 آراء

رؤيه في واقع ملتبس

اياد الزهيريكثيراً ما تخدع الصوره المشاهد، ولا تعبر عن واقع، ومرد ذلك أما لزيغ ببصر الناظر، أو يرجع لطبيعة الصور التي عادتاً ما تنقل الظاهر من السطوح ولا تنفذ الى الأعماق، وهنا تكون ماهية الشيء المصَور وكينونته عصيه على المشاهده، الا أللهم أصحاب النظر الثاقب والعقل الراجح هم وحدهم من يغوصون الى أعماق الصوره ويستكشفون دلالاتها الحقيقيه، وهؤلاء قله .

أن ما يهمنا بالأمر هو المشهد الذي يمثل واقعنا الحالي، وهو واقع تطفو عليه الكثير من المظاهر التي لا تعبر عن واقعه الحقيقي، وأنما هي مظاهر مزيفه وخادعه تعبر عن أزدواجيه مقيته،وزروقه تختفي وراءها وجهاً شديد القبح .

قبل 2003م في زمن النظام الديكتاتوري تظاهر الكثير من الناس بوجه غير وجههم الحقيقي، وبألسنه لا تعبر عما في قلوبهم، بعضهم نفاقاً، وبعضهم أتقاءاً من قسوة النظام، وكان رصيد المنافقون هو الأكبر، وأما الصادقون فهم أقليه بالكاد حافظت على نفسها من جور النظام وأستبداده، وهذه النسبه هي من بصمت واقعنا منذ وفاة رسول هذه الأمه محمد (ص) وليومنا هذا، وهذا هو ماطبع مجتمعنا بصفة الأزدواجيه والزئبيقيه في مواقفه أزاء الأشخاص والأحداث، حتى أصبح التقلب بالمواقف من شيمنا، والأدهى أصبح فنً حَسُن الصنعه، بل يحسبه الكثير حذلقه سياسيه، وصاحبها ذو لباقه كلاميه منقطعة النظير. أن ما بعد 2003م تعتبر مرحله فاصله في تاريخ الشعب العراقي، ومنعطف مهم في حياته العامه والخاصه، والجميل فيها أُزيح الغبار عن كثير من المظاهر السلوكيه، وأصبحت الصوره ثلاثية الأبعاد بدل البُعد الواحد، ورُفع الخوف وبانت الكثير من الحقائق المفجعه التي تعبر عن الحقيقه المره لواقعنا الأليم، وهذا دائماً ما يذكرني لمقوله تنسب لنوري السعيد عندما سُئل عن عدم تنحيه عن السلطه، فقال لهم، أنني أقف على غطاء حفره لو رفعت قدمي لخرجت أرياح تزكم الأنوف. وقد حصل ما قاله الرجل الحكيم، وكان موفقاً في تشخيصه . بعد 2003م أُتيحت الفرصه للأحزاب السياسيه ذات العناوين الأسلاميه كغيرها من الأحزاب العلمانيه من قبل الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر لأن يساهموا بأدارة بلدهم، وأن الطاغيه قد ولى بلا رجعه وقد حان الوقت أن يحكم العراق أهله، طبعاً هذا الموقف يشبه موقف بريطانيا عندما أحتلت العراق 1914م، عندما قالت جئنا لكم محررين ولم نأتي محتلين، وهذا هو منطق كل المحتالين، أدعاءات قائمه على خداع الشعوب وتضليلها. أن ما أفرزته الأحداث أن هذه الأحزاب جميعها، بعلمانيها وأسلاميها قد فشلت فشلاً ذريعاً، وللحقيقه أيضاً هناك من عمل أيضاً على أفشالها، وأشير هنا للجانب الأمريكي وما تسلل للحكومه من البعثين والطائفين والساسه الكرد لأسباب ليس هنا محل ذكرها الآن. تعالت الأصوات في وسائل الأعلام وخاصه المأجوره منها، وردد وراءها الشارع أن السبب في فشل العمليه السياسيه وما ترشح عنها من نهب وسرقه هو الأحزاب الأسلاميه، وما تبع ذلك أن الدين لا يصلح للحكم ويجب فصل الدين عن الدوله، وهو المقصود في كل ذلك، وترك الأحزاب العلمانيه بكرديها وعربيها بعيده عن أضواء النقد في حين هي شريك رئيس بالحكم . عموماً الأسلام هو المقصود بالعمليه والوصول الى عقلية الجمهور وأقناعه بأن الأسلام فقد الصلاحيه وبات في حكم ال(أكسباير) . طبعاً هذا ليس تبريراً لأخطاء بل خطيئة الأحزاب الأسلاميه،أبداً، ولكن هنا أركز على عمل دوائر مراكز القرار وماذا تخطط الى تنفيذ أهدافها، وهي مراكز تقع مكاتبها ما وراء البحار . طبعاً هذا الأمر لا يخص العراق وحده وأنما فشلت هذه الأحزاب الأسلاميه في أقطار أخرى مثل السودان ومصر وبالسعوديه كذلك حكم يتذرع بمنهجه الأسلامي ولكن على الطريقه الوهابيه . السؤال المهم بالموضوع، هل هذه الأحزاب والحكومات التي رفعت شعار الأسلام، هي تعبير صادق عنه، أو هل هي كانت قادره على ترجمته بما ينبغي؟، ووضعت يدها على مقاصدهُ، أنا لا أعتقد ذلك، فقد أهتز الكثير عند تبؤه السلطه، وجعل ألبعض من الأسلام مبرر لشرعنة وجوده كالسعوديه مثلاُ، كما أن مجتمعنا بما يحمل من منظومه قيميه، وعادات وتقاليد هي أقرب للبداوه والعشائريه أكثر من الأسلام، وبالأضافه الى ماجاءنا من ثقافات وافده، عن طريق المحتلين القدامى والجدد،أدخلوا علينا سلوكيات وأفكار لا علاقه لها بالأسلام بتاتاً، وعلينا أن لا ننسى أن من حكم بلداننا، وما فرضته الحكومات المتواليه نماذح حكم لا تمت للأسلام بصله الا ماندر، منذ سقيفة بني ساعده مروراً بدولة بني أميه ذات الصفه الأمبراطوريه والتي أسست لمبدأ توارث الحكم، وهي بالحقيقه كانت أنقلاباً على الأسلام ومبادئه، وعوده لما قبل الأسلام وسياقاتها الجاهليه، وبالحقيقه كان معاويه الرجل الذي أنتقم بأنقلابه هذا على موروث محمد (ص) . فقد شوه الأسلام، وخرق مبادئه، وأدخل عليه أمور لا تمت له بصله، وقد قتل معاويه في حروبه الكثير من خيرة الصحابه، وقسم الأمه، وأثار الفوضى، وأستبد في حكمه، وقد حكم بني أميه 150م، وجاء بعدهم بني العباس والذين فعلوا الأفاعيل، وفي زمنهم كثرت الممل والنحل، ومزقوا الأمه شر ممزق، حتى قال الشاعر (والله ما فعلت بني أميه معشار ما فعلت بني العباس ) و فقد أستهتر خلفاء بني العباس أيما أستهتار من قتل وتشريد المعارضين لحكمهم، فقد جاءوا بشعار يالثارات ال محمد (ص)، ولكنهم أول ما قتلوا ال محمد (ص) وشردوهم وسجنوهم، وخير دليل سجن الأمام الكاظم (ع) حتى قتلوه مسموماً في سجنه، وقد عاش خلفاءهم بحياة مليئه بالمجون والرذيله والخلاعه، حتى قال فيه بشار بن البرد فيه ( خليفه يزني بعمٌاته يلعب بالدف وبالصولجان)، والتاريخ يذكر لنا ميوعة خلفاء بني العباس، الذي جعلهم يوكلون مهام الدوله الى مواليهم من الأتراك والفرس، وأن دخول هؤلاء الأقوام الى دهاليز السلطه،قد ساعد الى زيادة نفوذهم، وعملوا على جلب الكثير من أبناء بلدانهم، فأصاب التغير الدوله والمجتمع، وأصاب المجتمع ما أصابه من تغير ديمغرافي وثقافي، فقد حكموا الكثير من مناطق الدول العربيه لأكثر من 400م في دوله أبعد ما تكون عن الأسلام ومبادئه، لم يقف الحال عند ذلك فقد أستحوذ الأتراك على السلطه وحكموا نفس الشعوب التي حكمها العباسيون، وتاريخ الأتراك غني عن التعريف، فلم يتركوا للبلدان التي حكموها الا الجهل والفقر والمرض، وجاء الأحتلال البريطاني وما جلبه للبلد من ثقافه مغايره لا تمت لا لديننا ولا لثقافتنا بصله، أتممتها الأنقلابات العسكريه وما صاحبتها من عنف وقسوه، ومن أفكار قوميه شوفينيه، تميزت بالأقصاء وأضطهاد الأخر المختلف عن نهجها وأنتماءها، وما الحرس القومي في 1963م الا شاهد على حجم الجريمه التي أفتعلها البعثيون وما قاموا به من قتل وسحل في كل المدن العراقيه، وأخيراً وليس آخراً جاء البعث في أنقلاب 1968م، وما أحدثوه من تشويه للثقافه العراقيه وما أدخلوا من أساليب دمرت البنيه الأجتماعيه للمجتمع العراقي، حيث شجعوا الناس على كتابة التقارير الأستخباراتيه ذات الصبغه الكيديه والتي راح ضحيتها الآلآف من الأبرياء، ولم يكفوا فقد عن ذلك بل أشعلوا الحروب مع الجيران والذي كانت نتائجها وخيمه على المجتمع أقتصادياً وخلقياً وثقافياً . فقد وصل المجتمع العراقي في زمن البعث الى حالة التصدع والأنهيار، وما أصابه من التفكك في نسيجه الأجتماعي جعله في حاله توهان مرعبه، هذا داعيك عن الأحزاب العلمانيه وخاصه الحزب الشيوعي، وما أدخله من نسق فكري وثقافي بعيد كل البعُد عن ثقافة البلد التقليديه، بل كانت الكثير من مبادئه تصل الى التخاصم والتعارض مع الأسلام . كل ما ذكرنا،في هذه السلسله الطويله من حكومات وأفكار وثقافات ألقت بظلالها المعتمه على مجتمع لم يعيش مع الأسلام الا فترة 23 سنه، وهي فترة وجود النبي محمد (ص)، زائد فترة 5 سنوات وهي فترة حكم علي (ع) والتي كانت مليئه بالحرب عليه مما لم تتح له فرصة الأنشغال بتربية المجتمع وتنظيمه والعمل على بناءه . حقيقة الأمر علينا تصور حجم المأساة التي مرت على هذه الشعوب عامه وعلى الشعب العراقي خاصه، بيئه قاسيه، مظلمه، متوحشه، لم تستضيء بنور العلم، ولم تتاح لها فرصه أن تتشرب بروح المباديء الأسلاميه الأصيله . بهذه البيئه نشأ الفرد العراقي، وعالم الأجتماع (غوستاف لوبون) يقول (وأن الشعور الخلقي هو ملائمه لمقتضيات البيئه)، وهذا شيء قطعي بما للبيئه من أثر قوي على سلوك الأنسان وأخلاقه، هذا وقد أستمرت ظروف هذه البيئه الشاذه والظالمه عليه أكثر من ألف عام، وقبلها الجاهليه وما نحتته من أثار منحطه في نفسيته والتي لا يمكن ألغاء آثارها بفترة بعثة الرسول ال23 سنه وهي سنين ما كانت تخلوا من الحروب . أن هذه الحفنه من السنين القليله لا تشكل نسبه تذكر لأكثر من ألف سنه تقود مجتمعنا سنن وأعراف وقوانين وفكر وثقافه لا تمت للأسلام بصله، وعلم الأجتماع يقول أن العادات والتقاليد تترسخ حين يمارسها المجتع لمئات من السنين، ستكون معتقدات تستقر في عقله الباطن، وتكون هي من تقوده في مسيرة حياته، وهي من تصوغ سلوكه الأجتماعي، ومن تحدد أهدافه في الحياة . كما أن الشعوب التي تتعرض للغزوات الكثيره من قبل شعوب أخرى، وحتى ممن هي من جلدتها، تتعرض للأستلاب العقلي والأنقسام النفسي والعضوي فيما بينهم، وتمسخ الكثير من طباعه وأخلاقه، ومايصيبه من التجهيل،بسبب تعرضه لعمليات غسيل للأدمغه، وهذا ما نلمسه اليوم من قبل قنوات التلفزيون ذات الأجنده المعاديه من غسيل مخ للكثير من شبابنا، حتى حولوهم الى معاول يهدموا به مجتمعاتهم، ويتنكروا لحضارتهم . كل هذا جعل مجتمعنا بحله لا تمت للأسلام بصله، ولم يبقى له الا رسمه، في حين وعن قصد يلقي العلمانيون باللأئمه على الأسلام بأنه السبب فيما حصل لنا من مأساة، وتدهور لحياتنا بكل أبعادها وجوانبها الحياتيه، فتراهم ينعتون الأسلامين بالرجعيه والظلاميه، وفي المقابل ينعتهم الأسلاميون السلفيون بالكفره والمارقين، فترى الأنسان العراقي بكل جانبيه الأسلاميون والعلمانيون يتصفون بالتشدد والقسوه والتخاصم العنيف والتراشق بأقذع الألفاظ بينهم، وهذا بسبب ما عاشوه من بيئه أجتماعيه ذات فضاء يتسم بالصراع، ويسوده النفاق والرياء وتتخلله الكراهيه، وكل الأمراض النفسيه، وهي نتيجه طبيعيه لكل ما تقدم من ظروف شاذه مر بها الشعب العراقي عبر أجيال كثيره في واقع ثقافي وأجتماعي بائس، والذي لا ينتمي لقيم ديننا الحنيف، لأنه لم يتربى في كنفه، ولم يتخلق بأخلاقه طوال الفتره التي ذكرناها والتي تقارب ال1500 سنه،أبعدت بها الأمه عن روح الأسلام السمحه، من قيم العفو والتسامح والأخاء، وأن واقعنا قد ألبسناه ثوب الأسلام ظلماً وعدواناً، وأن حل المشكله المزمنه التي علقت بمجتمعنا لا تُحل بتراشق الألفاظ الجارحه، وأنما أولاً الأعتراف بواقع الخلل الحاصل في ثقافتنا، وأصلاح منظومتنا الأجتماعيه، وذلك بالرجوع الى قيم الأسلام الحقيقيه، كما من الخطأ الفاحش ألباس هذا الواقع الأجتماعي بأفراده وأحزابه ثوباً دينياً، ونعزوا ما يأتي من سلوكيات وعادات الى الأسلام، وقد بينا ضعف العلاقه، والرابطه بينه وبين قيم الأسلام الحقيقيه، وقد أشار الى ذلك عالم الأجتماع العراقي (علي الوردي) عندما وصف الشعب العراقي بأنه شعب غير متدين . والحقيقه أن واقعنا يحتاج الى ثوره حقيقيه تشمل بها أزاحة قيم وغرس أخرى، قيم الخير والتقدم والصلاح، وهذه هي القادره على بناء مجتمع منسجم ومتين وقادر على التحدي والبناء، وعلينا أن نفهم أن واقعنا الأجتماعي وبكل متناقضاته، وهشاشة متبنياته، قد ألبسناه ثوب الأسلام والأيمان بطريقه مزيفه خدعنا بها أنفسنا وسمحنا لغيرنا بخداعنا على أنه الأسلام الذي فعل مفاعيله بنا، وهو من أوصلنا الى حالة الوهن الذي فقدنا فيها أسباب النهوض، لكي يقول لنا أنا البديل، وأنا الغرب الذي تنتهي فيَّ الحضاره ويختتم بي التاريخ .

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5058 المصادف: 2020-07-11 02:29:56