 آراء

متى ولد مصطلح "إسلاميون" وما الفرق بين الإسلامي والمسلم؟

علاء اللاميفي القرن الثالث الهجري ابتكر الأشعري مصطلح "الإسلاميون"، فهل كان يعني ما يعنيه اليوم، وما الفرق بين الإسلامي و"المسلم"؟ مع رابط لتحميل كتاب الأشعري. يحاجج بعض الإسلاميين، وهم محقون شكلا، بهدف تأكيد قِدَم وأصالة مصطلح "الإسلاميون" ومشتقاته بأن مَن ابتكره واستعمله هو أبو الحسن الأشعرى، المولود بالبصرة في العراق سنة 260هـ = 874م، والمتوفى بها سنة 324هـ = 936م. وكلامهم صحيح بخصوص الابتكار اللغوي الاصطلاحي فقط، أما في المعنى فالأمر مختلف. كيف ذلك؟ في كتابه "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" لم يكن الأشعري يقصد بالإسلاميين ما يُقصد بهم اليوم كناشطين سياسيين دينيين يدعون لقيام دولة دينية إسلامية على طريقة "الخلافة الراشدة" سُنيا، أو على طريقة "ولاية الفقيه" شيعياً، بل كان يعني شيئا آخر، وفي التفصيل نقول: صحيح أن الأشعري أول من نحت واستعمل مصطلح "الإسلامي" بصيغة الجمع، وجعله في عنوان كتابه المهم "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، وصحيح أن هذا الاصطلاح قديم وأصيل في السردية الإسلامية وهو ناجح ورائج اليوم. ولكن محتواه المضموني حين ولادته في القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، يختلف كثيرا عنه الآن. فقد استعمله الأشعري عنوانا لكتابه " مقالات الإسلاميين" وكلمة "مقالات" هنا لا تعني جمع مقالة وهي النص المكتوب بطريقة معينة، بل يعني (كلَ ما قيل في مذاهب المسلمين وفرقهم وطوائفهم العديدة وتصنيفها وتعريفها وما قاله أهل المذاهب عن أنفسهم ومذاهبهم وعن غيرهم).

وبهذا الإنجاز التأليفي يمكن اعتبار الأشعري أول من أسس وكتب في علم تأريخ المذاهب والفرق الدينية وأوجد هذا التخصص في السردية العربية وربما العالمية، وأختلف مع من يعتبره مؤسس علم الأديان أو اللاهوت الإسلامي والثيولوجيا، فالعِلمان مختلفان تماما.

عُرف الأشعري بكونه أحد أعلام أهل السنة والجماعة، وإليه ينسب المذهب الأشعري، وهو مذهب سلفي وسطي معتدل، يرفض تكفير الآخر رفضا عقلانيا حاسما. كان الأشعري في أول حياته على مذهب الاعتزال، ثم تراجع وارتد عنه بعد ذلك، وتبرَّأ من الأقوال التي كان يقولها المعتزلة، من قبيل القول بخلق القرآن وأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتين وغير ذلك.

والأشاعرة هم جماعة من أهل السنة، لا يخالفون إجماع الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد). تعتبر الأشعرية منهجاً وسطاً بين دعاة العقل والمنطق وبين الجامدين عند حدود النص وظاهره، رغم أنهم قدموا النص على العقل، إلا أنهم جعلوا العقل مدخلاً في فهم النص. ويمكن اعتبار هذا المذهب هو المذهب الرسمي لمؤسسة الجامع الأزهر حاليا، وكان الأشاعرة قد تعرضوا للاضطهاد من قبل العثمانيين لأنهم يستعملون الجدل العقلي والمنطقي في محاججاتهم رغم أنهم سلفيون كالعثمانيين الذين كانوا على المذهب الحنفي رسميا وبالدرجة الأولى.

لقد جمع الأشعري في هذا الكتاب مذاهب جماعات المنتمين للإسلام كدين، وكذلك الاختلافات بين المصلين. ولكن لماذا المصلين؟ يجيب الشيخ د. أحمد الطيب شيخ الأزهر الحالي إن (كلمة مصلين مختارة بعناية، فالأشعري يقول "مَن صلى إلى قبلتنا فهو منا ولا نكفره". وهذه المقولة المهمة يناهضها الأصوليون التكفيريون، وبخاصة المنظمات الانتحارية منهم، لأنها تقطع عليهم طريق تكفير المسلمين من جميع الفرق والمذاهب، ومن هذا المبدأ الأشعري يأتي رفض مشيخة الجامع الأزهر تكفير كل من يسمي نفسه مسلما حتى لو كان سلفيا انتحاريا كالدواعش.

في كتابه "مقالات الإسلاميين"، قسم الأشعري الفرق الإسلامية إلى عشر فرق كبرى، وكل فرقة كبرى انقسمت إلى عدة فرق كل فرقة منها تكفر الأخرى. وقد تفطن الأشعري إلى أن أهل الفِرق "تعمدوا الكذب وإضافة الأقوال على أقوال ليست منها، بقصد التشنيع بعضهم على بعض". وهذا التشخيص يضيء لنا جوهر الصراعات الأيديولوجية المذهبية الحزبية في عصرنا، سواء كانت دينية أو غير دينية. وقد تصدى الأشعري للمعتزلة الذين كان منهم في بداية حياته وهم المحسوبون على التيار العقلاني في الفكر الإسلامي القديم، وناظرهم وشرح نقاط ضعفهم كما يراها، ولكنه لم يُكفِّرهم بل خرج من خلافته بموقف فكري شديد العقلانية والتسامح لخصه ببضع كلمات حاسمة حين قال (اختلف الناس بعد نبيهم على أشياء كثيرة، ضلل بعضهم بعضا - اتهموهم بالضلال -، وبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين وأحزابا متشتتين إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم).

ملاحظة أخيرة: يصادر بعض الدعاة والساسة الإسلاميين المعاصرين على المطلوب حين يعتبرون الإسلاميين هم المسلمون. وقد سمعت سياسيا إسلاميا من دولة عربية يقول قبل سنوات قليلة إن الصراع في هذه الانتخابات التشريعية هو بين المسلمين والعلمانيين! وهذا تزييف ومصادرة تكفيرية غير مباشرة، فليس جميع المسلمين إسلاميين سياسيا يوافقون على المشروع السياسي الإسلامي لهذا الحزب أو ذاك او لجميع الأحزاب الإسلامية، وإن المسلم ممكن أن يكون علمانيا أو إسلاميا من الناحية الأيديولوجية والسياسية، لأن الإسلاميين جزء من كل، والكل هو الشعب بمسلميه -إن كان مجتمعا مسلما - أو بمسلميه وغير مسلميه إذا كان مجتمعا تعدديا متنوعا دينيا. وأول من فرق بين المسلمين اسما وولادة وبين المسلمين المؤمنين عقيدة واقتناعا هو القرآن ذاته في الآية (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ / الحجرات 14). وهذا التفريق القرآني بحد ذاته يوسع دائرة الاعتدال والتسامح ويضيق دائرة التشدد والتكفير والتعصب.

 

علاء اللامي

........................

* رابط لتحميل كتاب "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري:

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%84%D9%8A%D9%86-%D8%AA-%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%B1-pdf?fbclid=IwAR203m91LhHYxvT8I6W13Uxf94IgqJ-jFqxYzZvEO_MRB7dyaKYhvLu9FdI

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5071 المصادف: 2020-07-24 03:14:41