محمد عمر غرس اللهثمة نظريات علمية خاصة بطرق التأثير على الرأي العام، تعمل بها مؤسسات دولية وإقليمية تستخدم وسائل الإعلام أداة لتحقيق أهدافها، وتستخدم - في هذا - فضاء الفيسبوك كأحد مجالات هذا التأثير في البلدان العربية، بالإستفاة من النسبة عالية في مستخدمي هذا الفضاء، حيث يتضح التأثير على القطاع العريض من الناس خاصة الشباب، حيث أن إنتشار الأخبار السياسية، وتحديد مجريات الاحداث لا يحصل عبثاً، فهذا أمر ليس متروكاً للصدفة كما يعتقد البعض، وليس أيضاً وفق لمسألة العرض والطلب كما يترأ لبعض السوقيين (من السوق) الذين يقولون بفكرة أن كل شي خاضع لهذا السوق بما فيها أخبار ومواضيع الأحداث الوطنية والقيمية.

فالمتلقي والمتصفح المنفعل، والمتسرع، والبسيط العابر (أغلب المتصفحين ينتمون لهذه الشريحة) في شيئا ما، لا يمكنهم إدراك كنه ما يظهر أمامهم من أخبار، وصور، ومقاطع مرئية، ونصوص وأفكار وأوصاف ومصطلحات، وذلك لإختلاف مشارب المتصفحين وتقاطعهم وإنفلاتهم، وهذا الأمر يعرفه قادة نظريات التأثير وفاعليها الكبار، فيقع هذا المتصفح في حبائل الفكرة، ويتحفز لها، وتقوده إلى حيث تريد دون أن يدرك او يعي، بل وهو متحمس ومتحفز، يتحول لما يشبه المسوق المجاني، ويتحول أيضاً لخروف منطلق ينطح كل من يصادفه. بتلك الفكرة وما أوحته له.

وفي هذا صار أردوغان خبز الإعلام العربي اليوم يتصدر سُلم أولويات الرأي العام ويملاء الدنيا ضجيجاً، تعُج بأخباره وسائل الإعلام العربية، ومواقع الفيسبوك العربية أفراد وجماعات، وصارت تركيا حاضرة في أذهان المتصفحين العرب كموضوع محلي، أكثر من حضور أي شيء أخر، بعدما تمت إزاحة الإرادة العربية والمعبرين عنها بعمل متواصل منذ وفاة عبد ةالناصر حتى اليوم،

ففي ما يجري من تسويق لتركيا وأردوغان في الفضاء العربي، تم حشر قضايا التاريخ وتوهيم وإستحضار تصور ذهني توهيم (باريدوليا)، يكررها حتى متعلمون ومثقفون وأكاديميون عرب كبار ايضاً، فأنت تلاحظ الخلط في وصف تركيا اليوم بالدول العثمانية، وإستخدام وصف (الخليفة) و (الخلافة) و (السلطان) ..الخ، كوصف لأردوغان، سوى كان هذا الإستخدام من باب المدح او في نصوص النقد، فالمهم أن يبقى الوصف متداول، ويفعل فعله بالإيحاء النفسي، بمعنى إستحضار الفكرة في أذهان الراي العام وعقله الباطن.

وفي هذا لم يلاحظ الناس والراي العام العربي، ماذا وراء ولماذا يتم توهيم العقل العربي على هذا التصور، ولماذا يوضع الشارع العربي بين كل هذه الاوصاف والمواضيع، ومن وراء ذلك، وبخط موازي، لم يفهم أيضاً كيف ولماذا تم دفع الشارع العربي لتوهيم حالة وتحضيرها، على أن الحاضر يناقش الدولة العثمانية وكأنها موجودة وتمثلها تركيا اليوم، فتلاحظ في هذا الفضاء، تكرار نقاش عن دور الدولة العثمانية، وكأنها حاضرة اليوم بنفس معناها في عصرها (غلب على الرأي العام تصور أن تركيا اليوم هي الدولة العثمانية)، وتم في هذا الخلط بين دور محمد الفاتح ودور بارباروسا، ودور أردوغان اليوم كذراع لحلف الناتو وحليف إستراتيجي للكيان الصهيوني، وغلب وإنتشر ما يقوله وما يصرح به وما يفعله، على حساب الفعل العربي.

إذا من إستحضر هذه الحالة وكيف وماذا وراء ذلك، وكيف سقط في هذه الحالة العربي بمثقفيه ومتعلميه وساسته، بل وسقط في ذلك حتى المجتمع القبلي المتخلف المتعصب، الذي لا يحب حتى القبيلة المجاورة لقبيلته، وتحول وفي هذا السياق إلى محب وعاشق للاردوغانية والأذرع التركية يتغزل فيها صباح مساء، وصار العربي - يال الغرابة - داعية للدولة العثمانية، ومبرراً لما تفعل تركيا واردوغان في سوريا وليبيا وما تعادي به مصر، وكأن بلداننا مجرد إيالات عثمانية، وكيف تبدا لهذا العربي أن التدخل التركي، بلسم حضاري نحن بحاجة له، حتى صار فجأة اردوغان زعيم الأسرة العربية تستحضر صورته، وتعدد مفاتنه السياسية، على حساب وضعها الوطني والعربي القومي.

أن ما يحدث ليس مجرد حدث طبيعي، بل هو مشروع تم الإعداد له منذ زمن، له خطواته التي برمجت لإستدارة تركيا قفاز حلف الناتو نحو تحقيق أهداف مريومة، هذه الإستدارة بدأها عمل إعلامي مبكر جداً، منذ بث القنوات العربية لمسلسل (مهند ونور) التركي، مدبلجاً لعربية، بتلك الرومانسية والأحضان والقبلات الساخنة التي غزت تلفزيونات العرب، فهام فيها الشباب المراهق ذكور وإناث، وسلبت عقول شيوخ المراهقة المتاخرة، وهو أيضاً المشروع الذي سارت به سفن تركية موجهة نحو قطاع غزة في أضخم عمل درامي، حشدت له احزاب عربية متأسلمة ومتأخونه، تلقفها الشارع العربي المتعطش لفعل عربي نحو فلسطين، بعد أن أحجم العرب وتم منعهم من تقديم اية مبادرة فعلية تساند للفلسطينيين وتم تجريم أي عربي يقوم بذلك، بينما منحت الفرصة الدرامية لأردوغان وتركيا، لكسب ود الشارع العربي، عبر مسلسلات سفن التضامن مع غزة، التي تم تمثيلها في البحر المتوسط ولو بقليلاً من الدماء الضرورية لتصديق الدراما، وفي وسط ماساة الفلسطينيين، ظهر فجأة توهيم البطل (التركي) اردوغان، الذي أيضاً برز فجأة في حوارات منتدى دافوس، حيث مارس أردوغان دور البطولة بحرفية درامية عالية، يرد على شمعون بيريز، ويخاصمه، أمام الملاء بارعاً في اقتناص الفرصة والحدث، لاعباً للدور بكل جوانحه مصحوباً ببث إعلامي ضخم، الأمر الذي أبرزه الاعلام العربي ووقع في تسويقه وحبائله، (رغم أن تركيا عملياً هي الشريك الإقتصادي الأول للكيان الصهيوني في المنطقة).

وتم ذلك كله بعد معاداة كل عربي، يحاول أن يدعم القضية الفلسطينية عملياً وفعلياً، وهكذا تم فتح مجال المزايدة الرخيصة وتلميع صورة أردوغان، وتقديمه لعالم العواطف في المنطقة العربية، وتركيا برئاسته تستحوذ على الشريك الفعلي الأكبر للكيان الصهيوني.

إنها مسيرة طويلة من عملية (الخداع) وتصنيع بطل وقفاز إسلاموية لحلف الناتو، تصاحبه آليات ضخمة تعملعلى تحديد سُلم أوليات القطاع العريض من الرأي العام في المنطقة، وصنع قائد لهذا الراي العام، حيث تمت إزاحة الأنظمة العربية التي إلى حد ما تساند فعلياً المقاومة القضية الفلسطينية بالسلاح والمال والتدريب الفعلي، ليفسح المجال للدور التركي الأردوغاني، وهذا لم يتم عبثاً، بقدر ما تم عبر سياقات سياسية تدريجية مرحلة مرحلة، وعبر تلميع بارع، بدأ بتصفية القضية العربية وقادتها وقوميوها ورجالها وتم تجريم جيوشها، وفتح المجال لسياقات جديدة جماعات إسلاموية إخوانية وداعشية وتنوعاتها، تسير في طريق لعبة الأمم، تقدم الأسلامويين بانواعهم وتنوع جماعاتهم، يقودهم أردوغان، قفاز حلف الناتو الإسلاموي، يتكي في ذلك على صناعة وإستحضار توهيم الدولة العثمانية، اردوغان الذي بدأ مهمته في الحرب على جسد سوريا والشعب السوري قتل وتشريد وسرقة ونهب، وحملته الكبرى السياسية على مصر ورعايته للجماعات الإرهابية، وعدوانه الغادر الظالم على الشعب العربي الليبي في دياره وهيمنته عليه وإدعائه بأن ليبيا ارث عثماني.

إننا نرى بوضوح، السيطرة على توصيف المعركة عبر تحديد سلم أولويات العرب اليوم حتى يتوه العربي عن فهم كنه ما يجري وفهم ماهي المعركة، عبر السيطرة الإعلامية المأهولة، وعبر الجماعات، ومنظمات تسيطر بقوة على فضاء التواصل الإجتماعي، حتى صعب على العربي اليوم، أن يقنع أخيه العربي بأن أردوغان، يعبر عن مصالح تركيا، وتركيا هذه تعمل من موقعها في حلف الناتو، ومصالحها الإقتصاية ونفوذها وهيمنتها، وأن أردوغان لا يعبر عن مصالحنا القومية والوطنية، والقبلية، وأن ما يفعله ليس فيه أية مصلحة للعرب وللدول العربية، وأن ما يقوم به ليس سوى عملية هيمنة ونهب تركي لدولنا وإمكانياتنا، وهي عملية محسوبة بدقة في إطار اللعبة الدولية وعبر حلف الناتو.

أن ما يجري تحديد واضح، وهو عبارة عن إدارة لسلم اولويات العرب، في إستحضار الدولة العثمانية وأخراج التوهيم من صناديق التاريخ لأغراض لعبة الأمم، وإستحضار العرب إيالات عثمانية، حيث يقول أردوغان على الأشهاد بأننا أرث عثماني (يال غرابة الزمان)، وتقول أذرع مشروع الأردوغاني في تونس (راشد الغنوشي) دون إستحياء أنه لولا تركيا لكانت تونس إلى اليوم تحت سلطة الأسبان، ويقول ذراع الأردوغانية (علي الصلابي) أن في ليبيا بقايا أتراك وتركيا جائت لتحميهم، وعبر الضخ الإعلامي يردد متصفحي الفيسبوك العرب بحماس موضوع تركيا وأردوغان بين الشهيق والزفير، دون أية إستحياء وشعور بالإنتماء للأوطان وللأمة، رغم تغنيهم بالوطنية واالقومية والعروبة.

أنما يجري يتطلب منا إستحضار الروح العربية وإرادتنا الوطنية المستقلة بشجاعة، ارادة وفعل وعمل ووضوح، وإستنهاض مشاعرها وروحها وإمكانياتها، وإفتكاكها من براثن معامل اللعبة الدولية التي تصنع للمشاهدين والمستمعين وللمتصفحين سلم الأولويات، والمواضيع، والإهتمامات، وتضع في أذانهم وأفواهم وأقلامهم، وبالتالي أذهانهم، ما تريد له أن يكون خبز الاخبار اليومي، ولا يجب علينا جعل تركيا وأردوغان تسيطر على ذهن الشارع العربي العام وسُلم أولوياته، فهذا يعد أولى أولويات مقاومة الهيمنة، فنحن أمة عربية وأوطان لنا وجودنا، وبلدان وشعوب لها ارادتها وسيادتها وقدرتها، ولسنا رعايا لدى أحد، وأنا وأخي على أبن عمين وأنا وأبن عمي على الغريب، وعلى الذين وقعوا في حبائل هذا المشروع الإستحياء من التاريخ والأوطان، فالذين يصعدون ويتمكنون تحت عباءة الأجانب دائماً يلعنهم التاريخ، وتلعنهم الأوطان، وتصنفهم الشعوب منعدمي الضمير الوطني، وعديمي الشرف.

هيا يا رجال ...

 

بقلم: د. محمد عمر غرس الله

 

التجاني بولعواليمن خلال متابعتي للنقاش الذي أثاره قرار تحويل متحف "آيا صوفيا" لاحظت أن هذه القضية غالبا ما تخضع للتوظيف الإيديولوجي، لاسيما من قبل بعض وسائل الإعلام والسياسيين والمثقفين المؤدلجين. كما أنه يهيمن لدى شق مهم من المتلقين العاديين نوع من التماهي الواعي تارة، والانجرار العفوي واللا واعي تارة أخرى، نحو أحد الطرفين اللذين يحركان خيوط اللعبة، تماما كما يحرك المهرج القراقوز بحسب الهدف الذي يرسمه هو لا الجمهور. وتجدر الإشارة هنا إلى أن القراقوز في الأصل كلمة تركية! ويمكن تفسير هذا التماهي الواعي أو الانجرار اللاواعي بغياب المعرفة التاريخية والواقعية الدقيقة بملابسات تحويل معلمة "آيا صوفيا" إلى مسجد.    

انقسمت الآراء والتفسيرات فيما يخص تحويل متحف "آيا صوفيا" في إسطنبول إلى مسجد يرفع فيه الآذان، وتؤدى فيه الصلوات الخمس المكتوبة، وفي الوقت نفسه يُسمح للجميع زيارته؛ سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين أم سياحا عاديين. وقد جاء هذا بناء على قرار المحكمة العليا في تركيا الذي صدر يوم الجمعة 10 يوليوز 2020، ويقضي بإلغاء قرار أتاتورك الذي يعود إلى سنة 1943 التي شهدت تحويل مسجد "آيا صوفيا" إلى متحف. تاريخيا شيدت "آيا صوفيا" ككنيسة في القرن السادس، وبالتحديد عام 537 من طرف الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، وعندما فتح العثمانيون مدينة القسطنطينية عام 1453 من قبل السلطان محمد الفاتح، تم تغيير اسمها إلى إسطنبول، كما تم تحويل كنيسة "آيا صوفيا" إلى مسجد خضع لترميمات وتعديلات متنوعة أثناء الحقبة العثمانية، كما أضيفت إليه مختلف المباني والمنارات. وما لا يعرفه البعض أن الجمعية المعنية بالأوقاف والمعالم التاريخية التركية رفعت منذ 2008 دعوى قضائية أمام مجلس الدولة ضد القرار الأتاتوركي القديم.

ولا يمكن استيعاب ما يحصل الآن في تركيا إلا بالعودة إلى الجذور التاريخية لهذه القضية، حيث تم تحويل معلمة "آيا صوفيا" إلى مسجد في سياق استثنائي كان مطبوعا بالصراع الصليبي الإسلامي، الذي زاد احتداما جراء ما كان يجري آنذاك في الأندلس من ملاحقة للمسلمين واليهود، وتحويل آلاف المساجد والبيع اليهودية إلى كنائس وممتلكات خاصة. فشكلت بلاد المغرب والدولة العثمانية ملاذا للموريسكيين واليهود الهاربين من جحيم محاكم التفتيش المسيحية. ومن الراجح أن يكون تحويل كنائس معينة (ومنها "آيا صوفيا") في البلدان التي فتحها المسلمون آنذاك بمثابة رد فعل على المجازر البشعة التي كان يتعرض إليها الأندلسيون في تلك المرحلة، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن مسلمي الأندلس استغاثوا بالسلطان محمد الفاتح، غير أنه كان منشغلا بمواجهة التحالف الصليبي الأوروبي الشرس ضد دولته. ثم استنجد الموريسكيون لاحقا بالسلطان بايزيد الثاني الذي بعث رسولا إلى البابا يهدده بأنه سوف يعامل المسيحيين بالمثل في إسطنبول.

ويظهر أن هناك فئة ترفض القرار الرسمي التركي بتحويل كنيسة "آيا صوفيا" قديما عام 1453 إلى مسجد على يد محمد الفاتح، ثم حديثا من متحف إلى مسجد على يد طيب رجب أردوغان تحت ذريعة احترام الآخر والتسامح الديني، وهي تُغيب السياق التاريخي القديم الذي شهد تحويل الكنيسة إلى مسجد، في ظل التحالف الصليبي على الدولة العثمانية من جهة، والتنكيل الهمجي بالمسلمين في الأندلس من جهة ثانية. لذلك فمن اللامعقول أن نضع لهذه القضية مقدمات واهية نتذرع فيها بقيم الحرية الدينية والتسامح والحوار، لأن النتائج سوف تكون لا محالة باطلة وغير مؤسسة. لا يمكن أن نحاكم التحويل القديم لكنيسة واحدة إلى مسجد في الوقت الذي كانت تُحول فيه آلاف المساجد في الأندلس إلى كنائس وإسطبلات للحمير والبغال.

على هذا الأساس، لا يمكن أن نفسر ما حصل لكنيسة "آيا صوفيا" في منتصف القرن الخامس عشر انطلاقا من سياقنا المعاصر الذي يختلف جذريا عما كانت عليه الظروف السياسية والأمنية آنذاك. ينبغي أن نستوعب هذه المسألة ضمن شروطها التاريخية الأصلية لا ضمن شروط واقعنا المعاصر المختلفة.

ثم إنه لا يمكن التذرع دوما بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالحرية الدينية، وتأويل الأحكام بشكل حرفي متى دعت الضرورة، دون النطر الفقهي والواقعي في المناطات والمآلات. إن ظروف الحرب تطرح تحديات جديدة يمكن أخذها بعين الاعتبار في التعامل مع غير المسلمين الذين تربطهم آصرة العقيدة مع العدو. حقا أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الاقتراب من الكنائس والبيع أثناء الفتوحات والحروب وإعفاء الرهبان والقساوسة إلى جانب النساء والأطفال والشيوخ من ضريبة الجزية، لكن هذا لا يمكن أن ينطبق على أولئك الرهبان الذين كانوا يناصرون العدو ويقفون في الصفوف الأمامية ضد الإسلام والمسلمين. وهذا ما كان يسري على الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر، حيث كان يوجد المسلمون بين مطرقة التهديدات الصليبية وسندان محاكم التفتيش الكاثوليكية في الأندلس.

في غياب هذه الخلفية التاريخية سوف يكون كلامنا مجرد سفسطة أو هرطقة لا طائل من ورائها. وهذا ما يُلمس في جانب من النقاش الحامي الوطيس الذي يشهده مؤخرا المجال التداولي العربي، لاسيما عبر الشبكات الاجتماعية، كأن ما يجري هناك في تركيا يهم بالدرجة الأولى العالم العربي الغارق في فوضاه العارمة وحروبه التراجيدية.

ولا يمكن تفسير هذا التوجه الجماهيري إلا بنظرية القطيع كما قعّدها المفكر ناعوم تشومسكي، حيث يخضع جزء كبير من "القطيع العربي" منذ مدة طويلة للتنويم المغناطيسي الذي تمارسه عليه الأنظمة المستبدة، فلا يلتقط إلا ما ترسمه له على شاشات الإعلام المؤدلج، ولا يؤمن إلا بما تحقنه به من قيم فاسدة وأفكار مزيفة. وهكذا يصرف عن قضاياه الحقيقية إلى ما لا يعنيه من قضايا لا تهم مجتمعه في شيء.

 وقد ترتب عن ذلك أن الكثيرين صاروا يُنظّرون لمسألة معقدة؛ تاريخيا وقانونيا وسياسيا، ولا يمكن استيعاب حيثياتها إلا عبر البحث العميق والتقصي الشمولي. فتناسلت التأويلات الذاتية وتشعبت القراءات الإيديولوجية لحدث يقتضي تعاطيا واقعيا أولا  وقبل كل شيء. ويمكن الحديث في هذا الصدد عن ثلاثة توجهات عامة طبعت مواقف المتابعين عن بعد لما يحصل الآن في تركيا.

موقف التعاطف المطلق مع القرار التركي بتحويل المتحف إلى مسجد، وتُحرّك هذا الموقف إما مشاعر دينية صرفة، إذ يرى أصحابه في ذلك نوعا من إعادة الاعتبار للحضور الإسلامي الذي كان قد أجهضته العلمانية الأتاتوركية منذ 1925 جراء علمنة تركيا على حساب هويتها الإسلامية الحقيقية، ما أدى إلى اضطهاد المواطنين المسلمين وتجريدهم من حقوقهم الدينية وطمس هويتهم الأصلية. وإما تحركه مشاعر سياسية ترى في أردوغان زعيم المرحلة الحقيقي الذي يمثل الأمل لاسيما بالنسبة للشعوب العربية؛ ذلك الأمل الذي بزغ مع قيام ثورات الربيع العربي، غير أن دول الثورة المضادة وقفت له بالحديد والنار، فدُمرت سوريا على آخرها، واغتيلت الديمقراطية في مصر، وأشعل فتيل الحرب في ليبيا واليمن، وهددت دول أخرى في استقرارها وأمنها. ولا يمكن إنكار فضل تركيا التي شكلت إلى حد اليوم ملاذا آمنا للاجئين السوريين وغير السوريين. ثم إن التدخل التركي في ليبيا يمكن وصفه بحصان طروادة الذي بعثر أوراق الجنرال حفتر وحلفائه من داعمي الثورة المضادة بأموال البترودولار والإعلام المؤدلج. ولعل هذا ما جعل هذه الفئة تتعاطف مع القرار التركي، وترى في الرئيس أردوغان نوعا من التعويض السيكولوجي على أمجاد المسلمين الضائعة.

في مقابل ذلك، يسود موقف الرفض المطلق الذي يتسم بالانجرار الإيديولوجي الجارف. وهذا ما يُلمس في طبيعة الخطاب الذي يسود لدى شريحة مهمة من المتابعين، إذ منها من يصرح جهارا بالكراهية العارمة للأنموذج التركي الحالي بسبب دعمه لثورات الربيع العربي وتبنيه أطروحات الإسلام السياسي، التي لا تختلف كثيرا عن التوجه الإخواني العربي في مصر وتونس وليبيا وسوريا وقطر والمغرب والأردن وفلسطين. ويحسب هذا التوجه على خطاب الثورة المضادة الذي أصبح يسخر جيشا من المثقفين والإعلاميين والكتاب، بل وتمكن أيضا من التغلغل إلى شق مهم من القاعدة الشعبية التي تنشط عبر الشبكات الاجتماعية. والجدير بالذكر أن المشكلة الأساسية لدى هذه الفئة لا تتعلق بتحويل متحف "آيا صوفيا" إلى مسجد، بل تتخذ من ذلك مطية للضرب في التوجه التركي الجديد الذي يهدد المصالح السياسية والاستراتيجية للدول المحسوبة على الثورة المضادة وبعض حلفائها الخارجيين. وإلا فلماذا لم يقف هؤلاء الموقف نفسه من التدنيس المتكرر الذي يطال المقدسات الإسلامية في مناطق وبلدان أخرى؟

علاوة على ذلك، يمكن الحديث عن موقف التحفظ الذي يستند أصحابه إلى جملة من المبررات كالحرية الدينية والتسامح الإسلامي. وهذا موقف يبدو في ظاهره إيجابي، لأنه يدعو إلى قيم الحوار والتقارب واحترام الآخر، التي يعضدها الدين الإسلامي نفسه؛ قرآنا وسنة وتاريخا. لكن يظهر أحيانا أن هذا الموقف غير مؤسس، لأنه يفسر قضية تحويل كنيسة "آيا صوفيا" قديما إلى مسجد دون العودة إلى جذورها التاريخية وملابساتها السياسية والعسكرية من ناحية، ويرتكز على نصوص من القرآن والسنة الخاصة بالتعامل مع أهل الكتاب في تغييب لمناطاتها ومآلاتها التي لا يستقيم الحكم إلا بالنظر فيها والأخذ بها من ناحية أخرى. ثم إن هناك من يستحضر في هذا الجدل الجانب القانوني المتعلق بوثيقة شراء كنيسة "آيا صوفيا" من طرف السلطان محمد الفاتح، ويرى أنها لا تعني بالضرورة الشراء الفعلي للكنيسة.

خلاصة القول، أعتقد شخصيا أن الرفض المتعلق بتحويل متحف "آيا صوفيا" في تركيا إلى مسجد في أغلبه موجه إيديولوجيا. فالأمر لا يتعلق بمعلمة "آيا صوفيا" في حد ذاتها، بل بالتوجه السياسي التركي الذي يعتبر شوكة في حلقوم دول الثورة المضادة، وإلا فماذا لم يتم التعاطي بالحدة نفسها مع المقدسات الإسلامية التي تتعرض للتدنيس في أماكن ودول أخرى؟ ثم هل سوف سيكون التعامل نفسه لو كانت تركيا في صف تلك الدول المعارضة لها؟

 

بقلم/ التجاني بولعوالي

 

سامان سورانيمن الواضح أن للتوترات الإقلیمية والدولية في المنطقة تداعیات سياسية وإستراتیجية علی علاقة إقلیم كوردستان بعالمه الإقليمي والدولي، فمستقبل الإقلیم من ناحیة التهديدات والفرص مرهون بتضارب وتناغم مصالح القوی الإقلیمیة والدولية.

إقلیم كوردستان، کجزء من خارطة العراق الفدرالي والقرية الكونية الصغيرة التي نعیش فیها، تعلم بأن الترابط والتشابك بين مصالح المجتمعات الإقتصادية والثقافية لافكاك بینها، لذا تطمح حكومته الى الحفاظ على علاقاتها الدولية على أساس التفاهم والأحترام المتبادلين وتؤمن بأن إستخدام الوسائل الديمقراطية السلمية هو الطريق الناجع لحل القضايا الداخلية والإقلیمیة والکونية.

هذە الفلسفة ساعدت نوعا ما بشکل إيجابي في تنامي وتطور الوعي السياسي والإجتماعي لدی المواطن الكوردستاني ومكّنه ليحسن الإفادة من الماضي والتاريخ ويُجدر إستقبال الآتي من الزمان ويؤمن بزرع القيم الديمقراطية أو ما تسمى بالقوة الناعمة.

ومن الجدير بالذکر أن حكومة إقليم كوردستان تعمل على تعزيز علاقاتها في مجالات عديدة مع الدول الصديقة وخاصة مع قوی التحالف الدولي بقیادة الولایات المتحدة الأمریکیة، التي ساندت الإقلیم في حربه ضد التنظيمات الإرهابية ومعارکه ضد الجهات التي أرادت النیل من سيادة الإقلیم وأمنه وإستقراره وحریته.

فعندما تستمر بوصلة السياسات الأمریكية بإتجاه توسع الصراعات مع إيران أو تصاعد الخلافات المتفاقمة مع ترکیا مثلاً، نری بروز أهمية إقلیم كوردستان کمنطقة تؤمن المصالح الأمريکية، بحيث تزداد إمکانية تشکيل عمق إستراتیجي لها، خاصة في حالة إستمرار إقفال أبواب بغداد وأنقرة وطهران ودمشق بوجه واشنطن.

 إنطلاقاً من ذلك، يمكن القول بأن الإقلیم يساهم بقدر إمکانیته المحدودة في خلق توازنات إيجابية ويتبنی في سياسته نحو الخارج، خاصة خلال مشارکتە في الحوار الإستراتیجي الجاري بين بغداد وواشنطن، نهج نزع فتیل التوتر في العراق والمنطقة.

إن بروز قوة عظمى في قدراتها وسلوكها الجيوسياسي تهيمن على النظام الدولي، يُظهر تحالفات وشراكات جديدة هدفها المحافظة على أمنها ومصالحها من يحفز إلى أو يخلل نظام متوازن مع تلك القوة التي تحاول السيطرة. وعلى هذا النحو فأن القوى الكبرى والعظمى تكون على قدر عالٍ من إدراك طبيعة التوازنات الدولية والإقليمية من جهة، وطبيعة المحاولات الرامية إلى السيطرة وتوسيع دائرة النفوذ على حساب محاولات التغيير الجيو- استراتيجية للقوى المسيطرة على التوازن على وجه الخصوص من جهة ثانية.

صحیح أن الولايات المتحدة الأمريكية کقوة عظمی في العالم لم تکن لها تاريخياً علاقة مع أي “منطقة” أو كيان داخلي تابع للدولة فيدرالية، إلا أن أحد خطوطها للإستراتيجية العامة في المنطقة هي إبعاد أو تحجيم دور كل من روسيا والصين وإیران من العراق والإقلیم وتعزيز سيادتهما وإزدهارهما بما يخدم المصالح الأمريکية، لذا يمکن أن نسمی علاقتها بإقلیم كوردستان بعلاقة فريدة من نوعها في العالم.

من جانبها تؤکد حکومة الإقلیم علی الإيمان بالإستراتيجية القائمة علی أساس التعايش المشترك بعيداً عن المبادیء المطلقة والإرادات الفوقية المتعالية، التي تدفع البشرية في غير مكان ثمن مصائبها وكوراثه وتسعی مع مراعاتها لحساسية ديناميكيات الأمن العالمية والإقليمية، الی بناء علاقات إقتصادية وتجارية متبادلة ومثمرة مع أعضاء التحالف الدولي وعلی وجه الخصوص مع الولایات المتحدة الأمريكية وتدعیم أمن الطاقة بالنسبة لها وحلفائها وضمان إستمرار الطاقة الی الأسواق العالمية.

إن الأمن المجتمعي والسلام هو الرکيزة الأساسية لبناء الدول وضمان مستقبلها، لکن  وللأسف خلال العقود الماضية کانت ظاهرة الصراعات الجيوسياسية علی المشهد في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في العراق هي الطاغية، حتی أصبح لتلك الصراعات تأثيرها السلبي علی واقع مستقبل الأمن المجتمعي والسلام في كل من العراق والإقلیم. ومن المعلوم أیضا أن  الأمن المجتمعي والسلام فی دولة دون أخرى لایتحقق، لأن إضطراب الأمن والسلام فی دولة ما ینعکس سلباً على بقیة دول الإقلیم الجیوبولتیکي، تبعاً لمعادلة التأثیر والتأثر. وهناك معادلن تقول، کلما إرتفعت شدة الصراعات الجیوسیاسیة بین القوى الدولیة والاقلیمیة وتزاید التنافس الدولي على تحقیق المصالح الجیوبولتیکیة والجیوستراتیجیة في هذه‌ المنطقة، کلما تصاعدت النزاعات الفئویة "العرقیة والعنصریة والطائفیة والجیوسیاسیة" بصور وأشکال متعددة في مجتمعات الدول الضعیفة فیها.

إقلیم كوردستان یملك غنیً في المعطیات کما یملك فائضاً في الموارد، ولکن مقابل هُزالٍ في الإنجازات الإستراتیجية، مرده النقص الفادح في الأفکار الحیّة والخصبة والخلاقة. ولهذا فإن أحوج ما یحتاج الیه هو أن یمارس حیوته الفکریة، بالتحرر من جملة من العقد والحساسیات الحزبیة والهوس النضالي والهذر الثقافي والآفات التي عرقلت مشاریع التقدم والرفاه وحضور العدالة الإجتماعية والمشارکة في صناعة القرارات المصیریة.

یجب الإستمرار في ترسیخ ممارسات الإصلاح السياسي والإداري والاجتماعي والاقتصادي، بتعاون کافة الجهات وتكامل جهود الجميع بعيداً عن الفردية الهدامة والشخصنة المؤلمة وسلوكيات الاتهامية والعدمية والتشكيك.

علینا أن نتغير لکي نسهم في تغيير سوانا، أو في تحویل واقعنا، بقدر ما ننجح في تغذیة العناوین المطروحة وتحویل المفاهیم السائدة في ضوء التحدیات والمستجدات.

وختاماً نقول: "إذا أراد إقلیم کوردستان التنمیة والإزدهار، لابد أن يُحفّز ويعدم العراق للتحرك بإتجاه نحو الفدرالية الحقيقية أو تطبيق التجربة الفنلندية بحذافيرها ويحول شراکته مع التحالف الدولي بقيادة الولایات المتحدة الأمریکية الی تحالف قوي ويتمسك بالإتجاه الکبير للتنمیة العالمیة ویتقدم معه وإلا سیترکە التاریخ."

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

عقيل العبودبدأت الثورة الفرنسية في يوم 14 تموز 1789، كمؤامرة صغيرة، وبإشاعة أطلقها المعارضون الجمهوريون للملكية تزعم أن الملك سيحل الجمعية الوطنية، فانتفضت باريس وهاجم المنتفضون سجن الباستيل، واستمر القتال حتى الظهر، فقتل كثيرون من القوات الحكومية والمنتفضين. انتهى الهجوم بسيطرة المنتفضين على السجن وقتل قائد السجن وقطع رأسه ووضع على رمح، وسار المتظاهرون به في شوارع المدينة. وحين دخل الثوار السجن لم يجدوا فيه سوى سبعة سجناء فقط، أربعة مزورين، واثنين من النبلاء قيد التوقيف لضبطهما في سلوك غير أخلاقي، وأحد المتهمين بجريمة قتل، غير أنّ الباستيل كما يكرر المؤرخون (كان رمزاً قوياً لكل شيء مكروه في النظام القديم)!

* قبل الثورة الفرنسية كانت الكنيسة الكاثوليكية أكبر مالك للأراضي في البلاد، إذ يعتبر 10بالمائة من الأراضي الفرنسية ملك شخصي لها كأوقاف كنسية، وكانت معفاة من الضرائب، ولها حق إدارة العشور، أي دفع المواطن الكاثوليكي 10بالمائة من دخله ليعاد توزيعه على الأكثر فقرًا ومن لا دخل لهم.

* ولكن الثورة غيّرت العديد من المفاهيم السياسية بالبلاد وأسفرت عن نهاية النظام الملكي وقيام الجمهورية. وهنا يمكن القول إن الثورة الفرنسية في طورها الأول قلبت أوروبا سياسيا وفكريا وبشكل جذري وطاول التغيير خمسين بلدا وانهت عصر الإقطاع إلى الأبد.. ولكن الكلام هنا عن ثمنها الهائل والثقيل إنسانيا ومحاولة لكشف العماء الذي تقرأ به هذه الثورة من منطلقات التأييد لكل ماهو غربي وبشكل عمياوي كما نقول في لهجتنا العراقية الجميلة والمعبرة ويسفهون ويزدرون ثوراتنا لأنها في بلداننا ..استمرت الثورة الفرنسية نحو عشر سنوات سادتها اعمال العنف والاضطرابات وأعدم خلالها الملك الفرنسي لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت بالمقصلة وعشرات الآلاف من أنصار الملكية في أيام قليلة لحق بهم آلاف آخرون في السنوات اللاحقة. ويقتبس الكاتب عيسى الشعيبي عن كتاب "كلفة الثورة الفرنسية" لكاتب فرنسي (فعلى الصعيد الديمغرافي بدا الحساب ثقيلا وباهظا على نحو مفجع. فهو يتحدث عن نحو مليوني قتيل من عدد سكان كان يبلغ نحو 27 مليون فرنسي). ويضيف (أما عن ضحايا المقصلة، ومن قتلوا بقطع الرأس بعد سقوط الباستيل، فإن أرقام الضحايا تبدو مذهلة حقا. حيث شهدت “فاندي” وهي إحدى المناطق الفرنسية أول مذبحة جماعية في أوروبا سبقت مذابح النازيين بفترة طويلة، تنوعت فيها أدوات الإبادة من الذبح إلى الإغراق في الماء، إلى إطلاق النار على المئات معا حيث يقدر عدد ضحايا هذه المذبحة وحدها من 100 إلى 600 ألف قتيل). وكنت قد ذكرت أرقاما أخرى نقلا عن الموسوعة الحرة في مقالة نشرتها قبل عدة سنوات وكانت بعنوان "ثورة 14 تموز الجمهورية العراقية، انقلاب أم ثورة؟" وأوردت فيها (ووفقًا لسجلات المحفوظات أعدم ما لا يقل 16,594 شخص باستخدام المقصلة أو خلاف ذلك من التهم المتعلقة بأنشطة مضادة للثورة؛ بعض المؤرخين قالوا بأن حوالي 40,000 سجين أعدموا دون محاكمة، أو ماتوا نتيجة سوء ظروف السجون في انتظار المحاكمة. ويعتقد أن الحكومة الفرنسية قتلت بين 117,000 إلى 250,000 شخص خلال عمليات القمع - ضد المتمردين الملكيين في منطقة فيندي وفي مناطق مختلفة شمال اللوار، وقد اعتبره العديد من المؤرخين حادث إبادة جماعية/ رابط في نهاية المنشور).

* انتهت ثورة 14 تموز الفرنسية بعد عشرة أعوام على هجوم سجن الباستيل، وبعد انقلاب قام به نابليون بونابارت سمي انقلاب 18 برومير وبعد أن عانت "حكومة المدراء" الفرنسية من مشاكل اقتصادية وعسكرية جمّة هددت بعودة الملكيين للبلاد واستلامهم للسلطة.

* ففي يوم العاشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1799، حاصرت القوات الفرنسية قصر الذي اجتمع بداخله أعضاء مجلس الخمس مئة. وفي الأثناء رفض النواب المجتمعون تعديل الدستور حسب مطالب نابليون بونابرت، وبدلا من ذلك استقبل الجنرال الفرنسي بصيحات "يسقط الدكتاتور" حال دخوله لقاعة الاجتماعات قبل أن يتعرض في النهاية لمحاولة اغتيال فاشلة أجبرته على المغادرة.

* اجتاحت قوات الجنرال مورات صهر نابليون بونابرت قاعة الاجتماع لتنجح في إخلائها بالقوة من أعضاء مجلس الخمس مئة واتجهت فرنسا نحو نظام دكتاتوري شبيه بذلك الذي عرفته روما قديما حيث أمر نابليون بونابرت بإعداد دستور على جناح السرعة قبل أن يحصل في النهاية على السلطة المطلقة ولقب القنصل الأول وهو في الثلاثين من عمره. ومع حلول العام 1804، أعلن بونابرت نفسه إمبراطورا على فرنسا تحت مسمى نابليون الأول. وتم التخلي عمليا عن شعارات الثورة في الحرية والإخاء والمساواة وعادت فرنسا لحروبها الاستعمارية والإبادية ضد الشعوب الأخرى وفي مقدمتها الجزائر في 5 يوليو 1830!

*أختم بهذا السؤال: كم قتيلا سقط في يوم ثورة 14 تموز العراقية في جميع انحاء العراق؟ إنهم أربعة وعشرون قتيلا كما ذكر الصديق الراحل عدنان عاكف في مقالة له في هذه المناسبة. وكنت قد قرأت رقما قريبا من هذا في ثلاثية العراق لحنا بطاطو.

 

علاء اللامي

.............................

*رابط مقالة بعنوان: ثورة 14 تموز الجمهورية العراقية، انقلاب أم ثورة؟

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/454

 

من المأسي التي كشفتها الازمة العراقية، وخصوصا في الأشهر الأخيرةن الجهل والضبابية التي تحيط بموضوع القضاء الدولي والمحاكم الدولية وخصوصا " المحكمة الجنائية الدولية " . ولم تقتصر تلك الضبابية على المواطن الاعتيادي فقط بل شمل قطاع واسع من الذين يحملون مؤهلات عالية في القانونن وتحولت تلك الضبابية الى مجال للتكسب من خلال بعض "ذوي الأغراض الدنيئة " وخصوصا من المقيمين خارج العراق لاستغلال معاناة المواطن العراقي في الداخل وتزويده بمعلومات خاطئة في سبيل الحصول على منح من المنظمات الدولية بادعاء تمثيل مواطني الداخل .

لقد سبق وان شرحنا الفرق بين محكمة العدل الدولية و المحكمة الجنائية الدوليةن من خلال هذا البحثن وما سيليه من بحوث سنحاول ألقاء الضوء على إجراءات عمل دوائر المحكمة الجنائية الدولية في كافة مراحلها وسنبداء بمرحلة تقديم الشكوى في محاولة لمسايرةً القانون الدوليّ الجنائيّ ومحاولة لتوضيح إلية عمل المحكمة الجنائية الدولية والإجراءات المتبعة أمامها كهيئة قضاء دولية .

ينصّ النظام الأساسي للمحكمة على أولوية تطبيق القواعد المنصوص عليها في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في 17تموز 1998 . يمتد اختصاص هذه المحكمة الزماني من لحظة دخول النظام الأساسي حيز التنفيذ بالنسبة للدولة الطرف أو قبول الدولة غير الطرف اختصاص المحكمة.

ذكرت نصوص النظام الأساسيّ للمحكمة الجنائيّة الدولية القواعد الأساسية المتعلقة بعمل المحكمة والقانون الواجب التطبيق أمامها، وكذلك القواعد الخاصة بالمقبوليّة، وتشكيل المحكمة ودوائرها ووضحت اختصاصات تلك الدوائر وسلطاتها، كما بيّنت الإجراءات الخاصة بعمل المحكمة، سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة وتنفيذ الأحكام. ولمزيد من التخصيص فقد أحال النظام الأساسيّ للمحكمة إلى لائحة خاصة بقواعد الإثبات والإجراءات أمام المحكمة؛ لتكميل النظام الأساسيّ بمزيد من التفصيل لهذه القواعد. وقد تم اعتماد القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات من قبل جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في دورتها الأولى المنعقدة في نيويورك خلال الفترة من 3 إلى 10 أيلول/سبتمبر 2002 . وبموجب تلك القواعد تتمكن المحكمة من ممارسة اختصاصها في إطار المواد الإجرائية بالنظام الأساسي لتأسيس المحكمة ويلاحظ في النظام الأساسي انه وضح كافة اختصاصات المحكمة كما ورد في المادة 12 الفقرة (1) من النظام الأساسي للمحكمة "  1- الدولة التي تصبح طرفاً في هذا النظام الأساسي تقبل بذلك اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المشار إليها في المادة 5" . اقر النظام للنائب العام ([1]) رخصة افتتاح التحقيق من تلقاء نفسه بناء على التبليغ من مصادر متعددة بوقوع جرائم أيا كانت هذه المصادر بما في ذلك الدول ومنظمات الأمم المتحدة والمنظمات فيما بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية وكذلك الأفراد هذه هي الآلية الأولى لعمل المحكمة وهى تعرف بألية النشاط الاجرائى وهى الالية التى يقوم المدعى العام للمحكمة بما له من سلطات بموجب النظام الاساسى من تحريك الدعوى والتعاون مع كافة الهيئات والمنظمات الدولية والاستعانة بكل الوسائل التى اعطيت له بموجب نظام المحكمة الاساسى عندما يجد ان هناك جريمة قد ارتكبت ولذلك فلابد من تحريك دعوى جنائية تجاه من ارتكبها .

ان اول سؤال يثار في هذا المجال يكون عن الجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحكمة؟ للإجابة عن هذا السؤال نرجع الى ديباجة النظام الاساسي المحكمة الجنائية الدولية التي تنص على  " ان الدول الأطراف في هذا النظام الأساسي واذ تضع في اعتبارها ان ملايين الاطفال والنساء والرجال قد وقعوا خلال القرن الحالى ضحايا لفظائع لا يمكن تصورها هزت ضمير الانسانية بقوة واذ تسلم بان هذه الجرائم الخطيرة تهدد السلم والامن والرخاء في العالم واذ تؤكد ان اخطر الجرائم التى تثير قلق المجتمع الدولي باسره يجب الا تمر دون عقاب ..." . وكذلك نقرء في المادة (5) من النظام "1 ـ يقتصر اختصاص المحكمة على اشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي باسره وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم التالية ". وقد تم تحديد أركان الجرائم من قبل جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في دورتها الأولى المنعقدة في نيويورك خلال الفترة من 3 إلى 10 أيلول/سبتمبر 2002. وبجمع تلك النصوص سويا تصبح الجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحكمة كما يلي :

أ ـ جريمة الابادة الجماعية . وتشمل :الإبادة الجماعية بالقتل. الإبادة الجماعية بإلحاق أذى بدني أو معنوي جسيم. الإبادة الجماعية بفرض أحوال معيشية يقصد بها التسبب عمدا في إهلاك مادي. فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب.الإبادة الجماعية بنقل الأطفال قسرا.

ب ـ الجرائم ضد الانسانية. وتشمل: القتل العمد. والإبادة. والاسترقاق. وترحيل السكان أو النقل القسري للسكان .والسجن أو غيره من الحرمان الشديد من الحرية البدنية .والتعذيب .والاغتصاب .والاستعباد الجنسي .والإكراه على البغاء. والحمل القسري. والتعقيم القسري. والعنف الجنسي. والاضطهاد. والاختفاء القسري للأشخاص. والفصل العنصري. والأفعال اللاإنسانية الأخرى.

ج - جرائم الحرب . الركن الاساسي في هذه الجرائم أن يكون مرتكب الجريمة على علم بالظروف الواقعية التي تثبت وجود نزاع مسلح. وتشمل: القتل العمد. التعذيب. والمعاملة اللاإنسانية. وإجراء التجارب البيولوجية. والتسبب عمدا في المعاناة الشديدة. وتدمير الممتلكات والاستيلاء عليها. والإرغام على الخدمة في صفوف قوات معادية. والحرمان من المحاكمة العادلة. والإبعاد أو النقل غير المشروع. الحبس غير المشروع. وأخذ الرهائن. والهجوم على المدنيين. والهجوم على موظفين مستخدمين أو أعيان مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام. وتكبيد الخسائر العرضية في الأرواح والإصابات وإلحاق الأضرار بصورة مفرطة. الهجوم على أماكن عزلاء. وقتل أو إصابة شخص عاجز عن القتال. وإساءة استعمال عَلَم الهدنة. وإساءة استعمال عَلَم الطرف المعادي أو شارته أو زيه العسكري. واساءة استعمال علم الأمم المتحدة أو شاراتها أو زيها العسكري. وإساءة استعمال الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف. قيام دولة الاحتلال، على نحو مباشر أو غير مباشر بنقل بعض من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو بعضهم داخل هذه الأرض أو خارجها. الهجوم على أعيان محمية. والتشويه البدني. وتدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها.حرمان رعايا الطرف المعادي من الحقوق أو الدعاوى. والإجبار على الاشتراك في عمليات حربية. والنهب. استخدام السموم أو الأسلحة المسممة. واستخدام الغازات أو السوائل أو المواد أو الأجهزة المحظورة. واستخدام الرصاص المحظور. واستخدام أسلحة أو قذائف أو مواد أو أساليب حربية مدرجة في مرفق النظام الأساسي. الاعتداء على الكرامة الشخصية. والاغتصاب. والاستعباد الجنسي. والإكراه على البغاء. والحمل القسري. والتعقيم القسري. والعنف الجنسي. استخدام الأشخاص المحميين كدروع. والهجوم على أعيان أو أشخاص يستخدمون الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف. والتجويع كأسلوب من أساليب الحرب. واستخدام الأطفال أو تجنيدهم أو ضمهم إلى القوات المسلحة. والمعاملة القاسية.ان تستعمل أو أشخاص يستعملون الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف. والهجوم على موظفين مستخدمين أو أعيان مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام.تشريد المدنيين . والقتل أو الإصابة غدرا. وإسقاط الأمان عن الجميع. وإجراء التجارب الطبية أو العلمية.

د ـ جريمة العدوان .

وهذه الجرائم في المجمل هي موضع اهتمام المجتمع الدولي لأن ارتكابها يؤثر على السلم والأمن لكافة دول العالم والذي من أجله أنشئت الأمم المتحدة والتي يعتبر السلم والأمن الدوليين هدف أساسي من أهدافها ولكن المحكمة الجنائية الدولية رغما عن أهميتها واختصاصها بالنظر في هذه الجرائم إلا انه وطبقا لنظامها الأساسي قد تقع جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة (5) من النظام الأساسي  ومع ذلك لا تتدخل المحكمة في ذلك ولا ينعقد اختصاصها في مثل هذه الجريمة ويرجع ذلك إلى أن مكتب المدعى العام للمحكمة لا يرى أن هذه الجريمة تقع ضمن ولاية المحكمة لعدم انطباق الشروط الأساسية على الجريمة لكي تكون موضع تحقيق حيث نصت المادة 17/د  من نظام روما الأساسي "تقرر المحكمة ان الدعوى غير مقبولة في حالة د ـ إذا لم تكن الدعوى على درجة كافية من الخطورة تبرر اتخاذ المحكمة اجراء آخر "

وقد حدد النظام الاساس للمحكمة المعيار الذي يتم استخدامه لقبول الدعوى وهو ما يعرف بمعيار الخطورة وهو المعيار الذي يستخدمه المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية لاستبعاد بعض الحالات والتي يمكن أن يبت فيها القضاء الوطني . طبقا لمعيار درجة الخطورة "تقوم المحكمة بمحاكمة مرتكبي أشد الجرائم خطورة". ويشمل معيار الخطورة خطورة الجريمة وخطورة المتهم الذي ارتكب الجريمة.

ولذلك فإن نظام روما الأساسي قد وضع هذا المعيار في الحسبان وطبقا لنظام روما الأساسي فعند إحالة أي جريمة إلى مكتب المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية فلابد أن تكون الجريمة على درجة من الخطورة بحيث تدخل في اختصاص المحكمة وقد وضع مكتب المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية ثلاث مراحل لابد أن تكون الجريمة على درجة من الخطورة بحيث يمكن قبولها ـ الأولى: أن يتحرى مكتب المدعى العام جسامة الجريمة والثانية: أن يتحرى مكتب المدعى العام جدية الجريمة والثالثة:  أن يتحرى المدعى العام من المعلومات التي لديه هل يقبل الدعوى أم لا مادة 53/ج من نظام روما الأساسي "لدى اتخاذ قرار الشروع في التحقيق ينظر المدعى العام في ج ـ ما اذا كان يرى اخذا في اعتباره خطورة الجريمة ومصالح المجنى عليه"

والمرحلة الأخيرة هي مرحلة تحريات المدعى العام وهل يقبل الدعوى من خلال ما هو متوفر لديه من معلومات ونجد أن المشرع في النظام الأساسي قد جعل التحريات التي يقوم بها مكتب المدعى العام انه هو الذي يحدد بنفسه ما اذا كانت المعلومات التي جمعها هو وفريقه تثبت أن هناك جريمة على درجة من الخطورة ولابد أن يحرك عنها دعوى من عدمه ولابد لكى يقوم المدعى العام بتحريك هذه الدعوى بناء على المعلومات المتوفرة لديه أن يراعى خطورة الجريمة فقد نصت المادة (53 ) من نظام روما الأساسي وتقول "المدعى العام يشرع في التحقيق بعد ان يقيم المعلومات المتاحة له ما لم يقرر عدم وجود أساس معقول لمباشرة إجراء بموجب هذا النظام الأساسي وعند اتخاذه قرار الشروع في التحقيق لابد ان يراعى الآتي بحسب المادة أ ـ ما إذا كانت المعلومات المتاحة للمدعى العام توفر اساسا معقولا للاعتقاد بأن جريمة تدخل في اختصاص المحكمة قد ارتكبت او يجرى ارتكابها ب ـ ما اذا كانت القضية مقبولة او يمكن ان تكون مقبولة بموجب المادة 17 من النظام الأساسي  ج ـ ما اذا كان يرى اخذا فاعتبار خطورة الجريمة ومصالح المجني عليهم وان هناك مع ذلك اسبابا جوهرية تدعو للاعتقاد بأن اجراء تحقيق لن يخدم مصلحة العدالة " .

بموجب المادة 13 من ميثاق روما لعام 1998 فهناك ثلاثة اطراف فقط لهم حق تقديم او تحريك شكوى او إحالة قضية للمحكمة وهم على سبيل الحصر كل من :

دولة طرف في نظام روما الأساسي .

مجلس الأمن، متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .

المدعي العام اذا كان قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفقاً للمادة 15.

بالنسبة للدول الأطراف في نظام روما الأساسي فمن حقها أن تحيل إلى المدعي العام أية حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة قد ارتكبت وأن تطلب إلى المدعي العام التحقيق في الحالة بغرض البت فيما إذا كان يتعين توجيه الاتهام لشخص معين أو أكثر بارتكاب تلك الجرائم. ويجب على الدولة المعنية في هذه الحالة ان تحدد قدر المستطاع  الظروف ذات الصلة بالحالة المطلوب التحقيق فيها مع تقديم ما هو في متناول الدولة المحيلة من مستندات مؤيدة.

ويقصد بالدولة الطرف هي الدولة التي وقعت على نظام روما الأساسي وبالتالي أصبحت طرفا في هذا النظام والدولة الطرف لا يشترط أن تكون صاحبة مصلحة من الإحالة ([2]) .

بالنسبة لمجلس الامن الدولي فبالرغم من ان المحكمة ليست جهازاً تابعاً للأمم المتحدة ولكن علاقتها بمنظمة الأمم المتحدة وكما نصت المادة (2) من النظام الأساسي للمحكمة " تنظم العلاقة بين المحكمة والأمم المتحدة بموجب اتفاق تعتمده جمعية الدول الأطراف في هذا النظام الأساسي ويبرمه بعد ذلك رئيس المحكمة نيابة عنها" . بالإضافة الى هذا النص  فأن النظام الأساسي للمحكمة خلق لمجلس الأمن علاقة بالمحكمة في حالتين الأولى في المادة 13 من النظام الأساسي التي منحت مجلس الأمن الدولي الحق في إحالة متهمين بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية، وذلك متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الحالة الثانية وردت في المادة (16) من النظام التي نصت على ". لا يجوز البدء أو المضي في تحقيق أو مقاضاة بموجب هذا النظام الأساسي لمدة اثنى عشر شهراً بناءً على طلب من مجلس الأمن إلى المحكمة بهذا المعنى يتضمنه قرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها".

من خلال المادة 13 من النظام نرى ان دور مجلس الامن الدولي محدد بممارستهن أي المجلسن صلاحياته المنصوص عليها في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدةن أي عندما يرى المجلس في تلك الجرائم تهديداً للسلم والأمن الدوليّين، " وهذا يمكن تحليله بعبارتين الاولى أنّ مصدر السلطات لكـل من المحكمة ومجلس الأمن مختلف، فهو للأولى مستمد من نظامها الأساسيّ، وبالنسبة للأخيـرة فهو مستمد من ميثاق الأمم المتحدة. والعبارة الثانية: أنّ أعضاء الأمم المتحدة عهدوا إلى مجلس الأمن نيابة عنهم القيام بما يلزم من تدابير لحفظ السلم الدولي ([3])

بالنسبة للمادة (16) فقد منحت مجلس الامن الدولي سلطة كبيرة على عمل المحكمة كما يلي :

بالرغم من عدم وجود علاقة سياسية او إدارية بين مجلس الامن الدولي والمحكمة فقد منح النظام الأساسي للمجلس صلاحية تعطيل وإيقاف تحقيقات المحكمة اتجاة قضية معينة لمدة (12) شهر قابلة للتجديد حسب رغبة المجلس .

لا تخضع صلاحيات مجلس الامن الدولي الواردة في النظام الأساسي الى أي رقابة فيما يتعلق بالإرجاء

ليس هناك حدّ أعلى لمرات التكرار لطلب الإرجاء.

في حالة الإحالة من قبل مجلس الامن الدولي كما وردت في المادة (13) من النظام الأساس للمحكمة فهي مشروطة بمايلي

أن تكون عملاً باحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؛ أي أن تكـون هـذه الحالة تمثل تهديداً للسلم والأمن الدوليّين.

ان الجريمة محلّ الدعوى يجب ان تكون من اختصاص المحكمة . وقد حددت المادة (5) من النظام الأساسي الجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحكمة .

أن تكون الإحالة بناء على قرار صادر عن مجلس الأمنن أي يجب ان يتم التصويت على قرار الإحالة وفقا للإجراءات المحددة في ميثاق الأمم المتحدة لاتخاذ القرارات في مجلس الامن .

الشخص الثالث الذي يحق له تحريك الدعوى امام المحكمة استنادا الى المادة 13 من النظام الأساسي هو "المدعي العام " ويمارس هذا الحق من خلال المادة (15) من النظام الأساسي الذي تمنحه الحق في ان يباشر التحقيقات من تلقاء نفسه على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة. حيث  يقوم المدعي العام بتحليل جدية المعلومات المتلقاة ويجوز له، لهذا الغرض، التماس معلومات إضافية من الدول، أو أجهزة الأمم المتحدة، أو المنظمات الحكومية الدولية أو غير الحكومية، أو أية مصادر أخرى موثوق بها يراها ملائمة، ويجوز له تلقي الشهادة التحريرية أو الشفوية في مقر المحكمة. أذا استنتج المدعي العام أن هناك أساساً معقولاً للشروع في إجراء تحقيق، يقدم إلى الدائرة التمهيدية طلباً للإذن بإجراء تحقيق، مشفوعاً بأية مواد مؤيدة يجمعها.

بالنسبة للغات المعتمدة فقد حددت المادة 50 من النظام اللغات الرسمية للمحكمة وهي الأسبانية والإنكليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية وتنشر باللغات الرسمية الأحكام الصادرة عن المحكمة وكذلك القرارات الأخرى المتعلقة بحسم مسائل أساسية معروضة على المحكمة، اما لغات العمل داخل المحكمة فهي الإنكليزية والفرنسية وتحدد القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات الحالات التي يجوز فيها استخدام لغات رسمية أخرى كلغات عمل. ويجوز بناءً على طلب أي طرف في الدعوى أو دولة يسمح لها بالتدخل في الدعوى، تأذن المحكمة باستخدام لغة خلاف الإنكليزية أو الفرنسية من جانب ذلك الطرف أو تلك الدولة شريطة أن ترى المحكمة أن لهذا الإذن مبرراً كافياً.

مما تقدم يمكن ان نستخلص مايلي :

ان المحكمة الجنائية الدولية ليست جزء من منظمة الأمم المتحدة ولاتخضع لادارتها .

ان المحكمة الجنائية الدولية تعمل ضمن نظامها الأساسي الموقع من قبل الدول الأعضاء وليس لها ولاية قضائية على غيرها من الدول الا اذا كان هناك اتفاق منفرد موقع مع دولة اخرئ .

ان تحريك الشكوئ امام المحكمة لايمكن ان يتم بطلب من اشخاص اعتياديين او من قبل منظمات محلية او دوليةن عدا مجلس الامن . بل ان الشكوئ يجب ان تقدم من دولة عضو.

ان النظام الأساسي الموقع في روما والاجتماعات التي حصلت لاحقا قد حددت الجرائم الواقعة تحت ولاية المحكمة وأركان تلك الجرائم.

 

زهير جمعة المالكي

...............................

[1] مادة 13/ج والمادة 15 من نظام روما الأساسي

[2] د. سلوى الأكيابي -الإحالة إلي المحكمة الجنائية الدولية –طبعة دار النهضة العربية 2011 ص 9

[3] هاجر بنعمر، التحقيق أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّـة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة تونس المنـار، 2004-2003 ص 17.

 

بليغ حمدي اسماعيلاحتفلت مصر منذ أسبوعين بذكرى ثورتها الشعبية الرائعة والمثالية ثورة الياسمين والفل والتوليب والأوركيديا المعروفة بثورة الثلاثين من يونيو، هذه الثورة التي طالما نلتحف بإحداثياتها وتفاصيلها التي لا تبدو مكرورة ولن تستحيل مملة لأنها ثورة شعبية برائحة وطعم أرض مصر المحروسة، وسواء احتدمت المساجلات بتحقيق أهداف وأغراض الثورة لأهدافها والتي سنرى بعضاً من نورها ونيرانها صوب المواجهة مع تيارات الإسلام السياسي الراديكالي، فإن الثورة نجحت بالفعل في توحيد الصف المصري الأصيل بغض النظر عن اختلاف الرؤى والتوجهات السياسية، وبغض الطرف عن محاولات بعض فصائل الإسلام السياسي في استلاب حق الوطن والوطنية، أو أولئك الذين لا يزالوا يدعون بأنهم الأب الشرعي لمصر المعاصرة رغم أنهم لا ينتمون إلى مياديننا أو شوارعنا أو ثقافتنا التي هي جزء أصيل من هويتنا .

وذكرى الاحتفاء بثورة الثلاثين من يونيو العظيمة والتي أطاحت بنظام سياسي عتيد وعنيد أيضا، استطاع بكفاءة أن يكرس لثقافة الفزاعة الداخلية والخارجية، ونجح بامتياز في تعضيد وجوده كونه الحل السريع والوحيد لمواجهة الفوضى التي ستحل عقب انقضائه، إلا أن المصريين حقاً نجحوا ومصرون على نجاح مستدام لن ينقضي بمشيئة الله، لأنهم شعب استطاع من قبل أن يشيد حضارته بأبسط وأيسر أدوات صناعتها، هذه الذكرى المرتبطة دوماً بشعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والديموقراطية والتي استقرت بسقوط نظام الرئيس المعزول شعبياً محمد مرسي كانت كفيلة بثورة ثالثة ليست سياسية هذه المرة وليست بالضرورة اجتماعية إنما ثورة دينية .

إن المستقرئ لعقودنا غير البعيدة زمنيا يدرك على الفور الحالة الدينية التي صرنا عليها، ليست فقط بل كثير منا استمرأ هذه الحالة حتى استحالت مقاماً راسخا ثابتا لديه بغير اهتزاز . ورغم أن كل كتابات التنويريين دارت في فلك ضرورة الاجتهاد الديني والفقهي وأن تطوير وتجديد الخطاب الديني أصبح اختيارا وحيدا لأمة تأبى أن تسقط، إلا أن اجتهاد ما بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013 وفتاوى تيارات وفصائل الإسلام السياسي حتى وقتنا الراهن جاءت بملامح مغايرة وحضارة مصر التي علمت وصدرت الفكر الديني للعالم كله حسب قول مجدد العصر الحديث الشيخ محمد متولي الشعراوي .

إن أبرز علامات الخطاب الديني عقب ثورة الثلاثين من يونيو الشفوية التي لا تعد وثيقة أو شهادة معتمدة لدى كتاب التاريخ الذي يحفظ ويسجل تفاصيل العصر، وهذه الشفوية استغلت خصائصها الذاتية في الانتشار السريع والتأثير المباشر، فهذا حرام وهذا حلال دون أي تلميح أو تصريح إلى المباح والمكروه والمندوب، بل إن الذين أججوا مشاعر البسطاء والعاديين بفتاويهم غير الموثقة أو الدالة على عمق فكري وبصيرة نافذة أسهموا بطريقة ما في تهميش دور مصر الثقافي وبوثيقتهم الشفوية تلك لم يعوا إلى أنهم تسببوا قصدا في التقليل من مكانة مصر الدينية فهم أحرى بالثورة ضدهم وضد اجتهاداتهم الفقيرة معرفياً.

وكم هو مثير للعجب والدهشة أن رواد الفتاوى السريعة ومحاربي التنوير الديني وجدوا جوابا سريعا يعتقدون أنه شافيا لكل مسألة فقهية أو ظاهرة اجتماعية، بل الأخطر والذي يثير الشفقة على حال الخطاب الديني المعاصر أن اجتهادات بعض أقطاب فصائل الإسلام السياسي خلطوا بين الدين والسياسية بغير تأويل أو تحليل، وراحوا وصالوا يقولون إن الفاروق عمر (رضي الله عنه) قال كذا مشيراً إلى ظاهرة معاصرة، وإن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) أشار إلى كذا ملتمساً قصية راهنة، والمواطن البسيط اعتاد تصديق هؤلاء المروجين لفكر سياسي تحت عباءة دينية، لكن كان عليه أو على المؤسسات الدينية الرسمية أن تقيم الحجج وتبرهن على أقوال السلف العظام والكرام وفقاً لسياقاتهم الزمنية ولمواقف الفتوى التاريخية .

ويكاد جميع المحللين السياسيين يتفقون ولو لمرة واحدة على أن فصائل الإسلام السياسي نجحت بكفاءة عالية في ظل اللغط السياسي والتوتر الاجتماعي بين أطياف المجتمع عقب انتفاضة الخامس والعشرين من يناير لا سيما وأن كل طيف يسعى لتنصيب نفسه مفجراً وصاحبا للثورة، استطاعت أن تنتشر في نسيج المجتمع عن طريق تصريحات مشتعلة كاشتعال الحراك السياسي وقتها، وبل ونجحوا في إقناع الآلاف في أن خطابهم الديني هو طوق النجاة من أزمات مصر جميعها، والتدين فطري لدى المصريين، ونصوص الفراعنة الدينية القديمة تؤكد حالة الولع الديني لهذا الشعب، لكن أي خطاب هذا الذي دعا إلى الفرقة والعنصرية وترويج الفتن والانقسام؟.

وربما أقأشارف اليقين حينما أشير إلى علامة فارقة في الخطاب الديني الذي أعقب ثورة الثلاثين من يونيو 2013 في مصر، وهي بزوغ العقد النفسية التي تحكم هذا الخطاب وتوجه فتاويه ومن خلالها يمكن رصد ملامح الاجتهاد لدى أصحابه، فوجدنا ولا نزال عبر الفضائيات التي لا أراها تعبر عن واقعنا المصري الذي يسعى إلى البناء أن ثمة عقليات أسعدها القدر بالظهور على الشاشات العربية وطالت قدرا كبيرا من المشاهدة كنتيجة طبيعة لشعب استفاق مؤخرا من نظام سياسي حكم بمنطق الاستعلاء، هذه العقليات لم تستطع التخلص من ذكريات الحبس والقيد والإحساس بالظلم والقهر لذا رأيناهم ولا يزالوا على حالة من التوتر المتزامن مع اجتهاداتهم الدينية والتي تميل إلى الاقتطاع من النص الأصلي لرجل ديني أو نص سلفي لأحد الصحابة أو الصالحين أو استغلال الفقر الديني المعرفي لدى بسطاء المصريين وسرد مقولاد لرجال دين ربما لم يفطنوا بعد أسرار العربية الجميلة .

وشعور الاضطهاد النفسي الذي يلازم تيارات الإسلام السياسي ألجأهم إلى الانتقام بغير عنف جسدي عن طريق تصحيف الفتاوى وتحريفها بما يعوض حالات الاضطهاد والقهر لديهم، بل إن تسعين بالمئة من الخطاب الديني لتيارات الإسلام السياسي عقب اشتعال الثورة كان سياسيا أكثر منه دينيا، وحينما حدث اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة وجدا كثيرا من الاجتهادات الدينية لتفسير ظاهرة هي في أساسها سياسية لا علاقة لها بأصول الدين أو العقيدة أو ما يتعلق بالفكر الديني عموما .

ولقد أفرزت انتفاضة يناير جيلاً جديداً يحترف السياسة ويمتهن مهنة الناشط السياسي المحترف الذي يجيد قواعد وضوابط وشرائط اللعبة السياسية، وهذا الجيل تفوق على سابقيه في أن احترافه السياسي لم يكن قاصراً عند حدود التنظير والتوصيف فقط وإعادة مضغ المصطلحات والمفاهيم السياسية المكرورة وتدويرها حسب السياق والحدث، بل تجاوز هذه المرحلة الصامتة إلى مراحل التخطيط والتنفيذ والفعل والحدث، وبعد أن كانت الأجيال السياسية السابقة على انتفاضة يناير تتناول الحدث السياسي الرسمي الصادر عن السلطة أو المؤسسة الرئاسية الرسمية من خلال التعليق والوصف وتأويل الخطاب السياسي، أصبح جيل ثورة يناير السياسي هو الحدث نفسه وهو الطاقة المحركة للفعل السياسي الراهن، ومهما اختلفت الآراء حول التيارات السياسية الناشئة عقب انتفاضة يناير والائتلافات الثورية الجديدة إلا أنها تختلف بالجملة عن جيل ثورة يونيو الذي أصبح فيما بعد قادرا على صنع الحدث السياسي الذي يلقي بظلاله بقوة على المشهدين الاجتماعي والرسمي في مصر.

وعلى النقيض من جيل الثورة الذي قرر التمرد نهائياً على سلطات التابو السياسي بالعزل الشعبي لجماعة الإخوان، نجد جيلاً آخر ينتمي أيديولوجيا إلى فصائل الإسلام السياسي، أما الأغلبية فهم يتبعون أفكاراً لم يكونوا مؤسسين لها وقيادات الفصائل نفسها لم تعترف بمبدأ المشاركة في صناعة الرأي أو الطرح الفكري، وهؤلاء يقفون الآن في مواجهة جيل يتحرك ثقافياً ويمتلك طروحات نظرية وممارسات إجرائية على مستوى الفعل والحدث السياسيين .

ومجمل ما نراه اليوم من تفاوت وتباين شاسع بين هذين الصنفين الذين ينتميان معاً إلى جيل ما بعد الثورة أن الفجوة في أساسها ثقافية، فمصر رغم أنها الدنيا وليست أم الدنيا فحسب ظلت لعقود طويلة تعاني مشهداً ثقافياً ضبابياً سرعان ما تحول إلى صورة معتمة تماماً، فالثقافة في سنوات الرئيس السابق حسني مبارك تحولت إلى أحاديث نخبوية بعيدة عن المشهد الحقيقي لحياة المصريين، والمؤسسات الثقافية صارت تدشن احتفاليات ثقافية باهتة وديكورية لا تسهم في رصد الحالة الثقافية في مصر، وأصبحت احتفاليات الثقافة قاصرة على ندوات ساذجة وورش ثقافية تناقش موضوعات تدعو إلى سخرية الشارع المصري وربما كان هذا دافعاً حقيقياً من جانب المؤسسة الرسمية لتهميش ثقافة المواطن ولتكريس ثقافة بسيطة لديه، كما كانت حزمة الإجراءات الثقافية التي اتبعت آنذاك دافعاً قوياً أيضاً لجيل الثائرين الذين قاموا في ثلاثة أعوام واحدة بانتفاضة في يناير 2011 وثورة شعبية في يونيو 2013.

وبعد استقرار الوضع نسبياً عقب الثورة وأثناء حكم المجلس العسكري للبلاد وفترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي لمصر بدت الفجوة واضحة وشاسعة بين الطرح الفكري لجيل الشباب الثائر والحشد الجسدي لجيل الشباب الذي ارتضى التبعية فقط لمريدينهم، لذا وجدنا ائتلافات كثيرة ثورية وحركات وتجمعات شبابية تقدم رؤى سياسية وأفكاراً اجتماعية تستهدف المشاركة الفعلية المباشرة في المشهد السياسي حتى استطاعت بحق أن تصنع تفاصيل هذا المشهد بدليل ما حدث في ثورة الثلاثين من يونيو ودورهم في أثناء وبعد عزل الرئيس محمد مرسي وقيادهم بدور الوسيط الإيجابي بين المؤسسة الرسمية وبين فصائل الشعب المختلفة .

وعلى النقيض وجدنا جيلاً آخر لا يمكنه قراءة المشهد السياسي بوضوح لأنه لم يكن يوماً ما من تفاصيله الرئيسة، ولم يكن يوماً ما جزءاً من الحراك السياسي اللهم سوى تحشيدهم الجسدي واشتراكهم في الهتاف بالتأييد أو التنديد تبعاً لأيديولوجية جماعاتهم وفصائلهم التي تنتمي لليمين المتطرف . ولم تبد قوة هؤلاء وهؤلاء إلا من خلال المواجهة الآنية التي تتم في شتى بقاع مصر المحروسة، بل إن مواجهة جيل الثورة وجيل النص أي السمع والطاعة بدت جلية منذ بداية اعتصامي محيط رابعة العدوية بالقاهرة وميدان النهضة بالجيزة . وبدور هذه المواجهة أصبح المشهد السياسي أشبه بالخارطة التي تحتاج إلى قراءة وتأويل وتفسير للرموز التي تحتويها هذه الخارطة.

وإذا قرأت شيئاً فلابد وأن يكون مرتباً، هذه الحكمة هي في الحقيقة مفتاح قراءة المشهد السياسي في مصر في هذه الفترة ما بين الانتفاضة والثورة، وكثيراً ما قام السياسيون والمحللون عبر القنوات والوسائط الإعلامية بقراءة المشهد السياسي متهربين من الإجابة عن سؤالين مهمين يعدان البوابة السحرية للفكاك من شرك هذا المشهد الساخن . وهما ما تفاصيل المشهد السياسي الراهن آنذاك ؟ وكيف يمكن إعادة ترتيب هذه التفاصيل من أجل قراءة متأنية وواعية للمشهد السياسي؟. فالمشهد السياسي وقتئذ يتضمن مؤسسة عسكرية في مهمة وطنية هي الحفاظ على أمن الوطن، واستنفاراً أمنياً شرطياً استثنائياً في عودة للتعافي الأمني، وإدارة جديدة للبلاد شملت حكومة الدكتور حازم الببلاوي التي انتقلت من مرحلة الحكومة الانتقالية إلي توصيف الحكومة التأسيسية . بالإضافة إلى تشكيلات مسلحة خارجة عن سلطة القانون تمارس العنف بطرائق منظمة، وحركات وائتلافات سياسية ثورية ترى أنها صانعة الحدث السياسي الأبرز وهو محمد مرسي وجماعته التي أحكمت الخناق على مفاصل الدولة المصرية، بالإضافة إلى تغطية إعلامية تتأرج بين الحيادية والتوجيه .

ولابد من الاعتراف في هذه الأيام المنصرمة بصعوبة إعادة ترتيب هذه المكونات في ظل هوس المصريين بالتصنيف السياسي من ناحية، ولتسارع الأحداث السياسية التي جرت على أرض مصر المحروسة ورغبة بعض القوى في إقصاء الآخرين . فالجاذبية السياسية صارت تتحكم في المشهد السياسي قبيل العزل الشعبي لجماعة الإخوان بطريقة لم يكن التنبؤ بنتائجها أمرا طبيعيا يسيرا، ولاشك أن المشهد ازداد غموضاً بعد تزايد فرص أصحاب الدولة العميقة أقصد رجال الحزب الوطني المنحل، وصراع الدولة الغريقة أقصد جماعة الإخوان في البقاء، وأنصار الدولة العتيقة وهم القوة الناعمة المتمثلة في ملايين المصريين الذين وجدوا في القوات المسلحة ملاذاً وملجأ .

وحتى لا نجتر أحداثاً تاريخية وقعت في المشهد السياسي المصري منذ أعوام ليست بالبعيدة، ولكن نرصد حالة على عَجَلٍ، فعقب نجاح انتفاضة يناير 2011 مباشرة شاهدنا انتفاء قرار الحظر والمنع والرفض السياسي والمجتمعي لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت محظورة دون أحكام قضائية أو حزبية تبيح فك الحظر .. ومع ذلك قبلنا لأننا نعيش عهد الربيع الثوري . وبعدها بقليل أصبح للجماعة ذراع سياسي هو حزب الحرية والعدالة الذي استطاع رغم ولادته الحديثة والمبكرة ـ كحزب سياسي ـ أن يحصد المقاعد التاريخية للحزب الوطني المنحل سواء في مجلس الشعب أو مجلس الشورى وهو يتعهد بتحقيق مطالب الثورة من العيش والحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية .

وبالفعل نجح الحزب برعاية الجماعة التاريخية الضاربة في النضال الوطني لأكثر من ثمانين عاماً في تحقيق الحرية والعدالة سواء من حيث الاسم الذي يمثله الحزب نفسه ( الحرية والعدالة ) أو من حيث تحقيق الديموقراطية حيث سمحوا للتيارات السلفية والليبرالية وحفنة قليلة من الأقباط واليساريين أن يتواجدوا في مقاعد البرلمان ومن ثم فهم بذلك يسعون إلى المشاركة لا المغالبة .

وفي كل يوم وليلة كنا نفاجأ بقيادات الحزب الذين هم بالضرورة المنطقية يمثلون قيادات الجماعة يؤكدون بأنهم اختيار الشارع وأن وجودهم في سدة السلطة التشريعية والرقابية جاء بطريقة شرعية وليست عرفية من خلال ثقة المواطن في الجماعة ككيان سياسي ديني وكذلك ثقتهم في رموز الجماعة والحزب .. وأي هجوم نراه على الجماعة والحزب بوصفه الذراع السياسي لها يطالعنا أحد قيادات الجماعة بأن هناك مخططات لتشويه صورة الحزب لدى المواطنين وأن هناك مساعٍ جادة مسمومة من قبل اللهو الخفي أو الطرف الثالث أو الدول العربية أو أي جماعة أخرى تشعر بالغيرة فتعمل على إسقاط مكانة الجماعة والحزب في المشهد المجتمعي .

ولكن كم كنت أتمنى أن تراجع الجماعة نفسها بعد هذا الصعود السياسي والمد الاجتماعي الرهيب الذي تحقق لها وقت الصعود، بدلاً من أنها أصبحت مهمومة بالرد على الاتهامات والانتقادات التي توجه إليها، وجملة المثالب التي التصقت بها ليل نهار، وحقاً إن المشكلة الرئيسة في أن الجماعة لم تستوعب الدرس جيداً من الوريث السابق جمال مبارك في وصوله الحصري والسريع إلى مقعد الحل والعزم والفك والربط في الشأن السياسي المصري، وهذا الوصول السريع ليس كفيلاً أن يعقبه السقوط، ولكن كان ينبغي أن يعقبه التدبر والتأمل في عملية الصعود السياسي تلك، ومن ثم محاولة تأويلها وتعرف ما تم تحقيقه على مستوى الجماعة (أمانة السياسات سابقاً) وما لم يتحقق بعد على المستوى الجماهيري والشعبوي .

وتوقع هجمة شعبوية ضد جماعة الإخوان المسلمين وحزبها السياسي كان أمراً منتظراً أو بصورة أخرى رهن الانتظار، فأحياناً لا يجيد المرء سوى الرفض والمعارضة والهجوم ودرء العيش في سلام مطلق، هكذا حال الجماعة الآن، فبين انتظار طويل للانضمام لجموع الثوار والمتظاهرين لإسقاط النظام كان موقفهم، ثم ترك بعض الحوادث الانفلاتية في الشارع المصري بينما اهتمت بتحشيد الجموع نحو غزوة الصناديق وهم يذكرونني بذلك بالرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش حينما أعلن أن الحرب على الإرهاب حرب صليبية مقدسة، ولكن ألا تكون الغزوة ضد المغاير في العقيدة والتوجه ونحن أبناء وطن مسلم بطبيعته ؟! ..

ثم عادت الجماعة متمثلة في حزبها السياسي الوليد ـ مقارنة بأحزاب كالوطني المنحل والوفد والتجمع على سبيل المثال ـ في رفضها المطلق لسياسات وزارة الداخلية ومن ثم تحريك بعض القضايا الخلافية باتجاه الوزارة كلحية الضابط مثلاً، ثم حرص نواب الحزب المستدام على استجواب وزير الداخلية في حوادث الانفلات الأمني وكأنهم بذلك ينتقمون من زمن حبيب العادلي ورجاله في صورة وزير الداخلية.

وبعد ذلك جاء الرفض الحزبي لأداء الحكومة، وتباطئها، وقلة إنجازاتها، ومن ثم الإعلان عن ضرورة سحب الثقة من الحكومة لأن جمهور الجماعة يريد ذلك الأمر، متهمين الحكومة بعجزها عن الوفاء بمطالب الشعب، رغم أن للشعب نفسه مطالب في أعناق نواب الحرية والعدالة . وبات التهديد اليومي من قبل الحزب الإخواني لحكومة الدكتور الجنزوري ووزرائها .

وهذا المشهد السياسي الذي كان قائما قبيل اشتعال ثورة الثلاثين من يونيو 2013 ينبئ عن حقيقة واحدة مفادها أن مصر جائزة كبرى بالفعل، بدليل هذه الصراعات الداخلية والخارجية التي تتناول الوطن بكثير من الفعل والكلام والمحاولات غير النظيفة لتقويض أمنه واستقراره الداخلي ولتعجيزه الاقتصادي من الخارج عن طريق التلويح العاجز بقطع المساعدات والإمدادات المادية لمصر، وهذا السعي نحو إضعاف مصر يدفع المصريين إلى مزيد من الوعي لقراءة المشهد، وإلى مزيد من التماسك الاجتماعي بين شتى الفصائل والطوائف، وإدراك البعد الحضاري المتميز للوطن الأمر الذي جعل الاتحاد الأوروبي يبدو متخبطاً في ممارساته وإجراءاته الدبلوماسية، وتشتت القرار الأمريكي الرسمي الذي يواجه ثمة اعتراضات داخلية هناك . في الوقت الذي أدرك فيه المواطن المواقف الإيجابية من بعض الدول العربية والأجنبية أيضاً والاعتراف الدولي بسيادة الدولة المصرية وحقها المشروع في التعامل في شئونها الداخلية .الأمر الذي يدفعنا للتأكيد مراراً وتكراً بأنه آن الوقت لمصر لآن تستفيق لوضعها ومكانتها الجغرافية والتاريخية والحضارية.

وعودة غلى قضية التجديد، فإن أصدق عبارة تنطبق على الخطاب الديني المتلازم لثورة الثلاثين من يونيو من جانب فصائل الإسلام السياسي والذي يحتاج اليوم إلى ثورة حقيقية هي عبارة يمكن توصيفها بطريقة عكسية، تقوق العبارة الصوفية " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة " فالرؤية لدى بعضهم لم تكن متسعة بالقدر الكافي فظلت العبارة أي الخطاب الديني لديهم واسعاً بغير ضوابط أو أحكام مشروطة، ويكفيك أن تجري مسحاً سريعا على موقع يوتيوب لتشاهد بعضاً من المداخلات واللقاءات الفضائية لهؤلاء لتكتشف على الفور الحالة التي وصل إليها خطابنا الديني المعاصر والذي لم يخرج عن مساحات التكفير والغلو وتفسيق المجتمع والبرهنة على فجوره رغم أن هناك ألفاظاً تصدر من أفواههم قد تقربهم أنفسهم من مشارف الفسق اللفظي المتعمد .

وخطابنا الديني الذي صار غير معترف بمؤسسات رسمية تبنى مرجعيات تكفيرية لم تفلح في تطوير وتجديد الفكر الديني وبالتالي اقتحمت مجالات سياسية واجتماعية لم تمتلك أدواتها بدقة وعناية كالطبيب الذي يجري عملية جراحية في القلب وهو في الأصل طبيب أخصائي علاج طبيعي، يعرف معلومات بديهية في القلب وأمراضه وطرائق علاجه لكنه لا يفطن إلى أسراره بعد .

هذه المرجعيات كادت أن تتفق في إحداث مزيد من اللغط الديني لدى أطياف الشعب، علاوة على تمجيد الاستقطاب والاستلاب بغير إتاحة الفرصة للمواطن أن يحلل فكر هذه المرجعيات، ولازلت وغيري كثيرون يتعجبون من أن كثيراً من مرجعيات الإسلام السياسي ليست مصرية خالصة وكأنهم لم ينتبهوا إلى قدر مصر ومكانتها الرصينة في التنوير والتجديد وأن مصر بعمقها الضارب قدما في التاريخ هي صاحبة الخطاب الديني العميق والأكثر استنارة والأقوى حجة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م ) .

كلية التربية ـ جامعة المنيا.

 

 

 

احمد عواد الخزاعيفي صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958 ميلادي كان العراق على موعد مع حدث كبير، حدث غير المعادلة السياسية والاجتماعية القائمة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ميلادي، وفتح بوابة أمل جديدة لفقرائه ومعدميه الذين سحقتهم الفاقة والعوز في ظل نظام غابت عنه العدالة الاجتماعية، يقف على قمة هرمه البرجوازية الرأسمالية والإقطاع، مورست فيه الطبقية بأبشع صورها.

في صبيحة هذا اليوم الخالد كان العراق على موعد مع ثورة امتزجت فيها الإرادة الوطنية لمجموعة من الضباط الأحرار يقف على رأسهم الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم مع طموحات وتطلعات شعب كان ينشد العدالة والحرية والعيش الكريم، في ظل حالة من الغليان الجماهيري لم تكن بمنأى عما يدور حولها في المحيط العربي من أحداث سياسية وتحركات شعبية مطالبة بتغيير الواقع السيئ الذي كانت تعيشه تلك الجماهير في ظل حكومات وملكيات كانت تتهم بعمالتها وتبعيتها للمستعمر الأجنبي، فكان العراق جزء من هذا الحراك وساحة لعملية تغيير كانت أغلبية الشعب العراقي بحاجة ماسة إليه نتيجة لعوامل داخلية عديدة منها .. (الفقر والجهل والحرمات، غياب العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات، التبعية المقيتة للنظام الحاكم آنذاك للمحتل البريطاني، ربط العراق بمعاهدات والتزامات كبلت يداه عن التصرف بقراره السياسي وموارده الاقتصادية مثل النفط لصالح بريطانية والتي كان آخرها حلف بغداد الذي انشأ بإرادة بريطانية عام 1955، هيمنة الشركات الأجنبية على الاقتصاد العراقي وبالأخص شركات النفط، ربط العراق بالكتلة الإسترلينية مما أدى إلى تراجع الدينار العراقي وحدوث تضخم وغلاء للأسعار) .. وقد أورد الكثير من المؤرخين والباحثين أسباب أخرى لا تقل أهمية عن الذي ذكر ومنهم الدكتور علي الوردي الذي عزا الأسباب الرئيسية للثورة إلى استهتار السلطة الحاكمة بمفهوم الديمقراطية وتزويرها للانتخابات، واضطهادها للحركات والشخصيات الوطنية، واحتقارها للشعب وتعطيلها للدستور وبهذا يقول.. (ان جلاوزة العراق، ومن لف لفهم من المتزلفين وأنصاف المتعلمين ينظرون إلى الشعب الفقير نظرة ملؤها الاحتقار والاستصغار ولعلهم لا يشعرون بهذا الاحتقار الذي يكنّونه لأبناء الشعب، إذ هو كامن أغوار نفوسهم، اللاشعور من أنفسهم، فهم ينساقون به وقد لا يعرفون مأتاه أحيانا.

ويذكر الكاتب والباحث مجيد خدوري في كتابه (العراق المستقل من 1932 إلى 1958)  رواية للشاعر الكبير محمد مهدي ألجواهري حين كان نائبا، في إشارة إلى حالة التزوير والاستهتار اللتان كانتا سائدتان في ذلك الوقت بقوله .. (لقد وقف نوري السعيد ذات يوم وقد ضاق صدره من هذا المعارض أو ذاك ليقول بالحرف الواحد ... هل بالإمكان أناشدكم الله، أن يخرج أحدنا مهما كانت منزلته في البلاد، ومهما كانت خدماته في الدولة، ما لم تأت الحكومة وترشحه؟

فأنا أراهن كل شخص يدعي بمركزه ووطنيته، فليستقيل الآن ويخرج، ونعيد الانتخاب، ولا ندخله في قائمة الحكومة، ونرى هل هذا النائب الرفيع المنزلة الذي وراءه ما وراءه من المؤيدين يستطيع أن يخرج نائباً .. ويضيف ألجواهري … هكذا كانت الأوضاع في العراق وهكذا كانت الديمقراطية، ولا شك إن أوضاعاً كهذه لا بد أن تخلق حالة من الكبت الجماهيري الذي يبحث عن مفجر).)

وأما المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني فقد ذكر سببا مهم آخر للثورة، أدى إلى أزياد حنق الجماهير على النظام الملكي وحكوماته، وهو التمييز الطائفي والعنصري بحق الأغلبية الشيعية في العراق حيث يورد في كتابه (تاريخ الوزارات) مذكرة للملك فيصل الأول موجهة إلى الحكومة والنخب السياسية تبين البعد الطائفي والعنصري للنظام الذي كان قائما آنذاك، يقول فيها .. (أن العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسَسَة على أنقاض الحكم العثماني وهذه الحكومة تحكم قسماً كردياً، وأكثرية شيعية منتسبة عنصرياً إلى نفس الحكومة إلا إن الاضطهاد الذي يلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي المنقسم إلى هذين المذهبين .. ويخاطب الملك النخبة السياسية قائلاً ... أخشى أن أتهم بالمبالغة، لكنه من واجبي أن لا أدع شيئاً يخامرني، خاصة لعلمي بأنه سوف لا يقرأ هذا إلا نفر قليل، ممن يعلمون واجباتهم ومسؤولياتهم ولا أرغب أن أبرر موقف الأكثرية الجاهلة من الشيعة، وأنقل ما سمعته ألوف المرات، وسمعه غيري من الذين يلقون في أذهان أولئك المساكين البسطاء من الأقوال التي تهيجهم، وتثير ضغائنهم، إن الضرائب على الشيعي، والموت على الشيعي، والمناصب للسني .. ما الذي هو للشيعي؟

حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها، ويضربون الأمثلة على ذلك، مما لا لزوم لذكره) انتهى كلام فيصل الأول.

على الرغم من كثرة الأسباب الداخلية لثورة 14 تموز المجيدة وأهميتها وخطورتها، إلا إن هنالك بعض الأسباب الإقليمية فرضت نفسها على الساحة السياسية العراقية وبقوة، كون العراق جزء حيوي ومهم من محيطه العربي والإقليمي ومن الطبيعي ان يتأثر بما يدور من حوله من أحداث وتجاذبات ومنها الحركات التحررية والثورات والانقلابات العسكرية، وحروب وانتكاسات في المشهد السياسي العربي أثرت عليه بشكل أو بآخر ومنها .. (نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل وتشريد الشعب الفلسطيني بموافقة الحكومات الرجعية العملية، هزيمة العرب في حرب 1948 مع إسرائيل، ثورة 1952 في مصر على النظام الملكي، ثورة 1948 في اليمن ضد حكم الإمام بقيادة الضابط اليمني العراقي الأصل جمال جميل، العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وموقف الحكومات العربية الرجعية منه) . كل هذه الأسباب وغيرها الكثير هي التي دعت الزعيم عبد الكريم قاسم الى التحرك للإطاحة بالنظام الملكي وحكوماته الرجعية وإعلان الجمهورية الخالدة كما اسماها هو، جمهورية الفقراء والمهمشين، بثورة اكتسبت شرعيتها من تعاطف ومؤازرة الجماهير لها وبقوة والتفاعل مع أحداثها التي لا يمكن لأحد أن ينكر حدوث بعض الأخطاء التي شابتها وبالأخص ما يتعلق بمصير العائلة المالكة والنهاية المأساوية التي لاقوها على يد بعض المندسين والمحسوبين على الثورة ومنهم عبد السلام عارف الذي افتخر أمام والده تاجر القماش الحاج محمد عارف ..(بأنه عليه أن يفتخر به لأنه حقق له حلمه بأبادة العائلة المالكة في العراق).. أو إلى بعض الضباط الذين قادهم التحمس الشديد للثورة الى ارتكاب مثل هكذا عمل مشين كان أول الرافضين له قائد الثورة عبد الكريم قاسم الذي كان يرى ان يتم استنساخ التجربة المصرية في التعامل مع الأسرة المالكة في العراق بعد الثورة، وهذا ما تقرر تنفيذه إلى ان هنالك جناح آخر داخل قادتها كان يرى في تصفيتهم الحل الأمثل لوجود ارتباطات وتحالفات عسكرية مع بريطانية تسمح لها بالتدخل وإعادة الملك مرة أخرى لحكم العراق.

وبالرغم من كل هذه الإرهاصات والمنغصات إلى ان الثورة قد حدثت وأحدثت التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي بفترة زمنية قصيرة جدا شهد فيها العراق نقلات نوعية وعلى جميع الأصعدة، وتحقق جزء كبير من العدالة الاجتماعية التي غابت عن مجتمعنا، ونال فقراء العراق ومحروميه بعضا من الإنصاف والرعاية وتنفسوا الصعداء في ظل زعامة وطنية جعلت من تقدم وازدهار ورفاهية العراق وشعبه هدفا لها، فأنجزت في خمس سنين ما عجزت الحكومات المتعاقبة على حكم العراق منذ تأسيسه عام 1921 ولغاية الآن عن انجازه، يحدوا بها شعورها بالمسئولية التاريخية الملقاة على عاتقها اتجاه أبناء هذا الوطن محاولة رفع الظلم والحيف عنهم والذي لازمهم لقرون طويلة ..فاصدر قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم مجموعة من القوانين على الصعيدين السياسي والاقتصادي وضعت العراق على الطريق الصحيح ومنها .. (قانون استثمار النفط رقم 80 لعام 1961 والذي أثار حفيظة بريطانيا وشركاتها الاحتكارية وبموجبه أوقفت عمليات تنقيب واستثمار آبار نفط جديدة في العراق، إصداره قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 والذي أعاد بموجبه توزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين الفقراء والقضاء على النظام الإقطاعي البغيض، إخراج العراق من حلف بغداد، تحرير العملة الوطنية من الارتباط بالإسترليني) .. إضافة إلى قيامه ببناء بيوت للفقراء وتوزيع الأراضي السكنية عليهم ممن كانوا يسكنون العشوائيات على أطراف بغداد القديمة في (الشاكرية والميزرة) بقوله، (سيخلد اسمي التاريخ وأنني بنيت 35 ألف دار لفقراء العراق في عمر الثور).

كل هذه الانجازات والتحولات الايجابية في المشهد العراقي أثارت حفيظة الكثيرين داخل العراق وخارجه فتآمروا على الثورة وأطاحوا بها بانقلاب شباط الأسود عام 1963، لتتطوى صفحة مشرقة من تاريخ العراق الحديث لازالت الذاكرة الجمعية لفقرائه تحتفظ بها وتستذكرها بحسرة وأمتنان، هذه المرحلة الفريدة والتي أصبح من الصعوبة أذا لم يكن من المستحيل استعادتها أو ظهور حالة مشابهة لها.

 

احمد عواد الخزاعي

 

ابراهيم أبراشهناك مداخل ونظريات متعددة للتحليل السياسي ومنها: الصراع والقوة، القانونية، التاريخية، الدينية، السسيولوجية، الثقافية، العلمية الموضوعية، التفاؤلية، التشاؤمية الخ، ونظرا لطول الصراع المتعلق بالقضية الفلسطينية فقد وظف كل طرف من أطراف الصراع كل المداخل والنظريات السياسية في الترويج لروايته التي تعزز ما يعتبره حقه بأرض فلسطين ونفي هذا الحق عن الطرف الثاني.

سنقارب في هذا المقال مسألتي أو مدخلي الموضوعية من جانب والتفاؤل والتشاؤم من جانب آخر في مقاربة التحليل السياسي للقضية الفلسطينية في الوقت الراهن.

أولاً: التحليل السياسي ما بين الموضوعية أو عدمها.

لأن الموضوعية المطلقة مثلها مثل الحقيقة المطلقة شبه مستحيلة في الحياة السياسية والاجتماعية فإننا غالباً نكون أمام مقاربات متعددة سواء من المحللين السياسيين أو الباحثين أو وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، تتدرج من الانحياز الكامل لطرف على حساب الطرف الثاني، إلى مقاربات تحاول أن تلتزم بالحد الأدنى من الموضوعية أو تتغيا ذلك، فتسجل ما لكل طرف وما عليه من نقاط قوة وضعف ومدى توفر عنصر الشرعية عند كل طرف، حتى أصبح الاختلاف وتعارض المواقف والرؤى هو الطاغي على الشأن السياسي المحلي والدولي.

إلا أن هناك قضايا وإن لم تحض بالإجماع إلا أنها تستمد عدالتها من توافق أغلبية الآراء والمواقف السياسية. ففي الشأن الداخلي يمكن تلمس هذه القضايا من خلال التوافق الوطني على ما يسمى ثوابت ومرجعيات الأمة ويعبر عنها الدستور والقوانين والأعراف والضمير الجمعي، وحتى لو شذت بعض المواقف والآراء فيتم معالجتها بالحوار وبالممارسة الديمقراطية، وعلى المستوى الدولي والعالمي حيث تتوافق غالبية دول العالم على قضايا تنسجم مع القانون والشرعية والعدالة الدولية وهي قضايا غالباً ما يكون منصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والمواثيق والبروتوكولات الدولية الأخرى وتتوافق مع القيم والأخلاق الإنسانية، وحتى إن تغولت دولة أو عدة دول على الشرعية والعدالة الدولية منتهكة حقوق غيرها من الدول يتم اتخاذ قرارات دولية تتفاوت ما بين المقاطعة والعقوبات الاقتصادية وقد تصل إلى التدخل العسكري برعاية دولية، ولكن الذي يحدث أن هذه العقوبات تبقى رهينة موازين القوى داخل المنتظم الدولي وخصوصاً مجلس الأمن مما يؤدي لازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية، وهذا يُطيل أمد الصراع كما هو الحال مع القضية الفلسطينية.

عندما يصدر عن الأمم المتحدة عشرات القرارات بعضها يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحقه بمقاومة الاحتلال وحق عودة اللاجئين وأخرى تندد بالاحتلال وبالاستيطان وتؤكد على عدم شرعيته كما ترفض سياسة الضم والتهويد، وعندما تصوت غالبية دول العالم (138 من أعضاء الأمم المتحدة) على الاعتراف بدولة فلسطين عضو مراقب في الأمم المتحدة وتعترف اليونسكو ومنظمات دولية وإقليمية أخرى بفلسطين دولة كاملة العضوية، وعندما تقرر محكمة الجنايات الدولية ملاحقة قادة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وعندما تحتضن دول العالم أكثر من مائة سفارة لدولة فلسطين، وكلها قرارات ومواقف لم تأت عشوائياً أو ارتجالاً بل بنيت على مقاربات قانونية وتاريخية... .

في هذه الحالة لا يمكن لمن يقول بهذه الوقائع ويؤكد عليها في تحليلاته وكتاباته إلا أن يكون موضوعياً ولا يمكن اتهامه بالانحياز لأن الانحياز للحق والعدالة لا يعتبر انحيازاً، ولأن المقاربة في هذه الحالة لا تنطلق من موقف مسبق أو انحياز أيديولوجي بل من وقائع وقرارات دولية تُقر بها غالبية دول وشعوب العالم وجاءت نتيجة دراسة معمقة للصراع في كل أبعاده، وعلى العكس من ذلك فإن القلة من الدول والأفراد ممن ينكرون على الشعب الفلسطيني حقه بالمقاومة وبدولة مستقلة ويشككون بتاريخه ونضاله هؤلاء أبعد ما يكون عن الموضوعية.

ثانيا: مقاربة التفاؤل والتشاؤم

هناك بعض المحللين السياسيين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين يوظفون دائماً مدخلاً ومقاربة تشاؤمية لا ترى في المشهد الفلسطيني إلا السلبيات كالانقسام والتراشق الإعلامي وتراجع وتيرة المقاومة والحديث عن فساد الطبقة السياسية وحالة الفقر واليأس والإحباط عند الشعب الخ. لا شك أن الوضع الفلسطيني الداخلي مؤلم ويثير الاستياء والغضب ويدعو للتشاؤم أحياناً والوجه السلبي المُشار إليه موجود ولا شك، وقد كتبنا وكتب كثيرون عن هذه السلبيات، ولكن هذه الظواهر لا تمثل كامل المشهد السياسي كما أن التركيز على الوضع الراهن والظاهر بمعزل عن تاريخ الصراع وتعقيداته ودون الأخذ بعين الاعتبار الجانب الآخر من المشهد فيه ظلم واجحاف بحق الفلسطينيين بل وهي مقاربة غير بريئة وغير موضوعية.

المقاربة التشاؤمية غير موضوعية لأن في المشهد الفلسطيني ما يدعو للتفاؤل وما يمكن البناء عليه لاستنهاض المشروع الوطني ومواصلة مقارعة الاحتلال، وفي هذا السياق يجب عدم تجاهل أهمية الرفض الوطني الشامل للسياسة الإسرائيلية والأمريكية بما فيها صفقة ترامب-نتنياهو وسياسة الضم، و أن غالبية دول العالم ما زالت تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني وهو ما تبدى في الموقف الدولي والعربي الرافض لهذه السياسة، تمسك الشعب والقيادة بالحد الأدنى من الحقوق التاريخية والوطنية كحق العودة والحق بدولة مستقلة، بالرغم من تردي الوضع على كافة المستويات لم نجد أي حزب أو جماعة فلسطينية ترفع الراية البيضاء وتنهي الصراع مع الاحتلال، ولو تخلى الفلسطينيون عن حقهم كما يزعم بعض المطبعين والحاقدين  لكانت القضية الفلسطينية انتهت منذ عقود ولكان تم تمرير صفقة ترامب منذ الإعلان عنها.

بالرغم من الحرب الإسرائيلية المعممة على الشعب الفلسطيني وهي حرب توظف فيها اسرائيل أعتى الأسلحة العسكرية وقدراتها التكنولوجية والاقتصادية وتحالفها مع الولايات المتحدة، وبالرغم من مرور أكثر من قرن على وعد بلفور وثلاثة وسبعين عاماً من الصمود الفلسطيني الأسطوري على أرضه فإن الصراع مع الاحتلال ما زال مستمراً، وهناك أكثر من ستة ملايين فلسطيني وهم أكثر من نصف الشعب الفلسطيني متشبثين ومنزرعين في أرضهم وعلى أرضهم التي ولدوا فيها جيلا بعد جيل وعددهم يقارب عدد اليهود المجلوبين من مختلف بقاع الأرض، وهناك النصف الآخر من الشعب الفلسطيني يعيش في الشتات وبالرغم من أن بعضهم ولد في الشتات إلا أنهم جميعاً يتمسكون بفلسطينيتهم ويفتخرون بها ويتفاعلون معها كما نسمع ونشاهد من نشاط الجاليات الفلسطينية في أوروبا وأمريكا ومختلف بقاع الأرض.

وخلاصة القول نتمنى من كل المحللين والكُتاب والإعلاميين أن ينظروا للمشهد الفلسطيني الداخلي وللصراع بشكل عام بموضوعية بعيداً عن الأهواء الأيديولوجية والإغراءات المالية وسطوة الإعلام الموجه، كما نتمنى ألا يكون ممارسة الحق بالنقد ومواجهة كل أوجه الخلل والفساد في النظام السياسي والطبقة السياسية على حساب عدالة القضية وبما يشوه الشعب وقضيته العادلة لأن الخلل في النظام والطبقة السياسية وليس في عدالة القضية والحق الفلسطيني، كما نتمنى عدم سحب أو اسقاط المواقف الأيديولوجية أو الشخصية الحاقدة والرافضة لشخص ما في القيادة أو لكل القيادة على القضية برمتها، وأحيانا يكون الفاصل ما بين النقد والهدم قيد شعرة .

 

إبراهيم ابراش

 

محمود محمد عليبالأمس في المقال الأول الذي نشر علي صحيفة المثقف الزاهرة، كنت قد طرحت سؤالاً مهماً، وأود أن أجيب عنه خلال هذا المقال، وهو: ما هي الخيارات المطروحة الآن إزاء أزمة قضية سد النهضة؟

كنت قد طرحت عدة خِيارات) في مقالاتي السابقة التي نشرتها علي صحيفة المثقف بشأن التعنت الإثيوبي إزاء سد النهضة (ربما قد تلجأ إليها الدولة المِصريّة: الأوّل: أن تُدافع مِصر عن مصالحها وأمنها المائيّ، بضرب هذا السّد وتدميره وتحمّل النّتائج كاملةً، وهي تملك القوّة والطائرات القادرة على القِيام بهذه المهمّة. الثّاني: أن تُعلن حربًا بالإنابة طويلة الأمد ضِد إثيوبيا، وتدعم أعداءها في القرن الإفريقي، وتثوير حركة تحرير إقليم أوغادين الصوماليّة الذي ضمّته إثيوبيا، وكذلك الحركات الانفصاليّة الإسلاميّة الأُخرى داخل إثيوبيا، وتتبنّى وجهة نظر إريتريا في الخِلاف الحُدودي الأريتري الإثيوبي، وإعادة إحياء هذا الخِلاف بطريقةٍ أو بأُخرى.

ليس جديداً بأن تلجأ إلي تأجيل التوقيع علي أي عقد خاص بدراسات سد النهضة الاثيوبي يمكنها أن تأخذ به بشأن قواعد ملء السد، فقد اعتدنا علي هذه المراوغات والمماطلات المريبة، وتراكمت لدينا عقيدة بأن مسار التفاوض في ملف السد صار مخادعة هزلية، تعتمد علي الغموض والتهرب من أي استحقاقات؛ بالضبط كما تفعل اسرائيل في مفاوضاتها الهزلية مع أشقائنا الفلسطينيين حول حل الدولتين.

إن إثيوبيا تسير علي نفس النهج الاسرائيلي، مدعومة بخبرة وتأييد حكومة نتنياهو الارهابية، التي لا تقيم وزنا لقانون أو قرارات أو اتفاقات.. وأبسط دليل أن الاتفاق علي المكاتب الاستشارية تم في أغسطس ..2014 وبرغم ذلك فالتوقيع علي العقود التي تحدد المهام والدور القانوني والاستشاري للمكاتب لم يتم؛ وبدا واضحاً لكل ذي عينين أن النية مبيتة لإغراقنا نحن المصريون في تفاصيل التفاصيل حتي يكتمل بناء السد .

المشكلة أننا أعطينا اثيوبيا ثقة لا تستحقها، واعتمدنا علي حسن النية، بينما كانت استراتيجية اثيوبيا تقوم منذ البداية علي المماطلة والمراوغة لحين فرض الامر الواقع، وللأسف مازالت هذه الاستراتيجية تطبق بنجاح باهر.

والسؤال الأن: هل تَلجأ مِصر إلى الخِيار العسكريّ بعد انهِيار أكثر من تِسع سنوات من المُفاوضات “العبثيّة” مع إثيوبيا حول سدّ النّهضة على غِرار مُفاوضات أوسلو الفِلسطينيّة الإسرائيليّة؟

في مقالاتي السابقة قلت بصريح العبارة لا نملك الإجابة، ولا نَستبعِد التّأجيل والتريّث تَجنُّبًا لمخاطر الحرب، خاصّةً أن المنظومات الدفاعيّة الإسرائيليّة هي التي تُوفِّر الحِماية لسد النهضة، والمُستشارون الإسرائيليّون هُم الذين يَقِفون خلف هذا الموقف الإثيوبي المُتشَدِّد.

لكن يبقي السؤال : ماذا لو فشلت كل الخيارات التي طرحناها أو طرحها حتي الآن كل الكتاب والباحثين وخلافهم، وهنا أعُلن أنني أطرح خيار أخير، وهو أن النيل كالكعبة المشرفة له رب  يحميه.. البعض هنا قد يتهمني باللاعقلانية، ولكن أقول نعم، وأصر، بأن نهر النيل الذي كونه الله نتيجةً لاتحاد نهرين رافدين: النيلين الأبيض، والأزرق؛ حيث ينبع النيل الأبيض من بحيرة فيكتوريا الواقعة بين كل من أوغندا، وتانزانيا، وكينيا. أما النيل الأزرق، وهو الذي يُغذّي نهر النيل بالنسبة العظمى من المياه؛ حيث ينبع هذا النهر من بحيرة تانا الواقعة إلى الشرق من القارة الأفريقية، وتحديداً في المرتفعات الإثيوبية. هذا ويتّحد هذان النهران في مدينة الخرطوم السودانية، ليُشكّلا نهر النيل الذي يكمل مسيره إلى أن يصل إلى مصبه في البحر الأبيض المتوسط، شمال جمهوريّة مصر العربية في الركن الشمالي الشرقي من أفريقيا.

نهر النيل يرجع سر عظمته إلي التكوين الطبيعي الذي حباه الله به، حيث إنه ينحدر من الجنوب الي الشمال حاملاً معه الماء والطمي الذي حول مصر من صحراء جرداء الي جنة خضراء، ولقد اقترن هذا العامل بجهد المصريين، فعملوا علي استغلال مياهه فأقاموا المقاييس، وشقو الترع، وشيدوا السدود، والجسور، ولم يقف نهر النيل عند هذا الحد، بل علم المصريين الكثير من القيم؛ ومن القيم التي علمها النيل للمصريين:-

1- الوحدة والتضامن. حيث كان فيضان نهر النيل سببا في توحيد المصريين جهودهم فشيدوا الجسور لحماية فيضان النيل فعاشوا شعبا واحدا علي مر العصور.

2- التكافل والتكامل؛ حيث ثتبادل المصريين المحاصيل ساعد علي تنشيط التجارة الداخلية بين الشمال والجنوب.

3- التواصل؛ نهر النيل ساعد المصريين علي الاهتمام بالسفن التي كانت تحملها المياة من الجنوب الي الشمال وتدفعا الرياح من الشمال الي الجنوب فادي الي تماسك المصريين وتواصلهم وانتشار الحضارة.

هذا النهر له رب يحميه ويصونه، مثل الكعبة المشرفة التي لا تًعظم لمجرد أحجارها، ولكن لمناقب عظيمة اختصت بها، فهي أول بيت وضع للناس، وقد عظم الله شأن الصلاة عندها، وجعل موضعها حرما محرماً، ودلت السنة على أن الحجر الأسود، وهو ركن منها - من الجنة؛ حيث روي أحمد والنسائي والترمذي واللفظ له مرفوعاً: نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بنى آدم. والحديث قال عنه الترمذي حسن، وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.

وكذلك نهر النيل أصله  نهر فى الجنة، فكيف تم ذلك؟.. يعتمد التراث الإسلامى على ما ذكره البخارى والصالحى والطبرانى من أحاديث الإسراء والمعراج، ووصول النبي الكريم عليه السلام إلى سدرة المنتهى؛ حيث جاء فى حديث البخاري ومسلم عن الإسراء والمعراج قوله صلى الله عليه وسلم "ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل فلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال أما الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات" وجاء فى رواية للبخارى (فإذا فى أصلها أى سدرة المنتهى، أربعة أنهار) وعند مسلم (يخرج من أصلها) وعند مسلم أيضًا من حديث أبى هريرة (أربعة أنهار من الجنة النيل والفرات وسيحان وجيحان ) ووقع فى رواية شريك كما عند البخارى أنه رأى فى سماء الدنيا نهرين يطردان -يجريان- فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما. وجاء فى رواية البيهقى: (فإذا فيها -السماء السابعة- عين تجرى يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران أحدهما الكوثر والآخر يقال له: نهر الرحمة) وفى رواية لمسلم: (سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة) ووقع فى حديث الطبرى عن أبى هريرة: (سدرة المنتهى يخرج من أصلها أربعة أنهار، نهر من ماء غير آسن ونهر من لبن لم يتغير طعمه ونهر من خمر لذة للشاربين ونهر من عسل مصفى).

وفي الحديث الشريف الذي رواه "مسلم" في صحيحه (164)، أن النبي صلى الله عليه وسلم: رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ؟ قَالَ : أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ: فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ : فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ. وروى "البخاري" في صحيحه (5610 ): عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:   رُفِعْتُ إِلَى السِّدْرَةِ، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ : نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهَرَانِ بَاطِنَانِ، فَأَمَّا الظَّاهِرَانِ : النِّيلُ وَالفُرَاتُ، وَأَمَّا البَاطِنَانِ : فَنَهَرَانِ فِي الجَنَّةِ  .وقال النووى فى شرحه لصحيح مسلم: أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل السدرة، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها.

كما روى "مسلم" في صحيحه (2839)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ، وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ: كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ  . قال الحافظ "ابن حجر" في "الفتح" (7/ 214): " وفي حديث أبي سعيد: (فإذا فيها عين تجري يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران، أحدهما : الكوثر، والآخر يقال له : نهر الرحمة . قلت: فيمكن أن يفسر بهما النهران الباطنان المذكوران في حديث الباب، وكذا روي عن مقاتل قال: الباطنان، السلسبيل والكوثر . وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ ( سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة): فلا يغاير هذا، لأن المراد به : أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة . وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك . وأما الباطنان المذكوران في حديث الباب: فهما غير سيحون وجيحون والله أعلم . قال النووي في هذا الحديث : أن أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد "

وحتي لا يطول السرد في إثبات أن نهر النيل والكعبة ينبعان من الجنة، وأيضا لهما رب يحميهما، فإذا كان الله قد حمي الكعبة المشرفة من أبرهة الأشرم ـ وهو قائد جيش الحبشة آنذاك،  وذلك عندما قام ببناء كنيسة كبيرة وعظيمة وأسماها القليس، وذلك ليحرف مسار حج العرب إليها بدلًا من البيت الحرام، إلا أن رجلًا من بني كنانة قام بفعل مشين فيها فقد تغوط في الكنيسة، الأمر الذي أغضب أبرهة كثيرًا وجعله يقسم بأن يذهب إلى مكة ليهدم الكعبة، إنتقامًا لما فعله ذلك الرجل بكنيسته، لذا قام بتجهيز جيشًا جرارًا، يضم الكثير من الفيلة، وسار به إلى أن اقترب من الوصول إلى مكة وهناك قام بإرسال رسله لأهالي مكة يخبرهم أنه لا ينوي قتالهم وأن كل ما يريده هو هدم الكعبة فقط.

وأما عن موقف أهل مكة ففي البداية أغضب هذا الأمر أهالي مكة كثيرًا إلا أنهم أدركوا فيما بعد أنه لا طاقة لهم بقتال أبرهة وجنوده، فتركوه، و قبل أن يدخل أبرهة وجنوده مكة أمرهم بأن يقوموا بنهب كل ما يجدونه أمامهم من أموال، وكان من ضمن ما نهبوه مئتا بعير لعبد المطلب بن هاشم جد النبي -عليه الصلاة والسلام-، وبعد ذلك أمرهم بأن يأتوه بشريف مكة، فأحضروا له عبدالمطلب، وعندما وصل إلى هناك دهش أبرهة من مظهره، فقد كان عبد المطلب رجلًا جسيمًا ووسيمًا ذو هيبة ووقار، فأجلسه بجانبه وسأله عن حاجته، فقال له عبدالمطلب: "حاجتي أن يرد علي الملك مئتي بعير أصابها لي"، فتعجّب أبرهة من طلبه وقال له : "تكلمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه؟".

ماذا فعل عبد المطلب بن هاشم؟

أجابه عبدالمطلب أبرهة قائلًا: "إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه عنك"، فقال له أبرهة: "ما كان ليمتنع مني"، فأجابه عبدالمطلب: "أنت وذاك"، وبعد ذلك رجع عبدالمطلب إلى قريش وأخذهم معه ليشكلوا حلقة حول الكعبة حتى يدعوا الله ويستنصرونه ليحمي الكعبة.

وجه أبرهة وجنوده إلى الكعبة لهدمها، إلا أنهم لم ينالوا مرادهم، فقد أتى أمر الله بإهلاكهم، بحيث بعث لهم طيورًا تحمل أحجارًا طينية صلبة لترميهم بها، وبعد فترة وجيزة من رميهم بتلك الأحجار لم يلبثوا إلا أن أصبحوا كأوراق الشجر الجافة والممزقة، وهزم أبرهة وجنوده شر هزيمة، والطيور التي كانت تحمل تلك الأحجار تسمى طيور الأبابيل.

الآن تجسد لدينا أبراهه جديد من أهل الحبشة اسمه " آبي أحمد، وما هو بأحمد، يريد فرض سياسة الأمر الواقع من خلال سد النهضة، وهذا السد يعد واحداً من أكبر 12 على مستوي العالم، ستكون له تداعيات على دول المصب والتى تعتمد بشكل كبير على مياه النيل فى الزراعة والصناعة وقبل ذلك كله، الشرب، وبخلاف ذلك فإنه سيمنح إثيوبيا أديس أبابا صلاحية التحّكم في تدفّق مياه النيل الأزرق، في خطوة من شأنها أن تُحدِث تحوّلًا في ميزان القِوى بالمنطقة، وبالتالي لن نقف نحن المصريون مكتوفي الأيدي، وإنما لدينا أدوات ضغط لا حصر لها من أهمها الدعاء والتضرع إلي الله بأن لهذا النهر العظيم .. له رب يحميه.. يحميه بألا يعطش هذا الشعب المصري العظيم، وكيف يعطش وأغلب أهله من المتضرعين إلي الله، وأغلب أهله من الأطفال الرضع والشيوخ الركع .. كيف يعطش والله حافظه منذ آلاف السنين .. كيف يعطش ووراءه جيش عظيم من أعظم جيوش العالم؛ جيش لم يقم علي مليشيات أو مرتزقة، وإنما جيش تظهر كراماته عند الشدائد، ومن كراماته الطيور الأبابيل .. وما أدراك ما الطيور الأبابيل .. الطيور التي تحمل حجارة من سجيل .. حفظ الله مصر وحفظ الله قواتنا الجوية التي تظهر كراماتها وقت الشدائد .. فإذا كانت سرت والجفرة كما أعلنا بأنها خط أحمر .. فكذلك نهر النيل خط أحمر.. ومن يفكر أن يُعطش هذا الشعب المصري العظيم فعليه بعقاب الطيور الأبابيل التي ترمي كل ظالم بجحارة من سجيل، فتجعله كعصف مأكول !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس فسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

...................

المراجع

1- عماد الدين حسين في مقاله هل هو الموقف الإثيوبي الأخير بصحيفة الشروق.

2- أحمد إبراهيم الشريف : حكاية نهر النيل والجنة.. لماذا اعتقد المسلمون أنه قادم من السماء؟ (مقال باليوم السابع),

3- مؤمن الهباء : سد النهضة.. ومسارات جديدة (مقال).

 

 

محمد توفيق علاوي (لاكثر الدول خطورة من ناحية غسيل الاموال وتمويل الارهاب)

الوضع في العراق معرض للانهيار الاقتصادي التام وتداعيات وضع العراق في تلك القائمة السوداء سيعقد بشكل كبير الجهود المبذولة لانقاذ العراق والخروج من الازمة الراهنة. لقد وضع الاتحاد الاوربي منذ  شهر تموز عام 2016 العراق ضمن قائمة الدول التي تفتقر الى المعايير الدولية لمنع غسيل الاموال ومكافحة تمويل الارهاب مما يشكل خطورة على النظام المالي لدول الاتحاد في التعامل مع العراق فضلاً عن العقوبات التي كانت مفروضة على العراق منذ تسعينات القرن الماضي، لقد كانت هناك عدة دول على هذه القائمة ولكن اغلب هذه الدول بدأت تستجيب لمتطلبات دول الاتحاد الاوربي فانتقلت من المنطقة السوداء إلى المنطقة الرمادية والكثير منها استجاب لكافة المعايير فخرج من هذه القائمة بالكامل؛ لقد حاول الاتحاد الاوربي مساعدة العراق حيث رفع العقوبات التي كانت مفروضة على العراق في نهاية عام 2018، ولكن للأسف الشديد لم يعرف العراق كيف يتعامل مع هذه الخطوة الايجابية من الاتحاد الاوربي فلم يستجب لمتطلبات الاتحاد الاوربي ورفع معاييره، وعلى اثر ذلك بقي العراق ضمن قائمة الدول الاكثر خطورة في هذا المجال ككوريا الشمالية وايران وافغانستان وسوريا واليمن. إن مراجعة هذه القائمة تتم بشكل دوري بمعدل مرة او مرتين في السنة، للأسف لم يخرج العراق من هذه القائمة بل على العكس تم تثبيت العراق كدولة تفتقر لمثل هذه المعايير في الاصدار الاخير في تموز 2020.

لقد تحرك العراق دبلوماسياً طالباً من دول الاتحاد رفع اسمه من هذه القائمة، ومع احترامي وتقديري لمثل هذه التحركات ولكن التعامل مع هذا الملف يجب ان يتم بطريقة مهنية؛ في العراق قد يمكن تغيير الكثير من القرارات باتصال هاتفي؛ ولكن لا يمكن التعامل مع الدول المتقدمة بهذا الاسلوب، هنالك متطلبات محددة ومعايير ثابتة، المطلوب من العراق ان يلتزم بها لإخراجه من هذه القائمة، فهنالك اصدارات قانونية دورية من قبل الاتحاد الاوربي توضح هذه المعايير والمتطلبات وهذا الامر يتطلب من العراق تخصيص اشخاص مهنيين ومتخصصين لمتابعة  هذا الامر والتواصل مع الجهات القانونية والمالية في الاتحاد الاوربي ومحاورتهم بشكل تفصيلي للتعرف على هذه المتطلبات ورفع المعايير العراقية في الجوانب المالية والقانونية لكي يخرج العراق من هذه القائمة.

وجود العراق في هذه القائمة لا يعني وضع القيود ومراقبة التحويلات المالية من وإلى العراق فحسب بل ذلك الامر سوف يغلق امام العراق فرص الاستثمار العالمية فضلاً عن الحصول على المعونات والمنح المالية والقروض العالمية الميسرة، في وقت احوج ما نكون فيه الى التعاون مع دول العالم ومع المستثمرين لتوسيع دائرة الاستثمار والخروج من دائرة الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط الى المستقبل الذي نأمله في تنويع مصادر الدخل والخروج من الازمة الراهنة وما سنواجهه في المستقبل القريب من مخاطر تنذر بحدوث انهيار اقتصادي ان لم نتحرك بالشكل الصحيح وبالذات في مجال الاستثمار وبشكل سريع.

يمكن لوزارة الخارجية ان تساعد في التعامل مع هذا الملف وكذلك وزارة المالية، ولكن التعامل مع هذا الملف ومع تفصيلاته هو من المهام الحصرية للبنك المركزي العراقي، للأسف لم نسمع اي تعليق من البنك المركزي بهذا الشأن وهذا القرار، كما انه للأسف لا زالت معايير البنك المركزي في التعامل مع مزاد العملة (نافذة العملة) تسمح بغسيل الاموال المسروقة والعمولات للكثير من الفاسدين من السياسيين وغيرهم بشكل واضح. لقد كتبت رسالة مفصلة لمحافظ البنك المركزي عام 2016 للخروج من منظومة فساد غسيل الاموال بكل سهولة على الرابط ادناه:

https://mohammedallawi.com/2016/05/01/

للأسف لم يتم التعامل بمهنية مع هذه الرسالة والمقترحات الواردة فيها وإتخاذ الإجراءات اللازمة حيث كان يمكن بكل سهولة أن يتلافى العراق وضعه في القائمة السوداء وتداعيات ذلك لو كنا قد تحركنا بالشكل الصحيح قبل اربع سنوات.

لا زال لدينا الامل للخروج من هذه الازمة بالرغم من الفشل خلال الفترات السابقة بسبب الفساد والمفسدين؛

هل القارئ الكريم مستعد على ابداء الرأي والتحرك لتوجيه ضغط على الجهات المعنية للمساعدة في الخروج من هذه الازمة ؟؟؟؟

 

محمد توفيق علاوي

 

علاء اللامييحتج البعض لتأكيد صحة قرار أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد بكونه كان كنيسة اشتراها السلطان العثماني محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية التي أصبح اسمها "إسطنبول" وبكون القرار شأن تركي داخلي، فيرد عليهم الرافضون للقرار بأن دور العبادة لا تباع ولا تشترى من حيث المبدأ وأن قرار أردوغان قرار سياسي ذو دوافع سياسية وانتخابية!

أعتقد أن النقاش هنا يتعلق بجزئية صغيرة من الموضوع وليس بجوهره، فسواء صح أم لم يصح مبدأ شراء دور العبادة - وبالمناسبة هو مبدأ معمول به في عصرنا، وهناك كنائس عديدة معروضة للبيع وقد اشترت بعضها جمعيات وجماعات مسلمة في أوروبا، وقد شاهدت إحدى الكنائس المعروضة للبيع بعيني في مدينة سانت إتيان الفرنسية، وأظنها ما تزال معروضة للبيع حتى الآن - أقول سواء صح أم لم يصح دينيا وأخلاقيا وقانونيا، فهذا لا يغير شيئا من التاريخ الحقيقي لآيا صوفيا شيئا، فهي نشأت ككنسية كبرى للمسيحيين الأرثوذوكس البيزنطيين، وبعد سقوط الدولة البيزنطية ودخول العثمانيين عاصمتهم منتصرين في حرب، اشتراها السلطان وحولها الى مسجد، والشراء يبقى أفضل من الناحية الأخلاقية والمعنوية من اعتبارها غنيمة حرب ومصادرتها وتحويلها إلى مسجد دون تعويض. وبعد أن تحولت آيا صوفيا إلى مسجد للمسلمين لعدة قرون، وبسبب انهيار السلطنة العثمانية وقيام جمهورية أتاتورك، تقرر تحويلها الى متحف. ولا يمكن استبعاد أن يكون مصطفى كمال آتاتورك قد قرر ذلك بناء على شروط غربية فرضت عليه لبناء دولته التركية الجديدة وبما يتسق مع نهجه العلماني الذي يعتبر من النوع العلماني المتطرف على النمط الفرنسي.

واليوم، يأتي قرار أردوغان ليعيد المتحف الى طبيعته السابقة كمسجد. إن هذا القرار لا يخلو من الدوافع السياسية والانتخابية، وبما يرسخ النزعة الإسلامية السلطانية لديه ولدى قيادة حزبه، ولكن النزوع أو الدافع السياسي للقرار يفسره ولكنه لا يحكم عليه بالرفض والقبول. ولكن لو وضعنا القرار في سياقه التاريخي الحقيقي اليوم، لتوصلنا إلى فهم أعمق للموضوع ولخرجنا باستنتاجات أكثر معقولية وفائدة: حيث يعيش العالم حالة من التوتر والاستقطاب الديني والطائفي التي سعرتها مأساة الشعب الفلسطيني وقيام دولة دينية يهودية في فلسطين المحتلة وانتشار الحركات السلفية الانتحارية التي انطلقت بمساع أميركية في أفغانستان الثمانينات من القرن الماضي وبلغت ذروتها في مجازر داعش في العراق وغيره، والاستقطاب الطائفي الشيعي السني الذي تحول إلى اقتتال بعد الغزو الأميركي في العراق وإقامة نظام محاصصة بين الطوائف؛ إن كل هذه الظروف تجعل قرار أردوغان سلبيا في التقييم العام، وليس لمصلحة شعوب المنطقة الطامحة للسلام والخلاص من الهيمنة الغربية الإمبريالية، وسيصب القرار زيتا على نيران الاستقطاب والتوتر الديني والطائفي دون أدنى مبرر سوى الربح الانتخابي والأطماع البونابرتية لأردوغان نفسه.

إن أردوغان بتجربته القيادية الداخلية الناجحة تركياً، يريد أن يدخل التاريخ بحروب الوكالة والتدخلات المسلحة في عدة بلدان والترويج لأحلام العصافير السلطانية البائدة واستعادة ولايات عثمانية سابقة كالموصل وكركوك العراقيتين وحلب السورية وغيرها من مدن ومناطق في دول أخرى، مستغلا مناسبة مرور قرن على اتفاقية لوزان الموقعة سنة 1923 أي بعد أقل من ثلاث سنوات في سنة 2023، وهو ما قد يسمح لتركيا برفض التوقيع عليها مجددا بهدف تمديدها لقرن آخر، وربما بتجديد مطالبها في ضم وإلحاق مدن وولايات عثمانية سابقة هي جزء وطيد من أوطان أخرى وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه الوطنيون في بلدان المنطقة ليشكلوا جدار صد أمام أطماع وخطط أردوغان وتحويلها الى رماد وتفادي الحريق الأردوغاني القادم، وهي أطماع وأحلام عصافير ستتحول يقينا الى رماد وستموت بموت صاحبها كما ماتت أطماع سلطانية واستعمارية كثير بموت سلاطينها وأباطرتها! فإتفاقية لوزان 1923 التي يسميها البعض اتفاقية لوزان الثانية وهي ألغت اتفاقية سيفر 1920 وعلى أساسها تم الاعتراف الدولي بالجمهورية التركية. وهي لا تذكر أسماء المدن والمناطق بالاسماء كالموصل وكركوك ... أما اتفاقية سيفر فكانت قبلها أي سنة 1921 وبين تركيا وفرنسا المحتلة لسوريا آنذاك وهي تتعلق فقط بالمناطق السورية ... ولا أعلم إن كانت هناك اتفاقية أخرى تحمل اسم سيفر غيرها أم لا ...أما بخصوص الموصل فقد (عيّن مجلس عصبة الأمم لجنة تحقيق بخصوص مشكلة الموصل بين تركيا وبريطانيا فأوصت اللجنة بأن تعود ملكية الموصل إلى العراق، فأُجبرت تركيا على قبول القرار على مضض من خلال التوقيع على معاهدة الحدود مع الحكومة العراقية في عام 1926. قام العراق بمنح إتاوة 10 في المئة من الودائع النفطية في الموصل إلى تركيا لمدة 25 عاماً) و(قبل قرار عصبة الأمم، قدّم فيصل الأول عدة التماسات للحكومة البريطانية لإعطاءه ملكية الموصل ليتمكن من النجاح في هدفه في التوحيد. وأخيرا، بعد إصدار عصبة الأمم لقرارها، وافقت الحكومة البريطانية على السماح لفيصل بالسيطرة على الموصل مقابل تنازلات على موارد هامة. البريطانيون أسّسوا شركة البترول التركية التي أصبحت تعرف لاحقاً بشركة نفط العراق) وبانتهاء فترة منح الأتاوات لتركيا بموجب اتفاقية أنقرة بين بريطانيا وتركيا والعراق الذي مثله نوري السعيد انتهت قانونيا مشكلة الموصل ولكن تركيا الحالية تريد بانتهاء معاهدة لوزان أن تفتح الملف كله ولا اعتقد أن أردوغان سيحصل على شيء من هذا الحمق والجنون إلا على المزيد من الكراهية بين الشعوب وقد يتسبب بحريق جديد بين تركيا والعراق وسورية.

 

علاء اللامي

 

محمود محمد عليعندما بدأت مفاوضات سد النهضة، قررت الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السياسي أن تفتح صفحة جديدة بيضاء مع إثيوبيا، وذلك بعد أن تعهدت إثيوبيا على لسان رؤساء وزرائها، بأنها لن تسمح بوقوع أي ضرر بالوضع المائي لمصر الشقيقة، لأنّ الهدف من السد، هو توفير الكهرباء لمواطني إثيوبيا، وليس الإضرار بمصر وشعبها. وقد صدّقهم جزء كبير من الشعب المصري بعد أن تم الاتفاق في 2015 مع إثيوبيا على إعادة دراساتها لسد النهضة، وتحديد كيفية تجنب تأثيراته السلبية على تدفقات نهر النيل لمصر.

وبالفعل انخرطت الدول الثلاث: مصر، وإثيوبيا، والسودان فى مفاوضات لإعادة الدراسات الإثيوبية لسد النهضة، بهدف التوصل إلى سياسات متفق عليها لملء السد وتشغيله، ولكن للأسف حتى منتصف 2019، لم تنجح المفاوضات المستمرة طوال هذه السنوات إلى بدء أى من الدراسات المطلوبة أو التوافق حول سياسات ملء وتشغيل السد؛ وفى نفس الوقت استمرت إثيوبيا فى إنشاءات السد وقاربت من انتهائه لفرض أمر واقع غير قابل للتفاوض.

فاضطرت مصر إلى الإعلان عن فشل المفاوضات، والمطالبة بتدخل وسيط دولى للوصول إلى تفاهمات مقبولة من الأطراف الثلاثة، وذلك تبعاً لإعلان المبادئ الموقع من الدول الثلاث؛ وبعد محاولات من الصد والرد، تم الاتفاق في منتصف يناير 2020م على أن تراقب الولايات المتحدة الأمريكية جولة جديدة من المفاوضات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق حول سياسات ملء وتشغيل السد تحت الظروف الهيدرولوجية المختلفة لتدفقات النهر.

لكن يبدو أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، ففي خلال الأسابيع الماضية أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً مهماً جداً عن تعثر مفاوضات سد النهضة مع الجانب الإثيوبى بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبى.

وهنا اضطرت الدولة المصرية إلي أن تتقدم بشكوي رسمية لمجلس الأمن تشكو التعنت الإثيوبي ، حيث وجه وزير الخارجية سامح شكري خطابًا إلى المندوب الفرنسي الدائم لدى "مجلس الأمن" بصفته الرئيس الحالي للمجلس بشأن أزمة "سد النهضة" الإثيوبي، وكان نص الخطاب: “سعادة المندوب الدائم، أكتب إليكم مرة أخرى اتصالاً بـ"سد النهضة" الإثيوبي، وهو أمر جلل ذو تداعيات ضخمة على مصر كما أشرت في خطابي السابق المؤرخ الأول من مايو 2020، فضلاً عن طبيعته العاجلة في ظل مواصلة إثيوبيا إصرارها على بدء ملء السد بشكل أحادي الجانب خلال موسم الأمطار في شهر يوليو المُقبل بما يخالف التزاماتها القانونية الدولية، وهو ما تُدلل عليه تصريحات علنية بما في ذلك تصريحات السيد رئيس الوزراء الإثيوبي بتاريخ 8 يونيو 2020.. وبالنظر إلى خطورة الوضع، وفي ضوء التعنت المستمر لإثيوبيا، والذي قد يُشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، أكتب إلى سعادتكم لأطلب من "مجلس الأمن" الدولي أن يتدخل في هذه المسألة على وجه السرعة.. وقد اختارت مصر إحالة هذه المسألة لـ"مجلس الأمن" الدولي بعد أن بحثت واستنفدت كل سبيل للتوصل إلى حل ودي لهذا الوضع عبر إبرام اتفاق بشأن "سد النهضة" الإثيوبي يحفظ ويعزز حقوق ومصالح الدول الثلاث المُشاطئة للنيل الأزرق.

وبالفعل اجتمع مجلس الأمن في مساء يوم الأثنين في الأسبوع الماضي ، وقد شهد هذا الاجتماع  جلسة عاصفة وأبلى فيها وزير الخارجية سامح شكرى بلاءً حسناً، وكان ملماً تماماً بملف القضية بكل تفاصيله ابتداء بالمخاطر التى ستلحق بمصر والسودان، وانتهاء بالموقف الإثيوبي الغريب الذى لا يضع فى حساباته حقوق ومصالح الأطراف الأخرى.

ربما كانت المرة الأولى التى تطرح فيها مصر والسودان، قضية سد النهضة أمام العالم بهذه الكثافة وهذا الانتشار، أن يعرف العالم لأول مرة ، حقيقة هذه الأزمة وحدود هذا الصراع، وكان ذلك انجازاً كبيراً يتحقق لأول مرة على المستوى العالمى.. على الجانب الآخر فإن الوزير سامح شكرى عرض القضية ببراعة ودقة فى كل التفاصيل ابتداء بموقف أثيوبيا فى كل مراحل التفاوض طوال عشر سنوات وانتهاء بكل الآثار السيئة المترتبة على إقامة هذا السد بالنسبة لمصر والسودان..

حاول العدد الأكبر من أعضاء مجلس الأمن إحالة القضية إلى الاتحاد الإفريقى لأنه اتخذ خطوات فى التفاوض بين الدول الثلاث، ولا شك أن إلقاء القضية عند الاتحاد الإفريقى قبل عرضها على مجلس الأمن خطوة خبيثة من إثيوبيا، فقد اتفق أعضاء مجلس الأمن تقريباً على ضرورة أن يستكمل الاتحاد الإفريقي إجراءاته؛ خاصة أنه كان على مستوى الرؤساء، وقرر إنشاء لجان فنية لدراسة الموقف، بحيث تقدم تقريرها خلال أسبوعين.. ربما وجد مجلس الأمن فى موقف الاتحاد الإفريقي فرصة لكسب بعض الوقت وأن يبقى الخلاف فى حدود البيت الإفريقي ولهذا كانت كلمات أعضاء المجلس بلا استثناء تشير إلى ما حدث فى الاتحاد الإفريقي وأن مجلس الأمن لابد أن يمنحه الفرصة لاستكمال المفاوضات من خلاله.

هناك ملاحظات حول مواقف الدول خاصة فى قضية تخزين المياه وقرار إثيوبيا بأن تبدأ ذلك دون الالتزام بتوقيع اتفاق مسبق يمنعها من ذلك.. هناك دول عارضت ذلك بصراحة ودول أخرى تجاهلت قضية التخزين تماماً، وربما طرح ذلك سؤالا ضرورياً حول قضية التخزين، وهل تفعلها إثيوبيا؟..

إذا كان مجلس الأمن قد منح مصر والسودان فرصة كبيرة لطرح قضية سد النهضة أمام الرأى العام العالمى وكشف حقيقة الموقف الإثيوبى فى قضية من أخطر قضايا الصراعات، وهى المياه، فلا شك أن الاجتماع ترك أثراً دوليا كبيراً، ولكن ينبغى ألا ننتظر الكثير بعد ذلك.. ما أكثر المواقف والقرارات الدولية التى اتخذها مجلس الأمن فى قضايا كثيرة، ولكنها بقيت حبراً على ورق وأكبر دليل على ذلك قرارات المجلس وتوصياته فيما يخص القضية الفلسطينية..

يبدو من الواضح أمامنا الآن أن إثيوبيا مازالت تماطل وتراوغ، ويبدو أنها تصر على موقفها، ولن تبالى بقرارات دولية أو افريقية.. لقد انتهت من بناء السد، وأصبح الآن حقيقة أمام العالم كله، وحين عرضت القضية على مجلس الأمن، لم تتراجع عن مواقفها السابقة التى اتخذتها، حين رفضت استكمال مفاوضات واشنطن تحت رعاية أمريكية مع البنك الدولي، ثم أكدت موقفها أمام مجلس الأمن فى وجود الدول الأعضاء الخمس، وكانت آخر شواهد سوء النية عند إثيوبيا، أن وزير الخارجية الإثيوبى لم يحضر الاجتماع، واكتفت إثيوبيا بمندوبها فى مجلس الأمن،  رغم حضور وزير خارجية مصر..

إن اجتماع مجلس الأمن،  كان انجازاً دعائيا كبيراً لمصر والسودان، ولكنه لا يتجاوز حدود الإعلام، فلم تغير إثيوبيا موقفها، ولم يحدث ما توقعناه من مجلس الأمن فى صورة قرار أو توصية، ومازلنا واقفين أمام سد أقيم، ومفاوضات لم تصل إلى شئ وتضارب، بل وتعارض كامل فى المواقف حول قضية تمس حياة الشعوب.. ينبغى ألا نبالغ فى نتائج اجتماع مجلس الأمن،  فلم يحسم شيئاً، ولم يتخذ قراراً، ولم يغير شيئاً فى التعنت والتحايل الإثيوبى، وربما سيكون ذلك سبباً فى أن يزداد الموقف الإثيوبى مراوغة ورفضاً وتشدداً.

كان من حسنات هذا الاجتماع أن موقف مصر والسودان، كان موقفاً واحداً فى كل المطالب والتفاصيل، ولا شك أن جبهة مصر والسودان الموحدة، قد أعطت للقضية أبعاداً أخرى، وهذا أيضاً إنجاز كبير. إن الجميع الآن بما فى ذلك مجلس الأمن سوف ينتظر ما تسفر عنه الأحداث والقرارات والنتائج في الاتحاد الإفريقي، وإن كان من الصعب أن يتنبأ أحد بذلك، خاصة أن مواقف الدول الإفريقية فى قضايا المياه لا تختلف كثيراً، ولن يكون غريباً أن تصدر من الاتحاد الإفريقي قرارات لا تتسم بالحسم والموضوعية، ولكن لا أحد يستطيع الآن أن يقرأ صورة المستقبل.

إن الرهان الآن بين إثيوبيا، ومصر، والسودان، من يسبق الآخر، فهل تتسرع إثيوبيا وتبدأ تشغيل السد وتخزين المياه أم تلجأ إلى قدر من الحكمة وتؤجل قرارها حتى يصدر الاتحاد الإفريقى قراراته؟.

إن إثيوبيا قد تعيد مسلسل التأجيل، والمراوغة، وتدخل بالمفاوضات فى سرداب جديد مظلم بدأته من عشر سنوات مضت.. لا أدرى هل يتوقف كل شئ الآن بعد أن انتهى اجتماع مجلس الأمن!،  وأحيلت القضية إلى الاتحاد الإفريقى!، وما الذى يضمن أن يحسم الاتحاد آخر فصول القضية!، هل تتوقف مصر والسودان عن كل شيء الآن أم أن هناك إجراءات يمكن أن تجعل إثيوبيا تعيد النظر فى تعنتها؟!..  حتى الآن لم تستخدم مصر والسودان وسائل ضغط على الجانب الإثيوبى.

مازالت الاستثمارات العربية خاصة فى الزراعة والثروة الحيوانية، تنتشر فى كل ربوع إثيوبيا، وهو جانب لم يتحدث فيه أحد ولا أحد يعلم هل سحبت دول الخليج شيئاً من استثماراتها؟! ، هناك مليارات من الدولارات للدول والأشخاص، ومن حق مصر والسودان، أن تطالب بسحب هذه الاستثمارات، لأنها ستقوم على مياه النيل التى يعيش عليها شعبان عربيان مصر والسودان.

فى الأسابيع الماضية بدأت إثيوبيا تتحرش بالجيش السودانى على الحدود، وقد ترى أن الصراع مع السودان يمكن أن يدخل بقضية سد النهضة إلى مواجهة أخرى بين إثيوبيا والسودان، وتتحول القضية من صراع على المياه إلى صراع على الأرض والحدود.

هناك من يرى أن وراء إثيوبيا أطرافاً تشجعها، منها تركيا، وقطر، وإن كان ذلك صحيحاً ، فإن مصر قادرة على قطع يد تركيا فى ليبيا والبحر المتوسط، ولابد أن تتخذ دول الخليج السعودية والإمارات والبحرين إجراءات حاسمة لقطع يد قطر ابتداء بتمويل الإرهاب وانتهاء بالقوى الأجنبية التى تهدد الخليج كله، وتقيم قواعدها فى الدوحة، ابتداء بتركيا، وأمريكا، وإيران، وإسرائيل.

إن الشيء المؤكد هو ضرورة البحث عن بدائل، تعيد إلى إثيوبيا توازنها، حتى لا تصل الأمور إلى مواجهات لا أحد يعرف مداها، أن لدى مصر والسودان أشياء كثيرة يمكن اللجوء إليها فى هذه المواجهة، هناك دول للجوار، ومصالح مشتركة، وعلاقات اقتصادية، وهذه جميعها يمكن أن تكون وسائل ضغط، حتى تدرك إثيوبيا، أنها لا تعيش وحدها، وأن النيل نهر للجميع.

فى اجتماع مجلس الأمن، وفى كلمات، ومواقف الدول، لم تكن المواقف على درجة كافية من الوضوح، خاصة فى الدول الثلاث الكبرى: أمريكا، والصين، وروسيا.. وهنا لا بد أن نمد جسوراً سريعة مع هذه الدول؛ خاصة أنها تستطيع أن تتخذ مواقف مؤثرة مع إثيوبيا، لأن منها من يمول السد، ومن يبيع السلاح، ومن يقدم خدمات اقتصادية وسياسية يعرفها الجميع.

لن يكون اجتماع مجلس الأمن رغم نجاحه إعلامياً أخر الجولات، هناك مواجهات أخرى، وأوراق غامضة، ربما تطرحها إثيوبيا فى أخر مفاجأتها، وهى أنها تريد بيع المياه، وهذه قضية أخرى.. إذن ما هي الخيارات المطروحة الآن؟.. هذا ما سوف نجيب عنه في المقال القادم..

 

د. محمود محمد علي

رئيس فسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

.........................

المراجع

1- محمد نصرالدين علام: تحول مفاوضات سد النهضة من تعهد إثيوبيا بعدم الإضرار بمصر إلى المساومة حول تخفيف الأضرار.

2- عماد الدين حسين في مقاله هل هو الموقف الإثيوبي الأخير بصحيفة الشروق.

3- مراوغة وتعنت وتشويه الحقائق.. مصر تشكو تعامل إثيوبيا مع أزمة "النهضة" لمجلس الأمن .. تقرير نشرته مصراوي المصرية بتاريخ .

 

جاسم الصفارفي 26 يونيو 2020 ، نشرت الصحيفة الأمريكية الشهيرة The New York Times مقالًا يتهم روسيا بانها تقدم سرا مكافآت مالية للمسلحين الأفغان لقاء قتلهم افراد من القوات الامريكية المتواجدة على الاراضي الافغانية، ويستند مؤلفو المقال في اتهامهم لروسيا، بالتآمر مع مقاتلي حركة طالبان، الى معلومات يدعون انها استخبارية.

وتم تسمية الوسيط الرئيسي في "التآمر" بين طالبان وروسيا، وهو، حسب ما جاء في المقال، مهرب المخدرات الأفغاني رحمة الله عزيزي. في الوقت نفسه، يشير مؤلفو المقالة إلى بعض المصادر، لم تسميها، في وكالة المخابرات الأمريكية، والتي تلقت بدورها معلومات نتيجة لاستجوابات مسلحي طالبان الذين اسرتهم قوات الحكومة الافغانية وقوات التحالف الدولي.

ووفقاً لمؤلفي المقال، فان الغرض من منح الروس لمكافئات مالية للإرهابيين مقابل قتلهم جنود التحالف الدولي، بما في ذلك القوات الأمريكية والبريطانية، هو تعطيل المفاوضات التي تجريها أمريكا وطالبان منذ فبراير من هذا العام بهدف إبرام الطرفان اتفاقية سلام، يُزعم أن موسكو مهتمة بعرقلة الجهود المبذولة للوصول الى تلك النتيجة.

ولم يفت مؤلفو المقال التذكير ان في العام الماضي، كان قد قتل 20 جنديًا أمريكيًا في أفغانستان. ولكنهم لم يبينوا كم من هؤلاء الجنود القتلى لقوا حتفهم مقابل مكافأة مالية روسية. ولترسيخ قناعة عند القارئ بحقيقة "المؤامرة الروسية الخبيثة"، أعرب مؤلفو المقال عن ثقتهم بأن واشنطن كانت تدرك وجود مؤامرة بين موسكو والارهابيين، وأنها، حسب ادعائهم، كانت تدرس منذ عدة أشهر خيارات متنوعة للرد على موسكو، تبدأ بالشكوى الدبلوماسية وتصل الى فرض عقوبات جديدة عليها.

لم يوضح مؤلفو المقال السبب وراء تردد واشنطن في اتخاذ اجراءات عقابية على موسكو، مع انهم القوا بظلال شك على سياسة الرئيس ترامب. ولكن بعد ظهور المقال فان أي تأخير باتخاذ موقف رسمي امريكي من روسيا ردا على تلك "المؤامرة" يصبح غير مبرر ومحرج للرئيس ترامب.

لذا جاء الرد سريعا من الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي انتقد صحيفة النيويورك تايمز متهما اياها بترويج الخرافات للإضرار بالحزب الجمهوري وتشويه مواقفه شخصيا كرئيس للدولة. وطالب ترامب الصحيفة بأن تكشف عن مصادرها لكي ترفع عن نفسها التهمة بتزييف الاخبار.

بعد الرئيس الأمريكي، تحدث نائب الرئيس مايك بنس قائلا إنه لم يتم تزويده بأي معلومات حول مثل هذه "المؤامرة".  واخيرا، قال رئيس القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية، الجنرال كينيث ماكنزي، إن نسخة المفاوضات التي اجريت في روسيا مع وفد من طالبان لا تحتوي على أدلة تشير الى "مؤامرة". مضيفا، إنه لم يتلق معلومات حول تأثير روسيا على الوضع في أفغانستان. وبالمناسبة، فان وكالة انباء نوفوستي الروسية نقلت، وقتها، عن موقف روسيا في المفاوضات المذكورة معلنةَ أن "الجانب الروسي أكد على ضرورة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان". مما يدل على نوايا حسنة تجاه امريكا من قبل المفاوض الروسي.

اما بالنسب لرد الجانب الرسمي الروسي على المقال بعد نشره، فقد كان صارما. حيث وصف السكرتير الصحفي لرئيس الاتحاد الروسي ديمتري بيسكوف مقالة نيويورك تايمز بالكذبة وأنها ليست سوى مكيدة. ووصفت وزارة الخارجية الروسية المقال بأنه كاذب عن عمد، وقالت المتحدثة الرسمية باسم الوزارة ماريا زاخاروفا، إن روسيا لم تقدم أي أسلحة لمسلحي طالبان، وأنها قدمتها فقط للحكومة الشرعية في أفغانستان، وبمعرفة الولايات المتحدة.

كما تحدث أمين مجلس الأمن الروسي ومدير FSB السابق نيكولاي باتروشيف بتفصيل أكبر حول هذا الموضوع. مؤكدا إن روسيا لم تتعاون أبدًا مع المسلحين، واتهم مؤلفو المقال اما بجهلهم للواقع الافغاني أو انهم ببساطة يسيئون عن عمد قراءة الوقائع ليتمكنوا من اثارة شائعات عن "التآمر". مضيفا، أن روسيا لم توافق أبدًا على التعاون مع المسلحين، وفي عام 2003 اعتبرت روسيا رسميًا حركة طالبان منظمة إرهابية.

وتجدر الاشارة هنا الى أنه حتى الممثلين الرسميين لحركة طالبان نفوا المعلومات عن "المؤامرة"، معلنين إنهم لم يتلقوا أي أموال من روسيا لقتل افراد في الجيش الأمريكي. مؤكدين أن حركتهم لا تخدم أغراضًا أجنبية.

فمن يقف إذا وراء هذه الاخبار المفبركة، ومن المستفيد من نشرها في واحدة من أكبر الصحف الامريكية؟ وفقًا للخبراء الأمريكيين، فان البحث عن الطرف الذي يقف وراء هذه "الفضيحة" في قائمة أسماء وعناوين الاطراف التي لا تعجبها سياسة روسيا، غير مجدي تماما. وان النظرة الواقعية لطبيعة الحدث تفترض توجيه اصابع الاتهام الى جهة من اثنين، او ربما الاثنين معا، وهما حكومة افغانستان القائمة حاليا، والمعارضين للرئيس الامريكي دونالد ترامب في الحزب الديمقراطي.

أما فيما يتعلق بالجهة الأولى، فإن الحكومة الأفغانية مهتمة ببقاء القوات الأمريكية على أراضيها، ويقلقها قرار الولايات المتحدة في أوائل مارس / آذار عن بداية انسحاب تدريجي لقواتها من افغانستان. وفبركة دليل على "تواطؤ" بين روسيا والإرهابيين لقتل الأمريكيين قادر تماما على إيقاف كل من عملية التفاوض بين الولايات المتحدة وطالبان، وكذلك انسحاب القوات الامريكية. ونظرا لكون المقال يستند الى اعترافات ادلى بها أسري من مسلحي طالبان عند استجوابهم من قبل قوات الحكومة الافغانية والامريكان. وهي اعترافات لا يعتد بها بسبب سهولة فبركتها.

ومع ذلك، يتفق كل من الخبراء الأمريكيين والروس على أن هذه المعلومات المفبركة مفيدة، بالدرجة الاولى، لمعارضي ترامب داخل أمريكا نفسها.

فبعد نشر المقال المذكور في صحيفة نيويورك تايمز، اقترحت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي فرض عقوبات جديدة على روسيا على الفور. وبيلوسي هي ممثلة الديموقراطيين، الذين لديهم حاليا أغلبية في مجلس النواب بالبرلمان الأمريكي، وهي خصم ترامب اللدود منذ فترة طويلة وواحدة من المبادرين الرئيسيين للمحاولة الفاشلة لعزل الرئيس. وهي الآن تطالب بالشروع فورا "بمعاقبة" روسيا، حتى دون انتظار دليل رسمي على تورط روسيا في "المؤامرة" التي زعمت الصحيفة ضلوعها فيها. وبالنظر إلى انه بمجرد اضفاء شبهة "الحقيقة" على الاتهامات المزعومة يمكن ان يعرض الرئيس ترامب للمساءلة، فان ذلك سيدفع الديمقراطيين الى استخدام هذا الوضع برمته لصالحهم.

وفقًا للخبراء الروس، فإن لهذه الفضيحة المصطنعة هدفان واضحان: رغبة الديمقراطيين في هزيمة ترامب بأي ثمن، ومحاولة إخفاء الفشل الكامل لسياسة أمريكية عمرها 20 عامًا تقريبًا في أفغانستان. أما الثاني، فالمفاوضات الأمريكية الجارية مع ممثلي حركة طالبان ربما وصلت الى طريق مسدود. ولحفظ ماء الوجه، تقرر إلقاء اللوم على "نفوذ روسيا"، الذي لم يسمح لأمريكا بخروج امن من افغانستان.

ونتيجة لذلك، رسم المبادرون بالفضيحة صورة مقنعة تدفع فيها "روسيا الشريرة" الأموال إلى المسلحين لقتل الجنود الأمريكيين، ومع معرفة رئيس الولايات المتحدة بذلك فانه لم يرد. ويتم التوصل إلى نتيجة منطقية، وهي ان ترامب رئيس سيئ، لذلك يتعين على الناخب الامريكي التصويت في الانتخابات القادمة، في نوفمبر/تشرين الثاني، لصالح ممثل الديمقراطيين جو بايدن.

كما أن بايدن نفسه مهتم مباشرة بإسقاط خصمه وإخفاء فشل السياسة الخارجية الأمريكية في أفغانستان. خاصة وان امريكا في الفترة التي كان فيها بايدن نائب رئيس إدارة باراك أوباما في 2009-2017 ، فشلت في هزيمة الارهابيين والسيطرة على افغانستان، كما انها فشلت في جعل حكومة هذا البلد أكثر استقرارًا واستقلالية.

يحاول الديمقراطيون بذل اقصى الجهود لاستثمار "الفضيحة" المفبركة التي كشف عنها مقال النيويورك تايمز من اجل ترسيخ تصور عند الناخب الامريكي عن دونالد ترامب باعتباره رئيسًا غير فعال للدولة وانه لا مناص من انتخاب مرشحًا ديمقراطيًا لرئاسة امريكا، يمكنه مواجهة "التهديد الروسي"، وسيصبح هذا الحدث، على الأرجح، أحد الموضوعات المهمة في حملة الانتخابات الرئاسية القادمة. وحتى بافتراض ان الديمقراطيين لم يقفوا وراء نشر المقال المذكور في النيويورك تايمز، فإنهم لن يضيعوا الفرصة بتحقيق أقصى استفادة من هذا الحدث.

أما بالنسبة للعقوبات الجديدة المحتملة ضد روسيا، فمن السابق لأوانه الحديث عنها، لأن الديمقراطيين في الكونجرس لم يتقدموا بعد في هذه القضية بما يتجاوز التصريحات الصاخبة. ومع ذلك، فوفقا للخبراء، إذا قدمت وكالات المخابرات الأمريكية على الأقل بعض الأدلة على أن روسيا كانت ضالعة في "مؤامرة" مع المسلحين الأفغان ضد القوات الامريكية، فانه يمكن، عندئذ، تمرير مشروع قانون الاعتراف بروسيا كراع للإرهاب. وفي هذه الحالة، يمكن فرض عقوبات خاصة على موسكو، بما في ذلك حظر بيع السلع ذات الاستخدام المزدوج لها.

وسيتمكن أقارب الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في أفغانستان من مقاضاة روسيا والاستيلاء على ممتلكاتها وممتلكات الروس الموجودة في الولايات التي تمتد اليها السلطة القضائية للمحاكم الأمريكية. هذا هو الخيار الأكثر سلبية، ومع ذلك، نظرًا لحقيقة أن إدارة ترامب رفضت حتى الآن بشكل كامل المعلومات حول "المؤامرة" المزعومة، فليس من المحتمل ان تتخذ الولايات المتحدة الامريكية اية اجراءات عقابية ضد روسيا قبل الانتخابات الرئاسية. وفي جميع الاحوال، يعتمد مصير "الفضيحة" على من سيصبح صاحب البيت الأبيض في نوفمبر 2020.

 

د. جاسم الصفار

11/07/2020

 

مادونا عسكر(إلى علي الهق وسامر الحبلي وما تبقى فينا من إنسان)

كتب جبران خليل جبران قبل قرن ونيّف "مات أهلي جائعين، ومن لم يمت منهم جوعاً قضى بحدّ السيف، ماتوا وأكفّهم ممدودة نحو الشّرق والغرب وعيونهم محدّقة إلى سواد الفضاء". وها نحن بعد قرن نقبل على الموت جوعاً أو بحدّ السّيف، سيف العقول والنّوايا والنّعرات الطّائفيّة والكذب والنّهب وحكم الآلهة، آلهة الحرب. ولمن لا يعلم، فليعلم أنّ عليّاً وسامراً وسواهم ممّن يحملون لعنة العيش في ظلّ الآلهة انتحروا جوعاً وبؤساً. لم يمت علي وسامر وهما يحدّقان إلى الفضاء الأسود، فالسّواد في كلّ زاوية وكلّ نفس. ماتا بهدوء، وسترا وجههما بصمت العجز والألم، صمت لا يفهمه إلّا أولئك الّذين يغمّسون قوتهم بالدّمع والدّم.

أكتب إلى علي وسامر، لأنّه لو كتب تاريخ جديد فلن يذكرهم. ففي بلاد العرب يذكر التّاريخ غالباً السّفاحين، ويجعل منهم أبطالاً، ويدخلهم في تكوين الفكر البشريّ، فيدرّب الإنسان على المزيد من التّنكيل والإجرام؛ لأنّ مفهوم البطولة العربيّة سفّاح يدخل التّاريخ عنوةً ليتحكّم بمصير البشر. وأمّا الضّحايا فلا يذكرهم أحد! إنّهم مجرّد أعدادٍ يندرجون تحت راية الشّهادة، الخدعة الكبيرة والوهم المميت. ما هذه الأوطان الّتي لا تبنى إلّا بالموت؟ ما هذه الأوطان الّتي لا تحيا إلّا بدماء الأبرياء وجوع الأطفال؟ ما هذه الأوطان الّتي تطحن عظامنا وتسرق أنفاسنا وتنهب عقولنا وأرواحنا؟ هي أوطان من ورق، من رماد يتبعثر ويمضي في مهب الرّيح.

لم ينتحر علي وسامر بل قتلوا مع سبق الإصرار والتّرصّد، والآلهة متربّعة على عروشها. تجتمع وتتبجّح وتستنكر وتنظّر وتحلّل. لكنّ علي وسامر وسواهم ماتوا وانتهى. والقافلة تمضي مثقلة الخطى نحو المجهول وما من معين، وما من أحد يرفع عنّا لعنة سبعين عاماً من الاستقلال. وما من أحد يحاسب. ومتى سمعنا عن محاسبة الآلهة؟ الإله يُعبدُ فقط، وينبغي على العابد أن يظلّ جثّة تتنفّس  حتّى الموت، وإلّا فليمت ليحيا الإله!

خسر علي وسامر معركة العقل وانهزما بعنف. دحرهما الجوع الآتي بسواده الأعظم، وكسرهما بكاء أبناء قُدّر لهم أن يكونوا هنا، في هذا المنفى التّعيس. إنّها معركة العقل ولا بدّ من الصّمود حتّى نخرج من البئر وحدنا. فلا نريد أن نستعطف أحداً ولا نريد أن يهتمّ لأمرنا أحد. فلنصمد وحدنا ولنخرج وحدنا.

وإلى منظّري الكفر والإيمان، كفى تهريجاً وسخفاً، وكفى تنظيراً! من راح استراح.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

ناجي احمد الصديقضياع للشرعية ومقدمة للفوضى

لم يعد خافيا على احد ان المغامر الاسرئيلى بنيانين ناتنياهو قد وقر فى نفسه ان مجده الشخصي فى هذه الدنيا موصول بفلسطين دولة وشعب وانه فى ختام حياته السياسية يجب ان يعمل على ان تكون دولة فلسطين من مخلفات الماضي وشعب فلسطين فى ذمة التاريخ .

ليس من المفيد ان نتتبع حياة الرجل لاننا على يقين بان اسقاطات نفسية عنيفة هى التى تقوده الى السباحة عكس التيار لإرغام الشعب الفلسطيني على رفع الراية وان خيبات وانكسارات قد صاحبت مسيرة حياته حتى أصبح لا يرى فى كل هذا العالم غير حربه الممتدة على الشعب الفلسطيني  تماما كما انه ليس من المتوقع ان يعدل ناتنياهو من رأيه فى ان شعب فلسطين ليس له إلا العيش فى كنف اسرائيل وان من يرفض هذا الأمر فالنار اولى به

مغامرات ناتنياهو فى الصراع الاسرائيلى الفلسطيني مشهورة ومعروفة فمنذ عرف الرجل طريقه الى عالم السياسة وضع نصب اعينه محو فلسطين من الوجود لان إيمانه العميق بيهودية الدولة الاسرائلية يعنى دون شك ان الشعب الفلسطيني يجب ان يبحث له عن وطن بديل  لهذا ولغيره وضع كلتا يديه فى ايدى الرئيس الامريكى المثير للجدل مثله تماما دونالد ترامب ووجد الرجلان فى تحالفهما معا ما كان يبحثان عنه على طول مسيرتهم السياسية الا وهو المجد الشخصي ليس الا

أول ما بدأ به ناتنياهو هو حرب الإبادة التى شنها على الشعب الفلسطيني  فى غزة ورأى العالم بأسره كيف دك الطيران الحربي الاسرائيلى منازل المواطنين العزل فى غزة فوق رؤوسهم غير عابئ ولا هياب من خرقه لقواعد القانون الانسانى الدولى الذى يحرم هدم المنازل وقتل المواطنين العزل فلم يعد لديه ادنى حرمة لدم الفلسطينين كما لم يتبق له ادنى اعتبار للقانون

سرعان ما عرف ناتنياهو أن الحرب والقتل والدمارلم تمثل هاجسا فى يوم لدى الشعب الفلسطيني فالشعب الفلسطيني قد اعتاد هذه الأشياء منذ اليوم الأول للاحتلال وما كان يمر يوم واحد دون ان يقتل فيه فلسطيني او تصادر فيه ارض بل أصبح الكر والفر بين الفصائل الفلسطينية المسلحة وجيش الاحتلال من الأمور المألوفة لمرتادى منصات الاخبار فعرف المغامر ناتنياهوان ليس له الا الولوج من باب آخر غير باب القتل لبناء مجد ظل يكدح فى تحقيقه دون كلل   باب يوجع الفلسطينيين دون ان يقتلهم ولكنه باب به مخاطر واشواك لانه يمر من خلال تجاهل القانون الدولي والشرعية الدولية والمجتمع الدولي  والحق ان ناتنياهو لا يهمه من كل ذلك الا رضاء حليفه دونالد ترامب  والذى كان – ولسخرية القدر – أكثر منه تشوقا لبناء مجده حتى وان كان ذلك على حساب القانون  وفوق جماجم الخصوم

عكف الرجلان على الطاولة بعد ان جمعهم القدر بالصفات المشتركة بينهم ينسجان بأيديهما خيوط مؤامرة طويلة الأمد صعبة الأهداف شائكة التعقيدات حتى خرجا أخيرا على العالم بما أسموه صفقة القرن شاركهم فيها العرب والفرنجة وعاونهم عليها القريب والبعيد وساعدهم فى نشرها المسلم والكافر وفعل ترامب كل ما يستطيع لإرضاء الأقربين قبل الأبعدين على تبنى هذه الصفقة لأنها فى رأيه ورأى حليفه هى اقصر الطرق لمحو ما يسمى بدولة فلسطين واذابة ما يسمى بالشعب الفلسطيني

منذ ذلك الوقت أخذت مغامرات ناتنياهو تزداد وتتسع فبدأ بإعلان القدس عاصمة أبدية لاسرائيل وهى خطوة ضد المنطق وضد التاريخ وضد القانون وضد المجتمع الدولي ولم يكن يغيب عن باله كل ذلك ولكنه مضى إلى حيث تسوقه تهويمات مجده الزائف ووجد من يقف بجانبه بالترهيب تارة وبالترغيب تارة اخرى يساعده ويسانده خله الوفي دونالد ترامب دون يطرف لاى منهما جفن وهما يضربان بالقانون الدولى عرض الحائط عن علم وقصد وليس عن جهل عمى

لم يكن العالم بأسره يمثل شئ عند ناتنياهو ولم تكن الإدانات والبيانات الا أشواك تعترض مسيره لبرهه فما تلبث  ان تزول بعامل الوقت وتصبح الحقيقة الباذخة هى تمرير ما فعله رغم القانون ورغم الشرعية ورغم الإدانة والشجب والتنديد لهذا فان مغامراته تزداد وتتنوع لان يعلم ان لا سلطة حقيقية تقف فى وجهه وان لا قوة رادعة تعطل مسيره وان عالم اليوم فيه من الخنوع ما يكفى لتمرير مشروعاته الصادمة للعدالة والحرية .

لم يجروء احد قبل ترامب على انتهاك صارخ للقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة بين السلطة الفلسطينية والاحتلال وذلك بنقل السفارة الأمريكية الى القدس كما لم يجروء احد على وضع الشرعية الدولية فى سلة المهملات مثل ما فعل بنيامين ناتنياهو بعزمه ضم أراضى الضفة الغربية الى السيادة الاسرائلية واذا كان العالم كله وقف متفرجا على دونالد ترامب فان العالم كله قد وقف منددا ومواجها لنتنياهو فمن الأردن الى دول الخليج ومن بريطانيا وفرنسا الى الاتحاد الاوربى ومن الصين الى روسيا بل وحتى فى داخل اسرائيل هنالك من يتخوف من خطة الضم دعك من الخطاب المتشدد من السلطة الفلسطينية الفصائل المسلحة على السواء  فى ثمن يريد ان يدفعه ناتنياهو بتمرير خطة الضم هذه واى هدف يريد ان يحققه خلاف ربط اسمه بمحو فلسطين من الخارطة

هل يرقص المغامر ناتنياهو رقصة الموت بإصراره على خطة الضم أم انه يرى الان كما كان يرى دائما ان العالم اليوم هو عالم الأقوياء وانه لا مكان لمن يتشدقون بالقانون فيه فالقوة وحدها هى التى تحدد المصير وعلى الضعفاء ان يبحثوا عن عالم اخر يعيشون... نهاية الامر فنتائج ما يسعى اليه نتنياهو محدودة جدا اما ان ينتصر وتعم الفوضى واما ينهزم ويقف القانون شامخا كما يأمل كل أحرار العالم.

 

ناجى احمد الصديق الهادى - المحامى / السودان

 

اياد الزهيريكثيراً ما تخدع الصوره المشاهد، ولا تعبر عن واقع، ومرد ذلك أما لزيغ ببصر الناظر، أو يرجع لطبيعة الصور التي عادتاً ما تنقل الظاهر من السطوح ولا تنفذ الى الأعماق، وهنا تكون ماهية الشيء المصَور وكينونته عصيه على المشاهده، الا أللهم أصحاب النظر الثاقب والعقل الراجح هم وحدهم من يغوصون الى أعماق الصوره ويستكشفون دلالاتها الحقيقيه، وهؤلاء قله .

أن ما يهمنا بالأمر هو المشهد الذي يمثل واقعنا الحالي، وهو واقع تطفو عليه الكثير من المظاهر التي لا تعبر عن واقعه الحقيقي، وأنما هي مظاهر مزيفه وخادعه تعبر عن أزدواجيه مقيته،وزروقه تختفي وراءها وجهاً شديد القبح .

قبل 2003م في زمن النظام الديكتاتوري تظاهر الكثير من الناس بوجه غير وجههم الحقيقي، وبألسنه لا تعبر عما في قلوبهم، بعضهم نفاقاً، وبعضهم أتقاءاً من قسوة النظام، وكان رصيد المنافقون هو الأكبر، وأما الصادقون فهم أقليه بالكاد حافظت على نفسها من جور النظام وأستبداده، وهذه النسبه هي من بصمت واقعنا منذ وفاة رسول هذه الأمه محمد (ص) وليومنا هذا، وهذا هو ماطبع مجتمعنا بصفة الأزدواجيه والزئبيقيه في مواقفه أزاء الأشخاص والأحداث، حتى أصبح التقلب بالمواقف من شيمنا، والأدهى أصبح فنً حَسُن الصنعه، بل يحسبه الكثير حذلقه سياسيه، وصاحبها ذو لباقه كلاميه منقطعة النظير. أن ما بعد 2003م تعتبر مرحله فاصله في تاريخ الشعب العراقي، ومنعطف مهم في حياته العامه والخاصه، والجميل فيها أُزيح الغبار عن كثير من المظاهر السلوكيه، وأصبحت الصوره ثلاثية الأبعاد بدل البُعد الواحد، ورُفع الخوف وبانت الكثير من الحقائق المفجعه التي تعبر عن الحقيقه المره لواقعنا الأليم، وهذا دائماً ما يذكرني لمقوله تنسب لنوري السعيد عندما سُئل عن عدم تنحيه عن السلطه، فقال لهم، أنني أقف على غطاء حفره لو رفعت قدمي لخرجت أرياح تزكم الأنوف. وقد حصل ما قاله الرجل الحكيم، وكان موفقاً في تشخيصه . بعد 2003م أُتيحت الفرصه للأحزاب السياسيه ذات العناوين الأسلاميه كغيرها من الأحزاب العلمانيه من قبل الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر لأن يساهموا بأدارة بلدهم، وأن الطاغيه قد ولى بلا رجعه وقد حان الوقت أن يحكم العراق أهله، طبعاً هذا الموقف يشبه موقف بريطانيا عندما أحتلت العراق 1914م، عندما قالت جئنا لكم محررين ولم نأتي محتلين، وهذا هو منطق كل المحتالين، أدعاءات قائمه على خداع الشعوب وتضليلها. أن ما أفرزته الأحداث أن هذه الأحزاب جميعها، بعلمانيها وأسلاميها قد فشلت فشلاً ذريعاً، وللحقيقه أيضاً هناك من عمل أيضاً على أفشالها، وأشير هنا للجانب الأمريكي وما تسلل للحكومه من البعثين والطائفين والساسه الكرد لأسباب ليس هنا محل ذكرها الآن. تعالت الأصوات في وسائل الأعلام وخاصه المأجوره منها، وردد وراءها الشارع أن السبب في فشل العمليه السياسيه وما ترشح عنها من نهب وسرقه هو الأحزاب الأسلاميه، وما تبع ذلك أن الدين لا يصلح للحكم ويجب فصل الدين عن الدوله، وهو المقصود في كل ذلك، وترك الأحزاب العلمانيه بكرديها وعربيها بعيده عن أضواء النقد في حين هي شريك رئيس بالحكم . عموماً الأسلام هو المقصود بالعمليه والوصول الى عقلية الجمهور وأقناعه بأن الأسلام فقد الصلاحيه وبات في حكم ال(أكسباير) . طبعاً هذا ليس تبريراً لأخطاء بل خطيئة الأحزاب الأسلاميه،أبداً، ولكن هنا أركز على عمل دوائر مراكز القرار وماذا تخطط الى تنفيذ أهدافها، وهي مراكز تقع مكاتبها ما وراء البحار . طبعاً هذا الأمر لا يخص العراق وحده وأنما فشلت هذه الأحزاب الأسلاميه في أقطار أخرى مثل السودان ومصر وبالسعوديه كذلك حكم يتذرع بمنهجه الأسلامي ولكن على الطريقه الوهابيه . السؤال المهم بالموضوع، هل هذه الأحزاب والحكومات التي رفعت شعار الأسلام، هي تعبير صادق عنه، أو هل هي كانت قادره على ترجمته بما ينبغي؟، ووضعت يدها على مقاصدهُ، أنا لا أعتقد ذلك، فقد أهتز الكثير عند تبؤه السلطه، وجعل ألبعض من الأسلام مبرر لشرعنة وجوده كالسعوديه مثلاُ، كما أن مجتمعنا بما يحمل من منظومه قيميه، وعادات وتقاليد هي أقرب للبداوه والعشائريه أكثر من الأسلام، وبالأضافه الى ماجاءنا من ثقافات وافده، عن طريق المحتلين القدامى والجدد،أدخلوا علينا سلوكيات وأفكار لا علاقه لها بالأسلام بتاتاً، وعلينا أن لا ننسى أن من حكم بلداننا، وما فرضته الحكومات المتواليه نماذح حكم لا تمت للأسلام بصله الا ماندر، منذ سقيفة بني ساعده مروراً بدولة بني أميه ذات الصفه الأمبراطوريه والتي أسست لمبدأ توارث الحكم، وهي بالحقيقه كانت أنقلاباً على الأسلام ومبادئه، وعوده لما قبل الأسلام وسياقاتها الجاهليه، وبالحقيقه كان معاويه الرجل الذي أنتقم بأنقلابه هذا على موروث محمد (ص) . فقد شوه الأسلام، وخرق مبادئه، وأدخل عليه أمور لا تمت له بصله، وقد قتل معاويه في حروبه الكثير من خيرة الصحابه، وقسم الأمه، وأثار الفوضى، وأستبد في حكمه، وقد حكم بني أميه 150م، وجاء بعدهم بني العباس والذين فعلوا الأفاعيل، وفي زمنهم كثرت الممل والنحل، ومزقوا الأمه شر ممزق، حتى قال الشاعر (والله ما فعلت بني أميه معشار ما فعلت بني العباس ) و فقد أستهتر خلفاء بني العباس أيما أستهتار من قتل وتشريد المعارضين لحكمهم، فقد جاءوا بشعار يالثارات ال محمد (ص)، ولكنهم أول ما قتلوا ال محمد (ص) وشردوهم وسجنوهم، وخير دليل سجن الأمام الكاظم (ع) حتى قتلوه مسموماً في سجنه، وقد عاش خلفاءهم بحياة مليئه بالمجون والرذيله والخلاعه، حتى قال فيه بشار بن البرد فيه ( خليفه يزني بعمٌاته يلعب بالدف وبالصولجان)، والتاريخ يذكر لنا ميوعة خلفاء بني العباس، الذي جعلهم يوكلون مهام الدوله الى مواليهم من الأتراك والفرس، وأن دخول هؤلاء الأقوام الى دهاليز السلطه،قد ساعد الى زيادة نفوذهم، وعملوا على جلب الكثير من أبناء بلدانهم، فأصاب التغير الدوله والمجتمع، وأصاب المجتمع ما أصابه من تغير ديمغرافي وثقافي، فقد حكموا الكثير من مناطق الدول العربيه لأكثر من 400م في دوله أبعد ما تكون عن الأسلام ومبادئه، لم يقف الحال عند ذلك فقد أستحوذ الأتراك على السلطه وحكموا نفس الشعوب التي حكمها العباسيون، وتاريخ الأتراك غني عن التعريف، فلم يتركوا للبلدان التي حكموها الا الجهل والفقر والمرض، وجاء الأحتلال البريطاني وما جلبه للبلد من ثقافه مغايره لا تمت لا لديننا ولا لثقافتنا بصله، أتممتها الأنقلابات العسكريه وما صاحبتها من عنف وقسوه، ومن أفكار قوميه شوفينيه، تميزت بالأقصاء وأضطهاد الأخر المختلف عن نهجها وأنتماءها، وما الحرس القومي في 1963م الا شاهد على حجم الجريمه التي أفتعلها البعثيون وما قاموا به من قتل وسحل في كل المدن العراقيه، وأخيراً وليس آخراً جاء البعث في أنقلاب 1968م، وما أحدثوه من تشويه للثقافه العراقيه وما أدخلوا من أساليب دمرت البنيه الأجتماعيه للمجتمع العراقي، حيث شجعوا الناس على كتابة التقارير الأستخباراتيه ذات الصبغه الكيديه والتي راح ضحيتها الآلآف من الأبرياء، ولم يكفوا فقد عن ذلك بل أشعلوا الحروب مع الجيران والذي كانت نتائجها وخيمه على المجتمع أقتصادياً وخلقياً وثقافياً . فقد وصل المجتمع العراقي في زمن البعث الى حالة التصدع والأنهيار، وما أصابه من التفكك في نسيجه الأجتماعي جعله في حاله توهان مرعبه، هذا داعيك عن الأحزاب العلمانيه وخاصه الحزب الشيوعي، وما أدخله من نسق فكري وثقافي بعيد كل البعُد عن ثقافة البلد التقليديه، بل كانت الكثير من مبادئه تصل الى التخاصم والتعارض مع الأسلام . كل ما ذكرنا،في هذه السلسله الطويله من حكومات وأفكار وثقافات ألقت بظلالها المعتمه على مجتمع لم يعيش مع الأسلام الا فترة 23 سنه، وهي فترة وجود النبي محمد (ص)، زائد فترة 5 سنوات وهي فترة حكم علي (ع) والتي كانت مليئه بالحرب عليه مما لم تتح له فرصة الأنشغال بتربية المجتمع وتنظيمه والعمل على بناءه . حقيقة الأمر علينا تصور حجم المأساة التي مرت على هذه الشعوب عامه وعلى الشعب العراقي خاصه، بيئه قاسيه، مظلمه، متوحشه، لم تستضيء بنور العلم، ولم تتاح لها فرصه أن تتشرب بروح المباديء الأسلاميه الأصيله . بهذه البيئه نشأ الفرد العراقي، وعالم الأجتماع (غوستاف لوبون) يقول (وأن الشعور الخلقي هو ملائمه لمقتضيات البيئه)، وهذا شيء قطعي بما للبيئه من أثر قوي على سلوك الأنسان وأخلاقه، هذا وقد أستمرت ظروف هذه البيئه الشاذه والظالمه عليه أكثر من ألف عام، وقبلها الجاهليه وما نحتته من أثار منحطه في نفسيته والتي لا يمكن ألغاء آثارها بفترة بعثة الرسول ال23 سنه وهي سنين ما كانت تخلوا من الحروب . أن هذه الحفنه من السنين القليله لا تشكل نسبه تذكر لأكثر من ألف سنه تقود مجتمعنا سنن وأعراف وقوانين وفكر وثقافه لا تمت للأسلام بصله، وعلم الأجتماع يقول أن العادات والتقاليد تترسخ حين يمارسها المجتع لمئات من السنين، ستكون معتقدات تستقر في عقله الباطن، وتكون هي من تقوده في مسيرة حياته، وهي من تصوغ سلوكه الأجتماعي، ومن تحدد أهدافه في الحياة . كما أن الشعوب التي تتعرض للغزوات الكثيره من قبل شعوب أخرى، وحتى ممن هي من جلدتها، تتعرض للأستلاب العقلي والأنقسام النفسي والعضوي فيما بينهم، وتمسخ الكثير من طباعه وأخلاقه، ومايصيبه من التجهيل،بسبب تعرضه لعمليات غسيل للأدمغه، وهذا ما نلمسه اليوم من قبل قنوات التلفزيون ذات الأجنده المعاديه من غسيل مخ للكثير من شبابنا، حتى حولوهم الى معاول يهدموا به مجتمعاتهم، ويتنكروا لحضارتهم . كل هذا جعل مجتمعنا بحله لا تمت للأسلام بصله، ولم يبقى له الا رسمه، في حين وعن قصد يلقي العلمانيون باللأئمه على الأسلام بأنه السبب فيما حصل لنا من مأساة، وتدهور لحياتنا بكل أبعادها وجوانبها الحياتيه، فتراهم ينعتون الأسلامين بالرجعيه والظلاميه، وفي المقابل ينعتهم الأسلاميون السلفيون بالكفره والمارقين، فترى الأنسان العراقي بكل جانبيه الأسلاميون والعلمانيون يتصفون بالتشدد والقسوه والتخاصم العنيف والتراشق بأقذع الألفاظ بينهم، وهذا بسبب ما عاشوه من بيئه أجتماعيه ذات فضاء يتسم بالصراع، ويسوده النفاق والرياء وتتخلله الكراهيه، وكل الأمراض النفسيه، وهي نتيجه طبيعيه لكل ما تقدم من ظروف شاذه مر بها الشعب العراقي عبر أجيال كثيره في واقع ثقافي وأجتماعي بائس، والذي لا ينتمي لقيم ديننا الحنيف، لأنه لم يتربى في كنفه، ولم يتخلق بأخلاقه طوال الفتره التي ذكرناها والتي تقارب ال1500 سنه،أبعدت بها الأمه عن روح الأسلام السمحه، من قيم العفو والتسامح والأخاء، وأن واقعنا قد ألبسناه ثوب الأسلام ظلماً وعدواناً، وأن حل المشكله المزمنه التي علقت بمجتمعنا لا تُحل بتراشق الألفاظ الجارحه، وأنما أولاً الأعتراف بواقع الخلل الحاصل في ثقافتنا، وأصلاح منظومتنا الأجتماعيه، وذلك بالرجوع الى قيم الأسلام الحقيقيه، كما من الخطأ الفاحش ألباس هذا الواقع الأجتماعي بأفراده وأحزابه ثوباً دينياً، ونعزوا ما يأتي من سلوكيات وعادات الى الأسلام، وقد بينا ضعف العلاقه، والرابطه بينه وبين قيم الأسلام الحقيقيه، وقد أشار الى ذلك عالم الأجتماع العراقي (علي الوردي) عندما وصف الشعب العراقي بأنه شعب غير متدين . والحقيقه أن واقعنا يحتاج الى ثوره حقيقيه تشمل بها أزاحة قيم وغرس أخرى، قيم الخير والتقدم والصلاح، وهذه هي القادره على بناء مجتمع منسجم ومتين وقادر على التحدي والبناء، وعلينا أن نفهم أن واقعنا الأجتماعي وبكل متناقضاته، وهشاشة متبنياته، قد ألبسناه ثوب الأسلام والأيمان بطريقه مزيفه خدعنا بها أنفسنا وسمحنا لغيرنا بخداعنا على أنه الأسلام الذي فعل مفاعيله بنا، وهو من أوصلنا الى حالة الوهن الذي فقدنا فيها أسباب النهوض، لكي يقول لنا أنا البديل، وأنا الغرب الذي تنتهي فيَّ الحضاره ويختتم بي التاريخ .

 

أياد الزهيري

 

يقوم السياسيون والمثقفون المؤدلجون بأسوأ المهام والوظائف في الجماعات البشرية، إنهم من يعطي الأوامر بالذبح والقتل والموت لمن يعتبرونهم أفراد الجماعة التي "يمثلوها" أو ينصبون أنفسهم "قادة" متوجين ومستحقين لها، إلى جانب الأوامر بالنهب المشروع لأفراد جماعتهم الأضعف أو الجماعات الأخرى التي تقع تحت رحمتهم وكل أشكال التنمر الأخرى بالضعفاء والعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم الذين يضعهم حظهم العاثر في طريقهم .. يقوم المثقفون المؤدلجون فقط بتبرير كل تلك المزاعم بالسيادة والحق الحصري بالسلطة وتبرير كل تلك الجرائم وتطهير ضمير ساداتهم والجماعات التي يدعون الدفاع عنها وتمثيلها من الجرائم والدماء والأهوال التي صنعتها أيديهم .. قتل الملايين بيد ستالين وماو وخوجه وقبلهم لينين وتروتسكي وغيرهم من قادة البروليتاريا وآباء الشعوب المتآخية .. على سبيل المثال لا الحصر وبسبب ثقة ستالين المبالغة بتطمينات هتلر ونتيجة أخطائه التكتيكية خاصة في السنوات الأولى من "حربه الوطنية العظمى" أسر وذبح ملايين الشباب الروسي دون أي معنى .. في ستالينغراد كان متوسط عمر كل جندي سوفيتي يقوده مصيره إلى هناك يتراوح بين يوم وثلاثة أيام .. في غاليبولي عند أبواب استانبول أخبر مصطفى كمال (أتاتورك فيما بعد) جنوده أنه لا يأمرهم أن يقاتلوا بل أن يموتوا ليعطوا فرصة لتعزيز الدفاعات المنهارة بالإمدادات المنتظرة .. لن أحدثكم عن الامبراطور الياباني الذي أرسل آلاف مؤلفة من شباب بلاده في موجات انتحارية مجنونة بلا جدوى ولا خصمه ماك آرثر الذي كان بين خيار إرسال آلاف الشباب الأمريكان لموت عبثي أو آلاف المدنيين اليابانيين لموت مشابه .. سخر العفيف الأخضر من انتصارات أكتوبر التي كلفت آلاف الشباب العربي واليهودي المتحمس حياتهم فقط بهدف تحريك الوضع السياسي الراكد .. لا أعرف كم يدرك السياسيون ومثقفوهم ذلك لكن وظيفتهم هي أكثر الوظائف فتكا وإثارة للرعب وإنتاجا للآلام والمآسي بين البشر من أي شيء آخر، أكثر بكثير من كل طواحين الهواء التي يقولون أنهم يحاربوها .. أن تكون سياسيا ومثقفا مؤدلجا يعني أن تزعم أنك وحدك دون كل خصومك، وأولا وقبل أي شيء، دون أي إنسان آخر على هذه الأرض، من يملك الحق في إصدار أوامر قتل ونهب وسحل وقمع ليس فقط خصومك، بل كل إنسان .. أنك وحدك تملك الحق في "قيادة" كل الآخرين، أن تأمرهم، تسجنهم، تعفو عنهم، تجبرهم على السخرة، تمنحهم، تحرمهم، تأمرهم بقتل خصومك أو من يعارضك أو الموت في سبيل ذلك .. أنك وحدك تملك الحق في أن تحدد من سيعيش وكيف .. أنك وحدك من يعرف، ليس هذا فحسب، بل الوحيد الذي يعرف كل شيء، الوحيد الذي لا يخطئ ولا يأتيه الباطل من أمام ولا من خلف، الوحيد المخول بإصدار أحكام التكفير والتخوين والردة والخيانة العظمى وشيطنة الآخر وتجريد كل خصومك بل كل من لا يشبهك من إنسانيتهم التي تحصرها بك وبجماعتك المزعومة وساداتك، الوحيد الذي يجب على الجميع أن ينصتوا له، فقط أن يستمعوا ويطيعوا، أنك وكل ما تقوله وتقدسه ومن تخدمهم، أنكم الوحيدون الذي يمنع انتقادهم ومناقشتهم .. المهمة الموضوعة أمام المثقفين العضويين أو شعراء القبائل وفق مصطلحاتنا العربية، هو تبرير ذلك كله ..    

 

مازن كم الماز

 

 

علاء اللاميالفرق بين الرئيس الروسي الذي خرج لتوه فائزا من استفتاء "شعبي" يكرس رئاسته كأي دكتاتور انقلابي في العالم الثالث حتى سنة 2036 ويضمن تصفير فترات رئاسته السابقة، وبين القائد الاشتراكي الأممي الذي قاد ثورة أكتوبر 1917 وأسس الاتحاد السوفيتي فلاديمير لينين، فرق وكبير وواضح جدا: فبوتين اعتبر المبدأ اللينيني الذي يحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها سواء في الانضمام الى اتحاد دول اشتراكية أو في الانسحاب من هذا الاتحاد قنبلة موقوتة وخطأ يجب ألا يتكررفي دولة الاتحاد الروسي أما لينين فقد أصرَّ على وضع هذا المبدأ في دستور اتحاد الجمهوريات السوفيتية سنة 1922 ورحل عن عالمنا بعد أقل من عامين فلم يمهله الموت ليرى تطبيق مبدأه هذا على أرض الواقع. ثم بدأت الكارثة الستالينية التي حولت الاتحاد إلى سجن للشعوب وبقي المبدأ اللينيني حبرا على ورق.

إن رفض بوتين الرأسمالي القومي لمبدأ لينين في ضمان حرية الشعوب انضماما إلى وانسحابا من الدول الاتحادية يقود بالضرورة الى الاضطهاد القومي وسحق تطلعات الشعوب الصغيرة باسم الاشتراكية أو الرأسمالية، أما مبدأ لينين فيعبر بكل وضوح عن الأممية والإنسانية في أرقى صورها وأسماها وضمان حرية الشعوب كل الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. أما الأسوأ من البرجوازي القومي بوتين فهم أولئك الاشتراكيون المزيفون الخونة (الأشبه بالفجل الأحمر فهو أحمر القشرة وأبيض الباطن) والذين ينحازون إلى محتلي وغزاة بلدانهم ويشاركونهم في احتلالها وترسيخ مشروعها السياسي الرجعي والطائفي في تلك البلاد المحتلة.

*هنا رابط تقرير إخباري ورد فيه (قول بوتين، في مقابلة مع برنامج تلفزيوني، أن الدستور السوفيتي تضمن الطرح اللينيني حول الحق في انفصال الجمهوريات عن الاتحاد. وقال بوتين، "هذه هي القنبلة الموقوتة التي وضعت عام 1922 أثناء تشكيل الاتحاد السوفيتي". وشدد بوتين على أن هذه القاعدة تكررت في الدساتير اللاحقة للاتحاد السوفيتي. وقال: "بالطبع، يجب أن نتجنب مثل هذه الأشياء"). رغم أنني لا أميل إلى تصنيف نفسي أيديولوجيا ولا "أعتبرني" لينينيا، ولكن الإنصاف واجب أمام سيرة ثوري كبير مثل لينين. ومن طريف ما شاهدته قبل فترة بخصوص لينين أن مؤرخا روسيا قال في برنامج "رحلة في الذاكرة" قبل فترة ما معناه أن فلاديمير لينين كان الروسي الوحيد او شبه الوحيد في قيادة الحزب البلشفي حين قاد ثورة أكتوبر سنة 1917 أما رفاقه الآخرون فكانوا "متروسين/ على صيغة مستعربين" أي من أصول قومية أخرى غير روسية، ورغم ذلك كان لينين هو الأكثر عداء وكرها بين رفاقه للشوفينية القومية الروسية والأقوى تضامنا مع ضحاياها من أبناء الشعوب الأخرى المضطهَدة والمظلومة.

*وبالمناسبة، تحية إلى الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية بقيادة زوغانوف الذي دعا أعضاءه وأنصاره إلى التصويت بلا على استفتاء بوتين ولم يرضخ له كما ترضخ "أحزاب الفجل الأحمر" هنا وهناك للزعماء الدول حتى لو كانوا من حلفاء غزاة أوطانهم وخدامهم ...

 

علاء اللامي

...........................

رابط الخبر عن تصريح بوتين:

https://arabic.rt.com/russia/1131135-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%86%D8%A8%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D9%88%D8%AA%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%AA%D9%8A/

 

محمد سعد عبداللطيفمن يحارب من؟

تُعتبر منطقة الشرق الأوسط الكبير الممتد غربا حتي افغانستان وتركيا وشمال إفريقيا. ساحة الاختبار على المستوى الدولي في ما يتعلق بفعالية المساعدة الأمنية . التي تُقدمها القوى العالمية والإقليمية. التي ساهمت تلك المساعدة الأمنية في شدة وتكرار الحروب بالوكالة – مثل تلك القائمة الآن في ليبيا واليمن وسوريا والعراق – وفي عسكرة الجهات الفاعلة الحكومية وشبه الحكومية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ففي ثمانينيات القرن المنصرم .وفي نهاية الحرب الباردة كانت  المساعدة الأمنية هي جوهر التنافس على التفوّق العسكري والاستراتيجي والأيديولوجي وحتى الاقتصادي في الشرق الأوسط. لكن على الرغم من الأهمية الواسعة والمتنامية للمساعدة الأمنية للمنطقة وللمنافسة داخلها بين الجهات الفاعلة العالمية والإقليمية، كانت المساعدة الأمنية موضع قدر قليل نسبيًا من التحليل المقارن. وبالمثل فالجهود المبذولة لتقييم العلاقات بين الأهداف الاستراتيجية وبين الأساليب التشغيلية لمزودي المساعدة الأمنية وتأثيراتها النسبية على المستفيدين. حاولت الولايات المتحدة وبكل الأساليب التنافس بطرد الوجود السوفيتي السابق في الشرق الأوسط .وكانت البداية  في مصر والقرن الأقريقي .وجاء عام 1979م .تنقلب موازين القوة والتنافس مع ظهور النواة الاولي لتنظيم القاعدة .من رحم الأحداث إقتحام الحرم المكي فجر أول يوم في السنة الهجرية 1400 .وقيام الثورة الإيرانية .وتوقيع اتفاقية السلام بين (مصر وإسرائيل) وطرد الوجود السوفيتي من مصر .وتولي صدام حسين مقاليد الحكم في العراق .والحرب الأهلية في لبنان .واشتعال حرب افغانستان الاهلية .كل ذلك ساعد علي صراع لصالح الأمريكان وحليفة الاستراتيجي اسرائيل .ومع انهيار  حائط برلين وانهيار وتفكك حلف وارسو. كانت المنافسة آحادية لصالح الأمريكان .ظهر منافس أخر من رحم الثورة الأسلامية في إيران (ولاية الفقية) ضد الهيمنة الأمريكية .وظهور قوة جديدة مع تولي الرئيس بوتين الحكم .

فمن المعروف أن منافسيها الرئيسيين في المنطقة في تقديم المساعدة الأمنية – أي روسيا وإيران – ساعدا وكلائهما على تحقيق نجاحات ملحوظة في ميدان المعركة. فالمنافس الأول، روسيا ساعد في سوريا وبشكل مطرد في ليبيا؛ والمنافس الثاني "إيران" ساعد في سوريا وكذلك في لبنان من زرع وكيل لة من ( حزب اللة) كذلك فصائل في العراق تنتمي الي المذهب الشيعي، وإلى حد أقل في اليمن من جماعة الحوثيين . بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن روسيا أنجزت، بدرجات متفاوتة، عددًا من أهداف المساعدة الأمنية التي حددتها وكالة أبحاث الكونجرس. فدورها المحوري المتزايد في المنطقة، والذي يعتمد إلى حد كبير على قدرتها الظاهرة كمزود للمساعدة الأمنية، إلى جانب الدبلوماسية المُحنكة، مكناها من إدارة التحديات الأمنية الإقليمية في المشرق والمغرب الكبير، مثل تلك التحديات التي تنطوي عليها العلاقات (التركية العربية) من خلافات مع تداعيات ثورات الربيع العربي ، وبناء روابط مؤسسية وشخصية مع النخب العسكرية والسياسية ليس في سوريا وحدها ولكن أيضًا في مصر والسودان والجزائر. وهذا إلى جانب نجاحات مماثلة في بلدان أخرى، من الممكن لهذه الروابط في المستقبل أن تمكنّ روسيا من إقامة تحالفات غير رسمية تمارس عليها على الأقل نفوذًا كبيرًا.

من الواضح أن الولايات المتحدة وروسيا وإيران اختارت مناهج مختلفة للمساعدة الأمنية في الشرق الأوسط لها تبعات هائلة على بناء الدول والاستقرار ولكم مازالت الأوضاع في مناطق غير مستقرة ..

على الجانب الآخر، فيما يتعلق بالدولة المنافسة للولايات المتحدة، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق الصراع الساخنة في أوروبا، فإن لروسيا توجهات تحكمها أوضاعها الداخلية، وطموحات الرئيس بوتين، وما تملكه من قدرات على تحقيق ما تريده لتواجدها خارج حدودها. وتستند سياسات روسيا تجاه منطقة الشرق الأوسط إلى كون هذه السياسات، جزءاً من معادلة علاقتها بالولايات المتحدة، - قرباً أو تباعداً - وارتباط ذلك بحرص روسيا على أن تستعيد وضع القوة العظمى الذي كان لها في فترة وجود الاتحاد السوفيتي. وإن كانت عودة روسيا إلى المنطقة تسير في مسار مختلف عن المسار السوفيتي السابق، وبمبادرات تختلف عن سياسات الولايات المتحدة، والغرب عامة. وإلى جانب هذا الهدف، فإنها تريد التوسع في العلاقات مع دول المنطقة، خاصة ما يعود عليها بمنافع اقتصادية.

في هذا الإطار كان تدخلها عسكرياً في سوريا، والذي استغلت فيه حالة السلبية التي سادت الموقف الأمريكي خاصة تجاه توسع شبكات الإرهاب الخارجية في الأراضي السورية.

ولكن الكثير من المراقبين يرون أن التدخل العسكري الروسي في سوريا، يمثل حالة استثنائية، ولا يتوقعون أن يتكرر في حالات أخرى في المنطقة، وهي تدرك أنها لن تكون في وضع المنافسة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ولا شك في أن الأبواب المفتوحة أمام روسيا في المنطقة، لخلق علاقات سياسية واقتصادية، يساعد عليها ما كان قد انتاب الولايات المتحدة من تردد في الوفاء بالتزاماتها التاريخية تجاه أمن بعض دول المنطقة، وإنتاجها سياسات تمثل إغراقاً في التحيز ل«إسرائيل» على حساب القضايا العربية، وتزايد لهجة المطالبة بأن تتحمل دول المنطقة أعباء ما تقوم به الولايات المتحدة من تحركات ومواقف، كانت تقوم بها في الماضي وهي تعلم أنها إذا كانت تحمي مصالح دول المنطقة، فإنها تدعم مصالح الأمن القومي الأمريكي في الوقت ذاته.

في هذه الأدبيات السياسة الخارجية  الأمريكية، باعتباره تسهيلاً للعلاقات الفعالة بين المسؤول الرئيسي والوكيل، وبالتالي تسهيلاً للمساعدة الأمنية، يمتاز بأهمية خاصة في الشرق الأوسط، وهو وجود "مؤسسة حكم شرعية وفعالة نسبيًا". تشير وكالة أبحاث الكونجرس إلى أن "الجهود الأقل فعالية التي أجراها بناء قدرة الشريك كانت تتم إما أثناء النزاعات والحروب (المواقف التي تتنافس فيها أطراف معارضة على الحكم) أو في البلدان التي يكون فيها الحكم الشرعي ناشئًا نسبيًا. "  وهذا ظهر في سمال العراق في دعم الأكراد ومحاربة الدولة الاسلامية ( داعش) في نفس الوقت تساعد بالدعم اللوجستي  فصائل جهادية شمال سوريا .  ففي فترة حكم  الرئيس أوباما طالبت الدول العربية بفتح مجال الحريات والانتخابات الحرة وملفات حقوق الانسان شرط المساعدات الامنية . لذلك كانت الخارجية الأمريكية في حالة تخبط من اندلاع الثورات العربية . من الاكتفاء  بتصريحات فقط بضبط النفس . وكان يقلق الجانب الامريكي أن "الفساد والكسب غير المشروع لدى الشريك يمكن أن يعوقا فعالية بناء قدرة الشريك بشكل كبير. توجد أدلة قليلة تفيد بأن فعالية بناء قدرة الشريك يمكن أن تكون فعالة من دون وجود شريك راغب وقادر على أرض الواقع. ومع الأحداث الجارية في المنطقة وانتشار وباء فيروس كورونا والسياسة الشعبوية من الرئيس ترامب .هل صعود الصين وقوي اقليمية أخري في العالم؟  سيخلق وضع أخرمن حرب عالمية باردة وصراع في الشرق الأوسط من أطراف أقليمية .

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

نبيل احمد الاميرﻧُﺰﻳﺢ اليوم ﺍﻟﺴﺘﺎﺭ ﻋﻦ أهم قراءة او أهم رؤية يتحدث عنها العالم الأول وهي نظرية ﺍلمليار الذهبى التي بموجبها سيتم إفناء 6 مليارات إنسان من على كوكب الأرض بطريقة أو بأخرى .

ﺇن ﻣﻦ واجب النخب الواعية التي تستطيع إستقراء المستقبل من خلال قراءة الأحداث ذات ﺍﻷﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﻟﻐﺔ ﻋﺮﺽ هذه ﺍلقضايا ﺍﻟﻬﺎﻣﺔ ﺍﻟﺘﻰ ﺗﺘﺼﻞ ببقاء البشرية على هذا الكوكب على كل الناس ﻭﺫﻟﻚ ﻟﻠﻮﻗﻮﻑ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻭﺗﺒﺼﻴﺮ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺑﻤﺎ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ يعرفونه اتجاه أنفسهم وأوطانهم .. ﻭﺇﺫﺍ ﺗﺄﻣﻠﻨﺎ ﻫﺬا موضوع المليار الذهبي ﺳﻨﺠﺪ ﺃنه ﻣﻦ أهم ﺍلموضوعات ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻰ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺍﻟﻮﻗﻮﻑ ﻋﻨﺪﻫﺎ ﻭﻋﺮﺿﻬﺎ ﻭﺗﺤﻠﻴﻠﻬﺎ ﺗﺤﻠﻴﻼ ﺩﻗﻴﻘﺎ حتى نحقق الامن والامان للبشرية على الارض.

على كل إنسان أن يستيقظ ويفكر ملياً ويفهم ﻣﺎﻳدور ﺣﻮله .. فان عدد سـكان الارض هو حوالي سبعة مليـارات نسمة .. يعتقد البعض أن موارد الأرض الطبيعـية لا تستطيع تلبية احتياجات هذه المليـارات السبعة القابلة للزيادة .. لذلك يعتقد البعض أيضاً انه يوجد منهم حوالي مليـار شخـص فقط يحق له أن يعيش على الأرض ويستهلك وينتج براحة ورفاهية، اما الـ 6 مليارات انسان الآخرين فلا مكان لهم في دورة الحياة، ويجب التخلـص منهم بطريقة أو بأخرى .. وبالتأكيد المليـار المقصود بالبقاء ليس الأفارقة .. بل هو الجنس الابيض من بعض الأوربيين والأمـريكان على إعتبارهم الأكثر ذكاء وتطـور وتحضر.

يقول ثعلب السياسية الأمريكية هنري كيسنجـر وزير الخارجيـة الأمريكية الأسبق في إحدى مـقالاته (نحن اليوم نعيش في عصر المـليار الذهبي بالفـعل، ولكننا لا نحتاج لقتل الستة مليـارات الأخرى، يكفي أننا ننهب ثرواتهم ونحرص على إبقائهم متخلفـين، ونأخذ منهم ما نريد دون مقـابل ... أما تقليص عدد السكان فيجب ان تكون الأولوية للأهم في السـياسة الخارجـية تجاه دول العـالم الثـالث).

ﺍﻥ ﻧﻈﺮﻳﻪ المليار الذهبى ﻣﻮﺟﻮﺩﻩ من ﺳﻨﻴﻦ .. فـ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﺃﻭ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺐ كما يحلو للبعض ان يطلق عليه، ﻫﻮ ﻣﺼﻄﻠﺢ ﺷﺎﺋﻊ ﻓﻲ ﺭﻭﺳﻴﺎ ﻭﺍﻟﺒﻼﺩ ﺍﻟﻨﺎﻃﻘﺔ ﺑﺎﻟﺮﻭﺳﻴﺔ ﻟﻺﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺼﻨﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﻐﻨﻴﺔ (ﺩﻭﻝ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻷﻭﻝ) .. حيث ﻳﻐﻠﺐ على ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺳﻤﺔ ﺍﻟﻌﻨﺼﺮﻳﺔ والأنانية ﺍﻟﺠﻨﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﺗُﺮى ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻓﻲ أي ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺎﺕ .

ببساطة ﺗﻘﻮﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ كما اسلفت سابقاً وبإيجاز أن المليارات السبعة من البشر يجب إختزالها الى مليار واحد يعيش على كوكب الأرض برفاهية .. يتمتع بموارد الأرض وتكون كافية له، وبالتالي نتخلص من مشاكل الفقر والجوع وسوء التخطيط والادارة .. لأن المليار الباقي هو مليار النخبة الذهبي الذي يمتلك مواصفات خاصة لا يمتلكها الآخرون .

السؤال المطروح هنا هو ..

ما مصير المليارات الباقية من البشر ؟

الجواب هو .. إبادة وإزالة أمم وقوميات كاملة من البشر، وﺍﻟﻌﺮﺏ ﻫﻢ أول الأجناس ﺍﻟﻤﺴﺘﻬﺪفة ﺑﺎﻻﺑﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺍﻟﺸﺮﻕ الأوسط، ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺃﺟﻨﺎﺱ ﻭﺃﻋﺮﺍﻕ ﺃﺧﺮى ستبقى وهي اليهودية وجزء من الفارسية والتركية والإﻧﺠﻠﻮ ﺳﺎﺳﻜﻮﻧﻴﺔ .. ﻭﺫﻟﻚ ﻋﺒﺮ ﺗﺤﺎﻟﻒ ﺻﻬﻴﻮ ﻣﺎﺳﻮﻧﻲ ﻋﺎﻟﻤﻲ، ﻳﺤﺎﻭﻝ ﻫﺪﻡ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻻﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ على ﺍﻟﺨﺮﻳﻄﺔ بالمنطقة، ﻟﺼﺎﻟﺢ ﻗﻮﺓ ﻛﺒﺮى وحكومة موحدة يتم العمل عليها بمطابخ الصهيونية الماسونية العالمية .

إن الهدف من ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ هو ﺻﻨﻊ ﻣﺤﻮﺭ ﺟﺪﻳﺪ لقوى اﻠﻤﺆﺍﻣﺮﺓ ﺍﻟﻜﺒﺮى ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺎﻭﻝ ﺗﺪﻣﻴﺮ ﺍﻻﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺗﺨﺮﻳﺐ ﺣﺎﺿﺮﻫﺎ ﻭﻣﺤﻮ ﻣﺴﺘﻘﺒﻠﻬﺎ، ﻟﺼﺎﻟﺢ الدولة الصهيونية ماسونية التي ستحكم ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ويكون مقرها ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﺮﺍﺕ ﻭﺍﻟﻨﻴﻞ كما جاء في كتب اليهود المقدسة .. حيث سيتم التخلص من ﻣﻠﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻻﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﺴﺮﻳﺔ ﺍﻟﻜﻬﺮﻭﻣﻐﻨﺎﻃﻴﺴﻴﺔ ﻭاﻷﻭﺑﺌﺔ ﺍﻟﻘﺎﺗﻠﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻬﺔ ﻋﺒﺮ ﺷﺮﻛﺎﺕ ﺍﻻﺩﻭﻳﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻱ ﻭﻣﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ (ﺍﻟﻤﺎﺳﻮﻧﻴﺔ)، ﻭﺑﺎﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﻤﻨﺎﺥ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭﺓ على ﺻﻨﻊ ﺍﻟﺘﺴﻮﻧﺎﻣﻲ ﻭﺍﻟﺰﻻﺯﻝ ﺍﻟﻤﺪﻣﺮﺓ، ﻭﻣﺤﻮ ﻛﻞ ﺍﻻﺩﻳﺎﻥ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ على فكرة ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻣﻦ على ﻭﺟﻪ ﺍﻻﺭﺽ .

ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﺃﻥ ﻣﺨﻄﻂ ﺍﻟﻤﺎﺳﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻗﺎﺋﻢ على ﺍﻓﺘﻌﺎﻝ ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻨﺰﺍﻋﺎﺕ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ في العديد من مناطق العالم، ﻭﻧﺸﺮ ﺍﻷﻭﺑﺌﺔ ﺍﻟﻘﺎﺗﻠﺔ ﺍﻟﻤﺼﻨﻌﺔ ﺩﺍﺧﻞ ﻣﻌﺎﻣﻞ ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﻤﺨﺎﺑﺮﺍﺕ ﻻﻣﻴﺮﻛﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، ﻭﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺃﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﺘﻼﻋﺐ ﺑﺎﻟﻤﻨﺎﺥ ﻭﻗﺼﻒ ﺍﻟﻘﺸﺮﺓ ﺍﻻﺭﺿﻴﺔ ﻟﺼﻨﻊ ﺯﻻﺯﻝ ﻣﺪﻣﺮﺓ، ﺑﻬﺪﻑ ﺇﺑﺎﺩﺓ الـ 6 ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻟﻜﻲ يبقى على ﺍﻻﺭﺽ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻭﺍﺣﺪ ﻓﻘﻂ ﻳﺴﻬﻞ ﺣﻜﻤﻪ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﺣﺪﺓ .

إن استخدام اسلحة التلاعب بالمناخ وقصف القشرة الارضية تتلخص فى (مشروع هارب) الذى يُنفذ بالفعل اليوم على أرض الواقع .

ﻧﺤﻦ ﻻ ﻧﺒﺎﻟﻎ ﺃﺑﺪﺍ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺃﻣﺎﻡ ﺧﻴﺎﺭ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ . ﻭﺇﻥ ﻣﺎ ﻳﺠﺮﻱ ﻓﻲ ﻓﻠﺴﻄﻴﻦ ﻭﺍﻟﻌﺮﺍﻕ وسوريا وليبيا ومصر والمغرب العربي وبعض مناطق العالم الأخرى ﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻧﺤﺮﺍﻓﺎﺕ ﻳﻤﺎﺭﺳﻬﺎ بعض الشواذ او المهاويس ﺑﺎﻟﻘﺘﻞ ﻭﺍﻟﺘﺪﻣﻴﺮ .. ﺑﻞ ﺇﻥ ﻣﺎ ﻳﺠﺮﻱ ﻫﻮ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺩﻗﻴﻖ ﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺇﺑﺎﺩﺓ ﺭﺳﻤﻴﺔ ﻭﻣﻌﻠﻨﺔ أصبحت ﺗُﻤﺎﺭﺱ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺗﺰﻭﻳﻖ ﺃﻭ ﺃﻗﻨﻌﺔ .

لا شك ان كل ما يحدث ماهو الا تنفيذ لأهم واخطر مخطط ماسونى عالمى، ﻭﺇﻥ ﻛﻞ ما يحدث من خيانات وعمالة وتدمير وإبادة ﻫﻮ ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﺇﻋﻄﺎﺀ ﻓﺮﺻﺔ ﻟﻠﻌﺪﻭ ﻟﻴﻤﻜﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻠﻰ كوكب ﺍﻷﺭﺽ ﻟﻴﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺫﺑﺤﻨﺎ ﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ﺃﻛﺒﺮ .

ﺗﻔﻴﺪ ﺑﻌﺾ الدراسات وﺍﻟﺤﺴﺎﺑﺎﺕ ﺍﻥ ﺍﻟﻤستوى العالى ﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤﻌﻴﺸﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﻮﻓﻴﺮﻫﺎ ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺳﻜﺎﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﺑﺸﺮﻁ ﺍﻥ ﻻ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﺪﺩﻫﻢ ﻋﻦ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻧﺴﻤﺔ ﺗﻘﺮﻳﺒﺎ . ﻭﻣﻌﺮﻭﻑ ﺍﻥ ﺣﻮﺍﻟﻲ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺷﺨﺺ ﻳﻘﻴﻤﻮﻥ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻤﺘﻄﻮﺭﺓ ﺻﻨﺎﻋﻴﺎ مثل ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﻭﻛﻨﺪﺍ ﻭﺑﻠﺪﺍﻥ ﺍﻭﺭﻭﺑﺎ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﻭﺍﺳﺘﺮﺍﻟﻴﺎ .. ﻭﻗﺪ ﺟﺮﺕ ﺍﻟﻌﺎﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﻤﻴﺔ ﺳﻜﺎﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜﻞ ﻧﻮﺍﺓ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺃﺳﻤﺎﻟﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ بـ ” ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ” .

إن ﺍﻟﺴﻤﺔ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﻤﻤﻴﺰﺓ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ ﻟﻠﺮﺧﺎﺀ ﻭﺍﻹﺳﺘﻬﻼﻙ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲ .. وﺗﺒﻴﻦ ﺍﻹﺣﺼﺎﺋﻴﺎﺕ ﺍﻥ ﺳﻜﺎﻥ ﺑﻠﺪﺍﻥ ” ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ” ﻳﺸﻜﻠﻮﻥ 15% ﺗﻘﺮﻳﺒﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﺍﻻ ﺍﻧﻬﻢ ﻳﺴﺘﻬﻠﻜﻮﻥ 75% ﻣﻦ ﻣﻮﺍﺭﺩﻫﺎ ﻭﻳﺮﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﺑﻬﻢ 75% ﺍﻳﻀﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﺎﻳﺎﺕ .

ﻭﻗﺪ ﺍﺧﺘﻠﻔﺖ ﺍلأﺭﺍﺀ ﻓﻲ ﺗﻘﻮﻳﻢ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ .. فـ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺍﻥ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺬﻱ يعيش ﺑﻤﺴﺘﻮﻯ ﺭﻓﻴﻊ ﻭﻳﻌﻴﺶ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻬﻨﺎﺀ ﻭﺍﻟﺮﺍﺣﺔ ﻭﺍﻟﻌﻤﺮ ﺍﻟﻄﻮﻳﻞ ﺍﻧﻤﺎ سيكون ﻗﺪﻭﺓ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ ﺑﺄﺳﺮﻩ، ﺑﻞ ﻫﻮ ﺍﻳﻀﺎ ﻗﺎﻃﺮﺓ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ لتطوير الانسان ورقيه .

وﻣﻦ أجل ﺍﻹﺑﻘﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻭﺍﺣﺪ .. فـ ﺃﻧﺎ ﻣﺘﺄﻛﺪة ﻣن ﺃن ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺣﺼﻮﻝ ﺣﺮﺏ ﻋﺎﻟﻤﻴﺔ ﺛﺎﻟﺜﺔ، ﻭﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻨﻮﻭﻱ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﻛﺎﺭﺛﻴﺔ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﺗﺤﻤﻠﻪ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﻣﻦ ﻣﻌﻨﻰ، ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍﻟﺮﻗﻤﻴﺔ ﻟﻸﺿﺮﺍﺭ .. فإن ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻗﺪ ﺃﺑﺎﺩﺕ ﻣﺎ ﻳﻘﺎﺭﺏ ﺭﺑﻊ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ، ﺃﻱ ﻣﺎ ﻳﻌﺎﺩﻝ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ %2 ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﺳﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، وﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻛﺎﻥ ﻗﺒﻞ ﺳﺒﻌﻴﻦ ﻋﺎﻣﺎً، ﻭﺷﺘﺎﻥ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻣﺲ ﻭﺍﻟﻴﻮﻡ !!

ﺧﻼﺻﺔ القول ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻧﻈﺎﻡ ﻋﺎﻟﻤﻲ ﺟﺪﻳﺪ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﻌﻤﻞ من اجل الوصول اليه ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﻤﻜﻨﺔ، ﻭﻋﺼﺮ ﺟﺪﻳﺪ ﺗﺘﻢ التهيئة ﻟﻪ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻭﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ الجوانب .. سينتهي ﺑﺤﻜﻮﻣﺔ ﻋﺎﻟﻤﻴﺔ ﻣﻮﺣﺪﺓ، وﻋﻤﻠﺔ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، وﺩﻳﻦ ﻭﺍﺣﺪ، ﻣﺪﻋﻮم ﺑﺜﻮﺭﺓ ﻋﻠﻤﻴﺔ عالمية .

يعتقد البعض أن الانفتاح على العالم ما هو إلا سبيل للرفاهية، ونحن كنا معهم بلا شك، لكن مانراه اليوم هو غير ذلك، فهناك الكثير من الكوارث والأمراض المستعصية والأوبئة الغريبة والجماعات المتطرفة والحروب الطائفية والدينية والأهلية، وكأن هذا العالم يتعرض للاغتيال الوجودي الذي قرأناه في كتاب فريدمان العام 2005 .

وبما أن الدول العربية بما يعتريها من هزات وثورات وأوبئة وأمراض مستعصية وأزمات اقتصادية ومشاكل إجتماعية وغير ذلك، وبما أنها جزء لا يتجزأ من هذا العالم، توجب علينا قراءة بعض النظريات الحديثة مثل نظرية المليار الذهبي، حيث ستستشعر ذلك الخطر المحدق بجميع دول العالم الثالث ومنها الدول العربية، حيث يتحدث الجميع اليوم عن العالم الجديد والشرق الاوسط الجديد وخارطة جديدة ونظام عالمي جديد .. والذي ما هو إلا دلالة على مايتم التخطيط له بالغرف الصهيونية والماسونية سيظهر للعلن قريباً .. وأن منطقة الدول العربية ماهي إلاّ عبئ كبير على العالم المتقدم أو مايسمى بالعالم الأول .

ما قمت بطرحه من خلال مقالي هذا ماهو الا نبذة مختصرة عن مخطط المليار الذهبى التى تسعى الماسونية الصهيونية العالمية لتحقيقه .

 

رؤية وقراءة لـ / د. نبيل أحمد الأمير