 آراء

من كان بيته من زجاج لا يرمي الاخرين بالحجارة

ليس من شك في ان الادعاءات الأمريكية ضد الصين بنشر وباء فيروس الكورونا، ما هي الا استمرار للحرب الاقتصادية بينهما. هذه الحرب التي لم تبدأ بعد انتخاب الرئيس دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية بل سبقت ذلك بعقد من السنين، على وجه التقريب. أي ان موقف الولايات المتحدة الامريكية من الصين بدأ بالتغير قبل وقت طويل من وصول ترامب الى السلطة ولكن ما كان يخطط في السر ظهر فجأة الى العلن في زمن ترامب الذي وان لم يكن هو سبب تدهور علاقة بلاده بالصين، الا انه هو من كشف النوايا الحقيقية لبلاده تجاه الصين. 

إن ذروة العلاقات الإيجابية بين الصين والولايات المتحدة، والتي كانت قائمة على التعايش الاقتصادي الوثيق بين البلدين، بدأت بالتراجع في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، الذي، أطلق تصريحات غير ودية تجاه الصين، جرى التخفيف من حدتها في نهاية عهده. والحقيقة، هي انه في نهاية عهد الرئيس جورج دبليو بوش، لم يكن الشخص الرئيسي الذي حدد سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالصين هو وزير الخارجية أو رئيس البنتاغون، بل وزير المالية هنري بولسون، الذي دعا إلى علاقات اقتصادية وثيقة مع الصين.

ومع انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الامريكية في عام 2009، والذي تزامن مع الأزمة الاقتصادية العالمية، تغير كل شيء. لم يتحدث أوباما عن علاقات بلاده الاقتصادية بالصين بغلاظة مثل ترامب، ولكنه في الواقع، هو الذي بدأ في بناء سياسة التصدي للطموحات الاقتصادية الصينية. فكان مشروعه الآسيوي الرئيسي، الشراكة عبر المحيط الهادئ، يهدف بشكل صريح إلى العزلة الاقتصادية والتجارية للصين.

لم تدرك الصين وقتها ما كان يعد لها، واستهانت بجدية مشروع لجم نشاطها التجاري، لولا ان يحل ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية، بعد براك اوباما، ليكشف عن ان مخططات الولايات المتحدة الامريكية تنطوي على إجراءات ملموسة، عندما تم الإعلان في عام 2017 عن ان الصين هي المنافس الاستراتيجي للولايات المتحدة. والذي أزعج الصين هو ان تصريحات ترامب لقت اجماعا عند الحزبين الديمقراطي والجمهوري. غير ان ترامب، ولأغراض انتخابية، تمكن فيما بعد من ايجاد تفاهمات تجارية مع الصين، كان لها بوضوح طابع الهدنة المؤقتة (وليس السلام).

فليس خافيا ان سياسة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، بقرب انتهاء دورة حكمه الاولى، اصبحت محكومة في المقام الأول بالحملة الانتخابية المقبلة، لذا فان الاتفاقات التجارية مع الصين كانت لتعفيه عن فرض رسوم اضافية على البضائع الصينية مما قد يؤثر سلبا على المستهلك الامريكي ويضعف تأييد الناخبين له. ولكن هذا كان قبل انتشار وباء فيروس الكورونا الذي أثر سلبا على اداء الاقتصاد الامريكي وكشف عجز ادارة ترامب عن مواجهة ازمة انتشار الوباء.

لذا لم يكن امام ترامب الا ان يلعب ورقة الفيروس الصيني، كما يسميه، ليحمل الصين تبعات ما جرى في بلاده متهما اياها بالتستر على انتشار الوباء في مراحله الاولى مما منح فيروس الكورونا فرصة الانتشار بسهولة خارج حدود الصين. ولو افترضنا انه لم يكن هنالك وباء فيروس الكورونا فان الاقتصاد الامريكي كان هو الورقة الرابحة لترامب، حيث أظهر السكان في بداية عام 2020 درجة عالية من الرضا عن الوضع الاقتصادي وسياسات ادارة ترامب في هذا المجال. يضاف الى ذلك فشل محاولة اقالة ترامب في كانون الثاني/يناير التي رفعت من حظوظ ترامب بالفوز في الدورة الانتخابية القادمة.

الآن تغير الوضع بشكل كبير. بعد ان وجه الوباء ضربة قاسية للاقتصاد الامريكي وأدى الى تدني شعبية ترامب مقارنة بمنافسه الديمقراطي جو بايدن. على اعتاب الانتخابات، أيقن ترامب أن "كل شيء كان على ما يرام حتى ظهور هذا الفيروس الصيني اللعين". لذا، لم يعد لدى ترامب أي سبب لتليين مواقفه من الصين. على العكس، من المفيد له الآن أن يثبت أنه لولا العدوى الصينية، لكان كل شيء رائعًا في الولايات المتحدة.

ولكن على ماذا يمكن لوم الصين؟ من الواضح أنه لا توجد دولة، بما في ذلك الصين، تريد أن تكشف عن أخطائها، التي يمكن ان تكون قد ارتكبت في المرحلة الأولى من تفشي المرض. ففي البداية كان من الصعب فهم حجمه، لذلك تصرف الصينيون كما لو كانوا امام عدوى عادية يسهل مكافحتها بالوسائل التقليدية المتوفرة، حتى أدركوا أنهم امام وباء جديد شديد الخطورة.

الا ان الاعلام الامريكي والموالي له لم يتوقف عند حدود اللوم عن خطأ يمكن تبريره، وتجاوز ذلك الى حد اتهام الصين بتصنيع الفيروس في مختبراتها البكتريولوجية في ووهان، وهي بالتالي تتحمل مسؤولية مباشرة عن ظهور هذا الوباء وانتشاره في ارجاء العالم، وتبعا لذلك فإنها، أي الصين، تتحمل المسؤولية كذلك عن كل الاضرار التي تسبب بها انتشار وباء فيروس الكورونا. ولكن هذه لم تكن سوى اتهامات مبنية على افتراضات لم يثبت صحتها، وهنا يتناسى مروجي هذه الاتهامات ان هنالك افتراضات أكثر واقعية تشير بأصابع الاتهام الى حلف الناتو وامريكا.

في مقال سابق كتبته عن وباء فيروس الكورونا، ونشر في صحيفة (المدى) اشرت الى وجود 11 مختبرا للابحاث البكتريولوجية على الاراضي الاوكرانية منتشرة في مناطق قريبة من روسيا تدار من قبل خبراء امريكان. وقد اشيع وقتها بأنها لمساعدة اوكرانيا في تطوير انتاجها الزراعي! وعند الاستفسار رسميا من قبل بعض النواب الاوكرانيين ومنظمات مجتمع مدني اوكرانية عن مهام هذه المختبرات والهدف من الابحاث التي تجرى فيها، أجابت وزارة الصحة الاوكرانية في رسالتين متعاقبتين احداها تناقض الاخرى.

في الرد الاول أكد وزير الصحة الاوكراني بانه " لا توجد على الاراضي الاوكرانية مختبرات بيولوجية امريكية"، ثم عاد الوزير في رده التالي ليعترف بوجود تلك المختبرات ولكنه أكد ان " المختبرات الأمريكية لا تقوم بأنشطة اقتصادية في أوكرانيا"! يمكن تجاوز الرد الاول مبررين ذلك بتسرع السيد الوزير او مكتبه بالرد دون علم منهم بوجود تلك المختبرات ولكن بعد ان تأكد من وجودها فما معنى ذكره للأنشطة "الاقتصادية"؟

بطبيعة الحال، لا تشارك المختبرات البيولوجية الأمريكية في أوكرانيا في "الأنشطة الاقتصادية" ومن تقدم بالاستفسار كان يعني بالتأكيد مشاركتها في انشطة اخرى، منها استخباراتية ومنها تطوير الأسلحة البكتريولوجية واختبار بعض الفيروسات الضارة في السلاف الأوكرانيين.

مثال اخر في نفس السياق من جورجيا. فقبل وقت طويل من تفشي فيروس الكورونا في ووهان الصينية، ساورت روسيا شكوكا بنشاط امريكي في تطوير الأسلحة البيولوجية على الاراضي الجورجية. فمنذ افتتاح المختبر البيولوجي الممول من الولايات المتحدة، والذي أطلق عليه اسم لوغار، تيمنا بالسناتور الامريكي ريتشارد لوغار وهو يقع بالقرب من العاصمة الجورجية تبليسي، أعربت الحكومة الروسية مرارا وتكرارا عن شكوكها بشأن أنشطة المختبر مؤكدة ان سبب قلقها هو أن واشنطن لا تكشف عن نوع البحوث التي تجريها بالقرب من الحدود الروسية. واتهم السفير الروسي لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ألكسندر لوكاشفيتش الامريكان صراحة بأنهم يستخدمون المختبر لإجراء تجارب طبية لخلق "طفرات فيروسية وتصنيع أسلحة بيولوجية".

ختاما، لابد من التأكيد على أنى لم أكن بصدد الدفاع عن الصين ولا شيطنة الانشطة البيولوجية الامريكية ولكن التأكيد على ان الشفافية في الانشطة الخاصة بالأبحاث العلمية المدنية هي السبيل للاطمئنان على مستقبل البشرية وضمان استقرار وديمومة تطورها الاقتصادي والاجتماعي، والبحث عن الحقيقة لن يكون بافتراضات وتكهنات تبتكر لتكون مطية لأغراض سياسية. ولا بأس هنا بالتذكير بالمثل القائل " ان كان بيتك من زجاج فلا ترمي الاخرين بالحجارة".

 

د. جاسم الصفار

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5052 المصادف: 2020-07-05 02:08:30