أعداد الوفيات والإصابات في يوم واحد مقارنة بأي دولة أخرى في العالم، وذلك في ظل نظام الرعاية الصحية الأمريكي الذى دمرته الجائحة، إلا أن الولايات المتحدة تعاملت مع الأمر سطحياً، حيث تشاهد الصين وهى تشرع في أكبر مهمة إنسانية دولية في العصر الحديث، وذلك عندما أرسلت لإيطاليا وبعض دول الاتحاد الأوربي معونات طبية وإغاثات لمواجهة الفيروس، وقد شكرت رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لين» الصين على تبرعها بمليونى قناع جراحى، و200 ألف قناع  N95، و50 ألف أدوات اختبار لأكثر المناطق المتضررة فى أوروبا. بعدما استلم رئيس صربيا المساعدات الصينية، اتهم الاتحاد الأوروبي بتخليه عنهم وقال إن الاتحاد هو قصة خيالية والدولة الوحيدة التى يمكن أن تساعدهم هي الصين.

وبينما ترسل الصين المساعدات لدول العالم، نجد أن الموقف الأمريكي في التعامل مع فيروس كورونا كان ضعيفاً ؛ لاسيما بعد موقفها الضعيف والمتفرج مع الدول المتضررة بنسبة كبيرة من الفيروس، فضلاً عن ذلك فإن المعطيات تؤشر الى وجود حرب باردة تلوح في الأفق بينهما، فالاتهامات المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين حول فيروس كورونا تشير إلى لغة جديدة في التعامل الامريكي الصيني مما يوحي إلى التقاطع في المنظومة الدولية؛ خاصة بعد أن حثت محاورة قناة CNN «دانا باش» مرشحى الرئاسة باقتراح العواقب التى يجب أن تواجهها الصين بالنسبة لانتشار الفيروس بدلا من المناداة بالتعلم من الطريقة التى واجهت بها الصين انتشار الفيروس، وما حدث هو قيام الطبقة السياسية من الحزبين باستغلال الجائحة لتصعيد العداء ضد الصين؛ حيث خرجت إدارة ترامب بتصريحات تدين الصين وتتهمها بتفشي فيروس كورونا، بعد أن وصف الرئيس ترامب فيروس كورونا بأنه "الفيروس الصيني"؛ خاصة بعد أن قدم نفسه خلال الأربعاء الماضي رئيس دولة في حالة حرب ضد ما وصفه بـ"الفيروس الصيني" في إشارة إلى فيروس كورونا المستجد،  وقال ترامب خلال مؤتمر عقده بالبيت الأبيض: "أرى نفسي، بطريقة ما، رئيس في وقت حرب. نحن نخوض حرباً، وهو موقف صعب جداً جداً".. ولم يكتف بذلك - بل أكد ترامب أنه لا خطأ في استخدامه، معللاً: "أنا لم ألق باللوم على الصين ولكن الفيروس جاء من الصين وبالتالي فهو صيني".

وهنا أدانت الصين تصريحات ترامب، حيث شهد أول تصريح بهذا الشأن، "فجره ليجان" زاهو، نائب رئيس إدارة المعلومات بوزارة الخارجية الصينية، حيث لفت إلى احتمالية أن يكون الجيش الأمريكي هو من جاء بفيروس كورونا إلى منطقة ووهان في الصين، التي تعتبر المنطقة التي بدأ وانتشر منها الفيروس، قبل أن ترد وزارة الخارجية الصينية على الأمر لتوضيح موقفها الرسمي.. جاء ذلك في تغريدة للمسؤول الصيني على صفحته الرسمية بتويتر، حيث قال: «مراكز مكافحة الأمراض واتقائها بأمريكا.. متى بدأ المريض الأول في أمريكا؟ كم عدد الأشخاص المصابين؟ ما أسماء المستشفيات؟ يمكن أن يكون الجيش الأمريكي هو من جاء بالوباء إلى ووهان. كونوا شفافين، أعلنوا بياناتكم للعامة! الولايات المتحدة تدين لنا بتفسير».، حسبما نقلت شبكة سي إن إن.. وأثارت تغريدة المسؤول الصيني هذه تفاعلا واسعا تداولتها وسائل إعلام حول العالم، ليطرح سؤال على المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، جينغ شوانغ، خلال مؤتمر صحفي، الخميس، إن كان لدى الصين دليل على أن فيروس كورونا الجديد لم ينشأ في الصين؟

ثم جاء الرد المتبادل من  وزارة الخارجية الأمريكية فقالت إن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو تحدث إلى كبير المسؤولين الصينيين يانغ جايتشي، وأعربت أمريكا عن غضبها من أن بكين تستخدم القنوات الرسمية "لفرض المسؤولية على فيروس كورونا على الولايات المتحدة.. وحاول بومبيو نفسه ربط الصين بالوباء العالمي، مشيرًا مرارًا إلى الفيروس على أنه "فيروس ووهان، على الرغم من نصيحة المهنيين الطبيين، الذين حذروا من أن مثل هذه العلامات الجغرافية يمكن أن تخلق وصمة عار.

وفي غضون ذلك، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي في الصين شائعات فحواها أن برنامجا أمريكيا للحرب الجرثومية هو سبب انتشار الوباء، وقد صدّق عدد كبير من الصينيين هذه الشائعات، رغم أن العلماء أكدوا أن بنية الفيروس طبيعية تماما وليست مصنعة. ولكن هذه الحرب بين العملاقين ليست حربا كلامية فقط، بل تتخطى ذلك إلى أمر أكثر خطورة..

والسؤال الآن : ما هو سر تبادل اتهامات الحرب البيولوجية بين أمريكا والصين؟

في اعتقادي أن الإجابة تتمثل كما يقول الأستاذ أحمد المسلماني علي قناة الـ DMC  المصرية في أنه عندما يقول ترامب عن الفيروس أنه صيني فربما يقصد أن يقول أن الصين لها دور في الموضوع – إما بالإهمال أو أنه ربما يشير إلي مختبرات بيولوجية صينية خرجت منها خطأ أو عمداً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري علينا ألا ننسي بأن الصين دولة لا تتحدث بسهولة، فالصين من الدول الصامتة لأبعد الحدود، فهي كثيرا ما تتحدث ببطء شديد وبدبلوماسية أحيانا ما تكون موضع دهشة، ومع ذلك لجأت إلي تصريح غير مسبوق في تاريخها الدبلوماسي وهي أن تتهم أمريكا بأنها وراء الأمر أو أنها ربما تكون وراء الأمر.

وفي الواقع هناك أبعاد داخلية وأبعاد خارجية هي السبب لما يحدث الآن بين الصين وأمريكا.. بالنسبة للأبعاد الداخلية وبالأخص في أمريكا، حيث نجد أن جزء منه يمثل صراع داخلي مع الجزب الجمهوري والحزب الديمقراطي .. الرئيس ترامب منذ البداية لم يتهم الصين، وإنما اتهم الحزب الديمقراطي واتهم الإعلام الأمريكي الذي يقول أنه يميل إلي الديمقراطيين بأن هذه مؤامرة مشتركة .. من الحزب الديمقراطي إلي الإعلام الأمريكي من أجل التغطية علي إنجازات ترامب.. الآن نجد أن نيويورك تايمز تقول أن جاريدو كوشنر (مستشار ترامب وصهره) قد أعطي معلومات غير دقيقة لترامب وأخبره بأن الموضوع فيه مبالغة وأن الحزب الديمقراطي يقصد بأن يريد أن يضعف مركزك بعدما فشل في موضوع المحاكمة بالكونجرس كما يحاول أن يضعف مركزك أيضا بأنك فاشل كذلك في إدارة ملف طبي كبير وحماية السكان في أمريكا بهذا الشكل، ولذلك قام ترامب بتسيس الموقف منذ البداية واتهم الحزب الديمقراطي .. هذا بالنسبة للأبعاد الداخلية ..

أما بالنسبة للأبعاد الخارجية فاعتقد أنه وبحسب التقرير الذي أوردته "نيويورك تايمز"، فإن المتشددين حيال الصين يرون في الفيروس فرصة لتسليط الضوء على ما يصفون بالطبيعة الشريرة للحزب الشيوعي الصيني، وتقليب الرأي العام الدولي ضده ومواجهة المؤامرات المناهضة لأمريكا.. فقد قال المستشار الاستراتيجي السابق لإدارة ترامب، ستيف بانون، الذي يقود التيار المحافظ ضد الصين إن "الوقائع تعكس بوضوح أن ثمة حرباً ساخنة وأننا في خضم حرب اقتصادية ساخنة".. ورأى أن الحكومة الصينية "أثبتت للعالم أنها تهديد وجودي للشعب الصيني وللعالم، لا للولايات المتحدة فحسب.. ولفت التقرير إلى أن بانون يتحدث في واقع الأمر بلسان الكثير من المسؤولين البارزين في إدارة ترامب الذين طالما ضغطوا لاتخاذ مواقف أكثر حدة حيال الصين. ومن بين هؤلاء بومبيو الذي يستخدم تعبير "فيروس ووهان" على رغم الانتقاد الشديد له. كذلك هناك ماثيو بوتينغر الذي يتولى منصب نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي والمهندس الأساسي للسياسة التي يعتمدهما البيت الأبيض حيال بكين، ومستشار الأمن القومي روبرت س. أوبراين، الذي اتهم الصين بالمسؤولية عن الانتشار السريع للفيروس مؤكداً أن "التفشي الذي حصل في ووهان كان بتغطية" من الحكومة.. وذكًر بأن للصين اليد العليا في الامدادات الصحية العالمية. ووجه المسؤولون الأمريكيون الانتقاد لبكين بسبب شرائها جزءاً كبيراً من الكمامات الطبية العالمية، ودعوا الصين إلى إعادة الإمدادات والمنتجات الصيدلانية والاختراعات الطبية وأجهزة الحماية إلى الولايات المتحدة.

علي كل حال يبدو أن كورونا يجدد الحرب الدعائية، ويدفع الإعلام فى البلدين للانحياز إلى مصالح بلاده بصرف النظر عن العواقب، لا فرق بين الحرب التجارية والفيروسية.. وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4957 المصادف: 2020-04-01 02:33:20