محمد العباسيهل نتعلم الدرس ولو بعد حين؟ لقد ماطلت الجمهورية الإيرانية لسنوات عديدة، بين "كر وفر"، وتأجيل وتردد، والتلميح بالتقدم خطوة للأمام والتراجع خطوتين للوراء، حتى ملت الأمم من مناوراتها بشأن برنامجها النووي "البعبع المزعوم".. ثم نالت مرادها بعد طول صبر و"تضحيات".. ولا أظنها تنازلت عن أي شيء ذو أهمية مقابل فك الحصار عنها رغم عناء الشعب الفارسي من طول الحصار.. وتم استرجاع ملايينها المجمدة لدى البنوك منذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي.. ملايينها التي تضاعفت وتكدست في البنوك بفضل الأرباح البنكية طوال تلك المدة.. لتنال الأجندة التوسعية جائزتها الكبرى.. وترسم لنفسها وكل من يتبعها خط سير وخارطة طريق للمناوشات والمناورات التكتيكية في عمليات المفاوضات للخروج من أزماتها السياسية مع العالم! ربما هذه الأيام رجعت إيران تعاني مع سياسات "ترامب"، لكن لعبتها التفاوضية لن تتوقف.. وستعود، وهكذا قد بدأت ثانية بالمناوشات والتهديدات وجس النبض مع الأوروبيين، لتدور بالعالم من جديد في فلك المناورات والدهاليز السياسية، والمهاترات السقيمة، والمفاوضات العقيمة!!

إنها فلسفة التلاعب بالوقت.. إضاعة الوقت.. حتى تصبح كل المسائل عائمة في الوقت الضائع.. ثم وقبل كل اجتماع مقبل قد تخشى إيران أن يكون العالم قد فقد صبره، يخرج علينا أحدهم ليعلن شيئاً يبدو في نبرته بعض التنازل، كما يفعل "ظريف" هذه الأيام.. فتتغير نبرات الأمم من حولها أملاً في الحل السلمي.. ثم يخرج علينا شخص آخر من النظام ليشكك في أقوال الأول.. لجس النبض العام.. وأخيراً يأتينا من ينكر كل ما قيل، ليدخل العالم في متاهات بين كل ما قيل ويقال وتحليل الأقوال، وربما حتى الدخول في تحليلات وتنبؤات هوجاء بأن النظام يعاني من أزمات داخلية وخلافات وصراعات، لذا لا بد من الصبر قليلاً حتى تتضح الأمور!!

وها هو النظام السوري من جهة والحوثيون من جهة أخرى، يمارسان ذات التكتيكات الفارسية والدخول في نفس المتاهات في كل حواراتها المعنية بترسيخ السلم وحل الأزمتين السورية واليمنية.. تتقدمان شكلياً خطوة واحدة.. ثم تعلقان تلك الخطوة بالتراجع عدة خطوات.. وفي ذات الوقت لا تلتزمان بأي من الاتفاقات الموقعة بشأن الهدنات وتستمران في القصف والقتل والخطف.. لتدفعا بالأطراف الأخرى نحو اليأس والانسحاب من المفاوضات.. انه نفس الإسلوب وذات الفلسفة الإيرانية، التي تمنح الجهات الدولية المعنية بعض الأمل الزائف لتأجيل قيامها بتطبيق أي عقاب للنظام تحت بنود قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وإن كانت تحت البند السابع! وكلما وجد النظام السوري مثلاً أن هلوسته السياسية ناجحة في "لخبطة" الأوراق، يتمادى أكثر ويستمر بالقصف وإخراج كل ما بجعبته من الأسلحة المحرمة ضد شعبه.. والأمم تتفرج وتنتظر أن يعود هذا النظام عن "اللامنطق" الذي يدفعه لقتل شعبه من اجل عيون "رجل واحد أوحد"!!

كذلك هو الوضع مع الأزمة اليمنية مع الحوثيين الانقلابيين، وهم بالأساس من الطائفة الزيدية التي باتت تتطاول على علماء الزيدية، بدأً على يد السيد "حسين بن بدرالدين الحوثي" بعد تتلمذه في "قم" وتحوله إلى "الإثني عشرية" الموالية للولي الفقيه في إيران .. فبرغم الحروب التي شنها ضدهم المخدوع "علي عبدالله صالح" لسنوات عدة، بات بعدها من منطلق المصالح داعماً لانقلابهم على السلطة الشرعية وصار يمدهم بالجنود والسلاح، حتى انقلبوا عليه واغتالوه.. وباتت الحركة تمارس اليوم نفس سيناريو التفاوض "الإيراني" الممل والمتكرر بذات الصياغ ونفس الأسلوب المماطل.. وكل يوم يمضي يدفع ثمنه العشرات من المواطنين الأبرياء ولا من مجيب. أنها الفلسفة الفارسية الطائفية التي عبر التاريخ وهي تؤدي إلى القضاء على الآمال وتنقلنا من أزمة تلو أزمة لمزيد من الدمار والخراب.. إضاعة للوقت مع الاستمرار في القتل والتدمير.. مع العمل على التلميح بالرضوخ للضغوط الدولية.. ثم الإيحاء بوجود خلافات داخلية، بينما إيران تستمر بمدهم بالسلاح وعبر كل المنافذ المتوفرة.. وإن كانت في اليمن عبر تنظيم القاعدة في "حضرموت"! ولا ننسى بأن قادة القاعدة يعيشون في كنف وحماية إيران حتى يومنا هذا!!

و ها هو العراق اليوم، مثال آخر للتخبط وتكرار المجازر التي ما انفكت منذ القضاء على الدولة العباسية على يد "هولاكو".. والتاريخ يشهد للدور الطائفي في إضعاف حكم آخر العباسيين (المستعصم بالله) على يد وزيره الخائن "ابن العلقمي" وتمهيده للسقوط والانقراض! عراق اليوم ضحية للتخاذل الدولي عنه بعد التدخل الأمريكي السافر عليه بدون وجه حق، وبذرائع كاذبة ومعلومات مخابراتية ملفقة.. ومن ثم تقديمه لقمة سائغة لـ "المالكي" و"الجلبي" وسواهم من المرتزقة العراقيين (الفارسيين الهوى والمذهب) ممن باعوا ضمائرهم بعد أن هيئتهم ودفعت بهم إيران لتدمير وطنهم وسرقة مدخراته والقضاء على عروبته.

منذ أيام ليست ببعيدة شعرت الدولة الفارسية ببعض الاهتمام بضحايا المناطق السنية في "الأنبار"، فحشدت حشودها الطائفية لضرب عصفورين بحجر.. طرد الدواعش ثم إخلاء تلك المناطق من سكانها، بالترهيب والتهديد وعبر بث صور للتمثيل بجثث بعض المواطنين هناك.. ثم جاء دور "الفلوجة" وقضية حصارها الجائر بين نارين، الدواعش من ناحية والحشود العراقية من ناحية.. فلما شعرت ببعض الالتفات الدولي نحوهم أثار أتباع إيران من قادة الحشود والعصابات والأحزاب الأخرى أزمة سياسية وبرلمانية لتشغل العراقيين والعالم عن متابعة أخبار أهالي "الفلوجة" الجياع.. ذات السياسة والفلسفة الفارسية في إضاعة الجهود والوقت والدوران في حلقات مفرغة بينما أهل العراق يموتون جوعاً وقتلاً بين المطرقة والسندان!!

وها هم الفرس تارة أخرى، يتلاعبون بالمصير اللبناني عبر أداتهم الغليظة المتوشحة بعباءة الدين تحت اسم "حزب الله".. وتاريخ هؤلاء المحسوبين علينا رجال دين يكشف لنا كم هم متورطون في مجازر واغتيالات وعمليات خطف طائرات.. بل وعمليات غسيل أموال والتجارة في المخدرات من "ليتوانيا" مروراً بأوروبا حتى "غواتيمالا".. أما في الداخل اللبناني فذلك حديث آخر.. فموقع "نيوزماكس" الأمريكي نشر منذ سنتين تصريحاً مفاده أن هنالك إثباتات على أن اغتيال الرئيس "رفيق الحريري" تم على يد القوى الإيرانية وحزب الله بقيادة "حسن نصر الله" و"عماد مغنية".. وأضاف الخبر حينها بأن المحكمة الدولية ستوجه اصبع الاتهام إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية "علي خامينئي" شخصياً على أنه يقف وراء اغتيال "رفيق الحريري" حيث أن الأوامر لتنفيذ عملية الاغتيال حولت من إيران إلى "عماد مغنية" من حزب الله الذي أُعّد بالتعاون مع مساعد له طاقماً لتنفيذ عملية الاغتيال في قلب بيروت.. من أجل تمكين "حزب الله" من السيطرة على لبنان.. وكان لهم ذلك!

الوضع السياسي في لبنان يعيش مأساة حقيقية.. فتنة طائفية تمزق لبنان الذي يعيش منذ زمن بلا رئيس قوي ولا ثقل ولا حكومة ذات صوت مسموع.. الكل خائف من العودة إلى مربع الحرب الأهلية بسبب مواقف "حزب الله" من الأزمة السورية من جهة، وتطاولها ضد "دول مجلس التعاون الخليجي" بالذات بعد أن "تجرأت" دول الخليج على تصنيف "حزب الله" كجماعة إرهابية.. والحكومة اللبنانية "المهزوزة" تحاول قدر الإمكان إنقاذ جبهتها الداخلية من ردود الأفعال والتطورات الغير محسوبة من قبل "حزب الله" وفريقه.. في حين يدرك الجميع بأن الحزب يستخدم الحوار ومشاركته في الحكومة الهشة كغطاء لكل ما يقوم به من جرائم وإرهاب!

يبدو جلياً لكل عاقل بأن لإيران أنياب في لبنان تعمل على خلع عروبة لبنان والزج به تحت العباءة الفارسية رغماً عنه.. عملية فصل للبنان عن واقعه العربي للربط بين طرفي الهلال "الشيعي" الموالي لولاية الفقيه، الممتد على امتداد شمال شبه الجزيرة العربية، من مدينة "قم" مروراُ بالأهواز العربية وبغداد ودمشق حتى بيروت.. والعرب لا يزالون يتكلمون بلغة السياسة الناعمة والأمل أن تعود إيران إلى رشدها والكف عن خططها.. وكيف لدولة تتبع في سياساتها لغة الدين وضرورة إتباع الأوامر "الإلاهية" التي تنزل على الولي الفقيه الذي لا تجوز مخالفته ولا الشك في أقواله المعصومة، كيف لمثل هذه الدولة أن تتبع أي منطق غير منطق ولائها التام لولاتها؟ إن أكثر ساستها علماً وعقلاً ومنطقاً لن يجرؤا للحظة على مخالفة أمراً واحداً من أقوال سادتهم المعممين الذين أضفوا على أنفسهم صفات الألوهية والنبوة والعصمة من الأخطاء!!

ألا ترى إيران أن كسب ود جيرانها العرب سيأتي عليها بخير أضعاف ما قد تعتقد عبر محاولاتها الإرهابية تجاههم؟ ألم تتعلم إيران من كل تاريخها بأن للسلام مكاسب أعظم من كل الخلافات والحروب؟ ألم يعد للمنطق السليم موقع في قاموس الفرس تجاه سياساتها "المغرورة" في حين أن أغلب الشعب الإيراني يعيش دون أدنى الحقوق المدنية؟ ربما قالها السياسي النيابي اللبناني "أحمد فتفت" في سطر ما يمكن وصف "حزب الله" ومن خلفها الحكومة الفارسية وكل من يتبع خطاهما الغوغائية: "إن من يمارس إرهاباً سيُصنف إرهابياً".

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

مصطفى محمد غريبكانت الحروب على امتداد التاريخ البشري الداء الذي لا يفتك بالبشر فحسب بل في كل ما أنتجهُ وبناه البشر من تقدم صناعي وتكنولوجي واقتصادي وثقافي واجتماعي وأخلاقي، وعلى الرغم من اختلاف أهدافها عبر التاريخ البشري منذ العبودية والبربرية مروراً بالتشكيلات الاجتماعية، فان الحرب في زمن الرأسمالية طور جديد ورؤيا قاعدتها الاقتصادية طبقية أيضاً هي أبشع مأساة حلت لأنها حملت آليات للموت جديدة ومتطورة تختلف عما سبقتها ومن بينها أسلحة الدمار الشامل، " وهورشيما وناكازاكي والأسلحة الكيمياوية" في اليابان وغيرها دليل لا يمكن دحضه أو تنساه الإنسانية حتى يوم القيامة كما يقال!، مع العلم أن البشر هم من اخترعوها واستعملوها في عهد الراسمالية الأمريكية وبأمر من الرئيس الأمريكي الأسبق هاري تورمان، "لن نتحدث عن النتائج والمشاكل المستعصية والآثار الكارثية التي خلفتها القنبلتين فما كتب عنها وما زال أطنان من الكتب والورق والأفلام المصورة وغيرهم". واستمرت رحى الحرب بقيادة الولايات المتحدة تتنوع وتنتقل من مكان إلى آخر، وعلى ما يظهر أن الحرب الذي وعد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هي بالمعنى الصريح لا تختلف إلا بشكل جزئي عن الحروب السابقة، حرب الضغط والحصار الاقتصادي وصولاً للحرب العسكرية المشفرة حسب توقيتات وحسابات وزارة الدفاع والمخابرات المركزية الأمريكية،

ومثلما حدث لأي حرب شنتها على الرغم من اختلاف الزمن والطريقة فان الإدارة الأمريكية يبقى لها هدف محدد واحد في كل الأحوال وهو انطلاقاً للحفاظ على المصالح الآنية التي ممكن التكتيك فيها ومصالحها الثابتة التي تعتبر خطها الأحمر لا يمكن التنازل أو المساومة حولها وتفعل المستحيل للكيل بمكيالين فتغض النظر عن القوى والحكومات السائرة في ركابها لا بل تعمل بجهدٍ لتبرير الجرائم والمواقف المضادة بما فيها خرق حقوق الإنسان والتجاوز على الحريات وإلغاء أي متنفس صغير للديمقراطية، وتقف بالضد بشكل مكشوف ضد البعض من الدول التي تتناقض سياستها مع المصالح الثابتة للولايات المتحدة الأمريكية، أذن كما معروف للجميع أن سياسة الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى الاحتكارية تجاه ضوابط السوق والمصالح المتبادلة في داخل كل دولة على حدة والمصالح العامة التي تجمع هذه الدول في دائرتها الاستغلالية لنهب وسرقة البلدان الضعيفة بجانب استغلالها شغيلة اليد والفكر داخل بلدانها ، فالاستغلال هو الاستغلال لا يمكن تبريره بشيء آخر، داخلياً من خلال إخضاع شغيلة اليد والفكر وسرقة قوة عملهم وفكرهم ثم التوجه للهيمنة على الأسواق والصراع حولها بين أقطاب الراسمالية التي لا تتوانى من إشعال حرب ضروس مع الدول الأخرى، ولنا مثال حسن في الحرب العالمية الأولى ثم الحروب التي شنتها على دول عديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا ، وما زالت الذكرى طرية في حروب إسرائيل على الشعب الفلسطيني والدول العربية (وهذا لا يعفي دور الحكام الذين هم في دائرة الإدارة الأمريكية وبريطانيا وغيرهما) كما أمامنا الاحتلال على نطاق الدول العربية والتقاسم الذي اغتنمت منه بريطانيا وفرنسا ثم ايطاليا ولحقهم في الركب الولايات المتحدة الأمريكية وحروبها الكارثية التي شنتها تحت حجج غير مقنعة حتى لحلفائها على الدول وهيمنتها على اقتصادياتها الوطنية.

من هذه الناحية كنا قد حذرنا النظام العراقي الدكتاتوري السابق من كارثة الحرب ونتائجها التي كانت تعدها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها حتى ضد المجتمع الدولي، ونرى الآن نتائج احتلال العراق وتدخلات الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية لكثير من دول المنطقة، ومن النتائج المأساوية ما دفعه العراق من أموال تعد بالمليارات للذين تضرروا نتيجة سياسة حكومته السابق ومازال يدفع مثلاً للكويت بسبب الحرب والاحتلال الذي تعرضت له الكويت في زمن الدكتاتوري صدام حسين، ذكرت البعض من المصادر أن لجنة الأمم المتحدة دفعت تعويضات لشركة " البترول الوطنية الكويتية مبلغاً وقدره 270 مليون دولار" وهناك حوالي (100 طلب تعويضات قدمتها البعض من الحكومات والمنظمات الدولية، وتؤكد المصادر" ما زال يتعين دفع حوالي 3.7 مليار دولار من مطالبتها البالغة 14.7 مليار دولار عن خسائر إنتاج النفط والمبيعات الناتجة" عن أضرار حرب الخليج واحتلال الكويت وتعتبر لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، مسؤولة عن طلبات التعويض النابعة من غزو العراق للكويت 1990 -1991 " هذا جزء يسير من نتائج البعض من الحروب، أما الحقائق والديون والتعويضات فهي اكبر وأوسع مما يتصوره المرء وكلفت العراق ومازالت تكلف الكثير والتي تدفع من خيرات وثروات الشعب الذي يعاني من الفقر وتدمير البنى التحتية والدولة ومن مخلفات النظام السابق والحالي والحروب الداخلية والخارجية السابقة وحروب التدخل والإرهاب " القاعدة وداعش "والميليشيات المسلحة الطائفية وتبعيتها الخارجية ومرتزقة الفساد الذين يعششون في أجهزة الدولة.

إن الخلافات والتهديدات التي ظلت تتراوح بين الولايات المتحدة وحكام إيران مستمرة منذ فترة وهي تتصاعد حيناً وتخف حيناً، ونعرف مدى جدية التهديدات بشن الحرب على الرغم من كل شيء وعلى الرغم من الهدوء النسبي الخاضع للحسابات عن الربح والخسارة، فشرارة الحرب أي حرب تبدأ من القدحة الصغيرة جداً لتحويلها إلى لهيب يحرق الأخضر واليابس، بخاصة نحن نتابع ما يجري في مياه مضيق هرمز والتحشيد العسكري الأمريكي والبريطاني ، وسلوك حكام طهران وكأنهم يسعون لاندلاع الحرب بينما العالم اجمع ينتظر ما ستؤول إليها الأوضاع بعد احتجاز الناقلات النفطية وأخرها " ناقلة نفط تحمل علم المملكة المتحدة!!" واشرنا والقوى الخيرة في العالم أن يترك حكام إيران النهج والسلوك العدواني خوفاً على شعوب المنطقة وفي مقدمتهم الشعب الإيراني الذي سوف يدفع الثمن باهظاً، وليأخذ من العراق وشعبه خير برهان ، وتتولى الإحداث بإعلان من الجانبين حول إسقاط طائرات مسيرة في منطقة الخليج وصرح مؤخراً الجنرال كنييث قائد القيادة الأمريكية الوسطي بأن سفينة حربية أمريكية "ربما أسقطت طائرتين إيرانيتين مسيرتين في منطقة الخليج الأسبوع الماضي" وهناك تصريحات عسكرية إيرانية حول إسقاط طائرة أمريكية مسيرة، وازدحم الخليج العربي بعشرات البارجات وحاملات الطائرات والسفن الحربية الأخرى ، إنها مظاهر الحرب التي تذكر شعوب المنطقة والعالم بالحروب التي اندلعت في الخليج منذ الحرب العراقية الإيرانية ، حكام إيران يتصورون أن الحرب نزهة أو هم يحاولون خداع الشعوب الإيرانية بأنهم " المنتصرون في الحرب " على أمريكا وحلفائها بذلك يلعبون لعبة اخطر ما فيها وقف تدفق النفط من مضيق هرمز وحاولوا التعرض لأنبوب النفط السعودي في أيار السابق، وأشارت البعض من الصحف الأمريكية بان الهجمات مصدرها العراق بينما كان الظن يتجه للحوثيين في اليمن والذين هم حلفاء إيران" وقالت "وول ستريت جورنال"، في موقعها الإلكتروني، إن مسؤولين أمريكيين (لم تسمهم) خلصوا إلى أن الهجمات بطائرات مسيرة على صناعة النفط السعودية في مايو/ أيار الماضي، كان مصدرها العراق وليس اليمن" وهو اتهام خطر لجر العراق لساحة الحرب من جديد، ثم إشعال حرب شرق أوسطية لا يمكن استبعاد إسرائيل من الخوض فيها بحجة البرنامج النووي الإيراني والادعاء بالإرهاب الفلسطيني، وحزب الله اللبناني والميليشيات الأخرى التابعة لإيران والخاضعة لأوامرها . بينما نلاحظ طريقة معالجة موضوعة التهدئة لحل الخلافات أخذت منحاً تصاعدياً في خطف ناقلات النفط للوي الأذرع وإدخال أكثر من طرف دولي في لعبة التهديد بالحرب ليس على نطاق إيران فحسب إنما على نطاق المنطقة، وحسب تهديدات إيران بقصف المنشآت والآبار النفطية ومحطات تنقية مياه البحر ومنشآت شتى بحجة ضرب المصالح الأمريكية، وهذا التهديد إن نفذ فهو يعني إدخال دول المنطقة في أتون حرب واسعة وتدخل أطراف عديدة بينما حكام طهران أو الإدارة الأمريكية بمنأى عن النتائج المأساوية وسيكون المتضرر الأساسي شعوب المنطقة بجميع فئاتهم الطبقية والمكونات القومية والدينية والعرقية، ودائماً يبحث قادة إيران على الرغم من عنجهيتهم الفارغة عن سبل للتخلص من المأزق بينما الإدارة الأمريكية وحلفائها يتبنون طرق للتهديد والحصار الاقتصادي الذي هو عقاب بربري لا إنساني ضد الشعب وليس بالضد من الحكام، وبالتالي في جانب ثاني حكام طهران يبحثون عن سبل لنجاتهم وكراسيهم، وليس اعتباطاً تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني بأن إيران " مستعدة لتبادل الناقلات مع بريطانيا وإجراء محادثات غير مباشرة مع الولايات المتحدة بشأن برنامج بلاده النووي والعقوبات" ثم يعقب حسب موقعه الرسمي " لا نرید استمرار التوتر مع بعض البلدان الأوروبية".

نعتقد أن التوجه لحل المشكلة عن طريق الحوار والعودة لطاولة المفاوضات هو السبيل الأفضل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وغلق السبل أمام قيام حرب في الخليج كما هو في السابق، ويذكرنا تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة 19/ 7/ 2019 "أنا لست في عجلة، جيشنا أعيد بناؤه، وجديد، وعلى استعداد للذهاب، وهو الأفضل في العالم إلى حد بعيد" وكما أعلن انه قبل عشرة دقائق من التنفيذ أوقف قرار بضرب مواقع في إيران وعلى حد قوله أضاف: "قبل 10 دقائق من توجيه الضربة أوقفتها".

إن مجمل ما يدور من تداعيات حول العمل العسكري تؤشر على الصعوبة في الإنجاز وبدون خسائر بشرية هائلة فهو هراء!!، قد لا تحسب من قبل حكام طهران أو المغامرين منهم ولهذا نجد أن الولايات المتحدة اتبعت طريق الحصار الاقتصادي الشديد ونحن والعالم بما فيهم شعوب المنطقة لنا تجربة فريدة حول الحصار الاقتصادي وعلى علم بالوضع الاقتصادي الصعب لإيران، ولهذا ستكون الخسائر تدريجياً كارثية ولن يكون هناك طرف رابح وبخاصة الشعب الإيراني الصديق الذي يعد له جهنم وما فيها من مصائب، ما عدا القوى الاستغلالية والدول الراسمالية التي تتصارع من اجل الربح وستكون الرابح الأكبر بينما سيدفع الشعب الإيراني الثمن بدون أن يمس طرف حكامه بقيد أنملة لان مؤشرات الأموال التي جنيت وهربت إلى خارج إيران تضاهي الأموال العراقية التي هربت قبل السقوط والاحتلال، لا بد باستخدام العقل والذهاب إلى منطق الحوار والتفاوض وإنهاء التدخل في شؤون الغير والحد من انتشار السلاح النووي وبخاصة البرنامج النووي الإيراني الذي يهدف إلى تصنيع القنبلة النووية (بينما الشعب الإيراني يموت من الفقر والإملاق!!) لغرض الاستخدام وليس المباهاة بالامتلاك.. وننتظر أي عاقل وعقل حكيم يفوت الفرصة وليس كما كان حكام النظام العراقي السابق وعلى رأسهم صدام حسين الذي دفع البلاد إلى هذا الذي نراه من مأساة شاملة.

 

مصطفى محمد غريب

 

ابراهيم أبراشردا على قيام إسرائيل بهدم عشرات البنايات السكنية في وادي الحمص وصور باهر الواقعة في أراضى السلطة الفلسطينية (منطقة أ) أعلن الرئيس الفلسطيني أبو مازن في خطاب مساء أمس 25 يوليو عن وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وتشكيل لجنة لتنفيذ القرار .

إلى هنا يبدو القرار منطقيا بل ووطنيا، وهو ولا شك كذلك، كما أنه ينسجم مع مطالب قطاع واسع من الشعب وخصوصاً قوى المعارضة التي طالما نددت بهذه الاتفاقات وطالبت بإلغاء اتفاقية أوسلو ووقف التنسيق الأمني وسحب الاعتراف بإسرائيل، كما أن قرار الرئيس يأتي كخطوة متقدمة للتجاوب مع مطالب سابقة بحل السلطة ومع قرارات المجلس المركزي عامي 2015 و 2018 وقرارات المجلس الوطني الخ .

ولكن، وإذا ما تجاوزنا حديث الرئيس عن تشكيل لجنة حيث تشكيل لجنة قد يؤول لجعل قرار الغاء الاتفاقات وكأنه لم يكن، وفكرنا جدياً وتساءلنا بعقلانية عن الإمكانية الفعلية لقطع العلاقات مع إسرائيل وإنهاء وجود السلطة، وفكرنا بعقلانية وواقعية عما سيؤول إليه الأمر بعد تنفيذ قرار الرئيس، آنذاك فإن قلقلا كبيرا ينتابنا، ليس لأننا نتمسك بالاتفاقات التي جلبت الويلات على شعبنا، بل لأننا لا نملك استراتيجية وطنية لمواجهة تداعيات الغاء الاتفاقات .

الغاء الاتفاقات مع إسرائيل وكما يفهمه المواطنون العاديون وكما يفترض أن يكون، يعني تحولاً استراتيجياً في نهج منظمة التحرير حيث يفترض العودة إلى ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو 1993 وقيام السلطة 1994، ويفترض أن أحد الأسباب الرئيسة للخلافات بين حركة فتح وبقية فصائل منظمة التحرير وبين هذه الأخيرة وحركتي حماس والجهاد قد زالت وتحديدا بالشق المتعلق باتفاقية أوسلو والاعتراف بإسرائيل، كما أن الغاء الاتفاقات يعني نهاية السلطة الوطنية لأن إسرائيل لن تقف متفرجة .

فهل تفسيرنا هذا لقرار الرئيس صحيح ؟ أم أننا شططنا في التحليل بعيدا وأن الأمور لن تصل لهذا الحد ؟ .

قرار الرئيس بإلغاء الاتفاقات الموقعة وبالرغم مما يشوبه من التباس مصدره الإحالة إلى لحنة، إلا أن تنفيذه الآن ارتجالاً قد يؤدي إلى نتائج أسوأ مما هو قائم أو من عدم تنفيذه، لأنه قبل الغاء الاتفاقات علينا أن نهيئ البديل الوطني الذي سيملأ الفراغ الذي سيترتب على غياب السلطة .

المطلوب وعاجلا، وهو ما طالب به الرئيس في خطابه، إنهاء الانقسام وإعادة تفعيل وبناء منظمة التحرير لتشمل الكل الوطني، وإلا فإن الغاء الاتفاقات الموقعة كما قال الرئيس أبو مازن بالأمس سيؤدي لحل السلطة وحلها في ظل الوضع القائم سيؤدي لإطلاق يد إسرائيل في الضفة وقد تقوم بضمها أو ضم أجزاء كبيرة منها، وقد تصنع إسرائيل بدائل للسلطة على شاكلة روابط القرى و هناك مَن هم جاهزون، و فوق كل ذلك، إذا زالت السلطة في الضفة فستبقى سلطة حماس في غزة، وفي هذه الحالة ستكون العنوان المؤسساتي الواقعي الموجود . كل ذلك سيشجع واشنطن وإسرائيل ودول غيرهما على التعامل مع حماس لغياب البدائل وخصوصاً أن حماس تقدمت خطوة كبيرة من خلال اتفاقية هدنة ترضى الأطراف الأخرى كما أن خطابها تغير كثيرا، وفي هذا السياق يجب أن لا ننسى أن واشنطن اغلقت مكتب منظمة التحرير وتعتبرها منظمة إرهابية وغير شرعية.

نؤكد مجدداً على حكمة الرئيس أبو مازن، كما نؤكد ضرورة تجاوز اتفاقية أوسلو وكل ما ترتب عليها، ولكن يجب الحذر حتى لا يؤدي الغاء الاتفاقات في ظل الانقسام إلى تسهيل تمرير صفقة القرن وخصوصاً أن ما تسرب عن الصفقة وما صرح به مهندسو الصفقة أن الضفة أراضي إسرائيلية وليس أرض محتلة، وأن لا دولة فلسطينية على حدود 1967، وأن حركة حماس ستكون طرفاً في أي مفاوضات قادمة في إطار صفقة القرن .

وأخيرا فإن الطريق إلى صفقة القرن معبدة بأقدام ذوي النوايا الحسنة.

 

إبراهيم أبراش

 

جواد بشارةالشرق الأوسط يقترب من نقطة التماس الخطرة إثر التصعيد الأخير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والعربية السعودية، من جهة أخرى. فحالة الإنذار والترقب وصلت الذروة في الأيام القليلة الماضية بعد إسقاط الطائرات المسيرة الدرونات التابعة للطرفين، واحتجاز الناقلات، والتهديدات المتبادلة والتصعيد الكلامي والإعلامي بين الجانبين. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصر على ممارسة أقصى الضغوط على طهران لجرها إلى طاولة مفاوضات جديدة بدون شروط مسبقة وإرغامها على تقديم تنازلات تتعلق بخططها الإستراتيجية في المنطقة وعلى رأسها برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. ولقد بدأ هذا الأخير عملية الاستفزاز والتصعيد عندما أعلن من طرف واحد انسحابه من الاتفاق النووي المبرم والموقع بين إيران وأمريكا وأوروبا وروسيا والصين، والذي رفضته إسرائيل واعترضت عليه العربية السعودية. كانت الخطوة التصعيدية التالية هي فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة على إيران والتي اعتبرتها طهران بمثابة إعلان حرب اقتصادية عليها تمهيدا لحرب عسكرية حقيقية ما جعل إيران ترد بالمثل وتهدد بغلق مضيق هرمز وبضرب حلفاء أمريكا في المنطقة، والاحتجاز المتبادل للنقلات بين إيران وبريطانيا. فالإدارة الأممية حثت بريطانيا على احتجاز ناقلة نفط إيرانية في جبل طارق في الرابع من تموز الجاري بموجب قرار العقوبات الدولية المفروضة على إيران، الأمر الذي قاد إلى رد فعل انتقامي من جانب طهران وقيامها باحتجاز ناقلة ترفع العلم البريطاني في مضيق هرمز، ودفعت مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي أن يعلن ثلاث توجيهات استراتيجية للمسؤولين في بلده عليهم تنفيذها حتى في حالة غيابه أو موته، وعند حدوث عملية احتجاز نقالة النفط الإيرانية أدرك الإيرانيون أن جهود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باءت بالفشل وإنه آن الأوان لكي تأخذ إيران زمام الأمور بيديها وتستعد لمواجهة، إن عاجلاً أم عاجلاً وتخطط لذلك من خلال أدواتها الإقليمية في العراق ولبنان وسوريا واليمن والخليج، لكن ذلك لا يعني البتة أن إيران تغلق باب التحرك الدبلوماسي الفرنسي وغيره، إذ أعربت دول أخرى عن استعدادها للعب دور الوساطة لتخفيف حدة التوتر ووقف التصعيد الذي تمثل بتحشيدات عسكرية غربية وإعلان السعودية استعداداها لاستقبال القطعات العسكرية الأمريكية والغربية على أراضيها للمرة الأولى منذ حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت سنة 1991، ووصول سفن عسكرية بريطانية إلى مياه الخليج وقوات دولية إضافية وصلت إلى المملكة العربية السعودية. حاول الوسيط الفرنسي السفير إيمانويل بون ممثل الرئيس الفرنسي ماكرون إقناع طهران بالقبول بإعادة التفاوض حول ملفات أخرى ترتبط بالاتفاق النووي وفي مقابل ذلك سيسعى لإطلاق سراح الناقلة الإيرانية المحتجزة ولعب دور الوسيط الدولي بين طهران وواشنطن. إلا أن القادة الإيرانيين أبلغو السفير الفرنسي أنهم أدركوا أن أمريكا تريد إقحام أوروبا معها لمواجهة وضرب إيران وهي التي دفعت المملكة المتحدة لهذا الفعل الاستفزازي الذي وصفته بالقرصنة البحرية غير المشروعة رغم أنها تمت بطلب من الأمم المتحدة، وإن واشنطن تختفي وراء لندن لاختبار ردة الفعل الإيرانية ونوعها لمراقبة نوع المواجهة ولي الذراع بين المملكة المتحدة وإيران وتأمل أن تنزلق إلى مواجهة عسكرية حقيقية مباشرة لاستغلالها كمبرر لتوجيه الضربات العسكرية لذلك فإن القوات العسكرية الخاصة الإيرانية لم تتصرف بحماقة وكردة فعل عاطفية بل قامت بعمل مدروس وحساب كافة التداعيات والمخاطر المترتبة عليها، بما فيها احتمال انسحاب الأمم المتحدة وأوروبا من الاتفاق النووي مما دفع طهران للإعلان عن زيادة في مستوى تنقية اليورانيوم خارج النسبة المتفق عليها بموجب الاتفاق النووي. لكن أوروبا، عدا بريطانيا، تعتقد أن إيران لم تخرق الاتفاق النووي خلال الأشهر الأربعة عشر المنصرمة منذ تاريخ توقيع الاتفاق.

إن هذا الوضع المتفجر يمكن أن يقود إلى اندلاع حرب جديدة ممكنة في الشرق الأوسط ستكون تبعاتها كارثية على الجميع لا سيما على العراق . فمن خلال دراسة وتحليل الأوضاع السائدة ميدانياً ودبلوماسياً، يبدو أن إيران غير مستعدة للإذعان والتسليم وقبول الإملاءات الأمريكية مهما كانت قوة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها وتأثيرها السلبي على مستوى الحياة والمعيشة والقدرة الشرائية للمواطن الإيراني. فطهران تعرف من التجربة العراقية التي سبقتها أنها تخوض بالفعل حرباً اقتصادية مع أمريكا وحلفاؤها قد تكون أقسى وأخطر من الحرب العسكرية فالنتيجة واحدة لأي من الحربين، الاقتصادية أو العسكرية، عليها فهي في الحالتين مدمرة. يبدو أن الولايات المتحدة تعلم وتعي ما تخطط له طهران في حال تعرضها لهجمات عسكرية أو استمرار تضييق الخناق حولها دولياً ومنعها من بيع نفطها وتمزيق منظومتها التجارية فهي تستعد لمواجهة تلك التداعيات ومحاولات تفجير المنطقة برمتها لأن الهدف المنشود يستحق مثل تلك التضحيات، ألا وهو منع إيران من استكمال برنامجها النووي حتى ولو على المدى البعيد واستئصال برنامجها الصاروخي الباليستي المهدد لإسرائيل ودول الخليج الحليفة .

وبفعل هذه المقاربة، قرر خامنئي أن من حق إيران أن ترفع مستوى تنقية اليورانيوم المسموح به دولياً لها، كسلاح رادع يرفع بوجه الغرب، ومواصلة تطوير برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة ومتوسطة المدى لأنه سلاح ردع يسهم بردع الخصوم ويوفر الحماية لإيران في خضم توازن القوى مع الخصوم والأعداء. ومواصلة دعم الحلفاء والامتدادات الإيرانية في المنطقة خاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكلها دول مجاورة لحلفاء واشنطن في الخليج ومتاخمة للحدود الإسرائيلية لأنهم أداة ضرورية وأساسية للأمن القومي الإيراني.

هذا هو رد طهران للشروط الإثني عشر التي أعلنها وزير خارجية أمريكا مايك بومبيو ويريد فرضها على إيران إذا أرادت أن تتجنب الصدام مع أمريكا والغرب ما يعني تجريد إيران من كل وسائل الدفاع الذاتي وجعل البلد هش وضعيف وقابل للاختراق . ولقد أبلغ خامنئي قادة البلاد بأن هذا البرنامج ضروري للبقاء على قيد الحياة للجمهورية الإسلامية وضمان أمنها الوطني والاستراتيجي و لا يجب التنازل عنه مهما كان الثمن. فالبرنامج النووي والصاروخي الباليستي والميليشيات الموالية لإيران في المنطقة تمثل الأسلحة الرادعة بيد طهران لمنع وقوع ضربة عسكرية عليها لأن الثمن سيكون فادحاً على الجميع. ولقد قامت طهران بالفعل بنصب بطاريات صواريخ قرب الحدود السعودية والخليجية في جنوب العراق بدون علم وموافقة الحكومة العراقية، وأمريكيا تناور مع الحلفاء لتامين طرق الملاحة البحرية الدولية في حين هددت طهران بمنع وعرقلة الامدادات والصادرات النفطية في منطقة الخليج برمتها إذا منعت من تصدير نفطها وترامب اعتبر الحرس الثوري الإيراني جماعات إرهابية غير قانونية يجب حلها، ومن أجل ذلك أرسل الدفعات الأولى من قوات النخبة والقوات الخاصة للعربية السعودية فيما أرسلت بريطانيا قطعاتها البحرية العسكرية للخليج و لا أحد يبدو على استعداد لتقديم تنازلات قد تفضي إلى الجلوس حول طاولة المفاوضات واحترام الاتفاقات المبرمة والموقع عليها، لذا فإن كل شيء قابل للحدوث والتوقعات ليست متفائلة البتة.

يعتقد أن الضربة الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران، لو تأكدت، سوف تتطلب تحضيرات دقيقة لأنها ستكون شاملة وقاصمة وليست جراحية أو تأديبية بل سوف تسعى لقصم ظهر التجهيزات العسكرية الإيرانية برمتها ودفاعاتها الجوية ومواقعها النووية والصاروخية ومراكز القيادة والتحكم والاتصالات لمدة إسبوعين على الأقل أو أكثر لإرجاع إيران إلى ما قبل العام 1920 على حد تعبير وزير الدفاع الأمريكي.

إنعكاسات الحرب وتداعيات الهجمة العسكرية على إيران ستصيب العراق في العمق لأنه سيتحول رغما عنه إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الجانبين وسيعيش حربا بالوكالة وأولى المؤشرات هو تعرض منشآءات عسكرية ودبلوماسية أمريكية في العراق لقصف صاروخي مجهول المصدر يعتقد أن مصدره بعض فصائل مسلحة من الحشد الشعبي أو ميليشيات شيعية موالية لإيران في العراق ما دفع واشنطن لسحب دبلوماسييها من السفارة الأمريكية في بغداد تحسباً لأية تطورات مأساوية، والاكتفاء بالحد الأدنى من العاملين وأغلبهم موظفين عراقيين وأجانب غير أمريكيين. وهذا الأمر دفع الحكومة العراقية لإصدار أمر ديواني من رئيس الوزراء بحصر السلاح بيد الدولة ومحاولة تجريد الميليشيات وقوات الحشد الشعبي غير المنضوية في القوات المسلحة النظامية من السلاح ومحاولة السيطرة على الجماعات المسلحة المنفلتة الموالية لإيران بلا قيد أو شرط وتتلقى أوامرها منها. لقد صرح جنود ومقاتلين في إحدى معسكرات الحشد الشعبي التابعة لقوى الأمن الداخلي العراقية الرسمية، شكلياً، أنهم سينفذون أوامر القيادة الإيرانية في حالة تعرض إيران لعدوان أمريكي وسيضربون المصالح الأمريكية في العراق وهذا ما يثير مخاوف الكثير من السكان المدنيين في العراق. فلقد طلب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في الأول من تموز في أمره الديواني من الميليشيات غير المنضوية أو المدمجة في الجيش والشرطة أن تحل نفسها وتسلم أسلحتها ومقراتها للدولة وغلق شركاتها ومكتبها التجارية غير القانونية وعليها القيام بذلك قبل نهاية شهر تموز الجاري، أو التحول إلى كيانات سياسية غير مسلحة ومن لم يمتثل لذلك سيعتبر خارج القانون والشرعية وسوف يلاحق قضائياً ولكن لا يبدو أن أياً من هذه المجاميع المعنية مهتم بالأمر أو مستعد للتنفيذ. لقد بادر مقتدى الصدر إلى حل ميليشياته سرايا السلام التابعة له في حين انضمت ميليشيات الحشد الشعبي التابعة للسيستاني إلى الجيش النظامي وقوات الأمن لتابعة لوزارة الداخلية منذ أن أمرها السيستاني بذلك في نهاية عام 2018. تجدر الإشارة إلى أن تعداد قوات الحشد الشعبي قد تجاوزت الــ 140000 مقاتل ولقد أعلنت بعض فصائل الحشد رفضها لهذا الأمر الرئاسي لأنه جاء بأمر من الولايات المتحدة الأمريكية على رئيس الوزراء عادل عبد المهدي . يعتقد البعض أن هذه القوات التي شاركت في الحرب على داعش باتت تتمتع بالقدسية ولايحق لأحد المساس بها او انتقادها رغم تجاوزاتها في الكثير من المناطق وصارت تتمتع بامتيازات مالية هائلة وتسليح من قبل الدولة حيث تجاوز عدد الميليشات أكثر من ستين ميليشيا بمسميات مختلفة، مثل بدر، وأنصار الله، وحزب الله العراقي، وحركة النجباء، وجيش المختار، وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وسرايا الخراساني الخ.. وبعضها يتلقى أوامره مباشرة من قاسم سليماني قائد قوات القدس في الحرس الثوري الإيراني، أو ذراعه اليمين أبو مهدي المهندس قائد ميليشيا حزب الله العراقي. ويأخذ هؤلاء الرافضون لأوامر عادل عبد المهدي تخاذله واستثنائه للميليشيات الكردية أو قوات البيشمركه الكوردية التي لم يذكرها بقراره ولم يشملها بأمر حل نفسها ويبدو أن رئيس الوزراء في وضع محرج ويجلس على كرسي قابل للقذف في أية لحظة إزاء محاولات ومناورات خصميه ومنافسيه حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق ونوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق وهو في وضع لا يحسد عليه.

 

د. جواد بشارة

 

محمود محمد عليوأخيرا نختم حديثنا في هذا المقال عن إنجازات الثورة، فنبدأ أولاً من الناحية السياسة، حيث نجحت الثورة في إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953، وتعيين اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر، وإلغاء دستور 1923 م يوم 10 ديسمبر 1952، وحل جميع الأحزاب السياسية ومصادرة جميع اموالها لصالح الشعب في 17 يناير 1953، وتوقيع الجلاء عن مصر في 19 أكتوبر 1954، وتقرر فيها جلاء القوات البريطانية عن مصر خلال عشرين شهراً، وجلاء آخر جندي يوم 13 يونيه 1956، وفي يوم 18 يونيه 1956 رفع جمال عبد الناصر العلم المصري علي مبني البحرية في بورسعيد وأصبح عيدين، يوم 18 يونيو، الأول كان يماثل عيد الجمهورية في 18 يونيو 1953، والثاني يوازي عيد الجلاء 18 يونيو 1956، و آخر إنجاز ثورة 23 سياسيا وهو تأميم الشركة العالمية لقناة السويس في 26 يوليو 1956م .

وأما عن انجازات الثورة في المجال الاقتصادي، ففي مجال الزارعة عملت الثورة علي النهوض بالزراعة، واستصلاح الأراضي الصحراوية في مديرية التحرير والوادي الجديد مع ضرورة الاهتمام الشديد ببناء السد العالي الذي تم إنجازه عام 1970م، وأما من حيث الصناعة، فقد توسعت في الانتاج الصناعي، وعملت علي إنشاء المشروعات الصناعية التي تزيد من الإنتاج القومي، وأهمها :- توليد الكهرباء، والتوسع في استخراج البترول وتكريره، وإقامة مصنع الحديد والصلب بحلوان ومصنع الأسمدة بأسوان، وإنشاء المصانع الحربية التي تمد القوات المسلحة المصرية والعربية بالأسلحة والذخائر، وتدعيم التعليم الصناعي وإنشاء العديد من مراكز التدريب المهني، وإقامة صناعات جديدة والتوسع في الصناعات القائمة. وفي مجال التجارة، فقد تقرر فتح أسواق خارجية للمنتجات المصرية، وتوجيه تجارة مصر الخارجية إلي كافة بلاد العالم، وتمصير البنوك وشركات التأمين ووكالات الاستيراد والتصدير، وتولت العناصر المصرية من رجال الاقتصاد والمال إدارة البنوك والشركات والمؤسسات بعد تمصيرها .

وأما في المجال الاجتماعي، فقد جاءت الثورة لتقضي علي الإقطاع من كافة جوانبه، حيث أصدرت الثورة في 9 سبتمبر 1952 قانون الإصلاح الزراعي، حيث ينص القانون على تحديد الملكية الزراعية للأفراد، وأخذ الأرض من كبار الملاك وتوزيعها على صغار الفلاحين المعدمين. وصدرت تعديلات متتالية حددت ملكية الفرد والأسرة متدرجة من 200 فدان إلى خمسين فدان للملاك القدامى. وعرفت هذه التعديلات بقانون الإصلاح الزراعي الأول والثاني وأنشئت جمعيات الإصلاح الزراعي لتتولى عملية استلام الأرض من الملاك بعد ترك النسبة التي حددها القانون لهم وتوزيع باقي المساحة على الفلاحين الأجراء المعدمين العاملين بنفس الأرض، ليتحولوا من أجراء لملاك. وصاحب هذ القانون تغيرات اجتماعية بمصر ورفع الفلاح المصري قامته واسترد أرضه أرض أجداده التي حرم من تملكها لسنين طويلة. وتوسعت بالإصلاح الزراعي زراعات مثل القطن وبدأ الفلاح يجني ثمار زرعه ويعلم أبنائه ويتولى الفلاحين حكم أنفسهم وانهارت طبقة باشوات مصر ملاك الأرض الزراعية وحكام مصر قبل الثورة.

وأيضا من انجازات الثورة اجتماعيا ضرورة العمل علي تحقيق عدالة اجتماعية من جعل التعليم بالمجال في جميع المراحل بما فيه التعليم الجامعي، والعمل علي إصدار قوانين للتأمينات الاجتماعية والمعاشات للموظفين والعمال، وتم تحديد ساعات العمل بسبع ساعات في اليوم، واشتركت العمال في مجال إدارة الشركات والمصانع وخصصت لهم نسبة من الأرباح، وحثت علي ضرورة الاهتمام بالمرأة فمنحت حقها في الترشيح والانتخابات.

وأما عن الدور الهام الذي قامت به ثورة 23 يوليو في المجال العربي، فقد عملت الثورة علي مساندة الشعوب العربية علي التحرر من الاستعمار من حيث أنها ساعدت السودان وجنوب الغرب العربي، خاصة الجزائر وإمارات الخليج العربي وجنوب اليمن علي نيل استقلالها، كما وقفت إلي جانب ثورة العراق، كما أيدت وما تزال تؤيد الشعب الفلسطيني في استرداد حقوقه المشروعة .

وأما عن أهم مبادئ الثورة في المجال الدولي، فقد سعت إلي محاربة الاستعمار بكل صوره وأشكاله، ومساعدة شعوب آسيا وأفريقيا علي التحرر من الاستعمار، ورفض الانضمام إلي الأحلاف العسكرية الأجنبية التي حاولت الدول الغربية جر مصر والدول العربية إليها؛ مثل : حلف بغداد ذ955 بين العراق وتركيا وبريطانيا وإيران وباكستان، ولكن جمال عبد الناصر قاوم بشدة كل المحاولات (البريطانية والأمريكية) لضم مصر أو أي دولة عربية أخري. كما تبني عبد الناصر سياسة الاتحاد وعدم الانحياز إلي أي من الكتلتين الشرقية أو الغربية وتجلي ذلك في مؤتمر باندونج بإندونيسيا في إبريل 1955 واشتركت فيه 29 دولة .

وفي نهاية حديثي عن ثورة 23 يوليو أود أن أتوقف أمام شيئين أساسيين لا يستطيع عاقل أن ينكرهما، وهما: أن ثورة يوليو قد احدثت تغييرات عميقة في الحياة المصرية والعربية وربما في حياة آخرين ينتمون إلي العالم الثالث . ونحسب أن أهم هذه المتغيرات قد وقعت في الحياة المصرية وعلي سبيل التجديد الوطني، تلك كما يقول صلاح الدين حافظ (في حديثه عن ثورة يوليو والديمقراطية : بين سلبيات التجربة والحملة الإعلامية) التي تبدأ من التحولات الاجتماعية – الاقتصادية إلي الاستقلال الوطني، ومن بناء نموذج التنمية إلي تحدي الاستعمار، ومن التوجه العربي، إلي دعم حركات التحرير في العالم كله. ثانيا : أن ثورة يوليو، قد مضت سريعا في تحقيق مبادئها الستة، لكنها علي وجه اليقين ترددت وتعثرت في واحد من أهم هذه المبادئ، وهو تحقيق الديمقراطية السليمة.

ومن هنا فإن خصوم ثورة يوليو، يدعون بأن خصومتها مع الديمقراطية كانت هي سبب البلاء كله الذي جاءت به خرابا بياتا، بينما أنصار ثورة يوليو يزعمون أنها أقمت ديمقراطية اجتماعية من طراز جديد، فقد استبدلت بالنموذج الليبرالي الغربي، نموذجا جديدا قوامه الإصلاح الاقتصادي الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية بصرف النظر عن الحرية السياسية، فماذا تفيد الديمقراطية النظرية إذا لم يكن الخبز أمامها وورائها .

ونحسب أن في إدعاء الطرفين قدرا كبيرا من المغالاة وفي المقابل نزعم أن ما سبق ذكره، قد أحدث متغيرين رئيسيين هما :

1- أدخل الثورة منذ أيامها الأولي في معارك وصدامات داخلية، سياسية واجتماعية اقتصادية، اعلامية وفكرية، مع قوي مصرية وعربية ودولية، استنزفت قواها، وغيرت من توجهاتها، بل وحرفت مسارها ... فإذا بها في قبضة هزيمة يونيو 1967 المروعة تستيقظ ونستيقظ نحن معها، علي دمار نفسي ومادي، سياسي واقتصادي وعسكري، لم يحدث في التاريخ المصري الحديث، إلا عند هزيمة مشروع محمد علي يد الدول الأوربية في القرن الماضي .. وللمرة الأولي الثانية خلال قرن تنهار التجربة المصرية الحديثة وتدول دولتها .

2- أما المتغير الثاني، فقد انعكست آثاره مباشرة علي طريقة الحكم وآلياته .. لقد ساعد ما جري، علي تحول الثورة نحو حكم الفرد بسرعة ملحوظة، في ظل عوامل عديدة، مثل كاريزما الزعيم وتضخم دور الدولة المركزية بكل أجهزتها البيروقراطية – خاصة الأمنية – ومداهنة المثقفين، ووصولية المفكرين، ومنافقة البيروقراطيين والتكنوقراط، وصولاً لتهاوي دور منظمات المجتمع المدني بكل أنواعها وأشكالها...

وحين أفاق الوطني والزعيم علي دوي هزيمة يونيه 1967، التي كشفت علناً ما كان متداولاً سراً.. كان الوقت قد فات، فانطوت الصفحة، وعليها كل علامات الانكسار. واعتقد أن نجاح أن نجاح التحول الديمقراطي السليم يتوقف علي مجموعة من العوامل المتداخلة والمتكاملة مثل قدرتنا علي إدارة الصراع الاجتماعي الراهن، وحل أزمته المحتقنة والمتفاقمة، وقدرتنا علي فك مأزق التناقض بين الأقوال والأفعال، خاصة ما يتعلق برفع شعارات الديمقراطية قولاً، والتمسك بأفكار وممارسات الشمولية عملاً، ومثل تحديد التوجهات السياسية والاختيارات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية، الملائمة لخصوصية أوضاعنا، والقادرة علي إعادة بناء المجتمع وتشكيل مؤسساته من جديد، بعد ان أصابها الفساد والترهل واللامبالاة والسلبية المتقاعسة.

وننتقل إلي نقطة مهمة لا بد من أن نتطرق إليها، وهي أن الرئيس جمال عبد الناصر بالنسبة للمؤيدين والمعادين لثورة يوليو هو الرمز البشري لتلك الثورة المجيدة – كما كان كرمويل هو رمز الثورة الإنجليزية، وروبسبير أو نابليون هما رمز الثورة الفرنسية، وجورج واشنطون هو رمز الثورة الأمريكية، ولينين هو رمز الثورة البلشفية، وماوتسي تونج رمز الثورة الصينية . والناس مغذرون في الخلط بين الثورة وقائدها، فهو الذي يجسم الأحداث والأفكار المجردة، ويضفي عليها بلحمه ودمه وممارساته وأسلوبه وصوته وشكله بعداً بشرياً يمكن التواصل معه بمشاعر الحب أو العداء .

لذلك كان ولا يزال جمال عبد الناصر جزءً لا يتجزأ من الحوار حول ثورة يوليو، والذين لا يستطيعون الهجوم المباشر علي ثورة يوليو – نظراً لفساد وتهرؤ النظام الذي كان في مصر قبلها، أو لعدم القدرة علي إنكار منجزات الثورة البارزة – فإنهم يهاجمون عبد الناصر . والايحاء هنا هو أنهم " لا يعارضون الثورة من حيث المبدأ "، ولكنهم يبغضون عبد الناصر فقط، إما لأنه" سرق الثورة"، أو " أفسدها"، أو كان " دكتاتورا ظالما" أو " جلب إلي مصر الفقر والشقاء"، أو " جلب إلي العرب الخزي والهزيمة والاحتلال"... وهناك بعض من لا يلجأون إلي هذا الأسلوب غير المباشر . فهم يهاجمون ما حدث في يوليو 1952 دون مواربة . ويعتبرونه " انقلابا عسكريا" لإشباع نهم القائمين به في السلطة والثروة . بل إن هناك من اعتبره "مؤامرة أمريكية"، طبخها وأخرجها جهاز وكالة المخابرات المركزية.

هذا التداخل بين الثورة وزعيمها في الواقع، وفي عقول وقلوب المؤيدين والمعادين علي السواء، هو الذي أدي إلي شيوع اصطلاح الناصرين، وهي تسمية لم يحبها عبد الناصر، ولم تستخدم في مصر أثناء حياته . ولكن اللفظ شاع بعد رحيله، واصبحت " الناصرية" تعني ثورة يوليو بميادئها وممارساتها وانتصاراتها واخطائها في الفترة من 1952 إلي 1970، أي منذ صعود عبد الناصر إلي السلطة مع الثورة التي قادها هو وزملاؤه من الضباط الأحرار، إلي يوم رحيله من عالمنا في سبتمبر 1970.

وعلي كل حال سوف تظل ثورة 23 يوليو أحد أبرز المعالم في التطور المعاصر لمصر ووللمنطقة العربية سواء من حيث الأطروحات والممارسات التي دشنتها أو القوي الاجتماعية التي أطلقتها من عقالها، أو التأثيرات التي خلفتها، وما زال تقويم هذه الثورة وتحليل تجربتها ودروسها أحد الموضوعات المثارة في مجال الفكر والعمل السياسيين العربيين، وما زالت أطروحتها موضع جدل ونقاش. إن دراسة صورة يوليو إذن ليست ولعاً بالماضي ولا نوعاً من السلفية التاريخية بل هي محاولة لفهم الحاضر والتطلع إلي المستقبل. فما زالت المشكلات التي واجهتها ثورة يوليو مطروحة علينا في الساحة العربية – قضايا التحر والوحدة والتنمية، وما زالت الحلول التي قدمتها هذه الثورة وممارستها – واردة في العمل العربي . ومن ثم فإن السؤال الذي يثار اليوم هو ما هي الثوابت في ثورة يوليو ؟ وبعبارة أخري ما هي الجوانب التي تمثل مواقف طارئة استدعتها ظروف وضرورات السياسة الداخلية أو الخارجية... وما هي الجوانب التي تعبر عن الخط الاستراتيجي المستمر للثورة؟

ولذلك يخطئ من يحاول تقويم تجربة ماضية في ضوء مفهوم جديد تماما ما زالت معالمه وأدواته محل بحث ودراسة . ومن يريد الحكم علي مكانة ثورة يوليو في تاريخ مصر يتعين عليه – احتراما للعقل والواقع معا – أن ينظر في الأمر بمقاييس الفكر المتقدم في حركة التحرر الوطني لبلدان العالم الثالث في الفترة التالية مباشرة للحرب العالمية الثانية . وأهم معالم ذلك التقدم الفكري هي : إدراك الطبيعة الاقتصادية للظاهرة الاستعمارية من ناحية، والاحساس بحتمية وجود بعد اجتماعي لثورة التحرر الوطني من حيث تحديد الطبقات والفئات الاجتماعية المرتبطة بالاستعمار وكذلك إعلاء المطالب المشروعة لجماهير الشعب التي هي بتعبير الميثاق " وقود الثورة" ولا يجوز أن تصبح " ضحاياها".

ولا يحط من قدر عبد الناصر أنه لم يكن منذ اللحظة الأولي صاحب نظرية معدة سلفا، بل إن قدرة يكتسب كل جلاله من واقع أنه إضافة إلي قدراته الشخصية الفذة التزم طول حياته النضالية بمبدأين لم يحد عنهما مطلقا: الوطنية، بمعني النضال الدؤوب ضد الاستعمار في كل أشكاله ومهما تعددت أساليبه، والانحياز داخليا إلي جانب الجماهير الشعبية في كل منطف حاسم في حياة الثورة . وبهذا الالتزام وبالقدرة علي استيعاب حركة المجتمع وفهم تجارب الشعوب ودروس التاريخ والوعي بمتغيرات العصر أثبت عبد الناصر أنه قائد ثوري ممتازا استمد من النضال عناصر الفكر كما ربط الفكر بالإنجاز المحدد . وقليل ما هم القادة الثوريون الذين صنعوا مثلما صنع .

وبهذا يكون عبد الناصر ابنا لهذا الشعب وليس "زعيماً ملهماً" هبط علينا من حيث لا ندري وتحكم في أمورنا بحكمة لا يدرك كنهها إلا هو، يقول عبد الناصر في الميثاق " إن إرادة الثورة .. لم تكن واحتياجاته، ويضيف: "إن الشعب العظيم الذي كتب المبادئ الستة بدم شهدائه ... مضي بعد ذلك في تعميق نضاله وتوسع مضمونه . لقد كان هذا الشعب العظيم هو المعلم الأكبر".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثالث عن دور ثورة 23 يوليو 1952 في تحرير مصر من ربقة الاحتلال الإنجليزي فنقول: وبالفعل تم تنفيذ خطة العملية بنجاح، حيث في الساعة السابعة والنصف صباحا أذاع البكباشي محمد أنور السادات بيان الثورة الأول، بعد أن تمكن الضباط الأحرار فى الثالث والعشرين من يوليو 1952 من السيطرة على المرافق الحيوية، ومنها الإذاعة. ونص البيان هو " اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم. وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين. وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمرها إما جاهل أو خائن أو فاسد، حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها. وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب. أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب. وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف لأن هذا ليس في صالح مصر وأن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال. وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس. وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسئولا عنهم والله ولي التوفيق."

ما يهمنا هنا في هذا البيان رد الفعل بعد إذاعة هذا البيان : هل يوجد ترحيب من الجيش والشعب لهذا البيان ؟

نبدأ أولا بموقف الجيش بمجرد إذاعة البيان سارعت جميع الوحدات العسكرية وخارجها بإعلان انضمامها للثورة، خاصة بعد أمسك زمام الأمور في الجيش المصري الشباب وذلك بعد أن نحوا كل القادة القدامي . وأما بالنسبة لموقف الشعب، فنجد ان الثورة قوبلت بتأييد شعبي لم يسبق له مثيل، حيث التقت الجماهير حول أجهزة الراديو تستمع للبيان في فرحة وحماسة، وذلك عندما خرج اللواء محمد نجيب في الساعة التاسعة من ملني رئاسة الجيش في عربة مكشوفة، واخترق الموكب شوارع القاهرة قابلته الجماهير بالتصفيق والهتاف.

وثمة نقطة مهمة وهي أنه عقب قيام الثورة في يوم الأربعاء وانتشارها في طول البلاد وعرضها، كان الملك فاروق قابعا في قصر رأس التينة في الاسكندرية، وقدم الهلالي استقالته للملك الذي أمر علي ماهر بتشكيل الوزارة الجديدة بناء علي طلب قادة الثورة . وفي مساء 23 يوليو عقد قادة الثورة اجتماعا يعتبر من أخطر اجتماعات الثورة، حيث  تقرر فيه عزل الملك فاروق، وتنازله عن العرش لابنه أحمد فؤاد الثاني  حيث يذهب إليه علي ماهر ليسلمه وثيقة التنازل، ثم إرسال بعض الوحدات العسكرية إلي الاسكندرية لتعزيز قواتها، وذهب علي ماهر وقدم للملك فاروق وثيقة التنازل عن العرش لابنه وغادر الملك يوم 26 يوليو 1952 وحملته الباخرة المحروسة إلي غير رجعة وبذلك انتهي حكم آخر حاكم من أسرة محمد علي .

وهنا يمكن القول بأنه ليس من الاجحاف بثورة يوليو أن نقول إن الذين فجروا شراتها حتي استطاعوا أن ينهوا حكم أسرة  محمد علي لم يكونوا يدركون تماما عظمة الحدث الذي أقدموا علي صنعه في تلك اللحظة التاريخية . لقد كانت مغامرة تفاعل فيها السخط مع البأس مع الأمل في آن واحد، فالضباط الأحرار الذين انتفضوا في تلك الليلة كانوا في المقام الأول أفراداً يعبرون عن سخطهم علي النظام القائم، ويأسهم من اصلاحه، وأملهم في أن يقتلعوه ويقيموا مكانه نظاماً جديداً . وباعترافهم هم كانت مشاعر السخط حارة، ومشاعر اليأس مرة، ومشاعر الأمل قوية . ولكن كل هذه المشاعر؛ وبخاصة مشاعر الأمل – كانت مبهمة وهلامية، وبلا قسمات ايديولوجية واضحة المعالم. وكان لديهم إدراك لا يقل ابهاما وهلامية، في أنهم في سخطهم ويأسهم وأملهم يمثلون آخرين غيرهم في الجيش وفي المجتمع . ولكنهم لم يدركوا في تلك اللحظة التي انتفضوا فيها أن معادلة السخط واليأس والأمل بكل مفعولها الانفجاري الكامن هي معادلة الثورة . فالأغلبية الساحقة للشعب المصري كانت تشترك معهم في كل هذه الأنواع الثلاثة من المشاعر، بل ولم يدرك هؤلاء الضباط المائة في تلك الليلة من صيف يوليو 1952 أن معادلة الثورة هذه بمكوناتها (السخط واليأس والأمل) هي معادلة ثورة قومية تتخطي الحدود القطرية للدولة المصرية . فالأغلبية الساحقة لشعوب الأمة العربية كانت تشترك معهم في تراكم هذه الأنواع الثلاثة من المشاعر.

لقد كانت ثورة يوليو استجابة طبيعية حادة لوجود أزمة اجتماعية سياسية حادة في داخل مصر، فقد تعثر النظام الملكي الحاكم في مواجهة المشكلتين الرئيسيتين اللتين شغلتا عدة أجيال مصرية متعاقبة منذ منتصف القرن التاسع عشر- وهما المشكلة الوطنية والمسألة الاجتماعية ؛ أو الاستقلال والعدالة. وكانت اخفاقات النظام المتتالية في مواجهة المسالتين في الفترة من 1923 إلي 1952 مرورا بتعطيل الدستور، ومهادنة الإنجليز، واطلاق يد كبار الملاك في النهب والاستغلال، وهزيمة حرب فلسطين، والفشل في إجلاء قوات الاحتلال من منطقة قناة السويس، والعبث بالحريات العامة، وازدياد حدة البطالة والتضخم، وانتشار الفساد – هي أسباب السخط واليأس والأمل الذي اعتمل في صدور الضباط الأحرار. لقد كانت هذه الاخفاقات في مجملها هي التي وضعت النظام الملكي في مأزق أزمته التاريخية في أوائل الخمسينات؛ وجعلت من الثورة حتمية تاريخية كاستجابة ضرورية لتلك الأزمة.

وعلي كل حال فقد نجحت الثورة في طول البلاد وعرضها، حيث بدأ الضباط الأحرار يصيغون لنا المبادي الستة للثورة: القضاء علي الاستعمار وأعوانه، والقضاء علي الاحتكار وسيطرة رأس المال علي الحكم، والقضاء علي الإقطاع، إقامة عدالة اجتماعية، وإقامة جيش قوي، وإقامة حياة ديمقراطية.

 وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

كاظم الموسويلم يعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن تصريحاته "عنصرية" ولكن يتهم الذين يهاجمونه حولها بأنهم اشتراكيون أو شيوعيون، ولن تكون امريكا شيوعية. هكذا يقول بكل بساطة. فلا يحرج من الاقرار ضمنا، أو التصريح بانها ليست عنصرية كما عند غيره. وبالتأكيد يتحسب أو يستشير قانونيا بذلك.

لكن.. اتفق كل من قرا أو تابع تغريدات الرئيس ترامب في هجومه على نائبات من الحزب الديمقراطي من أصول أجنبية، بانها عنصرية. إذ دعاهن إلى العودة من حيث أتين. وأضاف أنهن ينحدرن من بلدان يعم فيها الفساد، متسائلا بلهجة تهكمية: "لماذا لا يعدن ويساعدن في إصلاح الأماكن الفاشلة التي أتين منها حيث تتفشى الجريمة؟". وعلى خلفية ذلك وصف مسؤولون في الحزب الديمقراطي ترامب بـ"العنصري"، فيما اعتبرت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تغريدات ترامب بأنها "غير مقبولة على الإطلاق".

لم يسم ترامب أيا منهن كتابة ولكنه ذكرهن في مهرجاناته، وقال "إنهن أتينَ في الأصل من بلدان ذات حكومات كارثية بالمطلق هي الأسوأ والأكثر فسادا وعدم كفاءة في العالم". واعتبر بنوع من التهكم أن هؤلاء النساء "يخبرن شعب الولايات المتحدة، أعظم وأقوى أمة على الأرض، كيف يجب أن ندير حكومتنا". وليست هذه المرة الأولى التي يهزأ فيها ترامب من هذه الدول، إذ كان قد نقل عنه العام الماضي وصفه بعض الدول الأفريقية بأنها "أوكار قذرة"، إضافة إلى كلامه عن "غزو" المهاجرين غير القانونيين.

واضح من تغريدات ترامب الاشارة إلى "عضوات الكونغرس الديمقراطيات التقدميات"، أمثال ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز من نيويورك والنائبة عن مينيسوتا إلهان عمر ورشيدة طليب من ميشيغان، وأيانا بريسلي، عن ولاية ماساتشوستس. ومعروف ان اوكاسيو كورتيز مولودة في نيويورك، من أصل بورتوريكي، فيما طليب ولدت في ديترويت من أصل فلسطيني، وإلهان عمر، جاءت طفلة إلى الولايات المتحدة من الصومال، وهي أول مسلمة سوداء في الكونغرس، وأيانا بريسلي، من أصل أفريقي، ولدت ونشات في أوهايو.

أدان الكونغرس الأمريكي رسميا الرئيس الأمريكي بسبب هذه التغريدات التي استهدفت نائبات ديمقراطيات ولهجته العدائية تجاه المهاجرين، وانضم أربعة نواب من حزبه إلى 235 نائبا ديمقراطيا، في الوقت الذي حاول باقي أعضاء حزبه أن يلتفوا حوله. ووصف مجلس النواب/ الكونغرس تغريدات ترامب بانها "عنصرية" وذكر أنها "شرّعت وزادت الخوف والكراهية تجاه الأمريكيين الجدد والأشخاص الملوّنين". وانتقد القرار "قول ترامب إن أعضاء الكونغرس من المهاجرين (زملاؤنا الذين يعتقد خطأ أنهم من المهاجرين) لا ينتمون إلى الكونغرس أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية". وأنّب القرار ترامب أيضا لنعته المهاجرين وطالبي اللجوء بـ"الغزاة".

يتمتع الديمقراطيون بغالبية في مجلس النواب الذي يبلغ عدد أعضائه 435 نائبا، لكن للجمهوريين الأغلبية في مجلس الشيوخ، إذ من غير المرجح أن يتم النظر في القرار.

دافع ترامب "إن هذه التغريدات لم تكن عنصرية، ولن تجدوا غراما واحدا من العنصرية لدي"، داعيا نواب حزبه إلى عدم الوقوع في "الفخ" الذي ينصبه لهم خصومهم الديموقراطيون. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 يبدو ترامب مصمما أكثر من أي وقت مضى على استقطاب قاعدته الانتخابية من البيض في أكثريتها، وعلى العمل على بث الفُرقة في صفوف الديمقراطيين. وفي إطار استراتيجيته القائمة على تأجيج الجدل حول شخصه، حرص ترامب عبر تغريدة اخرى عن النائبات الديموقراطيات الأربع. وكتب قائلا "إن بلدنا حر ورائع ومزدهر. إذا كنتن تكرهن بلادنا أو إن لم تكنّ سعيدات هنا، بإمكانكن الرحيل".

استهجن شاك شومر زعيم كتلة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ صمت كبار المسؤولين في الحزب الجمهوري عن تصريحات ترامب. وقال في هذا الإطار "من المخيف الملاحظة كيف يمكن للعديد من زملائنا الجمهوريين أن يتركوا العاصفة تمر من دون أي تعليق عليها"، متسائلا ما إذا كان هذا الصمت يترجم وجود "اتفاق" مع الرئيس أم "ضيقا" منه، ثم أضاف "في الحالتين هذا الموقف لا يمكن تبريره". أما جو بايدن، نائب الرئيس السابق والمرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة عام 2020، فقد قال إن التاريخ الأمريكي "لم يشهد إطلاقا رئيسا عنصريا أكثر من هذا الرجل". وقال المرشح الديمقراطي للرئاسة بيرني ساندرز "هل يمكن تخيل رئيس محافظ مثل جورج دبليو بوش يدلي بتصريحات عنصرية من هذا النوع؟". وانتقدت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بدورها عبر تويتر "هجوم" الرئيس، قائلة "أرفض تعليقات ترامب التي تنم عن رهاب الأجانب وتهدف الى تقسيم أمتنا". وهذه اشارات تجمع على رفض الديمقراطيين التغريدات العنصرية للرئيس ترامب والصامتين عليها من حزبه أو مؤيديه. كما أن التغريدات فتحت المجال لاعتراضها والدفاع عن القيم الإنسانية والقانونية وشغلت اوساطا واسعة في الاعلام والسياسة الامريكية، داخليا وخارجيا.

ومن المفيد الإشارة الى تغريدة ملفتة للكوميدي الأمريكي، جيرمي ماكليلان، في نقده لعنصرية ترامب، بأن ترامب في مطالبته رشيدة طليب بالعودة إلى بلادها ايّد أو ساهم اخيرا بحق العودة الفلسطيني، وهذا توبيخ مدهش لكل الصهاينة اينما كانوا.

كما كتب عنه الصحافي الأمريكي جورج كونواي في صحيفة واشنطن بوست: أعتقد أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب هو شخص غبي، وجاهل، ونرجسي، ومتبلد المشاعر، فهو يمارس التنمر بشكل مثير للشفقة، حيث يتنمر  على الآخرين بشكل متساوٍ، فهو يهاجم أى شخص يعتقد أنه ينتقده، لكنني لا أرغب فى أن يكون رئيس الولايات المتحدة عنصريا. فحينما يخاطب ترامب اربعة من أعضاء الكونغرس الأمريكي، من غير البيض، بالعودة إلى بلدانهم،.. فإن هذا يعد عنصرية صارخة، بغض النظر عن ماهية هؤلاء الأعضاء، فما قاله يعد تجاوزا لحدود اللياقة الإنسانية لأي شخص، ناهيك عن كونه الرئيس (...) لكن هذا غير مقبول، وذلك لأن ترامب ليس شخصا عاديا. وبحكم منصبه، فهو يتحدث باسم البلاد بأكملها، واليوم لم يعد القضاة، أو التخفيضات الضريبية، أو اللوائح، أو أية قضية سياسية أخرى على المحك، ولكن ما هو على المحك فعلا الآن هو المثل العليا التى بُنيت عليها الولايات المتحدة!.

 

كاظم الموسوي

 

ابراهيم أبراشالمفاهيم والمصطلحات في كافة العلوم لا تُصاغ أو يتم اعتمادها وترويجها عبثا بل تحمل دلالات وتعبر عن مضامين وخصوصا في مجال العلوم الاجتماعية وعلى رأسها علم السياسة . فهناك فرق مثلا ما بين العنف والحرب والإرهاب والجهاد والدفاع عن النفس والمقاومة مع أنها مصطلحات تطلق على نفس الحدث، كما أن هناك فرق بين السلام والتسوية السياسية الخ، وفي سياق موضوعنا هناك فرق بين أن نقول حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي او نقول الحل الإقليمي، فالمصطلح الاول يعتبر الفلسطينيين طرفا رئيسا في الصراع أما الثاني فيغيبهم ويعتب القضية أقليمية يمكن حلها حتى بتجاوز الشعب الفلسطيني .

وفي الحياة السياسية وخصوصا في الشرق الأوسط هناك مختصون وعلماء مهمتهم كي الوعي عن خصومهم من خلال ترويج مفاهيم ومصطلحات يعتقدون انها مع مرور الوقت ستُرسخ في العقل وتلغي مفاهيم سابقة، وفي هذا السياق سنتحدث عما تروجه أخيرا إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الامريكية عن الحل الإقليمي وهو مصطلح خطير ومضلل يضاف إلى ما سبق من مفاهيم ومصطلحات هدفها تغيير طبيعة الصراع في المنطقة، فمن الصراع العربي الإسرائيلي إلى مشكلة الشرق الأوسط إلى صفقة القرن وأخيرا الحل الإقليمي .

إن الهدف الرئيس من وراء ترويج هذه المصطلحات هو تغيير طبيعة الصراع والالتفاف على حقيقته وجوهره كصراع بين الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني الذي له عنوان وهو منظمة التحرير الفلسطينية، وإحلال دول الإقليم وخصوصا الانظمة العربية ليحلوا محل الفلسطينيين في تسوية مشاكل المنطقة نحيث أن الحل الإقليمي يعتبر القضية الفلسطينية مجرد جزئية أو مشكلة كبقية مشاكل المنطقة وليست جوهر الصراع ومركزه.

لقد ناضل الشعب الفلسطيني عسكريا وسياسيا طِوال مائة عام لمواجهة وعد بلفور 1917 وما ترتب عليه من موجات هجرة لفلسطين، كما قام بثوراته وانتفاضاته سواء قبل النكبة أو بعدها، كل ذلك ليحصل على اعتراف من العالم بأن فلسطين هي حق للشعب الفلسطيني وأن نضاله ضد الحركة الصهيونية ودول الاحتلال الإسرائيلي نضال مشروع، وقد أيدت غالبية دول العالم شعب في مطالبته بحقوقه السياسية وهذا ما تجلى بعشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها ووكالاتها، ومن أهم هذه القرارات قرار 181 حول تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وأخرى عربية وقرار 194 حول حق عودة فلسطين إلى مدنهم وقراهم التي هُجروا منها بعد حرب 1948، وتوالت القرارات بعد ذلك فما يتحدث عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره السياسي على أرضه وحقه في مقاومة الاحتلال، كما اعترفت الجمعية العامة بفلسطين دولة مراقب عام 2012، كما انظمت فلسطيني إلى عشرات المنظمات والوكالات الدولية، ولفلسطين أكثر من مائة سفارة وبعثة دبلوماسية في العالم وهو اكثر مما لدى إسرائيل .

لو كان الإقليم في عافية

الحالة العربية الراهنة غير مؤهلة لاستلام زمام القضية الفلسطينية أو استعادة البعد القومي للقضية، لذا من الخطورة المراهنة الآن على أية مبادرة أو وساطة عربية لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .

مع كامل قناعتنا بأن المشروع الصهيوني يتجاوز في أهدافه الاستراتيجية فلسطين، ومع احترامنا وتقديرنا للشعوب العربية المتعاطفة مع عدالة قضيتنا، إلا أنه سيكون من الخطورة استمرار الترويج الخارجي للصراع والتعامل معه رسميا كصراع عربي إسرائيلي أو صراع إسلامي يهودي، لأن ذلك يُظهر إسرائيل كدولة محدودة جغرافيا وسكانيا يهددها أكثر من مليارين من العرب والمسلمين، بينما الواقع يقول بأن القضية الفلسطينية لم تَعد قضية العرب والمسلمين الأولى في ظل فوضى الربيع العربي والأزمة البنيوية والوظيفية التي تهدد وجود الدول الوطنية القائمة .

القول بأن الصراع الدائر على الأرض اليوم ما زال صراعا عربيا إسرائيليا أو صراعا له بعد ديني بين المسلمين واليهود، قد يكون صحيحا في إطار التحليل الاستراتيجي التأسيسي للصراع في وعلى فلسطين أو التوظيف الأيديولوجي والتعبئة السياسية وتحفيز الذاكرة بحقيقة الكيان الصهيوني، كما كان له نصيب من الصحة فيما مضى من الزمن، ولكنه اليوم وبحسابات الواقعية السياسية واستحقاقات السلوك السياسي القائم هو حديث أيديولوجيا وتمنيات ولا يستقيم مع معطيات الواقع .

إن كانت الايدولوجيا مفيدة في بعض السياقات إلا أنه لا يمكن أن تبنى عليها حلول واقعية لا في إطار تسوية سياسية ولا في إطار مواجهات عسكرية . حقيقة الصراع الدائر على الارض اليوم هو صراع وحرب مفتوحة ما بين الشعب الفلسطيني الصغير الخاضع نصفه للاحتلال ونصفه الآخر يعيش في الشتات والذين يتم محاصرتهم من الأنظمة العربية بما لا يقل عن محاصرتهم من إسرائيل نفسها، في مواجهة إسرائيل والحركة الصهيونية واليهودية العالمية المتحالفين مع المسيحية الصهيونية واليمينيون الجدد في الولايات المتحدة الامريكية والغرب .

الخطورة لا تكمن في خلل ابستمولوجي في توصيف الصراع كصراع ايدولوجي قومي أو ديني، بل في طرح مبادرات لتسوية مسألة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين انطلاقا من معادلة أن الصراع ما زال صراعا عربيا إسرائيليا، أو دفع الأمور نحو حرب دينية مفتوحة ما بين الفلسطينيين واليهود اعتمادا على مقولة البعد الديني للصراع أو الجهاد لتحرير فلسطين .

في ظل غياب الوحدة العربية حتى في حدودها الدنيا وغياب مشروع قومي عربي له عنوان محدد وإستراتيجية محددة أو أي شكل من اشكال الوحدة العربية أو التضامن العربي، وفي ظل غياب مشروع إسلامي متفق عليه وفي ظل ما تشهده المنطقة من تطاحن وصراع بين الدول العربية والإسلامية وبعضها البعض.

إن أية مبادرة تسوية سياسية أو وساطة تتضمن حل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يطرحها أي نظام عربي أو إسلامي في هذا الوقت بالذات، لن تكون إلا مبادرة هدفها حل إشكالات هذا النظام نفسه مع إسرائيل والغرب أو محاولة التقرب لهما والتطبيع معهما مستغلا القضية الفلسطينية كمدخل، وستكون مبادرة أو وساطة تساوم على الحقوق الفلسطينية وبسقف أقل من الحد الادنى الفلسطيني بل وأقل مما تمنحه لنا الشرعية الدولية .

نفس الأمر بالنسبة لأي نظام أو حركة تقول بأنها تريد تدمير إسرائيل أو تحرير القدس، فهذه الجهات توظف الدين في القضية الفلسطينية لمصالحها الخاصة وليس لتحرير فلسطين، وهي غير مستعدة لأن تدخل فعليا في أية مواجهة عسكرية مباشرة لا مع تل أبيب ولا مع واشنطن، وإن دخلت في مواجهات فستكون محدودة ومحسوبة لإضفاء مصداقية على أيديولوجيتها .

ليست هذه دعوة لفك الترابط بين فلسطين ومحيطها العربي والإسلامي، فهذان البعدان مكون رئيس للقضية الفلسطينية التي لا يمكن أن تنسلخ عن ابعادها العربية والإسلامية والإنسانية، كما أن نجاح الشعب الفلسطيني في إنجاز مشروعه الوطني التحرري سلما أو حربا مرهون بوجود حالة عربية شعبية ورسمية تتبنى خيار المقاومة فعلا ومستعدة لدفع استحقاقاتها .

لكن وحيث إن الحالة العربية والإسلامية الراهنة، الرسمية منها والشعبية، غير مهيأة لتحمل استحقاقات أية مواجهة جادة مع إسرائيل وواشنطن حتى على طاولة المفاوضات، بل هي حالة ترتد تداعياتها سلبا على القضية الفلسطينية، فعلى الفلسطينيين عدم المراهنة كليا على أي مشروع تسوية أو وساطة تطرحه أية دولة عربية أو إسلامية في ظل الوضع الراهن، وخصوصا أن هناك بعض الأنظمة العربية مستعدة اليوم للتضحية بالمشروع الوطني الفلسطيني وبالشعب الفلسطيني حتى تحافظ على كيانها ومصالحها وتكسب ود واشنطن وتل أبيب .

إن كان العرب جادين في دعم عملية السلام فعليهم التمسك بالمبادرة العربية وعدم توظيف الفلسطينيين للتراجع عنها أو تخفيض سقفها، وعليهم دعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضة والمعاملة الكريمة للفلسطينيين المقيمين على أراضيهم أو الذين يمرون عبرها .

لذا على الفلسطينيين استعادة زمام المبادرة ووقف المراهنة على مبادرات أو مشاريع تسوية تسمى عربية أو إسلامية . إن عناصر القوة المتوفرة في الشعب الفلسطيني في حالة إنهاء انقسامه وتوحده حول رؤية وموقف موحد هي أكثر فعالية وتأثيرا على مجريات الصراع من عناصر القوة العربية والإسلامية المتاحة والتي يمكن توظيفها فعليا الآن لمواجهة إسرائيل ومخططاتها، ليس لأن العرب والمسلمين لا يتوفرون على عناصر قوة وتأثير بل لأن هذه القوة محجور عليها أو أن الأنظمة غير مستعدة لتوظيفها في مواجهة إسرائيل وواشنطن فيما هي تتعرض لخطر داخلي يهدد وجودها .

 

إبراهيم أبراش

 

امجد الدهاماتهناك أسئلة يتم تداولها في هذه الفترة حول مفهوم المعارضة السياسية في النظام البرلماني تحديداً لأنه النظام الذي يعتمده بلدنا في عمليته السياسية التي لم تتحول بعد الى حياة سياسية مستقرة بفعل حداثة التجربة وعدم أرساء تقاليد ديمقراطية في الحكم، وسأحاول الإجابة عنها مستعيناً بتجارب الدول العريقة بالديمقراطية عسى أن نستفيد منها.

طبعاً أغلب حكومات النظام البرلماني ائتلافية لصعوبة حصول حزب واحد على أغلبية مقاعد البرلمان خاصة في نظام الانتخاب النسبي، ولهذا تضطر الأحزاب للدخول في تحالفات صعبة لتأليف الحكومة، ومبعث هذه الصعوبة هو التعارض الكبير في برامج وتوجهات الأحزاب، فتتفاوض فيما بينها لفترة طويلة للوصول إلى قواسم مشتركة ونقاط إلتقاء تسهل تشكيل الحكومة، كما حصل في بلجيكا بعد الانتخابات غير الحاسمة في عام (2010) حيث حققت مفاوضات تشكيل حكومة رئيس الوزراء (إليو دي روبو) رقماً قياسياً بلغ (589) يوماً.

وسأذكر بعض هذه الأسئلة:

السؤال الأول: هل من حق حزبٍ ما أشترك في الحكومة ودعم شخص معين لمنصب رئيس الوزراء أن ينسحب منها ويعارض رئيسها؟

أحياناً لا يلتزم رئيس الوزراء باتفاق تشكيل الحكومة أو يتخذ قرارات غير متفق عليها، وعندها يحق للأحزاب الخروج منها وسحب الدعم من رئيسها بل ومحاولة اسقاطه في البرلمان.

في هولندا شكل (يان بيتر بالكننده) حكومة ائتلافية من (3) أحزاب (2003) لكنها سقطت عندما أقترح أحد هذه الأحزاب حجب الثقة عن وزيرة الهجرة.

وفي إيطاليا سحب حزب (حرية الشعب) دعمه من حكومة (ماريو مونتي) عام (2012) بسبب سياساته التقشفية.

وفي قبرص أنسحب الحزب الديموقراطي (2014) من حكومة الرئيس (نيكوس انستاسيادس) بسبب توقيعه على اعلان مشترك مع القبارصة الاتراك.

وفي بلجيكا تم تأليف حكومة من (3) أحزاب برئاسة (شارل ميشيل) عام (2014) لكن التحالف الفلامنكي الجديد انسحب منها بسبب اعتراضه على قبول الحكومة (الميثاق العالمي للهجرة).

اما في اليونان فقد انسحب حزب "اليونانيون المستقلون" عام (2019) من حكومة (الكسيس تسيبراس) اعتراضاً على الاتفاق مع دولة مقدونيا.

بل يحق حتى لحزب الأغلبية الذي ينتمي له رئيس الوزراء ان يسحب ثقته منه ويستبدله بشخص ثانٍ، فقد استقال رئيس الوزراء الإيطالي (انريكو ليتا) عام (2014) بعد ان سحب حزبه الديمقراطي تأييده له.

السؤال الثاني: هل يحق لأحزاب للمعارضة المطالبة بمناصب في الحكومة؟

طبعاً لا يحق للمعارضة المشاركة في الحكومة، ففي هذه الحالة لن تصبح معارضة أصلاً، إلا إذا طلب الحزب الفائز منها ذلك ووافقت المعارضة وهذه حالة نادرة، فعندما أصبح (باراك أوباما) رئيساً للولايات المتحدة عام (2009)، وهو من الحزب الديمقراطي، طلب من (روبرت غيتس) البقاء بمنصب وزير الدفاع رغم انه من الحزب الجمهوري.

السؤال الثالث: هل يحق للمعارضة ان تتظاهر ضد سياسات الحكومة؟

هذا من بديهيات العمل السياسي، فمن حق أحزاب المعارضة استخدام كل الطرق الدستورية والقانونية للإعتراض على الحكومة واسقاطها، فقد تظاهرت الكثير من أحزاب المعارضة ضد الحكومات في الدول الديمقراطية، وهذه بعض الأمثلة:

إيطاليا: تظاهر الحزب الديمقراطي (2010) ضد حكومة (سيلفيو برلسكوني).

اليابان: تظاهر الحزب الديمقراطي والحزب الشيوعي (2015) ضد حكومة (شينزو آبي).

بريطانيا: تظاهر حزب العمال (2016) ضد حكومة (ديفيد كاميرون).

تركيا: تظاهر حزب الشعب الجمهوري (2017) ضد الرئيس (رجب طيب اردوغان).

صربيا: تظاهر الائتلاف من أجل صربيا (2018) ضد الرئيس (آلكسندر فوتشيتش).

أرمينيا: تظاهر حزب العقد المدني (2018) ضد الرئيس (سيرج سركيسيان).

السؤال الرابع: هل المعارضة ضد الحكومة على طول الخط أمْ تساندها أحياناً؟

في بعض المواقف تحصل الحكومة على دعم المعارضة خاصة في قضايا البلد المصيرية أو التي تهم الشعب بشكل عام، اما حكومة الأقلية فيمكنها الاعتماد على المعارضة مقابل إصدار قوانين لصالح ناخبيها، فعندما شكل رئيس الوزراء السويدي (ستيفان لوفين) حكومة أقلية (2014) أعلن أنه سيتعاون مع الأحزاب الآخرى في بعض المجالات مثل (نظام المعاشات التقاعدية، تطوير الطاقة في المستقبل، سياسة الأمن والدفاع)، وفي قبرص دعم حزب (أكيل) المعارض موقف الرئيس من القبارصة الأتراك (2014)، وساند الحزب الاشتراكي الأسباني حكومة (ماريانو راخوي) اثناء ازمة إقليم كتالونيا عام (2017).

السؤال الخامس: هل يمكن ان تتفق الأحزاب على اختيار شخصية مستقلة أو غير فائزة بالانتخابات لرئاسة الجمهورية أو الحكومة؟

نعم هذا حدث في عدة دول اتفقت فيها أحزاب الحكومة والمعارضة على انتخاب شخصية مستقلة لرئاسة الدولة أو الوزراء، مثل: (كارلو تشامبي) رئيس جمهورية إيطاليا (1999)، أبو بكر زين العابدين رئيس جمهورية الهند (2002)، (ماريو مونتي) رئيس وزراء إيطاليا (2011)، (يواخيم غاوك) رئيس جمهورية المانيا (2012)، مهدي جمعة رئيس وزراء تونس (2014)، أمينة فقيم رئيسة جمهورية موريشيوس (2015) ... ألخ.

طبعاً هناك أسئلة أخرى لكن لا يسع المقال لذكرها جميعاً وربما يأتي دورها لاحقاً.

 

أمجد الدهامات - العراق

 

كاظم المقداديثلاثة أعوام على نشر نتائج التحقيق بالحرب على العراق..

تمهيد: شاركت المملكة المتحدة مع الولايات المتحدة وتحت أمرتها مشاركة فعلية غير محدودة في حربين مدمرتين للعراق في عامي 1991 و2003). وقد إستخدمت قواتهما المسلحة أسلحة فتاكة حديثة..لحد اليوم لا توجد إحصائية رسمية دقيقة منشورة عن عدد ضحايا الحرب من الأبرياء العراقيين، لكن الشواهد الشاخصة الكثيرة تدلل على ان الحربين خلفتا أكثر من مليون قتيل وأضعاف هذا العدد من المصابين والجرحى والمقعدين، إضافة الى مئات اَلاف المرضى، وموت الآلاف جراء إستخدام تلك الأسلحة. وما يزال الشعب العراقي يعيش في ظل دمار البنى التحتية والخراب الأقتصادي- الأجتماعي والكوارث البيئية والصحية الرهيبة، التي أرجعت العراق نحو قرن للوراء.

وعدا هذا، نشأ برعاية سلطة الأحتلال نظام هزيل، فاسد ومتهرئ، مبنياً على المحاصصة الطائفية والأثنية وإسئثار أحزاب الإسلام السياسي بالسلطة، وهيمنتها على النفوذ والمال والقوة، وفتح المتنفذون الأبواب مشرعة أمام أتباعهم وأقرباءهم من غير المؤهلين والفاشلين والمزورين والمحتالين والجهلة وسراق المال العام. وإستكملوها بعملية إجتثاث الكفاءات الوطنية المخلصة، ضمن خطة مدروسة لمحاربة كل ما يمت للوطنية بصلة، وتحطيم الدولة وشل مؤسساتها التشريعية والقانونية. والحصيلة:إشاعة الفساد الأداري والمالي، والرشوة، ونهب ثروات العراق، وتدمير الصناعة والزراعة والتجارة، والحط من التربية والتعليم، وتردي الخدمات العامة، وفي مقدمتها الصحة والكهرباء والماء النقي، وتفاقمت معدلات البطالة والفقر والتخلف، بدلآ من إعمار البلد وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين وتأمين الحياة الحرة الكريمة والعدالة الإجتماعية. و بالمقابل إغتنت طبقة طفيلية جديدة من الفاسدين، ، وصارت عصابات السلب والنهب والخطف والإغتيال، المسنودة من مليشيات مسلحة، تصول وتجول وتعيث فساداً دون رادع ولا محاسبة، والقضاء يتفرج. وإستمر إنعدام الأمن والأستقرار، ومنذ 15 عاماً ولحد الآن، تهدر دماء العراقيين كل يوم وتتواصل الفواجع والماَسي والآلام..

وكل هذا دلل بان المستهدف من الغزو والأحتلال ليس النظام الدكتاتوري وأسلحة الدمار الشامل، المبرر الرئيس للحرب، وإنما العراق دولة وشعباً. والمفارقة:لم تجر معاقبة ولا حتى محاكمة دولية للغزاة والمحتلين

لجنة تحقيق بريطانية

يسجل للممملكة المتحدة، ان رئيس وزراءها الأسبق جوردون براون بادر وشكل في 15 حزيران 2009 لجنة للتحقيق بالحرب على العراق برئاسة السير جون تشيلكوت، وإختار أعضاءها بنفسه، وسميت: ,The Iraq war Inquiry أو Chilcot inquiry، وباشرت عملها رسميا في تموز 2009 كلجنة مستقلة مختصة بالتحقيق بشأن مشاركة المملكة المتحدة في الحرب على العراق عام 2003. وقد غطى تحقيقها قرارات الحكومة لفترة 8 سنوات:من صيف عام 2001 الى صيف عام 2009.وأنجزت عملآ كبيراً، راجعت خلاله نحو 150 ألف وثيقة حكومية وقامت بتحليلها، وعقدت أكثر من 200 اجتماع مع مسؤولين حكوميين، وقابلت أكثر من 150 من الشهود، من الشخصيات السياسية والعسكرية والاستخباراتية البريطانية.وكلف عملها خزينة الدولة نحو 9 ملايين جنيه إسترليني. وصدر تقريرها بـ 12 مجلداً، مجموع صفحاته 6 اَلاف صفحة، مؤلفة من 2,6 مليون كلمة.

المحصلة والإستنتاجات

نشرت اللجنة نتائج تحقيقها في 6/7/2016، ومحصلته- كما لخصتها صحيفة "الغارديان": "دولة دمرت (إشارة الى العراق) وثقة تهدمت (بريطانيا) وسمعة تحطمت (بلير) "[1]..

بإختصار، خرجت اللجنة بإستنتاجات مهمة بشأن مشاركة المملكة المتحدة في الغزو، معلنة بان الحرب لم تكن ضرورية، ومبرراتها ليست مقنعة، فلم يشكل العراق وقتها خطراً على المصالح البريطانية، ولم تثبت مزاعم إمتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.وإعتبرت عملية الغزو متسرعة ومبنية على معلومات إستخباراتية مغلوطة وغير دقيقة. ولم تكن صحيحة إدعاءات إدارة بلير بأنها تحركت نيابة عن المجتمع الدولي، وإنما بالعكس، فالمحامي العام وقتها اللورد غولد سميث لم يتحدث عن وجود أي أساس شرعي للحرب ضد العراق. وفي هذا الإطار، أسهمت الحكومة في تقويض سلطة مجلس الأمن الدولي عبر المشاركة في تدخل عسكري غير مدعوم منه، وشكلت تجاوزا لبنود عمل الأمم المتحدة بخصوص الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين

ومع ان التقرير لم يحسم إن كانت الحرب شرعية أو غير شرعية، وإعتبر رئيس اللجنة ان هذا الأمر يحسمه القضاء. بيد ان التقرير أوحى- بحسب قانونيين- بعدم شرعية الحرب، وان الأدارة البريطانية تجاوزت ما تنص عليه الأمم المتحدة للحفاظ على الأمن والسلام الدوليين.وإعتبرت صحيفة "التايمز" التقرير بمثابة " تقييم نهائي لتجربة عسكرية إنتهت الى خطأ كارثي لعدم وجود التخطيط الأساسي والإجتهاد الواجب"[2].

وتضمن انتقادات لكامل الفريق السياسي والعسكري الذي شارك بلير قرار الحرب، لا سيما وزير الخارجية آنذاك جاك سترو، ورئيس جهاز الاستخبارات (MI6) السير ريتشارد ديرلوف، ورئيس لجنة الاستخبارات المشتركة، السير جون سكارليت، ووزير الدفاع، جيف هون، ووزيرة التنمية الدولية، كلير شورت. وكان سترو قد إعترف بإن "العواقب التي نجمت عن قرار التدخل العسكري ضد العراق ستعيش معي لبقية حياتي".

وأوضح التقرير أن الخطط البريطانية لفترة ما بعد الحرب في العراق كانت غير مناسبة، ولها تداعيات كثيرة..

بيد ان تقرير اللجنة جوبه بأنتقادات موضوعية لكثرة المؤاخذات عليه، أبرزها تجاهل اللجنة لإستخدام القوات البريطانية والأمريكية أثناء غزو العراق لأسلحة مشعة فتاكة، للمرة الثانية، وإهمال حقوق الضحايا المدنيين العراقيين، بالأضافة الى المماطلة في إعلان النتائج، والضبابية، وعدم الحسم في قضايا هامة عديدة ذات علاقة ..

تجاهل إستخدام الأسلحة الفتاكة

تجاهلت لجنة التحقيق إستخدام القوات البريطانية والأمريكية مجدداً في غزو العراق وإحتلاله عام 2003 لأسلحة فتاكة، هي ذخائر اليورانيوم المشعة، المصنعة من نفايات نووية خطيرة، إستخدمتها وجربتها لأول مرة في ميادين القتال " الحية" في العراق في حرب عام 1991، والتي سببت للمدنيين الأبرياء كارثة صحية رهيبة لا مثيل لها في التأريخ الحديث .

علماً بان حكومة بلير أهملت كافة التحذيرات العلمية، بما فيها لمؤسسات علمية بريطانية، مثل هيئة الطاقة الذرية البريطانية (UKAEA). التي حذر تقرير سري لها في عام 1991 المسؤولين البريطانيين من عواقب استخدام ذخيرة اليورانيوم على السكان، وخاصة الاطفال، الذين هم اكثر واخطر تأثراً باضراره، وذلك لمعرفة الهيئة المختصة بان قذائف اليورانيوم عندما تصيب الدبابات والاهداف الاخرى تطلق غباراً ساماً يسبب لمن يتعرض له السرطان، وحتى الركام الذي تخلفه يشكل خطراً على من يقترب منه.

وكانت الهيئة قد قدرت في وقته بان غبار وأتربة اليورانيوم المنضب التى أطلقت في الهواء في منطقة الخليج أثناء حرب 1991 بحوالى 50 طناً مترياً مما سيترتب عليه ظهور 500 ألف حالة سرطان في المنطقة.وفيما بعد قدرت الهيئة وجود 2000 طناً مترياً من هذا الغبار حالياً في المنطقة جراء حربي 1991 و 2003، أى أن كمية الغبار والإشعاعات التى أطلقت في الخليج منذ 1991 تفوق نظيراتها التى أطلقت في الهواء جراء إلقاء قنابل هيروشيما ونجازكى أما خسائر الأرواح في الأخيرة فبلغت حوالى 250 ألف شخصاً، في حين أن أضعاف هذا الرقم قد توفي أو في طريقه للوفاة بسبب الأمراض الخطيرة التى ترتبت على إستخدام الذخائر المحرمة في منطقة الخليج [3][4][5][6].

وكان العالمان الكندي هاري شارما -أستاذ الكيمياء في جامعة ووترلو بأونتاريو في كندا، والأمريكي دوج روكي- أستاذ الهندسة البيئية والفيزياء النووية في جامعة جاكسونفيل في ولاية آلاباما الأمريكية، قد حذرا بإفادتهما أمام مجلس العموم البريطاني عام 1998 من مخاطر إستخدام هذا السلاح الفتاك[7].

ونشر العديد من العلماء المعروفين، مثل أساف دوراكوفيتش وتيد ويمان والكساندرا ميللر وسيغفرت –هورست غونتر ودوج روكي وروزالي برتل وكريس باسبي وروس ميركاريمي وباولا مندوكا وجواد العلي وكارمل موثرستيل وثوماس فاسي ولورين موريه وباريش لاندال وساندرا وايز وهانكه شرويدر وغيرهم كثيرون، في كبريات المجلات والدوريات العلمية المتخصصة، عشرات الأبحاث الرصينة المؤكدة لمخاطر هذه الأسلحة على صحة وحياة البشر.

وأمام المؤتمر الدولي الذي عقد في لندن في تموز 1999 وكرس لليورانيوم المنضب، تحدث العالم البريطاني روجرز كوجهيل ، المتخصص بالبايولوجيا التجريبية، عن العلاقة بين اليورانيوم المنضب وانواع السرطان في العراق، موضحاً بان جزيئاً واحداً من هذه المادة يستقر في العقدة اللمفاوية كفيل بتدمير جهاز المناعة بالكامل.وقال: نحن نعلم انه تم إطلاق نحو مليون قذيفة من اليورانيوم الناضب في حرب الخليج الثانية، ولايزال الكثير منها موجود في الصحراء، الامر الذي ينجم عنه انواع خطيرة من السرطان وتشوهات الاجنة.واكد ان العلاقة بين الاثنين قائمة ظاهرياً من الوجهة البايولوجية[8]

من جهته، أكد الجنرال الفرنسي بيير ماري غالوا ، أثناء شهادته أمام المجلس الوطني الفرنسي عام 2001، ان سلاح اليورانيوم المنضب سلاح فتاك مشابه للأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً وفق بروتوكول جنيف 1925 وميثاق باريس 1993 [9].

وأثبتت دراسة للعالم الفنلندي كيث بافرستوك وزميليه: س. موثرستيل و م. ثورن، ان استنشاق ذرات غبار اليورانيوم المنضب يولد آثارا سمية جينية على الـ DNA، وتنتشر من الرئة إلى أجزاء الجسم عن طريق الدم وتتسبب بأضرارا بالغة في نخاع العظم والنظام الليمفاوي والكلى [10][11].

بافرستوكك كان كبير خبراء الوقاية من الأشعاع لدى منظمة الصحة العالمية، وقد منعت الأخيرة نشر الدراسة، وأعتبر ذلك تواطئاً منها، فترك العمل فيها.

الضحايا.. عسكريون ومدنيون

أثبت العلماء بأن لأشعة (ألفا ) المنبعثة من اليورانيوم المنضب دور كبير في تدمير الحامض النووي (DNA) وفي حدوث الطفرات والسرطانات في الخلايا التي تتعرض لها. حيال هذا حذرت العالمة الأمريكية لورين موريه عقب حرب الخليج بان القليل من الكائنات الحية ستنجو من التسمم الأشعاعي البطيء الذي يشوه الـ DNA وينقل التشوه إلى جميع الأجيال اللاحقة [12].

وأكد العالم البريطاني مالكولم هوبر: بان" الأدلة تتراكم بشأن خطورة اليورانيوم المنضب، حيث يمثل إستنشاق حزيئات غباره خطراً صحياً تعرفه المؤسسة العسكرية منذ عام 1974" [13].

وكشف أحد كبار ضباط الجيش الأمريكي بان البنتاغون يعرف منذ منتصف الثمانينات بأنّ مشاكل جدية سيسببها إستخدام اليورانيوم المنضب [14].بيد ان وزارة الدفاع البريطانية، توافقاً مع البنتاغون وبضغط منه، رفضت الكشف عن اَثار اليورانيوم المنضب الذي إستخدمته القوات البريطانية والأمريكية مجدداً أبان غزو العراق، ولم تسمحا لفريق الأمم المتحدة بدخول العراق ودراسة التلوث ياليورانيوم المنضب [15][16][17].

وأكدت أبحاث علمية ان ما يزيد عن نصف الجنود الامريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج عام 1991 , يعانون من اعراض صحية خطيرة وتشوهات خلقية في مواليدهم الى الان [18][19][20]. وبينت عدة دراسات على الجنود الذين تعرضوا الى آثار اليورانيوم في كوسوفو والعراق، أجريت لمعرفة مستويات التلوث باليورانيوم المنضب، ان أعلى تركيز لليورانيوم المنضب في البول للجنود من غير المصابين بشظايا اليورانيوم المنضب تساوي 266ng/ℓ جاءت نتيجة لأستنشاق الهواء الملوث بغبار اليورانيوم المنضب او دخولها عن طريق الجهاز الهضمي , اما المصابين بشظايا ذخائره فأن التركيز كان  24500ng/ℓ [21][22].

في دراسة له بعنوان "إنتشار وتلويث اليورانيوم المنضب لجنود حرب الخليج وأَخرين"، عبر العالم الفيزيائي الأمريكي ليونارد ديتز عن إعتقاده بان الجنود الأمريكيين الذين يعانون من أعراض حرب الخليج هم ضحايا تلك المادة التي نقل الجو إشعاعاتها لهم أثناء قصفهم للعراق، وتدميرهم لدباباته ومعداته العسكرية والإستراتيجية [23][24].

وفي العراق أكدت العديد من الدراسات العلمية الرصينة المستقلة إنتشار على نحو خطير أمراض السرطان والتشوهات الولادية والإسقاط (الإجهاض) المتكرر والعقم (حتى وسط من كانوا قد أنجبوا قبل الحرب) وعلل أخرى كثيرة غير قابلة للعلاج، وسط المدنيين، خاصة في المناطق التي إستخدمت فيها القذائف المصنعة من اليورانيوم المنضب وحواليها أثناء حربي 1991 و 2003. وان استخدام هذا السلاح الفتاك في المناطق الجنوبية من العراق يُعدُ أحد أهم الأسباب التي ادت الى تزايد نسبة الأصابة بالأمراض السرطانية, وخاصة سرطانات الدم والثدي والغدد اللمفاوية، حيث بينت الدراسات تزايد النسبة من 4 اصابة عام 1990 الى 8 اصابة عام 1995 و13 اصابة لكل 100 الف نسمةعام 2005 [25][26][27][28].

إهمال حقوق ضحايا الحرب العراقيين

من أبرز المؤاخذات الجدية ، التي إستحقت الأنتقادات الحادة والأحتجاجات الجماهيرية، عدم إيلاء لجنة التحقيق البريطانية ,The Iraq war Inquiry وتقريرها، الإهتمام المطلوب بالضحايا الأبرياء من المدنيين العراقيين..

المؤلم أن الإعلام العالمي أولى اهتماماً كبيراً بما يتعلّق بطوني بلير في تقرير اللجنة، متجاهلاً أن الضحية الأساسيّة للحرب هي الشعب العراقي وبيئته ومجتمعه وأجيال مستقبله.علماً بان تقرير اللجنة أقر ضمنياً بأن ضحية الحرب في المقام الأول هو العراق، الذي " يبقى مقبرة كبيرة لا يمكن معرفة حجمها"، ومع هذا لم تول اللجنة ولا تقريرها إهتماماً إسوة بما أولته للضحايا البريطانيين ذوي العلاقة. حيال هذا نظمت MedAct org [29] إحتجاجاً جماهيرياً على تقرير اللجنة، معتبرة ان التحقيق لم يكن جدياً، وقد أهملت اللجنة تقرير المنظمة المفعم بمعطيات موثقة عن محنة الضحايا المدنيين الناجمة عن الغزو[30].

الى هذا، كشفت تقارير بان الحكومة البريطانية كانت قد ظللت بشأن المصابين والمتوفين من المدنيين ضحايا أسلحتها، فلم تسجل أعدادهم بناء على رغبة بلير بتقليص العدد قدر الأمكان[31]، ضاربة عرض الحائط بتقارير الطواقم الطبية العاملة في العراق المنبهة لإرتفاع معدلات السرطان والتشوهات الخلقية، والرابطة لها باستخدام أسلحة اليورانيوم [32].

وقد إستغرب الكثيرون في بريطانيا وخارجها ان يعطي تقرير اللجنة الحق لعوائل الضحايا البريطانيين، من قتلى وجرحى ومعوقين، ممن شاركوا بالحرب، بالمطالبة بتعويضات، بينما أنكره على نظرائهم من العراقيين، مستهيناً بجسامة الكارثة الأنسانية والصحية التي سببتها الذخائر المشعة، والتي لخصتها العالمة الأمريكية لورين موريه :" أن المستقبل الجينى للعراقيين على وجه التحديد قد تم تدميره" [33][34]. واكتفى رئيس اللجنة تشيلكوت بالقول في مؤتمر صحفي عقده يوم نشر التقرير:" تسبب الغزو وحالة عدم الاستقرار التي أعقبته بمقتل ما لا يقل عن 150 ألف عراقي وربما أكثر بكثير, معظمهم من المدنيين، ونزح أكثر من مليون شخص عن العراق.وتكبد الشعب العراقي معاناة كبيرة ".. ولم يوص لا بتعويضات للشعب العراقي ولا حتى باعتذار يقدم له، وهو ما انتقده كارني روس- مؤسس منظمة «دبلوماسيون مستقلون» [35]. وأدانه الباحث في الفكر الإستراتيجي بجامعة باريس نبيل نايلي بقوله: ضاقت 2,6 مليون كلمة ولو بجملة يتيمة تعيد إلى ضحايا حرب همجية غير قانونية بعض الاعتبار [36].

لقد واجه المدنيون العراقيون- بتأكيد منظمة MedAct -أفضع الآثار الصحية السلبية للحرب على العراق، وما زالوا يعانون منها. وقد قتل مئات الآلاف من غير المحاربين، وتشرد حوالي 5 ملايين مدنياً، ومعظمهم يعانون بسبب الأضرار الكارثية التي طالت أنظمة الرعاية الصحية [35].

وتساءلت منظمة "ضحايا حرب العراق" (IBC)[37] في عام 2015: متى ستبدي المملكة المتحدة اهتماما جادا في ضحايا العنف في العراق؟[38]. وانضم أعضاء من "مجموعة الصحة عبر السلام"(the Health Through Peace community) الى الاحتجاج السلمي الذي نظمته منظمة MedAct ضد تقرير تشيلكوت، معبرين عن رفضهم له، معتبرين إياه غير جدياً بشأن الضحايا الأساسيين.

إثباتات طلبتها لجنة التحقيق وتجاهلتها

يحسب للجنة التحقيق من بين الأمور الإيجابية دعوتها لمن لديه إثباتات ومعلومات تفيد التحقيق تقديمها لها. فقدمت المنظمة البريطانية MedAct.org تقريراً خاصاً وافياً مكرساً لأضرار النزاع المسلح على المدنيين والبيئة العراقية.وقبل ذلك رفعت لرئيس اللجنة في اَب 2009 رسالة دعت فيها، بإسم "مشروع ضحايا حرب العراق (IBCP) الى ضرورة ان يشكل ضحايا العراق جزءاً من التحقيقات في حرب العراق، مطالبة لجنته ان تأخذ بعين الأعتبار الضحايا العراقيين نتيجة الحرب والأنهيار الذي أعقب الغزو في عام 2003. وطالبته بان يسمح للمنظمة بتقديم الأدلة اللازمة لهذا الموضوع تحديداً. وقالت أيضاً:"ان لجنة التحقيق في حرب العراق تشكل فرصة فريدة، حتى لو كانت متاخرة، للتحقيق في ضحايا العراق بشكل شامل و بتفاصيل دقيقة، وأيضا تقييم طبيعة ومدى الضرر الناتج عن اهمال الحكومة المستمر لهذه القضية..وقالت: ان المصادر الكثيرة توفر لكم- حسب رأينا- فرصة جيدة للتحقيق بشكل شامل وسليم في قضية ضحايا العراق: الحقائق الكثيرة تجبركم على فعل ذلك".

وأوضحت (ميداكت) بان جمع كل الحقائق المتوفرة عن ضحايا العراق كانت النشاط الرئيسي لمنظمة "ضحايا حرب العراق"(IBC) خلال الاعوام الماضية. وبغياب مصدر معتمد اخر للمعلومات عن طبيعة و توزيع الضحايا في العراق، فان البيانات التي تقدمها المنظمة لطاما اشير اليها في مختلف السياقات من قبل مؤسسات مستقلة، من بينها منظمات الاغاثة، منظمة الصحة العالمية، مفوضية الامم المتحدة العليا للاجئين، البنك الدولي، صندوق الدعم الدولي، الجامعات الرئيسية، مؤسسةBBC الاعلامية، صحيفة الايكومنست، وغيرها من المؤسسات الاعلامية في المملكة المتحدة والعالم.

وقدمت الشبكة البريطانية لأسلحة اليورانيوم (UKUWN) [39]، في 8 /7/ 2010 ، تقريراً علمياً وافياً مكرساً لاستخدام المملكة المتحدة لذخائر اليورانيوم المنضب في العراق، شرحت فيه طبيعتها وأصنافها وحجم ما استخدم منها على العراق. وتناولت بالأدلة العلمية القاطعة المخاطر الصحية لإستخدامها، مستندة الى نتائج دراسات وأبحاث علمية رصينة، أثبتت سميتها الكيميائية والإشعاعية على العسكريين والمدنيين، التي تجسدت بـأعراض أو متلازمة حرب الخليج " "Gulf War Syndrome، التي طاولت مئات اَلاف العسكريين، وتداعياتها على عوائلهم، وانتشار الأصابات السرطانية والتشوهات الخلقية وعلل مرضية أخرى غير قابلة للعلاج وسط العسكريين والمدنيين الأبرياء.

ولفتت الشبكة إنتباه لجنة التحقيق الى تكرار إستخدام وزارة الدفاع البريطانية لذخائر اليورانيوم في غزو العراق رغم علمها المسبق بمخاطر إستخدامها، بإعتبارها ذخائر مشعة مصنعة من نفايات نووية خطيرة. وهذا ما أكده البرفسور مالكولم هوبر- أستاذ الكيمياء الطبية بجامعة سندرلاند، والمستشار العلمي لـ "جمعية جنود حرب الخليج الثانية المتقاعدين في المملكة المتحدة"، متجاهلة كافة التحذيرات العلمية، بضمنها لمؤسسات علمية بريطانية معروفة، بشأن سميتها الكيميائية والإشعاعية وأضرارها البيولوجية على صحة وحياة العسكريين والمدنيين-أشرنا لبعضها [40]..

وقامت وزارة الدفاع وحليفاتها بإخفاء البيانات والمعلومات ذات العلاقة.فقد أكدت صحيفة " الإندبندنت" البريطانية في تقرير عنوانه:"الجيش البريطاني كان يعرف بمخاطر اليورانيوم المنضب " أن الوزارة كانت تعرف بان التعرض لأشعاع أسلحة اليورانيوم المنضب يسبب سرطانات الرئة والغدد اللمفاوية والدماغ، وأن التحذير من تلك الأمراض كانت قد أصدرته الطبابة العسكرية البريطانية (حصلت الصحيفة على نصه) وهو يحذر العسكريين من التعرض للغبار الناجم عن إنفجار أسلحة اليورانيوم المنضب. ودلل تقرير الأندبنتدنت على المغالطات الرسمية التي أتبعتها الحكومة البريطانية تجاه نتائج البحوث العلمية بشأن أضرار اليورانيوم المنضب، مستشهداً بالنتائج التي توصل إليها البرفسور مالكولم هوبر، التي أكدت ان اًلاف البريطانيين الذين يسكنون ضمن مدى إنفجارات أسلحة اليورانيوم المنضب، أو يعيشون بالقرب من معامل إنتاج تلك الأسلحة، سيتأثرون بخطر التلوث الإشعاعي.وقد تجاهلت وزارة الدفاع كافة التحذيرات العلمية الأكاديمية وأهملت الحقائق العلمية [41]..

من ردود الفعل على التقرير

كتب النائب العام البريطاني السابق في حكومة توني بلير اللورد موريس في عام 2014 منتقداً التأخير غير المقبول في نشر نتائج تحقيق لجنة تشيلكوت حول حرب العراق ، وإعتبر ذلك فضيحة وطنية. وانه من غير المقبول مواصلة تأخير نشر النتائج [42].

ويبدو ان المماطلة في تأخير نشر التقرير لعدة سنوات صبت في هذا المنحى.فكان من المفترض ان يكون تقرير نتائج التحقيق جاهزا للنشر بحلول نهاية عام 2010 [43]، لكن ذلك لم يحصل.وفي 16/11/2011 أعلن السير جون تشيلكوت أنه لايمكن نشر التقرير قبل صيف 2012 "إذا أردنا للتحقيق ان يكون عادلاً، نظراً للتعقيدات التي ينطوي عليها".وفي 16 /7/ 2012 أعلن مجدداً بانه لا يستطيع ان يقدم تقريراً قبل صيف 2013 [44].وفي كانون الثاني 2015أعلن إرجاء نشر نتائج التقرير إلى ما بعد اجراء الانتخابات العامة في بريطانيا [45].

وكل تلك التأجيلات لم تكن لصالح التحقيق، ولا لصالح ضحايا الحرب، ولم تكن مبرراتها مقبولة، ولا علاقة لها بـ "الأمن الوطني البريطاني"- كما زعموا، مع أن الأمن الوطني قام بتدقيق التقرير- بحسبBBC [46]. وأكد رئيس اللجنة بان التقرير أحيل إلى الأمن الوطني لفحصه لتضمنه كما ضخما من المواد الحساسة [47]..

أما نتائج التحقيق، فلم تكن غير متوقعة للعديد من السياسيين البريطانيين، وجاءت متوافقة واَراء العديد من الشخصيات البريطانية. فقد أعلنت ناتالي بينيت- زعيمة حزب الخضر: " كنا نعرفها، والان تأكدنا منها: الحرب على العراق كانت مبنية على الخداع والكذب.كانت غير قانونية، ولا يمكن تبرريها".وشدد جيرمي كوربين- زعيم حزب العمال: "نحن نعلم أن البرلمان تعرض للتضليل في مرحلة ما قبل الحرب، وعليه أن يقرر كيف يريد أن يتعامل مع هذا الأمر بعد مضي 13 عاما". وأضاف:"على الذين كشفهم تقرير تشيلكوت أن يواجهوا نتائج أعمالهم، أيا كانت" [48][49]..

وأعلنت منظمة "ضحايا حرب العراق" (IBC):" لم نكن نتوقع ان نجد بين نتائج عمل اللجنة العدد الكبير للضحايا، ولا حتى رؤية عوائل الضحايا العراقيين، او إحتياجاتهم ، او كيفية تخفيف معاناتهم [50].

والمفارقة ان تقرير لجنة التحقيق أشار الى عدم وجود نية لدى المملكة المتحدة لتنظيف العراق من تركتها المشعة القاتلة، وتخلت عن مسؤوليتها وواجبها في إزالة المخلفات السامة التي خلفتها هناك، ولا حتى وجوب رصد تأثيراتها على صحة ومستقبل السكان.وأكد دوغ وير- المنسق الدولي للتحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم(ICBUW) ان وزارة الدفاع قد أخفت عن لجنة التحقيق وثيقة عسكرية كانت قد أعلنت فيها عام 2003 عن نيتها تنفيذ هذه المهمة[51].وكان البرفسور مالكولم هوبر قد إعتبر مهمة التنظيف واجب قانوني على الملوثين في ظل إصابة الأطفال بالسرطان وحالات تشوه ولادي نراها في العراق منذ إستخدام اليورانيوم المنضب في حرب عام 1991"[52]..

وبموازاة صدور التقرير، تظاهر المئات من معارضي غزو العراق أمام منزل بلير، وأمام "مركز الملكة إليزابيث للمؤتمرات"، حيث عقد السير تشيلكوت مؤتمره الصحفي للإعلان عن خلاصات تقرير لجنة التحقيق، وطالب المتظاهرون بملاحقة بلير " لارتكابه جرائم حرب".

من جهتها، اعتبرت حركة "أوقفوا الحرب" التي عارضت غزو العراق أن " تقرير تشيلكوت اتهام صريح لتوني بلير والمحيطين به، في دفعنا إلى الحرب على العراق". وذكرت الحركة في بيان صدر بعد الإعلان عن نتائج لجنة التحقيق أن "الحركة المناهضة للحرب والملايين الذين تظاهروا ضد قرار الغزو، يطالبون الآن بالعدالة".

إنتهاك للقانون الدولي

تناول تقرير الشبكة البريطانية لأسلحة اليورانيوم (UKUWN) المقدم للجنة التحقيق بالتفصيل المسؤولية والمشروعية وانتهاكات القانون الإنساني الدولي من قبل مستخدمي أسلحة اليورانيوم. وأكد متخصصون ان استخدام تلك الأسلحة بكميات كبيرة جدا هدفَ عمداً مع سبق الاصرار للفتك بالعراقيين وتدمير بيئتهم ، ضاربين عرض الحائط بالقوانين الدولية التي حظرت في البروتوكول الاضافي الاول الملحق باتفاقيات جنيف ( المادة 35) (يحظر استخدام وسائل او اساليب القتال يقصد بها او قد يتوقع منها ان تلحق بالبيئة الطبيعية اضرارا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الامد ).

ووفقا للمادة 4 من التعليمات الرسمية، والمادة 7 من قانون المحكمة الجنائية الدولية، فان ما سبق يُعدُ– برأي د. سعاد العزاوي- جريمة ضد الانسانية نتيجة لتأثيراته الصحية الضارة التي لا تميز بين المدنيين والعسكريين، والتي تستمر أضرارها لفترات طويلة بعد الانتهاء من العمليات العسكرية [53].

وإستكمالآ لمواقفها الصلفةحظرت الحكومة البريطانية على قادة الجيش الرد على نتائج التحقيق بشأن حرب العراق، ومنعتهم من إبداء وجهات نظرهم الخاصة للجنود والبحارة والطيارين. وبحسب أوامر الاتصالات التي اطلعت عليها "ديلي تلغراف" مُنعت المقابلات مع القادة، وقدمت إليهم الحكومة توجيهات متفق عليها لتمريرها إلى الجنود [54].

وقامت الحكومة البريطانية بسحب تمويلها لشركة المحاماة البريطانيّة Public Interest Lawyers التي ثبتت وقائع عن جرائم تعذيب وقتل خارج القانون جرت على يد جنود بريطانيين وطاولت مواطنين عراقيّين!

وأعلنت الحكومة البريطانية عن نيتها إلغاء ملف التحقيق في جرائم الجنود البريطانيين بحق آلاف المواطنين العراقيين، وفعلآ أوقفت التحقيق الذي يقوم به "فريق التحقيق في الإنتهاكات في العراق" (IHAT)، الذي شكّلته وزارة الدفاع في عام 2010 للتحقيق في دعاوى سوء معاملة مدنيين عراقيين على أيدي أفراد القوات المسلحة البريطانية خلال الفترة من نيسان 2003 إلى تموز 2009. وقد نظر الفريق بالفعل في ما لا يقل عن 1515 قضية لضحايا الإنتهاكات، منها 1235 اتهاماً بانتهاك حقوق مواطنين ومواطنات عراقيات، بينها اتهامات بالتعذيب والاغتصاب، ونحو 280 دعوى بالقتل خارج إطار القانون. وأعرب مسؤولها الشرطي السابق مارك وارويك لصحيفة "الإندبندنت" في كانون الثاني 2016 عن إعتقاده بأنه "ستكون هناك أدلة كافية لتبرير توجيه اتهامات جنائية.. هناك إدعاءات جادة يحقق فيها الفريق تتضمن القتل.. وأشعر أنه تم جمع أدلة كافية لتقديم قضية قوية أمام هيئة الادعاء لبدء المحاكمة وتوجيه الاتهامات". وأكد وارويك لصحيفة Business Insider البريطانية أنه "قد تتم مقاضاة القوات البريطانية التي قاتلت في العراق خلال الحرب بين 2003 و2011 بتهم ارتكاب جرائم حرب"، مضيفاً أن هناك "الكثير من القضايا المهمة التي تستوجب المناقشة حول ما إذا كانت تُصنّف ضمن إطار جرائم الحرب". وقد أجبرت الصور المنقولة عن الجنود أنفسهم أو شهاداتهم المباشرة وزارة الدفاع على الموافقة على التحقيق والتعاون معه، بعدما انتقدتها محكمة بريطانية لعدم كشفها عن وثائق تفيد بعلم الوزارة بالشكاوى التي تلقتها بهذا الصدد وقت حدوثها.

وكان من المقرر أن يختتم الفريق المكلّف تحقيقاته بنهاية عام 2019، أي بعد 10 أعوام من إنسحاب آخر القوات القتالية البريطانية من العراق. ولم يسفر عمله لليوم عن أية توصيات بمحاكمات، ويواجه انتقادات من حقوقيين جراء تحركه ببطء. غير أن الحكومة البريطانية إستغلت مخالفة قام بها أحد أعضاء الفريق لتعتبر عمل الفريق "ألحق الأذى بسمعة الجيش البريطاني". وبهذه الذريعة أعلن وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون في 11 شباط الماضي بأن بلاده "عازمة على وقف التحقيق في جرائم جنود بريطانيين بحق مواطنين عراقيين، خلال مشاركتهم بحرب العراق عام 2003، وستجري احالة 20 ملفاً فقط إلى شرطة البحرية البريطانية".,أما مئات القضايا، التي رفعها ضحايا من المدنيين العراقيين، والتي ستترك من دون حل، فهي ليست مهمة بالنسبة لحماة العسكريين من مرتكبي الجرائم.

إنتقدت منظمة العفو الدولية القرار على الفور، معتبرة، بحق، ان الانتهاكات المقترفة في العراق "ينبغي عدم نسيانها". كما انتقدت احالة 20 ملفاً فقط إلى شرطة البحرية البريطانية. وقالت المنظمة في بيان لها "ان سمعة الجيش البريطاني على المحك، وأي مزاعم ذات صدقية بشأن انتهاكات لحقوق الانسان من قبل القوات البريطانية في العراق وافغانستان يجب أن تخضع لتحقيق مستقل من جهاز مستقل عن الجيش". وأشارت المنظمة إلى أن "القوات البريطانية ارتكبت اموراً فظيعة في سجونها".

وفي تشرين الثاني 2016 أعلنت الحكومة البريطانية بكل وقاحة نيتها التنصل من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان في مدة الحرب، لتمكين عسكرييها من تفادي "ملاحقات تعسفية"، الأمر الذي ندّدت به منظمات الدفاع عن حقوق الانسان. وعلّق الناشط المدني د. كاظم الموسوي: "مهما كانت العراقيل ومحاولات التأجيل، وهي حالة بريطانية بيروقراطية بامتياز، فلن تتقادم الجرائم وستظل تلاحق مرتكبيها ورؤسائهم الذين دفعوهم لارتكابها، كما وتظل سبابات الضحايا مرفوعة ودماؤهم ملطخة جباه قادة الاجرام ومجرمي الحرب الرئيسيين" [55].

مفارقة عراقية ليست مستغربة

مفارقة عراقية أخرى مؤلمة.ففي الوقت الذي هزت فيه نتائج التحقيق البريطاني عن حرب العراق حال نشرها الضمائر الحية للبريطانيين وغير البريطانيين في أرجاء العالم، وطالبوا بتحرك رسمي عراقي عاجل أمام المحكمة الجنائية الدولية، مبدين عزمهم دعمه إنصافاً للضحايا.. لم تهتز ضمائر المسؤولين المتنفذين في العراق، حتى اليوم، وكأن الموضوع لا يعنيهم، وليس من واجبهم المطالبة بحقوق الضحايا العراقيين.

فلماذا ولمصلحة مَن مواصلة السكوت طيلة ثلاثة أعوام كاملة ؟

نعيد ما كتبناه قبل عامين: مثل هذا الموقف ليس جديداً ولا مستغرباً وهو يؤكد مرة أخرى ان من ساهم في تدمير العراق وتحطيم شعبه لا تهمه حقوق الضحايا الأبرياء من أبناء وبنات الشعب العراقي ![56] ..

ان ما تضمنه تقرير اللجنة، الذي صدر قبل 3 أعوام، من معلومات وحقائق تدعو كل مسؤول شريف، وكل عراقي مخلص، وكافة منظمات المجتمع المدني الحريصة، للضغط على الحكومة العراقية، والسلطتين التشريعية والقضائية، والتحرك والعمل المشترك والفعال، بكل قوّة، أمام «المحكمة الجنائيّة الدوليّة»، بالإستناد الى معطيات تقرير «لجنة تشيلكوت» وغيرها، التي أبطلت مبررات الغزو والأحتلال، للمطالبة بكافة حقوق ضحايا غزو العراق، خصوصاً ما اتّصل منها بإستخدام ذخائر اليورانيوم وتداعيات إستخدامها للمرة الثانية في العراق..

 

د. كاظم المقدادي

ستوكهولم، 22/ 7/ 2019

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن ثورة 23 يوليو ودورها في تحرير مصر من الاحتلال، وفي هذا المقال نتساءل سؤال آخر : ما أهداف تنظيم الضباط الأحرار؟

كان الهدف الأساسي هو تحرير مصر من الاحتلال، كما كان هذا هو الهدف الأساسي الذي تركزت عليه أفكار الضباط الوطنيين، إلا أنه نتيجة تعرض الجيش المصري منذ بداية الأربعينات لعدة عوامل سياسية جعلت ضباطه الوطنيين؛  وخاصة من جيل الشباب يلجأ إلي العمل السياسي، وهذه المؤثرات هي : معاهدة 1936 التي لم تؤد إلي استقلال حقيقي للبلاد، وحادث 4 فبراير 1942 الذي أرغمت فيه الدبابات البريطانية الملك فاروق أن يعهد بتشكيل الوزارة لمصطفي النحاس بدلاً من "حسين سري"، ويعد ذلك عدواناً علي استقلال مصر، مما جعل الضباط يشعرون أن كرامتهم قد أهينت، فعقدوا عدة اجتماعات لبحث الموقف واتجهت ميولهم لكل من يعادي الاحتلال الإنجليزي،  سواء من اليمين الإسلامي، مثل جماعة الإخوان المسلمين، أو اليسار الإسلامي، مثل حزب مصر الفتاة .

علاوة علي أن هزيمة الجيش في فلسطين وفضائح النظام الملكي كانا يمثلان سبباً مؤثراً في لجوء الضباط الأحرار للعمل السياسي ؛ نعم لقد كان لتلك الهزيمة وكذلك فضائح الملك في لجوء الضباط الأحرار إلي العمل علي خلق رابطة فكرية بين الضباط، كما كانت الأساس الذي بني عليه البكباشي جمال عبد الناصر تنظيم الضباط الحرار في سبتمبر 1949، واستطاع أن يضم إليه الضباط الوطنيين، الذين آمنو بأن خطورة المستعمر لا تكمن في جيوشه، وإنما في العملاء الذين ارتبطت مصالحهم ببقائه وعلي رأسهم الملك، ولذلك كانت خطة الضباط الأحرار انتزاع ولاء الجيش للملك ليكون ولاء الجيش للشعب؛ وقد عبر عبد الناصر عن ذلك بقوله " كنا نحن الشبح الذي يؤرق به الطاغية أحلام الشعب وقد آن لهذا الشبح أن يتحول إلي الطاغية ليبدد أحلامه هو "...وكنا نقول غير هذا كثيراً، ولكن الأهم من كنا ما نقوله أننا كنا نشعر شعوراً يمتد إلي أعماق وجودنا بأن الواجب واجبنا، وأننا إذا لم نقم به فإننا نكون قد تخلينا عن أمانة مقدسة نيط بنا حملها ...ذلك أن الحال الذي ساد بعد ثورة 1919، والذي حدد دوره في الصراع الكبير لتحرير الوطن.

وكلام عبد الناصر لم يأتي من فراغ، وإنما جاء من خلال تأثر الضباط الأحرار أثناء إعدادهم لحركة الجيش في 23 يوليو 1952 بما كان يدور حولهم في الحياة السياسية، وبما تعرضوا له أثناء حرب فلسطين عام 1948، وقد ظهر ذلك واضحاً في منشوراتهم، وفي أهدافهم الستة التي تبلورت حولها أفكارهم ؛ فقد تركزت المنشورات التي كانت تورع علي ضباط الجيش، في المكاتب أو بالبريد، علي مهاجمة الاستعمار وأعوانه، ومثال ذلك هذه الفقرات الذي نقتطعها من منشور صدر عقب حريق القاهرة يوم 26 يناير (كانون الثاني) 1952 جاء فيه : إن الخونة المصريون يعتمدون عليكم وعلي جيشكم لتنفيذ أهدافهم. وهم يظنوكم أداة طيعة في أيدهم للبطش بالشعب وارغامه علي قبول ما يكره .. فليفعم هؤلاء الخونة . إن مهنة الجيش هي الحصول علي استقلال البلاد وصيانته .. وأن وجود الجيش في شوارع القاهرة، إنما هو لإحباط قرارات الخونة التي تهدف إلي التدمير والتخريب.. ولكننا لا نقبل ضرب الشعب ... ولن نطلق رصاصة واحدة علي مظاهرة شعبية ... ولن نقبض علي  الوطنيين المخلصين ... يجب أن يفهم الجميع أننا مع الشعب الآن ... ومع الشعب دائما ... ولن نستجيب إلا لنداء الوطن .

ومن منشور آخر صدر أثناء وزارة أحمد نجيب الهلالي (باشا) جاء ما يلي : توالت مؤامرات الاستعمار الأنجلو امريكي، في الفترة الأخيرة في مصر، لمحاولة القضاء علي الحركة الوطنية، ولصرف أنظار الشعب عن الكفاح المسلح ضد الاستعمار في القناة إلي مشاكل داخلية في القاهرة ... ثم مضي المنشور يفسر ذلك إلي أن انتهي بالقول : إن ما أهداف الضباط الأحرار الكفاح ضد الفساد وضد الرشو والمحسوبية واستقلال النفوذ.. ولكن يجب ألا نتجه إلي ذلك إلا بعد القضاء علي الاستعمار.

هكذا كانت منشورات الضباط الأحرار تحمل هم تحرير مصر من الاستعمار والاحتلال البريطاني، باعتباره القضية الرئيسية التي يمكن بعدها إصلاح المجتمع . ولم تنطلق أفكار الضباط الأحرار إلي بعد ذلك . ولم تتحدث عن القومية العربية . ولم تشر إلي حيوية التضامن العربي . وجاءت الاهداف الستة بمثابة برنامج عام يطلب القضاء علي ثلاثة: الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين، والاقطاع، والاحتكار وسيطرة رأس المال علي الحكم؛ والعمل علي اقامة ثلاثة : عدالة اجتماعية، وجيش وطني قوي، وحياة ديمقراطية سليمة . ولا شيء عن القومية العربية أو الكفاح المشترك ضد الاستعمار.

وبعد أن تم تشكيل هذا التنظيم أراد جمال عبد الناصر أن يقيس قوة التنظيم فبدأ يدخل وبدأت تتجه الأنظار بدخول نادي الضباط بالزمالك الانتخابات لقياس مدي قوتهم وبالفعل كانت هذه الانتخابات تمثل صراعاً بين الضباط الوطنيين، وبين قادة الجيش من عملاء القصر، وعلي رأسهم حسين سري عامر، الذي عينه الملك مديراً لسلاح الحدود بدلا من اللواء محمد نجيب الذي عين قائدا لسلاح المشاة، وهنا قرر الضباط الأحرار خوض معركة الانتخابات، لاختبار مدي قوة تنظيمهم وتأثيره علي ضباط الجيش، لذلك اختاروا اللواء محمد نجيب لترشحه لرئاسة مجلس إدارة نادي الضباط، كما وضعوا اسمه علي قائمة مرشحي الضباط الأحرار، وذلك عندما قاموا بتوزيع يوم 31 ديسمبر عام 1951  بسينما العباسية وذلك عندما اجتمع فيها حوالي 455 ضابط، وهذه الانتخابات أثارت الرأي العام في داخل الجيش وخارجه، حيث لم يكن صراعاً فقط بين محمد نجيب وحسين سري عامر؛ لا وإنما كان صراعاً بين الملك والضباط الأحرار، فالذي يمثل الملك هنا "حسين سري عامر" ؛ أما الذي كان مثل الضباط الأحرار "محمد نجيب"، وفوزه يمثل فوز الضباط الأحرار والعكس صحيح .

ومن هنا كانت الانتخابات شديدة، وقد أسفرت نتيجة الانتخابات عن فوز اللواء محمد نجيب وفوز قائمة الضباط الأحرار، وكان هذا أول انتصار يحققه تنظيم الضباط الأحرار، وبسبب إصرار الملك فاروق علي ضرورة تمثيل سلاح الحدود بعضو في مجلس الإدارة عقدت الجمعية العمومية للضباط اجتماعا مساء يوم 16 يونيو 1952 في حديقة نادي الضباط الأحرار بالزمالك، ويعد أخطر اجتماع عسكري منذ الثورة العرابية ؛ حيث ما قيل فيه يدل علي أن الملك فقد سيطرته علي الجيش، حيث رفضت الجمعية العمومية أن يمثل سلاح الحدود (موالي الملك) في مجلس إدارة النادي، وبذلك خرجت الثورة من الإطار السري إلي حيز العلانية.

وهناك أسباب مباشرة أدت إلي ثورة 23 يوليو 1952 ؛ حيث كما هو معروف أن تنظيم الضباط الحرار تم تشكيله في سبتمبر 1949 وبعد تشكيل التنظيم تم تحديد ميعاد للثورة  عام 1955 . والسؤال لماذا تم اختيار هذا الميعاد لإشعال الثورة ؟

وذلك حتي يستكمل تنظيم الضباط الأحرار بناء هياكله وهذا ليس سهلا حيث وجود أجهزة متعددة للأمن، مثل المخابرات الحربية والبوليس السياسي إلي جانب المخابرات البريطانية والأمريكية . ولكن بسبب حريق القاهرة في 26 يناير 1952 فكر الضباط الأحرار في تقديم ميعاد الثورة 3 سنوات، واختير شهر نوفمبر 1952 موعدا لقيامها، خاصة بعد أن أجبرت حالة الفوضى التي أعقبت حريق القاهرة الملك علي تشكيل أربع وزرات كان رؤساؤها من المستقلين، آخرها وزارة أحمد نجيب الهلالي، ولم تعمر فلم يكد يمضي علي تشكيلها سوي بضع ساعات، حتي قامت الثورة وأذيع بيانها الساعة السابعة والنصف صباحا باسم اللواء محمد نجيب .

وهنا نتساءل : ما العوامل التي عجلت بقيام الثورة قبل أربع شهور؟  لقد عجلت تصرفات الملك فاروق قيام الثورة قبل الاتفاق المعلن عنها في نوفمبر لتكون في يوليو؛ أي قبل أربع شهور والسبب هو إصدار الفريق محمد حيدر القائد العام للقوات المسلحة، وذلك إرضاء للملك قراراً بحل مجلس إدارة نادي الضباط في 16 يوليو 1952 وإعادة الانتخابات. كما وصل إلي أسماع الضباط الأحرار بأن أجهزة الأمن الخاصة بالملك توصلت إلي معرفة 12 ضابطا من بينهم أعضاء لجنة التنظيم، وأنه تم تعيين اللواء إسماعيل بك شيرين وزيرا للحربية لاعتقالهم أو طردهم من الخدمة، ولذلك قرر الضباط أن تكون ليلة 23 يوليو موعداً لقيام الثورة، وذلك حتي لا يتم القبض عليهم بل يتم القبض علي الوزارة الجديدة، وهي وزارة نجيب الهلالي بمن فيها وزير الحربية إسماعيل "بك شيرين"، وبالتالي قامت الثورة في صباح 23 يوليو، وليتخيل عزيزي القارئ لو أن هؤلاء الضباط قد تأخروا ماذا يحدث !! الذي يحدث أنه سيتم القبض عليهم .

وننتقل للحديث عن خطة الثورة، في يوم 22 يوليو 1952 وكان هذا اليوم يوم الثلاثاء الساعة الثالثة بعد الظهر، اجتمع الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر لمناقشة المرحلة الأولي من الخطة والتي تبدأ الساعة الواحدة صباحا وذلك علي النحو التالي، حيث يقوم الفريق الأول من الوحدات المشتركة في الثورة بالتحرك لغلق مداخل القاهرة الشرقية والشمالية وكل الطرق المؤدية إلي المعسكرات وإلي رئاسة الجيش في كوبري القبة . وأما الفريق الثاني من الوحدات فيقوم باحتلال دار الإذاعة والاستوديوهات التابعة لها في شارع الشريفين وشارع علوي، وذلك لإذاعة البيان الأول للثورة الساعة السابعة صباحا . ثم تقوم المجموعة الثالثة من الوحدات مكونة من مجموعة من الضباط القيام بعمليات واسعة لاعتقال كبار قادة الجيش والطيران، وهم في منازلهم لضمان عدم ذهابهم إلي وحداتهم، ومنعهم من إصدار أي أوامر لتحريك أي قوات عسكرية لتتصدي الثورة .

وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليأمة أتت في فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام، لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخري، أو بمعجزات أمة يزعمون أنها ميتة منذ قرون ويرون قلبها العظيم البارز نحو السماء من بين رمال الجيزة، لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش إلي الأبد ".

ولقد كان "توفيق الحكيم" صادقاً في التعبير عن خلود وتجدد روح الأمة المصرية، عندما كتب عبارته الأسطورية تعبيراً عن اندلاع الثورة الديمقراطية الشعبية- ثورة 1919 - في روايته الرائدة عن أسطورة البعث " عودة الروح"، والتي صدرت عام 1935، وقرأها جيل الأربعينات المجيد الذي مهد لثورة الضباط الحرار في 1952، وفي طليعتهم مؤسسها وزعيمها جمال عبد الناصر باعترافه، وهو طالب بالكلية الحربية فظل يمجد طوال حياته توفيق الحكيم الذي أهداه قلادة النيل أعلي وسام في الجمهورية.

وهنا يصعب علي المرء أن يتحدث حديثاً موضوعياً، عن ثورة يوليو في ظل رياح الخماسين  الفكرية والإعلامية التي تزيغ الأبصار وتخدع العقول وتضلل الأفهام، كلما جاءت مناسبة لذكر ثورة يوليو ؛ لكنني من المؤمنين أن " التقية" هنا لا تنفع، فهي إن كانت صالحة للوقاية الذاتية، إلا أنها غير صالحة في مواجهة حركة التاريخ، التي تنظر للأحداث الكبرى والتطورات الأساسية، بمنظار أوسع وأعمق، من منظار الأفراد الذين تشدهم عوامل المصلحة، أو أحاسيس الحب والكراهية، أو عواطف التأييد والمعارضة، أو حملات الدعاية والإعلام.

في هذا الإطار نبدأ بالتوقف أمام الأبعاد الحقيقية لثورة 23 يوليو، حيث نتناولها جزئية جزئية بداية من أول أسبابها أو العوامل التي أدت إلي قيامها حتي آخر شئ من إنجازاتها ووفاة جمال عبد الناصر.

نبدأ بعوامل قيامها، حيث توجد عدة عوامل مجتمعة في سبعة عوامل منها : استمرار الاحتلال البريطاني، وحرب فلسطين 1948، وفساد الوضع السياسي في مصر، وسوء حاشية الملك، انحدار سمعة الملك فاروق في مصر والخارج، والأسلحة الفاسدة، سوء توزيع ملكية الأراضي وسيطرة الإقطاع والرأسمالية.

وبالنسبة للعامل الأول وهو يعد من أشهر العوامل التي أدت للثورة؛ حيث يعول علي أن الاحتلال الإنجليزي ما زال موجودا رغم وجود معاهدة تسمي معاهدة 1936م، ولكن أثبتت الأحداث أن معاهدة 1936 لم تحقق الاستقلال، وذلك لأن : جيش مصر ظل مرابطاَ علي الأراضي المصرية، وسياسة مصر يديرها المندوب السامي منذ الاحتلال 1982، وذلك برغم تغيير اسمه من المندوب السامي إلي السفير البريطاني، والحكومة البريطانية تفرض سيطرتها علي الجيش، بالرغم من تمصيره عقب معاهدة 1936، والتخلص من قائده الإنجليزي "سفنكس باشا"، إلا أنها أرسلت بعثتها العسكرية بحجة تحديث الجيش المصري، بينما كانت مهمتها هي العمل عل استمرار صفعه حتي لا يصبح خطرا علي جيش الاحتلال .

من الواضح إذن من النقاط الثلاثة هي أن معاهدة 1936 فعلا لم تحقق الاستقلال؛ فالجيش الإنجليزية ظل موجوداً بمصر، وأن سياسة مصر لا يزال يديرها المندوب السامي البريطاني رغم تغيير اسمه والحكومة البريطانية تفرض سيطرتها علي الجيش المصري .

وإذا انتقلنا إلي النقطة الثانية من العوامل،  وهي حرب فلسطين سنة 1948، إذ من الملاحظ أنه قد أدت تلك الحرب إلي إثارة السخط في نفوس الضباط المصريين، حيث أرسل الملك فاروق جيش مصر إلي فلسطين لتحريرها من اليهود لكنه أرسله للأسف ليحارب بدون استعدادات وبلا أسلحة لكي يلقي الهزيمة، وأكبر تعبير عن نفسه الجيش المصري في فلسطين مقولة الشهيد أحمد عبد العزيز بأن "ميدان الجهاد الحقيقي في مصر " ؛ أي كأن لسان حاله أننا نحارب في فلسطين خطأ،بينما ميدان المعركة الحقيقي في مصر لمحاربة الملك الفاسد والاحتلال الموجود في مصر، فتحرير فلسطين يبدا من تحرير مصر . وهنا نجد أنه بعد عودة الجيش سنة 1949 من حرب فلسطين بدأ يظهر ما يسمي بتنظيم الضباط الأحرار في الجيش المصري بزعامة اللواء محمد نجيب وقيادة البكباشي جمال عبد الناصر.

أما العامل الثالث ويتمثل في فساد الوضع السياسي في مصر؛ حيث بلغ الوضع في مصر أقصي درجات الانحلال والفساد خاصة في الربع الأخير من عهد الملك، والسبب يعود إلي بطش الاحتلال واستبداد الملك وفساد الأحزاب، والتصارع للوصول إلي الحكم. وكذلك سوء حاشية الملك والتي كانت وصمة عار في جبين حكمه، حيث أساءوا التصرف واستعلوا نفوذهم للثراء غير المشروع، وسيطروا علي الشركات ودوائر المال حتي أصبح نفوذهم أقوي من نفوذ الوزراء. فاستغلوا نفوذهم ليزدادوا ثراء وغني بطرق غير مشروعه وبطرق غير قانونية لدرجة سيطروا علي شركات ودوائر المال أصبح لهم نفوذ قوي أقوي من نفوذ الوزراء . كذلك النقطة الخامسة وهي انحدار سمعة الملك فاروق في مصر حيث تناقل الناس أنباء نزواته بالداخل وانحدار سمعته أثناء رحلاته في الخارج .

وأما العامل السادس والخاص بالأسلحة الفاسدة وهي من أشهر القضايا التي ارتبطت بحوادث جسيمة في تاريخ مصر، أهمها هزيمة مصر في حرب فلسطين عام 1948 م و قيام ثورة يوليو عام 1952 م. ؛ حيث يعد هذا العامل من الأسباب الرئيسية للثورة، حيث أثبتت تحقيقات النيابة العامة النيابة العامة اشتراك بعض رجال حاشية الملك فاروق في صفقات تلك الأسلحة ؛ حيث كانت قد تفجرت القضية في أوائل عام 1950 م بسبب تقرير ديوان المحاسبة مثل الجهاز المركزي للمحاسبات الآن الذي ورد فيه مخالفات مالية جسيمة شابت صفقات أسلحة للجيش تمت في عامي 1948 و 1949 م.

ولما حاولت الحكومة برئاسة مصطفي النحاس الضغط علي رئيس الديوان لحذف ما يتعلق بهذه المخالفات من التقرير، رفض وقدم استقالته، فقدم النائب البرلماني مصطفي مرعي من المعارضة استجواب للحكومة عن أسباب الاستقالة وفضح في جلسة مجلس الشعب يوم 29 مايو 1950 للمجلس المخالفات الجسيمة التي شابت صفقات الأسلحة. و للأسف استخدمت الحكومة الوفدية برئاسة مصطفي النحاس و الملك فاروق كل الوسائل المشروعة و غير المشروعة لإسكات أصوات المعارضة التي أرادت فتح ملفات القضية للوصول إلي المتورطين فيها. و يرجع الفضل إلي احسان عبد القدوس و مجلته روزاليوسف أن أوصلت أخبار هذه الصفقات المشبوهة إلي الرأي العام الذي هاله مبلغ الفساد الذي استشري في كل شئ حتي وصل إلي المتاجرة بدماء جنود مصر في أرض المعركة. ونجحت روزليوسف في تكوين ضغط شعبي كبير اضطر معه وزير الحربية مصطفي نصرت في ذلك الوقت أن يقدم بلاغ للنائب العام لفتح تحقيق فيما نشر بصحيفة روزليوسف عدد رقم 149 بتاريخ 20 يونيو 1950م عن صفقات الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين .

أما أخر جزئية من العوامل وهو سوء توزيع الملكية بسبب سيطرة الإقطاع والرأسمالية علي الحكم، حث يمثل الإقطاع ظاهرة خطيرة جدا قبل الثورة، حيث أدي إلي خلل واضح في توزيع الأراضي الزراعية حيث كان هناك : 12 ألف فرد يمتلكون ثلث الأراضي الزراعية، في حين يمتلك حوالي 3 ملايين فرد ثلثي هذه الأراضي، و27 مالكا من الأسرة المالكة يمتلكون وحدهم 143 ألف فدان والأغلبية من الفلاحين معدومين، ولم يكن هناك قوانين تحمي حقوق العمال أو قوانين للمعاشات أو التأمينات، وكان كبار الرأسماليين يستنزفون جهد العمال وعرقهم.

والسؤال الآن: من الذين يقومون بالثورة، الذين يقومون بالثورة فئة الضباط الأحرار، وبالتالي فهم الذين سيخضون غمار العمل السياسي، ولكن كيف ذلك وقوانين الجيش تمنع ؟ لذلك رأي الضباط الأحرار العمل السياسي داخل الجيش لا بد أن يكون ذو طابعا سريا، حتي لا يقع الذين يمارسونه تحت طائلة القانون. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

مصطفى محمد غريبفصل الدين عن الدولة: لم تكن تجربة فصل الدين عن الدولة ظاهرة غريبة أو بداية للسير بها في العالم فهناك العشرات من الدول منفصلة عن الدين، من جانب آخر مازالت العديد من حكوماته عبر الأحزاب والتنظيمات السياسية الدينية ومؤسساته ومرجعياته الدينية تتمسك به كحق إلهي مقدس تحت طائلة واحدة عدم ضياع الدولة ومؤسساتها من يدها وابتعادها عن القرارات السياسية ولم تحصر الدين ومؤسساته بدور العبادة في قضايا الإيمان الروحي بل جعلته مرجعاً شرعياً تستمد البعض من التشريعات لإدارة الدولة فقط دون التطبيق  العملي.

ومن اجل معرفة الأمر أكثر وإضافة للفائدة أكثر ضرورة الإطلاع على تجربة العديد من بلدان أوربا وأمريكا وغيرها في هذا المضمار، فتحرير الدولة من الدين هو تحرير الدين من الدولة يجعل النضال ضد الاستغلال الطبقي والمفاهيم الرجعية والظلامية وتحرير العقل من الترهات والأراجيف أكثر وضوحاً بدون التهديد بالعقاب الإلهي وبجهنم الكبرى، وسوف يتحرر عشرات لا بل مئات الملايين من الخوف ومن قدسية الدولة الإلهي كما هو الحال في دور الكنيسة السابق أو الدول التي تديرها المؤسسة الدينية وممثليها، بان الدولة لا تمثل الله كما هي الكنيسة أو الجامع ودور العبادة الأخرى، فدور العبادة والمرجعيات الدينية سيكون لها واجب مهم في تغذية التعاليم الدينية السمحة البعيدة عن التطرف والإرهاب كما حدث في أماكن عديدة ومختلفة في مكوناتها الدينية والمذهبية، ودلت التجربة التي مر بها العالم مع الإرهاب الديني المتطرف وآخرها ما حدث في أفغانستان وطلبان  والدول التي تأسست على أسس دينية وطائفية، ثم تجربة " منظمة القاعدة ودولة داعش الإرهابيتين" في سوريا والعراق، وعندما نخص العراق أكثر لأنه مازال يعاني من الإرهاب والتطرف الديني والطائفي الذي زرعته الميليشيات الطائفية والفكر الظلامي المعادي للحريات والديمقراطية والدولة المدنية ويحتاج إلى نضال مضني للتخلص من المحاصصة البغيضة والطائفية التي برزت أكثر من السابق أبان السنوات ما بعد الاحتلال وسقوط النظام الدكتاتوري .

ولهذا نجد أن لـ " رابعاً في القسم الثاني" أن أحزاب الإسلام السياسي وفي مقدمتها الشيعية  ستعجز عن إقامة الدولة الدينية لأسباب داخلية وخارجية ولا يكفي الوعي الوطني بمفرده الذي يرفض مزج الدين بالسياسة والدولة، فرفض مشروع الدولة الدينية المتطرف لأنه يعتمد على التخلف ونشر الأوهام والترهات التي تخدع المواطن وتبعده حتى عن دينه والعودة به للخلف بعد التطورات العلمية والتكنولوجية الكبيرة التي حدثت في العالم وبخاصة المشروع لا يصاحبه وعي اجتماعي متنور وإبعاد المواطن عن واقعه وما يحيط به من استغلال واضطهاد وتعسف بمجرد ربط ذلك بالمرجعيات والأئمة فمثلاً شهدنا اعتراض احد المعممين على مظاهرات البصرة وطالبهم أن يخرجوا لإلغاء " راس المنصور في بغداد أو تبديل اسم منطقة الزبير في البصرة ...الخ" ولسنا بذكر أسماء عديدة تطالب المتظاهرين " بالكف عن المظاهرات وعدم خروجهم حول الكهرباء " والخدمات الأخرى ، ولا يمكن تحقيق ونجاح مشروعها الديني وان اعتمد البعض منها على الطائفية كتصريحات  نوري المالكي وتصريحات وتصرفات البعض من قادة التحالف الشيعي" وتوجهات المالكي أثناء توليه منصب رئيس الوزراء " وهذا الأمر انعكس على أحزاب الإسلام السياسي في تونس ومصر بالدرجة الأولى ثم البلدان التي قد تنتهج النهج نفسه إضافة إلى الفشل في السودان والتوجهات في الجزائر ، أما قضية استمرار صعود الإسلام السياسي في الانتخابات التشريعية  فهي محكومة بشروط ذكرنا البعض منها، كما تقع على عاتق القوى التقدمية والاشتراكية واليسارية وحتى الليبرالية مهمات عديدة في مقدمتها التعاون فيما بينها لقيام جبهة معتدلة تؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ووفق نقاط مشتركة تقف بالضد من محاولات الهيمنة والتفرد ثم إيجاد آليات أكثر نفعاً للاتصال بالجماهير الشعبية المغررة لرفع وعيها الوطني والاجتماعي والسياسي والانتخابي ثم  تجديد خطابها السياسي  ووضع شعارات واقعية تحظي باهتمام الجماهير وبخاصة تلك الشعارات التي تلامس حياتها المعيشية والاقتصادية، وبدورنا نقر بحقيقة  تاريخية لا يمكن إنكار دور البعض من رجال الدين ومفكريه في قضايا التنوير الوطني والاجتماعي والسياسي ومحاولات العديد منهم الخروج من تسييس الدين وفصله عن الدولة لكن ظلت بحدود معينة بسبب المرجعيات الدينية التي أبقت على التعاليم اللازمة السماوية والمصالح الدنيوية حسب اجتهادها وآراء القيمين على المرجعيات، وكما يبدو إرضاء ولاة النعمة والجاه من الأغنياء المستفيدين من هذه التفرقة وغياب وعي المواطن..

ومن المهمات الأساسية التي يجب النضال من أجلها فصل الدين عن السياسة والدولة ومن منطلق واضح عدم استغلال المرجعيات الدينية والدين وما جاء في أصول الشريعة قبل وأثناء الانتخابات للقفز على السلطة ثم الدولة برمتها مثلما حدث في أول انتخابات تشريعية في العراق ثم ما تلتها من انتخابات أخرى، مما يؤدي إلى  تناقض كبير بين بناء الدولة المدنية وبين التوجهات الدينية السياسية وقد تبرز الطائفية في هذا المضمار واستخدامها في الصراع مثلما هو الحال في العراق أو أي دولة أخرى.

وتبقى آفاق عملية صعود  الإسلام السياسي  وأحزابه محكومة بالظروف لكل بلد من البلدان وبخاصة محدودية تنفيذها لقضايا الجماهير ومطالبها المشروعة،  كما أن العامل الذاتي للقوى الوطنية والديمقراطية وتوسع نفوذه والتفاف الجماهير حوله سوف يساهم بتقوية فرص هذا التيار وبالنتيجة ستنحسر تدريجياً تأثيرات أحزاب الإسلام السياسي والنهج المتطرف لا بل ستجد نفسها مضطرة إلى توافقات فيما يخص برامجها وقبولها بتبادل السلطة سلمياً وهو نجاح كبير للعملية الديمقراطية للتخلص من المفهوم الدكتاتوري لقيادة الدولة والمجتمع،  وتقع على عاتق القوى الوطنية والديمقراطية مهمات النشاط الجماهيري ومدى تأثيرها ونشر برامجها ونشاطها بين الجماهير، وبالتأكيد أن الجماهير ستعرف آجلاً أم عاجلاً أنها أمام حالة مماثلة للماضي ومن هذا المنطلق  ستجري مقارنات على ارض الواقع  مع بلورة الوعي الاجتماعي وفق الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعندما تدرك الجماهير أن أحزاب الإسلام السياسي عاجزة عن تحقيق مطالبها الأولية في قضايا ذات اهتمام مشترك وفي مقدمتها القضايا المعيشية والبطالة والفقر والخدمات والاستقرار الأمني وتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية فذلك من أوليات إيقاف صعود الإسلام السياسي بمفهومه التسلطي لقيادة الدولة.

إن المنعطف التاريخي الذي تجلى بعد فترة من الغموض النسبي  والذي أحدث تساؤلات عديدة عن إمكانية الشعوب والذي لم يتوقعها البعض من الذين كانوا يؤمنون بقدراتها السلمية واستمرارها على التحدي مهما كانت التضحيات وقد أدى هذا المنعطف التاريخي بالنتيجة إلى تغييرات عميقة وتحولات نحو آفاق جديدة من العمل للدفاع عن الحقوق المشروعة وبالذات الحريات العامة والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع، ولم تعد الوعود والخطاب الديني المبني على التهديد بضرورة الاختيار " ما بين الدنيا والآخرة " كمنطلق للتنازل عن الحقوق المدنية والوقوف ضد الاستغلال والفساد الذي يبرر أحياناً بشعار " الذي مكتوب على الجبين لا بد أن تراه العين " أو "لا تفكر لها مدبر" وغيرها من التهديدات والوعود المبنية على التمنيات الخيالية لتحقيق مآرب وأهداف القوى التي تستغل الدين أسوء استغلال ومن خلاله وخلال البعض من المرجعيات الدينية تهيمن على وعي الجماهير لحرفها عن نضالها وصراعها من حياة أفضل وحريات أوسع .

إن التجربة العراقية تعد من التجارب القيمة التي وضعت حداً ما بين الواقع ومتطلبات القوى المتنورة وبين قوى الظلام التي تلبس عباءة التقدم لاستغلال الدين والطائفية، وهي تجربة لا يمكن تجاوز نتائجها وما آلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية جراء نهج المحاصصة الطائفي والقومي الضيق الذي كان من أهم أهدافه قيام الدولة الدينية المستبدة بدلاً من الدولة المدنية الديمقراطية، كما أن التجربة عملت وكشفت في الوقت نفسه كمية وحجم الفساد الذي صاحب توجهات البعض من أحزاب الإسلام السياسي والفشل الذريع من إعادة بناء البلاد والتخلص من تركة الماضي وحل المشاكل الآنية التي تجابه الجماهير الشعبية الفقيرة والكادحة

 

مصطفى محمد غريب

 

 

جوتيار تمرنشرت الصحفية راشيل نوير مقالا بعنوان لماذا توجد حكومات فاشلة في عالمنا اليوم؟، وذكرت في مقدمة مقالها ان المجتمعات الكبرى لاتنهض ولاتستقر من دون حكومة، حتى لو كانت هذه الحكومة عاجزة عن تحقيق تطلعات الشعب، وربما يرجع اصل المشكلة الى ان الكثير من هذه الحكومات لاتزال تتناول هموما كانت تؤرق المجتمع في القرن التاسع عشر، ولهذا فان اصلاح هذه الحكومات بات امراً حتمياً قد طال انتظاره، كما اضافت ان اغلب الحكومات في العالم رجعية، لاتواكب العصر الحالي، لكونها لم تزل تعكس هموم المجتمع في ذلك القرن المذكور مثل غلاء الاتصالات وصعوبة انتقال البيانات وصعوبات المعيشة، لذلك نجدها تتالف من وزارات واجهزة ذات هياكل تنظيمية هرمية التسلسل منغلقة على نفسها، تختص كل منها بوظائف محددة، وعلى الرغم من العالم اليوم اصبح اكثر ترابطا، وتسارعت وتيرة التطور، وزاد حجم البيانات بمعدلات غير مسبوقة، لكن حكوماتنا لاتزال تراوح مكانها، وهذا بالضبط ما دفع البعض الى القول بانه من سوء حظنا ان الحكومات الحديثة تشكلت منذ زمن بعيد ولم تعد تصلح للعصر الحديث من عدة نواحي، وبلاشك هذا لم يأتي من الفراغ او الوهم السياسي او حتى منطق الغباء السياسي المعارض دائما لكل الحكومات، انما اتت تلك الاقوال من منطق اخر صميمي متعلق بحركية الواقع الانساني داخل المجتمعات الحديثة والمعاصرة التي لم تعد تهاب من اسم الحكومات على اختلاف نوعياتها واختلاف سياساتها واختلاف الوسائل والاساليب التي تتبعها تجاه شعوبها، وبذلك فان المنطق السائد حول كون الحكومة يمكنها ان تفعل ما تشاء اصبح من الماضي البليد او لنقل اصبح من مخلفات القرن التاسع عشر، وحتى ان كانت قد نضجت في القرن العشرين، الا انها وصلت مرحلة الذبول الذهني والفكري والواقعي في وقتنا الحالي، لكونها لم تعد تمثل تطلعات الشعوب السائرة نحو تعاطي جرعات الوعي، وبما في ذلك محاولات تعاطي الوعي السياسي وان كان الامر مازال مقتصراً على النخبة دون العامة في الكثير من المسائل المتعلقة بالوعي السياسي.

وعلى هذا الاساس تتمخض عن ولادة الحكومات الجديدة عدة تساؤلات تتحكم بمصيرها من حيث تقبل الشعب لهاـ او اضافتها الى قائمة الحكومات اللاموجودة حتى وان كانت موجودة، وحين نقول لاموجودة، نقصد بذلك عدم ثقة الشعب بها، وعدم ايمان الشعب بها كحكومة تمثل تطلعاته،وبذلك يبقى فوبيا عدم الثقة بالحكومة امراً وارداً وسلاحاً ذو حدين، الاول انه يثير في عقل الحكومة الوعي بالمترتبات التي تقتضي وجودها كحكومة تمثل الشعب وتطلعاته، والثاني ان تتجاهل ذلك وتصبح مصدر سخرية وسخط الجماهير وتخلق عصراً جديداً من الفوضى التي وان كانت خلاقة تجاه الحكومات السابقة الا انها قد تتحول الى فوضوية تعبث بالقضية كلها وليس بمصالح وتسلط وجبروت الحكومة فحسب، وهذا بلاشك ما لاتريده الحكومة ولايحتاج اليه الشعب في ظل المتغيرات والتحولات المحلية والاقليمية والدولية.

ولاننا بصدد الحديث عن الحكومات الحديثة والمعاصرة فاننا نجدنا امام واقع ملموس ضمن السياقات السبقية التي تتبناها هذه الحكومات دون النظر الى الواقع بجدية وحكمة، ولعل النظر الى مقررات الجلسة الاولى لاحدى الحكومات المتشكلة حديثا يستوجب منا كواعين للعملية السياسية المحلية والعملية السياسية الاقليمية والدولية معا ان نسلط الضوء على اسباب فشل الحكومات السابقة في تحقيق الحلم المحلي، والحلم المستقبلي ، وحتى الحفاظ على المكتسبات، والتي اصبحت مهددة بالضياع التام، لاسيما مكتسبات الاستفتاء على استقلال كوردستان التاريخي، واعتقد بان امر الحكومة التي اتحدث عنها بات مكشوفاً، لكوني بصدد تسليط الضوء على مقررات حكومة اقليم كوردستان الجديدة، التي خرجت بعد مخاض عسير من صراعات داخلية وخارجية، ناهيك عن صراع استنزف الكثير من قوت الشعب الكوردي، واستنزف الكثير من حياته على المستويات المختلفة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية وغيرها، هذه الحكومة الرشيدة التي تشكلت قبل ايام من المفترض انها ولدت من رحم الالم، لتكون نصيرة آلام الشعب، ولكنها للاسف خيبت في اولى جلساتها امال الشعب، بقراراتها التي لم تاتي ابدا لتدعم حقوق الشعب، ولتعيد للشعب ما تم اخذه منه طوال السنوات الماضية من الرواتب التي لااحد يعلم مصيرها، ولا الضرائب التي تراكمت بسبب نظام الادخار الذي اتبعته الحكومة السابقة اكيد في ظل ظروف سياسية اقتصادية صعبة، ولكن هذا لايمنع ابداً ان تتوضح الصورة للشعب عن مصير تلك الاموال التي ادخرتها الحكومة من رواتبهم واستحقاقاتهم الوظيفية، وبدل من ان تبدأ الحكومة الجديدة بمقولة ما ضاع سنعيده اليكم، بدأت باقرار ما يتوجب على الموظف وعلى الشعب فعله لاجلها، وليس ما يتوجب عليها كحكومة ان تفعله من اجل الموظف والشعب، فكانت قراراتها كلها في مصلحة الحكومة في اولى جلساتها، ولم نجد هناك ما يبشر بالخير للمواطن غير ما اقرته باهمية القضاء على الرشوة داخل المؤسسات وعدم الاهمال في سير معاملات المواطنين، وغير ذلك اتى بشكل متهكم لمشاعر الموظفين وعامة الشعب، فالحكومة لم تستطع الا ان تظهر المواطن على انه متسيب لايلتزم بالدوام الرسمي، وان عليه الالتزام بالدوام الرسمي وعدم الخروج من مؤسسته للقيام باية اعمال اخرى اثناء الدوام وغير ذلك من القرارات التي اراها كوجهة نظر شخصية سابقة لاوانها، لكون الحكومة لم تزل تدين للشعب والموظف " كل موظف " بالملايين التي لااحد يعرف مصيرها كما سبق وان نوهت لذلك ناهيك ان الشعب مازال يعيش فوبيا عدم دفع الرواتب، فوبيا الصراعات الداخلية الحزبية، فوبيا عدم الثقة بالحكومة التي تقر واجباتها وتنسى حقوق مواطنيها في اولى جلساتها، ومترتبات نظام الادخار في الاعوام السابقة التي القت بظلالها على حياة الشعب باكلمه، فغالبية الموظفين تراكمت عليهم الديوان، واصبحوا يحتاجون على الاقل لثلاث سنوات اخرى حتى يمكنهم استعادة بعض التوازن لحياتهم المادية والمعنوية .

لم يعد مخفياً على احد ان اسباب فشل الحكومات لم يعد فقط انها لم تزل تعيش على ما بنيت عليها في القرن التاسع عشر فحسب، انما لانها لاتريد ان تتجاوز تلك المرحلة لكون تلك المرحلة تحقق مقاصدها في الحفاظ على الكراسي من جهة، وزيادة ارصدت اموالها في البنوك من جهة اخرى، والشعوب تاتي كامور ثانوية لاقيمة لها امام القيم الاساسية السابقة، وهذا بلاشك ما يخلق اللاثقة، ويخلق عدم التوازن في فرض الواجبات واعطاء الحقوق لاسيما في حالتنا نحن في كوردستان حيث عانينا من تقاعس الحكومتين المركزية في بغداد والمحلية في الاقليم عن دفع مستحقات الموظفين والمواطنين، مع عدم نسيان الانشطة الاستفزازية التي تمارسها الحكومة نفسها محلياً تجاه المواطنين لاسيما فيما يتعلق بالضرائب الخدمية كاجور الكهرباء والماء وغيرها من الضرائب التي تأخذها قسراً من الشعب ولا تعطي املاً بتحسين معيشة الموطن، فحتى الفلاح لم يعد يؤمن بمقدرة الحكومة على احتواء محاصيله التي تذهب نصفها بدون ان يحصل ثمنها، لكون الحكومة الرشيدة وبسبب علاقاتها الخارجية والداخلية مع التجار الذين هم انفسهم جزء من تلك المنظومة لاتستطيع ان تقر مشروع قانون يعطي للبضاعة المحلية الاولوية، فضلاً عن الانتكاسات الاخرى التي كلها تخدم فقط السلطوية وتذبح الشعب بسكين القضية الكوردية وكوردستان اقوى، وهذا كله يدفعنا الى القول مناصرة للشعب مع عدم فقدان الامل بالحكومة بان تعيد ترتيب اوراقها من جديد وتقوم بتقييم مقرراتها قبل اطلاقها اعلامياً، فالشعب ينتظر ان يجد لمعضلته حلاً ولايحتاج الى تمارس الحكومة معها ممارسات تنم عن تسلط ودكتاتورية، فعصر التسلط والدكتاتورية دفن مع الطغاة الذين هم انفسهم كانوا يناضلون ضدهم.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

للأحزاب الشيعية وجماهيرها و"مثقفيها" عقدة من ثورة الرابع عشر من تموز وقيادتها، وعلى الأخص زعيمها عبد الكريم قاسم. على الرغم من أنّ الثورة أنصفت الشيعة كطائفة بعد أن عانوا الأمّرين منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتّى قيام الثورة، ناهيك عن تهميشهم وقمعهم طيلة العهد العثماني وإحتلاله للعراق. ولو توخينا الدقّة أكثر، فأنه ونتيجة لفساد السلطات التي تلت عهد ثورة 14 تموز وإستهتارها بمقدّرات شعبنا ووطننا ومنها سلطة المؤمنين بالله اليوم، فأن هناك من ركب موجة العداء لثورة تموز ونتائجها محمّلين إياها ما آلت إليه أوضاع العراق اليوم، وكأنّ شعب العراق كان يعيش ببحبوحة من العيش الرغيد في ظل النظام الملكي الإقطاعي المرتبط بلندن. ومن هؤلاء أعداد لا بأس بها من "اليساريين" والليبراليين علاوة على البعثيين ، وأعداد كبيرة جدا من الأجيال التي ذاقت مرارة الحروب والحصار والفساد وخصوصا من أهالي الجنوب الشيعة أنفسهم، هؤلاء الذين أنصفت ثورة تموز آبائهم وأجدادهم بعد أن أعادت لهم كرامتهم التي فقدوها في ظل الحكم الملكي وهم يعانون الذل وسياط الإقطاع تلهب ظهورهم.

يحاول الكثير من الناقمين على ثورة الرابع عشر من تموز إظهارها وكأنها أنهت نظاما ديموقراطيا، أو على الأقل نظام يسير بنهج ثابت نحو الديموقراطية. ويتباكى الكثير منهم على مصير العائلة المالكة ومقتلها، والذي هو بالتأكيد أمر مرفوض وجريمة بشعة، محمّلين قيادة الثورة مسؤولية مقتلهم مع سابق إصرار وترصد! على الرغم من أنّ الأحداث التأريخية وهي لا زالت طريّة تشير الى غير ذلك، كما وأنهم يصفون الثورة بالوحشية والهمجية وهنا يلتقون مع رأي السفير الأمريكي بالعراق والديمار ج. غالمان الذي وصف التظاهرات العارمة في بغداد بعد ساعات من إعلان الثورة من أنها "لا تمثّل العراقيين بل رعاعا جمعهم المحرضّون"! (1)

إنّ الذين يهاجمون ثورة الرابع عشر من تموز والتي بلا شك لها أخطائها كأية ثورة أو إنتفاضة أو تحرك جماهيري واسع ويلصقون بها شتّى التهم، يحاولون لي عنق الحقيقة عن طريق فتح أبواب تلك المرحلة بإرهاصاتها وأحداثها العاصفة بمفاتيح اليوم، ناسين أو متناسين أنّ الذين قادوا الإنقلاب العسكري والذي تحول الى ثورة كما سنتاوله لاحقا، هم رجال عسكريون بالدرجة الأولى، رغم تنسيقهم مع عناصر مدنية حزبية من خلال جبهة الإتحاد الوطني. وهؤلاء لا يريدون بالمرّة مقارنة ثورة الرابع عشر من تموز في بغداد 1958 ، مع ثورة الرابع عشر من تموز في باريس 1789 . تلك الثورة التي أنهت النظام الملكي وأعدمت الملك وزوجته والآلاف غيرهما بالمقصلة، والتي كان تأسيس الجمهورية العلمانية الديموقراطية أحد أهم أهدافها، قبل أن تتحول فرنسا بعد نجاح الثورة الى جمهورية إستبدادية عسكرية، وليدفع زعيمها روبسبير حياته تحت المقصلة التي أعدم بها الآلاف من الفرنسيين. ونحن نقارن بين الحدثين في بغداد وباريس، علينا أن نميّز بين الشعبين وتطورهما الفكري والسياسي والعلمي والثقافي، قبل أن نحمّل ثورة تموز ما لا تتحمله للفرق الكبير بين طبيعة الشعبين .

بعد ساعات على إعلان الثورة "إزدحمت العاصمة بالناس- "شرقاوية" وآخرين- والكثير منهم بمزاج قتالي، يوحدّهم شعور واحد: "الموت للخونة وعملاء الأمبريالية". وكان الأمر يشبه موجة المدّ الآتية، التي لفّت أولا، وبعنف، بيت نوري السعيد والقصر الملكي، ثم سرعان ما إمتدّت الى القنصلية والسفارة البريطانيتين وقصور أخرى، وأصبحت مرعبة وساحقة في زحفها الى درجة أن العسكريين الثوريين- القلقين ممّا يحدث- أعلنوا منع التجول، ثم أعلنوا في وقت لاحق بعد الظهر الأحكام العرفية. وبعد أن إنحسرت الحشود في النهاية، وبعد هبوط الظلام، كان تمثال فيصل، رمز الملكية، ملقى مفتتا على الأرض، وكانت صورة الجنرال مود، فاتح - محتل- بغداد ملقاة في الغبار خارج المستشارية البريطانية القديمة المحروقة" (2) من خلال ما جئنا على ذكره، نكتشف ومن مصدر محايد وأكاديمي من أنّ العسكر فوجئوا بالتحرك الجماهيري وشدّته ونتائجه ما دفعهم لإعلان منع التجول وإعلان الأحكام العرفية بعدها، كما نكتشف بؤس أعداء الثورة وبكائهم على الجنرال مود الذي إحتل بغداد، والذي كافأه النظام الملكي المرتبط بلندن بوضع تمثال له في قلب عاصمة بلدهم. 

1035 قاسم1

الزعيم عبد الكريم قاسم يزور المرجع الشيعي الأعلى السيد محسن الحكيم الذي غدر به وبثورته في المستشفى

لم تكن ثورة الرابع عشر من تموز 1958 حدثا فوضويا ولا حدثا آنيا، بل تعود ولكي نضعها في سياقها التأريخي الى تراكم أحداث سبقتها بعقود. فالعراق لم يكن هادئا يوما ولا خانعا يوما لإملاءت الإنكليز وأذنابهم الملكيين، بل كان مرجلا ينتظر ساعة الإنفجار. فالإنتفاضات والإضرابات والإنقلابات العسكرية ، وقصف المناطق الريفية وإحتكار السلطة والتمييز الطائفي في توزيع المناصب. كانت بالحقيقة هي تراكمات كمّية ونوعية لذلك اليوم الذي وجدت فيه الجماهير المسحوقة نفسها في أتون معركة حياة أو موت، فأختارت الحياة وأنطلقت الى قلب المعركة فحسمتها بعد أن أظهرت قوتها في الشارع، ما منع من أي ردود أفعال تذكر من قبل مناصري الملكية وأعوانها وأتباعها على مستوى البلد بأكمله.

في جملة ذات مغزى وقد تفسّر أحداثا تقع بعد عقدين ونصف العقد من تأريخها وصل السياسي العراقي جعفر ابو التمّن بتأريخ الأول من تشرين الثاني /نوفمبر 1933 الى "درجة من الخيبة بحيث أنه ما عاد يؤمن بإمكانية الحصول على السلطة بالطرق الديموقراطية وذلك لقناعته بأنّ العراق كان له إسم الحكم الإنتخابي لا واقعه".(3)

ويبدو أن هذه المقولة لا زالت ولليوم تحمل الكثير من الصحة والديمومة، خصوصا إذا عدنا للإنتخابات التي أجريت يوم 6 كانون الأول/ ديسمبر 1934 والتي تلاعبت حكومة المدفعي الجديدة وقتها "بعمليات الإقتراع وضمنت إنتخاب مرشحيها وأولئك الذي دفعوا مبالغ ضخمة للحصول على كرسي النيابة" (4) . لذا فأن بكاء الإسلاميين وبقية أعداء ثورة تموز تبدو مفهومة والتأريخ السياسي البرلماني العراقي يعيد إنتاج نفسه بنفس الوجه البشع والقبيح، حيث بيع المناصب الوزارية وشراء المقاعد النيابية كما الأمس تجري على قدم وساق وبشكل علني. وقبل الإنتقال الى حدث الرابع عشر من تموز إن كان ثورة أم إنقلاب، دعونا ننهي فظاعات وإستبداد النظام الملكي الذي يتباكى الكثير عليه اليوم، نتيجة إنحسار الوعي ومحاولة الإسلام السياسي عزل شعبنا عن تأريخه، من خلال حدثين.

أولهما إعتراف مضحك مبكي لأحد رجالات العهد الملكي وهو عبد الكريم الأزري النائب والوزير في تلك الفترة إذ يقول "في صبيحة يوم من أيام تشرين الأول سنة 1943 إتصلّ بي قريبي السيد حسين النقيب الرفيعي بالهاتف قائلا لي أهنؤك من صميم قلبي ، فسألته عن ماذا تهنؤني؟ أجابني على فوزك بالإنتخابات النيابية، ألم تسمع الإذاعة؟ فقد ذكرت إسمك بين الفائزين في الإنتخابات النيابية عن لواء العمارة (محافظة ميسان حاليا) .. وقد تبين لي فيما بعد أن ما أنبأني به السيد حسين النقيب الرفيعي كان صحيحا. وإنني قد أُنتخبت عن لواء العمارة، وأنا لا أدري، ولم أراجع أحدا من الناخبين ولا من المنتخبين الثانويين- وكانت الإنتخابات تجري وقتئذ على درجتين- ولا أحدا من رجال الإدارة المحلية ولا حتى وزير الداخلية" ويعلّق الأزري على ذلك " وهكذا جئت الى مجلس النواب عن غير علم ولا رغبة مني وبدون أن أبذل جهدا في ذلك. لقد إنتخبني في الواقع من الأمر نائبا عن لواء العمارة الحكومة ممثلة بوزير داخليتها.. (5)

والحدث الثاني وهو من جنس المضحك المبكي أيضا وهو خسارة السياسي الشيعي جعفر ابو التمن لإنتخابات عضوية المجلس التأسيسي في قطاع الكاظمين وهي منطقة شيعية خالصة فقد "حصل جعفر على 19 صوتا، بينما حصل في نفس المنطقة عبد الجبار الخياط ، المرشّح المسيحي على 32 صوتا، وحصل المرشح اليهودي مناحيم دانيال على 26 صوتا!!" (6) . إن الكارثة من هذه الأرقام وإنتخاب الأزري كبيرة جدا ، وتعتبر مقياسا لفساد النظام الملكي وإستبداده . لكن هذا الفساد والإستبداد اليوم أصبحا دلالة على همجية ثورة تموز وزعيمها، كون الثورة أنهت هذا النظام "الديموقراطي" وفتحت على العراق ابواب الجحيم بنظر الإسلام السياسي ومن على دربهم من بعض اليساريين الناقمين والليبراليين ومن يدّعون العلمانية والمدنية الذين يريدون تحميل ثورة تموز المآل الذي آل إليه العراق وشعبه!!

1035 قاسم2

المرجع الشيعي الأعلى السيد محسن الحكيم مع طاهر يحيى التكريتي (ابو فرهود)

من مجرمي إنقلاب الثامن من شباط الأسود التي قتلت الزعيم عبد الكريم قاسم في يوم رمضاني وهو صائم !!

هل أحداث الرابع عشر من تموز 1958 ثورة أم إنقلاب؟ يقول كارل ماركس في تعريفه لمفهوم الثورة "أن كل ثورة تلغي المجتمع القديم هي ثورة اجتماعية ، وكل ثورة تلغي السلطة القديمة هي ثورة سياسية". ولكي نبسط هذا التعريف الماركسي للثورة، دعونا نعود لما جاء به حنا بطاطو حول أحداث الرابع عشر من تموز إذ يقول: "يجب أن لا يقتصر حقل الرؤيا عندنا على ما سبق أحداث 14 تموز (يوليو) بل أن يشمل أيضا ما تلاها. والواقع أن إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة يكفي لجعلنا نعرف أننا أمام ثورة أصيلة. ولم يكن لظاهرة سياسية سطحية أن تطلق كل تلك المشاعر بهذا العنف، أو لتثير المخاوف أو الآمال بهذه الجدية التي غزت سنتي 1958 – 1959 . والواقع أنّ 14 تموز (يوليو) أتى معه بأكثر من مجرّد تغيير في الحكم. فهو لم يُدّمر الملكية أو يُضعف كل الموقع الغربي في المشرق العربي بطريقة جذرية وحسب، بل أنّ مستقبل طبقات بأسرها ومصيرها تأثّر بعمق. ولقد دمّرت الى حد كبير السلطة الإجتماعية لأكبر المشايخ ملّاكي الأراضي ولكبار ملّاكي المدن، وتعزّز نوعيا موقع العمال المدينيين والشرائح الوسطى والوسطى الدنيا في المجتمع. وتغيّر كذلك نمط حياة الفلاحين نتيجة لإنتقال الملكية من ناحية ولإلغاء أنظمة النزاعات القبلية وإدخال الريف في صُلب القانون الوطني من ناحية أخرى. وصحيح أنّ الثورة لم تتجذّر بالعمق بما يكفي، ولكن هذا ما يميل الى تمييز كل الثورات التي تلعب فيها عناصر الطبقة الوسطى دورا تقريريا تقريبا. وصحيح كذلك أنّ التيه ميّز مسار الثورة وأنها كانت لها تعاقبات صعود وهبوط، ولكن هذا ناجم عن عدم إنسجام الطبقة الوسطى وعن الإنشقاقات في صفوفها وصفوف الضباط الأحرار، الذي هو ذراعها المسّلحة والشرعية القائدة فيها". (7)

لو تجاوزنا هنا الإختلاف في وجهات النظر حول إن كان حدث 14 تموز ثورة أم إنقلاب، وأتّفقنا مع الرأي الثاني الذي يروّج له الإسلاميون وجيوشهم الألكترونية ومعهم آخرون إكتشفوا فجأة أنّ 14 تموز هي سبب مشاكل العراق اليوم، وأنّ النظام الملكي كان ملائكيا في تعامله مع أبناء شعبنا وحريصا على كرامة وإستقلال وطننا وأن إستمراره كان سينقل العراق الى مصاف الدول المتقدمة!! وإتّفقنا معهم أيضا من أنّ ضباطا مغامرين غيّروا مسيرة التأريخ بالعراق بدباباتهم ورشاشاتهم التي أودت بحياة الديموقراطية والتقدم والرفاهية التي كانت من أهم سمات العهد الملكي الزاهر!! فمن حقّنا هنا أن ننظر الى إنجازات هؤلاء الإنقلابيين خلال فترة حكمهم "الكارثية" التي لم تتجاوز الخمسة أعوام وما تركوه لنا ساعة رحيلهم ونقارنها بما تركه لنا البعث الفاشي ساعة رحيله في التاسع من نيسان 2003 وهو على رأس السلطة لثلاثة عقود ونصف، وما نعيشه اليوم تحت ظل العمامة والأحزاب الإسلامية ومعها كل أحزاب المحاصصة التي وصلت الى الخضراء على متن دبابة أمريكية وليس على متن دبابة خرجت من معسكر المنصورية بديالى، سلطة صاحبة أكبر ميزانيات العراق بكل تأريخه والتي بددتها لفسادها وسرقاتها وتهريبها وجرائمها. ستة عشر سنة والأحزاب الحاكمة بالعراق وفي مقدمتها الإسلامية لم تستطع أن تبني عُشْر ما بنته ثورة الرابع من تموز ولن تبني. فهل الضابط الإنقلابي المغامر سبب تدمير العراق، أم الذين قتلوه وثورته من بعثيين وقوميين عربا وكوردا ومراجع دين وزعماء عشائر وبقايا الإقطاع..!!؟

لو تركنا موقف تيارات من العلمانيين والليبراليين والمحسوبين على اليسار من ثورة تموز ومحاولاتهم المستمرة للنيل منها، فإن موقف الإسلاميين منها هو موقف تمليه مصالحهم التي هددتها ثورة تموز بقرارتها. فتدمير العلاقات الإجتماعية المتخلفّة بسلسلة قوانين المرأة والعشائر والإصلاح الزراعي، هدّدت المصالح القديمة الجديدة التي تربط المؤسسة الدينية الشيعية بالإقطاع وملّاكي الأراضي منذ القدم ولليوم. وما شكل العلاقات الإجتماعية المتخلفة اليوم والأحزاب الشيعية على رأس السلطة، وترسيخها لدور العشيرة مقابل دور الدولة التي تهينها المؤسسة الدينية الشيعية بتدخلها المباشر بتركيبتها نتيجة وصايتها على المشهد السياسي بالبلد، الا ترجمة لأهم أسباب معاداة الأحزاب الشيعية و "مثقفيها" ليس لثورة تموز وحسب، بل لكل ما هو مشرق وإنساني في بناء علاقات إجتماعية متجانسة. ففي باب حقوق المرأة مثلا والتي جسدتها ثورة تموز بقرارات ثورية، نرى المثقفين الشيعة يتوارون عن الأنظار عندما يتعلق الأمر بزواج القاصرات وفق المذهب الجعفري، أو إباحة الزواج من الرضيعات وتفخيذهنّ وفق نفس المذهب، ولا يستطيعون الحوار حولهما وخصوصا الزواج من الرضيعة والتي تعتبر شكل من أشكال البيدوفيليا.  ولازال الكثير من "مثقفي" الشيعة يشعرون بدواخلهم بالعار على ما يبدو وهم يرون مرجعيتهم وهي تتحالف مع أكبر الأحزاب فاشية بالعراق لإغتيال ثورة تموز، والتي بإغتيالها دخل العراق الى النفق البعثي المرعب، وليخرج منه مباشرة الى النفق الإسلامي المتخلف .

التأريخ في العراق يكتبه الجبناء والخونة والجواسيس.. لكن الى حين.

 

زكي رضا - الدنمارك

...................

(2) نفس المصدر ص 114 – 115

(3) محمد جعفر ابو التمن ، دراسة في الزعامة السياسية العراقية . د. خالد التميمي ص 331

(4) المصدر السابق ص 349

(5) ثورة في العراق 1958 – 1963 : نقد تجربة الدولة العراقية في العهدين الملكي والجمهوري. جعفر الحسني ص 55 .

(6) محمد جعفر ابو التمن ، دراسة في الزعامة السياسية العراقية . د. خالد التميمي ص 197

(7) العراق الكتاب الثالث لحنا بطاطو ص 116

 

"كعرب علينا إن نصحو لندرك ونحذر ونسعى.. فوشيكا.. سيكون لمستقبلنا بؤسه الخاص.. وزواله الخاص.. وسيكون للعالم منطقه الخاص.. وتطوره الخاص.. وشكله الغير متوقع تمامًا !!!"

استراتيجيات الصراعات متجددة ومتنوعة ماضيا وحاضرا وان بعض الصفات والأنماط الشائعة تظهر إثناء مقارنة استراتيجيات الحروب الماضية بالحروب المعاصرة، ومن أهم محددات التغيير هما كلا من استراتيجيات العولمة والثورة التكنولوجية والتي لهما طابع طويل الأجل وبُعد عالمي، وان اتجاه التشغيل السلبي لهذا الزوج من المحددات يؤدي دورا هاما بأدراك عمل الجيوش والعوامل التقنية والعسكرية المرتبطة مع ظهور أنظمة الأسلحة عالية الدقة وتطور تقنيات الدفاع الاستراتيجي وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والتي بها أو بغيرها تضاءلت قدرة منظمات الأمن الدولية على التأثير بشكل كبير بالوضع والأمن الدولي ومنع عواصف الفوضى !!

لجيوش اليوم يتم رسم ووضع استراتيجية الحروب الهجينة لتحتوي النطاق العالمي والطبيعة المستمرة المضمونة الشروط بالمكونات الموضوعية، وان العنصر الأيديولوجي لها يتم تحديده عبر التهديدات والتحديات النابضة، ولذلك هناك مشاريع رؤية عالمية مختلفة جوهريا وكل منها متوهم حالة الانتصار عبر ركب موجات التغييرات الثورية في المجتمعات والشؤون العسكرية، وإن تعريف الحرب الحديثة "حرب حضارات" يعكس بشكل كامل التوجه الرئيسي لاستراتيجية الحرب الهجينة ويعطيها التكامل في الأفكار التي ترمز إلى أعلى أهداف الحرب ومعاني الوجود القومي والحضاري. وليس غريبا إن اكدنا وبينا إن حرب المعاني والعبارات تكتمن في قلب إستراتيجية الحرب الهجينة التي تهدف إلى ضمان التحكم المنهجي المستمر في جميع جوانب حياة الدول والسيطرة على عقلية سكانها، لذلك تمثل وسيلة لتحقيق النصر في الصراعات التي سيكون لها تأثير هام وأحيانًا حاسم على تطور المجتمعات الحديثة، كما وإنها هي التي ستحدد أهداف الصراعات والشكل الضروري والكافي للمشاركات في العمليات الحربية وكذلك ستحدد القضايا المتعلقة باستخدام جميع موارد البلاد لمواجهة الأعداء أو حتى الأصدقاء !!! 

تتميز الحروب المستقبلية الهجينة بظهور محدد جديد يعطي ذلك النوع من الصراعات مكانة وطاقة للإنكار ويتحدد بتحويلها لنماذج جديدة لها ليوصف بشكل كامل من قبل المفهوم الفلسفي التجاوزي، وإن التجاوز ليس أكثر من إزاحة الحدود وعدم وضوحها بما يتعلق بين الحدود والأشياء وبين القيم، ولهذا فان ظاهرة التعدي في عملية تغيير حرب قد تؤدي إلى تشكيل منظور تطوري جديد تماما لضمان تشكيل ظواهر جديدة في المجال العسكري وفهم التجاوز على انه مفهوم اجتماعي وفلسفي بالاعتماد على نظام فلسفي ومعرفي لمحاولة إظهار أن الحرب هي مجموعة تجاوزات للقوانين وتحويل قيامها من الداخل إلى الخارج، وهذا الاستنتاجات له ما يبررها بما يتعلق بقياس مسببات العدوان التي تعرضها الحروب خارج الإطر القائمة في توفير فرص اختراقية لمستويات جديدة للصراع ذات النوعية الجديدة حقا، فيؤدي الانتقال إلى نوعية جديدة لبلورة ظاهرة مبتكرة وبعدا جديدا للحروب، وفي هذه الحالة تكون القائمة المصفوفة لقرون خطية من الحروب هي غير متناسقة مما يعجل الانتقال إلى نماذج جديدة وكافية الهجين والقياس المتكامل والمستقل والمتعدد الأبعاد، وهذا الاتجاه هو عامل مهم يؤدي إلى تغيير في جوهر الأفكار الأساسية وظهور أبعاد جديدة في كنف المواجهات المعاصرة وجنبا إلى جنب مع التحويل التام للصراعات والمظاهر المعروفة فتمتاز بعدد من المزايا فتدفع لفهمها على أنها مجال غير محدد الاحتكاك ولا يمكن الاعتماد على تلك الظاهرة لاعتبار ان مفهوم الاحتكاك في الحروب الدولية اختفى تقريبا وتمركز في الأعمال العسكرية المحلية لذا فحينما يتم تقديم الحساب عنه فستقل درجاته اثر التطورات العسكرية والعلمية المعقدة.

ونظرا للطبيعة المتنوعة للمشاركين في حروب المستقبل الهجين فسيزيد الضغط النفسي والإجهاد مما يزيد احتمالية الأخطاء، ولذا تعتبر الإجراءات في الفضاء السيبراني مصدراً قوياً للتأثيرات المزعجة التي تثير الفشل في أنظمة الحكم والتحكم وستستخدم على نطاق واسع في حروب المعلومات والتصيد والتضليل والإنترنت الموجهة ضد القيادات والأنظمة للمساهمة في ابتكار مناخ من الفوضى والارتباك، ونتيجة للاحتكاك بالظواهر والوقائع التي تبدو ضئيلة على ما يبدو بالمستوى التكتيكي فأنها ستتلقى قوة وقدرة محفز استراتيجي فيمكن لها بذلك أن تؤثر على مسار الحملة العسكرية بأكملها، ولذا يمكن لها أن تكون كآلية محفزة للكوارث التكنولوجية الصناعية في المنشآت المدنية والعسكرية والهجمات الإرهابية على الاتصالات متسببة بعدد كبير من الضحايا، وعادة ما تكون مجاميع مصادر الاحتكاك أكبر من موقعها البسيط لأن بعض أنواع الاحتكاك تتفاعل مع الآخرين مما يزيد من نتائجها المدمرة.

تساهم استراتيجيات حروب المستقبل الهجين في حدوث تحولا كبيرا غالبا ما لا يمكن التنبؤ بها، وعلاوة على ذلك ففيها يتأكد عدم اليقين بالمجاميع الواسعة من المشاركين المؤثرين على عوامل النتائج المهمة، ووفقا لقانون التراكم الديالكتيكي للمظاهر الكمية ففي الصراعات الطويلة هي تؤدي إلى تغيرات نوعية في المجالات الإدارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأيديولوجية للحياة العامة للدولة المعتدية وحتى للدولة المعتدى عليها استراتيجيا وتكتيكيا ليتم تلبيسها ونشرها اعلاميا عبر الاستراتيجيات والمفاهيم التي تحدد الأهداف والغايات والأساليب الأمر الذي يتطلب المراجعة أو الاستبدال الكامل لأنها قد تؤدي إلى "تدمير" الأسلحة والمعدات العسكرية والتكنولوجية مما تفقدها أهميتها، ولان مدتها الزمنية طويلة فأن توضيح الفترة الزمنية المحددة للحروب يمثل الحاجة إلى إيلاء اهتمام خاص لظاهرتها في تحليل تحول كل عنصر من مكوناتها وذلك لمنع خراب عناصر المكون الأيديولوجي الرئيسي في سياق حروب المعلومات واخضاعها لأكثر التغيرات الدراماتيكية التي يصعب التنبؤ بها تحت تأثير العوامل الداخلية والخارجية.

وان تساؤلنا حول ما هو الحسم في تطوير إستراتيجية عربية لمواجهة المعارضين الجيوسياسيين فأن طرح ووضع استراتيجيات متطورة لمواجهة حروب مستقبلية لاسيما في المجال الاقتصادي وإجراء عمليات تخريبية فيه تتمثل في إضعاف الاقتصاد ورفض الخضوع لمصالح المعارضين الماليين والاقتصاديين العالميين المسيطرين على الساحة السياسية العالمية، وأهم العوامل المحددة للصراع في المجال الاقتصادي هي التأثير المتكامل على القطاعين المالي والإنتاجي عبر إدراك مجال استهلاك العدو لذا يتطلب ذلك استجابة متكاملة في امر لا يمكن تصوره من دون وجود هيكل السلطة العليا للتنسيق والتخطيط على ضمان تنسيق وتطوير القرارات الهامة وابراز مسؤولية السلطة العليا في الهيئة الإدارية السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، غير إن ذلك يجب أن يستند على تجديد لمستوى نوعي من المؤسسات الاقتصادية للدولة التي تضمن تنسيق الروابط في الزمان والمكان وتناغمها مع إستراتيجية التنمية في البلاد، كما إن الوظائف والمهام لإدارة مركزية تحتاج إلى أن تتكيف مع واقع عصرنا عبر وضع إطار تنظيمي جديد ينظم أنشطتها لجذب الموظفين الأكفاء وأتمتة عمليات التنبؤ والتخطيط ومتابعة القرارات وفرض رقابة صارمة على الموارد المستخدمة بتدابير المحتوى والنطاق لدمج قدرات الإدارة المركزية للاقتصاد وتوفير الوصول إلى مسار التنمية المستدامة وابتكار هامش إضافي للسلامة واستقرار للمؤسسات الوطنية الأخرى.

إن تحسين وظيفة التكامل بنظام الإدارة في الاقتصاد أمر في غاية الأهمية لمنع الصراعات المتولدة من الحروب المستقبلة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي لانهما اساس للاستقرار السياسي، وهنا نرى إن الإحساس بحروب المستقبل يتلخص بالسيطرة الكاملة على وعي الشعوب وبالتالي التأثير بحاضرها ومستقبلها، ويتمحور الهدف الرئيس في احكام السيطرة على الوعي العام والفردي واللاوعي لسكان وموظفي وافراد الدول وجيوشها، وعبر ذلك نجد إن الغرض منها يتمركز في استبدال القيم الوطنية والمصالح الوطنية بأخرى كاذبة، وهناك أيضا هدف استراتيجي لتلك الأعمال التخريبية في المجالين الاقتصادي والإعلامي ينطوي على استخدام الأدوات غير العسكرية لكسب السيطرة الكاملة على البلاد وإمكانية تركيعها عبر تأثيرات غير محدودة عليها وعلى مستقبلها.

ونحن كدول عربية هل نحتاج لنموذج عربي استراتيجي للوقوف بقوة تجاه الصراعات العالمية؟ ومن غير أدنى شك إننا نحتاج بشدة للتكيف الناجح لضمان نظام الأمن القومي العربي للتحديات والتهديدات، ويعتمد ذلك إلى حد كبير على القدرة لتوليد معرفة جديدة حول التهديدات المستقبلية، وعلى هذا الأساس يفترض إن تتحدد إستراتيجية الدول العربية وأولويات التنمية لقواتها المسلحة وتوليف اقتصادياتها وثقافتها، وذلك لإنه جدا مطلوب تنفيذ توليفة من المعرفة القائمة لتشكيل مفهوم جديد للصراعات المعاصرة وتجهيز نموذج عربي رسمي لمعارضتها، ولذا يجب بناء النموذج العربي المتمثل في مكافحة حروب المستقبل الهجين والانقلابات والتدخلات الملونة والقدرة على التصرف بسرعة وحسم في النزاعات وبرمجة تهيئات تسمح بتحقيق نتائج هامة مع فاعلية التعامل مع الاضطرابات الصغيرة نسبيا، اضافة إلى ضمان القدرة العربية على التركيز بسرعة على الجهود والموارد المهمة في أكثر الأماكن تعرضًا للتهديدات وهي واجهات المعلومات والمؤسسات الاقتصادية وضمان الأمن الإلكتروني للبنية التحتية الحيوية المعلوماتية، وإجراء استطلاع مستمر وتفاعل وثيق مع هياكل السيطرة العربية السياسية والعسكرية من قبل الدول والقوات المسلحة من أجل تنفيذ استراتيجيات لضمان الإنشاء السريع والاستفادة من تطوير المناطق المهددة، وتوفير وتجهيز الموارد البشرية وبأساليب عالية الجودة والقادرة على ضمان تطوير وتنفيذ إستراتيجية لمواجهة الحروب المستقبلية، وفي الختام يترتب على ما سبق أن الاستخدام لتلك المحددات في تكوين استراتيجيات لمواجهة الصراعات المقبلة تجعل من الممكن تحديد مجموعة من الخصائص المتأصلة في الانواع المعينة لمفاهيم الصراعات قد تسهم في ظهور معرفة جديدة حول طبيعة النزاعات وانعكاساتها المناسبة لخصائص التعارض في الوثائق العقائدية حول ضمان الأمن القومي العربي.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

علي ثوينيرصدت خلاف محتدم بين من يمجد ثورة تموز 1958 ومن يحن (نوستالجيا) إلى الحقبة الملكية، وحسبي أنه أمر طبيعي لدى العراقيين الذين دئبوا في تأريخهم الإجتماعي إلى البحث عما يفرقهم ويكرس خلافاتهم، بل ويؤلمهم ويجلد ذاتهم. ومكثت أراقب مايكتب ويعلق من طبقات الوعي وشطط التوجهات وشتات الأهواء والمصالح. وقد أعجبني انمن كان أهله يأنون الفاقة في العهد الملكي يحن على تلك الايام رغم ماكسبه من الثوره فيما بعد، في حالة مازوكية معلنه، ويجد المبرر أن الملكية لو بقين لأصبحنا مثل مملكة السويد والنرويج، وهذا محض هراء، فلكل مجتمع طبيعة في إختيار نظامه السياسي، وأن تلك الممالك تملك ولاتحكم بينما مملكتنا كان عبدالإله ونوري السعيد إنكليز أكثر من الإنكليز، من اثر دونية متلبسة في السجايا.

وثمة واقع يشير إلى أننا اليوم على بعد 62 عام من ثورة تموز و أن عبدالكريم المثير للجدل بل محوره الأساس، مات وشبع موت، وأن من تآمر عليه (وكان آخرهم عبدالغني الراوي مات 2011 في الرياض)، ماتوا جميعا، ولم نجد من يشهد إلا ضمائر حيه وواعية وقصاصات من كتابات هنا وهناك واناس مكثوا وعايشوا وأحتفظوا بذكريات تحتاج إلى تدوين وتحليل وغستنتاج . لقد بدأ موت الرعيل الذي قتل عبدالكريم منذ اليوم الثاني لأنقلاب شباط 1963، حينما تحركت آلة سماوية للإقتصاص منهم وأحد أثر آخر، سواء بالخزي والعار كما الركابي وعلي صالح السعدي أو أخرج من حفرة العار كما صدام، أو لفه الغموض والتكتم كما جل الرعيل الناصري والبعثي وحتى الشيوعي والقومي الكردي. وهكذا فإن تلك الصفحة طويت رغم ألمها وتبعاتها وتأسيسها لما نحن عليه اليوم من ضياع.

الأمر الأهم فيما أريد إيضاحه لمن مع ثورة تموز أو مناهض لها، بأن حركة عبدالكريم ورفاقه كان جموح وطموح ومبادرة أنساقت مع متطلب شعبي عراقي هيئتها إنقلاب عسكري تقليدي وبيان أول يذاع من المذياع، وتحول من ملكية لجمهورية. لكنه سرعان ماتحول إلى ثورة وشعبية بل أججت المشاعر وخلقت حالة من التفاؤل وبادرت للإرتقاء وأيدها جل طبقات الشعب، وبدأت بخطوات للإنقاذ وتنفيذ ما شرعه مجلس إستشاري مكتبي تقليدي، اسمه (مجلس الإعمار) دس المشاريع بورقها الأنيق في مخازن أمينة تسيرها إدارات مترهلة، لمشروع دولة شبه معدوم، فلا مصلحة لأحد في السلطة الملكية بأن يرتقي الجمهور العراقي، بل كان همهم زيادة إمتيازاترالنخب السلطوية وفتات يرمى لمن حولها، وتدوير للكراسي، بفقر وصلت نسبته 95% من العراقيين، و85% أميه ومدن خربه وقرى خاوية هجرها الفلاح هروبا من تعسف الشيوخ. وحسبي أن من يقرأ الأحداث متخيلا واقعها في حينهاوفي ظرفها ضمن الحرب الباردة، ومرحلة تصفية المستعمرات وصعود نزعة التحرر الوطني وسطوع الشعارات الوطنية،  يكون الاقرب إلى تفهمها وإستيعاب حقيقة ما جرى خلاها، بل وسبب للثورة، فعبدالكريم لم يكن يحتاج إلى مال لزهدة أو جاه لتواضعه ولا منصب كونه ضابط سامي، وأسم علم داخل العسكرية العراقية.

ما أثار إستغرابي من خلط العراقيين، أن بعض المحبين للزعيم يمجدون مرجع الشيعة سيستاني، ويروجون للطائفية والتشيع ويمجدون بإيران ويطبلون للمناطقية والعشائرية، وحسبي انه التناشر بعينه . فلم يكن الزعيم عبدالكريم على علاقة طيبة من مراجع ومشايخ وكهنة الدين، الذين تضرروا بوجود سلطة قوية، تهمشهم، وتوقف مدهم (الرجعي) الواقف علانية ضد تنوير المجتمع، ويأتي ضمن تضامن السرمدي مع الإقطاع الذي تضرر بالصميم. ونتذكر بهذا السياق وبشهادة المرحوم المعمار محمد مكية حيث قال بأن محسن الحكيم المرجع الشيعي كان الأكثر عدائية لتاسيس جامعة الكوفة خشية من إنتشار الوعي لدى الشيعة.والأمر الأهم ان عبدالكريم لم يكن طائفيا البته، فهو سني و لم ينحاز لطائفة ضد أخرى، بل أن من أنصفهم وبنى لهم البيوت كانوا من الشيعة الذين أخلصوا له الولاء وحفظوا العهد والذكرى .وهذا يؤكد طبيعة العلاقة بين الشعب و سلطته،، فلايهم بأنها تمت الصلة لأي طائفة ودين، إذا توفر شرط العدل وحقق لهم ما حلموا به من حياة كريمه.

ومن أغرب ما أقرا لشخص مقيم في ببريطانيا محب لعبدالكريم قاسم، لكنه مدافع مستميت عن الأمريكان وعن نوري مالكي.. فلم أدرك بكل ما أوتيت من الجمع مين المتناقضات والمقارنات بأن عبدالكريم لم يكن طائفي متعصب، ولا عميل لمحتل، وسارق وفاسد مثل نوري مالكي ولم يكن يحمل هوى وإنحياز أمريكي. بما يؤكد أن نأي الوعي العام قد أفرز حالة من النزق في الموقف الذي يجمع النقيض مع النقيض، بحالة لم أجد وسيلة لتبريرها، ويحضرني ما قاله المرحوم علي الوردي (إن العقل البشري قادر أن يخلق الحجج التي يتذرع بها لتبرير أي عمل يقوم به مهما كان سيئا).

كان خطأ عبدالكريم الفادح هو التوقيت الخطأ، فقد جاء بوقت غير مناسب لتستوعب مقاصده العقلية العراقية المنحازة للإستحواذ الشخصي والفئوي، والمتقبلة بترحا لإذلال سلطة غاشمه (كما حدث سنين البعث)، وغير المتفهمة لمركزية القرار السلطوي وإستقلاله، وعدم إدراك مديات الحرية الشخصية والعامة، وعدم الإلتزام بل الإطلاع على ما يدور في كواليس السياسة العالمية..

 فقد ناصبة الأكراد العداء كونه لم يحقق لهم مأربهم بالإنفصال المرفوض شعبيا ويدعوه (الحقوق القومية)، وعادوه أهل الموصل كونه ألغى النصاب السابق حينما كانوا يتبوأون مناصب الدولة السامية بغالبها ويأتون بجماعاتهم للهيمنة على دوائر الدولة والعسكرية، ووجدوا بعبدالناصر وتحريضه لهم وإمدادهم بالسلاح سبب في رفضهم لسلطة الثورة. وناصبه جل التركمان العداء كونه سحب منهم الإمتيازات العصمنلية التي سارت وتصاعدت خلال الحقبة الملكية، فكان لبقايا العصمنلية الحضوة والسبق السلطوي، وإن عبدالكريم لم ينصرهم في نزاعم مع الأكراد الذين يهددون وجودهم، فوجدوا جلهم في التوجهات القومية العروبية ضالتهم، وأقلهم أنحاز للقوميين الأكراد نفاقا وتقية . وناكفه العروبيون والناصريون كون لم ينصاع لهم في الوحدة الفورية التي تكسر هيمنة عبدالناصر على العراق وهو حلم سرمدي منذ زمنة الفراعنة لهيمنة مصر على العراق. وقد كانت شعبية هؤلاء في وسط بغداد والأعظمية وغرب العراق والموصل، ويمتد حتى الفرات الأوسط بإيعاز وغمز من المراجع الشيعية التي أرادت أن تحارب الشيوعية (الملحدة) بهم بإيعاز من المخابرات الأمريكية التي يرتبطون بها وتتحكم بهم، ومنهم حتى أكبرهم محسن الحكيم. وعاداه الشيوعيون كونه لم يلتزم بما يريده السوفيت والمخابرات السوفيتيه المهيمنة على القرار الشيوعي العراقي .وتآمر عليه البعثيون الذين مكث مجالهم المعسكرات التي تعج بالضباط التكارته الذن أصبحت الحمية والتعصب التكريتي يعني ولاء للبعث وعبدالناصر وعداء لعبدالكريم، بل أن هذا الرعيل أتصل بالمخابرات الأمريكية منذ بدايات الخمسينات ومنهم صالح مهدي عماش، وصدام تم تجنيده بالقاهرة عام 1959 رغم أنه مدني.

وكان عبدالكريم يظن أن تأييد الطبقات المسحوقة من الشيعة ولاسيما اهل الجنوب ضمانه لسلطته ومتراس يحميه. وهؤلاء كانوا مخلصين لسلطة ورثت إزدراء العصمنلي ثم كراهية العروبيين الذي ساقهم للعنصرية ضد أهل الجنوب ساطع الحصري ورعيله ممن أتى بهم من الخارج فيصل الأول. ولايمكن أن ننسى أن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي في الجنوب كان أكثر فاعلية من الشمال، لذا فقد الإقطاع في الجنوب كل إمتيازاتهم بين ليلة وضحاها، فناصبوا عبدالكريم العداء، وكان هاجسهم غير المعلن : كيف يتساوى الشيخ مع الفلاحن الذي كان بالنسبة لهم طبقة أدنى، حينما طبق عبدالكريم قوانين المواطنة وتساوي الرؤوس.

وفي القراءة الإجتماعية، كان عبدالكريم قاسم مطلع على ما كتبه المرحوم علي الوردي (1913-95)، حيث كان يسعى إلى تكريس الإنتماء للأرض ودرء التعصب البدوي الفطري الكاره للمكان، وتنمية الريف وتقريبه من المدينة والإنطلاق بالتعليم إلى مصاف الدول المتقدمة، لذا فإن كان ثورة 14 تموز موئلها قراءات لأفكار الوردي، فإن الإنقلابيين البعثيين في 8 شباط 1963، إستندوا على قراءات الأمريكان لرجلهم الفلسطيني الأمريكي (حنا بطاطو 1930-2005)، الذي فكك عرى المجتمع العراقي وعرى مجهوله وقدمه تفصيليا إلى المخابرات الأمريكية، ليصيغوا خطنهم على ضوء معطياته. ومن المضحك أن أكثر من قرأ يتبنى طروحات بطاطو هم الشيوعيين، على خلفية خداعه لهم بأنه (ماركسي)، رغم أنه بعيد عن الماركسية، بل كان جاسوس على الشيوعيين العراقيين، رغم علميته العالية في إختصاصه بعلم الإجتماع، لكنه كان أقرب للأمريكان من السوفيت، بل أن ماكتبه عن العراق لم يخدم السوفيت أو هكذا بدى، وأن إختيار صدام وإعداده الأمريكي، كان ضمن سياقات ما ورد في نصوص كشف خفايا المجتمع العراقي. وربما يكمن هنا سر تحول الشيوعيين العراقيين من عملاء للسوفيت خلال الحرب الباردة (1947-92) إلى عملاء للأمريكان وخاصة بعد إحتلال العراق عام 2003.وما يحيرني فعلا هو الحمية التي جملها السوفيت على البعثيين وصدام، رغم أنه أمريكي الإعداد والعدة، ونتذكر بهذا السياق أن من أبطل إنقلاب ناظم كزار على البكر وصدام 1973، كانت المخابرات السوفيتية التي أوعزت لعميلها (جيفكوف) في بلغاريا ان يؤخر وصول البكر، فاضطربت الأمور وفشل الإنقلاب(تابعوا إعترافات حامد الجبوري على اليوتوب).

لم يكن عبدالكريم منحاز ضد فئة أو جهة أو حزب أو طائفة أوجماعة ضد أخرى، وهذا ما جعله يواجه جميع الأطراف بممارسة القيم التي أزيلت خلال قرون من المسخ السلاطيني والإحتلالات.أما توجهه الإقتصادي فكان (إشتراكي –ديمقراطي) اي بتطابق تقريبي مع الأحزاب الإشتراكية التي تبعت الأممية الثانية في الغرب، وربما كان قد أطلع على تجربة السويد في ذلك، اي توسيع نطاق الطبقة الوسطى إلى الحد الضامن لتنمية بشرية شاملة دون تأميمات قسرية على طريقة (الإشتراكية العربية) التي طبقها ببلاهة عبدالناصر وعبدالسلام وحطم على أثرها الإقتصادين المصري والعراقي. ولم يتبع بما أرد الشيوعيون من بناء (إشتراكية علمية )، شمولية ومركزية قسرية، والتي أضاعت بعد عقدين أوربا الشرقية وأوصلتها إلى إفلاس بكل شئ. كان عبدالكريم منتمي للجموع المسحوقة والوطن، حتى أن إنشغاله جعله لم يسافر خلال أربع أعوام ونصف من حكمه خارج العراق . ومن المؤكد بأنه لم يكن عميل لأي جهة خارجية، بشهادة حتى اعداءه وكلهم ندموا على قتلهم له حتى عبدالغني الراوي وصدام الذي حاول إغتياله.وحسبما أن الفرقاء السياسيين والأحزاب العراقية بمجملها سارت بإملاء من المخابرات العالمية.

وحري أن نشير إلى ان البعثيين كان أداة طيعة بيد المخابرات الأمريكية، ولهم و(مسؤول حزبي)هو شاه إيران، ونتذكر كيف ان عبدالغني الراوي وحسن النقيب وناظم كزاز توجهوا لأيران دون تردد حينما فشلت إنقلاباتهم، بل أن عبدالغني الراوي (الأخوانجي العروبي الناصري السني) المتعصب كان يحمل جواز سفر إيراني.وأن شاه إيران كان يعلم كل خفايا السلطة العراقية حتى كتب حسنين هيكل بأنه كان على مكتبه عام 1975 ملف كامل ومفصل عن الجيش العراقي، وحسبي أنه لم يأت بوحي من السماء، وإنما من تخابر هذا الرعيل، الممثل في صلب السلطة العراقية. لذا فالمؤامرة كانت أكبر من عبدالكريم قاسم والعراق كدولة ومجتمع وأحزاب، وكان سقوطه أمر مفروغ منه، بل أن الرئيس الأمريكي كندي قال: أن لم تسقط بغداد في شباط 1963، لكان الجيش الأمريكي قد وصل بغداد على اثرها.

العراق اليوم هو ملكي ببرقع جمهوري، فكل الجهات الملكية تجدها ممثلة في الحكم إبتداءا من أحمد جلبي حتى عادل إبن عبدالمهدي المنتفجي. فقد تحول الولاء من تركيا العصمنلية إلى إيران الصفوية، وتغيرت السلطةن من طائفية سنية إلى شيعية، لكن النصاب هو نفسه يكرس عدم الإنتماء للوطن العراقي .نجد المطابقة بين الملكية واليوم بأن الدولة المركزية معدومة تحت رغبة كهنة الدين وشيوخ العشائر وأغوات الأكراد. والتي لها كل المصلح بضعف المركز كي تمارس ما بدى لها.وهذا سبب كاف بأن حفيد محسن حكيم (عمار) وكل طبقات الساسة المعينين اليوم على أسس عشائرية ومشايخيه ومناطقية وطائفية، يناصبون العداء لتأريخ عبدالكريم ومنجزه، بل ينتقمون منه، كونه أضرهم بالصميم قبل ستة عقود، حينما طردهم من الباب فعادوا من الباب كذلك.وهم اليوم يطبقون النموذج الملكي بحذافيره، لذا ولمن يحن على أيام الملكية فهي اليوم مجسد في سلطة العراق، حتى لو أختفى من إطارها الملك الحجازي المستورد الذي حمل بعض العاطفة للعراق، وأبدلوه برئيس كردي مكث كل عمره يبصق على أسم العراق ويناصبه العداء، واليوم يقوده نحو التهلكة.

 

د.علي ثويني

 

كاظم الموسويتسريب الرسائل المرسلة من السفير البريطاني في واشنطن كيم داروك (Kim Darroch) إلى مرؤوسيه في لندن لم يكن سبقا إعلاميا فقط ورد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عليها بتغريداته الفاضحة، تضيف اليها، وتكشف ما وراء الاكمة. اذ أن الرسائل ليست كلمات عابرة أو تقييمات آنية وليست توصيف حال وحسب وانما اعتبرت تقريرا أو تقديرا رسميا نقل وقائع رآها السفير المخضرم وعاشها وعبر عنها من خلال تجربة وخبرة دبلوماسية ليست قليلة. والقصة بتفاصيلها. تسرد خلفيات أخرى وتثير تداعيات تدور في فلك العلاقات بين العاصمتين، لندن وواشنطن، وبين الادارتين المتشابهتين، توجهات وسياسات وتفاهمات وحتى ايديولوجيات. فما حصل لم يكن تسريبات وتغريدات وفضائحا أعلامية وسياسية وانتهى الامر، وانما عكس ايضا تناقض العلاقات واساليب التخادم البيني، بين الدولتين، والمصالح العامة بينهما غير الاستراتيجية الخاصة.

كتب السفير البريطاني في واشنطن في رسائله ومذكراته، التي سربت ونشرتها صحيفة "ميل أون صنداي" البريطانية (2019/7/6) واصفا الرئيس الأميركي، على نحو شديد الصراحة، بأنه "يفتقر إلى الكفاءة"، وإنه "شخص غير مستقر". وإنّ "رئاسة ترامب قد تتحطّم وتحترق وتنتهي بوصمة عار". الرسائل كثيرة يعود بعضها إلى العام 2017. وجاء في إحداها: "لا نعتقد حقا أنّ هذه الإدارة ستصبح طبيعية أكثر، وأقلّ اختلالاً، وأقلّ مزاجية، وأقل تشظيا، وأقل طيشا وحماقة وانعداما للكفاءة من الناحية الدبلوماسية".

في مقابلها، ومنذ نشرها، غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر (9/2019/7)، واصفا السفير البريطاني في واشنطن كيم داروك بأنه "شخص غبي جدا"، وعلى اثرها تاثرت العلاقات بين الولايات المتحدة وبريطانيا وشهدت توترا، لاسيما بعد وصف الإدارة الأمريكية بأنها "خرقاء وعديمة الكفاءة، ولا تؤدي واجباتها كما ينبغي". وأعلن ترامب قبل ذلك أن الولايات المتحدة "لن تجري بعد الآن اتصالات مع السفير"، وإنه يدعو الحكومة البريطانية الجديدة إلى تغييره. وبعد أن أكد أنه لا يعرف داروك، قال ترامب إنه سمع بأنه "أحمق ومغرور"!.

كما هاجم الرئيس ترامب رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي كذلك، في وقت بدت فيه لندن محرجة، و«أبدت أسفها لتسريب مذكرات سرية». لكن ماي سارعت إلى التعبير عن دعمها لسفيرها أمام تغريدات ترامب، وقال متحدّث باسم الحكومة إنّ «السير كيم داروك لا يزال يحظى بدعم رئيسة الوزراء الكامل»، وهو ما دفع ترامب للهجوم عليها مُجدداً الانتقادات التي وجهها إليها في الماضي بشأن تعاملها مع قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقال ترامب: «يا لها من فوضى تسبّبت فيها هي ونوابها، قلت لها ما الذي يجب أن تفعله، لكنها قررت سلوك الطريق الآخر.. وقامت بذلك على طريقتها السخيفة. إنها كارثة!».

أمام هذا الوضع استقال الدبلوماسي البريطاني وكتب في رسالة استقالته التي وجّهها إلى رئيس السلك الدبلوماسي البريطاني سيمون مكدونالد: “أعتقد أنه في الظروف الراهنة، المسار الواجب اتباعه هو إفساح المجال أمام تعيين سفير جديد”. وأوضح داروك أنه “منذ تسريب الوثائق الرسمية الصادرة عن هذه السفارة، أطلقت تكهنات حول منصبي ومدة ولايتي كسفير”، موضحا أن “الوضع الحالي يجعل من المتعذر بالنسبة لي ان أواصل القيام بواجبي كما أرغب”.

وأعربت ماي عن أسفها لاستقالة داروك. وأعلنت في مجلس العموم “من المؤسف جدا أنه اعتبر أن الضرورة تقتضي أن يغادر منصبه كسفير في واشنطن”. وأضافت ان “الحكومة الجيدة تعتمد على قدرة موظفيها على تقديم النصائح الصريحة والكاملة. أريد أن يتمتّع كافة موظفينا بالثقة اللازمة للقيام بذلك”. وهذا كلام واضح أو رد موجه. بدوره أعرب جيريمي كوربن زعيم حزب العمال المعارض عن “أسفه لاستقالة كيم داروك"  وقال “أعتقد أنه قدّم أداء مشرفا ونوعيا يستحق أن يشكر عليه”.

يعد داروك البالغ 65 عاما من الدبلوماسيين الأكثر خبرة، وقد عمل 42 عاما في السلك الدبلوماسي. وكان قد تولّى منصب سفير بريطانيا إلى واشنطن في كانون الثاني/يناير 2016 قبل فوز ترامب بالرئاسة. وشغل سابقا منصب الممثل الدائم للملكة المتحدة في بروكسل من عام 2007 وحتى العام 2011، ويعتبر من المؤيدين للاتحاد الأوروبي وضد البريكست.

فتحت الحكومة البريطانية، كعادتها الروتينية، تحقيقا لكشف المسؤولين عن التسريب والنشر للمراسلات السرية في صحيفة “ميل أون صنداي”، وتنوي ملاحقتهم قضائيا. كما وعدت بالتحقيق في ملابسات ما جرى، ووصفت الخارجية البريطانية تسريب المذكرات الدبلوماسية بأنه "تصرف مُضر"، لكنها، بالمقابل، لم تنف صحة الوثائق المسربة، بل إن المسؤولين البريطانيين الذين علقوا على الموضوع أبدوا تعاطفاً مع سفيرهم في واشنطن، رغم انتقادهم لتسريب المذكرات، حيث نسب إلى ديفيد غوك، وزير العدل البريطاني، قوله إنه من المهم أن يقدم السفراء نصائح أمينة وصريحة لبلادهم، و"يجب أن نتوقع من سفرائنا قول الحقيقة، كما يرونها". مثله تحدث متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية إن الناس يتوقعون من الدبلوماسيين أن يوفروا للوزراء "تقييما صادقا وصريحا" للأوضاع السياسية في البلاد التي يعملون فيها، ولا يعني ذلك بالضرورة أن يتبنى الوزراء أو الحكومات وجهات النظر هذه، لكننا ندفع لهم ليقولوا الحقيقة. حتى رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، أكدت أن لديها "ثقة تامة" بسفير بلادها. بمعنى أن ما جرى بعد التسريب أكد على التسريب وضرره فقط وليس على محتواه ومضمونه ومصداقية السفير فيه، في وصف الرئيس الأمريكي وإدارته وتناقضات سياساته وانتقادها. وهذا أمر ملفت وبيان كاشف للصراعات والتناقضات والتنافس، وما يجري خلف الواجهات والتعاملات والظاهرات.

أعلان راي السفير في الإدارة الأمريكية ورئيسها له أهميته البارزة في فهم ما وصلت إليه الإدارة والرئيس الأمريكي، ويعكس بشكل أو بآخر مواقفا أو اراءا بريطانية معبرة شعبيا وبعض الأوساط الرسمية، وكانت قد توضحت في رفض إستقبال الرئيس الأمريكي اثناء زيارته لندن أو قبلها، والاحتجاج على الكثير من تغريداته حول الأوضاع البريطانية أو بعض المسؤولين البريطانيين، فضلا عن قضايا أخرى.

 

كاظم الموسوي

 

عامر صالحكثر الحديث في ظروفنا الحالية عن ثورة الرابع عشر من تموز للعام 1958والتي اسقطت النظام الملكي وأسست اول جمهورية فتية في تاريخ العراق السياسي المعاصر, ثم أطيح بالثورة في 8 شباط عام 1963 عند استلام البعث للسلطة وبعدها تحول العراق الى مسرح للأنقلابات والمؤمرات العسكرية والمخابراتية والحزبية وكان آخرها قبل الأحتلال الامريكي للعراق هو انقلاب 17 تموز للعام 1968 الذي أتى بالبعث مجددا للسلطة. وكان الحديث عن ثورة تموز يتداوله بصورة خاصة فريقين: فريق انصار الثورة وحلفائها ومؤازيريها يها والذي يرى ان الانقلاب على الثورة سبب في اهدار فرص تاريخية للعراق واستقراره وتقدمه وازدهاره نعاني منها الى اليوم, والفريق الآخر يرى أن في ثورة تموز هو عمل انقلابي عسكري أسس لمسلسل الانقلابات اللاحقة والذي قطع الطريق على التجربة الملكية الناشئة في الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

أذا كانت الشعوب هي التي تزكي أنظمتها او تحجب عنها الشرعية فأن ثورة 14 من تموز/1958 تمتعت منذ انطلاقتها الأولى وحتى نهايتها على يد النظام الأنقلابي البعثي الفاشي في 8 شباط/1963 بزخم جماهيري هائل واستعدادات ذاتية للدفاع عنها, ولم يكن موقف الشعب العراقي انذاك موقفا انفعاليا عابرا بل استند الى مجمل المعطيات الأقتصادية والأجتماعية والأنسانية العامة التي كان برنامج الثورة يتبناها ويسعى الى تحقيقها وكانت بمجملها تستجيب لمطالب الشعب العراقي في تحسين ظروف العيش والحياة العامة والسيطرة على ثروات البلاد بعد ان أخذ الفقر والبؤس والعوز والفساد مأخذه في حياة الناس في الحقبة الملكية وبالتالي كانت الثورة استجابة لتفاعلات العوامل الذاتية والموضوعية التي وصلت ذروتها في رحم النظام الملكي. وقد كانت للثورة انجازات كثيرة وأهمها القضاء على الإقطاع وإلغاء قانون دعاوى العشائر وإصدار قوانين عادلة كثيرة مثل قانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي وقانون مجانية التعليم وقانون تأميم النفط وكذلك التطور الملموس في الاعمار والاسكان والصحة وعموم الخدمات قياسا بعمر الثورة التي لم تكمل الخمس سنوات.

ومن اراد ان يطلق تقيما لثورة 14تموز اليوم عليه ان يقيم ذلك الحدث ضمن خصوصية الزمان والمكان الذي وقعت فيه الثوره واعتقد سيسعفنا منهج البحث التاريخي وادواته في وضع الثورة في سياقها الذي نشأت فيه, وبالمقابل أن من يمجد الملكية العراقية اليوم عليه ان لا يتأثر في تقيمه بنموذج مملكة السويد أو الدنمارك او المملكة البريطانية ويتخذها محكات لأضفاء الهالة على المملكة العراقية, فالملكية في العراق كانت تعكس في طبيعتها تحالفات الأقطاع والعشائر مع سلطة الكومبرادور. كما ان الباحث الموضوعي في هذا الشأن عليه ان يقتفي اثر منهجية البحث العلمي الشاملة في الاحاطة بالظاهرة وملابساتها ومراحل تشكيلها, فعندما تنتقد جوانب عديدة في مسار ثورة تموز القصير عليك انسانيا ان لا تبارك الانقلاب عليها وتشجع على سفك المزيد من دماء الابرياء, او تسكت عن عقود لاحقة من الحروب والظلم الاجتماعي التي سببها نظام البعث الى ما قبل سقوطه في 2003 على يد المحتل الامريكي.

اما ما يشار الى الظواهر اللاانسانية التي حدثت في بداية الثورة من سحل وقتل وتعذيب لرموز النظام الملكي فهي ظواهر يندى لها الجبين وغير مقبولة قيميا واخلاقيا وانسانيا وان السلوك الوحشي اتجاه من يعارضك مرفوض جملة وتفصيلا, ولكن للامانة التاريخية وهناك وقائع جرت في العهد الملكي فاقت اضعافا مضاعفة حجم ضحايا ثورة تموز " ان صح التعبير " وان اعداد من سقطوا في ظل النظام الملكي " على سبيل المثال لا الحصر " في مدينة الحي الصغيرة لوحدها عام 1956 أو في سجن الحلة أو في انتفاضة 1948 يفوق ما حدث في 14 تموز. عدا عن المجزرة التي ارتكبت ضد عمال النفط المضربين في كركوك، وعمال النفط في البصرة، ووثبة كانون عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، وانتفاضة تشرين عام 1952 في بغداد، ومجزرة عام 1933 ضد الآثوريين في الشمال والتي ذهبت ضحيتها في اقل التقديرات خمسة آلاف ضحية, الى جانب الاعدامات والتصفيات الفردية للكثير من القيادات السياسية المعارضة والنشطاء السياسيين. الى جانب الرعب اليومي للاجهزة السرية والمخابراتية.

اما اعمال العنف والتصفيات الجسدية لرموز النظام الملكي ولاحقا لرموز اول جمهورية فأنها تعبر جليا عن سلوكيات القطيع الخطيرة في المنعطفات التاريخية واكثرها خطورة تلك التي يغذيها خطاب الثقافة الشوفينية والعنصرية الذي يشدد من قبضة الكراهية واستباحة الدم والتحريض على القتل. ان مرور 61 عاما على ذكرى الثوره واستعصاء أزمة الحكم وعدم المقدرة على حل المعضل السياسي وعدم وجود انجازات في الحاضر جعل الناس اكثر نكوصا وتقهقرا وعودة الى الماضي للبحث في ثناياه بما يشبع رغبتنا في الأنجاز ولعل الأفراط في الحنين الى الملكية واعتبار كل ما حصل فيها هو مثالي ويجب استذكاره وتكراره هو مؤشر لأحباطات الحاضر وعدم القدره في ألتماس افق مستقبل افضل. اما الهجومات هنا وهناك على ثورة تموز فهي اسقاط سيكولوجي بأمتياز في تحميل الآخرين فشل المنظومات السياسية التي أتت ما بعد الثوره الى يومنا هذا حيث خاتمتها الأحتلال الأمريكي واسقاط الديكتاتورية عبر الأحتلال والذي اسقط الدولة ومؤسساتها ولم يسقط النظام ومنظومته الأخلاقيه.

ان البحث المحايد نسبيا في ثورة 14 تموز عام 1958وتناولها في اطار الظروف الوطنية والاقليمية والدولية التي نشأت فيها يضعها في مكانها الصحيح, ولا يمكن لنا ابدا تقيم الثورة انطلاقا اليوم من اسقاط ظروف الحاضر المتغير ومطالبة الثورة ما يجب ان تكون اليوم عليه فهذا مغاير لسنة الحياة المتجددة بدون انقطاع وخاصة في السياسة, ولكن بما لا يقبل الجدل كان قائد الثورة الشهيد عبد الكريم قاسم وطنيا مخلصا ومحبا لشعبه بفطرته الخالصة, اراد الخير للعراقيين ولكن الشوفينية القومية والتعصب الاعمى والاستحواذ على السلطة لم تدعه يكمل مشواره. كل بلاد العالم وخاصة المتحضر منه تحترم ثوراتها الوطنية والتحررية رغم اختلافاتهم في تقييم الاحداث ولكن يبقى الاعتزاز برموزها قائما الى اليوم وكل حسب ادائه ومهمته في ظروف تختلف نوعيا عن ظروف الحاضر. 

بالتأكيد ان الحديث عن عبد الكريم قاسم اليوم في العراق وخاصة بعد سقوط النظام الدكتاتوري ومرور 16 عاما على ما يسمى النظام الديمقراطية في العراق هو الآخر ذو شقين: الاول يدعو الى الاستفادة من دروس الثورة لأصلاح الحياة العامة في العراق والوقوف ضد الاحترابات القومية والمذهبية التعصبية والشوفينية التي حرفت مسار ثورة الرابع عشر من تموز ويدعو هذا الفريق ايضا الى الذهاب بعيدا وجديا في تنفيذ مشروع الاصلاح الشامل في منظومة الحكم الفاسدة ودرء خطر عودة داعش مجددا, وفريق لا يستطيع تجاوز اخطاء الثورة التي حصلت والارتقاء ببدائل التفكير المنتج لأعادة صياغة الحاضر في مستجدات العصر وضروراته وشعارهم دوما: " لو مو عبد الكريم قاسم لكان أحنة هسه بنعيم الملكية ". انها فعلا ازمة فشلنا في استثمار الماضي ايجابيا وصعوبتنا في بناء حاضر ومستقبل افضل.

 

د.عامر صالح

 

بشار الزبيديعن صحيفة (دير شبيغل) الألمانية

نُشر في: 25 فبراير 1959

ترجمة: بشار الزبيدي

أصغى مستمعو الإذاعة العراقية مجدداً وبعد فترة طويلة إلى الصوت المألوف لأحد أعظم أبطالهم الثوريين: انه العقيد عبد السلام عارف. المُنقلب، الذي شاركت كتيبته العسكرية كقوة مهاجمة ضد عرش الملك في بغداد. ولم يكن وقتها يدعوا إلى النضال من أجل الحرية العربية وإنما من أجل إقامة جمهورية العراق. وقد ألقى بطل الثورة خطابا دفاعياً هذه المرة. ولم يكن يصرخ كما هو معتاد في خطبه الحماسية، فكان يحتج بهدوء وبصورة متواضعة ضد اتهامه بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم، أحد كبار المتآمرين معه في انقلاب يوليو.

عارف الذي حقق النصر مع اللواء قاسم، قد ندد بإخفاقات النظام الإقطاعي المخلوع بعد نجاح الثورة، أصبح بعدها في موضع اتهام وقد بثت إذاعة راديو بغداد تسجيلات من المحاكمة السرية لزعيم العراق الجديد، عبد الكريم قاسم، للـ"الأخ الثوري " عبد السلام عارف.

الضباط المنقلبون، الذين حطموا سلالة بغداد الهاشمية وأعلنوا الجمهورية في 14 يوليو 1958، كانوا في حالة شجار حول سؤالهم عن جدوى نصرهم الذي حققوه؟. سياسة "لا للغرب" الموجهة للنظام القديم صاغوها معًا ؛ فيما قالوا نعم لمنهاج مستقبلي وتحدثوا عن ذلك بآراء مختلفة. وبالنسبة إلى اللواء قاسم، فإن الخلط في كلام عارف كان كافياً للحُكم عليه بالإعدام.

كان الجمهور العربي مذعوراً وهو يستمع لإذاعة راديو بغداد عن خصام الأشقاء الثائرين. وكان هناك تساؤل ما إذا كان عارف حقًا هدد اللواء قاسم بالمسدس أم - كما أكد عارف - أراد فقط الانتحار بدافع اليأس السياسي في عيون رئيسه المتآمر السابق. كانت تهم القتل العمد ضد عبد السلام عارف حزمة إجرائية ضعيفة.

كان العقيد عارف في قفص الاتهام حول تعاونه مع جمال عبد الناصر الذي لم يكونوا اتباعه أمراء إقطاعيين ضعيفين للقوى الاستعمارية الغربية، وإنما كانوا ثوريين يدعون للنضال من أجل الاستقلال العربي.

منذ عام 1952، وعندما اطاح العقيد جمال عبد الناصر بعرش "الملك فاروق"، كان الطريق المصري هو الطريق الوحيد لتحقيق هدف الحرية العربية والاستقلال العربي. وكان عبد السلام عارف يرى ضالته في القاهرة. مع اقتناعه بأن بغداد أصبحت لاعبا في النضال من أجل الروح العربية.

ما قدمه العقيد عارف امام المحكمة العسكرية في بغداد كان عملاً مشرفاً بين الشعوب العربية حتى وقت قريب: أراد عارف قيادة وطنه العراقي إلى معسكر حركة التوحيد والاستقلال العربية، (المعسكر الناصري). كان يدير اتحاد العراق بالتعاون مع الجمهورية العربية المتحدة التي شكلها ناصر.

كان يمكن فرض عقوبة الإعدام بحق عارف بعد تعاونه مع عبد الجمال ناصر. كان عبد الجمال ناصر يريد حشدًا عربيًا مفعمًا بالحيوية ولذلك دعا عارف للوقوف بجنبه.

بعدها صرح رئيس محكمة الشعب العراقي قائلاً:"لقد حررت ثورة 14 يوليو الشعب العراقي وستحرر جميع إخواننا العرب. خاصة الشعبين السوري والمصري ".

اتت التصريحات في ظل هتافات في شوارع بغداد، كانت تُرفع فيها صور جمال عبد الناصر أكثر من صور عبد الكريم قاسم .قبل أن يتم حظر عرض التقارير الإخبارية التي تظهر عبد الجمال ناصر بعد خلافات بين مؤيديه.

كان عبد الكريم قاسم، السياسي المبتدئ، يرفض الرضوخ للزعيم الشعبي الصريح ناصر. وضعت المنظمات الشيوعية السرية في الشرق الأوسط، وبموافقة موسكو، تجاربها في تنظيم ما يسمى تظاهرات الشوارع التلقائية المؤيدة لرئيس الوزراء العراقي غير المدرب عبد الكريم قاسم.

ولإظهار قوتهم، قامت المنظمات الشيوعية بمسيرة تتكون من حوالي 200,000 شخص عبر شوارع مدينة بغداد لحضور جنازة شهداء قتلهم أتباع ناصر. وقدمت الصحف العراقية الشيوعية شعارات لـ "القومية العربية الأصيلة والمتحررة"، فيما كانوا يرون بأن قومية عبد الناصر مجرد "خُرافة مغلوطة".

تردد قاسم لبعض الوقت قبل تسليمه مرسوم إلى رفيقه عارف، الذي كان في البداية نائباً لرئيس وزراء الحكومة الثورية، وأخبره علنًا أنه خائن للقضية التي كانت مشتركة بينهما. وقد أمر قاسم بإعفاء عارف من مناصبه وبتعينه سفيراً للعراق في ألمانيا الغربية في مدينة بون وكانت الخطوة من أجل تطبيق الامتناع السياسي عليه، وبعدما عاد للعراق من مؤتمر سري في القاهرة، أمر عبد الكريم قاسم بالقبض عليه في مطار بغداد. وحتى لا يثقل كاهل "وحدة الجبهة العربية"، انتظر قاسم حتى نهاية يناير لتنفيذ حكم الإعدام ضد عارف وبث المحاكمة السرية.

في هذه الأثناء، وبفضل متظاهريه الشيوعيين، تمكن اللواء قاسم من القضاء ليس فقط على الناصريين والعارفيين في العراق من خلال موجة من الاعتقالات، وإنما أيضًا حزب الاستقلال اليميني من خلال إضعاف وإدانة زعيمهم الأبرز، عدو بريطاينا القديم رشيد عالي الكيلاني.

قام الكيلاني في عام 1941 كرئيس وزراء للعراق بالتعاون مع سلاح الجو الألماني بدعم الانتفاضة الوطنية ضد الانجليز. بعد انهيار حركته اضطر إلى الفرار من بغداد. ومن طهران ذهب إلى ألمانيا، حيث استقبله أدولف هتلر كحليف عربي في الحرب ضد بريطانيا.

بعد الحرب، عاش الكيلاني في المنفى في المملكة العربية السعودية ومصر حتى انقلاب يوليو العراقي، حيث كان على اتصال مع حركة ناصر. ثم اعتقله قاسم بعد عودته للعراق.

لأول مرة منذ بداية النهضة العربية الناصرية، لم تعد الكوكبة السياسية في الشرق مصممة على إبقاء الأنظمة الإقطاعية ذات التوجه الغربي وكان يُعتبر المصري جمال عبد الناصر المصري الممثل الوحيد لمستقبل الشرق الأوسط.

بالإضافة إلى التجديد العربي الذي بناه ناصر على اطراف النيل، ظهر مركز جديد لحركة الحرية في العراق بعد قمع أصدقاء ناصر في العراق. لأن القوى الغربية وبسبب سياسة القوارب الحربية التي تتبعها على قناة السويس وتعلقها القوي بإسرائيل، كان يجب عليها الاعتماد على القوى التي تسعى للهروب من التجديد العربي بسبب قلقها من الثورات الاجتماعية التي يقودها ناصر، وحقيقة أن الاتحاد السوفيتي فقط من يمكنه الاستفادة من القطبية الجديدة للشرق الاوسط.

مع تسليم الأسلحة السوفيتية، وإعلان برنامج مساعدات سوفيتية للعراق، ودعوات من السياسيين العراقيين إلى إقامة علاقات مع موسكو وبراغ وبودابست، أثبتت الحكومة السوفيتية عزمها على دعم عبد الكريم القاسم لتحقيق الاستقلال بمعزل عن المسار المصري.

إن النكسة التي كان يعانيها ناصر على الأقل من الناحية النفسية - بسبب إصرار قاسم على استقلال العراق ستجعل المصري أكثر اعتماداً عليها.

وبسبب صداقة الولايات المتحدة مع إسرائيل، كانت تتوقع موسكو أن تظل الكتلة الشرقية في القاهرة شريك مرحب به أكثر من الغرب.

كتبت صحيفة "Neue Zürcher Zeitung" حول الصراع بين العراق الغني بالنفط ودولة الفلاحين الفقيرة مصر: "وضع ناصر في هذه الظروف لا يحسد عليه بأي حال من الأحوال." وفي المنافسة السلمية بين مصر والعراق شبه الشيوعي، تتمتع بغداد بمزايا واضحة على القاهرة. ولأول مرة، يُمكن اعتبار مناورة ناصر محدودة. "

سعى الجنرال المنقلب قاسم للحصول على دعم رعاته السوفيتيين من أنه يمكن أن يطور استقلاله عن جمال عبد الناصر إلى العمل الحر مع موسكو.

يثق السوفيتيون في جعل قاسم أداتهم، تمامًا كما كان رئيس وزراء الملوك الهاشميين العراقيين، نوري السعيد، الذي قُتل في انقلاب يوليو، طوال عقود هو الشريك الأكثر موثوقية في دبلوماسية الشرق الأوسط البريطانية.

قرر قاسم وضع اثنين من المنظمات الشيوعية التي قدمت له الذراع القوي للقتال ضد الجبهة الناصرية في العراق وهما "ميليشيا المقاومة الشعبية" واتحاد الطلاب تحت سيطرة الجيش، لكن لم يبذل رئيس الوزراء العراقي أي جهد في الأشهر السبعة من حكمه لاتخاذ أي إجراء سياسي آخر بهذا الصدد، بصرف النظر عن عدم رغبته في الارتباط مع ناصر. كان يتصرف مثل الجنرال نجيب الذي عزله ناصر. لم يكن يبدو أن لدى عبد الكريم القاسم أي قرارات أخرى يتخذها منذ أن أرهق طاقته وعزيمته في انقلاب يوليو.

لم تؤدِ أيضا المحاكمات الاستعراضية العديدة المذهلة إلى تصفية ممثلي الماضي، كان قاسم معروف بأنه لا يطبق أي من أحكام الإعدام ضد السياسيين في النظام السابق - كما أن إصلاح الأراضي ,القرار الأساسي للعراق الذي وعد به, لم يُنفذ بعد الثورة مباشرة.

ومع ذلك، فإن السوفيتيين لم يعتمدوا فقط على قاسم المتردد "العائم" الذي لا تزال تجاربه السابقة تنتمي إلى فئة المبتدئين في حنكة الدولة في الشرق الأوسط.

اعتمد الكرملين، الذي قدم دعمه إلى قاسم، على عاملين غامضين في العراق، اللذين تم تنشيطهما بمساعدة سوفيتية خفيفة ويمكنهما في أي وقت القضاء على قاسم إلا وهما (الشيعة والأكراد), إذ يعتبران ورقتان رابحتان لموسكو.

من بين ما يقرب من سبعة ملايين نسمة في العراق، يميل غالبية الشيعة في العراق إلى الوحدة مع إيران، حيث الإسلام الشيعي هو دين الدولة. إنهم يدافعون عن أنفسهم ضد الخوض في البحر السني للوحدة العربية الناصرية، وكانوا يدعمون مسيرة عبد الكريم قاسم المستقلة عن ناصر. ومع ذلك، إذا شعر رئيس الوزراء العراقي في يوم من الأيام بالضغوط من موسكو للوقوف مع القاهرة، فإن الدعاية المعادية للسنة التي يديرها مجموعة من الديماغوجيون الشيوعيين المدربين يمكنها أن تعبئ الشيعة لصالح قاسم.

بالنسبة إلى قاسم فأن قضية الأكراد أكثر إثارة للقلق فهم ليسوا من أصل عربي. وإن دعوة ناصر لتوحيد العرب لا تخصهم أبداً. الأكراد الذين يعيشون في مناطق متفرقة في تركيا والاتحاد السوفيتي وسوريا والعراق وإيران يحلمون بدولتهم. ويمكن أن تصبح هذه الأحلام، بدعم من السوفيات، تهديدًا خطيرًا للعراق.

اتخذت موسكو احتياطاتها: ففي أوائل شهر أكتوبر من عام 1958، عاد الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني إلى العراق بعد أحد عشر عامًا في المنفى. ولم يقيم البارزاني بين شعبه في شمال العراق، بل في العاصمة بغداد وكان على استعداد للتعاون مع قاسم، كما صرح الكرملين السوفيتي.

عاد البارزاني الذي حصل على لقب قائد في الجيش الأحمر في المنفى السوفيتي، إلى المكان الصحيح حتى وأن كان هناك سياسة أقل تعايشًا للأكراد في العراق.

لعب البالغ من العمر خمس وخمسين عامًا آنذاك دورًا قياديًا في جميع الانتفاضات الكردية ضد حكومة بغداد منذ عام 1930: كان برزاني قائد الجيش الكردي في "الجمهورية الكردية المستقلة"، التي تم تأسيسها بدعم من السوفيتيين بعد نهاية الحرب الأخيرة في شمال إيران، قبل أن يفر من القضاء الإيراني إلى الاتحاد السوفيتي.

كانت لا تزال سمعة البارزاني بين زملائه من القبائل قوية للغاية بعد عقد المنفى، حيث في منتصف ديسمبر من عام 1958 كانت هناك شائعات بأن عبد الكريم قاسم قد وضع العائد إلى بغداد (البارزاني) رهن الإقامة الجبرية, مما أدى إلى اضطرابات بين الأكراد العراقيين.

ناصر الملا مصطفى البارزاني الشيوعيين العرب وعبد الكريم قاسم ضد ناصر. فيما صرح رئيس أكبر حزب شيوعي في الشرق، خالد بكداش من الحزب الشيوعي (المحظور) في سوريا، بأن حركة ناصر العربية تمثل سياسة "البرجوازية القومية"، في حين تتماشى سياسات قاسم مع المصالح الحقيقية للشعوب العربية.

ذكرت صحيفة " Neue Zürcher Zeitung " في يناير 1959: "إن الأحزاب الشيوعية العربية لديها في الأسابيع الأخيرة هدف واحد، وهو تشكيل اتحاد من الدول العربية، التي ينبغي أن تميل إلى الاتحاد السوفيتي ولكن كان الحزب السوري الشيوعي قد عارض بالفعل تشكيل الجمهورية العربية المتحدة سلفاً والسر وراء ذلك، لا شك في أن رأي الشيوعيين العرب أن موسكو ليست مهتمة بجعل جمال عبد الناصر شخصاً مبالغًا فيه, خوفا أن يستولي الأخير على آبار النفط (العراقية)، وقبل كل شيء لأن ذلك من شأنه أن يعطيه فرصة لإقامة إمبراطوريته الخاصة، والتي تعتمد اليوم على مساعدة من الشرق والغرب.

إن إمكانية إنشاء نقطة انطلاق للاتحاد الموالي للاتحاد السوفيتي في العراق، وحتى إدراج سوريا والأردن في هذه الجمهورية ذات التوجه السوفيتي، كانت ربما جزءًا من خطة في موسكو.

في ضوء هذا التوازن السلبي بعد نصف عام من سياسة قاسم، عبرت صحيفة "نيويورك هيرالد تريبيون" عن قلقها بالقول: "لأول مرة منذ اتفاق هتلر وستالين خلال الحرب العالمية على تقسيم الشرق الأوسط، يمكن أن يتحول تهديد النفوذ الشيوعي في أكبر منطقة نفطية في العالم إلى حقيقة".

وعندما استقال ستة وزراء من حكومة قاسم في منتصف فبراير احتجاجًا على الحكم الذي صدر بحق عبد السلام عارف، فسرت مجلة نيوزويك الأمريكية هذه الخطوة على أنها استقالة للسياسيين من التسلل الشيوعي المتزايد باستمرار.

ومع ذلك، فإن الإنجليز، الذين كانوا نشطين بالفعل في الشرق الأوسط قبل أن ينقسم العالم إلى معسكرين شيوعي وآخر غير شيوعي، اكتشفوا أن الأعضاء الجدد في حكومة قاسم، كما كتبت لندن تايمز، كانوا يشعرون بالانجذاب لخطة الاقتصاد الشيوعي ولكن لم يكونوا معجبين مغفلين بالساسة السوفيتيين. وكتبت صحيفة التايمز: "في بلد مثل العراق، لا يمكن المساواة بين روسيا كمصدر للمساعدة وبين الشيوعية كفلسفة سياسية في نفس الوقت".

كان تقف قوى الشرق التاريخية في الحقيقة وراء النزاع الدائر بين العراق ومصر أكثر من الفكرة الشيوعية. إن الاستعداد الذي أظهره قاسم في الشراكة مع الشيوعيين يمكن أن يصطدم في حقيقة أن وراء موقف قاسم ضد ناصر سيكون هناك تطوراً ثقيلاً وطويلاً.

إن التنافس بين بلاد ما بين النهرين وأرض النيل هو أقدم من تاريخ الشعوب العربية نفسها التي تعيش في هذه الأراضي اليوم. وبما أن هناك حركة استقلال عربية، سيبقى هناك توتر بين بغداد والقاهرة.

سياسة الامتناع الذي فرضها آخر رئيس وزراء للعراق، المحافظ نوري السعيد، على بلاده بشأن جميع قضايا الحركة الثورية العربية الجديدة، جعل من مصر لبضع سنوات القوة الوحيدة المفترضة لنهضة الشرق الأوسط. فيما أعاد انقلاب يوليو في العراق علاقة التنافس الطبيعية بين الدولتين في غضون عام.

ومع ذلك، فإن إدانة عارف ومقاتل الحرية القديم الكيلاني، اللذين فقدا الثقة في قوتهما في سنوات طويلة من جرائم نوري السعيد القسرية ولم يشهدا الخلاص إلا بعد بزوغ قوة عبد الناصر ومع ذلك، فقد تحول هذا التطبيع أيضًا من الاتحاد إلى المعارضة العدائية.

غالبًا ما تم وضع العراق في طليعة الكفاح في الشرق الأوسط، مما أبقى للواء قاسم إرثا هائلاً بين شعوب الشرق الأوسط، وهو ما يمكن لسيد بغداد الجديد أن يسخره لقضايا جيل الشباب.

تسيد الهاشميون، الذين سقطوا في بغداد عرش الأردن واحيوا بذلك الأمل في قيام إمبراطورية عربية كبرى. في أكتوبر 1918، انضم فيصل الهاشمي الذي كان حفيده الملك فيصل الثاني البالغ من العمر 23 عامًا والذي قتل في بغداد في يوليو 1958 ,كحليف للبريطانيين في دمشق في الحرب ضد الأتراك. يبدو أن الحلم القديم أصبح حقيقة. ففي هذه المدينة وقبل وصول الأتراك بقرون، حكم هنا "الخلفاء" العالم العربي.

الحلم لم يدم طويلاً وبعد ظهور الرغبات الفرنسية في سوريا، قامت بريطانيا، القوة الوقائية للهاشميين، بنقل عرش فيصل من دمشق إلى العراق. لم يغفر الهاشميون لبريطانيا هذا الانتهاك للوعد المقدم في الحرب.

كان نوري السعيد أمين الأسرة الهاشمية الحاكمة، يرى دائمًا في بريطانيا بأنها تمتلك التفوق الطبيعي في العراق، وبمساعدتهم حاول موازنة الوضع في البلاد، بمشاركة تشكيله من الشيوخ.

نوري السعيد صديق بريطانيا، الذي أوقف نصف الانتفاضات المناهضة لبريطانيا، أراد وضع خططه الخاصة بإعادة تصميم العالم العربي. وقبل سنوات من اهتمام مصر - التي كانت تفكر في استقلالها القومي في ذلك الوقت، قدم نوري في عام 1943 خطة توحيد الدول العربية فيما يسمى "الهلال الخصيب".

لقد دافع العراقيون عن تشكيل دولة اتحادية من العراق و "سوريا الكبرى" - تتألف من سوريا ولبنان وفلسطين والتي ينبغي فيها نقل السياسة الخارجية والدفاعية والاقتصادية إلى مجلس اتحادي دائم. وكان على اليهود الحصول على وطن مستقل داخل سوريا الكبرى.

إن تنفيذ هذه الخطة، التي ألهمت بوضوح السوفيتيون في مشروعهم الأخير لكونفدرالية صديقة للسوفيتيين، مع التركيز على بغداد، وقد أزاحت هذه الخطوة مصر إلى حد كبير من العالم العربي وأشارت إلى التفوق الإفريقي: وهو الطريق الذي يأتي منه (نهر النيل) شريان الحياة لمصر ولم تكن فيه المتطلبات الطبيعية موجودة.

ومع ذلك، لم ترغب مصر بغلق الباب مع خصمها القديم، العراق. كتب الخبير الألماني في الشرق الأوسط فريدريك فيلهلم فيرناو عن فشل مشروع خطة نوري السعيد: " دخول مصر نسف إطار مشروع نوري السعيد. في القاهرة عُقد مؤتمر عام للحكومات العربية وكان برئاسة زعيم حزب الوفد المصري مصطفى النحاس وأبدى العراقيون استعدادهم للتعاون العربي، وأيضاً دول شبه الجزيرة العربية، التي تم استبعادها من مسودة نوري السعيد. في الإسكندرية وبعد المفاوضات التمهيدية المطولة تم إنشاء بروتوكول الإسكندرية لخريف عام 1944، والذي تم على أساسه بعد نصف عام، إنشاء جامعة الدول العربية. "

في جامعة الدول العربية، سرعان ما أصبحت مصر أقوى الأعضاء. وما دام الملك فاروق وحزب الوفد يحكمان في النيل، فقد عملوا من أجل إنشاء جبهة فدرالية تابعة للجامعة. لم ترغب حكومة القاهرة في عرقلة الطريق إلى إفريقيا من خلال التعاون الفعال في العالم العربي. ولذا تبخرت لاحقاً أيضاً خطط الوحدة مع العراق.

وصف فيرناو الجبهات في جامعة الدول العربية: "إن الانقسام بين الحل الألماني الكبير والصغير يجد إلى حد ما نظيره في العالم العربي الحالي". يفكر الفيدراليون في جامعة عربية كبيرة، بما في ذلك أكبر عدد ممكن من الشعوب الناطقة بالعربية وهو ما يشبه الاتحاد المرتخ الذي يصعب تصوره. أراد الاتحاديون في بادئ الأمر جلب الدولة العربية الصغيرة وضمها إلى "الهلال الخصيب".

التزم الزعيم الشعبي جمال عبد ناصر في البداية بالفكرة الفيدرالية المتمثلة في العلاقات العرضية، والتي قدمت ميزة القدرة على سكب الجماهير بشعارات عربية شاملة وفائقة دون أن تترك الخط الثابت لسياسات مصر ذات الوجهين، العربي والإفريقي على حد سواء.

لم يكن ناصر قد خرج عن هذا المسار حتى فبراير 1958، أي بعد أكثر من خمس سنوات من وصوله إلى السلطة في القاهرة: لقد ربط سوريا بمصر، وأطلق عليها اسم "الجمهورية العربية المتحدة". وكانت فقط الدولة الإقطاعية في اليمن مرتبطة بإمبراطورية ناصر الجديدة.

لم يسعد ناصر بالنمو الإقليمي السوري. أدى الاختلاف في المستوى الاقتصادي بين دولتي الجمهورية العربية المتحدة إلى توترات فكانت سوريا مقارنة بمصر تعتبر بلد ثري وزادت هذه التوترات مع إعلان الجمهورية العراقية. فقد كان يشكو السوريون من أنهم دخلوا في اتفاق مع القاهرة، بسبب القلق من الانقلاب الشيوعي، بينما بعد بضعة أشهر، كان من الممكن إقامة علاقة مع الجار العراق، والذي أصبح الآن متحرراً من التبعية الغربية.

أثارت محاولات عبد الكريم قاسم لإعادة تشكيل قوات عراقية تقليدية مناهضة لمصر شائعات عن حدوث تغييرات ثورية جديدة قادمة في الشرق الأوسط. وحتى صحيفة "تايمز" اللندنية الحذرة أبلغت عن وجود انقلاب عسكري مُنتظر في العراق. فيما أكد خبراء الشرق الأوسط البريطانيين: أن في هذا الصراع لا يمكن أن تنتصر موسكو ولا القاهرة.