 آراء

هل كان لدينا حقاً زمن جميل؟

يتداول الناس على وسائل التواصل الاجتماعي العديد من المواد التي تتحدث عن زمننا الجميل الغابر الذي نتحسر عليه .

تلك المواد تتضمن مقاطع اغاني وصورلاشخاص وتجمعات عائلية وطلابية وصور لسلع كنا نستخدمها في الماضي ولم تعد مستخدمة الآن.. تكون هذه المنشورات،عادة، مصحوبة بخلفية موسيقية فيها اغاني حزينة تنعى الماضي والزمن الجميل الذي ذهب ولن يعود!!!

وقبل الذهاب الى متن المقالة وتجنبا لأي سوء فهم اود التمييز بين مفردة الزمن الجميل ومفردة اللحظات او الاوقات الجميلة او السعيدة .. عندما نقول الزمن الجميل فإننا نتحدث عن فترات ممتدة لسنوات ولايمكن ان تكون ساعات او ايام او اسابيع (في المعجم الوسيط تأتي كلمة أزمن بمعنى طال به العهد، ومرض مزمن بمعنى يطول شفاءه).

اما اللحظات او الفترات السعيدة او الجميلة فمن الواضح انها فترات قصيرة قد تكون ساعات او ايام.

كذلك، عند القول زمن جميل مر به مجتمع ما، فأنه ينبغي ان يعني ان غالبية المجتمع كانت تشعر خلاله بالسعادة والرضا والاطمئنان ولايجوز تعميم حالة فرد او قلِة من المجتمع واعتبارها حالة عامة.

لاشك ان هنالك لحظات جميلة في حياة اي انسان يشعر بها حتى في احلك الظروف، لكنها تبقى حالة عابرة.. نسمع حكايات عن لحظات ممتعة عاشها اسرى لدى العدو او جنود يواجهون الموت في الخنادق .. او سجناء يتعرضون للتعذيب الدوري.

في كتابه الشهير والمهم والمعنون : "اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث"، يصف السيد ستيفن هيمسلي لونكريك، العراق بقوله : العراق، تلك الولاية العثمانية البعيدة المنسية والمعذبة ...

لم أجد وصفاً اكثر صدقاً ونزاهة وموضوعية لحالة العراق ليس فقط خلال تلك القرون الاربعة التي كان يتناوب فيها على احتلال العراق ومركزه بغداد تحديداً، العثمانيون والصفويون، بل حالة العراق على امتداد تاريخه المعروف.

طبعاً هذه المقالة لاتتسع لذكر كل تفاصيل مآسي التاريخ الاقدم للعراق منذ الحكم الاموي وقسوة وفظاعة حكامه الذين نصبهم لحكم العراق ومن ابرزهم الحجاج الثقفي الذي اصبح نموذجاً فذّاً في القسوة والإجرام ..(حكايات فتكه وقتله للعراقيين لأتفه الاسباب معروفة وتمتلأ بها كتب التاريخ).

بالمعنى القانوني، الامويون كانوا قوة احتلال ونصَبوا حكاماً اجانب وسيطروا على تلك الارض التي لم تكن دولة بل ارض سيطر عليها الاحتلال الاموي بعد الاحتلال الفارسي (باستثناء فترة قصيرة لغاية اغتيال الامام علي ابن ابي طالب).

كان شعار الامويين هو القسوة والبطش وسحق اية معارضة مهما كانت. كانت ايرادات الضراب الباهضة التي فرضت لتمويل بذخ الدولة الجديدة، تذهب الى مركز الحكم في الشام ولم يكن يحظى العراق بما يحتاج. ولايوجد شاهد واحد على اهتمام الامويين بإعمار العراق.

ثم تلاه الحكم العباسي الذي كان يسمى في بعض مراحله بالعصر الذهبي، لكنه كان ذهبياً للطبقة الحاكمة والحاشية وقادة الجيش والامراء وبعض المقربين .. اما دافع الضريبة العراقي، لاسيما الفلاحين، فقد كان يعاني الأمرين.

فترة العصر الذهبي العباسي لم تكن فترة حرية ورخاء لعموم المجتمع بل هي فترة فتوحات وازدهار للفنون والعمران لصالح الطبقة الحاكمة وهم قلة بطبيعة الحال. بل ان الحكام اعتمدوا على الاجانب في معظم الاوقات كالفرس والترك ومنحوهم صلاحيات ونفوذ وثروات كبيرة ..على حساب ابناء البلد.

كان يطلق على الفلاحين الذين يعيشون حول مدينة بغداد المدورة العظيمة والجميلة والذين لم يكن مسموحاً لهم دخولها بسبب قذارتهم وفقرهم ومنظرهم الذي لايسر الناظر، كان يطلق عليهم : آكلوا الشعير والكرّاث !! وكان بعض الكتاب يصفون شكل اسنانهم التي صبغها الكرّاث بلون اصفر مخضر!! نقلت الصناعات والاعمال القذرة والملوثة الى خارج اسوار بغداد لكي لاتفسد حياة النخبة. لم يكن السكن في بغداد المدورة مشاعا لمن يرغب بل كانت هنالك قيود لايتسع المجال لذكرها.. الفلاحون الفقراء كانوا هم حطب المعارك العظيمة التي تخوضها الدولة ويدافعون عن عاصمتها التي لايدخلونها..وهم يدفعون تكاليفها المالية ..

قسوة وبطش العباسيين بخصومهم ومعارضيهم فاقت قسوة الامويين بمراحل .. وكان العباسيون،ايضا، قوة احتلال للعراق لانهم لم يكونوا عراقيين بل من الجزيرة.

الخليفة المعتصم بالله نقل العاصمة الى سامراء بسبب تذمر اهل بغداد من استهتار جنوده الاتراك والحاقهم الضرر بمصالح اهل ىالبلد واهانتهم والاعتداء عليهم.

وفي سنوات حكم العباسيين الاخيرة والتي امتدت طويلا، ضعف نظام الخلافة واصبح الخليفة العوبة بيد حكام اجانب غزاة كالسلاجقة، عاثوا فساداً في الارض.

وعند سقوط الحكم العباسي جاء هولاكو واوشك ان يبيد سكان بغداد وعمل فيها من الفظاعات ما لايمكن وصفه وحصره .وبعد المغول تتابعت على حكم العراق دويلات وقبائل تافهة جاءت غازية من الخارج فسحقت كل شيء..

جاء بعدهم العثمانيون والفرس بالتناوب ولمدة اربعة قرون ..كما اشرنا في البداية.

كم مرة حوصرت بغداد من قبل الغزاة وتم اقتحامها وتدميرها والانتقام منها .. كم مرة أكل سكانها المحاصرون الحيوانات وجثث الموتى؟

ما الذي اورثته هذه القرون السوداء في نفوس وثقافة العراقيين وطريقة عيشهم وتعاملهم مع الاحداث والاشياء؟

يأتي العثمانيون فيبطشوا برجال الحكم الصفوي ويأتي بعدهم الفرس ويفعلوا الشيء نفسه بأعوان الحكم العثماني، والشعب في الحالتين مسحوق ومحطم ويعاني من الحصار والقصف بالمنجنيق والموت جوعاً.

من ابشع سياسات العثمانيين كانت سياسة اللزمة في جباية الضرائب والتي تعني تسليم مهمة جباية الضرائب في منطقة معينة الى متعهد لقاء مبلغ مقطوع يدفعه هو للدولة ويستطيع جمع اي مبالغ يريدها بمساعدة قوات الدولة العثمانية. فكانت هذه العملية تسبب الأذى للفلاحين بشكل لايوصف من حيث التعذيب وحتى القتل لمن لايدفع المبالغ المطلوبة.

ذهب العثمانيون وجاء الانكليز، ومن يشاهد الافلام القديمة الوثائقية التي تصور حالة العراقيين عند دخول الانكليز يشعر بالحزن الشديد لمناظر البؤس التي يراها .. لقد سحقهم الاقطاع في الريف والذي اوجده العثمانيون لخلق ولاءات من ناحية وكذلك لتسهيل جباية الضرائب الباهضة التي فرضوها ولم يكن ينفق منها شيء على إعمار العراق (حتى ان رجال الدين اصدروا فتوى تجيز التهرب الضريبي لان الضريبة لاتستخدم لمنفعة البلد . وكانت هذه الفتوى من الاسباب الرئيسية التي تشجع التهرب الضريبي الى الآن لانها اصبحت جزء من الموروث الثقافي الديني مع ان الحكم وطني وليس قوة احتلال). اما العمل في المدن فكان بائساً اذ لم يكن هنالك سوى نشاط تجاري محدود يمارسه عدد من الاثرياء في مدن تفتقر الى الحد الادنى من البنى التحتية .

الفقر والجوع وتدني مستوى المعيشة لغالبية الشعب العراقي كان واضحاً وطبيعياً ومتوقعاً في بلد لايملك مقومات الاقتصاد السليم.

موظفوا الدولة من مدنيين وعسكريين كانوا يحصلون على رواتب متواضعة بسبب ضعف امكانيات الدولة.

تأسست الدولة العراقية بداية العشرينيات واستمر الحال على ماهو عليه ..

جاء الحكم الجمهوري بانقلاب عام ١٩٥٨، الانقلاب الدموي بدأ بقتل الفئة الحاكمة بما فيها الملك وسحل وتقطيع رجال الدولة مما ترك آثاراً نفسية رهيبة لدى الناس . تلا ذلك الصراع السياسي والحزبي وعمليات التنكيل بالمعارضين مع ماولده ذلك من ثقافة للعنف والانتقام.

وبدأ الحكم الجديد باستثمار عائدات النفط لاحداث حركة تنموية، لكنه ترافق مع ازدياد  حركة النزوح الكثيف من الريف الى هوامش المدن الكبرى لاسيما بغداد والذي بدأ قبل ذلك لاسيما في الاربعينيات .

ذلك النزوح خلق مأساة انسانية كبيرة .. ومن يتذكر احوال سكنة الاكواخ والمستنقعات الملوثة خلف السدة الشرقية في بغداد وكذلك مناطق غرب بغداد، وفقرهم ومرضهم والمهن التي كانوا مستعدين لممارستها لدفع الجوع عن عوائلهم، يدرك ان الحديث عن زمن جميل ماضي في العراق، هو كلام فارغ وغير صحيح.

معظم مناطق بغداد، وهي العاصمة،كانت بدون مجاري وبدون صرف صحي وطرق تفريغ خزانات مياه ومخلفات المراحيض كانت مقرفة ومقززة وملوثة . كانت تتم من قبل اشخاص دفعهم الفقر وعدم وجود فرص عمل لممارستها.

في بغداد القديمة والتي هي مركز بغداد الآن (مثل قهوة شكر وباب الشيخ والفضل وكمب الارمن.. الخ) كانت العوائل المتعددة تتكدس في بيت واحد من خلال ايجار غرفة لكل عائلة ويشترك الجميع في مرحاض شرقي قذر واحد وليس لديهم حمامات في الغالب!! وليس لديهم مطابخ.. وتخبز النساء يومياً بالتنور فوق السطح

ويغسلن الملابس يدوياً بالطشت ويذهبن الى السوق يومياً !! ولايوجد تحديد للنسل اذ ان بعض العوائل لديهم عشرة اطفال او اقل قليلاً..

ونتيجة ضعف الخدمات الصحية وسوء التغذية وغياب النظافة، كانت وفيات الاطفال عالية جداً..

لغاية الاربعينيات كان أهل بغداد يحتفلون بالعيد بالذهاب الى مقبرة الانكليز لانها مشجرة ومنظمة !!

لم تكن هنالك اماكن ترفيه للعامة..

بطبيعة الحال كانت هناك استثناءات لبعض العوائل لكنها أقلية وكان يتكون معظمها من التجار وكبار موظفي الدولة وملاك العقارات وبعض الاقطاعيين الذين جلبوا ثرواتهم الى المدينة.

سقط حكم الزعيم قاسم عام 1963 بأنقلاب دموي قتل فيه قاسم واعوانه دون محاكمة، وجاء الحرس القومي وبدأ مسلسل الذبح والتنكيل . وهكذا الى ان جاء انقلاب 1968 وبدأ عهد جديد من التوتر والصراعات بين رجال الحزب الحاكم وبينه وبين خصومه من الاحزاب الاخرى وبدأ مسلسل قصر النهاية ومعتقلات الامن العامة وغيرها.

في السبعينيات بدأت عملية تنمية انفجارية غير مدروسة بعناية الحقت ضررا بحياة الناس العاديين بسبب التضخم وانواع مختلفة من الاختناقات في كل شيء .. اصبح الحصول على علبة معجون الطماطم او البصل او البيض حلماُ جميلا .. تكسرت الطرق واشتدت ازمة المواصلات ..ولاول مرة عرف العراقيون معنى الوقوف في الطابور لساعات للحصول على بعض السلع الاساسية ..وهذا طبعا يتنافى مع السعادة ..

عام 1980 بدأت حرب ايران لمدة ثماني سنوات حولت العراق الى مأتم كبير ولا اعتقد ان في العراق عائلة واحدة لم تفجع بابن او اب او زوج او قريب او صديق او جار عزيز.

قتل في تلك الحرب مئات الآلاف وذهب عشرات الآلاف اسرى لدى الايرانيين وقضوا سنوات طويلة في الاسر دمرت ماتبقى من حياتهم، واصبح عشرات او ربما مئات الآلاف معوقين جسدياً او نفسياً.

خلفت الحرب مئات الآلاف من الايتام والارامل. الحصار قلَص امكانيات الدولة على مساعدة اسر ضحايا الحرب وتركوا ليواجهوا مصيرهم وتشكلت منهم افواج من الضائعين.

من خرج من الحرب سالما كان قد قضى شبابه في الجيش حيث خدم البعض اكثر من عشر سنوات خدمة الزامية ضاع خلالها مستقبله بالكامل..

اضافة للخدمة العسكرية، فقد اضافت الخدمة في الجيش الشعبي هماً أضافياً للرجال العراقيين واصبحوا مطاردين للالتحاق في قواطع الجيش الشعبي..

الخوف من الاعتقال من قبل الانضباط العسكري بتهمة الهروب او التخلف من الخدمة العسكرية جعلنا نحمل دفاتر الخدمة العسكرية في جيوبنا حتى بعد ان بلغنا الخمسين من العمر. وكان مشهد مفرزة الانضباط العسكري يشكل تهديدا للرجال لانهم قد يعتقلون الشخص على الشك ..

بعد استراحة قصيرة لمدة سنة واحدة احتل العراق الكويت وتم تدميره من قبل دول التحالف وحصاره لمد 13 عاما حوَلت الحياة الى جحيم حقيقي. قتل في حرب تحرير الكويت مئات آلاف الجنود العراقيين وفقد كثيرون لا أحد يعرف اعدادهم وفجعت عوائلهم ولم تعد تعرف السعادة..

احتلت الولايات المتحدة العراق عام 2003 ودمرت ماتبقى منه وقتلت اعداد كبيرة من الجنود العراقيين وفجعت اعداد كبيرة من العوائل بابنائها مجدداً ..

وجاءت مع الاحتلال موجات الارهاب والعنف المتنوع وتحت شتى العناوين . ثم تسلط عليه الفساد الذي ترافق مع مآسي القاعدة وداعش وغيرها ..اضافة الى الطائفية والمحاصصة .

قتلت الاعمال الارهابية في العراق نصف مليون انسان ( حسب بعض التقديرات) من مختلف الفئات والاعمار والاجناس ودمرت حياة الملايين من العراقيين ..

أنا اتساءل ببساطة: هل هنالك فسحة في تاريخ العراق تسمح بوجود زمن جميل؟

والآن دعونا نستعرض مظاهر الجمال في الزمن الجميل التي يرسلها بعض الاشخاص مشفوعة بالصور لاثبات جمال الحياة في تلك الفترة:

- يرسلون صورا لخمسة اطفال ينامون على الارض ويتغطون بلحاف واحد!

- يرسلون صورا لاطفال يدحرجون عجلات سيارات مطاطية وهم حفاة

- يرسلون صورا لسجاير سومر وغيرها من الماركات القديمة

- صورا لقناني الببسي وغيره من المشروبات

- صورا لمدفئة علاء الدين التي تسببت باحتراق اعداد كبيرة من الاطفال بالماء الحار والشاي

- صورا لمبردات الهواء التي قتلت الكثيرين بالصعقة الكهربائية لانها بدائية

- صور امهاتنا وهن يعانين الحر بالخبز في التنور

- صور مطربين قديمة واغلفة كاسيت

- صور أكلات عراقية شعبية معروفة

- واشياء اخرى على غرار ماتقدم

- صور سيارات قديمة مثل اللادا والبرازيلي

سؤالي الأخير: هل هذه الصور هي ادلة على عظمة الحياة التي كنا نعيشها وارتفاع مستوى معيشتنا؟

انها مظاهر للفقر والبؤس احياناً

وبعضها يملك الناس ماهو احسن منها الآن ..

وبعضها لازال موجودا كالاكلات العراقية الشعبية، مثلاً

مفهوم السعادة والجمال يختلف تماماً عن ماتمثله تلك الصور والاغاني التي تبكي وتنوح .. وفي مقال سابق تحدثت عن عناصر مفاهيم الرفاه الاجتماعي والسعادة.

لاشك ان لدينا جميعا ذكريات جميلة نتذكرها ونتمنى لو تعود، لكنها شخصية ومتناثرة عبر الزمن ولم تكن ابدا سياقا مستمرا للحياة.

من الناحية الاحصائية، الظاهرة يجب ان تمثل علىى الاقل 70% من المجتمع لكي تعتبر ظاهرة عامة وتعبر عن وضع المجتمع..ولاشك بوجود فئة صغيرة من المجتمع العراقي كانت تعيش بطريقة خاصة وافضل من الغالبية، لكنها لاتمثل حياة عموم العراقيين.

اتمنى التمييز بين الحنين الى مواقف والى اشخاص كانوا معنا وغادروا الحياة والى مواقف مفرحة، وبين القول بوجود زمن جميل ..

احيانا كنا نفرح ساعة ونحزن باقي اليوم ونشعر بالقلق والخوف .. اتمنى ان يتمتع العراقيون لاول مرة بزمن جميل حقيقي نتذكره بجدارة ..

        

د. صلاح حزام

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5018 المصادف: 2020-06-01 03:16:58