 آراء

من يحسم صراع ترسيم الحدود البحرية بشرق المتوسط: مصر أم تركيا أم اليونان؟!

محمود محمد عليفي خطوة ستشكل صفعة للرئيس التركي " رجب طيب أردوغان"، وقعت مصر واليونان اتفاقية لترسيم الحدود البحرية  بينهما.. وتضاف هذه الاتفاقية إلي اتفاقية وقعت بين بين اليونان وإيطاليا في يونيو الماضي بشأن المناطق الاقتصادية الخالصة.. توقيع الاتفاقية جاء خلال زيارة وزير الخارجية اليوناني للقاهرة، وقد أكد وزير الخارجية المصري" سامح شكري"، أن الاتفاق ستمنح مصر واليونان فرضة للاستفادة من الثروات النفطية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما في المتوسط .

علاوة علي أن هذه الاتفاقيات تأتي وسط أطماع تركية معلنة في شرق المتوسط، وذلك بعد توقيع أنقرة اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق في ليبيا، أجمعت كل الأطراف الليبية والخارجية علي عدم قانونيته، وذلك في وقت شدد نظيره اليوناني علي عدم شرعية الاتفاقية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق في ليبيا، وعدم استنادها لأي أسس قانونية.. فهل تردع هذه الاتفاقيات الأطماع التركية في شرق المتوسط؟

وللإجابة عن هذ السؤال نقول: تركيا لا تتوقف عن أعمالها الاستفزازية وعن تعديها عن حقوق دول أخري في المتوسط، وأحدث الخطوات في هذا الشأن إعلان أنقرة عن استئناف عمليات التنقيب في شرق المتوسط .. هذه التصرفات دفعت اليونان إلي التلويح باللجوء إلي محكمة العدل الدولية، وحتي عندما تبدو الدول؛ مثل مصر واليونان، فهنا محاولة إعادة الاستقرار في تلك المنطقة من خلال اتفاقيات تبدي أنقرة اعتراضها علي الاتفاقية، حتي وإن لم تقرأ تفاصيلها كما قالت الخارجية المصرية .. كل تلك الأوراق المتداخلة هي مقدمة لتصعيد تركي جديد في مياه المتوسط .

كما أن أنقره تخلق المزيد من أجواء التوتر في المنطقة .. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن أن بلاده استأنفت التنقيب في شرق المتوسط .. ولم يكتف أردوغان،  بذلك بل اتهم اليونان بعدم الإلتزام بتعهداتها المتعلقة بالتنقيب عن موار الطاقة .

موقف أردوغان جاء بعد ساعات من توقيع الاتفاق المصري اليوناني لترسيم الحدود البحرية.. بدوره صعد رئيس الوزراء اليوناني "كرياكوس ميتسوتاكيس" من لهجته تجاه أنقرة .. مؤكداً استعداد بلاده  للجوء إلي محكمة العدل الدولية في "لاهاي" بشأن مسألة ترسيم حدود المناطق البحرية مع تركيا.. كرياكوس ميتسوتاكيس رفض سياسة الابتزاز التركي لبلاده من أجل الدخول في أي عملية تفاوض، معتبراً أن أنقرة تهدد حقوق اليونان السيادية بإشارة إلي إصرار تركيا عن التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية اليونانية .

استفزازات تركيا لليونان لم تقف عند الشق البحري، فقبل عدة أسابيع قامت ثماني طائرات عسكرية تركية بتنفيذ ما مجموعة 33 انتهاكاً للمجال الجوية – اليوناني خلال يوم واحد فقط، مما دفع الطائرات اليونانية لمطاردتها وفق قواعد الاشتباكات الدولية .

التوتر التركي – اليوناني بات يتصاعد يوما تل والاخر، إذ اقترب قبل أسابيع من خطر اندلاع مواجهة عسكرية بعد إعلان أنقرة عزمها بدء التنقيب عن الغاز قبالة سواحل جزيرة قبرص .. وكان توقيع تركيا علي اتفاقية ترسيم الحدود مع حكومة الوفاق الليبية قد فتح صفحة خطيرة في العلاقة بين الدولتين، حيث اعتبرت أثينا الاتفاقية استفزازا وعدوانا علي مصالحها القومية، باعتبار أن المنطقة التي حددتها الاتفاقية تتقاطع مع المناطق الاقتصادية بجزيرتي "رودس" و"كريت" اليونانيتين .

ليس هذ فقط،  بل إن  بين تركيا واليونان تاريخ حافل بالخلافات والتوترات، أُضيفت إليه في الآونة الأخيرة خلافاً جديدة تتعلق بالتنقيب عن النفط والغار في مياه بحر إيجه والبحر المتوسط .. وفي قلب هذه الخلافات المتفاقمة اتفاقيات عديدة أثارت الكثير من اللغط .. أحدثها اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين اليونان ومصر، وهي الاتفاقية التي اعتبرتها تركيا لاغية وباطلة بالنسبة إليها.. لأنها تنتهك حقوقها البحرية.. فهل تؤجج هذه الاتفاقية التوترات بين الأطراف المتصارعة ؟.. وما هي السبل القانونية لحلها؟ .. كيف يمكن أن ينعكس أي فشل في تخفيف حدة التوتر علي مجمل منقطة شرق المتوسط، وعلي العلاقات المستقبلية بين أنقرة والاتحاد الأوربي؟ ..

وللإجابة علي هذه الأسئلة نقول بأنه منذ فترة غير قصيرة تحولت منطقة بحر ايجه وشرق المتوسط إلي بؤرة ساخنة بسبب تنافس اقليمي محموم وصراع علي مخزونات الطاقة والثروات الطبيعية التي توجد في أعماقها .. وهنا نحاول في هذا المقال الوقوف علي مآلات هذا الصراع ؛ خاصة بعد وجدنا علي مدار الأشهر الماضية توترات متزايدة شهدتها منطقة شرق المتوسط وبحر ايجه علي خلفية التنقيب علي مصادر الطاقة .. مناطق شرق البحر الأبيض المتوسط وبحر ايجه من أكثر المناطق حساسية في العالم بعد اكتشاف موارد النفط والغاز الطبيعي فيها ..

وتكمن المشكلة الأساسية في تحديد المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة بين تركيا واليونان، فاليونان وفق المنظور التركي تعيد توسعة  منطقة الجرف القاري الخاص بها عبر جذورها الواقعة علي بعد بضع كيلومترات فقط عن تركيا، وفي مقدمتها جزيرة كاستيلوريزو والتي تتجاوز مساحتها 10 كيلومترات والتي تبعد عن تركيا 3 كيلو مترين وعن البر الرئيسي 580 كم.. تقول أنقرة إن تحديد الجرف القاري من خلال جزر صغيرة بعيدة عن البر الرئيسي مخالف للأعراف والقوانين الدولية .. ومن ثم فإن المنطقة البحرية التي تنقب فيها السفن التركية هي ضمن حدود الجرف القاري لتركيا الذي حددته الأمم المتحدة .

إن الخلاف علي جزيرة كاستيلوريزو يتفق أيضا كما تقول اليونان علي مجموعة جزر صغيرة أخري تصر اليونان علي أنها تتمتع بحقوق الجرف القاري، بينما تؤكد تركيا أن ذلك مخالف للقوانين الدولية، وبمجرد أن قالت أنقرة الشهر الماضي أنها تعتزم ارسال احدي سفنها للتنقيب عن النفط والغاز قرب الجزيرة المحاذية لسواحلها حتي أعلنت اليونان حالة تأهب قصوي في قواتها البحرية ومع أن إعلان تركيا وقفاً مؤقتً لأنشطتها التنقيبية أشاع حالة من الارتياح، فإن الاتفاق الأخير بين اليونان ومصر أعاد التوتر من جديد بين أنقرة واثينا، وفي هذا المقال نحاول قراءة في صراعات الطاقة والموارد في شرق المتوسط وذلك علي النحو التالي:

تكتب موارد الطاقة في شرق المتوسط فصلاً فاصلاً من العلاقات بين دوله؛ فحيث تتداخل الحدود وتتشابك المطامح والمطامع، وتشتد بالتالي معركة السيادة علي المنطقة التي تختزن احتياطياً  ضخماً من الغاز والنفط .. مصير العلاقات التركية – اليونانية سلماً وحرباً يبدو اليوم علي ما سيتوصل إليه الجانبان حول عمليات التنقيب في مياه بحري ايجه والمتوسط المتنازع عليهما بعد أزمة كادت تتحول إلي اشتباك عسكري .. لقد  نجحت وساطة ألمانية ومساعي إسرائيلية في احتواء الموقف مؤقتاًَ وعلقت تريكا خطتها شهرا واحدا.

بيد أن اتفاق السادس من أغسطس الحالي 2020م بين مصر واليونان حول ترسيم حدودهما البحرية قد يقوض التهدئة الهاشة في ضوء مسارعة أنقرة غلي رفض اتفاق القاهرة – أثينا .. والتأكيد علي أن المنطقة المحددة ضمنا تقع في الجرف القاري – التركي .. ومع ذلك تظل فرصة إجراء مفاوضات  بين الأتراك واليونانيين قائمة؛ لاسيما إذا استمر انخراط ألمانيا في التهدئة باعتبارها الرئيس الحالي للاتحاد الأوربي .. ويتعزز هذا الاحتمال بكثرة الملفات المشتركة بين تركيا والأوربيين .. من الناتو إلي سوريا وليبيا، فضلاً عن قضية اللاجئين وغيرها من الشواغل التي يمكن أن تشكل إطاراً للتنسيق والتفاهم .. رغم ما تعتبره أنقرة حيازاً أوربياً إلي جانب اليونان لمجرد أنها عضواً في الاتحاد .. وبينما لا يعرف إذا كان تلويح الاتحاد الأوربي بفرض عقوبات علي تركيا سيساعد علي تهدئة الأزمة المتفاقمة .. فمن المؤكد أن الموقف الفرنسي ينحو نحو التصعيد بعد أن ذهب إيمانويل ماكرون إلي معاقبة تركيا علي ما سماه انتهاكها بسيادة اليونان وقبرص الجنوبية .. ويبدو موقف باريس المتشدد علي صعيد الاشتباك السياسي وحتي الميداني الغير مباشر مع أنقرة خاصة في ليبيا؛ حيث يتهم أردوغان ماكرون بتقويض فرص السلام.

وعلي ذلك تقاس مجمل التوترات التي في البحر والبر مع فرنسا وغيرها انعكاسا للاصطفافات والمحاور السياسية القائمة أصلاً في المنطقة المضطربة .. الخلاف التركي – اليوناني هو من اشد الخلافات تعقيدا، إذ يتضمن أيضا النزاع بين قبرص اليونانية التي تحظي باعتراف دولي وبعضوية الاتحاد الأوربي .. وقبرص التركية التي تدعمها فقط أنقرة ولا يعترف بها المجتمع الدولي .. في مواجهة ما تراه حليفا يريد تهميشها ومحاصرتها وقعت تركيا اتفاقا مع حكومة الوفاق في ليبيا بترسيم الحدود البحرية، حيثق منحها نفوذا أوسع وجلب لها غضب دول كبيرة مثل مصر .. لكن الاتفاق المثير للجدل عزز قدرة أنقرة علي التصدي لكارتيلات الطاقة كمنتدي شرق المتوسط للغاز الذي يضم أساساً مصر، وإسرائيل، واليونان، وقبرص الجنوبية .. ويتردد أن من دوافع الاتفاق التركي – الليبي عرقلة بناء خط أنابيب في قاع البحر لتصدير الغاز إلي الأسواق الأوربية وهو ما يسجم مع موقف تركيا الرفض لاستبعادها من معادلة الطاقة في شرق المتوسط ..

وإذا كان التصعيد قد بلغ أوجه لمجرد التنقيب فماذا سيحدث في مقبل الأيام إذا  ما تم العثور فعلا علي ثروات حقيقية في مناطق متنازع عليها؟ .. لكن تقدير حسابات الربح والخسارة، قد تقنع الخصوم بالجنوح إلي السلم، فقانون البحار الدولي يمنحهم فرصة تقاسم المكاسب في انتظار التوصل إلي اتفاق علي ترسيم الحدود البحرية.

يبقي سؤالاً مهماً أود أن أختتم به كلامي  في هذا المقال وهو: هذا الاتفاق الأخير بين مصر واليونان هل يعيد التوتر من جديد من بين أنقرة وأثينا بعد فترة كان هناك فيها توجه للتهدئة بين تركيا واليونان؟ .. وهنا أقول: نعم بطبيعة الحال فليس هذا فقط .. بل أيضاً يدخل مصر كعامل اشتباك رئيسي الآن في المعادلة التي كانت قائمة .. حيث كانت المشكلة من قبل كانت من منحصرة بين أنقرة وأثينا .. الآن دخلت القاهرة علي خط المواجهة لتعلن لتركيا وبدون خجل أنها لن تسمح لها الاقتراب لا في شرق المتوسط ولا في ليبيا.. وهذا ربما ما قد تسفر عنه الأيام المقبلة .. وللحديث بقية بعون الله!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.....................

المراجع

1-  قناة الجزيرة: سيناريوهات - مصر واليونان وتركيا.. أي آفاق للصراع شرقي المتوسط؟.. يوتيوب

2-قناة روسيا: مصر وتركيا.. من يحسم صراع شرق المتوسط؟.. يوتيوب

3- قناة سكاي نيوز: أثينا تهدد باللجوء لمحكمة العدل الدولية لوقف انتهاكات أنقرة في المتوسط ... يوتيوب.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5088 المصادف: 2020-08-10 03:44:31