 آراء

زواج عتريس من فؤاده باطل = حكومة الوفاق الليبية

محمود محمد علي"زواج عتريس من فؤاده باطل"... هذه جملة درامية مشهورة من الفيلم المصري " شيء من الخوف"، الذي تم إنتاجه عام 1969م، والذي قام بإخراجه حسين كمال، وتمثيل الراحلة شادية والراحل محمود مرسي ويحيى شاهين ومحمد توفيق.. وكوكبة أخري من الفنانين.. الفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب الكبير ثروت أباظة.

قصة الفيلم باختصار تدور بقرية؛ حيث يفرض عتريس (محمود مرسي) سلطته على أهالي القرية ويفرض عليهم الإتاوات ويذيق أهل قريته أشد أنواع الظلم والقهر، حتى أنه عمد إلى قطع المياه عن مزروعاتهم، وجعلهم يتسولون رغيف الخبز، ولم تنجوا من ساديته حتى فؤاده (شادية) التي أحبها في عهد الطفولة واقترن بها عنوة وكانت الشرارة التي أحرقت عتريس وعرينه هو قتله محمود ابن الشيخ ابراهيم (يحيى شاهين) لتخرج الجماهير حامله نعش القتيل يتقدمها الشيخ ابراهيم هاتفا بأعلى صوته زواج عتريس من فؤائده باطل وليتردد الصدى من جميع اهل القرية باطل، باطل، باطل، ويردد كل أهل القرية وراء الشيخ إبراهيم ويتوجهون لمنزل عتريس الذي لا يستطيع مقاومة كل أهل القرية مجتمعين فيحرق أهل القرية منزل عتريس وهو بداخلها وتكون هذه نهاية عتريس جزاءً لأفعاله ..

سبحان الله المشهد لا يبتعد كثيراً.. ومحطات التاريخ تبقى دوماً مليئة بالدروس التى حين نطالع بعضها نجد أوقاتاً كثيرة أنها نسخ كربونية تقريباً، ما كان اليوم كانت صورته بالأمس.. الفيلم به الكثير من الرمزية، فعتريس يرمز للحاكم الديكتاتور وأقصد به "فايز السراج"، رئيس حكومة الوفاق الليبية، وأهل القرية يرمزون للشعب الليبي الذي يقع تحت وطأة الطاغية.. فؤاده ترمز لليبيا التي لا يستطيع الدكتاتور أردوغان أن يهنأ بها... وعبارة "جواز عتريس من فؤاده باطل" ستظل أيقونة من أيقونات السينما المصرية والتي تترد دائما علي ألسنة العامة لما تحويه من رمزية الكفاح ضد كل طاغية يحكم بلد ما بالعنف والإجبار.

القصة بدأت من عام 2015 من خلال ما يسمي باتفاق الصخيرات، وهو اتفاق يشمل أطراف الصراع في ليبيا والذي تم توقيعه في مدينة الصخيرات المغربية ؛ حيث بدأت معظم الأطراف الموقعة عليه العمل به منذ أبريل 2016م، وهو يسعي إلي إنهاء الانقسام والعنف الذي تشهده ليبيا من صراعات وانقسامات بسبب ثورات الربيع العربي التي أنهت حكم القذافي لتسقط بعدها ليبيا في مستنقع الدولة الفاشلة، وهنا جاء اتفاق الصغيرات كما كنا نعتقد بأن يتصدى لانتشار المليشيات المتطرفة – الداعشية، كما جاء أيضا ليمهد لمرحلة انتقالية مدتها عامان تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية ..

من أهم بنود اتفاق الصخيرات الليبي: منح صلاحيات تنفيذية لمجلس رئاسة حكومة الوفاق الوطني والذي يترأسها فايز السراج وتكون من صلاحياته أيضا قيادة الجيش والقوات المسلحة .. هذه الحكومة بدلاً من أن تلبي رغبات الشعب الليبي نحو عودة الدولة الليبية إلي ما كانت عليه، لجأت إلي إبرام اتفاق عسكري مع أنقره، وهو اتفاق يهدد الاستقرار الإقليمي، وحتي من الناحية الجغرافية، فإن هذا الإتفاق مناف للمنطق وفق الليبيين ؛ حيث يدعو هذا الاتفاق إلي دعم إنشاء قوة استجابة سريعة لنقل الخبرات والتدريب من الجانب التركي، وعند الطلب يتم إنشاء مكتب مشترك في ليبيا للتعاون في مجالات الأمن والدفاع، وتقديم خبرات تدريبية واستشارية تتعلق بالتخطيط العسكري، واستخدام أنشطة التعليم والتدريب والأسلحة في مجال القوات البرية والبحرية والجوية، والمشاركة في التدريبات العسكرية أو المناورات المشتركة .

علاوة علي أن هذا الاتفاق كشف لنا بما لا يداع مجالاً للشك النية المبيتة لإسقاط الدولة الليبية’ ؛ خاصة وأن أطماع أردوغان فى ثروات ليبيا والسيطرة على شرق المتوسط، ووضع أقدامه فى شمال إفريقيا، جاءت وفق خطة محكمة، بدأ الترتيب لها منذ 2011 وليست وليدة الاتفاقية التى وقعتها حكومة الوفاق الليبى برئاسة «فايز السراج»، والمتعلقة بالتعاون الأمنى والبحرى..

ولذلك نجد أن قرار التدخل العسكرى فى ليبيا الذى أيده البرلمان التركى في العام الماضي استجابة لطلب من حكومة رئيس الوزراء الليبى فايز السراج، كان آخر مغامرات «العثمانى الجديد»، فالأزمات التى تلاحقه والضغوط التى يتعرض لها فى الداخل والخارج دفعته للهروب إلى الصحراء الليبية .

إن أردوغان يريد تحويل الغرب الليبى لمنطقة تركية تبدأ بانتشار القوات التركية، ثم اعلان الانفصال عن الجسد الليبى، تماما، مثلما حدث فى قبرص، عندما اقتطعت تركيا جزءًا وحولتها إلى منطقة تابعة لأنقرة، فى «شرق المتوسط» تحت زعم حماية المواطنين القبارصة المنحدرين من أصول تركية، وذلك عام 1974.

ولذلك  قرر أردوغان،  استنساخ سيناريو استقطاع ثلث الأراضى القبرصية، لتطبيقه فى ليبيا، واستقطاع الغرب وضمه لتركيا،، حيث استغل الضعف الشديد حكومة الوفاق الليبية، وهو الأمر الخطير الذى سيمزق ليبيا، ويحولها إلى كانتونات،  وذلك بتمزيق النسيج الاجتماعى الليبى، من خلال إعلاء شأن النعرات العرقية فى مدن «مصراتة وزليتن والزاوية»، وبالفعل تم تأسيس جمعيات فى هذه المدن، تستحضر الموروث العثمانى، بالادعاء أن هناك قبائل يعود نسبها للعثمانيين، مثلما كانوا يرددون فى مصر، بأن هناك عائلات لديها «عرق» تركى، ممتد.

سبحان الله، التاريخ يعيد نفسه.. فما لجأ إليه فايز السراج- ابن طرابلس (ذو الأصول التركية)- عام 2020 هو نفس ما لجأ إليه أجداده الليبيين (ذي الأصول التركية أيضا) وذلك  عام 1835.. أى استدعاء الجيش العثمانى ليحكم ليبيا!!.. كيف حدث ذلك وارتكب أجداد فايز السراج نفس الجريمة مرتين؟!....

إن التاريخ يحدثنا أن ليبيا انضمت  إلى الدولة العثمانية عام 1520 إلى أن انفردت أسرة "القره مانلى" بحكم ليبيا، بالذات فى طرابلس، من عام 1711 إلى 1745، وطلبت طرابلس دعمًا عثمانيًا من السلطان، وبذلك عادت السيطرة العثمانية إلى ليبيا عام 1835، أى برغبة وطلب طرابلس!!.

ولم يتوقف الطرابلسيون عند هذا الطلب.. إذ أرسلوا وفودًا إلى استانبول لدعوة «الخليفة العثمانى» لاستلام حكم ليبيا بعد تدهور البيت الحاكم القره مانلى على يد آخر ولاته يوسف باشا.. ويكاد هذا السيناريو القديم يتكرر هذه الأيام من زيارة السراج إلى تركيا وتوقيعه معه هذا الاتفاق المشؤوم.. إذ بهذين الطلبين القديم والجديد جاء العثمانيون إلى طرابلس برغبة أهلها.. وهكذا تقف ليبيا الآن فى مفترق الطرق .

إذن خطة أردوغان، ليس إنقاذ فايز السراج، ولا السيطرة على ثروات ليبيا النفطية، ولا فرض أمر واقع فى منطقة شرق المتوسط، فحسب، وإنما اقتطاع الغرب الليبى كله لضمه إلى ولاية تركيا، ومن ثم عدم الخروج من ليبيا نهائيا، باعتبارها أرضًا تركية خالصة، تخص مليون مواطن يعود نسبهم للأتراك.

ولتنفيذ هذه المهمة قام بمخالفة صريحة وواضحة لقمة برلين الخاصة بليبيا وقام بإرسال عتاد وصواريخ، وطائرات مسيَّرة بحراسة من البحرية التركية... كما نقل مرتزقة من كينيا والنيجر وسوريا إلى ليبيا للقتال بجانب قوات السراج.. كما أرسل 40 مهندساً لإنشاء أبراج اتصالات لتأسيس قاعدة عسكرية فى طرابلس.. وهلم جرا...

ولهذا السبب أصبح أردوغان لا يهددنا فقط من الحدود الغربية، ولكن يهددنا أيضا من الحدود الشمالية، حينما وقع مذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق والميليشيات فى طرابلس يعتقد أنها تعطيه الحق فى الحصول على جزء من ثروة الغاز فى شرق البحر المتوسط؛  وما يهم مصر الآن في المقام الأول ألا تصل القوات التركية إلى شرق ليبيا، لأن ذلك يعنى تهديداً مباشراً للأمن القومى المصري، أي يصل التهديد التركى إلى أرض مصر مباشرة.

وهنا وجه الرئيس عبد الفتاح السيسى رسائل قوية وحاسمة إلى الأطراف المعتدية على سلامة ليبيا وخاصة الميليشيات المسلحة والمرتزقة المنتشرين في البلاد، وأوضح الرئيس أن مصر تكن كل الاحترام والتقدير لليبيا ولم تتدخل يوما في شؤونها الداخلية ومستعدة لتقديم الدعم من أجل استقرارها.

وأكد الرئيس السيسى أن سرت والجفرة خط أحمر، ولن يدافع عن ليبيا إلا أهل ليبيا واستعداد مصر لدعمها، مضيفا: "ليبيا دولة عظيمة وشعبها مناضل ومكافح، بنقول الخط اللى وصلت إليه القوات الحالية، سواء من جانب المنطقة الشرقية أو الغربية كلهم أبناء ليبيا ونتكلم مع الشعب الليبي"... وللحديث بقية في قابل الأيام...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........................

المراجع

1- عماد الدين أديب :أردوغان: بطل العالم فى المصادمات والمغامرات! .. (مقال)

2- عباس الطرابيلى :  ليبيا.. بين سلطانين! .. (مقال)

3- محمد سعد عبد الحفيظ : مغامرة أردوغان فى المستنقع الليبي.. (مقال)

4- خالد العاني: هل ( فقط ) زواج عتريس من فؤاده باطل ؟؟؟ .. (مقال)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5084 المصادف: 2020-08-06 03:14:31