 آراء

النيل وقسوة العالم

محمد الزموريفي الوقت الذي سخرت فيه الطاقات الإعلامية ممثلة بالجرائد والقنوات التلفزيونية والبرامج الإذاعية لتغطية أخبار الجائحة أو عودة ميسي لعرين برشلونة أو اجتماع الفرقاء الليبيين في المغرب، هاهو اليوم السودان يعاني وحيدا في صمت عالمي مريب بدون تضامن إنساني أو حتى إنشائي، وها هو الإعلام العالمي يبرهن للمرة الألف أن الدول الفقيرة أو السائرة في طريق النمو أخبارها غير مأثرة ولن تحقق المشاهدات الضرورية لتحقيق الأرباح، فوفاة السودانيين غرقا في فيضانات النيل ليست من يجلب متابعين مثل العطر التي وضعته "جينيفر لوبيز" في حفل خطوبة صديقها السابق.

السودان تعاني في وحدة غير مسبوقة بدون تغطية إعلامية أو حملة إنسانية، والسؤال ما الفرق بين لبنان والسودان؟

على نهر النيل وروافده استوطن خلق كثير من أهل السودان، وعلى تلك الضفاف قامت حضارات، وتلاحقت ثقافات، النيل الذي لم يخل من قداسة في قديم معتقداتهم، ما زال حاضرا في عادات سكناه المتوارثة، فالطفل الوليد يُذهب به للنيل، والمختون، والعريس، والأرملة المنقضية عدتها، وغيرهم.

وليس النيل عند أهل السودان مجرد نهر يحمل المياه والطمي، فهو مصدر الرزق والخير، وسر من أسرار السعادة والحياة، والآصرة بين النيل وأهله قديمة وثيقة كما يقول عبد الله الطيب:

والنيل يهجس في أعماق أنفسنا … مذ نحن في سبحات المهد ولدان

هو عند غالبهم رمز للوطن وللبلاد، وكلما نفخت رياح الغربة في أشرعتهم تجد الأشواق للديار وتفاصيلها، وتجد النيل فيها مقصدا يرمز للوطن يوجعهم البعد عنه مثلما أوجع صلاح أحمد إبراهيم (شاعر ودبلوماسي 1933-1993) في قصيدته (في الغربة).

في رواية عمر فضل (نيلوفوبيا) يخاطب بطل الرواية نهر النيل معاتبا إياه على أفعاله؛ فرد النيل "قيل لي: كن، فكنت، وأمرت بالجريان فجريت، أهب الحياة بإذن الله لهذه الرقعة، حول شواطئي تقوم الحضارات وتسقط، والناس يحيون ويموتون، والقرى تنمو وتندثر، أسير بقدر وأفيض بقدر وأغيض بقدر".

النيل لم يكن عبر تاريخه كريما فخلال هذه الأيام تعيش معظم ولايات ومناطق السودان أوضاعا كارثية بعد أن زاد عدد قتلى الفيضانات التي تشهدها البلاد على 100 قتيل وشردت مئات الآلاف من السكان وأدت لانهيار أكثر من 100 ألف منزل.

وإزاء تفاقم الوضع في البلاد، قرر مجلس الأمن والدفاع -وهو أعلى هيئة أمنية في البلاد- اعتبار السودان منطقة كوارث طبيعية، كما أعلن حالة الطوارئ في كل أنحاء البلاد لمدة 3 أشهر.

وحتى هذه اللحظة يتواصل تدفق المياه لبعض أحياء العاصمة السودانية الخرطوم مع ارتفاع مناسيب نهر النيل وفروعه الرئيسية إلى مستوى قياسي، مما تسبب في تدمير عشرات المنازل وتشريد مئات المواطنين، في وقت وعدت فيه السلطات بإنشاء غرف طوارئ خاصة لمساعدتهم.

الأزمة في السودان قد تتفاقم خصوصا في ظل وجود جائحة صحية عالمية، وفي انتظار أن يصحوا المنتظم الدولي من إنسانيته الانتقائية، تبقى الخرطوم تتساءل ما الفرق بين وجعي ووجع بيروت؟

 

أ/ محمد ابراهيم الزموري

باحث في الشؤون العربية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5117 المصادف: 2020-09-08 10:24:01