 آراء

انفجار بيروت.. من المسؤول عن الكارثة: حزب الله أم إسرائيل؟

محمود محمد عليبيروت مدينة منكوبة.. هكذا اختصر محافظ العاصمة " مرون عبود" هول المشهد وقوة الصدمة مما خلفه الانفجار الهائل من دمار وضحايا.. بلداً يكافح للتغلب علي أزمة اقتصادية خانقة.. أثرت بشكل عميق علي حياة المواطنين.. تضاف لها خلافات الأحزاب السياسية والمطالب الشعبية بالتغيير الجذري.. رئيس الحكومة "حسان دياب" توعد المسؤولين عن الكارثة بالحساب والعقاب.. لجنة باشرت تحقيقاتها وهي مطالبة بتقديم النتائج خلال خمسة أيام.. فمن المسؤول عن بقاء هذا الكم الهائل من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت لمدة ست سنوات؟.. حزب الله أم إسرائيل؟.

بعض المحللين عجل بالإجابة فألقي بالتهمة علي حزب الله.. ووجدنا أغلب القنوات الفضائية المعارضة للنظام اللبناني وحزب الله تؤكد ذلك، حيث قامت "قناة أورينت" بإعداد برنامج بعنوان: الانفجار الكبير: بيروت تحت الصدمة وحزب الله في قفص الاتهام.. في هذا البرنامج قام المذيع يصرخ بأعلي صوته فيقول: الكلمات تعجز عن الوصف وما شهدته بيروت يوم الثلاثاء الموافق الرابع من أغسطس الجاري 2020 م لم يشهده العالم منذ قنبلة هيروشيما.. وبعد هذه الفجيعة ليس كما قبلها.. وما ذرعه اللبنانيون بسكوتهم علي عهد الفساد وحكم الميليشيات يحصدونه اليوم بالخراب والدمار، والمآسي، والمصائب.. الكلمات تعجز عن الوصف.. ولحظات الموت التي عاشها لبنان الأسبوع الماضي أشبه بالنهايات.. ولو أن في رؤوس حكامه ذرة من كرامة لاستقالوا.. وحتي الاستقالة لم تعد تنفع.. وما ينفع اليوم هو المحاكمات من رأس الهرم إلي أصغر مسؤول في البلاد.. الكلمات تعجز عن الوصف ولم يعد هناك فجائع أكثر هولاً مما حصل وبوجود سلطة غبية مجرمة.. تغاضت عن هذا المخزون الخطير من المتفجرات وثبت فشلها، وانكشفت تبعيتها.. صار واجباً وضع لبنان تحت الرعاية الأممية.. الكلمات تعجز عن الوصف وبعد جريمة المرفأ ليس كما قبلها.. وعلي اللبنانيون ألا يقبلوا بأن يكون خصمهم هو الحكم، وهم يعرفونه أن حاميهم حراميهم، وهو أصلاً لم يحمهم يوماً، ويعرفون أن هذا النظام، أو كما يسمي نفسه العهد.. تستحيل معه المحاسبة.. وأنه لا ثقة في رجال تحقيق محلية.. وأن عليهم ألا يقبلوا إلا برجال تحقيق دولية.. الكلمات تعجز عن الوصف.. وبعد هذه الفاجعة والجريمة ليس كما قبلها.. وإن سكت اللبنانيون فلينتظروا المزيد.. فما الذي حصل في مرفأ بيروت الأسبوع الماضي؟.. وهل سيصل لبنان إلي معرفة أصحاب المواد المتفجرة؟.. أليس من السذاجة والغباء الاعتقاد بأن لبنان سيصل إلي نتيجة ومعرفة من هو صاحب المتفجرات؟.. أليس العهد وشركاءه: هم أصحابها؟.. ولن يعترفوا بفعلتهم ولذلك يجب المطالبة بتحقيق دولي؟.. لماذا أهمل قاضي الأمور المستعجلة المطالب المتكررة التي تؤكد علي وجوب نقل كميات من نترات الأمونيوم من مرفأ بيروت نظراً لخطورتها؟.. هل تعنت من نفسه هذا القاضي أم أن هناك من يقف وراءها؟.. ألا يجب علي اللبنانيين أن يرفصوا أي تحقيقات محلية؟.. وهل يوجد أصلاً قضاء حر ومستقل في لبنان المختطف من حزب الله؟.. هل من أحد يجهل أن مرافئ لبنان البحرية والجوية تخضع لسيطرة لحزب الله؟.. ما الذي ينتظره اللبنانيون كي يقتلعوا عصابات الفساد القابعين في قصورهم؟.. ألا يجب علي اللبنانيين أن يطردوا وجوه الفساد ويسقطوهم ويحاكموهم؟.. هل تزامن الانفجار الكيميائي مع إصدار حكم المحكمة الدولية وتسمية قتلة رفيق الحريري بريئاً؟.. لماذا يصر بعضهم علي وجود طائرات أثناء الانفجار؟.. وهل صحيح أن ما حصل هو استهداف لمخبئ صواريخ في المرفأ؟.. هل من رابط بين واضع اليد علي مرفأ بيروت وأطنان المواد المتفجرة ومنفذ التفجير؟.. هل هناك أحد يجهل من يدير مرفأ لبنان ومطار لبنان ومرافق لبنان؟.. لماذا يتم تخزين المتفجرات بين بيوت اللبنانيين؟.. وهل يصدق اللبنانيون من وعدهم لكشف حقيقة ما جري؟...

هذا هو جزء من تفاصيل البرنامج الذي كما قلت أعدته قناة أورينت، وأعلم يقيناً أنه حتي كتابة لحظة كتابة هذا المقال لا توجد إجابات قاطعة علي هذه الأٍسئلة الأساسية المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت الرهيب.. ما هي هذه الأسئلة الأساسية؟.. كيف وقعت الانفجارات؟.. ومن يقف وراءها؟.. وما هي دوافعه؟..

إن محاولة الإجابة علي هذه الأسئلة حتي هذه اللحظة في اعتقادي ليست مجرد تكهنات، بيد أن بعض هذه التكهنات ربما يكون مبنياً علي تحليل منطقي.. والبعض الآخر مبني علي إما علي محايدات أوانحيازيات مسبقة، وما هي أكثر هذه التحليلات شيوعاً..

هناك ثلاث تكهنات كما قال المحلل المصري الكبير سيد جبيل: الأولي: هذه الانفجارات ناتجة عن إهمال جسيم جداً من جانب السلطات اللبنانية المسؤولة، والتي سمحت بتخزين حوالي 2700 طن من مادة نيترات الأمونيوم في مخازن مرفأ بيروت، ولمدة سبع سنوات من 2014 وهي مادة قابلة للاشتعال بدون تدخل بشري إن توافرت عوامل معينة.. الثانية: إن هذه الانفجارات ناتجة عن عمل تخريبي من جانب حزب الله بهدف التشويش علي المحكمة الدولية المُشملة للتحقيق في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق "رفيق الحريري"، والذي قد اغتيل في فبراير في عام 2005 م، والتي من المنتظر أن تعلن نتائج ما توصلت إليه في خلال تلك الأيام القليلة المقبلة... الثالث: إن هذه الانفجارات ناتجة عن عمل إسرائيلي.

من البديهي أن التحقيقات الدقيقة هي فقط التي سوف تكشف لنا السبب الحقيقي لما جري يوم الرابع من أغسطس 2020م.. لكن بما أننا في معرض التحليل، فالمدخل السليم لمحاولة فهم ما جري في انفجار مرفأ لبنان، وأن نسأل من المستفيد من تفجير هذا المرفأ؟ .

في تقديري المحلل "سيد جبيل" فإن الإشارة نحو اتهام حزب الله متهافت إلي حد كبير، ويقع في إطار المكايدات السياسية علي الساحة الدولية، لكن حزب الله ليس في حاجة للتشويش علي مقررات المحكمة لأكثر من سبب.. السبب الأول: إن حزب الله منذ اللحظة الأولي التي تشكلت في هذه المحكمة، وهو لا يعترف بها، ورفض التعاون معها، واتهمها بأنها مسيسة، وبالتالي فإنه لن يعترف بأي نتيجة سوف تعلنها هذه المحكمة... ثانياً: فإن عمل مثل هذا لم يمنع المحكمة من إعلان ما توصلت إليه خلال الأيام المقبلة كما قلت، بل إنه سوف يزيد الطين بلة.. ثالثاً: لو أراد حزب الله التشويش علي نتائج المحكمة كما يقول البعض، فإن الأجدر به أن يحاول التشويش عليها من خلال افتعال مواجهة عسكرية مثلاً علي الحدود مع إسرائيل فإن من شأن هذه العملية أن تذكر اللبنانيين بدوره الحتمي كجماعة مقاومة لا أن يقوم بعملية تؤكد أو تعطي انطباعاً لدي قطاع كبير من اللبنانيين أنهم جماعة إرهابية وليست جماعة مقاومة.

إذن من المستفيد؟.. في تقدير سيد جبيل وأنا أؤيده في ذلك، فإن المستفيد الأول والأخير، هي إسرائيل وليس أي طرف في لبنان... وماذا تستفيد إسرائيل؟؟.. تستفيد إسرائيل كل شئ وفي كل الأحوال.. أولاً: تستفيد إن كان العمل ناتج عن إهمال.. أو قام به حزب الله، أو أُتهم فيها حزب الله.. وتستفيد إذا أثبتت التحقيقات أن تفجيرات بيروت ناتجة عن إهمال.. فمن البديهي أن أصابع الاتهام سوف تشير إلي حزب الله باعتباره عنصر أساسي في الحكومة الحالية أو الراعي الأساسي للحكومة الحالية وعنصر أساسي مؤثر جداً في كل الحكومات التي تعاقبت في لبنان لسنوات طويلة... ثانياً: إذا استقر في أذهان اللبنانيين أن هذا الانفجار ناتج عن عملية عسكرية إسرائيلية، سوف تكون موجهة إلي حزب الله العدو الأساسي إسرائيل في لبنان، ومن ثم فإن هذا سوف يعزز قناعة قطاع كبير من اللبنانيين والذي يعتبر أن سياسات حزب الله تمثل عبئ عليهم وتكبدهم خسائر نتيجة إصراره علي جهادة ضد إسرائيل من غير وجود مساعدين له.. أما إذا استقر في أذهان اللبنانيين أن هذه العملية من تخطيط حزب الله، فبديهي أن هذا سوف يسيئ جداً إلي حزب الله ويعزز موقف إسرائيل.

دعونا ندرس كل تلك التكهنات، ونحاول أن نفهم تفجير مرفأ بيروت في إطار أوسع من خلال كل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط .. عندما ننظر لكل ما يجري في المنطقة، نجد أن إسرائيل تسابق الزمن لضرب النفوذ الإيراني وحلفائهم بما فيهم حزب الله، وتقليم أظافر لبنان وحلفائها في أسرع وقت ممكن قبل نهاية 2020 م..

وهنا نتساءل: ولماذا قبل 2020 بالذات؟... إن إسرائيل تسعي حثيثاً كما يقول "سيد جبيل" لتكثيف كل عملياتها لضرب إيران، وكل الجماعات الموالية والحليفة لها في سوريا، والعراق، واليمن، ولبنان ليست استثناءً.. ومنذ نهاية يونيو الماضي تشهد إيران في عمقها الداخلي، عمليات تخريبية وإسرائيل هي المتهم الأساسي..

كما نتساءل أيضاً مع سيد جبيل: لماذا إسرائيل تسعي لإنجاز هذا العمل في إضعاف إيران وخلفائها في أسرع وقت قبل نهاية العام الحالي؟.. وذلك لأنها تدرك أن عام 2021 علي الأرجح سوف يكون العام الذي تجلس فيه الولايات المتحدة علي مائدة المفاوضات مع إيران؟.. لماذا؟ لأننا في بداية 2021 سنكون أمام اختيارين لا ثالث لهما.. الاختيار الأول: وهو أنه ربما يخسر الرئيس "ترامب" الانتخابات ويصل منافسه الديمقراطي " جون بايدن"... والاحتمال الثاني: وهو أن يحتفظ الرئيس الحالي ترامب بولاية ثانية، ويصل إلي البيت الأبيض ويحكم أمريكا في الأربع سنوات المقبلة .

هنا يكون السيناريو في حالة وصول "جون بايدن" إلي البيت الأبيض، فإن موقفه المعلن هو تخفيف العقوبات المفروضة علي إيران وإعادة التفاوض معها مرة أخري وإحياء الاتفاق النووي الذي وقعته الولايات المتحدة مع خمس دول أخري مع إيران.. ومن ثم في كل الأحول فإن "جون بايدن" سوف يجلس علي مائدة المفاوضات مع إيران.. وهنا تستعد في العمل علي نجاح هذا السيناريو، وذلك بأن تجعل نتائج المفاوضات تكون بأقل ضرر ممكن قد يصيبها، ولكي تستبق إسرائيل نتائج تلك المفاوضات، فإنها تريد أن تكتسب نجاحات سريعة علي الأرض، وهذا باختصار شديد يكون من خلال إضعاف إيران بأكبر قدر ممكن، بحيث أنها حين تحين ساعة جلوسها مع المفاوضات مع إيران، فإنها تكون غير خاسرة، ولذلك من مصلحة إسرائيل الآن في أن تبادر بضربة استباقية سريعة وخاطفة، وذلك من خلال تقليص نفوذ حزب الله والذي يمثل شوكة في عنق إسرائيل..

أما ماذا لو تم الخيار الثاني.. وهو لو احتفظ ترامب بالرئاسة؟.. أيضا من المرجح أن ترامب سوف يجلس علي مائدة المفاوضات مع إيران لأكثر من سبب كما يقول سيد جبيل.. السبب الأول وهو خيار غير مطروح، وهو أنه يدين كل تصرفات الرؤساء السابقين الذين تعاملوا مع إيران؛ وبالذات أوباما، علاوة علي أنه يسعي لجمع الأموال، ومن ثم فهو يريد من إيران ألا ينجر إلي حربا يجعل أمريكا طرف كما فعل الرؤساء الأمريكيين السابقين.. ولكي يفرض شروطه علي إيران لا بد أن تكون إيران في وضع ضعيف، وهذا ما يمكن أن يسمح به ترامب لإسرائيل في إعطائها الدور الأخضر في أنها تشن عمليات عسكرية ضد إيران في كل مكان بهدف إضعاف إيران، بحيث عندما تجلس إيران علي مائدة المفاوضات تكون إيران منهكة وضعيفة... وفي النهاية يفرض عليها ما يشاء.. وهذا يكون في صالح إسرائيل .

ولهذا فإن إضعاف إيران لا يكون إلا من خلال واحدة، وهي لا بد من ضرب حزب الله في بلده، وبهذا يخسر "حسن نصر الله" الحاضنة اللبنانية التي يعول عليها.. هناك سبب آخر مهم وضروري ربما يجبر ترامب علي نحو ضروري في أن يتفاوض مع إيران في أقرب وقت ممكن، وهو الاتجاه الإيراني بالتوجه شرقاً من خلال الاتفاق مع الصين في ضخ أنابيب الغاز والنفط إلي بكين، والذي بموجبه الصين تستفيد من هذا الاتفاق بأكثر 400 مليار دولار من إيران فقط... في مقابل أن تضمن إيران تدفق الغاز والنفط إلي الصين، ومن ثم يزداد وينتعش الاقتصاد الإيراني، وهذا اتفاق خطير بكل المعاني علي الولايات المتحدة.. لكنه سوف يعني تخفيف العقوبات الأمريكية علي إيران، ومن ثم فإن إيران لن تلقي بالاً للعقوبات الأمريكية.. والأخطر من ذلك أنه سوف يسمح للصين بالتسلل بنفوذها إلي قلب الشرق الأوسط، وهو أمر خطير جداً بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.. إذن الأفضل لترامب هو أن يجلس في أسرع وقت ممكن في التفاوض مع إيران في حال لو نجح ترامب في المرحلة الثانية.. لهذا إسرائيل كما نعلم من خلال سيناريوهات وقع هذه المفاوضات تحاول أن تستبق هذه المفاوضات؛ وذلك من خلال إضعاف إيران، وإضعاف حزب الله.. ومن ثم فإن الهاجس الذي يسيطر علي ترامب في حالة فوزه في المرة الثانية، وهي أنه لا يخضع لضغوط أعدائه، ولا حلفائه، لكونه لن يترشح لمرة ثالثة.. وهو المطلوب إثباته!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

....................

المراجع:

1- قناة روسيا اليوم: انفجار بيروت.. من المسؤول عن الكارثة؟ (فيديو)..

2-قناة أورينت: الانفجار الكبير: بيروت تحت الصدمة وحزب الله في قفص الاتهام | تفاصيل..(فيديو)..

3- سيد جبيل: ماذا يحدث في بيروت؟... (فيديو)..

4- حمود أبو طالب: استخدام مادة نترات الأمونيوم مرتبط بحزب الله بحسب وقائع سابقة مثبتة.. مقال بصحيفة عكاظ السعودية.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5087 المصادف: 2020-08-09 02:21:53