 آراء

طريق العودة العربية

مهدي الصافيالمصالح المتبادلة.. صفقة القرن.. المقاومة

عند ذهاب ياسرعرفات الى اوسلوا لابرام اتفاقية السلام بينه وبين اسرائيل1993 (اقامة سلطة الحكم الذاتي الانتقالية، مرحلة اولى لبداية طرح مشروع حل الدولتين)، انزعج حافظ الاسد من هذه الخطوة الفردية، معتبرا انها تساهم بأضعاف العرب كما حصل بعد اتفاقية كامب ديفيد مع السادات1978 (رحمهم الله جميعا)، ونجح الفلسطينيون من انتزاع الضفة الغربية وغزة وبعض المناطق، لكن حلم الدولة الفلسطينية بقي معلقا....

استمرالخط العسكري مفتوحا بين سوريا ولبنان، وكذلك عملية تطوير حزب الله من قبل ايران، حتى جاءت خطوة الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان2000، ومن ثم خروج الجيش السوري من هناك ايضا2005، بأحداث متتابعة لايبدوا انها جاءت صدفة....

بقيت ثلاث محاور مفتوحة للمقاومة (حزب الله لبنان، الفصائل الفلسطينية الاسلامية، سوريا) المدعومة بقوة من ايران، بعدها اندلعت كارثة المواجهة الدموية المباشرة بين اسرائيل ولبنان (حزب الله) 2006، هذه الازمات او الكوارث جاءت بعد اعلان نهاية الحرب الباردة عام1990، ومافعله الاحمق صدام من كارثة احتلال الكويت، وصعود بوش الابن بعدها، الذي اطلق مشروع الشرق الاوسط الجديد بعد اسقاط نظام طالبان في افغانستان، وصدام في العراق2001- 2003، واستخدمت عبارة اما مع امريكا او مع محور الشر، فأندلعت ثورات الربيع العربي، وانخرطت دول الخليج في اخطر لعبة في تأريخها الحديث اسقاط القذافي وحرب اليمن وبشار الاسد الخ....

السياسة فن الممكن ولكنها ناجحة بلغة واساليب العقلاء،

والمصالح المتبادلة اساليب ونهج الحكماء،

والمقاومة سلاح ذو حدين...

تجربة حزب الله لبنان او الحرس الثوري الايراني، او حتى المقاومة الفلسطينية في مقارعة عدوا واحدا في المنطقة اسرائيل، تجربة ناجحة نسبيا، الا ان فلسفة جعلها امر واقع، او بديلا لدولة المؤسسات، لن تجلب الا مزيدا من العزلة الدولية، والضجر والانزعاج والنفور الشعبي الداخلي من هذه الشعارات الجهادية المتأرجحة بين الحرب والسلم المؤقت، فضلا عن الحصار الاقتصادي، والاتهامات والقرارات الدولية القاسية بحقهم (اتهام المجتمع الدولي الرسمي لجهات وافراد بالارهاب، وتجميد الارصدة، الخ.)، اذ لم يكن بالحسبان ان يكسر الهلال الشيعي في سوريا بهذه الطريقة الدموية الاستنزافية الطويلة

 (القريبة من حرب الاستنزاف للاتحاد السوفيتي السابق في افغانستان)، مع حالة الفشل العام للتجربة الديمقراطية في العراق، وتمزيق اليمن بالحرب العبثية العشوائية الخليجية، ثم اقرار قانون قيصر، وانهيار الاقتصاد وتدهور سعر العملة في ايران ولبنان وسوريا (مع انهيار اسعار النفط بسبب الاغلاق العالمي امام جائحة كورونا) ...

المقاومة حق مشروع، اسرائيل دول محتلة لاراض عربية مقدسة اسلاميا، ولكن كيف ومتى يفهم المقاوم لغة الخضوع لسياسة الامر الواقع، عندما يقتنع ان مايراه بوضوح من غياب او ضعف في قوة عناصر وعوامل واسس واهداف هذه المقاومة، وانها لم تعد موجودة تقريبا، ولايمكن الترويج مجددا للشعارات والافكار الحماسية الثورية، او حمل رايات الحرب المقدسة، لشحذ الهمم، ومحاولة اعادة رفع المعنويات وضخها في المجتمع مع البطون الخاوية والجيوب الفارغة، ومظاهرانهيار الدولة الفاشلة، هذا ان كان لايؤمن بفكرة المعاجز....

كان على حزب الله ان لايتورط في الثورة الشعبية السورية التي نادت بالديمقراطية (قبل ان يتدخل الارهاب ليصادر جهود الثورة السلمية من اهلها)، وان يشترط على النظام السوري ان لايحارب الشعب، وان لايرفض فكرة التعديلات الدستورية، واجراء الانتخابات الرئاسية الديمقراطية تحت اشراف الامم المتحدة،

صحيح ان نظام الاسد يمثل معه محور الممانعة، ولكن من جهة اخرى هناك حق شعبي وطني مهم، بضرورة نيل الحقوق الكاملة، وبالحصول على ابرز مقومات الدولة الديمقراطية الحقيقية، رفضا لاسلوب التوريث في الحكم (الطائفي من وجهة نظرهم)، بغض النظر من ان الظروف مؤاتية لهذا التغيير ام لا، وفق الاعتبارات الداخلية المتغيرة والمتصاعدة من قبل الشعب السوري، الحرية والانعتاق من الانظمة الشمولية الفاشلة، اهم عندهم من قضية فلسطين والجولان المركونة جانبا والمؤجلة اصلا الى اجل غير مسمى....

وكان عليه ايضا ان يساهم ببناء جيش لبنان المهني الكفوء، بدمج غالبية عناصر حزب الله بالمؤسسة العسكرية والامنية الرسمية، والتحول رسميا الى حزب سياسي مدني، بدلا من ان يبقى شماعة تعلق عليها امريكا والاتحاد الاوربي واسرائيل (وبعض دول الخليج) اسباب فشل محادثات السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين، واعتبارها ذراع ايراني ضارب وطارد للمصالح الامريكية الاستراتيجية في المنطقة، وتهديد مباشر لدولة اسرائيل (هم يطالبون علنا بزوالها)،

هذا الامر تكرر مع الفصائل الشيعية المسلحة في العراق، التي تسير بنفس النهج والاسلوب وطريقة العمل المقاوم الشيعي القديم المدعوم ايرانيا...

ايران وتركيا لاتؤمن بنظرية المصالح المتبادلة مع الدول العربية، لعدة اسباب وامنيات وفرضيات مريضة وحسابات خاطئة، ومنها اطماع تأريخية، وبعضها متعلق بسياسة المحاور، والابتزاز الاقتصادي والتجاري، ولديها ممارسات فعلية وحقيقية بفرض ارادتها وهيمنتها على المنطقة (من الخليج الى المحيط، ومن البحر المتوسط الى البحر الاحمر)، بل لم تقدم الى الان اية مبادرات استراتيجية لفتح افاق التعاون المتبادل بين الدول العربية وبينها،

مع ان الحق يقال ان ايران لم تكن بمستوى التدخلات التركية المباشرة في شؤون الدول العربية، وبالاخص بعد ثورات الربيع العربي (ودعمها لحركات اخوان المسلمين والجماعات الارهابية المتطرفة)، وذلك عائد لعدم وجود تلك الارضية الرخوة، المبنية على اساس الترابط المذهبي او طائفي

 (كما في العلاقة مع شيعة العراق ولبنان، والعلويين في سوريا والحوثيين اي الزيدية في اليمن)، التي استغلها اردوغان مع بروز قوة الاسلام السياسي في المنطقة،

ولكن هذه الامم وفقا لبنيتها الحضارية، وفلسفتها التاريخية في بناء دولها ومؤسساتها وعلاقتها بدول المنطقة، انها تؤمن بسياسة الامر الواقع

 (عكس اغلب الدول العربية التي تعتبر تنوع خيوط الارتباط والتشابك الدولي يمكن ان تحميها وتجنبها المشاكل واساليب الابتزاز الدولية، تارة مع امريكا واوربا من جهة، وتارة اخرى مع روسيا والصين على الطريقة البدوية القديمة)،

اي عندما تكون دول المنطقة قوية تتعامل معها وفق نظرية المصالح المتبادلة، وعندما تجد ضعفا وانهيارا داخليا، تدخل بقوة في شؤون الدول المجاورة الداخلية، مستحضرة العديد من القصص والاحداث والاسباب التاريخية (استعمارها القديم لدول المنطقة) ....

صفقة القرن مع ترامب هي لم تأتي بجديد، انما تعاملت ايضا مع الواقع العربي المفكك والمنهك بالمشاكل والاضطرابات والحروب الداخلية، فتمادت مع اسرائيل بعبور اتفاقية اوسلوا، وذهبت الى الاعتراف بالهيمنة الاسرائيلية الكاملة على القدس

 (نقل سفارتها الى القدس)، وتشتيت ملف اللاجئين، مع ان هذه الصفقة والاوضاع او الترتيبات الجديدة في المنطقة، سببها ياسر عرفات الذي رفض التوقيع مع ايهود باراك على صيغة الحل النهائي ابان ادارة او ولاية كلنتون الثانية للبيت الابيض...

دخول عودة ملف التطبيع وعلاقة بعض دول الخليج مع اسرائيل، او ظهورها بشكل علني، والبدء بالترويج لها سياسيا واعلاميا وحتى دراميا (على غرار محاضرات يوسف زيدان الذي دحض وشكك فيها بقدسية المسجد الاقصى، واعطى رأيا حول تنازل صلاح الدين الايوبي عنها للصليبيين، مع ان الارض اي الوطن يبقى مقدسا بوجود هيكل مقدس او بدونه، الخ.)،

على خط المفاوضات المتوقفة بين الاطراف المعنية، وتسريب الاجندات والمخططات والمشاريع المستقبلية المفترضة، قبل وبعد التوقيع على هذه الصفقة المجحفة بحق الفلسطينيين (توطين اللاجئين في سيناء مصر او الانبار العراق، ولبنان الخ.)،

من جهة اخرى كانت ايران قبل ذلك قد تركت ملف فلسطين والمقاومة مؤقتا، وركنته جانبا (قبل مجيء ترامب للبيت الابيض)، وذهبت لابرام اتفاق دولي مع الاتحاد الاوربي وامريكا حول ملفها النووي المثير للجدل، مع انها نجحت في انتزاع هذا الاتفاق لفترة وجيزة بعد سلسلة طويلة من الجولات واللقاءات والحوارات الدبلوماسية،

الا انها عادت الى المربع الاول، بعد ان رفض ترامب تلك الصفقة الفاشلة، التي تسمح لايران بالمضي قدما بتطوير برامجها النووية وصناعتها الصاروخية البعيدة المدى، وهي تمثل تهديدا حقيقيا لجميع دول المنطقة، وتحديدا الدول العربية،

هي تنظر للعرب كما نظر ابو جعفر المنصور لابو مسلم الخراساني،

وستبقى كذلك الى يوم يبعثون، فالعادات والتقاليد والموروثات الحضارية لايمكن محوها من التراث الشعبي، اوتجريد العقل الجمعي العام عنه، في مثل هذه الدول الغارقة في التاريخ واساطير الاولين،

لهذا لابد ان يتعلم الجميع لغة اخرى غير اساليب الهيمنة والاستعلاء واستعراضات القوة، والبدء جديا بالتفكير بضرورة بناء شراكات وتعاملات واتصالات وعلاقات تجارية واقتصادية وثقافية متينة، على اساس المصالح المتبادلة كما تفعل الصين في طريق الحرير الجديد....

المقاومة لايمكنها ان تجلب الامن والاستقرار للمنطقة، انما هي هدية مقدمة على طبق من ذهب للقوى الامبريالية الرأسمالية العظمى، التي تبحث عن مسوغات التدخل عبر طرح مفهوم الدفاع عن المصالح الاستراتيجية والامن القومي لدولها، وهو يعد جزء من مبادئها صناعة العدو الوهمي، حتى تتمكن من اقناع الرأي العام في بلدانهم اولا، وفي العالم ثانيا، بمبدأ الحرب الاستبقاقية والوقائية، ولعل العالم اجمع اليوم بات يعرف اسباب اتساع رقعة الصراع الدولي، الذي شمل الصين وروسيا وبعض دول الاتحاد الاوربي (انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوربي، اعلان ترامب سحب جنوده من المانيا، التوترات والتصريحات الانفعالية الاوربية الاخرى)، هذه مقدمات وترتيبات مايطلق عليه عالم مابعد جائحة كورونا..

ان الاوضاع العربية البائسة الحالية، لايجعلها في موضع المفاوض المتمكن، القادرة على فرض او وضع اية شروط واقعية على المجتمع الدولي، منها من يفكر بأمن نظام الحكم (كما في دول الخليج، والانقسام الخليجي مع دولة قطر، او ظهور التسريبات الخاصة بالعبث بأمن الخليج على يد بعض المتواطئين مع القذافي قبل انهيار ليبيا)،

والبقية تكافح من اجل الامن والاستقرار وابعاد احتمالات الفشل والتقسيم او الحرب الاهلية، كيف يمكن ان يرفع بعدها شعار الجهاد والمقاومة، والشباب والعوائل العربية تبحث عن منافذ الهجرة الى اوربا،

وكأنهم افارقة هاربين من جحيم الفقر والجفاف، افواج بالالاف كانت تبحر شهريا او يوميا الى المصير المجهول (مع تواطئ تركيا مع مافيات التهريب لابتزاز دول الاتحاد الاوربي للحصول على مزيد من الاموال والدعم لطموحاته التوسعية في المنطقة العربية)، هربا من من الدول او الجماعات التي لازالت تفكر او تعتقد ان المقاومة (علما ان الاستعمار الامبريالي القديم قد تغير كثير، واصبح اسعتمار رأسمالي جشع، ولهذا هو ليس بحاجة الى مقاومة عسكرية، انما دول وقوة اقتصادية ناجحة) هي الحل الوحيد لشعوبها (الهجرة من سوريا والعراق ولبنان واليمن، وحتى من ايران)، ولو فتحت الابواب للشعوب العربية لما بقي فيها غير الطبقة الحاكمة واتباعهم والمستفيدين منهم اوالمغرر بهم (عدا اصحاب المبادئ الوطنية وهم قلة قليلة لايمثلون نسبة مؤثرة)، لعدة اسباب منها، توارث الاساليب القديمة في الحكم والادارة والثقافة الرسمية العامة، الخوف او الحذر من التجديد السياسي والاجتماعي، تعمد ابقاء الدولة بعيدة عن مهنية المؤسسات الدستورية المستقلة، وعدم طرح مشاريع فكرية او بحثية تتعلق بتفكيك مفهوم الدولة الحديثة، وفصلها عن بقية المفاهيم الموروثة، كالدين او الطائفة، او بقية الهويات الاثنية...

 (تجربة محمد ابن سلمان في السعودية رؤية 2030-جاءت مشوهة اذ اريد لها ان تتم بطريقة انتقالية سريعة، من الفكر الوهابي المتشدد، ورقابة شرطة او هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكراو مايعرف بالمطاوعة، وعلى اساس الحكم القبلي السعودي، وليس كما اراد بعض الاصلاحيين هناك من الانتقال الى الملكية الدستورية الديمقراطية) ..

تجربة ايران الاسلامية بين عام 1979-2020، وصلت الى مرحلة الاشباع الثوري (نظرية تصدير الثورة او دعم المقاومة)، وبات الشعب لايطيق سماع فكرة او نظرية ولاية الفقيه، او ضرورة وجود حرس للثورة بعد اربعة عقود تقريبا من سقوط النظام الملكي، او تقديم مزيد من الدعم المادي والعسكري او اللوجستي لفصائل المقاومة الشيعية في لبنان والعراق واليمن، او لفصائل المقاومة الفلسطينية، او النظام في سوريا، امام الحصار الاقتصادي الخانق، وانهيار قيمة التومان، وتأكل ثقافة السلطة الدينية الابوية المقدسة، وهو شعب متحضر منفتح نفسيا على الحضارة الغربية العلمية العلمانية....

اصبح منظر رجل الدين وهو يدعوا بحماسة عالية الشباب الى الجهاد والمقاومة باهتا، لايملك ادوات التأثير الفعلية، وكأنه يتحدث الى نفسه اوالى القلة من اتباعه فقط، بعد فشل الاسلام السياسي (السني والشيعي) في تقديم نموذج الخلافة الراشدة في الحكم (الحاكمية)، وهي التي تعد بمثابة جوهر فكرة انشاء او تأسيس الدولة الاسلامية العادلة (او الفاضلة) على يد هذه الحركات الاسلاموية، حيث ظهر الفساد والفشل والمحسوبية، واشاعة الفوضى، واستخدام قواعد واجتهادات فقهية خاطئة، لتبرير نهب المال العام او مبايعة الدول الاجنبية (الاخوان مبايعة تركيا، والشيعة مبايعة ايران) ابان حكمهم، متجاهلين حاجة المجتمع المعنوية للضرورات الغائبة عنه منذ عقود، المتعطش للحرية والامن والازدهار والرفاهية، فقد فشل العراق وعاد الى مربع العصبيات القبلية والنزاعات الطائفية والعرقية، وكذلك عادت سوريا واليمن وليبيا ولبنان الخ.

ليست المقاومة عيبا، هي اساس ضمير الامة العربية ووجدانها الحي، وهي شريان متشابك ممتد الى عمق جذور الارض المقدسة، ولكنها ليست قبعة درويش، او راية بيضاء للفتوحات الاسلامية الجديدة، هي من المفترض انها ردة فعل دفاعية، تنتهي بذهاب اسباب ظهورها، اما ان تبقى مقاوم الى يوم القيامة (او حتى ظهور الغائب او المسيح المخلص او المسيح الدجال)، فهذا يدخل تحت ابواب او اعتبارات المصالح والحسابات الشخصية او الفئوية او العقائد والتصورات المشوشة او المنحرفة (كعبادة الاوثان، او ثقافة تقديم القرابين والتضحيات، وممارسة الطقوس والعشائر، وشراء صكوك الغفران، الخ.) ...

نعتقد ان الدول العربية امامها ثلاث طرق مهمة ومعقدة في نفس الوقت، يمكن توحيدها بالفكر والحكمة والعقلية السياسية المسؤولة، بالبحث عن المصالح المتبادلة ووضعها امام بقية الطرق (صفقة القرن والمقاومة)، اما ان تذهب في طريق صفقة القرن عاريا، فتخسر كل شيء، وتسلم راية الاستسلام لاسرائيل، وبهذا تضيف الى هيمنة وقوة تركيا وايران، قوة غاشمة جديدة (ليس كما تعتقد بعض دول الخليج ان الذهاب بعيدا في علاقتها مع اسرائيل، يجعلها قوة متكاملة في مواجهة المد التركي الايراني)، او تختار طريق المقاومة الطويل، الذي لايمكنه ان يعزز من قدرات الدول العربية، او يدعم مكانتها بين القوى الاقليمية، انما يساهم في انهاكها اكثر، ويعطل من مسيرة التنمية والتطور الحضاري المطلوب لنهضتها، ويصيب اجيالها بألاحباط واليأس امام شعارات الثورة والمقاومة المستمرة، ويستنزف مواردها في سباق التسلح وعسكرة المجتمع...

الفلاح او العامل الذي بدء يتصل بزوجته من الحقل او في طريقة الى ورشة العمل عبر جهاز الموبايل، ليس نفسه ذاك الذي سار خلف الشعارات اليسارية كالاعمى، معتقدا ان ايام الاقطاع، وليال الظلام القابع على صدره سيزول بالعصا الشيوعية السحرية، ولم يبقى امعة كبقية العوام الاميين التي تتعلم الدين كما يتعلمه الاطفال ايام الكتاتيب، انما يبحث عن الرفاهية والاستقرار النفسي الامني والمعاشي، وهو يرى كيف يقدم بعض شباب وشابات الوطن العربي على المجازفة بحايتهم من اجل تلك الطموحات المشروعة، طلبا للحياة الحرة المدنية الكريمة  (وما اكثر حالات الالحاد والانتحار بعد ثورات الربيع العربي في بلادنا)، ويعيش في دول لم تترسخ فيها بعد قيم المساواة بين الرجل والمرأة، والعدالة الاجتماعية، وسلطة القانون واحترام النظام، ويلاحظ فشل الانظمة التربوية والتعليمية والخدمية، مع غياب منظومة القيم والمبادئ الانسانية والديمقراطية الفعالة الخ.

المصالح المتبادلة تعني لكل مجال قانون ونظام وتحالف واهداف واتفاقات استراتيجية واضحة، لايوجد فيها غالب او مغلوب، او سياسة لي الاذرع، او اتباع اساليب المراوغة والخداع والتأمر، واعطاء تلك المهام الى اصحاب الاختصاصات العلمية او البحثية الاكاديمية، وكذلك مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية، وابعاد اهل السياسة عنها، الا بما تحتاجه تلك المؤسسات المستقلة من دعم ومتابعة ومراقبة بيئة العمل الصالحة للانجاز والابداع والتطوير...

صحيح انهم يحاصرون العرب لتجفيف منابع الحياة (سد اليسو في تركيا، وسد النهضة في اثيوبيا)، وان النيات المبيتة من قبل هذه الدول غير مشجعة، الا ان السياسة التكاملية العربية، ووضع خطط وبرامج علمية عملية، لبناء اسس التنمية والنهضة المشتركة الشاملة الطويلة الامد، يمكنها ان تصنع التوازن العربي الاقليمي المقبول...

فهذه الامة العظيمة كتب لها ان تبقى خير امة اخرجت للناس، وهي اخر الامم التي تفنى من على هذه الارض قبل يوم المعاد

 

مهدي الصافي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5049 المصادف: 2020-07-02 02:39:07