 آراء

مدينة ووهان واجتياح كورونا لكوكب الأرض!

محمود محمد عليفي البدء كانت مدينة ووهان وكانت مشكلة صينية بحتة.. شاهد العالم فصولها دون مبالاة تذكر.. استمرت الحياة بكل تفاصيلها في إيطاليا، وفي الولايات المتحدة، إيران، واسبانيا، وألمانيا، وروسيا، والجزائر، ومصر، لبنان، والسعودية، والكويت.. الخ.. وفي ووهان كما في مدن العالم أجمع استمرت الحياة بتفاصيلها المملة والتي يفتقدها العالم اليوم أكثر من أي شئ آخر.. استمرت الحياة إلي أن دق فيروس كورونا باب ووهان، وبات وباءً عالمياً عابراً للحدود لا يفرق بين آراضي محتلة ومن يحتل هذه الأراضي، بين قوة عظمي وعالم دون ذلك، فالجميع في الفيروس سواء .

من مدينة ووهان الصينية بدأت القصة، حيث بدأ الوباء بالظهور في أوائل ديسمبر 2019م.. لم يكترث الكثيرون له ولم يعيرونه أي اهتمام.. في العاشر من ديسمبر 2019 تعرض 7 أشخاص للعدوي بالفيروس في أحد مدارس ووهان.. لم يخطر ببال أي أحد أبداً أن يحدث هذا كله.. وبعد أسبوعين وبالأخص في 31 ديسمبر 2019 من إصابة الـ 7 أشخاص، انتقل المرض بالعدوي إلي 104 حالة مرضية.. حصرها المركز الصيني للسيطرة للأمراض والوقاية منها، لكنه لم يصنفها مصابة بفيروس كورونا.

وفي 11 يناير 2020 وصلت العدوي إلي 284 حالة مرضية، وقد صُنفت علي أنها مصابة بنوع غير معروف للالتهاب الرئوي، ومن بين المصابين 7 عاملين في مجال الرعاية الطبية، وذلك في دلالة أن هذا الفيروس ينتقل بالعدوي بين البشر.. لم توجه الصين أي تحذيرات للمواطنين ووصل الأمر ببعضهم إلي تنظيم مأدبة طعام حضرها عشرات الآلاف من الأشخاص، بينما كان الفيروس يتفشي بين الناس.. لم يتخذ سكان ووهان الاحتياطات اللازمة ضد الفيروس.. فلم يكونوا علي علم بوباء منتشر بين أرجاء المدينة .

إلا أنه وبوتيرة سريعة ارتفعت أعداد من يشعرون بأعراض مرضية في ووهان، إلا أن تلقي العلاج كان يزداد صعوبة.. منعت حكومة ووهان المواطنين للمغادرة من تجمعاتهم السكنية.. في 30 من ديسمبر 2019م فجر الطبيب الصيني "لي وينليانغ "-طبيب عيون في ووهان الحقيقة عبر تطبيق المراسلة الصيني "واي شات"- بأن الفيروس المنتشر مميت، وطلب من سكان ووهان توخي الحذر.. اعتبرت السلطات الصينية أن الطبيب مروج للشائعات، وأنه قد يواجه تهماً بالإرهاب.. إلا أن العدوي قد أصابت الطبيب ليفارق الحياة.. وقد دوت وفاة الطبيب وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود فعل غاضبة بين أوساط الصينيين.. كانت حياته الثمن الذي أثبت أنه لم يكن مروج شائعات، فحظي بتعاطف واسع بين الناس، لأنهم قد أدركوا أنهم قد يواجهون المصير ذاته، وهذا ما يفسر ردة الفعل السريعة من عامة الشعب الصيني إزاء موته .

إن تحكم وسيطرة الحكومة الصينية علي وسائل الاجتماعي لمحاولة منع تلك المعلومات من الوصول إلي شق واسع من الشعب؛ أدي في حقيقة الأمر إلي تأخير التدخل الحكومي الفاعل طبقاً لتصريحات بعض خبراء الرعاية الصحية الذين قالوا بأن أسبوعين علي الأقل قد تم إهدارهما.. وبالفعل كانت العدوي سريعة الانتشار..

في 23 يناير 2020 وفي الساعة 10 صباحاً انتفضت السلطات الصينية؛ حيث قامت بإغلاق مدينة ووهان وعزلها عن باقي الولايات لمنع انتشار الفيروس المميت إلي باقي أرجاء البلاد، وعرف الفيروس باسم "كوفيد 19"، والمتداول اعلاميا باسم كورونا.. من هنا انتشر الفيروس ليجتاح ما يزيد عن 177 دولة حول العالم وصنفته منظمة الصحة العالمية وباءً عالمياً .

عندما بدأ انتشار الفيروس في الصين ظن الكثيرون أنها ستكون أكبر المتضررين.. في 27 من فبراير 2020 سجلت بقية دول العالم نسبة إصابات أعلي من الصين لأول مرة.. وفي 23 مارس 2020 أعلن الرئيس الصيني أن بلاده سيطرت علي كورونا في مقاطعة "هوبي" - مركز تفشي المرض، وبدأ أن الصين تنجو، وأن العالم يغرق بالفيروس القادم منها.. ما يجب أن تعرفه عن الصين عزيزي القارئ أنها متطورة تكنولوجيا، وأن كل شئ فيها مراقب ! وأن نظامها السياسي الحاكم مسيطر علي مجريات الأمور.. أول امتياز : سعة الاستجابة التي وصفها مسؤول فريق خبراء التحقيق بمنظمة الصحة العالمية بروس ايلوارد ابتكار نهج لم تر مثيلا له في التاريخ.. قامت بكين بعد انتشار الوباء بفرض أكبر حجر صحي في العالم علي 60 مليون شخص.. وفي غضون أيام قلائل قام الصينيون ببناء مستشفيين في "ستة أيام".. المستشفى الأولى هو "هوشنشان" الذي يبنى على مساحة 269 ألف قدم مربع ويسع ألف سرير، والثاني مستشفى "ليشينشان" على مساحة 323 ألف قدم مربع، ويسع 1300 سرير .

ليس هذا فقط، بل لقد لعبت التكنولوجيا دوراً بارزاً في مواجهة كورونا؛ حيث استغلت الصين الروبوتات لتقليل الاحتكاك بين البشر.. فظهر الروبوت الممرض الذي يفحص 10 أشخاص في وقت واحد.. روبرت توصيل الطلبات ومعهم جيش من طائرات الدرونز للمراقبة.. الروبوت المعقم والروبوت الجوال الذي يكشف المصابين في الشارع ويعطي نصائح صوتية للمارة.. وهناك الخوذ الخاصة بالشرطة التي تستطيع كشف المصابين بالفيروس عبر قياس درجة حرارة الجسم عن بعد وغيرها.. وهناك البيغ داتا التي ساعدت في الحرب علي كورونا؛ حيث يُعرف عن الصين أنها تمتلك تكنولوجيا مراقبة متطورة جدا علي مواطنيها، وهناك يوجد أكثر من 300 مليون كاميرا علي الأقل تراقب الجميع ؛ حيث تتعرف علي الوجوه، وبعضها قادر إلي حد ما علي التنبؤ بالمشاعر، وهي تستطيع كشف المصابين بكورونا، وتحديد أسمائهم، وأرقامهم الوطنية، ومواقعهم..

والسؤال الآن : كيف تعتمد الصين علي البيغ داتا كيف ؟

والإجابة من خلال خوارزمية ذكية تجمع بين السجل الصحي، والملف الجنائي، وخارطة السفر عبر وسائط النقل العامة.. ستتمكن الحكومة من معرفة جميع الأشخاص الذين خالطهم أي مصاب بالمرض ومن ثم تقوم بحجرهم حجراً صحياً.. ولم يتوقف الأمر فقط ها هنا، فقد طور المبرمجون هذا التطبيق بمجرد ادخال الاسم والرقم الوطني.. ستعرف خارطة الأشخاص المشكوك فيهم بإصابتهم في محيطك.. وقامت العديد من الشركات مثل ALI BABA بتطوير QR CODES مرتبط ببيانات الحكومة.. ليصبح في جيب المواطن ما يشبه إشارة المرور بثلاثون ألوان تعبر عن وضعه الصحي.. هذا الكود مطلوب إظهاره في غالبية وسائل النقل العامة ومتاجر التسوق..

من أروع ما نجده في الصين هذا الشعار :" بلغوا عنه ولو برسالة"-.. الحكومة دعت المواطنين للإبلاغ عن أصدقائهم وأقاربهم وجيرانهم في حال شعروا بأنهم يخفون المرض.. عبر فيديوهات ورسائل نصية.. وإعلانات طرقية.. كل هذا قد تعتبره أنت -وأنا -إجراءات قاسية وانتهاكاً للخصوصية، وشكلاً من أشكال الاستبداد.. لكن الصين تراه وسيلة ناجحة ليس للحد من الأصوات المناهضة للحكم فحسب؛ بل كمنهج مثالي للحد من انتشار الأوبئة.. وقطعت سلسلة انتشاره البشري خارج نطاق المنزل الواحد.. فرضت مزيجاً من الحجر الصحي، والتباعد الاجتماعي تحت رقابة تكنولوجيا متطورة جداً.. وبعد شهور قليلة أغُلقت المستشفيات المؤقتة في ووهان.. جيوش التكنولوجيا والبيغ داتا تمكنت من محاصرة الفيروس القاتل.. وستكون ربما نموذجا يحتذي به لدول العالم الأخري.. قد تزدهر الصين مجدداً ببيع خلطتها السرية للآخرين وينجو الكوكب من فيروس الصين العظيم بأسلحة الصين المتطورة.

لم تكتف الصين بذلك، فقد قامت حكومتها بإنتهاج العالم من خلال ضبط سلوكهم؛ حيث نجحت الصين في ضبط سلوك مليار ونصف المليار بشكل يسير من خلال الحكم الرشيد، والإيمان بالعلم والتكنولوجيا، والشعب الصيني بطبيعته شعب صامت وهادئ ويواجه المشاكل بالحلول والأبحاث العلمية، وليس بالصراع بالمقالات والبرامج الفضائية التي تملآ الدنيا صخباً وجنوناً.. تم حظر التجوال في العديد من المدن.. أقل مدينة عددها 12 مليون نسمة.. وعلي الفور أغلقت المطارات، وتوقفت السيارات، والتزم الصينيون بالأوامر في شققهم وبناياتهم، وقد أعدوا طعاما يكفيهم أسبوعين.. لم نسمع عن معارضة صينية تستغل الوباء وتخرج بالصراخ، وتحرض السكان علي خرق حظر التجوال .

ثم لجأت القرى والمدن في الصين إلى استخدام طائرات دون طيار، مزودة بمكبرات صوت، للقيام بدوريات في الشوارع وتوبيخ الأشخاص الذين لا يرتدون أقنعة في الأماكن العامة، وسط تفشي فيروس كورونا، حسب وسائل الإعلام الصينية الحكومية.. نشرت كل من "شينخوا" وصحيفة "جلوبال تايمز" مقاطع فيديو لطائرات بدون طيار تنبه الناس في المناطق الريفية لضرورة ارتداء الأقنعة في "هذه الأوقات". وانتشرت مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية بشكل واسع وتمت الإشادة بها كوسيلة جديدة لزيادة الوعي بالمرض، وذلك حسب قول أمجد المنيف في مقاله تايم لاين.. مواجهة كورونا".

لاشك في أن التجربة الصينية كانت فريدة في تجاوز أزمة تفشي وباء كورونا بعدما اعتقد البعض أنه لا نجاة ولا مفر من الكورونا إلا إليها، خاصة مع ظهور المرض في العديد من دول أوروبا وأمريكا وأخيرا وصل إلى الشرق الأوسط، فالتزام الشعب الصيني بتعليمات الحكومة وإرشاداتها واتباع الإجراءات الاحترازية كان الخطورة الحقيقة نحو اختفاء الوباء منها وإعلانها عدم تسجيل أي حالات مصابة بالفيروس إلى الآن، ثم يأتي فيما بعد توافر العلاج وخطط الرعاية الصحية.

والسؤال الآن كيف استفحل وباء كورونا وانتشر في العالم كله بعد هذه التجربة الصينية الفريدة ؟!

وللإجابة عن ذلك نقول : لم تكن القيود علي السفر كافية لوقف تفشي جائحة كورونا.. صحيفة " نيويورك تايمز "، قامت بتحليل لتحركات مئات الملايين من المسافرين حول العالم، لتوضيح الأسباب وراء تحول مرض كوفيد 19 من وباء لجائحة عالمية.. كان يمكن ببساطة السيطرة علي الأمر في البدايات.. فمن خلال حظر السفر كان سيتوقف تفشي العدوي بفيروس كورونا حول العالم..

لا شك في أن وباء كورونا يمثل لغز مرعبا نعيشه منذ بداية 2020.. كائنات ميكروسكوبية أرعبت العالم.. شخصيات وأفلام تنبأت بما يحصل اليوم قبل عقود.. سر يقال أنه الرقم عشرين (كما شرحنا ذلك في مقالنا عن أكذوبة نهاية العالم لابن سالوقيه) .. التهاب رئوي.. فموت.. ونتيجة.. مدن وأشباح وجثث تتهاوي بالمئات في الشوارع والمستشفيات بشكل مرعب.. تجارب علمية هنا خلقت هذا الفيروس، وهنا بدأ الانتشار.. همس في الكواليس وقصص مريبة تؤكد نظريات عديدة.. هل هو حقاً مؤامرة؟.. وباء فيروس كورونا.. غموض .

كورونا كلمة مكونة من ستة حروف فقط.. أرعبت العالم بأسره مع انطلاق العام 2020.. كائنات أصغر بأت تُري بالعين المجردة.. تهدد أقوي وأعظم الدول.. وتهدد بفتك الأجسام البشرية بسهولة مطلقة، حتي بات هناك مخاوف من تحولها إلي وباء لا تقوي البشرية علي محاربته... مر أكثر من 3 شهور منذ رصد المرض بحالة مصابة بهذا الفيروس في ووهان الصينية.. وحتي كتابة هذا المقال لم يتم الإعلان رسميا عن العثور علي علاج ولقاح لهذا الفيروس والذي عزل العديد من المدن الصينية وحول المياه إلي مدن أشباح تحوم حولها العديد من القصص المريضة ونظريات المؤامرة... وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4962 المصادف: 2020-04-06 02:12:46