ضياء الحكيممن دروب المنفى بعد عام 2003، رجعوا وتسّيدوا نيابياً وفكرياً ويريد الشعب أن يفهم توجهاتهم السياسية وشركائهم بعد سقوط دكتاتورية العنف ودخول العراق بطش العنف الجديد. 

لايجدي الأسف لتجربتنا السياسية بعد أن تصدرتها المرارة  والإجحاف الذي رافق مجرى الحياة اليومية والشعور العام بأننا على شفا حفرة سقوط  جديدة كوننا محاطون بعقول واهية تتخبط في حديثها وسلوكها في ظاهرة لا تُبشر بظهور النور وإدامته.

أستحالة في فهم التنافس المسلح بين مركزية الحكم الدولة وحرية المحافظات . فهي في أساسها إستحالة مكررة بين أحزاب ومليشيات وتكتلات غير مفهومة السلوك و تحمل تسميات وطنية سياسية واعدة ( دولة القانون، حركة التغيير الإتلاف الوطني، المؤتمر الوطني، تحالف القرار، متحدون، سائرون، تيار الحكمة والبناء، الأصلاح، الوفاق الوطني،الفضيلة، والديمقراطي الوطني الكردي، حركة التغيير الكردية،  وأحزاب  أخرى متزمتة حديثة التشكيل).

ستمر عشرات السنين قبل إجتياز عقبات إستحالة العمل المتزمت نظراً لجلوس قيادات فقيرة الفكر على مقعد المذهب والقومية المفضلة ويجلس المنافقون في ظلها على سجادة الكسبة. وقد أذهلني التصادم المذهل بين وجاهة رجل الإعلام من جهة  والنائب القانع بأنه يمثل " أزمة كل زمان " ويعطي إجابات معكوسة مشاكسة لاتمثل غيرالخدمة الشخصية .

شخصيات تتبادل ليل نهار سخافة وتعارض معلومات والحديث عمن سرق ونهب وقتل وحرائق وإنقطاع كهرباء وتلوث مياه الأنهر، ثم يطلبون من الله عونه ومساعدته في إخماد هذه النيران التي تأكل المجتمع .

فلنتكلم عن اللجنة النيابية عندما تُخترق الأسس الحقيقية للعمل والرقابة ويعلم بها نائب ويقول نصاً " ان ايران قامت برشوة ستة من القيادات الدينية العراقية وكافئتهم ب 800 مليون دولار أمريكي "، دون أن يبادر بتقديم أسمائهم الى هيئة قضائية عليا للنيل منهم . 

فعلاً أذهلتني إجابات نائب يبرر سرقاته ولايظن انه مشارك فيها ويُسمّم الأجواء دون مسؤولية. وقد أدهشت هوس إجاباته المتلفزة مقدم البرنامج وتقديمه لأسئلة محددة له بكل أدب ووضوح . ولوحظ أن ألأهمية القصوى لأمثاله هو التعريف بعمله وبلورة صورته السياسية وإنفرادية  تصرفاته اللا دستورية والتباهي بها  تلفزيونياً . وأثارت من إستمع الى غطرسته وتبريراته والوقت الثمين الذي يطلبه لتناقضات إجابته المتلفزة الحية في برنامج تلفزيوني على الهواء، أثارت وأغاضت الأنسان العراقي المثقف.  فن سياسي يتعارض فيه مايطرح على برلماني من أسئلة وإجابات مذهلة منه يرددها بشيطنة لاهداية فيها والعياذ بالله، حيث يبدو أن الدجل وفنونه لاحدود له ولاخلاص منه . فن نيابي جديد اسمه " رأيت الشيطان وتركته يُسمم الأجواء بحرية ". 

دعونا نصل الى حقيقة الأزمة التي بدأت منذ عام 2003. فهناك " أزمة لكل زمان" . فالعراق في حاجة الى غيث لا غيض والى الوعي لا الغيبوبة . ومعشر العشائر البرلمانية العربية والكردية  هي الأزمة الحالية في ندرة الخدمات البرلمانية ورائحة العملة النقدية الصعبة وسهولة المسؤول وبراعته في جبايتها " بالدولار الأمريكي، الجنيه الإسترليني، واليورو" وتحويلها بإسمه . فكلمة صعبة تعني سهلة وكلمة ديمقراطية دستورية تعني إستحواذ مادي. لقد تغيرت كل المفاهيم الأخلاقية للخدمة العامة . والأنسان هو الشيطان الرجيم  ويرتكب جرائم الرذيلة ويتفاخر بها . سبقهم في تحويل العملة الصعبة - السهلة صدام ومبارك و زين العابدين والقذافي والبشير وأودعوا ما استطاعوا  من أموال في مختلف المصارف الاجنبية . فهل زاد الله من أجرهم وباركهم بإفقار شعوبهم ؟

قد تفوق آلاراء المبعثرة  الحقائق وتفلح في طمس السرقات  أحيانا، وقد تتفوق رؤيا الإنشغال بالسياسة والوصول الى درجة نائب برلماني في لجنة اللاعمل البرلمانية. وقد يستطيع أن يطغي نائب بمنصبه، ولفترة،على بعض مفاهيم المسؤولية الجماعية بمفاهيم الأنفرادية وإختلاق فوضى لا تلاحق بسهولة .

وبعد، فقد إنخرط في حقل السياسة المذنب والخائن والجاني والسارق والفوضوي والمجادل للجدل والمناكفة والمزايدة لا العمل والخدمات المتوقفة. مرحلة سياسية جديدة أوصلت بالبعض الى الإعتقاد بعدم الحاجة الى إخفاء طمع السرقة مادام الوصول إليها بحجة قانونية مبتدعة . كما أن إخفاء أسماء المشاركين في  الفساد وملفاتهم إنتقائية لا تتطلب سوى الإشارة إليهم دون تقديمهم للقضاء .

علينا أن نحذر من يفضح بلسانه وهوجه، زملائه في الوسط السياسي والمعارضة وهو منهم، بل في وسطهم ويعتبرونه فوضوي يستخدم مفردات سوقية رخيصة بلا حياء. شخص يكسر ويجبر ويفهم نفسه ولايفهم الآخرين . أعوذ بالله من أنسان يزهو بنفسه   و يتعاطى  الرشوة الإبتزاز  ويبررها لنفسه . الواضح أن مخيلة مثل هذه الشخصيات السياسية لا تتجه الى الناحية الأدبية والقانونية والقيم الأخلاقية، ولا تؤخذ بها على محمل الجد والتعريف بالجهة الممولة للسرقات والجهة المنفذة والجهة الرقابية.

شخص يناقض القوانين وهو في اللجنة القانونية ويستخف بها  بمغالطات لا عد لها. إجابات منفعلة ومراوغة تختمر في ذهنه كذكاء وقدرة . أمراض زمنية متخثرة في عقله لايستطيع الأعتذار عنها . يحثُ بخفية وسرية الأغنياء خارج العراق على التبرع له بالعملة الصعبة كي يمثلهم عند إنتخابه. فلا تظن أن قيمة الأنسان بمبادئه، فإما أن يتمسك بها  أو يصبح إنسان يخلو من حب الناس ويلعن معارفه ويتلفظ بأسوء الألفاظ  عنهم لأنه برلماني وله حصانة . وقدّم وآخر الأفكار الإستراتيجية وعما سيحدث بين ايران وأمريكا دون أي معرفة بالعلوم العسكرية وملابساتها وخفاياها .   

الفساد المالي يعشعش فوقه فساد الأفكار ويدق الأجراس . والسياسة الرقابية القانونية ليست تلميحات إستهزاء وإشارات ومعرفة بقائمة الفاسدين فقط وإنما الإجراءات المتخذة. ورسالتي هذه تخاطبكم، كمؤمنين مسلمين، وفي يدكم  ملفات لجنايات وسرقات  ملئت رئاسة مجلسكم النيابي. فلا تساوموا السراق بل قدموهم للقضاء الرسمي وليس المسلسل التلفزيوني .

كتبت سابقاً عن الصرعات الدولية المميزة التي  تأخذ بك تاريخياً وحاضراً الى سقوط دول الشكليات وأزمة كل زمان التي لاتُميز نوعية نظامها وأين يسير . وتأخذك أيضاً الى مجادلة سياسية إستراتيجية الى دول تُضيّق أو توسّع ثغرة المفهوم العام للحالتين .

هذه الرؤية الجديدة  لمن وضعوا أجيال العراق في خيبة دائمة وأمنيات لم تتحقق . إنها سياسة تداول و دوران العملة النقدية الصعبة والحديث عنها لاحقاً .

 

ضياء الحكيم

باحث ومحلل سياسي

 

عباس علي مرادبعد انقشاع غبار الحملة الإنتخابية وانتصار الإئتلاف (الأحرار- الوطني) وتشكيل سكوت موريسن حكومته الجديدة وانتخاب انطوني البانيزي زعيماً لحزب العمال والذي بدوره شكّل حكومة الظل، بدأت الحياة السياسية بالعودة إلى طبيعتها ولكن ليس من دون تحديات سياسية إقتصادية إجتماعية وثقافية وغيرها لكل من الحكومة والمعارضة.

أول الغيث، الكباش حول حرية الصحافة بعد مداهمة الشرطة الفيدرالية الأربعاء 5/6/2019 لمكاتب هيئة البث الوطني (أي بي سي)، وقبل ذلك منزل الصحافية آنيكا سميثرست من نيوز كورب، ومساءلة الإعلامي  بن فوردهام الذي يعمل في إذاعة (تو جي بي) بحجة نشر معلومات تمسّ بالأمن القومي، أيّد رئيس الوزراء إجراءات الشرطة معتبراً أنها مؤسسة مستقلة، بينما كان موقف المعارضة مغايراً وطلبت توضيحاً من الحكومة، حيث أدان زعيم المعارضة أنطوني البانيزي بشدة مداهمة منزل الصحافية ووصفه بالعمل "الفظيع".

رئيس الوزراء سكوت موريسن الذي ربح الإنتخابات عكس كل التوقعات، يملك من رأس المال السياسي ما يخوله أن يقول لزملائه في الحزب بأن الكلمة الفصل له، وهذا التعبير كان موريسن قد استعمله أثناء الحملة الإنتخابية، بالإضافة إلى ذلك فإن رئيس الحكومة أكثر إطلاعاً على وضع الإقتصاد الوطني والمالية، فإن موريسن كرئيس للحكومة التي تقرر طبيعة السياسية الأسترالية لثلاث سنوات قادمة يعتبر بوضع أفضل من زعيم المعارضة، إلا إذا عادت ودبّت الفوضى التي عطّلت الحياة السياسية الأسترالية خلال السنوات العشر الأخيرة من التنافس على الزعامة الحزبية سواء عند العمال والائتلاف (الأحرار- الوطني).

أما المعارضة والتي منيت بهزيمة إنتخابية مدوّية تجنبت الصراع على تقاسم نتائج الهزيمة، وسارعت إلى لملمة جراحها وإستطاعت تجنب القطوع  الأول بانتخاب انطوني البانيزي زعيماً للحزب بدون منافس، والذي سارع إلى تشكيل حكومة الظل التي تساوت فيها عددياً مقعاد النساء والرجال مع بعض التعديلات لإرضاء الأجنحة الحزبية، وقد تم توزير زعيم المعارضة السابق بيل شورتن الذي كلّف الإشراف على حقيبة  التأمين للخطة الوطنية للمعاقين.

خاض بيل شورتن الإنتخابات تحت شعار الوحدة الحزبية والفريق المتجانس، وهذا ما أكده زعيم الحزب الجديد الذي قال بأنه التزم بسياسية الحزب خلال السنوات الست الماضية وبالمقابل فإنه يطلب من بيل شورتن أن يعامله بالمثل!

 تسرّبت أخبار نقلتها جريدتي (ذي سدني مورننغ هيرالد والايج 30/5/2019) عن حلفاء شورتن عن نيته العودة إلى قيادة الحزب رغم أن الناخبين قد رفضوه في الإنتخابات الاخيرة وإنتخابات عام 2016 ، وقد وصف الناطق باسم السيد شورتن هذا الخبر "بالهراء". وكانت ديبرا نايت مقدمة برنامج "اليوم" على القناة التاسعة قد حذّرت انطوني البانيزي من أن منصبه في خطر قائلة:  "عليك الإنتباه لأن هناك تقارير تتحدث عن أن شورتن أخبر حلفاءه عن نيته العودة إلى زعامة الحزب".

الجدير ذكره أن العلاقة الشخصية بين الرجلين لم تكن في أحسن حالاتها منذ عام 2013 بعدما تنافسا على قيادة الحزب وقتذاك حيث حظي البانيزي بدعم القواعد الحزبية، بينما استطاع شورتن التغلّب عليه بأصوات أعضاء مجلس الحزب (الكوكس) بموجب النظام الإنتخابي الحزبي الذي عدّله رئيس الوزراء الأسبق كيفن راد عام 2013 للحد من التحديات على زعامة الحزب.

إن سياسية البكاء على الأطلال لن تجدي نفعاً، وقد يكون درس الخسارة مناسبة للحزب لإعادة النظر في سياسته من أجل استرجاع الناخبين الذين هجروه  حيث يقدّر عددهم  بمليون ونصف  منذ إنتخابات عام 2007 والتي فاز فيها الحزب بزعامة كيفن راد بأغلبية ساحقة كما قالت شبكة سكاي نيوز، ولكن كبير المحللين السياسيين في صحيفة ذي سدني مورننغ هيرالد ديفيد كرو يشكك في تلك الأرقام لكنه يؤكد أن هجرة الناخبين لحزب العمال ليست وهماً (س م ه 30/5/2019)، وقد بلغت نسبة الأصوات الأولية التي صوتت للحزب في الإنتخابات الأخيرة 33.3% وهذا ما يدركه البانيزي ويعمل عليه.

ان مشكلة استياء الناخبين ليست وقفاً على ابتعادهم عن الحزبين الكبيرين، حيث ربحت حكومة موريسن أخيراً الإنتخابات بالنسبة الأدنى من الأصوات منذ بدء العمل بنظام التصويت الإلزامي عام 1922 حيث كانت نسبة المقترعين يومذاك 55% وحسب (س م ه 1/6/2019 ص11) فإن الناخبين الشباب يديرون ظهورهم للديمقراطية حيث كانت نسبة التصويت القانونية وغير القانونية أقل من 91% بالإضافة إلى ان 1.5 مليون ناخب لم يقترعوا بالمطلق. 

البانيزي الذي ينتمي إلى جناح اليسار في الحزب يدرك ان الحزب يجب أن يدار من الوسط، وهذه هي السياسية التي عمل بها في الماضي وينوي الإستمرار بها كزعيم للحزب لاعتقاده بأنها سياسة بناءة سواء داخل الحزب أو للناخبين وقطاع الأعمال الكبيرة والصغيرة والمؤسسات المدنية مع المحافظة على القيم الحزبية، وقد حدد نقاط القوة بسياسية الحزب في الصحة والتعليم  وقال أنه برغم أهمية هذين القطاعين فإن الإنتخابات الفيدرالية يجب أن تخاض لتربح على أساس الإقتصاد الوطني كما قال حيث تأمن الوظائف، مبتعداً عن سياسية سلفه الطبقية ومقترباً من سياسية الحكومة التي ركّزت حملتها الإنتخابية على هذا القطاع وقال :"حزب العمال يدعم النمو الإقتصادي كعنصر رئيسي في سياستنا لأن الوظائف دائماً تأتي أولا، ثانياً وثالثاً في سلم الأولويات من سياسة هذا الحزب العظيم".

تواجه حزب العمال وزعيمه في المرحلة القادمة تحدايات أخرى منها الحزبية، الشعبية والعمرية (المتقاعدين والشباب)، والفروقات بين الولايات والمدن والريف التي لا تقل أهمية عن تأمين الوظائف والموازنة بين هذه التحديات التي تتفاوت بين ولاية وأخرى كالمناجم في كوينزلند، وتحديات ثقافية إجتماعية خصوصاً في ما يتعلق بقضايا حرية الأديان والتي لعبت دوراً مهما في الإنتخابات الأخيرة (غرب سدني)، وقضية الإحتباس الحراري التي كانت لها دور في زيادة عدد الناخبين الذين صوتوا لصالح العمال في المدن وفي ولاية فكتوريا، بالإضافة إلى إعادة النظر بالسياسة الضريبية والتي شكلت العامود الفقري في الحملة التخويفية منها المفبرك كالضريبة على الأموات، أو الحقيقية التي شنّها سكوت موريسن والحكومة على سياسية الحزب الضريبية، كالضريبة على دخل المتقاعدين، اقتطاع بعض الأرباح على رأس المال أو وقف العمل بالإستثمار السلبي (النيغتف كيرنغ) للمنازل القديمة. يبدو أن البانيزي يتريّث باتخاذ أي موقف من مسألة الضرائب أقله في الوقت الحاضر خصوصاً ان الإنتخابات على مسافة ثلاث سنوات من الآن.

وبنظرة إلى توزيع المقاعد النيابية بين الريف والمدن نرى أن نسبة 82% من مقاعد العمال في المدن بينما تتدنى هذه النسبة إلى 69% عند الائتلاف.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى وفي هذا العالم الذي يتغيّر بسرعة وتتغير معه الخريطة الإقتصادية خصوصاً في ظل الحرب الباردة التجارية بين الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي لأستراليا، وبين الصين الشريك التجاري الأول، فكيف لأستراليا أن تستطيع الموازنة بين الحليف والشريك حتى لا يتأثر الإقتصاد الأسترالي الذي ينعم بنمو مستمر منذ 28 عام؟! مع العلم إن بوادر التباطئ بدأت تظهر في النمو الإقتصادي والتي بلغت 1.8% وهو أدنى معدل نمو سنوي منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مما دفع البنك المركزي لخفض سعر الفائدة الرسمي الثلاثاء 4/6/2019 بنسبة 25 من واحد بالمئة لأول مرة منذ 3 سنوات، وكان البنك المركزي تردد في خفض نسبة الفائدة قبل الإنتخابات خشية تسييس الأمر والتأثير على نتائج الإنتخابات. وكانت نسبة العاطلين من العمل قد ارتفعت من 5% إلى 5.2% في الربع الأول من العام 2019،  مع إستمرار تراجع أسعار المنازل في المدن الرئيسية خصوصاً سدني وملبورن، مما يؤثر على توقعات الحكومة بتحقيق فائض بالميزانية الذي توقعته (7.1 مليار دولار العام المالي القادم)، وهذا ما قد يؤدي إلى تزويد العمال بالذخيرة السياسية والتصويب على عدم مصداقية الحكومة في ما يتعلق بسياستها الإقتصادية والمالية.

إن استمرار وحدة الحزب متوقفة على إداء البانيزي وفريقه الذي شكّله بالإتفاق وبتنازلات متبادلة بين الأجنحة، والتي تعطي الإنطباع وينظر إليها من قبل الناخبين أنها تتحكم بالحزب بدون محاسبة ولمصالح لا صيغة تمثيلية لها كما تقول الكاتبة في صحيفة ذي صن هيرالد جاكلين مالي. هذا ما أدى إلى الإطاحة بزعامة كيفن راد عام 2010 لأنه لا ينتمي إلى أحد الأجنحة القوية في الحزب، وهي نفس الأسباب التي أدت إلى وصول بيل شورتن إلى زعامة الحزب عام 2013 لأنه ينتمي إلى أحد الأجنحة القوية.  

هنا لا بد من التساؤل عن الدور الذي سيلعبه شورتن وهل سيلتزم بقواعد العمل الحزبية التي تفاخر بها أثناء قيادته للحزب، وهل كان من الأفضل ان يترك السياسة أو على الاقل ان يتراجع إلى المقاعد الخلفية ؟

على شورتن أن يردّ الجميل للحزب ورفاقه الذين تعاونوا معه خلال فترة زعامته وترك السياسة، لأن بقاء الزعيم السابق للحزب، أي حزب، مقدمة لمرحلة من عدم الإستقرار. هناك شواهد من التاريخ الحديث، جان هاورد والذي اطلق عليه مرة (مستر17%) واندروا بيكوك الذي عاد هاورد وانقلب عليه، أو مؤخراً مالكوم تيرنبول طوني أبوت في حزب الأحرار، أو كيفن راد وجوليا كيلعاد من حزب العمال.

أخيراً، هل تغيرت الخريطة السياسية الأسترالية بعد الإنتخابات الأخيرة (18 أيار) أم "ستعود حليمة لعادتها القديمة" كما يقول المثل، في ظل حكومة ربحت الإنتخابات دون أي سياسة جديدة غير المحافظة على الوضع القائم، وتعتبر نفسها بأنها حصلت على تفويض شعبي، ومعارضة لا يمكن الحكم على إدائها وكيف ستقارب القضايا التي كانت إحدى الأسباب لخسارتها الإنتخابات، وكيف ستعمل على ترميم الوضع السياسي للفوز بثقة الناخبين في الإنتخابات القادمة مع المحافظة على قيم الحزب التقدمية. بإعتراف زعيم  المعارضة الجديد أنطوني البانيزي نفسه قد يكون فريقه الجديد ليس كافياً لربح الإنتخابات القادمة، لكنه يؤسس لبداية ولإنطلاقة جيدة.

الشيء المفروغ منه سواء بالنسبة للحكومة او المعارضة، أن الطبيعة تكره الفراغ. فلننتظر لنرى "إن غداً لناظره قريب ".

 

عباس علي مراد  

 

 

عبد السلام فاروقتعميق التعاون مع الصين مخاطرة أم استثمار آمن؟

منذ نحو عِقدين من الآن كانت كل المؤشرات تؤكد أن أمريكا ستظل قوة عظمى منفردة تقود العالم طبقاً لرؤيتها، وأن صعود أى قوى أخرى لن يؤثر فى الدور الأمريكى الكونى . بينما اليوم يتحدث العالم أننا بالفعل قد تحولنا إلى عالم متعدد الأقطاب نتيجة لوجود القوى سريعة الصعود، ونشأة التحالفات الدولية المقاومة للجغرافيا . وبدأ الحديث يتردد من جانب الصين وروسيا ودول أخرى أننا فى حاجة إلى إعادة هيكلة المجتمع الدولى بسبب التراجع المستمر فى الدور الذى تلعبه منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية فى إيجاد حلول جذرية للصراعات الدولية.

معنى هذا أننا إذا تتبعنا الخط البيانى للسياسة الدولية على امتداده، فسنكتشف أن بوصلة الاقتصاد ربما تحيد قليلاً فى المستقبل القريب عن الاتجاه الأمريكى الغربي، وربما نشهد انعكاساً للأقطاب الاقتصادية من الغرب، لتتجه بكل قوتها نحو الشرق الأدنى .

تاريخ العلاقات المصرية الصينية

العلاقات التجارية بين مصر والصين بدأت منذ عهد (كليوباترا)، حيث أتتها وفود تجارية من الصين ببضائعها التى اشتهرت فى تلك الآونة وأهمها الحرير والخزف والحُلِىّ المطعمة بالأحجار الكريمة . وفى عهد الملك فؤاد عادت أواصر العلاقات بين البلدين تنعقد من جديد وحدث بينهما تبادل ثقافى تمثَّل فى وفود من الأزهر إلى الصين للتعليم والتدريب، ووفود من شباب الصين لدراسة اللغة العربية فى الأزهر الشريف . ثم بدأت العلاقات تتخذ منعطفاً جديداً بعد ثورة 52 والتى تزامنت مع بدايات عهد الجمهورية الصينية الشعبية الجديدة فى 1949م، ومع تسلم (ماو تسي تونج) مقاليد الأمور . إذ كانت مصر من أوائل الدول الإفريقية التى اعترفت بالجمهورية الصينية فى مجلس الأمن، ما أدى إلى اعترافات متتالية من عدة دول بعد الدعم الذى أبداه الرئيس (عبد الناصر) للصين . ومنذ ذلك الحين توطدت العلاقات وتنامت بشكل ملحوظ، ولعل من أهم المواقف والأحداث فى تاريخ تلك العلاقة:

1953م: الصين تستورد 45 ألف طن من القطن المصري .

1954م: تعيين ممثل تجاري مصري مقيم في الصين.

30 مايو 1956م: إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

1956م: الحكومة الصينية تدين العدوان الثلاثي على مصر.

1965م: وفد من وزارة الصناعة المصرية يزور الصين .

1973م: (شو إن لاي) رئيس وزراء الصين يعلن تأييد بلاده لموقف مصر فى حرب أكتوبر.

2 أبريل 1983م: الرئيس مبارك يزور الصين كأول رئيس مصري يزورها.

8 أكتوبر 1991م: الخطوط الجوية الصينية تبدأ تسيير رحلات جوية بين بكين والقاهرة.

يوليو 2000م: وضع مصر على قائمة المقاصد السياحية للصينيين.

يناير 2001: توقيع مذكرة تفاهم لتسيير رحلات طيران مباشرة بين البلدين.

2004م: وزير الدفاع المصري المشير محمد حسين طنطاوي يزور الصين.

2014: وفد من رجال الأعمال الصينيين يزور مصر.

5 يونيو 2014: الرئيس الصيني (شي جين بينج) يهنئ الرئيس (عبدالفتاح السيسي) بمناسبة انتخابه رئيسا لمصر، معبرا عن رغبته في تطوير العلاقات بين الدولتين في مختلف المجالات.

17 سبتمبر 2014: تشكيل لجنة وزارية تسمى "وحدة الصين" لتعزيز العلاقات بين البلدين.

22 نوفمبر 2014: مصر والصين تعلنان رفع العلاقات لمستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

22-25 ديسمبر 2014: الرئيس عبدالفتاح السيسي يقوم بأول زيارة له للصين .

مارس 2015: الصين تشارك في مؤتمر دعم الاقتصاد المصري بشرم الشيخ .

سبتمبر 2015: الرئيس السيسي يزور الصين للمشاركة في احتفال الصين بعيد النصر الوطني.

22-20يناير 2016: الرئيس الصيني (شي جين بينج) يزور مصرفي أول زيارة لرئيس صيني للقاهرة منذ 12 سنة.

2016م: الرئيس السيسي يزور الصين للمرة الثالثة للمشاركة في قمة مجموعة العشرين.

14-15 مايو 2017: مصر تشارك في منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي في بكين.

ويجدر الذكر أنه خلال الفترة من (2001: 2011) رغم كثرة الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، وتنامِى الزيارات بينهما، لم يتم تفعيل تلك الاتفاقيات التى زادت وتيرتها خلال عام 2008م .. وكان السبب الوحيد لهذا التباطؤ هو الضغط الأمريكي لمنع تنفيذ تلك الاتفاقيات، كخطوة احترازية ضد التغلغل الصينى الاقتصادى فى أفريقيا . لكن الأمر تغير الآن، والظرف السياسي مختلف عما كان وقتذاك .

العلاقات الصينية الإفريقية

منذ نشأة منتدى التعاون الصيني الإفريقي عام 2000م، ومنذ أن صارت الصين عضواً غير إقليمى فى بنك التنمية الإفريقي، ومشاركتها فى البعثات الأممية لعدد من الدول الإفريقية كدارفور بالسودان وكوت ديفوار وجنوب السودان، بدأت العلاقات بين الصين وإفريقيا تتنامَى باطراد في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية، ومنذ عام 2004م بعثت الصين أكثر من 500 خبير إلى الدول الإفريقية لمساعدتها على تدريب المتخصصين في مجالات الزراعة والعلوم والتعليم المهني والطب والصحة. وفي عام 2005 استقبلت أفريقيا سبع بعثات فنية صينية مكونة من عدد من المدربين المتميزين إلى مصر ونيجيريا وغانا. وقد كوَّنت الصين مع دول إفريقيا شراكات اقتصادية وأحلاف سياسية، فدولة (جنوب إفريقيا) عضو فى مجموعة البريكس، وكلاً من (السودان) و(زيمبابوى) هما من حلفاء الصين . وقد طوَّرت (مصر) علاقتها بالصين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة منذ عام 2014م، ما يعنى أن الصين تتجه بقوة نحو تعميق علاقاتها بدول إفريقيا .

منذ عام 2000م حتى اليوم تمكنت الصين من السيطرة على نصف الأسواق الإفريقية، فباتت فى موقع يلى أمريكا ويسبق فرنسا ذات الوجود الاستعمارى التاريخي فى القارة السوداء !

وفى عام 2013م وصل حجم التبادل التجارى بين الصين وإفريقيا ما يقارب 199 مليار دولار . 60% من تلك المبادلات تمت فى 6 دول أفريقية فقط هى: مصر، جنوب أفريقيا، المغرب، الجزائر، نيجيريا، بنين . هذا عن الصادرات . أما أغلب واردات الصين من أفريقيا فقد جاءت من 4 دول هى: السودان، أنجولا، الكونغو، جنوب أفريقيا . لدرجة أن أنجولا حلَّت محل السعودية كأكبر مورِّد للنفط ! والسودان باتت تصدِّر نصف إنتاجها النفطى للصين (5% من حاجة الصين الكلية للنفط) . وفى عام 2016م نجحت الصين فى عقد صفقة لشراء حقل بترول أمريكى فى مصر فى منطقة الصحراء الغربية بصفقة بلغت 3 مليار دولار .

إن التنامِى الاقتصادى لدى الصين فى العقود الثلاثة الأخيرة وتحوُّلها إلى بلد صناعى منافس لأمريكا واليابان زاد من حاجتها للموارد الطبيعية ومصادر الطاقة . وخلال العِقد الأخير تزايدت واردات الصين من إفريقيا من جميع أنواع المواد الخام باستثناء الحديد، وقد سعت الصين لإبرام عقود احتكار لاستخراج واستغلال عدد من الخامات أهمها: الكوبالت، والذهب، واليورانيوم، والألماس، والمنجنيز، والفحم، والتنتاليوم، والزنك، مع عدد من الدول هى: الكونغو، مصر، تشاد، أثيوبيا، السنغال، زامبيا، نيجيريا، كينيا، الجزائر . بعقود بلغت قيمتها نحو 30 مليار دولار بتمويل من بنك التنمية الصينى .

لقد ارتفعت الاستثمارات الصينية فى إفريقيا منذ عام 2011م بقيمة إجمالية بلغت 16 مليار دولار، ثم قفزت فى عام 2013م، أى خلال عامين فقط، إلى 26 مليار دولار . بحيث استحوذت الصين على ما يقارب نصف سوق المقاولات فى إفريقيا من خلال استثمارات البنية التحتية . وهناك أكثر من 2000 شركة صينية فى إفريقيا تعمل بقطاعات الزراعة والطاقة والاتصالات والمطاعم والصناعات التحويلية ، ما أدى إلى زيادة تعداد الجالية الصينية فى إفريقيا إلى حوالى مليون نسمة ممن يعملون فى المشاريع الصينية بمختلف الدول الأفريقية .

معجزة الأعوام الثلاثين

عقب وفاة الزعيم الصينى الذى لُقِّب بالأب الأول للصين (ماو تسي تونج) فى عام 1976م، حدث اضطراب سياسي دام أياماً قبل أن يتمكن (دينغ شاو بينغ)،الأب الثانى للصين، من السيطرة على الأوضاع وتحقيق النهوض بالاقتصاد الصينى على أساس دستورى حقيقي، بالدستور الذى تم التوافق عليه فى عام 1981م ضماناً لتداول السلطة، ومحدِّداً للأسس القانونية للسياسات الداخلية والخارجية للصين . فبات بإمكان الصين أن تنشئ علاقات استراتيجية خارجية راسخة بعد حدوث حالة من الاستقرار السياسي والتوافق الداخلى على كافة القضايا العالقة، وبعد أن تحركت الصين من منطقة (الاقتصاد المغلق) إلى (الاقتصاد المختلط)، حيث تم المزج بين الأسس الاشتراكية والرأسمالية فى إدارة الاقتصاد .

والسؤال هو: كيف حدثت المعجزة الاقتصادية للصين فى ثلاثة عقود فقط ؟

لقد اتخذت الصين عدداً من الخطوات المهمة التى مكَّنتها من النهوض السريع والقفز من خانة دول الصف الثانى إلى موضع باتت تتنافس فيه مع أمريكا اقتصادياً، من أهم تلك الخطوات:

1- الإصلاحات الاقتصادية المتوازية: باعتماد فلسفة اقتصادية جديدة تسمح بدخول الاقتصاد الحر والخاص، مع السماح بالانفتاح الاقتصادى ذو الاتجاه الواحد حيث التصدير متاح والاستيراد فى أضيق الحدود . حدث هذا تزامناً مع تطبيق اللامركزية لتيسير دوران عجلة الاقتصاد، بالإضافة لإقامة أسواق المال والتكنولوجيا . إلى جانب الإصلاح الهيكلى للشركات والمصانع المملوكة للدولة، وتشجيع إقامة المصانع والاستثمارات الخاصة الكبري والمتوسطة، ومكافحة الفساد الإدارى .

2- الإصلاحات السياسية والدبلوماسية: حيث تبنَّت الصين لأول مرة سياسة انفتاحية بعد فترة طويلة من الانغلاق . وقد ساعدها تاريخها العريق العازف عن أى مطامع استعمارية، وسياستها الرافضة للتدخلات الخارجية فى شئون الدول، بالإضافة لدورها الذى لعبته فى مجلس الأمن كأهم دولة مناصرة لحقوق الدول النامية من بين الدول الخمس دائمة العضوية.

3- الاستغلال الأمثل لمقوماتها الطبيعية: مساحتها الضخمة التى تبلغ قدر مساحة مصر تسع مرات ونصف، وعدد سكانها الذى يزيد عن تعداد سكان قارة أفريقيا مرة ونصف، ويزيد عن تعداد سكان أمريكا بنحو خمس مرات .. وموقعها الاستراتيجى الذى جعلها تشرف على 14 دولة، وتمتلك نحو 5000 جزيرة فى بحر الصين الجنوبى ذى الأهمية الاستراتيجية كممر ملاحى مهم فى طريق السفن القادمة من الأمريكتين واليابان والكوريتين من جهة وبين آسيا الوسطى وشرق أفريقيا من جهة أخرى . وبرغم استيرادها للمواد الخام من الخارج إلا أنها تتمتع بكونها تحتل المركز الثالث من حيث احتياطيات 45 معدناً رئيسياً فى العالم . فالصين تتمتع بطبيعة جغرافية فريدة ملأى بالثروات الطبيعية، إذ تشكل الجبال والهضاب 59% من مساحتها، بالإضافة لغناها بالأنهار والبحيرات والقنوات الطبيعية والصناعية .

4- القوة الدفاعية الرادعة: الصين اليوم هى الدولة رقم واحد من حيث تعداد الجنود الذى يبلغ 2.3 مليون جندى، والدولة رقم 2 من حيث الإنفاق العسكرى بعد أمريكا، والدولة رقم 3 بعد أمريكا وروسيا فى حجم قوتها النووية . وبرغم استمرارها فى بناء جيشها لاسيما مع تقدمها الاقتصادى وتوافر التمويل المالى اللازم لتطوير قدراتها الدفاعية، إلا أن سياستها الخارجية بعيدة عن التوسع الاستعمارى أو الاعتداء على الدول الآمنة أو التدخل فى شئون الدول الأخرى، ماجعلها تحتفظ بميزة تجعلها تتقدم على أمريكا بخطوة فى مجال الثقة الدولية، وهو ما أدى لسحب البساط من تحت أقدام أمريكا فى عدة مجالات خارجية أهمها الاقتصاد .

5- تحييد العداوات وتصفير المشكلات: خلال العقود الثلاثة الأخيرة لجأت الصين لتقليل المشكلات الناجمة عن الصراعات التاريخية فى محيطها الجغرافى، مثل قضية تايوان، أو الصراعات الحدودية التاريخية مع دول الجوار . بالإضافة للمشكلات الداخلية خاصة مشكلة الريف الصينى التى تصاعدت بسبب الزحف الصناعى والهجرة من الريف للحضر مع اعتبار سكان الحضر من الريفيين مواطنين من الدرجة الثانية، ما أدى لمتاعب داخلية تبرز للسطح بين حين وآخر . لكن الملاحَظ أن القيادة الصينية تهدف باستمرار لتقليل الآثار الناجمة عن تلك المشكلات إلى أقصى حد، بتحييدها وإيجاد حلول جذرية لها، و بإتباع سياسة جديدة تهدف للتركيز على المسار الأساسي للبلاد وهو المسار الاقتصادى .

الأطر الإستراتيجية للعلاقات المصرية الصينية

كلا الجانبين المصرى والصينى أبدَيا خلال السنوات الماضية استعداداً للتعاون وحماساً نحو العمل المشترك، حدث هذا منذ عام 2014م الذى تحولت فيه العلاقة بينهما إلى شَراكة استراتيجية، وتم طرح عدد من التفاهمات لعدة مشاريع استثمارية طَموحة . لكن التبادل التجارى القائم بين الدولتين ما زال ثابتاً لم يطرأ عليه تغيير ملحوظ، بل ربما قلَّ طبقاً لآخر الأرقام بمقارنتها مع مطلع عام 2011م، ربما بسبب ارتفاع قيمة الدولار أمام الجنيه . والمشروعات الاستثمارية التى تنفذها الصين فى مصر تعدّ استكمالاً لما تم إبرامه سابقاً . ما يعنى أننا لم نقم بتفعيل اتفاقية الشراكة بعد، فما السبب وراء ثبات العلاقات وإن بدَت فى الظاهر تتطوَّر ؟!

حدث مثل هذا الموقف خلال الفترة بين 2008: 2010 م، حيث تم توقيع عدد كبير من الاتفاقيات لم يتم تنفيذها، وكان التأخير سببه الجانب المصرى الذى فضّل التأجيل حفاظاً على علاقاته الراسخة مع الولايات المتحدة، والتى ترى فى تعاون مصر مع الصين تهديداً لمصالحها الاقتصادية فى أفريقيا .

غير أن العلاقات المصرية الأمريكية ليست هى العامل الوحيد الذى يؤثر على توجه مصر نحو الشرق الآسيوى أو نحو العمق الأفريقي، وإنما هناك عدد آخر من المؤثرات والمحدِّدات والأطر التى تحيط مصر بسياج وهمى يقلل من قدرتها على الانطلاق فى توطيد أواصر هذه العلاقات . أهمها:

- أولويات الدبلوماسية، وأولويات الاقتصاد العاجلة: مصر أمامها عدد كبير من التحديات الداخلية والخارجية خاصةً فى المجال الاقتصادى .الأمر الذى يمنعها من التخلى عن تحالفاتها القديمة من أجل الدخول فى تحالفات اقتصادية لن تستطيع الوفاء بمتطلباتها ولا انتظار نتائجها بعيدة المدى . هكذا يبقَى تعاون مصر مع الصين أو مع إفريقيا فى مجالات الاستثمار أو رفع معدلات التبادل التجارى متراجعاً إلى ذيل أولوياتها .

- وجود بدائل أخرى: رغم الحرص على توطيد العلاقات بين البلدين، فإن الواقع يؤكد أن العلاقة ذات وتيرة ثابتة، وربما لا توجد نية كبيرة لتعميقها . فالصين أمامها أكثر من بديل تجارى فى إفريقيا وغيرها، ومصر أمامها أكثر من شريك تجارى أقرب لها من الصين .

ما يعنى افتقار العلاقات بين البلدين لصفة الحتمية . ما من ضرورة تجعل أحد البلدين يبذل جهداً أكبر لتقوية العلاقة التى يرَيان أنها وصلت إلى سقف طموحهما فى حدود الممكن .

- تشابك الملفات: بسبب الدور السياسي التاريخى الذى تلعبه مصر فى المنطقة، باتت محفظتها الخارجية مكتظة بالقضايا المتشابكة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية إلى جانب مشكلة ليبيا وسوريا واليمن والعراق . هذا الانشغال الدائم بقضاياها حالَ دون الاهتمام الكافى بهذا المارد الصاعد الباحث عن موضع لقدميه فى القارة السوداء .

- حسابات المصالح: وجود أمريكا فى المعادلة المصرية، ووجود عراقيل فى المعادلة الصينية قد يؤدى لتعقد الحسابات، وخروج نتائج مخالفة لما هو متوقع .

- انخفاض سقف الطموحات: مصر والصين بينهما بالفعل علاقات تجارية واستثمارية جيدة، وكأنهما وصلا إلى حالة من الاكتفاء بما هو كائن، ولا يوجد مجال آخر لتوثيق التعاون، كما يبدو، اللهم إلا ما يخص مشروع طريق الحرير، وهو مشروع ما زال فى بدايته، وهناك 64 دولة أخرى تزاحم مصر فى الاستفادة منه . ما يعنى أننا وصلنا بالفعل إلى ذروة الاستفادة من علاقتنا بالصين !

أما عن محدِّدات العلاقة من الجانب الصينى فلا مجال لذكرها هنا، لأن السياسة الصينية الخارجية الحالية تختلف كثيراً عن سياساتها القديمة، والفرصة الآن متاحة للتعاون مع الصين أكثر مما مضى . علينا فقط الالتفات لموقفنا نحن من هذا التعاون . وهو ما يبدو أنه موقف معقد يحتاج إلى تحليل ودراسة أكثر .

مخاطرة أم استثمار آمن؟

هل هناك مخاطرة قد تنشأ نتيجة تعميق التعاون مع الصين ؟ وأين تكمن المخاطرة ؟ هل هى مخاطرة سياسية أم مالية أم أمنية أم ثقافية؟

من خلال ملاحظة ما آلت إليه الأمور فى الدول التى سبقتنا إلى التعاون مع الصين، ومن خلال معرفتنا التاريخية بالحضارة الصينية التى زامنت حضارتنا الفرعونية، فإن المنطق يؤكد انعدام المخاطرة . ثم أن التعاون الاقتصادى مع الصين لا يعنى التخلى عن التعاون مع أمريكا . إنه ليس اختيار واحد من متعدد، بل هو تعامل تجارى متعدد الأطراف، وكل طرف يبحث عن مصالحه الخاصة، فأين التعارض ؟

هناك أسباب وبواعث كثيرة جداً تدفعنا للمسارعة بتوطيد العلاقة الاقتصادية مع الصين اليوم قبل الغد، ولعل أهم تلك الأسباب:

1- تغير خارطة التوازنات الاقتصادية الدولية:

 

العالم يشهد عدداً من التغيرات الحادة فى المشهد السياسي والاقتصادى، من بروز قوى وتحالفات دولية، وتفكك روابط تحالفات قديمة، بينما أنظار العالم متجهة فقط للصعود الصينى السريع فى عالم الاقتصاد . فالأرقام تتصاعد بمتوالية عددية تشير إلى قدرتها على تجاوز الرقم الأمريكي الصعب خلال سنوات قليلة، إذ أن معدلات النمو للاقتصاد الصينى تتعدى النمو الأمريكى بمراحل . ويوشك حجم تجارتها العالمية المتنامى أن يدفع بالقاطرة الصينية لتتصدر المشهد العالمى لاسيما وقد أوشك مشروع طريق الحرير على الاكتمال، والبساط قد بدأ ينسحب بالفعل من تحت أقدام التجارة الأوروبية والأمريكية، ولن يطول الزمن حتى يشهد العالم عمليات إحلال وتجديد كبرى فى المشهد الاقتصادى العالمى .

2- البصيرة المستقبلية:

دعنا نتخيل المشهد بعد نحو عِقد من الآن أو أقل ..

حجم التجارة الخارجية الصينية اتسع بمقدار اتساع طريق الحرير بحيث تمت إزاحة رقعة ضخمة من الأسواق الأوروبية والأمريكية لصالح الصين وحلفائها التجاريين . بينما أمريكا ما زالت تلوِّح بقوتها العسكرية فى عالم لم يعد يحتمل المزيد من الصراعات التى تعِد الجميع بالخراب . هكذا تسعى جميع الدول للدخول فى تكتلات وتحالفات اقتصادية مع القوى الصاعدة لإحداث نوع من التوازن، ولنيل جزء من الكعكة التى تقتسمها الدول الصناعية .

بعض الشركات العابرة للحدود ربما ستفضل نقل أنشطتها الرئيسية من أمريكا لدول أخرى أكثر ربحية بعيداً عن تقلبات البورصة فى أمريكا صاحبة أكبر قدر من المديونية الداخلية، ما يؤثر سلبياً على الاقتصاد الأمريكي ويتسبب فى مزيد من الضغوط عليها، ومزيد من التفكك فى حدود الخارطة الاقتصادية الدولية .

عند هذه النقطة سيكون مشهد التحالفات قد اكتمل، والفائز هو من استغل الفرصة مبكراً وراهن على الجواد الأصيل . وسيكون الخاسر هو من راهن على الجواد الأضعف الذى كان قد اعتاد الفوز بالسباق باستمرار فى مراحل تاريخية سابقة .

3- أوراق الصين:

إذا لم يكن أمامنا طريقة لتحديد بوصلتنا الاقتصادية سوى قراءة أوراق اعتماد التنين الصينى، دعنا إذن نقرأها معاً:

- الصين عضو دائم فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهى عضو فى 38 منظمة دولية أخرى، وهى عضو فى منظمة العشرين، وفى مجموعة البريكس، وفى بنك التنمية الإفريقي، وعضو مؤسس لمنظمة شنغهاى للتعاون، ولمنتدى التعاون الاقتصادى لدول آسيا "أبيك"، بالإضافة إلى 15 مجموعة ومنظمة إقليمية ومحدودة الأطراف .

- اقتصاد الصين يحتل المرتبة الثانية دولياً من حيث الناتج المحلى الذى يتجاوز 5 تريليون دولار، وهى الدولة التى تستحوذ على أكبر نسبة من الدَّين الأمريكى "سندات الخزينة" . وهى البلد الثالث عالمياً فى حجم الاستثمار المباشر، والرابعة من حيث عدد السياح (50 مليون سائح سنوياً)، والخامسة من حيث تعاملات سوق الأسهم (3 تريليون دولار أمريكى) . وهناك حوالى40 شركة صينية دخلت فى قائمة جلوبال فورتشَن 500، و4 شركات صينية تُعَدّ من أكبر 10 شركات فى العالم .

- هناك قفزة اقتصادية ملموسة استشعرها فقراء الصين، فمنذ 1978م كانت نسبة من هم تحت خط الفقر 64% طبقاً للتقديرات العالمية .. وصلت النسبة إلى 10% فقط أو أقل، وانخفضت البطالة لتصل إلى 4% فقط .

- الصين اليوم هى ثالث قوة نووية، وقد وصلت للفضاء منذ 2003م كثالث دولة بعد أمريكا وروسيا، وهى تملك ثانى أكبر ميزانية فى العالم للبحوث والتنمية .

- (البنك الآسيوي لمشاريع البنية التحتية): والذى أنشأته الصين بمشاركة عشرين دولة منها مصر ودول خليجية أخرى يمثل فرصة جيدة لاستثمارات البنية التحتية المشتركة .

الاختيار السهل

إذا كان علينا أن نختار بين ( إفريقيا وأوروبا)، أو بين (الصين وروسيا) فكيف يكون الاختيار؟ الدبلوماسية المصرية تتميز بالعراقة وأنها على تواصل مع الجميع، فلا داعى للمفاضلة . لكن السؤال هو عن تعميق العلاقات .. أوروبا وروسيا هما الخيار التقليدى فى حالة رغبة أى بلد فى الفكاك من التبعية الأمريكية . لكن اليوم برز على السطح خياران جديدان يتميزان بكثافة الفرص والاستعداد التام للتعاون بكافة أشكاله . فلِمَ الانتظار؟

هناك عدد كبير من أشكال التعاون الاقتصادى التى تنتظر مصر فى إفريقيا والصين وبإمكانها البدء فيها ولو ببضع خطوات قلائل .

فى إفريقيا تستطيع مصر تقديم الكثير من خدماتها للدول الإفريقية خاصةً دول حوض النيل، ومن أهم المجالات التى تستطيع مصر المساهمة فيها:

1- مشروعات البنية التحتية .

2- التدريب والتعليم والتبادل الثقافى .

3- مجالات الرى والزراعة .

4- الوساطة التجارية .

5- توريد العمالة الفنية المدربة، وتدريب كوادر فنية من العمالة الإفريقية .

6- إقامة أسواق تجارية مشتركة (دائمة ومؤقتة) .

أما الصين فهى فى حاجة لأشكال أخرى من التعاون منها:

1- توريد النفط والمواد الخام .

2- الخدمات اللوجستية فى الطرق الملاحية .

3- تبادل الثقافات .

4- المساهمة فى استيعاب القوى الصينية، بإقامة مشاريع تستوعبهم .

5- توفير رقعة زراعية تجتذب مزارعين صينيين وإقامة مشروعات زراعية مشتركة .

6- تيسير التبادل التجارى .

الجسر ثلاثى الأبعاد

المفترَض فى مشروع "طريق وحزام الحرير"، فيما يخص مصر، أنه سيربط حركة التجارة الملاحية الصينية بجنوب أوروبا وشمال إفريقيا . لكن بإمكان مصر تعظيم الاستفادة منه ليكون بمثابة جسر برى-بحرى، يربط الصين بالعمق الإفريقي من خلالنا نحن.

هناك منطقة صناعية صينية تم إنشاؤها بالفعل فى منطقة قناة السويس، ويمكن تعظيم الاستفادة منها بإقامة جسر جوى تجارى يربط بين التجارة الصينية وبين الدول الإفريقية بطائرات نقل بضائع مصرية . هكذا يصير الجسر ثلاثياً من حيث الأطراف: (الصين، مصر، أفريقيا)، ومن حيث الوسائل الملاحية: (بحرى، برى، جوى).

مدى استفادة مصر من العلاقات الثلاثية

الصين ربما لا تفكر إلا فى خدمة طريق الحرير الذى لن يمتد ليخدم العمق الإفريقي . وتستطيع مصر أن تبادر لتعظيم استفادتها من طريق الحرير عن طريق تضخيم حجمه وسعته التجارية، بحيث تكون هى البؤرة المركزية لهذا الامتداد الإضافى . ومن خلال مثل تلك المبادرة تستطيع مصر الاستفادة بعدد ضخم من العوائد والامتيازات:

1- تعظيم دورها كوسيط تجارى بين دول كبري، ما سيخدم تدفق العملة الصعبة .

2- توثيق عُرَى الصداقة والصلات الدبلوماسية بعدد من الدول الإفريقية .

3- تقديم نفسها كطرف فاعل فى علاقتها بالصين، وأمام المجتمع الدولى .

4- ربما تكون تكلفة مثل هذا المشروع قليلة إذا تم بالتعاون بين مصر وبين بنك التمويل الإفريقي أو الآسيوى، أو بتمويل مشترك مع الطرف الصينى . لكن عوائده ضخمة .

5- تنمية قطاع الصادرات المصرية تجاه دول غرب ووسط وجنوب إفريقيا .

6- قد يتحول هذا المشروع التجارى إلى بوابة لجذب عدد من المشروعات الاستثمارية الأخرى، كمشاريع السياحة والبنية التحتية والمشروعات الزراعية والصناعية .

آفاق تنمية العلاقات الثلاثية

قارة إفريقيا تمثل كنزاً اقتصادياً حقيقياً بما تملكه من مقومات، ولا شك أن الاتجاه نحو القارة السمراء التى ننتمى إليها هو توجه طبيعي وضرورى لعدة اعتبارات:

1- قارة إفريقيا غنية بالموارد المعدنية حيث تستحوذ على 30% من الاحتياطات العالمية للثروة المعدنية .

2- يتجاوز تعداد السكان فى القارة مليار نسمة، وهكذا الأمر فى الصين، ما يعنى أن التبادل التجارى بين هاتين الكتلتين يمثل مصلحة كبرى لكليهما ولمصر باعتبارها مركز الالتقاء.

3- إفريقيا فى حاجة لإقامة مشروعات عملاقة تتمثل فى إقامة شبكات المواصلات ومشاريع التشييد والبناء وتوصيلات الطاقة والمياه والكهرباء، ومصر بإمكانها المساهمة بقوة فى تلك المجالات، سواءً برؤوس الأموال الخاصة أو الحكومية، والتمويل فى مثل تلك الحالات لن يمثل مشكلة .

أما عن العلاقات الثلاثية المشتركة بين الكتلة الآسيوية والإفريقية وبينهما مصر، فهى أكثر من أن تُحصَى، ولو أنها بدأت بالفعل فلن تنتهى عند حد، بل سوف تزداد باستمرار طبقاً للحاجة والضرورة واتساع أفق التعاون الحقيقي على الأرض .

خطوات نحو بناء الجسر

لاشك أن هناك عراقيل وتحديات قد تنشأ .. والأمر بلا ريب فى حاجة لدراسته من كافة جوانبه . لكن مصر فى حاجة لاتخاذ مثل تلك الخطوة التى قد تمثل فرصة حقيقية للخروج من أزماته الاقتصادية التى تتفاقم مع زيادة حجم المديونية السنوية وعدم وجود استثمارات حالية أو حركة سياحية نشطة تفد إلى مصر . لا بد من اكتشاف سبل جديدة تمثل إضافة حقيقية للاقتصاد المصرى . ومثل هذا التعاون الثلاثى بين مصر من ناحية وبين إفريقيا والصين من ناحية أخرى قد يمثل طوق النجاة لاقتصادنا النامي .

علينا أن نخطو خطوات فى هذا الاتجاه ولو بدراسته ومواجهة التحديات التى قد تقابله .

مصر والصين والسبع السمان

المصريون بصفة عامة متفائلون من الصعود الصينى، وهم يضمرون احتراماً شديداً للحضارة الصينية التى زامنت حضارة مصر الفرعونية . وإذا كانت مصر تمر بفترة صعبة من فترات التباطؤ الاقتصادى، فقد مرَّت الصين بفترة مماثلة وتجاوزتها . وبإمكاننا الاستفادة من التجربة الصينية، ومن حماستهم تجاه بناء جسر من التعاون الدولى تلعب فيه مصر دوراً أساسياً ومحورياً . ولا شك أن هذا سيعود بالنفع على الاقتصاد المصرى .

نحن متفائلون بأن التعاون المثمر البَنّاء مع الصين ربما يمثل لنا بشيراً بأننا على أعتاب سبع سمان يأكلن السبعين العجاف الماضية، ويقفزن بالاقتصاد المصرى قفزة شبيهة بما حدث فى الصين خلال العقد الأخير .

 

د. عبد السلام فاروق

 

يعتقد البعض أن استخدام مصطلح "الدولة العميقة" لا يقل تأثيرا عن حجم مؤامرة تحاك للنيل من الحكومات المستقرة وإدانة الموروث الوطني، لكن في حقيقة الأمر، تتشكل عناصر "الدولة العميقة"، من حيث المبدأ، في الدول التي تقوم بعسكرة الحكومة وتمنع عمل التنظيمات السياسية الحرة، وتجري فيها انتخابات شكلية واستعراضية بطرق غير نزيهة، تستخدمها الأنظمة التوتاليتارية كبدعة في محاولتها تضليل الناس وخداع الرأي العام.

ويعاد بناء "الدولة العميقة"، في أعقاب انهيار النظم السياسية وبالاعتماد على الفاعل الخارجي، أحيانا بتراتبية مغايرة، من أسفل إلى أعلى، أو من القاعدة إلى القمة، في محاولة للحفاظ على هيكلية الدولة العميقة وتوطيد أركانها وتحديد معايير عملها والمحافظة على المسارات المرسومة لها. وهي في حقيقتها، دولة داخل دولة، سواء في نظام عملها أم في مشاركتها في رسم السياسات والقرارات المهمة.

يعود تاريخ "الدولة العميقة" في العراق، إلى حقبة الانتداب البريطاني، حينما شكلت قواته المتواجدة هناك عام 1918 ما سمي بـ "الإدارة المدنية البريطانية" في العراق، وكانت بمثابة دولة ظل موازية للدولة الرسمية. وبعد أن استولى "حزب البعث العربي الاشتراكي" على مقاليد الحكم (1968 - 2003)، أقام دولة قمعية تألفت من المؤسسات العسكرية والمخابراتية والرئاسية، سارت بنهج الحزب وبحكم إرادته، من حيث الشكل والطبيعة وقوام الدولة، ثم تحولت الى قيادة فردية لشخص صدام حسين والحلقة الصغيرة المقربة منه.

بعد العام 2003، سعت أحزاب الإسلام السياسي، إلى تشكيل "دولة عميقة" في الظل (دولة موازية) ومنظومة متكاملة من شبكات المصالح، تمثلها قوى خفية متسلحة بالنفوذ السياسي والمالي ولديها ميليشياتها وإعلامها، شعارها: السلطة والثروة والنفوذ، قامت بتوظيف الفئات الرثة في المجتمع لديها علاقات ومصالح مشتركة مع دول الجوار، واعتمدت البيروقراطية الإدارية والفساد المنظم للاستحواذ على الموارد المالية وتعزيز مشاركتها في رسم سياسة الدولة، وفق مبتغاها.

تجذرت هذه الأحزاب في مفاصل الدولة المختلفة وأجهزتها، وسيطرت على وسائل الإعلام، كقوة إضافية لتعزيز مواقعها ومواقفها على السواء، وفرضت أجنداتها وفق مرامها ونهجها وأهدافها. وهي التي تتحكم اليوم بالموارد المالية والبشرية، وتعتمد على شبكات الفساد المعشعشة في قلب الدولة ومؤسساتها، التشريعية والقضائية، التي تم إنشاؤها أو السيطرة عليها والتغلغل فيها من خلال استخدام الموارد الطفيلية وغير القانونية، وهي تمتلك سلطة مدججة بالمال والسلاح، تستخدمها من أجل بسط نفوذها لقمع المعارضين والحفاظ على النظام العام.

إن وجود أذرع "الدولة العميقة"، التي تشكل شبكة معقدة من العلاقات والمصالح داخل كيان الدولة العراقية، أدى الى فشل الحكومات السابقة في تنفيذ وعودها التي قطعتها للشعب، في إصلاح النظام السياسي والإداري والتنمية الاقتصادية المستدامة، وتغليب الهوية الوطنية وقبر المحاصصة الطائفية، ومحاربة الجريمة المنظمة، والنهوض بالخدمات وإصلاح البنية التحتية وتوفير الخدمات والسكن. وما تزال الحكومة الحالية تراوح في مكانها، في ما يخص تحسين الظروف المعيشية للناس ومكافحة الفساد والقضاء على البطالة.

من الصعوبة بمكان تحجيم تأثير عوامل "الدولة العميقة" أو الحد من دورها في جسد الدولة الهشة والفاشلة، وهي دولة الظل التي تزداد فيها القوى المؤثرة في عملية صنع القرار، وتتوزع بين القادة السياسيين ورجال الدين، إضافة إلى عناصر إقليمية ودولية لها الكلمة الفصل والتأثير الفاعل.

الكثير من المسؤولين والشخصيات النافذة في المشهد السياسي العراقي، يتحدثون عن "الدولة العميقة" ويعترفون بوجودها، ففي تصريح أدلى به القيادي في "تحالف الإصلاح والإعمار" أحمد المساري إلى عدد من القنوات الفضائية يوم 15 نيسان (إبريل) 2019، قال: "إن الدولة العميقة تدير الدولة، والبرلمان جزء منها، كما تقود القرار الحكومي مراعاة لمصالحها... وتوزع اللجان البرلمانية على أساس المساومات والعروض". وفي السياق، اعترف القيادي في "حزب الدعوة الإسلامية" ووزير التعليم العالي السابق علي الأديب، في لقاء تلفزيوني على قناة "الاتجاه الفضائية" بأن "محاربة الفساد قد تؤدي إلى انهيار العملية السياسية في العراق وسقوط رموزها". وقال: "هناك خشية من أن مكافحة الفساد قد تعني إلقاء القبض على قمم سياسية"، لافتاً إلى أن "التأني في محاربة الفساد مرده الخشية من انهيار كل شيء في البلد". وزاد: "إن الذي لديه رصيد في هذه الحكومة، لن يفرط بها."

وقال الرئيس العراقي برهم صالح، في "ملتقى السليمانية السادس" الذي عقد في "الجامعة الأميركية" في 6 آذار (مارس) الماضي إن "الفساد في العراق تحول الى ما يشبه الدولة العميقة، ولا يمكن القضاء عليه بالشعارات، وإنما بالإجراءات المؤسساتية."

إن "الدولة العميقة" تقود العراق الى المجهول، وتتلاعب أياديها الخفية والقوى التي تتبناها بمصيره، وتتآمر على مستقبل شعبه. بينما تعمل الفيالق الموازية والتابعة لها، للسيطرة على مرافق الدولة وشل مؤسساتها الشرعية والحد من الحراك الشعبي، ونشاط منظمات المجتمع المدني، وامتصاص نقمة الشارع. ترسخت عناصر "الدولة العميقة" داخل الحكومة ومؤسسات الدولة العراقية، وبقي النظام "الديموقراطي" عائماً لا حول له ولا قوة.

"الحياة"

 

جورج منصور

 

نجحت المملكة العربية السعودية من استضافة ثلاث قمم، الخليجية، العربية والاسلامية في وقت قياسي خلال يومين دعما لمشروعها في ممارسة المزيد من الضغوط على ايران للكف عن ماتسميه تدخلها في الشؤون السياسية والامنية لدول المنطقة .

نجاح السعودية ومشروعها في ادانة ايران لايعني نجاح القمم الثلاث في معالجة مشاكل العالمين العربي والاسلامي، خصوصا في مايتعلق بالقضية الفلسطينية واليمن وسوريا والعراق وليبيا والسودان والجزائر ناهيك عن التشرذم داخل مجلس التعاون الخليجي بسبب ازمة قطر والموقف من ايران، حيث تلوح في الافق ازمات مستعصية لم تشهدها الدول الاعضاء في الجامعة العربية كما لم تشهدها الدول الاعضاء في مؤتمر التعاون الاسلامي اضافة الى تشتت الاراء والمواقف داخل مجلس التعاون الخليجي .

وكان الموقف العراقي حكيما عندما تحفظ على بيان القمة العربية خصوصا في مايتعلق بالهجوم على الجارة ايران وهو ما اشار بشكل واضح على عدم وحدة الموقف داخل المؤتمر لكنه جاء منسجما مع ما ارادته الدولة المستضيفة ودفعا لاي تشرذم جديد قد يصيب الواقع العربي الذي لايحسد عليه .

واذا كانت الرياض قد استعجلت عقد هذه القمم في هذا الوقت تحديدا لاسباب تتعلق برغبة الحكومة الامريكية بطرح « صفقة القرن » لتصفية القضية الفلسطينية لكن اجواءها ونتائجها لاتنسجم مع مواقف جميع هذه الدول إن في داخل مجلس التعاون الخليجي، وإن في الدول العربية او في داخل الدول الاسلامية .

ان القمم الثلاث تزامنت بتطورات مهمة، فالادارة الامريكية مستعجلة لطرح « صفقة القرن » بعد شهر رمضان المبارك كما قال جاريد كوشنر مستشار وصهر الرئيس الامريكي دونالد ترامب، فيما الازمات التي تمر بها الدول العربية والاسلامية لازالت على حالها دون اي مؤشر يدل على اتفاق هذه الدول على مساعدة الشعوب العربية التي تتمنى ان لاتكون بلدانهم ساحة صراع الارادات لدول اجتمعت في مكة المكرمة .

واذا كان الهدف من هذه القمم ادانة ايران وجعلها العدو رقم واحد بدلا من اسرائيل كما دلت البيانات الختامية، هل ساهمت هذه القمم في توحيد الموقف الخليجي او العربي او الاسلامي من كافة القضايا المطروحة على جدول اعمال هذه القمم؟ .

لقد شهدت طاولات القمم الثلاث قضيتين مهمتين اضافة الى قضايا اخرى مكررة في ديباجات البيانات الختامية التي تشارك فيها هذه الدول . هاتين القضيتين هما الموقف من ايران واجواء القضية الفلسطينية .

ومما لاشك فيه، ان هذه القمم الثلاث عقدت كما اردتها الدولة المستفيضة تحت يافطة الموقف من ايران وضرورة تحشيد الاسرة الدولية لادانة ايران، الا انها ارادت خلق الاجواء المناسبة لاستيعاب « صفقة القرن » شانها شان « مؤتمر وارشو » الذي عقد في فبراير الماضي تحت يافطة مواجهة ايران لكنه كان مقدمة للتطبيع مع اسرائيل حيث اعتبر اول محفل دولي ضم عربا واسرائيليين منذ تسعينات القرن الماضي لتتويج نتن ياهو قاندا للحرب مع ايران على حد تعبير احد المحليين السياسيين .

ان الموقف من ايران اختلفت عليه بلدان القمم الثلاث ولم نسمع موقفا موحدا منها . فدول مجلس التعاون الخليجي انقسمت على نفسها، فيما لم تكن الدول العربية والاسلامية موحدة في مواقفها حيال ايران والية التعاطي مع الملف الايراني .

اما القضية الفلسطينية فان الامر كان اكثر تعقيدا حيث وقف اصحاب القضية وهم الفلسطينيون بما في ذلك السلطة الفلسطينية مع معظم الدول الاسلامية موقفا بالضد من « صفقة القرن » التي تريد الولايات المتحدة واسرائيل تنفيذها .

وبعيدا عن فرص نجاح هذه الصفقة، الا ان الاكيد غياب الموقف الموحد حيالها مما يجعلها تسبح في فضاءات غير مستقرة على الرغم من قبول بعض الدول التي تشارك في ورشة المنامة بتغطية هذه الصفقة ماليا . ولذلك صدرت البيانات الختامية خالية الموقف من « صفقة القرن » حيث استعاضت عنها بجمل عامة لطالما احتوت البيانات السابقة بمثيلاتها عندما ارادت معالجة قضية مختلف عنها . 

لا اريد التقليل من اهمية هذه القمم الا ان تاريخها عبر نصف قرن او اكثر لم تنجح من حل اي من الازمات والقضايا التي عصفت بالأمتين العربية والاسلامية، كما انها لم تستطع درء الحروب اوايجاد حلول للمشاكل التي عانت منها الدول العربية والاسلامية . ان الانظمة السياسية في هذه البلدان مدعوة لتغيير سياستها وتفعيل هذه القمم بما يضمن معالجة المشاكل والتحديات التي تواجهها والكف عن اذاعة البيانات المكررة التي لاتسمن ولاتغني من جوع .

 

صالح الشيخ خلف

 

ابراهيم أبراشيمكن أن توصف صفقة القرن بأي مسمى إلا أن تكون مشروع سلام وتسوية سياسية .لو كانت صفقة القرن وورشة المنامة تؤسسان للسلام والتسوية السياسية لكان الفلسطينيون أول من أيد وشارك لأنهم دعاة سلام وراغبون بحل سلمي منصف وعادل بالرغم من تجربتهم المريرة مع مشاريع التسوية السابقة .

فكيف يمكن أن تؤسس واشنطن من خلال صفقة القرن مشروع سلام يضع حدا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي فيما هي تتجاهل أحد طرفي الصراع –الفلسطينيون -؟ وكيف تكون الصفقة مشروع سلام فيما هي تنحاز لطرف على حساب طرف آخر بل وتتنكر لوجوده القومي والسياسي؟ وكيف تكون الصفقة مشروع سلام وتسوية سياسية بينما واشنطن تحشد الجيوش في المنطقة وتحرض الأطراف بعضها على بعض ؟ وكيف يمكن لورشة المنامة أن تؤسس للازدهار والسلام وفي نفس الوقت تتجاهل الشرعية الدولية وقراراتها، وتقاطعها الأمم المتحدة وغالبية دول العالم  ومنها روسيا والصين وغالبية دول أوروبا؟ .

الموقف الفلسطيني الرافض للمشاركة في ورشة المنامة وصفقة القرن لا يعني أنهم يرفضون السلام أو يعارضون التسوية السياسية للصراع، فهم لم يتركوا فرصة إلا وعبروا عن رغبتهم بالسلام وسلوكهم خلال ربع قرن من المفاوضات ومن ممارستهم للسلطة تؤكد حرصهم على السلام العادل والتسوية السياسية المنصِفة والقائمة على قرارات الشرعية الدولية . إسرائيل وبدعم أمريكي هي التي أفشلت كل مشاريع التسوية السياسية كما تجاهلت كل قرارات الشرعية الدولية بهذا الخصوص، والرفض الفلسطيني لصفقة القرن وورشة المنامة ليس رفضا للسلام بل لأنهم لا يرون في صفقة القرن مشروع سلام أو تسوية سياسية منصفة بل مشروع حرب وفوضى وتصفية لقضيتهم .

 تصريحات جاريد كوشنر وجيسون غريبلات بأن الصفقة لا تتضمن حل الدولتين وتعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ولا تعترف بحق العودة، بالإضافة إلى شعار مؤتمر المنامة (الازدهار الاقتصادي مقابل السلام ) الذي حل محل (الأرض مقابل السلام)، كل هذا يؤكد أن ما تسمى صفقة تتعارض كليا مع السلام بل إنها تؤسس لحالة فوضى وحرب في المنطقة كلها بل هي امتداد لسياسة (الفوضى الخلاقة) وفوضى الربيع العربي .

لا محاججة أن الموقف والحال الفلسطيني اليوم أكثر صعوبة وضعفا مما كان عليه الأمر عند طرح مشاريع التسوية السابقة، فالمشاريع السابقة وخصوصا المتمثلة في مؤتمري مدريد وأسلو كانت تُلمِح ولو ضمنيا وكذبا بإمكانية قيام دولة فلسطينية وتطبيق قرارات الشرعية الدولية حول الصراع، أو على الأقل تعطي أملا بذلك، إلا أن صفقة القرن ومن خلال ما يتم تسريبه عنها ومن خلال المواقف والإجراءات الفعلية على الأرض، من طرف الإدارة الأمريكية صاحبة الصفقة ومن طرف إسرائيل، فإنها تبدد الأمل الفلسطيني في الدولة وفي الحرية والاستقلال كما أنها مشروع تسوية أسوأ بكثير من صفقة أوسلو، ومن هنا كان الإجماع الفلسطيني على رفض الصفقة ورفض المشاركة في ورشة المنامة بالرغم من تهديدات غرينبلات بأن الفلسطينيين سيخسرون كثيرا إن لم يشاركوا في الورشة .

إن القبول بصفقة القرن والمشاركة بورشة المنامة معناه الاعتراف بفشل ونهاية المشروع الوطني الذي قدم في سبيله الفلسطينيون و معهم الآلاف من أحرار العالم مئات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى والمعاناة في المنافي، ليس هذا فحسب بل أيضا تجاهل وإلغاء كل قرارات الشرعية الدولية التي ناضل الفلسطينيون طوال عقود لينتزعوا من المنتظم الدولي من خلالها اعترافا بعدالة قضيتهم وحقهم بالحرية وحق تقرير المصير وبدولة مستقلة .

واشنطن تعلم أن صفقة القرن لن تنهي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لأنه لا يمكن لأية قوة في الأرض أن تنهي قضية شعب متواجد على أرضه لأكثر من أربعة آلاف سنة وتعترف به وبحقه بدولة مستقلة غالبية دول العالم .إن أقصى ما تستطيعه واشنطن وتل أبيب ومن يتم لملمتهم في المنامة أن يضعوا العراقيل أمام نضال الشعب الفلسطيني ويشككوا في عدالة قضيته، ولكن هذا لن ينجح لأن غالبية دول العالم لا تعترف بصفقة القرن أو تتعامل معها وأعلنت أنها لن تشارك في ورشة البحرين، ولأنه لا سلام أو تسوية سياسية بدون مشاركة الشعب الفلسطيني ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية .

 

إبراهيم أبراش

 

بكر السباتينبيان قمة منظمة التعاون الإسلامي الختامي الذي أنهى أعماله في مكة المكرمة لم يأت وفق شروط صفقة القرن التي حققتها القمة العربية خلال بيانها الختامي في ذات الزمان والمكان..

ولنبدأ بالقمة العربية التي ركز بيانها الختامي على العمليات التي قامت بها الميليشيات الحوثية على السعودية مؤخراً، والإشارة إلى أن الصواريخ التي يقول الحوثيون بأنهم صنعوها ما هي إلا إيرانية الصنع وتمثل عدواناً سافراً على السعودية، دون الإشارة إلى قصف طائرات التحالف العربي (السعودية والإماراتية) لليمن دون أي اعتبار ولو ضمنيّ لسقوط آلاف الضحايا من المدنيين.

ويبدو أنه في الجلسات السرية، كما رشح من أخبار، لم تستجب لجنة صياغة البيان الختامي إلاّ استحياءً لمطالب الرئيس محمود عباس حتى يتم إدراج عبارة "التمسك بقرارات القمة العربية السابقة بخصوص القضية الفلسطينية، وتحقيق أمن واستقرار المنطقة العربية"، دون الإشارة ولو بالتلميح لجرائم "إسرائيل" وانتهاكاتها في غزة وبناء المستوطنات، أو حتى انتقاد دولة البحرين التي سيترأس فيها كوشنر (ورشة المنامة الاقتصادية) التي رُفِضَتْ فلسطينياً من قبل كافة الفصائل في إجماع فلسطيني قل نظيرة.. وقد ألمح كوشنر بأن هذا الرفض الفلسطيني سَيُصَعِّبَ عليه مهمة إنجاح هذه الورشة التي ستساهم في تنفيذ أهم بنود صفقة القرن المتمثل بالتطبيع العربي المفتوح مع دولة الاحتلال الإسرائيلي التي لم يعترض عليها بيان القمة الختامي.

وجاء تأكيد البيان الختامي للقمة العربية الذي أنهى أعماله مؤخراً في مكة ليضعنا أمام السبب الحقيقي الذي يقف وراء انعقاده في ظل هذه الظروف التصعيدية ضد إيران من خلال التركيز على تضامن وتكاتف الدول العربية في وجه التدخلات الإيرانية، وإدانة تدخلات إيران في شؤون البحرين ودعم الجماعات الإرهابية فيها. وقد استُثْنِيَ في هذا البيان الدور السعودي والإماراتي المُنْتَقَدْ عالمياً في كل من سوريا واليمن.. على الأقل حتى يخرج البيان متوازناً وقابلاً للتصديق، حيث بدا وأنه يسعى لاعتبار إيران هي العدو الوحيد للعرب بدلاً من "إسرائيل" التي تحولت آخر المطاف إلى حليف إستراتيجي في إطار صفقة القرن الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية.

ولنقل بأن مساعي السعودية قد نجحت في سياقها العربي وتمكنت من حرف البوصلة عن "إسرائيل" باتجاه إيران.. وهذا ما فشلت في تحقيقه في سياق مؤتمر قمة منظمة العمل الإسلامي الذي أنهى أعماله في مكة، من خلال ببيانها الختامي الذي رفض كل شروط صفقة القرن بطريقة غير مباشرة دون الإشارة إلى ذلك مباشرة ربما بضغوطات أمريكية سعودية. وقد شاركت في القمة إيران التي انبرت للدفاع عن القضية الفلسطينية بكل ما أوتيت بقوة أسوة بالدول الإسلامية المؤثرة كتركيا وماليزيا حيث جاءت القرارات في البيان الختامي منصفة لحقوق الشعب الفلسطيني.. حيث تم التركيز على مركزية قضية فلسطين والقدس الشريف كعاصمة للدولة الفلسطينية. وأن السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط، كخيار استراتيجي لن يتحققا ألاّ بانسحاب "إسرائيل" الكامل من أرض دولة فلسطين المحتلة منذ العام 1967، وفي مقدمتها القدس الشريف، وفق القانون الدولي وما نصّت عليه القرارات الدولية ذات الصلة، ومبادرة السلام العربية (التي تم طيّيها عربياً). وهذا بدوره سيسحب البساط من تحت صفقة القرن الرامية لحرق كل ملفات القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة وهو رفض ضمني للصفقة.

ودان قادة قمة منظمة التعاون الإسلامي "الاعتداءات والجرائم الإسرائيلية الممنهجة وواسعة النطاق والتي ترتكبها سلطات الاحتلال، بأدواتها المختلفة، من حكومة، وجيش ومستوطنين، ضد أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وحصارها المتواصل منذ إثني عشر عاما لقطاع غزة." ومن المؤسف أن هذا المطلب كان الأولى بأن يدرج في بيان القمة العربية الختامي في مكة وهو ما لم يحدث.. ليجد من يثبته في البيان الختامي للقمة الإسلامية في مكة الذي شدد أيضاً على أن سياسات وممارسات "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية تُعرض السلم والأمن الدوليين للخطر وتقوض وحدة دولة فلسطين وتهدد فرص التوصل إلى حل سلمي على أساس حل الدولتين.

وقد ذهبت قمة منظمة التعاون الإسلامي في بيانها الختامي إلى أكثر من ذلك، حيث أكدت على "جميع القرارات، وتوصيات التقارير، ولجان التحقيق وتقصي الحقائق، الصادرة عن الأمم المتحدة، ومنظمة اليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان بشأن انتهاكات "إسرائيل" لحقوق الشعب الفلسطيني، في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، وكذلك القرارات الصادرة عن حركة عدم الانحياز والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية". وهو المطلب الذي لم يتطرق إليه العرب في مؤتمرهم وكأن فلسطين جزيرة تقع في بحر الصين .

ودان البيانُ الختاميُّ ما كان يُنْتَظَرُ عربياً ولم يحصل، نقلَ سفارتيّ كلٍّ من الولايات المتحدة الأميركية وغواتيمالا إلى مدينة القدس الشريف والاعتراف غير القانوني بمدينة القدس الشريف عاصمة لإسرائيل، معتبراً ذلك "اعتداءً سافراً على الحقوق التاريخية والقانونية والطبيعية للشعب الفلسطيني واستهدافاً لتطلعاته المشروعة لنيل حريته واستقلاله، واعتداءً على الأمة الإسلامية، وعلى حقوق المسيحيين والمسلمين في العالم أجمع، الامر الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين."

وزيادة في الحرج الذي أصاب الدول العربية المطبعة مع "إسرائيل" وهي إشارة ضمنية رافضة لصفقة القرن وورشة المنامة الاقتصادية فقد دانت القمة الإسلامية في مكة فتح هنغاريا مكتباً تجارياً لها في مدينة القدس الشريف، في مخالفة واضحة للقانون الدولي، ولقرارات الأمم المتحدة، داعياً الدول الأعضاء في المنظمة إلى اتخاذ كافة الاجراءات التي من شأنها حث هنغاريا على إغلاقه والالتزام بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. وقد حثت قمة مكة الإسلامية جميع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي على مقاطعة تلك الدول التي قامت بالفعل بافتتاح بعثات دبلوماسية في مدينة القدس الشريف، ووقف أي نوع من العلاقات والتبادلات التجارية والزيارات معها سواءً كانت فعاليات سياسية أو ثقافية أو رياضية أو فنية مشتركة إلى حين تراجعها عن ذلك والتزامها بقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.. وهي إشارة غير مباشرة إلى سلطنة عمان التي زارها نتنياهو، وقطر التي استقبلت وفداً رياضياً إسرائيلياً، والإمارات التي لديها تعاون استخباراتي واقتصادي مكشوف للعيان مع تل أبيب، ناهيك عن العلاقات الإسرائيلية السعودية المتنامية، ولم تذهب الإشارة بعيداً عن الأردن الذي وقع على معاهدة وادي عربة ومصر التي كانت المبادرة عربياً في إبرام معاهدة كامب ديفيد في عهد السادات منتصف العقد السابع في القرن الماضي، حتى السلطة الفلسطينية التي بوسعها على اقل تقدير وقف التنسيق الأمني مع المحتل الإسرائيلي والوقوف إلى جانب المقاومة لو حسنت النوايا.

وفي ضربة قاضية لصفقة القرن التي تقوم على الانفتاح التطبيعي الإسرائيلي غير المشروط على الدول العربية فقد دعت منظمة مؤتمر التعاون الإسلامي في قمتها التي اختتمت مؤخراً في مكةِ الدولَ الأعضاءَ التي أقامت علاقاتٍ مع "إسرائيل" والتي كانت قد شرعت في اتخاذ خطوات تجاه العلاقات مع "إسرائيل" في إطار عملية السلام إلى قطع هذه العلاقات، بما في ذلك إقفال البعثات والمكاتب وقطع العلاقات الاقتصادية ووقف جميع أشكال التطبيع معها حتى تقوم بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بقضية فلسطين والقدس الشريف والنزاع العربي الإسرائيلي تنفيذًا دقيقًا وصادقًا وحتى إقامة السلام العادل والشامل في المنطقة.

وبالنسبة إلى الجولان السوري، فقد أكّد القادة المجتمعون في مكّة رفض وإدانة "القرار الأميركي الخاص بضمّ الجولان للأراضي الإسرائيلية، واعتباره غير شرعي ولاغ ولا يترتّب عليه أي أثر قانوني".

ففي البنود السابقة يمكن القول بأن صفقة القرن انتهت في إطار منظمة مؤتمر التعاون الإسلامي واستعادت القضية الفلسطينية عافيتها.. ورغم ذلك حاول البيان بما يتعلق بإيران الخروج بمعادلة متوازنة رغم أن البيان تجاهل الحديث عن تدخلات كل من السعودية والإمارات في بعض الملفات العربية في ليبيا والسودان واليمن.. وخاصة عمليات القصف التي تتعرض لها الأخيرة وما نجم عنها من ضحايا يندى لها جبين البشرية وعلى رؤوس الأشهاد. وعليه فيمكن تفهم الضغط السعودي في سعيه الدؤوب لتثبيت بند إدانة منظمة التعاون الإسلامي لل"الاعتداء الإرهابي على محطات الضخ البترولية بمدينتي الدوادمي وعفيف في المملكة العربية السعودية والذي يستهدف (كما يقول البيان) مصالح الدول وإمدادات النفط العالمية" دون الإشارة إلى الحوثيين مباشرة أو إيران كما هو دأب الإعلام الخليجي أو إدانة الدور السعودي الإماراتي التخريبي في اليمن.

وأخيراً وعلى ما جاء في البيان الختامي للقمة العربية من توافق تام مع صفقة القرن إلا أن البيان الختامي لقمة منظمة التعاون الإسلامي جاء لينسف الصفقة ويفرق أجزاءها في وجه الريح دون اعتبار لأهداف الدولة المضيفة التي أصيبت كما يبدوا بالخيبة.

 

بكرا السباتين

 

تستند الهيمنة على السيطرة في آسيا وأوروبا.

بيتر هاريس*

مجلة  ناشنال انترست الأمريكية /  27 مايو 2019

ترجمة عادل حبه

القرن الأمريكي في طريقه إلى الأضمحلال. هذا هو الإجماع في الرأي بين معظم محللي السياسة الدولية، سواء أكانوا يعزون تراجع الولايات المتحدة إلى الخلل الوظيفي المحلي أو إلى نهوض الصين والقوى الناشئة الأخرى . ويميل المراقبون إلى الاتفاق على أن انحسار"حالة أحادية القطب"، عاجلاً أم آجلاً، ستفسح المجال لقيام نظام دولي تلعب فيه أكثر من دولة عظمى.

ومع ذلك، فمن غير الواضح متى ستتلاشى أحادية القطب في العالم في نهاية المطاف. وما الذي يتطلبه الأمر لقوة عالمية أخرى كي تساوي الولايات المتحدة أو تتفوق عليها؟ وما هو أوان إعلان أن أحادية القطبية أصبحت شيئاً من الماضي؟ إن معظم محاولات الإجابة على هذه الأسئلة تنطوي على معايير دقيقة لمجمل القدرة الوطنية. ومن وجهة النظر هذه، فإن فهم التراجع في الولايات المتحدة هو مسألة التنبؤ بالوقت الذي قد يتفوق فيها أحد المتنافسين لأمريكا في مجمل المعايير المادية، الاقتصادية والعسكرية.

إلاّ أن  العالم أحادي القطب ليس هو مجرد دور الميزانيات العسكرية النسبية. إذ يتم تعريفه أيضاً من خلال التوزيع الجغرافي للسلطة وتأثيرها. و يسير هذان العاملان جنبا إلى جنب. حيث تسمح القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة الاستمرار بالوفاء بالتزاماتها الخارجية الرئيسية، علماً أنه ليس القوة المادية المجردة هي التي تحدد الولايات المتحدة دورها المهيمن. إن نشر القوة العسكرية والسياسية الأمريكية في الخارج هو الذي يهم أكثر من أي شيء آخر.

ومن أجل فهم أهمية الأسس الجيوسياسية لعزم قوة الأحادية القطبية بشكل أفضل، من المفيد التفكير في كيفية ظهور الأحادية القطبية في المقام الأول - أي من ركام ما حدث قبلئذ، أي القطبية الثنائية لحقبة الحرب الباردة. فبناءً على من يتساءل، هل انتهت الحرب الباردة في عام 1989 (عندما بدأت تتراجع قبضة الاتحاد السوفيتي على أوروبا الشرقية) أو في عام 1991 (عندما توقف الاتحاد السوفيتي عن الوجود تماماً). لكن وبعبارة أدق، ما الذي أثار نهاية الأزدواجية القطبية؟ هل هو الانسحاب السوفيتي من أوروبا الشرقية أم انهيار الاتحاد السوفيتي النهائي أم تفكك حلف وارسو أم  التحول في مواقف وأولويات القادة السوفييت أو الروس أم شيء آخر تمامًا؟

وفقاً للعالم السياسي هاريسون فاجنر، لم يتم تعريف الازدواجية القطبية من خلال مجرد وجود دولتين قويتين في السياسة العالمية، ولا حجم ترساناتهما النووية، ولا عدد الحلفاء الذين يمكن لكل منهما أن يتبجحوا بهم. بدلاً من ذلك، كانت "السمة المميزة لتوزيع السلطة في الحرب الباردة أن "دولة واحدة، الاتحاد السوفياتي، احتلت في وقت السلم موقعاً شبه مهيمن على القارة الأوروبية الآسيوية، وهو موقف كان في الماضي قادراً على تحقيقه فقط بعد سلسلة من الانتصارات العسكرية".

وبعبارة أخرى، كانت الإزدواجية القطبية خلال الحرب الباردة حالة جيوسياسية - صراع مستمر شنه التكتل الغربي للوقاية من الهيمنة السوفيتية الكاملة على بعض المساحات الجغرافية، خاصة في أوروبا وشرق آسيا. ولقد انتهى عصر الازدواجية القطبية عندما أصبحت التحولات الداخلية داخل الاتحاد السوفيتي تعني أن موسكو لم تعد تشكل تهديداً لأمن هذه المناطق. ولم تتطلب نهاية الازدواجية القطبية انهيار الاتحاد السوفياتي بالكامل، ولا حتى تراجعه الكبير في القوة المادية الإجمالية. إن كل ما يتطلبه الأمر هو إعادة تشكيل المصالح والنفوذ بحيث تم استبدال المنافسة الجيوسياسية على أوراسيا بمجموعة مختلفة من التفاعلات الدولية.

ماذا يعني أي من هذا بالنسبة إلى القطبية الواحدة- ماضيها وحاضرها ومستقبلها؟

أولاً، إذا ما تميزت الازدواجية القطبية في حقبة الحرب الباردة بمضمون التفوق في أوروبا وشرق آسيا - وإذا اختتمت تلك الحقبة عندما توقف الاتحاد السوفياتي عن تهديده بالسيطرة على تلك المناطق - فإن ذلك يعني أن الاحادية القطبية هي الأخرى هي مجموعة من الظروف الجيوسياسية. وبالتحديد، يتم تعريف الأحادية القطبية من خلال الموقع الجغرافي الاستراتيجي المواتي الذي ورثته الولايات المتحدة في نهاية الحرب الباردة: شبه الهيمنة في أوروبا وشرق آسيا.

وببساطة، تحتل الولايات المتحدة اليوم موقعًا جيوسياسياً مشابهاً للموقف الذي كان يتمتع به الاتحاد السوفيتي في عام 1945: الأولوية السياسية والعسكرية في أهم مناطق أوراسيا. أما في أوروبا، يمتد تحالف الناتو بقيادة الولايات المتحدة من المحيط الأطلسي إلى خليج فنلندا والبحر الأسود. في آسيا، تفتخر الولايات المتحدة بسلسلة من التحالفات والشراكات غير الرسمية التي تحاصر بالكامل منافستها الجيوسياسية الأساسية، الصين. إذا تم تعريف ثنائي القطبية من خلال التنافس المستمر للسيطرة على القارة الأوراسية، فقد تم تعريف عزم قوة الأحادية القطبية بالغياب النسبي للمنافسات الجيوسياسية النشطة.

بالتأكيد، هذه هي الطريقة ينظر بها العالم الأحادي القطب إلى المنافسين الرئيسيين لأمريكا. فالبنسبة إلى الاستراتيجيين في روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية وأماكن أخرى، اتسم النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة بالاحتلال الأمريكي الدائم للمناطق التي جرى تحصينها في بادئ الأمر خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة حتى الآن ولم يتم إجلاؤها، على الرغم من استعادة السلام المفترض. وتمارس البحرية الأمريكية السيطرة الكاملة على جميع محيطات العالم ومعظم النقاط البحرية المهمة، بما في ذلك تلك البعيدة عن الشواطئ الأمريكية. ويعلن القادة في موسكو وبكين عن تذمرهم واستيائهم  من هيمنة الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ، لكنهم يعلمون أن إخراج أمريكا من أوراسيا لن يكون مهمة سهلة.

بالنسبة لمعظم الأميركيين، فإن نشر القوات الأمريكية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط له ما يبرره تماماً بذريعة الأمن الدولي فضلاً عن المصلحة الذاتية الوطنية. ولكن بالنسبة للخصوم الأجانب، فإن "باكس أمريكانا" (السلم الأمريكي) هو توزيع غير عادل لا يطاق للسلطة والنفوذ. إنه تكوين جغرافي - سياسي حصل بالصدفة التاريخية ويجب إبطاله لصالح شيء أكثر إنصافا واستدامة.

إن رؤية الأحادية القطبية كتكوين جيوسياسي يساعد في إلقاء الضوء على الوقت الذي قد ينتهي فيه العالم الأحادي القطب. فكما انتهى القطبان عندما سحب الاتحاد السوفياتي قواته من أوروبا الشرقية وتوقف عن ممارسة وجود عسكري ذي مغزى في شرق آسيا، كذلك فإن العالم أحادي القطب سوف يفسح المجال عندما لم يعد الجيش الأمريكي هو المهيمن على طول الجناحين الرئيسيين في أوراسيا: شبه الجزيرة الأوروبية والدول البحرية لشرق آسيا.

هناك طريقان رئيسيان لتحقيق هذه النتيجة، ويمكن تصور كل منهما تماماً في السياق الحالي. أولاً، من الممكن أن يتمكن بعض المنافسين الدوليين (أو مجموعة من المنافسين) من طرد الولايات المتحدة من أوروبا أو آسيا أو كليهما. يمكن أن يحدث هذا، على سبيل المثال، إذا أثارت روسيا حرباً برية في أوروبا تكشف عن أن التزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها في أوروبا الشرقية ما هي إلاّ وعود فارغة يخشى البعض من اندلاعها. بدلاً من ذلك، يمكن للصين أن تتغلب على حلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا و إجبار جيرانها على التخلي عن بنية الأمن الإقليمي المحورية مع الولايات المتحدة. وهناك احتمال آخر هو أن تحالف القوى الأوروآسيوية يجعل الولايات المتحدة غير قادرة استراتيجياً على الولايات المتحدة في الحفاظ على وجود عسكري خارجي موثوق به.

ولكن من الأهمية بمكان أن العالم الأحادي القطب لن ينتهي إلا عندما تفقد الولايات المتحدة مكانتها شبه المهيمنة في أوروبا أو شرق آسيا. فلن يكفي الصين أو روسيا أن تتفوق على الولايات المتحدة على الورق. وسوف يتعين قلب الظروف الجيوسياسية على الأرض. إن الضغوط من المنافسين الأجانب ليست سوى طريقة واحدة قد يؤدي إلى ذلك.

.الطريقة الأخرى هي أن الولايات المتحدة قد تختار ببساطة التراجع لأسبابها الخاصة. في الواقع، هكذا تنبأ تشارلز كراوثامر بإنتهاء العالم الأحادي القطب: مع ضغوط القوى الانعزالية داخل الولايات المتحدة الداعية إلى وضع حد للانخراط العميق في الخارج بدافع الاعتقاد بأن الأمن الدولي لم يعد يعتمد على التفوق الأمريكي في الخارج.

في كلتا الحالتين، أن القرن الأمريكي – عزم قوة الأحادية القطبية - يعتمد بشكل أساسي على احتفاظ الولايات المتحدة  بارتباط سياسي وعسكري عميق في المناطق الأساسية في أوراسيا، وخاصة في أوروبا وآسيا المحيط الهادئ. لقد كان التراجع السوفياتي عن هذه المناطق في عام 1991 هو الذي ترك الولايات المتحدة في المرتبة الأولى في الشؤون العالمية في المقام الأول. وسيكون تراجع أميركا عنهم - سواء أكان قسرياً أو طوعياً - هو الذي يشير إلى نهاية أحادية القطبية.

لم تنته عزم قوة الأحادية القطبية، حتى لو كان زوالها بعيد المنال. ليس السؤال الحاسم الذي يواجهه محللو السياسة الخارجية اليوم هو "أي نوع من النظام الدولي سيظهر بمجرد انتهاء الأحادية القطبية؟" بل بالأحرى، "ماالوقت  الذي سيتطلبه اضمحلال الأحادية القطبية؟" هذا لأن الانهيار النهائي للنظام أحادي القطب لا ينبئ كثيراً بإعادة تنظيم السياسة العالمية لأنه سيكون بمثابة تأكيد على أن إعادة الهيكلة هذه قد تمت بالفعل.

 

......................

*بيتر هاريس أستاذ مساعد للعلوم السياسية في جامعة كولورادو

 

 

ليست مفاجأة إن ذكرنا إن حقوق الإنسان بمفهومها هي تشمل كل ما يتعلق بالكرامة الإنسانية بما في ذلك المساواة المدنية والأمن الاقتصادي، وميثاق الأمم المتحدة يتضمن عن حقوق الإنسان مبادئ واضحة مثل الحق في العمل والتعليم والحماية الصحية، ولكن كل تلك ما هي إلا أهداف بعيدة تحتاج إلى توضيح وتنوير للمبادئ التي تحمي الإنسان وتفعيل للكيفية التوكيدية بعدم جواز قتل الشخص أو تعذيبه أو نقله تعسفًا ضد إرادته أو سجنه من دون محاكمة ولا يجوز لأحد حرمانه من استخدام لغته الأم أو منعه من اعتناق الدين الذي يؤمن به، ومن المستحيل إجباره على العمل أو مطالبته بأداء عمل مفرط، ولا حتى التفريط بحقوقه أو إهانته والتجاوز على كرامته أو أصله أو قوميته أو آرائه السياسية، وكل تلك المبادئ شكلية فجميع الساسة يقولوها ويعلنون عنها ويؤكدون عليها لكنهم لا يطبقوها ولا حتى يضمنون مستقبل تنفيذها.

الحكومة التمثيلية لا توفر للمواطنين على الإطلاق الحل الحقيقي للشؤون العامة رغم أنها تمنحهم بعض التأثير على هذه الأمور، وإذا افترضنا أن المواطنين يؤمنون بذلك التأثير أكثر مما يمكنهم في الواقع، فإن ذلك الوضع يفرض سؤالين هما  إلى أي مدى يستطيع المواطنين حل الشؤون العامة عن طريق التصويت الشامل والمتساوي؟ وإذا كان من المستحيل التعرف عليهم بصفتهم قادرين، فكيف يمكن الحد من الشر الذي  يأتي اليهم منه؟؟ أنا أفهم أن صياغة هذه الأسئلة في عصرنا تبدو وكأنها غير مقبولة وأتصور مقدمًا التفسيرات الخطيرة المحددة والتي يعترف بها في ديمقراطية هذا العصر لإن نظام الحكم لم يتغير بشكل كبير باستثناء التدابير التجميلية التي تخفي طبيعته الحقيقية!

مما يثار سؤالاً آخر حول كيف يمكن أن يبقى هذا النظام بلا تطور؟ قد يتم الاعتراض على أنه من الخطر أن نلمس هذه التحفة الناجحة!! التي يقال إن من انتجها هما كرم الطبيعة والحكمة الإنسانية !! ولكن إذا لم نتمكن من لمسها فلن يكون هناك ولن تنتج شيء أفضل، كما إن الأشخاص الذين يعيشون في ظل ذلك النظام الاجتماعي غير سعداء للغاية وان كانوا يستهلكون أكثر ويتمتعون بمزيد من الراحة وأمن أكبر، لكنه ليس لديهم إيمان بالمستقبل ولا يملكون حتى الثقة بالنفس ويفتقدون محبة الناس لبعضهم ولحياتهم ولواقعهم وليس لديهم بهجة الحياة البسيطة وغير قادرين على الحكم على الشؤون العامة، فنتيجة لكل ذلك يواجه الإنسان المعاصر في كل خطوة مواقف لا يستطيع هو نفسه الحكم عليها ويتم تقويض قدرته على الحكم يوميًا من خلال الإعلانات التي تنصحه غالبًا بالبضائع السيئة والأفكار المستهلكة ليتعلم ألا يثق وان ينقاد للموجهين بسهولة.

الوضع يسوء ويسوء وعندما يُطلب من الناخب اختيار منتج سياسي عبر سوق الانتخابات والذي يتم عبره استخدام وسائل إعلانية مضللة يتم استعارتها مباشرة من الممارسات التجارية ويشار إليها بنفس فعل البيع فتحاول الأحزاب عبرها بيع الناخبين لمرشحيها وبذات الوقت يحاول المرشحين التجارة والبيع لأفكارهم المبسطة عمدا والطعن ليس في ذهن الناخب فقط إنما الطعن بأذواقه وتحيزاته وميوله، ومع طريقة عرض دنيئة كهذه فسيعتاد الناخب على سماع ما يحبه فقط والأنزعاج إذا سمع شيئًا من الأفكار الجديدة وغير المعتادة والتي ستسبب له الكثير من العداء لدرجة أن إدراكه سيتطلب من بذل جهداً عقلياً، وسيحاولون من خلاله أن يحطموا فكره وحاضره ومستقبله وحياته كلها، وهكذا تصبح الانتخابات نوعًا آخر من المنافسة وهي أسوأ بكثير من مفاسد التجارة لأنه في السياسة من المفترض ليس فقط الثناء على منتج واحد وإنما يتجاوز أيضًا لإدانة المنافسين وافكارهم وبرامجهم .

 وإذا كان الناخب المشتري غير قادر منذ فترة طويلة على فهم البضائع المعروضة في التجارة المعتادة فإن السوق السياسي سيقوده إلى الارتباك التام فيقترح المرشحين على الناخبين حل عدد من القضايا الأكثر تعقيدًا بدءًا من الضرائب والإعفاءات الجمركية وينتهي بمحطات الطاقة النووية وحتى مشاريع الفضاء، وليس سرا إن قولنا إن السيد المرشح قد لا يفهم من اقواله شي غير نطقها  للناخبين الذين لن يعرفوا كيفية وضع العديد من الأسئلة في الاعتبار ويتبعون سؤالًا واحدًا فقط غير انهم غالبًا ما يصوتون لمرشح اهداهم شيئا أو وعدهم بشيء أو انه يتمتع بنظرة أكثر إثارة وخطاب أكثر ثقة!!! فهنا نتساءل لماذا نحتاج إلى هذه الكوميديا الكاملة للانتخابات؟ أليس من السهل نقل قرار جميع الحالات إلى الخبراء؟ وإن كنا نطالب بالحكومة التمثيلية، فما هي مزاياها؟ والتي أتاحت لها الأسبقية في العالم الحديث!! وفي بعض الأمور المهمة لا يمكن اتخاذ قرارات جذرية ولا تؤدي التدابير الجزئية إلى أي مكان فتتطلب الطبيعة العامة للأنظمة الحية في بعض الحالات إجراءات ثنائية التفرع والاختيار بين نعم و لا، إذ بدون مثل هذه الأفعال لا يمكن للطيور أن تطير ولا يمكن للرجل أن يصبح أباً ولا يمكن للمرأة أن تصبح أماً، بينما في الحياة العامة وهذه التقنية قد لا تعمل في الحالات التي تحاول فيها كسر المفاهيم القائمة بالفعل في المجتمع الذي فيه أصبحت الديمقراطية موضة وحان الوقت للتفكير في كيفية تمكننا بالهروب منها، غير إن السؤال الأهم هنا يتمحور، في هل يمكننا إن نبتكر من الديمقراطية برنامجا إنسانيا راشدا؟

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

جوتيار تمرتختلف المفاهيم التي تعتمدها المجتمعات حول العشيرة والعشائرية، كما تختلف الاراء ووجهات النظر اليها داخل فيئات المجتمع نفسه، ناهيك عن الاختلافات التي تبرز حولها ضمن دوائر اكبر كالدولة والدين والقومية، فالعشيرة هي وحدة قائمة اساسها رابطة الدم، وهي موجودة قديماً قدم المجتمعات، ولاتزال كالاسرة قائمة الى اليوم حتى في اكثر بلدان العالم تقدماً، انها اشبه باسرة كبيرة ممتدة يربطها الدم لانها آتية من اب واحد في المجتمع الابوي، او من أم واحدة في المجتمع الاموي، وذلك ما يخلق تماسكاً وتجانساً نسبياً حول التكاتف والتعاطف بينها، بحيث حين يسعى فرد من افرادها لنيل مكانة يجد عواصر تلك الرابطة تسانده وتدعمه، في حين ان العشائرية هي عقلية او اتجاه سياسي يسعى لتحويل العشيرة الى نوع من الحزب السياسي قي نواجهة العشائر الاخرى، والاحتكام اليها في العلاقات الاجتماعية والسياسية، وبهذه العقلية او التحويلة تصبح العشائرية شكلاً من اشكال الايديولوجية يرجع اليها ويفسر بها كل امر مثل تشكيل الحكومات، والانتخابات البرلمانية والنقابية وغيرها وحتى الوظائف العامة والمدنية والعسكرية والاستثمارات والاعمال، كما يقول  " حسني عايش" ، وبذلك تصبح العشائرية نسق قيمي وسلوكي، سلبي في مجمله، لانه يحاول التدخل في مختلف جوانب الحياة بما فيها الرسمية متجاوزاً القانون والدين والقيم الإنسانية والحضارية ويستعمل العنف والإرهاب والقسر في تنفيذ جزاءاته لتصبح العصا التي تعيق عجلة الحياة المدنية، كما يشير الدكتور حميد الهاشمي الى ذلك، وبذلك تؤثث عوالم العشائرية وفق معطيات مغايرة لاتتوقف عند حدود السعي والدعم والمساندة بغية الوصول لهدف معين لاحد افراد العشيرة، انما تتحول هنا الى آلة فتاكة لفرض الواقع الذي تريده على المؤسساتية الديمقراطية باستخدام كافة الوسائل دون اية اعتبارات وطنية او حزبية معينة ومحددة، لأن الهدف الاساس لديها او الوصول الى غايتها، وبذلك تحول الواقع الى ساحة صراع دائمة، لاحدود لطموحاتها، وقانون يردعها، ولاسلطة يوقفها، فضلاً عن كونها تغير معالم الواقع السائر نحو مواكبة المتحولات والمتغييرات الدولية الى واقع يتراوح بين الهمجية القبلية والتسلط القبلي نفسه على جميع مرافق الحياة، فلاتتأثر دوائر ومؤسسات الدولة فحسب انما تتأثر البنية الاجتماعية ايضاً بذلك، فحتى اختيار المرأة لاي منصب اداري يكون وفق تطلعات العشائرية ونسقها الفوضي، لا على اساس التفوق والكفاءة العلمية او التخصصية.

لايختلف اثنان على ان دور العشائرية لايظهر الا عند غياب الدولة وضعف المؤسسة القانونية فيها، ناهيك عن تدخل الزعامات القبلية في ادارة شؤون الدولة نفسها وذلك بفرض وجودها الاقتصادي والجماهيري، وهذه السمة هي الغالبة في اغلب المجتمعات لاسيماالشرقية منها، ونحن الكورد كأحدى تلك المجتمعات التي تعيش تحت وطأة الاحتلال منذ قرون طويلة مازلنا احدى روافد القوى العشائرية التي نعاني من وطأتها ايضاً فضلاً عن الاحتلال، فالقوة العشائرية في مجتمعنا الكوردي باتت تهدد التطور الحاصل في البنية السياسية والنقلة الاجتماعية الحاصلة بعد زوال النظام الدكتاتوري البائد، بحيث ان الشريحة الواعية من الكورد صارت تصدح بضرورة الوقوف امام هذه الموجة كي نحافظ على المستويات البارزة التي وصلت اليها القضية الكوردية ككل من جهة، والانجازات والمكتسبات الحضارية العمرانية لاسيما في جنوب كوردستان من جهة اخرى.

ان اهم ما يثر الجدل بين هذه الاوساط المثقفة والواعية هو عدم اكتفاء الاحزاب السلطوية بالمعطيات الوراثية التي فاقت مفهوم العشيرة نفسها لتحل محلها المفهوم الفوضوي العشائري، وذلك من خلال عدم السماح للعقول النافذة والمتقدة بقيادتها، ومن ثم محاولة رصد المعارضين لها وتصنفيهم وفق رؤية خاصة بهم من عميل وخائن وتابع وارهابي ومن ثم تصفيتهم بشتى الوسائل، فضلاً عن محاولتهم وبشكل غير مبرر ومشين ايضا فرض ايديولوجيتهم العشائرية على الواقع العياني، وذلك من خلال اعطاء ادوار ولو ثانوية لبعض الاشخاص ضمن دائرة العشيرة بروح العشائرية وتفعيل الالة الاعلامية للوقوف على فعالياتهم التي هي في كل احوالها لاتعد سوى حركات مكشوفة لاتسمن ولاتغني من جوع، فالمجتمع يعيش حالة فوبيا رهيبة منذ ما يقارب العقدين ليس فقط من امكانية تحول الصراع الحزبي السياسي الى حرب اهلية بين الاحزاب العشائرية المتنافسة، انما ان تتحول الصراعات داخل الحزب العشائري الواحد ايضاً الى دمار للتجربة السياسية الكوردية، وذلك من خلال قيام طرف منافس لقيادة الحزب على حساب الاخر بتوطيد العلاقات مع الجهات المعادية للكورد وتقديم تنازلات كالتي حدثت بعد الاستفتاء فتكون وبالاً على القضية الكوردية، فضلاً عن استغلال تلك الصراعات الحزبية العشائرية التنافسية لتبرير حالة التلكأ الحاصلة ضمن ادوار الحكومة نفسها والاوساط الحزبية الداعمة لها  في دفع مستحقات الشعب وطمس حقوقهم تحت غطاء الظروف الاقتصادية والصراع مع المركز، وليس بخافي على احد ان هذا السوط هو  نفس السوط الذي تستخدمه السلطوية لترهيب الشعب من جهة، ولفرض ايديولوجيتها العشائرية من جهة اخرى.

ان العشيرة كرابطة دموية اسرية ليست بعبء على المجتمعات الحضارية، بالعكس تماما فهي تعد البنية الاساس لها، ومن خلالها يتم توطيد العلاقات الاجتماعية وتظهر معالم الاداور القيادية والتي يمكن استنباطها واستغلالها في العمل المؤسساتي، بالطبع ليس على اساس العشيرة واسمها، وانما وفق معطيات الاداء الذي تقوم به بعض الفيئات داخل العشيرة وذلك بعد تقييمها وفق معايير خاصة تخدم المصلحة العامة، ولكن العبء الاساسي الذي تنتجه العشيرة هو حين تتحول اواصرها الى توجهات قبلية ذات حمية عصبية لتصبح بذلك صاحبة تطلعات خارجة عن النطاق التنافسي القانوني، فتحاول فرض نفسها بالقوة، وذلك ما يولد ردة فعل سلبية من عشائر اخرى، فينتج عن ذلك اجمالا قوى تلبس رداء الوطنية وهي في الاساس تقوص العملية التحررية الوطنية وتجعلها تسير وفق مصالحها الخاصة، واهدافها العشائرية المسيسة سواء ضد الاتجاهات العشائرية المنافسة او لجعل مملكتها الحزبية العشائرية محصنة من اية اختراقات قد تضعفها، بالطبع هذا كله على حساب الشعب وعلى حساب القضايا القومية الوطنية الاساسية .

من هذا المنطلق اصبحت الاصوات تصدح بوضوح ضد هذا الاتجاه العشائري داخل المجتمع الكوردستاني، واصبحت تكتب وتثير الجدول حول سلبيات العشائرية والولاء الاعمى لها، وتنادي بضرورة ارساء قواعد اكثر متانة للعمل الديمقراطي في كوردستان، كي نتجنب خرق القوانين واضعافها، ونعطي للحكومة الديمقراطية والبرلمان المنتخب والوزارات الحق في اداء واجباتهم المؤسساتية بعيداً عن التدخلات العشائرية والحزبية، وكذلك نعطي للحراك الاجتماعي تلك المساحة اللازمة للخق الابداعي، دون اية قيود تفرضها الايديولوجيات العشائرية.

 

جوتيار تمر / كوردستان

 

مصطفى محمد غريبالخلافات التي بدأت بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق أضاعت فرص التوجه نحو بناء علاقات وطنية وإعادة بناء ما خربته سنين (35) من هيمنة حزب البعث العراقي تحت قيادة صدام حسين، هذه الخلافات أصبحت حجر الزاوية للتخريب والإرهاب والمحاصصة والتدخل الخارجي، مما أدى إلى تفاقمها حتى باتت قنبلة موقوتة لإشعال حرب داخلية لا تختلف عن الحروب السابقة التي دمرت البلاد لولا حكمة القوى الوطنية والديمقراطية وعقلانية الأطراف التي يهمها الاستقرار ورفض الاقتتال الداخلي، وبمجرد رحيل نوري المالكي الذي كان عهده عبارة عن تأجيج الخلاف والأوضاع واستمرت نفس الأوضاع في عهد حيدر العبادي فقد تحركت الأوضاع أبان عهد رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي وجرى التفاهم بعد عدة مباحثات أوصلت الأطراف إلى قناعة الحوار والاتفاق بضرورة الحل السلمي عن طريق هذا الحوار الايجابي، وبمجرد تهدئة الخلافات والنية لإيجاد حلول نجد عودة الخلافات مجدداً إلى الواجهة بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم تحت طائلة اتهامات بعدم التزام حكومة الإقليم بدفع الواردات النفطية لنحو (250) ألف برميل نفط يومياً تُصدّر عبر " شركة النفط الوطنية «سومو»، والمتفق عليها في الموازنة المالية لعام 2019، إلى بغداد" وطالب البعض بعدم مستحقات إقليم كردستان وفي مقدمتهم عن دولة القانون النائب منصور البعيجي مؤكداً "باعتبارنا ممثلين عن أبناء الشعب العراقي نطالب رئيس الوزراء بان يوقف دفع الأموال إلى الإقليم إلى أن يسلموا ما بذمتهم إلى الحكومة الاتحادية وحسب الاتفاق النفطي في موازنة العام الحالي".

هذا الوضع الجديد أعاد حالة التشكك بين الطرفين مما طُيرت إشاعات وتصريحات تتناول قضية عدم دفع حصة الإقليم من الموازنة وبالتالي قطع رواتب الموظفين والبيشمركة وربطها بين قضية ( 250 ) برميل نفط لم ترسلها حكومة الإقليم كما اتفق عليه عام 2019، ليس قضية النفط إلا واحدة من مشاكل عديدة تحتاج إلى وقفة متأنية من اجل التوصل إلى حلول تخدم البلاد والشعب العراقي، ومنها قضية المناطق التي يدور حولها الخلاف وفي مقدمتها قضية كركوك ثم قضايا أخرى، ولهذا تحتاج الأمور إلى الدخول في مفاوضات على مستوى عالي للوصول إلى قواسم مشتركة للتخلص من الشكوك وإعادة الثقة لبناء الدولة والوقوف ضد المخاطر الداخلية والخارجية التي تهدف إلى التخريب، وأمامنا أمثلة عديدة منها مثلاً حرق أكثر من 1500 ألف دونم من الحنطة والشعير وما يُصدر من بعض الدول من بضائع وأدوية وأطعمة فاسدة ثم عملية تهريب أطنان من المخدرات والممنوعات إلى العراق، وتهريب الآثار وعمليات الفساد وسرقة المال العام وغيرها هذه الحالة لم تكن بمعزل عن تركة الماضي والحكم ألبعثي بقيادة صدام حسين وازلامه، فطوال عقود وأبان الحكم الملكي بقت القضية الكردية عبارة عن لغم يهدد السلم الاجتماعي بسبب الإهمال وعدم القدرة الوطنية على فهم إن لكل قومية حقوق متساوية مع القوميات الأخرى بما فيها القومية الكبيرة العربية، ووفق الظروف الموضوعية والذاتية ومن نافل القول التمسك فقط بمواقف القوى القومية العربية وتداعيات رؤيتها الضيقة والشوفينية أحياناً، لأن التعصب القومي والانغلاق على الذاتي وعدم القدرة على تفهم الواقع المفروض بحكم الظروف يشترك مع الشطر الذي لا يعترف بالحقوق ويحاول التجاوز عليها بشتى الطرق.

ولكي لا نسهب أكثر فيما يخص القضية القومية في العراق ومراحل النضال من اجل الحقوق القومية وبخاصة الكرد العراقيين فإن قضية الحكم الذاتي في (1970) لم يتحقق إلا بنضال القوى الوطنية والديمقراطية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي فضلاً عن نضال القوى والأحزاب الكردية وعند تحقيق هذا المطلب العادل "الحكم الذاتي" وعلى الرغم من تسويفه وإفراغه من محتواه والهيمنة على المجلس التشريعي من قبل النظام الديكتاتوري فهو في البداية اعتبر مكسباً وطنياً إضافة كونه مكسباً قومياً يبشر بالخير لصالح إيجاد حلول عادلة لباقي القوميات في البلاد والسير نحو تحقيق الديمقراطية للعراق والسلم في كردستان، لكن سرعان ما طغى الطوفان ألبعثي الأسود وأنهى صدام حسين بدوره أي أمل لإعادة الصفاء والتلاحم وأصبح الحكم الذاتي ومؤسساته عبارة عن مكاتب تابعة لحزب البعث لم تعد تمثل الشعب الكردي وطموحاته في الحرية والتقدم وسرعان ما عادت الحركة المسلحة المناوئة للحكم الدكتاتوري من أحزاب عدة ثم التحق الحزب الشيوعي العراقي بعد أن أجهضت الجبهة الوطنية وأصبحت حالتها بمثل حالة المجلس التشريعي في كردستان العراق بسبب سياسة النظام الدكتاتوري وتوجهاته الدكتاتورية وهيمنته المطلقة على البلاد .

بعد سقوط النظام بالاحتلال في 2003 عادت القضية الكردية كقضية مهمة (وللعلم أن منطقة الإقليم ومن 1991 أصبحت شبه مستقلة عن الحكم المركزي ثم أعقب ذلك إجراء انتخابات أيار 1991 في المناطق الخاضعة للحزبين الاتحاد الوطني الكردستاني و الديمقراطي الكردستاني وتقاسما الاثنين مقاعد البرلمان بالاتفاق.

لقد أسفر إزاحة النظام الدكتاتوري عن أوضاعا ايجابية بالتوجه لحل المشاكل المتعلقة منذ سنين والانتقال إلى نوع آخر من العلاقات التي تعزز اللحمة الوطنية وتسد الطريق أمام النظرة الشوفينية والاستعلائية من قبل البعض من الأحزاب والتنظيمات العربية وساهم الدستور بالرغم من ثغراته العديدة إلى طريق الدولة الاتحادية والتوجه لإنهاء الخلاف الأكبر حول كركوك ومناطق أخرى متنازع حولها حيث نصت المادة (140) على إيجاد الحلول الممكنة لحل النزاعات وتقارب المواقف والآراء والأفكار لدى كلا الجانبين واستبشرت القوى الوطنية والديمقراطية وأكثرية الشعب العراقي بذلك لإنهاء حقب من الصراع المسلح وغير المسلح والتوجه لبناء البلاد بعد (35) من سنين العجاف التي ذاق منها الشعب الأمرين وتحقيق دولة المواطنة الاتحادية الفيدرالية الديمقراطية ولقد عانت أكثرية الشعب العراقي الحكم الدكتاتوري وحكومته الظالمة

1ـ من الاضطهاد والتعسف وإلغاء الحريات والتفرد بالسلطة عن طريق تزييف أرادة المواطنين وإرهاب المؤسسات الأمنية المتعددة الإشكال والأساليب والاعتماد على الإعدام والقتل والتعذيب والاعتقال وخلق حالة من الرعب والخوف تكاد لا تختلف عن الأساليب النازية والفاشية في استخدام كل الوسائل والطرق لغلق الطريق إمام أي فتحة ضوء للحريات والديمقراطية

2ـ أدخلت البلاد في حروب داخلية واستعملت ضد الشعب الكردي والبعض من مناطق الجنوب الأسلحة الكيماوية وهذا ما أدى إلى استشهاد الآلاف من المواطنين وتشويههم وتهجيرهم إلى مناطق غير مناطقهم، فضلاً عن التهجير القسري الذي استخدم بشكل فض ولا إنساني ضد الكرد الفيليين، إضافة إلى مئات الالاف الذين فضلوا الهجرة واللجوء إلى دول أوربا والعالم

3 ـ الدخول في حروب ليس للبلاد ناقة فيها ولا جمل مما أدى إلى التضحية بمئات الآلاف من المواطنين بين قتيل ومعوق وهارب، ثم وضع البلاد تحت البند السابع وتدمير البنى التحتية وتقسيم البلاد إلى أقسام ومناطق ونفوذ مما جعل الحرب الأهلية تطرق الأبواب

4ـ ثم كانت حرب 2003 الذي تم فيها احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وحلفائها وزرع الحكم الطائفي بقيادة أحزاب الإسلام السياسي ومنذ أكثر من (16) عام ترزح البلاد تحت طائلة العشرات من المشاكل الاقتصادية والسياسية والأمنية والمعيشية ثم تنامي الإرهاب" داعش " والميليشيات الطائفية الشيعية وكذلك ميلشيات موالية لإيران وتعتبر نفسها وبعظمة لسانها أنها تابعة لولاية الفقيه وحكومة إيران  .

في الوقت الراهن بدأت خلافات من نوع آخر هذه المرة لكنها لا تختلف عن الجوهر، فمثلما كان التطرف القومي يعمل لخلق المشاكل أمام حل جذري للقضية القومية فان التطرف الطائفي والطائفية راحت تلعب اللعبة نفسها وهي كارثة حقيقية لخلق تداعيات قيام حرب ليس بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم فحسب بل ستمتد لتشمل المكونات جميعها وبالعربي الفصيح نعني الحرب الأهلية وتقسيم العراق،

لا بد من التوجه لحل المشاكل التي نشبت وازدادت في عهدي نوري المالكي وحيدر العبادي والذي وصل بعدم دفع حصة الإقليم من الميزانية وانسحب على مئات الآلاف من الموظفين والعاملين والبيشمركة حيث قطعت رواتبهم المرتبطة بمعيشة ملايين المواطنين في الإقليم وانجر على عموم البلاد، وخلق أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية لأن القرار الذي اتخذ بالضد من الدستور والاتفاقيات السابقة بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم، وفي حالة حتى وجود خلافات لا يمكن للحكومة المركزية أن تقوم بقطع رواتب موظفي إقليم كردستان " ويشار بأن المادة 10 من قانون الموازنة الاتحادية تمنع ذلك" وذكر هيبت الحلبوسي رئيس لجنة النفط والطاقة النيابية حول تهديد عادل عبد المهدي للإقليم " بقطع مستحقاته من الموازنة، تم نتيجة ضغوط لجنته "

نعود للتأكيد على ضرورة قيام الحكومة المركزية بإجراء الحوار مع حكومة إقليم كردستان والتوجه لحل المشاكل، النفط و المادة 140 أو أي قضايا أخرى بدلاً من المراوحة وإطلاق التصريحات والتهديدات غير المجدية.. الحل الصحيح هو تجنيب العراق والشعب العراقي الكثير من الكوارث والمآسي ــ فهل من المعقول الاستمرار في معاقبة الشعب من اجل المصالح الضيقة ؟ ــ وهل من المعقول إبقاء الخلافات وما تنتج من تعقيدات تهدد الاستقرار ووحدة البلاد ؟ ــ وأخيرا وليس آخراً لماذا الهروب من طاولة المفاوضات مع حكومة الإقليم والسؤال نفسه موجه لحكومة الإقليم لكي تناقش كل القضايا التي عرقلت وما زالت تعرق إيجاد الحلول المنطقية والتوجه نحو البناء المثمر والخادم مصالح الجميع؟ ـــ إلا توحد الأحزاب في الإقليم جهودها وتجاوز الخلافات والخروج بموقف موحد من اجل مصلحة الشعب الكردي ؟

 

مصطفى محمد غريب

 

ابراهيم أبراشمشروع التسوية الأمريكي الجديد والمُسمى صفقة القرن ينبني على اعتقاد أن كل المقاومات السابقة لإسرائيل وللتسوية الامريكية قد انهارت وأن الفلسطينيين لم يعودوا قادرين على الصمود، وهو اعتقاد سيكتشف الأمريكيون أنه في غير محله، ومؤتمر المنامة بكل اغراءاته الاقتصادية لن يحقق ما فشلت فيه إسرائيل بالإرهاب والسلاح .

مشروع التسوية الجديد يثير ضجيجا أكبر وتخوفات أكثر من كل مشاريع التسوية الأمريكية السابقة ليس لأن الفلسطينيين باتوا جاهزين للخضوع والتسليم بالأمر الواقع بل لأسباب أخرى، منها ارتباطه بشخص الرئيس الأمريكي ترامب المثير بذاته للجدل والذي يهوى الضجيج والإثارة الإعلامية، ولأن كثيرا من بنود الصفقة تم تنفيذه بالفعل على أرض الواقع وستكون ورشة البحرين -إن عُقدت في موعدها - كاشفة للصفقة وليس مؤسسة لها، هذه عوامل موجودة وتؤخَذ بعين الاعتبار ولا شك، ولكن السبب الأهم في رأينا الذي شجع ترامب هو حالة الضعف والاستلاب والخنوع عند دول عربية وخصوصا خليجية تبتزها واشنطن بالخطر الإيراني وبإثارة الفوضى داخليا، وهي حالة جعلت الإدارة الامريكية تعتقد بأن هذه الدول مستعدة ليس فقط للتخلي عن مسؤوليتها القومية تجاه الشعب الفلسطيني بل المشاركة الفعلية في تصفية القضية الفلسطينية من خلال التمويل المالي للصفقة وهو التمويل الذي بدونه لن تنجح الصفقة .

الفلسطينيون اليوم وبالرغم من أن وضعهم الداخلي اليوم هو الأكثر ضعفا من أية مرحلة سابقة إلا أنهم لن يتنازلوا أو يتخلوا عن حقوقهم المشروعة، نقطة الضعف الآن في القضية الفلسطينية تكمن في الموقف الرسمي العربي الرخو بل والمتآمر والذي انقلب حتى على المبادرة العربية للسلام، حيث المشاركة في ورشة المنامة معناه التخلي عن المبادرة وترك الفلسطينيين وحيدين في الميدان في مواجهة إسرائيل والإدارة الامريكية الأكثر تطرفا وصهيونية من الصهيونية ذاتها .

فعندما تُساق دول عربية كبرى وخصوصا خليجية بالإكراه وتحت التهديد إلى مؤتمر البحرين فهذا معناه ليس فقط أنها موافقة على الصفقة الأمريكية بل وستضطر لتمويلها، ولا تغرنا مزاعم هذه الدول التي تقول بأنها تشارك من أجل دعم الفلسطينيين اقتصاديا، ذلك أن المال المرصود في الصفقة لن تسمح واشنطن للدول العربية بتقديمه للفلسطينيين إلا إذا التزم هؤلاء بكل عناصر الصفقة الاقتصادية والسياسية .

كم هي باهتة وسخيفة مزاعم الدول ورجال الاعمال الذين سيشاركون في مؤتمر المنامة، فلو كان المشاركون صادقين في مزاعمهم بدعم الفلسطينيين لكانوا قدموا هذه الأموال مباشرة للفلسطينيين قبل المؤتمر، وقد ناشدهم الرئيس أبو مازن أكثر من مرة، وآخرها في مؤتمر وزراء الخارجية في أبريل الماضي، بتفعيل شبكة الأمان المالي وخصوصا بعد الحصار المالي الذي فرضته إسرائيل وواشنطن على السلطة الوطنية أخيرا بهدف ابتزازها والضغط عليها للتساوق من صفقة القرن .

بالرغم من كون الحالة الفلسطينية منقسمة وضعيفة إلا أن تعاطيها الإيجابي المُعلن مع الصفقة غير وارد حيث الجميع رسميا وشعبيا يرفضها، إلا أن الخشية تتأتى من التعاطي السلبي بمعنى الرفض العلني دون استراتيجية أو موقف موحَد لكيفية مواجهتها وتعطيلها، أيضا الصفقة لن تنجح إن كان هدفها حل الصراع لأن الحل يحتاج لموافقة الشعب الفلسطيني، ولكنها قد تحقق درجة من التقدم إن كان هدفها إعادة تدوير فكر ونهج المفاوضات لإدارة الصراع وكسب الوقت وخصوصا أن الصفقة مشفوعة بإغراءات مالية قد تبدو مغرية في ظل الوضع الاقتصادي السيئ الذي تم افتعاله بداية في غزة ثم في الضفة الغربية.

وفي هذا السياق، فإذا كان حصار غزة وما نتج عنه من فقر وجوع وبطالة والحصار المالي للسلطة في رام الله من خلال منع أموال المقاصة وقطع واشنطن مساعداتها للسلطة وتردد العرب في تفعيل شبكة الأمان المالي، إذا كانت هذه الإجراءات شجعت ترامب على طرح صفقة القرن وخصوصا في شقها الاقتصادي، فإن الرقم الصعب الفلسطيني يتمثل في ثبات صمود الفلسطينيين أمام الإغراء الاقتصادي تحت ضغط حاجة الشعب وضغط دول عربية ذات شأن.

لا نشكك بموقف القيادة الفلسطينية وكل القوى الوطنية، ولكن، أي أموال ترِد الآن للسلطتين – مثلا مبلغ 480 مليون دولار التي وعدت قطر بتقديمها للسلطتين - قد تكون دفعة على الحساب من عشرات المليارات المخصصة لصفقة القرن في شقها الاقتصادي، الأمر الذي يضع على المحك ثبات مواقف السلطتين في غزة والضفة في رفضهما الصفقة وخصوصا في شقها الاقتصادي !!.

وأخيرا وبالرغم من التهويل والتضخيم الإعلامي والابتزاز السياسي والمالي إلا أنه في الإمكان تعطيل الصفقة ورفع الغطاء عنها، عربيا بعدم مشاركة أكبر عدد من الدول العربية في مؤتمر البحرين، وفلسطينيا استمرار الرفض المشفوع بمصالحة وطنية عاجلة، ونحن على يقين باستحالة نجاح أية تسوية دون مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد، وسيبقى الفلسطينيون الرقم الصعب لأنه لا يمكن لأي مشروع تسوية أن يتجاوزهم ولا يمكن لأية دولة عربية أو كلها مجتمعة أن تتجاوزهم، ولو كان في الإمكان حدوث ذلك لتم تصفية القضية منذ عقود .

 

إبراهيم أبراش 

 

 

عبد الخالق الفلاح

ألقت التطورات التي شهدها العراق خلال الاشهر القليلة الماضية مجموعة مُربِكة من الترتيبات المؤسّسية في أتون حالة أكبر من الفوضى والتشوّش واهمها فقدان التوازن في الوزارات والهيئات والمسؤولية الحكومية لاعتماد مبادئ بعيدة عن مفهوم الحوكمة الوطنية وهي المحاصصة الحزبية والديمقراطية من حيث مَنطقها ووظائفها ومصادر السُّلطة فيها التي لم تترسّخ بعدُ في مجتمعاتنا. لغياب الوعي عند اكثر الجماهير بهذا المفهوم او المصطلح فهناك جهل عند البعض يقودهم لفعل الخطأ دوما تحت يافطتها ومن أهم أسباب انتكاس الديمقراطية في العراق هو أحزاب السلطة وسلوكها الأناني في تطبيق المحاصصة وفرضت سلطتها على الرقاب بعيداً عن مصالح الوطن والشعب، وفي هذا النظام لو تم تطبيقه بالشكل الحقيقي سوف تحترم الخصوصيات وتتلائم لجميع الدول التواقة للحرية ولا تتلخص في الإنتخابات او صناديقها فقط كما يتصورالبعض او يروق للبعض الأخر أن يصوره . ومن دون وجود القوة الشاملة للقيم التي تمثلها مثل إحترام الانسانية والصدق والعدالة والحرية والسلام لا يكتمل مثل هذا الاسلوب في ادارة الحكم ويعتبر مبدأ الفصل بين السلطات أحد المبادىء الأساسية التي يرتكز عليها هذا النظام، وهو مبدأ رئيسي .

كما ان الديمقراطية تقتضي علمانيّة الدولة، أو لِنَقُل مدنيَّتها، لمن له حسَاسِيَة من مصطلح العلمانيَّة. فالعِبرة بالمعنى لا باللفظ، والمقصود هو حياد الدولة إزاء المواطنين؛ ما يحقّق مبدأ المواطَنة الكاملة. فلا تُعامِل الدولة مواطنيها بمكاييل مختلفة حسَب: الدين، أو المذهب، أو القوميّة، أو الرَّأي، أو الجنس، أو التوجّه الجنسي..الكل شركاء في الحقوق والواجبات

ان بناء الديمقراطية صيرورة فكرية وثقافية وإجتماعية وتاريخية تتطور بمرور الازمان وعلى صعد مختلفة . رغم ان عملية البناء في ظروف انتقالية معقدة مثل ما تمر بالعراق عملية ليست سهلة ولكنها ممکنة وضروریة. بالاعتماد علی شكل النظام المؤسساتي والقانوني يمكن ان يلعب دورا اساسيا في نضج واستمرارية النظم الديمقراطية بصورة اكيدة. وذلك بتوفير آلية مناسبة لإدارة الصراع المختلق في حدود تعايش سلمي بین المکونات الاساسیة فی المجتمع ومن خلال تشجيع الاتفاق حول مجموعة من المبادئ الرئيسية التی تعكسها العديد من الدساتير بافكار جديدة حول تنظيم وبناء الدولة في البلدان التي تتعدد فيها القوميات والدیانات، وتؤكد اعترافها بالجماعات العرقية وتنظم مشاركتها في مؤسسات الدولة والشؤون العامة. ويمكن ان تكون اسالیب اخری فعالة تضاف فی البناء لمنع الصراعات فی المجتمع المکوناتي التعددي من أهمها أولا" المعايير الديمقراطية كألإنتخابات وثانيا"المؤسسات الديمقراطية كالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ثم ثالثا" المجتمع المدني وأخيرا" الثقافة الديمقراطية والتي نحن بحاجة ماسة اليها في كافة أنحاء البلاد بما فيها الثقافة الدستورية والقانونية وثقافة الوعي ألإجتماعي والتي هی تعتمد علی منظومة مؤسساتية کاملة لصیانة اراء المواطنین والاشراف علی الانتخابات بالتنسيق مع الدولة ومؤسسات المجتمع المدني كي تساندها في إدارتها لانجاز مهمة الانتخابات التي اصبحت لعبة قدر یتلاعب بها بعض الساسة فی غیاب راي المواطن الجوهرة الثمینة كمدخل لمنح الشرعية للنظام السياسي، ومن ثم توثق العلاقة بين المواطن والمؤسسات السياسية.

لا يـستطيع اي من قادة النظام السياسي الحالي ان يدعي بانه قادر على معالجة أي من المعضلات التی تمر بالبلاد بشكل عقلاني مجرد ما لم يستند الى شرعية شعبية واضحة . ولا يمكن الادعاء بوجود شرعية شعبية بدون وجود الديمقراطية التي تحدد أسلوب اختيار ممثلي الشعب وطريقة ممارستهم للرقابة والتشريع والمشاركة في اتخاذ القرارات وفي ظل غياب المنجز السياسي والاقتصادي الیوم وفي عدم قدرة النظام السياسي على تحقيق التنمية، فإن التساؤل بشأن جدوى الديمقراطية يبدو منطقيا للوهلة الأولى. ان الديمقراطية والحرية هما من المستلزمات الإنسانية وهي رغبة تعيش مع الفرد وعلی املها وليست سلعة مستوردة من الخارج انما قرتها کافة الشرائع السماویة والانسانیة، كما انها ليست عمولة ندفعها للحصول على مساعدات فنية وغذائية من الغیر ومطلب وحق وطني لا خيار عنها بعد التجربة العبثیة التی مرت خلال السنوات العجاف الماضیة بالمواطن العراقي والتي قاربت 60عاماً مضت. الديمقراطية تختلف عن بعضها البعض في تطبيق مبادئها بين الدول. فهناك من الدول التي تكون فيها الديمقراطية شكلا من أشكال الحكم وفي هذه الدول تعمل الديمقراطية بالمفهوم الإداري الشكلي . وهناك مَن الدول التي تَقْبل الديمقراطيّةَ بشرط أن تكون “الشريعة” مَصدرًا وحيدًا أو أحد مصادر التشريع، إذا ما نصَّ الدُّستور صراحة على ذلك.وهناك دول تطيق المبادئ الضرورية لوجود النظام الديمقراطي مثل : حكم الشعب، فصل السلطات، إجراء انتخابات ديمقراطية، التنافس بين حزبين على الأقل حسم الأكثرية الانتظام ومبدأ المساواة أمام القانون .و النظام الديمقراطي يتمحور حول الدستور حيث تمارس الحكم ثلاث سلطات أساسية وهي: السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية، والسلطة القضائية. كما لا يقتصر المجتمع الديمقراطي السليم على هيئات الحكم وحسب، إنما يضم عدداً من القوى الفاعلة أهمها: الأحزاب السياسية، المجتمع المدني. والبرلمان المنتخَب انتخابًا حرًّا من قبل الجماهير، يناقش مشاريع القوانين المطروحة ويصوّت عليها، ويصادق على الحكومات ويُطيح بها. والمناقشة تكُون بمنهج عقلاني موضوعي. فلا يكفي أن يُنسب الرأي إلى الله، أو كتابِه، أو إلى دِين معيَّن، حتى يصبح قانونًا؛ فالبرلمان يجمع أعضاء من مشارب مختلفة، مِن مهمَّتهم أن يجدوا أرضيّة مشترَكة، تقوم على العقلانية والصالح العامّ. فالنصُّ الديني أو الرأي الفقهي، لا يكفي لإصدار القانون؛ إذْ لا بد من المرور من بَوتقةِ المناقشة ثم مِن التصويت االبرلماني وهناك دول تطبق أيضا بالمفهوم الجوهري : الاعتراف بقيمة التسامح، مبدأ التعددية، حقوق الإنسان والمواطن . وتوفير الامن والسلام والحرية الفكرية والوحدة الاجتماعية .

وإلا کیف يمكن القول بوجود حالة من الدیمقراطیة مع وجود الجزع والحروب والموت والتفكيرو القلق ومن عدم الاستطاعة فی التعبیر بصورة شفافة عن الاراء لبناء المستقبل بدل الهدم والتي خلقت صورة معلولة بعدم جدوى الديمقراطية بصورة واضحة عند الرأي العام العراقي وهذه واقعة لا یمکن انکارها بسبب الحكومات الدكتاتورية التي تعاقبت على الدولة واخرها نظام البعث المجرم .

المواطن في ظل الديمقراطية يستطيع ممارسة الوعي ألإجتماعي ضمن مقاييس حضارية يهدف من خلالها الى بناء ذاته وترصينه وتأسيس قاعدة وطنية كعين ساهرة على حياة المجتمع ومصيره وبات واضحا فقدان الثقة وهو ناتج بالدرجة الاولی عن عدم وجود أحزاب وقيادات تؤمن بأن الديمقراطية ليست انتخابات وحسب، فالمستبدون المنتخبون يحافظون على قشرة الديمقراطية ویتحدثون بها لقلقة ویعکسون صورها الغیر الواقعیة وينتزعون جوهرها.

لذلك لا بد من وضع قوانين وقواعد ومجموعة استراتيجيات في ظل ديمقراطية يلتزم الجميع بمراعاتها والالتزام بها من اجل الابقاء على اسسها وحفظ النظام والامن في المجتمع وبالتالي بالسلطة المنتخبة شعبیا والتي ستتيح للمواطن فرصة التمتع بالديمقراطية وممارسة الحرية في ابوابها الواسعة وجوانبها المتعددة .

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

لقد اثبتت الدبلوماسية انها الطريقة المثلى والصيغة الاكثر عقلانية وعملية للتعامل في مختلف الاوقات وفي اكثر المجالات، بما في ذلك ادارة الحوار او التفاوض بين اشخاص منفردين او مجاميع او بين شعوب او دول. وهي تشكل من حيث المبدأ، تراكما معرفيا مبنيا على خبرة طويلة في العلاقات بين الدول. وتعتبرالدبلوماسية التقليدية، الصيغة الانجع لادارة العلاقات الدولية التي تقودها هيئات وشخصيات دبلوماسية.

في حين تعتبر الشائعة صيغة منظمة لنشر اخبار او معلومات، يراد منها الحصول على نتائج وردود افعال تتناسب مع الاهداف المرسومة لها. وقد تم العمل باسلوب الشائعات (الترويج) منذ ازمان بعيدة، وان تطور وسائل الاعلام الجماهيرية، المقروءة منها او المسموعة او المرئية، وتوسعها الهائل، جعل من السهولة نشر الشائعات في اوساط واسعة من المتلقين، حتى يطلق البعض على الشائعة تسمية " الدبلوماسية الشعبية".

ان الثورة المعلوماتية في المجتمعات المفتوحة، وحتى المغلقة منها، اربكت بعض الحكومات فأصبح من الصعب السيطرة على مصادر المعلومات، وبالتالي الحوؤل دون وصولها الى المتلقي. حتى ان محاولاتها احيانا لتحريف الحقائق وتشويهها، بدأت تنكشف وتتدنى مصداقيتها لدى شعوبها والرأي العام المحلي والدولي.

واذا كانت لغة الحرب هي التي سادت في فترات معينة، فأن لغة الدبلوماسية السياسية وحكمة الانسان هي التي اصبحت لغة التعامل الدولي في زمن العولمة، حيث يعيش العالم كله في قرية صغيرة، تتفاعل ثقافات شعوبها وتتبادل وتتعاطى سلميا مع الاحداث. لذا تم توظيف الدبلوماسية لبناء العلاقات السليمة وتحجيم الصراعات عبر ادراك طبيعة وحاجة البلدان الاخرى وثقافاتها وخصوصية شعوبها، وبالتالي البحث عن النقاط المشتركة لجهة خلق وشائج وعلاقات انسانية. وكلما تعززت مثل هذه العلاقات، تنجح الدبلوماسية  في تحقيق الاهداف المرجوة منها.

وبغية الوصول الى تلك الاهداف، يتطلب من الدول والمؤسسات المعنية العمل على اتقان واحتراف فن العمل الدبلوماسي الذي يعمل وفق مبادئ ثلاثة: التواصل عبر الاحتكاك والتماس اليومي وخلق الانسجام والانسيابية بين العمل الدبلوماسي ودائرة الاخبار والمعلوماتية، وتكثيف الاتصالات الاستراتيجية، وخلق علاقات طويلة الامد مع شخصيات ووجوه سياسية وثقافية واجتماعية. وتتفاوت الخبرة المتراكمة لدى الدول والافراد من حيث العمل والتعامل الدبلوماسي مع مستوى التطور في علاقات الانتاج والمجتمع المدني والوعي الاجتماعي للفرد والمجتمع.

ان طريقة مخاطبة الجماهير، هي من اولويات الاتصال المؤثر والناجح. فالشائعة والترويج تؤثران على عقل المتلقي المستهدف من خلال التعرض الى ثقافته، واشراك شرائح من المجتمع لإثبات مصداقيتها وازالة الشكوك حولها. و تلعب الشائعة دورا في نشر الفوضى والتشتت وتقوم بتأجيج سلوك الناس وتصعيد مواقفهم، بدلا عن جرهم الى لغة حضارية وحوار هادئ ومفتوح. وتشترك الشائعة مع الدعاية في العديد من الامور، حتى يقال ان العملية الدعائية لاتتعدى كونها إشاعة توظف لناتج تجاري.

وتعمل الشائعة على حشو ادمغة المتلقين بالافكار والمعلومات لجهة تحييد مواقفهم وعدم الاعتراض او رفض الافكار والمفاهيم المروجة. والشائعة، حسب العالم البريطاني اف.ام. كورنفورد، هو ذلك الفن من الكذب الذي يركز على تضليل الاصدقاء، دون ان يتحمل عناء تضليل الاعداء. وفي الوقت الذي استخدمت الشائعات كأدوات لاشعال التمردات وحالات الرفض والتعجيل من تأجيج النزاعات العدوانية في العالم، فان وسائل الاعلام الحيادية التي تتمتع بالاستقلالية، تلعب دورا بالغ الاهمية في حياة بعض المجتمعات، من خلال نزع فتيل النزاعات العدائية وتبديلها بصراعات مدنية وحضارية.

لقد ابدت دبلوماسية عصبة الامم في العشرينات والثلاثينات، ومن ثم الامم المتحدة ابتداء من عام 1945 قدرة على معالجة المشكلات المحلية والاقليمية والدولية، نتيجة ما تكدس لديها من معارف وخبرات وادوات وآليات لمعالجة المشكلات الدولية الثنائية ام المتعددة الاطراف. ولا تكمن اهمية الدبلوماسية في مواجهة المشكلة حين تتأزم وتتحول الى نزاع يصعب حله، بل في معالجتها حال ظهورها، وقبل استفحالها وتحولها الى صراع ونزاع سياسي وعسكري.

ان الدبلوماسية قادرة على معالجة المشكلات المعقدة بين الدول وتلك القائمة في البلد الواحد. وهي مسألة ذات اهمية فائقة خاصة عندما ترتبط القضية بالصراعات القومية وبروز مظاهر الشوفينية والعنصرية في التعامل مع هذه القضايا من جانب النظم الحاكمة في البلدان المختلفة. ورغم بروز الاتجاهات الارهابية الجديدة لدى الحركات المتطرفة في العالم، الا ان الدبلوماسية قادرة على تعبئة الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لمواجهة هذه الظاهرة.

أما الإعلام فيعبرعن علاقة أخرى في المجتمع الواحد وعلى الصعيد الدولي، فهو يجسد نبض الشارع والناس والدولة في آن واحد. وهو في علاقته المباشرة مع الناس، خاصة في ظل التقنيات الأكثر حداثة وتقدماً، قادر على الوصول إليها والتأثير فيها وفي الأحداث الجارية سلباً أو إيجاباً. وهو يجسد الخبرة التاريخية الطويلة، لكنه ليس بعمر وخبرة الدبلوماسية السياسية.

وإذا كانت الدبلوماسية تشمل مختلف جوانب العلاقات الدولية، فإن مجال الإعلام أوسع من ذلك بكثير. ويمكن للاعلام الواعي والمسؤول أن يساهم في معالجة مختلف مشكلات العالم من خلال دراستها من مختلف جوانبها وفهم تعقيداتها وتقديم تصورات وحلول عملية، وبالتالي الدفع باتجاه التزامها لصالح الطرفين المتنازعين بعيداً عن إثارة الصراعات وتشديد النزاعات. وللاعلام دور أكثر تعقيداً فهو سلاح ذو حدين يعتمد على سبل التعامل به ومدى نضوج الوعي السياسي والاجتماعي في الهيئات الإعلامية وفي المجتمع كذلك، لإن وعي المجتمع يلعب دورا في التأثير المباشرعلى الإعلام، والعكس صحيح.

لا يمكن للدبلوماسية أن تستغني عن الإعلام في توضيح المواقف للرأي العام، ولا للإعلام أن يلعب دوره الفعال دون التفاعل مع الدبلوماسية ومعرفة المواقف والحجج والتحليل للمشكلات القائمة. وهما يشكلان ركنان أساسيان في العلاقة بين الشعوب والدول ويتبادلان الفعل والتأثير.

ويمتلك الإعلام قدرة على التفاعل مع مختلف الفئات الاجتماعية ويوفر المعلومات الضرورية للمشاكل المطروحة على بساط البحث ويستطلع آراء الناس حولها ويبدأ بتشكيل رأي عام وفق الوجهة التي يلتزم بها، سواء أكانت محلية أم إقليمية أم دولية، وسواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية أم عسكرية أم بيئية أم مرتبطة بحقوق الإنسان.

كما يمكن للاعلام  أن يمارس دوراً ضاغطاً على العمل الدبلوماسي في معالجة المشكلات إما تعقيداً وتشديداً في المواقف أو تخفيفاَ وتسهيلاً. ولاتخضع المسألة لطبيعة المشكلات المطروحة فحسب، بل لمستوى الإعلام ذاته ومدى استقلاليته وحياديته والوعي الإعلامي والمجتمعي. وغالباً ما يحصل تصادم بين الإعلام والدبلوماسية في مواجهة العديد من المشكلات، إذ ليس سهلاً إيجاد لغة مشتركة باستمرار بينهما، فالدبلوماسية غالباً ما تكون بيد الدولة في حين يتوزع الإعلام بينها وبين جماعات في البلدان التي لا تسودها النظم الشمولية.

وهنا يمكن القول بأن الدبلوماسية تختلف من بلد إلى آخر بحكم خمسة عوامل مهمة تتلخص في:

1- طبيعة النظام السياسي ومدى توفر الحرية والديمقراطية للفرد والمجتمع.

2- مدى تمتع وسائل الاعلام بالحرية والاستقلالية في التعبير، ومدى خضوعها لاحتكار الدولة أو احتكار شركات عالمية تفرض رقابة على العمل الإعلامي والنشر ووصول المعلومة.

3- وعي المجتمع من النواحي السياسية والاجتماعية بشكل خاص ومدى قدرته في الوصول إلى المعلومة.

4- مستوى تطور وعي الإعلاميين وقدرتهم على التعبيرعن القضايا المطروحة ومدى إخلاصهم للمهنة التي يعملون فيها.

5- دور الدولة في المجاهرة ونشر المعلومات الضرورية المطلوبة للتعريف بجوانب المشكلات المثارة. 

ان تجارب السنوات الماضية تقدم لنا صورة واضحة عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الدبلوماسية ووسائل الاعلام غير المرتبطة باجندات سياسية او عقائدية او دينية في حل المشاكل بالطرق السلمية والحد من الصراعات المحلية والاقليمية، وتوعية الناس وتأهيلهم، على عكس الشائعة، التي تقوم بتأجيج الصراعات وتعقيدها وتصعيدها الى درجة اشعال الحروب المحلية والإقليمية. ويمكن لمنطقة الشرق الأوسط أن تقدم صورة أكثر واقعية عن دور الدبلوماسية والاعلام الهادف وعلاقتهما المتبادلة في الموقف من المشكلات القائمة اليوم في العالم، اضافة الى الدور الذي تلعبه الشائعة في المجتمعات التي تزداد فيها نسبة الامية وتنعدم الحصانة الفكرية.

 

جورج منصور

 

صائب خليلكيف نفسر ما يجري بين أيران وأميركا من تحدٍ وتبادل للتصعيد الإعلامي والسياسي والعسكري؟ هل هناك منطق في ان تعلن إيران من خلال المرشد الأعلى أنها لن تتفاوض ابداً، فتغلق الطريق امام نفسها للتوصل الى حل مع قوة تفوقها بهذا الشكل الحاسم وان تبدو مصممة على الاصطدام بها؟ ومن الناحية الأخرى، لماذا تخاطر اميركا بحرب قد تربحها، ولكن بتكاليف عالية وبتداعيات اقتصادية وسياسية لا يمكن التكهن بها؟ لماذا تتحمل كل تلك التكاليف قبل ان يكون هناك مسع جدي للتفاوض والقبول بحد أدنى يحفظ ماء الوجه لإيران مثلا؟

هل هذا كله مجرد تهور احمق من الجانبين، ام أن وراءه حسابات معينة؟

نعم هناك حسابات، بل ونظرية سياسية عميقة ايضاً، ولها اسم هو "نظرية الألعاب"! (1) والسيناريو الذي يجري بين الطرفين ليس سوى احد اكثر السيناريوهات المعروفة لهذه النظرية ويسمى (chicken) (يعني "الدجاجة" في الترجمة الحرفية، لكن كلمة "جبان" تعبر عنه بشكل أفضل)، ويتبع الطرفان قواعد هذا السيناريو العلمي بكل دقة! 

قبل كل شيء، نظرية الألعاب ليست نظرية عن الألعاب، بل هي نظرية للبحث عن الخيار الأفضل، عندما يواجه المرء أو الدولة، خيارات مختلفة في "سيناريوهات" معينة، وكيف يمكن حساب نتائج القرار لاختيار ما يعطي أفضل المردودات. وللنظرية تطبيقات في السياسة والحرب وكذلك الاقتصاد وعلم الاجتماع. كما اني قرأت واحداً من اجمل الكتب، كان يتحدث عن اتباع الحيوانات لقواعد تلك النظرية (بدون وعي طبعا) في تصرفاتها، واختيار الخيار الذي يضمن لها البقاء أكثر من غيره.

لا يمكن تحديد بداية النظرية، لكن تطويرها بدأ في القرن الثامن عشر ثم تطورت في بداية القرن العشرين وبكثافة في الخمسينات منه. وقد حصل باحثان في الاقتصاد والبيولوجي على جائزة نوبل عام 2014 لتطبيق النظرية في مجالي علمهما.

تستخدم نظرية الألعاب منظومات رياضية لحساب الاستراتيجية الأنسب لاختيار الخيار "الرشيد". والفكرة الأساسية هي الإجابة عن السؤال: ما هو الاختيار الأفضل بالنسبة لك، إذا علمت أن المقابل سيرد عليك أيضا باختياره الأفضل؟ وطبيعي ان المقابل سيحسب أيضا ما سوف تختاره كرد على رده. وهكذا تصبح الحسابات معقدة.

سيناريو "الجبان" يمثل تحدياً بين جانبين على من سيجبر الآخر على ان يكون "الجبان". ويمكنك تخيل سيارتان تسيران بسرعة نحو بعضهما في شارع مفرد. والتحدي بين السائقين هو: من سيبقى على الطريق ويتحدى للنهاية ومن سوف "يجبن" ويخرج من الطريق ليتجنب الاصطدام؟

كل من اللاعبين سيحسب الاحتمالات الأربعة التالية: ان ابقى على الطريق ويخرج خصمي، فأكسب الرهان. أو ان اخرج ويبقى خصمي فأخسر الرهان لكني ابقى على قيد الحياة. أو ان أخرج ويخرج خصمي في نفس الوقت وتكون النتيجة تعادلا. أو ان ابقى ويبقى فنصطدم ببعضنا ونخسر حياتنا.

اللاعب الأول سيفكر: المنطق يقول انه يجب ان أخرج لأن احتمال الخسارة في الحالة الثانية اكبر بكثير. لكنه سينتبه أن اللاعب الثاني سيفكر بنفس الطريقة ولا شك انه سيخرج أيضاً. إذن لماذا لا استغل الفرصة وابقى على الطريق وافوز، مادمت اعلم بشكل اكيد ان المقابل سيخرج؟

لكن ماذا لو فكر اللاعب المقابل بنفس طريقتي ورفض ان يخرج؟ عندها سنخسر حياتنا! إذن لن ابقى .. يجب ان اخرج.. لكن الآخر سيفكر أيضا انه يجب ان يخرج.. لم لا ابقى إذن؟... وهكذا يصل اللاعب انه لا توجد طريقة منطقية لاتخاذ قرار، وان الطرفين سيكونان مستعدين للخروج في آخر لحظة، لكن من سيخرج قبل الثاني؟ هذا هو السؤال.

ما هي الاستراتيجية الأنسب إذن لتحقيق أفضل فرص الفوز واقل الخسائر؟

رغم الوضع الغامض، يمكن تحديد مبدئين صحيحين في كل الأحوال: المبدأ الأول هو أن يحاول اللاعب أن يبقى على الشارع إلى آخر لحظة ممكنة، ولا يخرج منه إلا قبل "حافة" الاصطدام، بأمل ان يصاب المقابل بالرعب ويخرج قبله. وهذا المبدأ هو أساس سياسة "حافة الهاوية". وقد عرفت "سياسة حافة الهاوية" بأنها: "فن دفع العدو الى حافة الحرب، دون ان تشعل تلك الحرب". وبالطبع فالأمل هو بإرهاب الخصم ودفعه لتقديم التنازلات.

كذلك كانت سياسة حافة الهاوية تكتيك فعال في الحرب الباردة، والتي شبهها الفيلسوف الانكليزي برتراند رسل بلعبة "الجبان". وهكذا عاش الاتحاد السوفيتي والغرب على حافة الحرب لمدة 50 عاما. وقد اشتملت على فترات كان التوتر على اشده، وخاصة في ازمة الصواريخ الكوبية 1962، حيث تبادل كل من كندي وخروتشوف تصعيد التهديدات بأن حربا نووية قادمة، دون ان يفعلا تهديداتهما. وكذلك كان الأمر في الحرب الكورية التي بدأت عام 1950 وكادت ايضا ان تصل الى الحرب الذرية. كذلك كانت هناك ازمة مماثلة في مشكلة برلين.

إن عدنا الى سيناريو السيارات، فالمبدأ الثاني الذي سيزيد من الآمال بإرهاب المقابل لـ "يجبن" هو التحضير قبل الانطلاق بزرع اليأس والخوف في قلب المقابل مسبقا. وهنا نجد أن افضل فكرة ان يحاول اللاعب ان يتظاهر بالتهور والجنون وان الحياة لا تهمه، وان يحاول ان يستعرض تهوره امام خصمه فيشرب الخمر بشراهة قبل السباق ويضحك بسفاهة. فهذا سيدفع بالآخر الى اليأس من إخافة مثل هذا الشخص الفاقد للمنطق والاتزان.

وفي الواقع، لكي تكون سياسة حافة الهاوية فعالة، يجب ان يقوم الطرفان بتصعيد تهديداتهما وافعالهما بشكل مستمر. لكن التهديد يجب ان يمتلك المصداقية ليكون مؤثراً. لذلك، ربما اكثر ما سيدفع المقابل لقبول الهزيمة والخروج، ان يقوم اللاعب بنزع عجلة القيادة ويرميها من الشباك أمام الخصم القادم نحوه! فهذا يجعل الخصم يفهم ان المقابل لن يعود قادراً على الخروج حتى لو أراد ذلك! فلا يبقى امام الخصم الا القبول بالخروج وخسارة الرهان لضمان حياته. وهنا نلاحظ امراً غريبا، وهو أن تقليل اللاعب لخياراته قد يكون استراتيجية جيدة للفوز، لأنه يصبح منيعاً عن تأثير الخوف والتهديد، مادام لا يستطيع الخروج حتى لو أراد.

من الطبيعي أنه من الممكن ان تخرج الأمور عن سيطرة الطرفين. لكن هذه الحقيقة نفسها تستعمل كجزء من التهديد لإرهاب المقابل باعتبار اللاعب متهوراً لا يهتم للمخاطر حتى تلك التي لا يسيطر عليها. وهذا يفسر الى حد ما، سعي القوتان العظميين سابقاً (أميركا والاتحاد السوفيتي) إلى سباق التسلح رغم المخاطر التي هددت الحياة على الارض بالفعل. (من الظلم هنا ان نعامل الطرفين بالتساوي، فمن المؤكد ان أميركا هي من كان يدفع باتجاه سباق التسلح وكان السوفييت يركضون وراءها).

إن عدنا الى حاضرنا، نرى أن المواجهة بين أميركا وإيران تطبيقاً مباشرا لهذه الاستراتيجيات. ولنلاحظ قبل ذلك ان ترمب نفسه تجسيد لشخصية اللاعب الذي يتظاهر بالتهور التام والحماقة لإرهاب الآخرين ودفعهم الى "الجبن" وتقديم التنازلات. وبالفعل حصل الأمريكان على العديد من المكاسب بهذه الطريقة، ليس من السعودية فقط، وإنما ايضا من اليابان ومازالوا يسعون للمزيد من الدول الاخرى. والحقيقة اني فكرت بالكتابة عن هذه الستراتيجية منذ تولي ترمب الحكم، لكن الظروف والأولويات حالت دون ذلك.

المجابهة الحالية بين أميركا وإيران (الوصف الاصح هو العدوان الأمريكي على ايران، لكننا لن نهتم هنا بقضايا الحق، إنما فقط بتحليل استراتيجيات الفوز) تتميز بقيام الأمريكان بخطوات توحي للمقابل بوجود عزم اكيد لدخول المعركة، مثل استقدام حاملة الطائرات "يو أس إس أبراهام لينكولن" إلى مضيق هرمز ووصلت مقاتلات "بي.52" و"أف.35" إلى قاعدة العديد في قطر، وكذلك سحب الولايات المتحدة موظفيها غير الاساسيين من العراق، وسحب أكسون موبايل لموظفيها العاملين في العراق، اضافة الى التصريحات التي يطلقها ترمب بين الحين والآخر بتهديد شديد القسوة غالباً. أما الحديث عن امكانية الاتصال والتفاوض وغيرها فربما الغرض منها ان تعطي مصداقية اكبر للتهديد، حين يمتلك مرونة ظاهرية، وفوائد اخرى.

كذلك نجد ان هناك تلميحات واضحة في الصحافة الغربية للاستفادة من سمعة ترمب بالتهور من اجل تثبيت صورة اللاعب الذي لا يمكن اخافته، بهدف بث الخوف في صفوف الإيرانيين لدفعهم لتقديم التنازلات، رغم ان تلك التلميحات قد تبدو وكأنها نقد للولايات المتحدة، لمن لا يعرف اصول اللعبة. ولنلاحظ بشكل جانبي أن الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون ودونالد ترمب يتسابقان في تقمص دور اللاعب المجنون الذي لا يمكن حساب وتوقع تصرفاته، فهذه صفاة ممتازة لردع العدو. وقد وصف أون بأنه شخصية غامضة ذات اندفاعات سريعة تخترق الخطوط الحمر متجاوزاً جده كيم إيل سونغ، وأبيه كيم جونغ إيل.

أما إيران فلنلاحظ ليس فقط اقوال قائد الحرس الثوري والعسكريين الآخرين، إنما ايضا تصريحات السيد الخامنئي. انه يحاول طمأنة الإيرانيين اولاً فيقول : من خلال تصرفاتهم واشاراتهم يريدون القول : ربما تنشب الحرب. يريدون ان يعظموا حجم شبح الحرب، وربما يريدون ان يخيفوا الشعب او بعض الجبناء فيه. الخيار الآخر هو المفاوضات.. لن تكون هناك حرب!"

ثم يبدأ السيد الخامنئي الهجوم الإعلامي الإستراتيجي للسيناريو أعلاه فيقول ".. ولن نتفاوض! هذا الكلام ليعلم الشعب الإيراني بالأمر. وهو ليس مجرد كلام وادعاء وشعارات وأمنيات"!(2)

وهذا اشبه ما يكون بتحطيم مقود السيارة والقاءه خارجاً! فليس من السهل ان يتراجع المرشد الأعلى عن كلامه!

كذلك لا يمكن فهم قصف الحوثيون للمنشآت النفطية السعودية إلا كتهديد إيراني واثبات مصداقية أنها على استعداد "للعض" إن هي ضربت او تهددت بالخنق.

لكن هذه المجابهة تتميز باختلافين مهمين عن مجابهة سيناريو "الجبان"، والاختلافان في غير صالح ايران. الأول هو ان "السيارتين" المتقابلتين ليستا متساويتا الحجم، بل هي بين شاحنة كبيرة وسيارة صغيرة!

والاختلاف الثاني المهم هو ان من يقود سيارة أميركا هي إسرائيل، اكثر مما هي اميركا. وهذا يجعل اميركا اخطر من الحالة الاعتيادية. فمن الصعب ان تخيف إسرائيل بتهديدها بتحطيم سيارة شخص آخر!

الجواب عن المشكلة الأولى هو انه بالرغم من أن السيارة الصغيرة ستتحطم في حالة الاصطدام، إلا انها لن تعجز عن ان تسبب خراباً ما في الشاحنة، مثل ان تتلف إحدى عجلاتها (متمثلة باضطراب داخلي بسبب الخسائر وكذلك إحساس الناس بلا أخلاقية الدولة التي ينتمون إليها، وكراهية وقلق متزايد لأميركا من قبل جميع الناس في العالم، الخ) . وهذا يعني ان الشاحنة لن تكون في مواجهة بقية التحديات بالقوة الحالية، لذلك يجب ان تحسب حسابها بدقة. وهذا المبدأ ما اسميته في مقالة سابقة بمبدأ كلب الحراسة الذي يتحدى الذئب الأقوى منه، مهددا إياه بإصابته بجرح يجعله اقل قابلية على الحياة بعد المعركة.(3)

أما المشكلة الثانية التي تواجهها ايران، فهي قيادة إسرائيل لـ "سيارة" أميركا بالريموت كونترول، مما يؤمن عدم خسارة اسرائيل المباشرة. وهذه المشكلة يمكن ان تحل من قبل إيران بتوجيه التهديد بالضربات نحو صاحب القرار الذي يمسك بمقود تلك السيارة من بعيد، أي إسرائيل، وليس الذي يجلس خلف المقود ويتظاهر بأنه من يقود! إلى القائد الحقيقي يجب ان يوجه التخويف والتهديد وإلا فهو بلا فعالية كبيرة.

هذا الفيديو المهم(4) يبين وعي تلك الحقيقة من قبل بعض المسؤولين الامريكان حيث يتساءل المحاضر لماذا يريد نتانياهو وليبرمان ومؤيدوهم في هذا البلد (أميركا) توريط اميركا في الامر؟ ويرى ان تفسير ذلك من الناحية الانتهازية سهل، حيث من الأفضل لك ان تهدر دماء حلفائك وثرواتهم بدلا من دمك وثرواتك. وإضافة الى ذلك فأن إسرائيل لا تريد شرعية القوة العظمى. وكذلك لا يريد الإسرائيليون ان يلعنهم العالم ويعزلهم اكثر مما هم معزولين، وربما بشكل مدمر. أما اميركا التي هاجمت العديد من البلدان، فهي ملعونة مسبقا واكثر من نصف العالم يكرهنا مسبقا، وسينظر العالم لنا إن هاجمنا ايران، على انه استمرار لهذا العدوان فقط. إسرائيل تريدنا ان نسقط النظام الإيراني بسرعة، ولا يهمها كيف سيمكننا التعامل مع 75 مليون شخص يختبئون في مناطق وعرة،  ومعهم نصف العرب، يسعون لقتل كل أميركي يجدوه. قد نجد انفسنا في مشكلة اكبر حتى من مواجهة حرب عامة في المنطقة وربما حربا كبرى في الشرق الأوسط .. والدولة التي بدأت كل هذا والتي تملك علاقة غير المتوازنة مع أميركا جعلت من هذا الأمر ممكنا، هي إسرائيل. انتهت اقتباسات الفيديو.

ويدرك المسؤولون الإيرانيون حقيقة الوضع، وإدارة إسرائيل للقرار الأمريكي، رغم انها تحاول التزام الصمت نسبياً وتعمل من تحت الطاولة في هذه الأيام، وعلى العكس من كل الفترات السابقة. ونرى العديد من المسؤولين الإيرانيين يؤكدون فههم للموقف، مثل رئيس اللجنة النووية في البرلمان الإيراني الذي قال: " قبل أن يهدأ غبار أي هجوم على إيران ستضرب الصواريخ الإيرانية قلب تل أبيب". وكذلك نجد السيد نصر الله يعبر عن نفس الموقف في اكثر من مناسبة فيقول مؤخراً: "بالحسابات وليس بالشعارات... قرار ترامب سيكون بداية النهاية لإسرائيل"!

ما الذي سيحدث؟ إنه سؤال صعب بل مستحيل التوقع، لكننا أردنا هنا ان نوضح الاستراتيجيات التي تقف خلف التهديدات والتحركات التي يقوم بها كل طرف، لتكون مفهومة للمتابع ويعلم ان وراءها منطقها، فلا يضيع في تناقضاتها الظاهرية مع منطق الأشياء البسيط.

 

صائب خليل

......................

(1) نظرية الألعاب

https://en.wikipedia.org/wiki/Game_theory

(2) السيد #الخامنئي لن نتفاوض ولن تكون هنالك حرب مع الامريكان

https://www.youtube.com/watch?v=kNRUZFJiPjc

(3) صائب خليل - كيف تنتصر إيران في معركتها؟ - خوف الأقوى من الجرح

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2354542911269431

(4) فيديو: إسرائيل تلعب بأوراق اميركا

https://www.facebook.com/Gov.Citizen/videos/401668687092509/

 

تتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط منذ ان أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنسحاب بلاده من الإتفاق الذي وقعته مجموعة دول 5+1 مع ايران حول برنامجها النووي في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما في العام 2015، واضعا بهذا الإنسحاب الإتفاق في حالة موت سريري. كان توقيع الإتفاق ثمرة  لجهود تفاوضية استمرت لعدة سنوات وساهمت فيها سلطنة عمان بشكل فاعل، لينهي ازمة عمرها 12عاما حول برنامج ايران النووي.

وأثار التوقيع على  الإتفاق حينها موجة من الإرتياح في العديد من دول العالم وخاصة الدول الأوروبية التي سارعت لتوقيع اتفاقيات اقتصادية مع ايران. فيما أثار حنق وغضب دول اخرى في المنطقة وخاصة السعودية واسرائيل. إلا أن دونالد ترامب أعاد الأزمة الى المربع الأول عندما   أعلن العام الماضي الإنسحاب من الإتفاق واصفا إياه ب“الكارثي“ معلنا  إعادة العمل بالعقوبات الاميركية المرتبطة بالبرنامج النووي للنظام الايراني، ومحذرا بفرض عقوبات شديدة على  كل بلد يساعد ايران في سعيها الى الاسلحة النووية  بحسب قوله. لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من التعاطي الأمريكي مع هذا الملف أبرز سماتها تشديد العقوبات والتلويح بالحرب.

الحصار

توّج الرئيس الأمريكي إعادة فرض العقوبات على ايران والتي تشمل المعاملات المصرفية، بإعلانه حظرا على شراء النفط الإيراني دخل حيز التنفيذ أوائل الشهر الحالي بهدف تصفير صادرات ايران النفطية، في محاولة لمحاصرة ايران اقتصاديا وإجبارها على اعادة التفاوض حول برنامجها النووي. ويعوّل ترامب في ذلك على هذه العقوبات لأنها تحرم ايران من 40٪ من عائداتها مما ينعكس سلبا على الإقتصاد الإيراني الذي يعاني من التضخم ومن انهيار في العملة، على امل أن يؤدي ذلك الى إنفجار شعبي، إضافة الى  تقليص  التمويل الإيراني  لحلفاءها في المنطقة وخاصة في سوريا ولبنان وبعض الفصائل العراقية.

 لكن شكوكا تساور العديد من المراقبين بل وحتى إدارة اترامب نفسها  حول مدى فاعلية هذا الحصار الإقتصادي ونجاحه في إجبار ايران على الجلوس على طاولة المفاوضات.  فتجربة الأربعين سنة الماضية وهي عمر الجمهورية الإسلامية، أثبتت فشل سلاح العقوبات بل إنه جاء بنتيجة عكسية، إذ حققت ايران في ظل العقوبات تقدما في مختلف المجالات ومنها المجال النووي حيث نجحت في تخصيب اليورانيوم الى مستويات فاقت النسب المطلوبة لتشغيل المفاعلات النووية التي تنتج طاقة كهربائية، كما وان النفوذ الإيراني تعاظم بشكل كبير  في المنطقة برغم الحصار.

لكن الإدارة الأمريكية  وبرغم كل ذلك عادت مرة أخرى لإستخدام هذا السلاح بعد أن زادت من فاعليته ليشمل النفط وصادرات المعادن  ليصبح أشد حصار يفرض على الجمهورية ومنذ ولادتها قبل أربعة عقود. ومن جانب ايران فإن تجربتها غنية في كيفية التعاطي مع العقوبات والإلتفاف عليها والبحث عن مخارج، إلا كل ذلك أصبح رهنا بعوامل خارجية ومنها الصراع الإقتصادي الأمريكي الصيني الذي قد يقلب معادلة الحصار رأسا على عقب فيما لو دخلت الحرب الإقتصادية بين أمريكا والصين مرحلة حرجة تدفع الصين الى خرق الحصار ومعاودة شراء النفط الإيراني وبذلك تفتح ثغرة في جدار الحصار قد تتوسع اذا مانضمت لها دولا اخرى.

 وفي هذا الخضم يبدو عامل الوقت حاسما، فإن إدارة ترامب تسعى  لقطف ثمار الحصار خلال الأشهر القليلة القادمة التي تسبق الإنتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر إجراؤها في العام المقبل، ولذا فإنها ستمنع اي محاولة لكسر الحصار خلال الشهور القليلة المقبلة. ومن جانبها فإن ايران تعي ذلك وستحاول الصمود واستيعاب آثار هذا الحصار على امل حصول متغيرات دولية أو على اسوأ التقادير الإنتظار وحتى نهاية العام المقبل بانتظار خسارة ترامب للإنتخابات.

الحرب

ولذلك فإن الخشية الأمريكية من أن لا يؤدي الحصار الى فتح ثغرة في جدار الصمود الإيراني، دفعت الإدارة الأمريكية الى التلويح هذه المرّة بخيار الحرب، وهو خيار ليس نظري أو تهويلي او تخويفي، بل هو خيار واقعي يتبناه صقور إدارة ترامب وعلى رأسهم مستشار الأمن القومي بولتون، إلا أنه  يبقى الخيار الأخير فيم لو فشل خيار العقوبات في تحقيق أهدافه أو في حال إقدام ايران وحلفاؤها على تصرف يستدعي ردّا عسكريا.

 فالولايات المتحدة تبدو اليوم أكثر جدية من أي وقت مضى لخوض الحرب مع ايران. فقد إتخذت إدارة ترامب سلسلة إجراءات تصعيدية، بدأت بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة ارهابية وانتهاءا بإعادة انتشار قواتها في الخليج ومرورا بإرسال حاملة الطائرات ابراهام لنكولن وقاذفة B52 الى المنطقة. مما يوحي بالإستعداد الأمريكي لشن الحرب أو على أقل التقادير تصعيد الحرب النفسية ضد ايران وبما يجبرها على البقاء في حالة تأهب قصوى لأمد غير محدود وبما يؤدي لإنهاكها إذا ما اخذ بنظر الإعتبار العقوبات الإقتصادية، وهو الواقع الذي أجبر الرئيس الإيراني حسن روحاني على الإعتراف بان ايران تمر بظرف تاريخي حساس ومنذ نشأة الجمهورية الإسلامية.

الشروط الأمريكية والمفاوضات

لقد وضعت الولايات المتحدة وعلى لسان وزير خارجيتها جورج بومبيو 12 شرطا للتوصل الى اتفاق جديد مع ايران. وعند النظر الى تلك الشروط فيمكن تقسيمها الى مجموعتين، الأولى تهدف الى تحجيم قدرات ايران العسكرية سواء النووية منها او الصاورخية واما المجموعة الثانية فتتمحور حول تقليص النفوذ الإيراني المتعاظم في المنطقة. وتتضمن هذه المجموعة وقف دعم ”الجماعات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط“ ووضع حد لدعم فيلق القدس ونزع سلاح فصائل الحشد الشعبي في العراق والتوقف عن دعم الحوثيين في اليمن والإنسحاب من سوريا وأخيرا وهو المهم ”وضع حد لتصرفات ايران المعادية لإسرائيل والدول الحليفة لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط“.

لقد اختصر وزير الخارجية الأمريكي تلك الشروط بكلمتين وهي ان على ايران ”تغيير سلوكها“  وهذا يشمل سلوكها في المنطقة وكذلكك برامجها لتطوير قدرتها الذاتية. وعند النظر الى هذه الشروط فمن الطبيعي أن يكون رد الفعل الإيراني الأولي عليها هو رفضها وهو ما أكد عليه المرشد الإيراني وكذلك كبار المسؤولين وفي مقدمتهم الرئيس روحاني ووزير الخارجية ظريف. إلا انه وبرغم هذا الرفض فإن مراقبين استشفوا من وصف المرشد للمفاوضات بالسم ! أنه ترك الباب مفتوحا أمام إمكانية إجراء مفاوضات مع الإدارة الأمريكية في تكرار لتجربة إنهاء الحرب العراقية الإيرانية قبل ثلاثة عقود.

فالجلوس على طاولة المفاوضات يبعد على الأقل شبح الحرب ويخفض التوتر في المنطقة ويمنح ايران فرصة للتوصل الى إتفاق جديد يفضي الى رفع العقوبات عن كاهلها وإن كان بتقديم تنازلات كبيرة. فالجمهورية تمر بمرحلة حساسة ومصيرية من تاريخها وهي ميتعدة للتضحية ببعض المكاسب من أجل الحفاظ على هذا الكيان الذي تجاوز مصاعب ومؤامرات كبيرة ومنذ تأسيسه في العام 1979. لكن الإدارة الأمريكية تبدو في عجلة من امرها لإنهاء هذا الملف وعدم التسويف فيه. فمن ناحية تقع إدارة ترامب تحت ضغط الإنتخابات الرئاسية المقرر إجراءها اواخر العام المقبل  ومن ناحية ثانية فإنها بصدد تمرير أكبر صفقة لحل قضية فلسطين فيما بات يعرف بصفقة القرن.

صفقة القرن

بدأت التسريبات عن ما بات يعرف اليوم بصفقة القرن منذ العام 2016 وبعد تولي ترامب الرئاسة، عبر بعض وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية التي تحدثت عن مشروع لحل شامل للنزاع العربي الإسرائيلي تعتزم الإدارة الأمريكية طرحه على اطراف النزاع في المنطقة. وبحسب تلك التسريبات الإعلامية فإن صهر الرئيس جاريد كوشنر يعتبر مهندس هذا الطرح الذي بدأت إدارة ترامب بتهيئة الظروف لتسويقه.

 نجحت هذه الإدارة خلال الفترة الماضية في توفير بعض مقدمات هذا التسويق، وأبرزها هي تحالفها الوثيق مع كل من السعودية والإمارات ودعمها لسياساتهما في المنطقة وخاصة في اليمن وفي منطقة الشمال الأفريقي. كما وانها اعلنت أن القدس عاصمة أبدية للدولة العبرية إضافة لإعلانها أن الجولان جزء لا يتجرأ من اسرائيل. واما الأخيرة فأعلنت من جانبها أنها دولة يهودية، وبذلم اتضحت الثوابت الإسرائيلية والأمريكية التي لا يمكن التفاوض حولها في أي صفقة.

بدأت اول ملامح صفقة القرن بالظهور بشكل جلي عندما أعلنت إدارة ترامب عزمها عقد ورشة إقتصادية في البحرين خلال شهر يونيو المقبل تهدف لدعم مشاريع إعمار المتناطق الفلسطينية، واصفة هذا الإعلان بانه يمثل الخطوة الأولى لتمرير صفقة القرن!. فهذه الصفقة تقوم على إقامة كيان فلسطيني بلا جيش و يخضع للحماية الإسرائيلية واما القدس فمدينة مشتركة يتوقف فيها كل من الفلسطينيين والإسرائيليين عن شراء الأراضي، وإلغاء حق عودة ملايين الفلسطينيين و إستقطاع مساحات من أرض سيناء لإقامة مطار ومنشآت أخرى  وأخيرا تخصيص مئات المليارات من دولارات   المانحين لإعمار المناطق الفلسطينية، ويتولى ذلك كل من دول الخليج والإتحاد الأوروبي.

لكن تمرير هذه الصفقات يواجه عقبات على أرض الواقع وخاصة في العراق وسوريا. فمحاولات إسقاط النظام في الأخيرة فشلت فشلا ذريعا بالرغم من الدعم المنقطع النظير الذي قدمته السعودية وحلفاؤها لفصائل المعارضة السورية، كما وان مشروع داعش فشل فشلا ذريعا في العراق وكنتيجة لذلك ولدت قوة عسكرية جديدة في المنطقة هي الحشد الشعبي، واما في اليمن فإن الحرب السعودية على اليمن لم تفشل فقط في إعادة عبد ربه هادي منصور الى صنعاء، بل إن السعودية وبعد مرور أكثر من أربع سنوات من الحرب فإنها أصبحت في مرمى صواريخ الحوثيين.

إن هذه الصورة تكتمل بهيمنة حزب الله على لبنان وفي تحالف الفصائل الفلسطينية في غزة مع ايران وهو ما يؤكد وبما لايدع مجالا للشك بان صفقة القرن لا يمكن تمريرها في ظل هذا الوضع، فهذه الأطراف التي تحتفظ بعلاقة وثيقة مع ايران ستسعى بكل ما اوتيت من قوة لتعطيل هذه الصفقة وهي تمتلك اوراقا رابحة  تلعب فيها في المنطقة. وفي ظل هذه المعادلات فإن إدارة ترامب وجدت ان العقبة الإيرانية هي الوحيدة التي تقف بوجه هذا المشروع وهو ما يستدعي تجاوز هذه العقبة الكأداء عبر سياسات الحصار والتلويح بعصا الحرب.

فكانت أولى ثمار هذه السياسات هو الإعلان عن ورشة المنامة الإقتصادية التي لايبدو أن هناك في الأفق معرقلا لها، فإن نجاحها يضع صفقة القرن على مسارها المرسوم من قبل أمريكا واسرائيل وبإمضاء من حلفائهما في المنطقة. ولذا فمن الواضح ان المستهدف من هذا التصعيد ضد ايران ليس برنامجها النووي، بل هو منعها من عرقلة صفقة القرن التي ستفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة وعلى مقاس أمريكا وإسرائيل. فهذه الإدارة عازمة على تمرير هذه الصفقة سواء عبر النجاح باحتواء ايران او عبر شن الحرب عليها.

 فهذه الصفقة يقف خلفها  صقور الإدارة الأمريكية واللوبي اليهودي الأمريكي الذي لا يجرؤ صناع القرار الأمريكيين على معارضته بشقيهم الجمهوري والديمقراطي. وهكذا تبدو ايران أمام خيارات أحلاها مر فإما السماح بتمرير صفقة القرن وإما مواجهة تبعات عرقلتها الكارثية. ولايبدو أن ايران بصدد المسارعة  لتبني الخيار الأول  فمازل الوقت مبكرا لذلك، ولكن بقاء الوضع على ماهو عليه سيؤدي في النهاية الي تمرير الصفقة في ظل التهديد الأمريكي الحالي لإيران برد قاس فيما لو أقدم أي من حلفاؤها في المنطقة على تهديد المصالح الأمريكية أي بتعبير آخر المساس بصفقة القرن المقدّسة!

 

ساهر عريبي

 

عباس علي مرادمنذ العام 2016 تاريخ الإنتخابات الفيدرالية السابقة وكل استطلاعات الرأي والتي بلغ عددها 56 إستطلاعاً كان حزب العمال المعارض يتقدم على الحكومة بنسب تراوحت بالحدى الأقصى بين 54-46 والحد الأدنى 51- 49 وهذا ما كانت عيله صباح يوم السبت الماضي 18/5 يوم الإنتخابات العامة.

بسبب تلك الإستطلاعات دارت معركة سياسية منهكة داخل حزب الأحرار الذي تخلص من رئيس الوزراء مالكوم تيرنبول في شهر آب من العام الماضي، وكان تيرنبول قد إنقلب على طوني أبوت عام 2015 بسبب إستطلاعات الرأي أيضاً.

لكن وبعد إغلاق صناديق الإقتراع السادسة مساء السبت 18 أيار وبدء فرز الأصوات بدأت الأرقام تفيد بتقدم حزب الأحرار وحليفه الحزب الوطني، وقبيل منتصف الليل كانت النتائج تخطئ كل إستطلاعات الرأي السابقة حين ظهر زعيم المعارضة الفيدرالية أمام مناصريه في مدينة ملبورن معلناً خسارة حزبه الإنتخابات ومهنئاً سكوت موريسن وأعلن عن عدم نيته البقاء في منصبه أو الترشح لشغله من جديد ولكنه سيحتفظ بمقعده في البرلمان.

من جهته رئيس الوزراء سكوت موريسن والذي كان ينتظر مكالمة زعيم المعارضة كما يقضي البروتوكول أطلّ على محازبيه في مدينة سدني ليعلن عن الإنتصار المعجزة كما سماه في خطاب النصر.

ومن هنا يأتي السؤال كيف حصلت المعجزة، وهل صحيح أن هناك من معجزات أو خطاء من حزب العمال أو إداء أفضل من تحالف الأحرار- الوطني؟

حزب العمال قدم للناخبين برنامجاً إنتخابياً طموحاً ووعد بتغير في النظام الضريبي يشمل تخفيض نسبة الضريبة على أرباح رأس المال من 50% إلى 25% وحصر الإستثمار السلبي المعروف ب(النيغتيف غيرينغ) بالمنازل الجديدة فقط من تاريخ فوزه بالإنتخابات. ووعد الحزب ايضاً باقتطاع تقديمات مالية لبعض المتقاعدين المعروفة ب (فرنكن كريدت) وكان الحزب ينوي فرض ضرائب على معاش الإدخار التقاعدي كل ذلك من أجل تأمين الأموال المطلوبة للتعليم والصحة والبنى التحتية. ووعد الحزب بتخفيض نسبة انبعاث الكربون بالجو إلى 50% حتى العام 2030 للحد من التغيرات المناخية من خلال الحد من استعمال الفحم في إنتاج الطاقة حيث كان الحزب يعارض مبدئياً افتتاح المنجم المعروف باسم آداني في ولاية كوينزلند والإستثمار في قطاع الطاقة المتجددة. من ضمن البرنامج الطموح وعد حزب العمال بمساعدة مرضى السرطان بتغطية كلفة العلاج 100% بالإضافة إلى تقديم مبلغ بقيمة 2000 دولار في عامين للمتقاعدين كمساعدة في علاج أمراض الفم والأسنان ووعد الحزب برفع أجور العاملين في قطاع رعاية الأطفال بنسبة 20% خلال فترة حكمه الأولى بالإضافة إلى ورصد الحزب مبلغ يفوق المليار دولار لشراء الأراضي لبناء خط قطار سريع يربط ولاية كوينزلند ونيو سوث ويلز وولاية فكتوريا. وتعهّد الحزب في خطته أيضاً بصرف مبالغ كبيرة لتمويل خطة كونسكي لتحسين إداء المدارس الرسمية والخاصة قرابة 20مليار دولار ومن ضمن الخطة وعد العمال بإعادة الإعتبار للمدارس المهنية الرسمية (التيف) وبتأمين أماكن لأصحاب الدخل المحدود ودعم مالى لحصولهم على شهادات تخولهم دخول سوق العمل للحد دخول من دخول اليد العاملة الأجنبيةوالتي تعهّد الحزب بالتشديد في استقدامه للبلاد الا اذا كان هناك نقص لا يمكن تأمينه من اليد العاملة المحلية.

وعلى الجانب الثقافي والوطني تضمّن برنامج العمال إجراء استفتاء للإعتراف بالسكان الأصليين في الدستور واستفتاء آخر لتحويل أستراليا إلى جمهورية واستفتاء ثالث لتعديل المدة الزمنية للدورة الانتخابية من 3 سنوات الى اربع.

أما الحكومة فقد بنت حملتها الإنتخابية تحت شعار إدارة الإقتصاد وإيجاد المزيد من الوظائف وإعادة الفائض للميزانية ووعدت بتخفيضات ضريبية وتعديل النظام الضريبي ابتداءاً من عام 2023 بحيث تصبح نسبة الضرائب 30% للمداخيل التي تتراوح بين 40 ألف إلى 200 ألف دولار سنوياً. ولم تقدّم الحكومة خطة للحدّ من الإحتباس الحراري مكتفية ببرنامجها المعروف بالتدخل المباشر والذي يكلف الخزينة قرابة 3 مليار دولار سنوياً والذي تدفع بموجبه للشركات لتشجيعها للحد من انبعاث الكربون في الجو متعهدة في نفس الوقت الإلتزام بمقرارات مؤتمر باريس بهذا الخصوص والعودة إلى مستوى الإنبعاث في العام 2005. وكانت الحكومة قبيل أن تتحوّل إلى حكومة تصريف أعمال هرّبت مشروع قرار منح الرخصة وإعطاء الضوء الاخضر لبدء العمل في منجم آداني الذي سبق ذكره في ولاية كوينزلند. وفي حملته الإنتخابية وعد سكوت موريسن بمساعدة مشتري البيت الأول لدفع التأمين المالي الاولي ب15  % من هذا المبلغ ورصد لهذا البرنامج مبلغ 500 مليون دولار إبتداءاً من العام القادم.

وعلى الجانب السياسي كيف سارت الحملة الإنتخابية والتي استمرت لخمسة أسابيع حيث عمد رئيس الوزراء سكوت موريسن ولكسب المزيد من الوقت إلى  تأخيرها إلى آخر اسبوع من المدة القانونية المتبقّية من عمر حكومته.

حزب العمال والذي كان يقوده بيل شورتن الذي كان يأتي دائماً متأخراً عن رئيس الوزراء في استطلاعات الرأي كمفضل لشغل منصب رئاسة الوزراء وهو لا يملك الكاريزما المطلوبة، واعتمد في خطابه على تقديم نفسه بأنه يرأس فريقاً متماسكاً جاهزاً للحكم بعكس الحكومة التي اشغلت خلال السنوات الست الماضية بالفوضى والصراعات الداخلية والإنقلابات، وقدمت 3 رؤساء للوزراء خلال تلك الفترة (ابوت، تيرنبول وموريسن) ووعد الناخبين بعدالة أكثر التي جعلها كشعار لحملته الانتخابية ولكنه أخفق في عدة مناسبات في شرح برنامج الحزب الإنتخابي وهذا ما إعترفت به نائبته تانيا بليبرسك.

من جهته رئيس الوزراء قاد حملة إنتخابية بإسلوب رئاسي وركّز على أنه لا حاجة للتغيير، وتميزت حملته بالتخويف من برامج العمال وحصر الأمر بنفسه حيث توارى إلى الخطوط الخلفية وزراء ونواب الحكومة ولم يظهروا لى وسائل الاعلام وكان  موريسن يردد دائما

The bill Australia can't afford

بمعنى الفاتورة التي لا يمكن أن تتحملها أستراليا أي أن يصبح بيل شورتن رئيسا للوزراء باللعب على الكلام على إسم بيل شورتن والتي كان لها صدى واسعاً وانتشرت كالنار في الهشيم على ألسنة المتضررين من برامج حزب العمال.

وركز موريسن أيضا على مسالة الثقة بمن يكمنه تأمين الوظائف وإدارة الإقتصاد وحماية الحدود.

بالإضافة إلى الحملة الحكومية كانت بعض الأحزاب اليمينية الصغيرة تحذّر من سياسات حزب العمال، حيث أنفق الملياردير كلايف بالمر مبلغ 60 مليون دولار على حملة حزبه أستراليا المتّحد والتي تجاوزت ما أنفقه الحزبين الكبيرين مجتمعين ولم يحصل على أي مقعد سواء في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، لكنه أمّن الفوز للأحرا ر والوطني في ولايتي كوينزلند وغرب أستراليا بتداول الأصوات التفضيلية معهما وهذا ما فعله أيضا حزب بولين هانسون أمة واحدة.

وبعد هذه النتائج بدأت التحليلات، وحاول البعض تشبيه الإنقلاب في مزاج الناخبين ومخالفة إستطلاعات الرأي بما حصل في الولايات المتحدة بانتخاب ترامب، او كما حصل في بريطانيا بعد الإستفتاء على البركزيت وخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، لكن ذلك وبإعتقادي لا ينطبق على ما حصل في الإنتخابات الاسترالية حيث تراجعت لا بل اختفت من الحملة الإنتخابية قضايا الهجرة واللاجئين خصوصاً بعد الجريمة الإرهابية التي وقعت في نيوزيلندا والتي نفّذها مواطن أسترالي، وكان هناك اتفاق ضمني بين الحزبين الكبيرين على تحييد القضية، ولكن رئيس الوزراء كان يقارب الموضوع تحت شعار حماية الحدود وهو الكود السري لهذا الموضع، علما ان ترامب ومؤيدو خروج بريطانيا من الأتحاد الأوروبي لجأوا الى أسلوب التخويف من المهاجرين ومن المسلمين والمكسيكيين.

الدليل الآخر على عدم إمكانية المقارنة حيث لعبت قضايا محلية دوراً مهماً في المعركة الانتخابية هو خسارة رئيس الوزراء الأسبق طوني أبوت (أحرار) مقعده بعد معركة إنتخابية ضارية في مقعد وارنغا لصالح المرشحة المستقلة زالي ستيغل التي قادت حملتها الإنتخابية تحت شعار مكافحة التغييرات المناخية، ومن الادلة أيضاً رفض الأستراليين الخطاب المعادي للصينيين الذي قاده كلايف بالمر رئيس حزب أستراليا المتّحد الذي لم يفز بأي مقعد كما تقدم، بالإضافة إلى خسارة النائب العنصري فرايز آننغ مقعده في مجلس الشيوخ والمعروف عن آننغ انه يجاهر بالعودة إلى سياسة أستراليا البيضاء ووقف هجرة المسلمين.

وهناك أدلة أخرى كتصويت سكان ولاية كوينزلند لجانب الحكومة خوفاً من خسارة وظائفهم في قطاع المناجم، وأحد هذه الأدلة أن ثلث الناخبين (أكثر من 4 مليون) أدلوا بأصواتهم قبل يوم الإنتخابات حيث يسمح القانون بذلك بداعي السفر أو المرض، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على نسبة كبيرة من الموطنين غير مهتمة بما يقوله السياسيين  واعتبرها بعض المحللين كمرض للديمقراطية وسينظر الحزبين بتخفيض تلك المدة من 3 أسابيع الى أسبوع واحد.

ماذا بعد الإنتخابات والإنتصار المعجزة؟ كيف سيكون المشهد السياسي؟ وكيف سيعالج العمال تداعيات الخسارة؟ وكيف سيحكم سوكت موريسن؟ وكيف سيقود الحزب الذي مزقته الخلافات حتى إلى ما قبل الانتصار المعجزة؟!

العمال بدأوا البحث عن زعيم جديد، وبدأت تطل برأسها الخلافات بين جناحي الحزب اليمين واليسار، وحتى تاريخه قدّم ترشيحه كلاً من انطوني البانيزي من جناح اليسار وكريس بوين من جناح اليمين الذي سحب ترشيحه بسبب دعم قياديين بارزين من جناح اليمن لألبانيزي. وكانت تانيا بليبرسك نائبة رئيس الحزب من جناح اليسار سحبت ترشيحها رغم أنها تحظى بدعم جناح اليمين ونقابات العمال وتتردد أسماء اخرى تنوى المنافسة على المنصب ويختار زعيم الحزب بالإنتخاب من الأعضاء الحزبيين ومجلس قيادة الحزب "الكوكس" ، وقد برزت انتقدات شديدة لبيل شورتن لمحاولته لعب دور سلبي في اختيار خلفه بسبب تشكيكه بمواقف البانيزي أثناء الحملة الانتخابية.

رئيس الوزراء والذي إعتبرإنتصاره تفويض شعبيّ، بدأ مشاورته لتشكيل حكومته الجديدة بعد أن أمّن أكثرية في مجلس النواب ولم يعد بحاجة إلى أصوات النواب المستقلين ماذا سيقدم للناخبين وما هو هو موقف الأحزاب الصغيرة والمستقلين الذين يملكون ميزان القوى في مجلس الشيوخ الذي يسيطر فيها الأحرار والحزب الوطني 34 مقعداً وهم بحاجة إلى39 صوت لتميرير مشاريع القوانين.

ويبقى السؤال الوجيه كيف سيواجه موريسن وحكومته القضايا الملحّة والوفاء بوعوده الإنتخابية من التخفيضات الضريبية إلى تخفيض أسعار الطاقة وهل سيمكنه الإستمرار في تجاهل قضية التغييرات المناخية وهل المحافظة على الوضع كما هو سيؤمن الوظائف التي وعد بتأمينها خلال السنوات الثلاث القادمة (مليون و250 ألف وظيفة) في وقت بدأت ترتفع نسبة البطالة مجاوزة نسبة 5% حيث وصلت إلى 5.2% خلال الربع الأول من العام الحالي. وبرزت نية البنك المركزي تخفيض الفائدة بنسبة ربع من واحد بالمئة لتحفيز الإقتصاد المتباطئ وكان البنك المركزي توقع تراجع النمو الاقتصادي من 3.3% الى 2.2% في السنة المالية الحالية وهذا ما بدأ ظاهراً للعيان في قطاع البناء وتراجع أسعار المنازل خصوصاً في سدني وملبورن، وهناك قضية جمود المعاشات المستمرة منذ اكثر من ست سنوات، وإعادة الفائض للميزانية الذي وعد به في ميزانية نسيان الماضي لانه بدون تحريك عجلة الاقتصاد وتحفيزه لا يمكن الوفاء بوعوده الانتخابية، وحول هذا الموضوع يقول الخبير الاقتصادي ومحرر الشؤون الاقتصادية السابق في صحيفة "الفايننشل رفيو" الن ميتشل ان موريسن إستطاع ربح الانتخابات بحماة انتخابية بأسلوب قديم في وقت نحن بأمس الحاجة لنوع جديد من الحكومات.

يبقى من المهم أن نشسير إلى أن مؤسسات إستطلاع الرأي والتي تضرّرت سمعتها، بدأت بالعمل على إعادة النظر في جمع معلوماتها لتماشي العصر الإلكتروني والرقمي وشبكات التواصل الإجتماعي.

أخيرا، هناك ملاحظة مهمة وملفتة للنظر أن سكوت موريسن هو أول رئيس وزراء أسترالي يستعمل بارك الله أستراليا.

 

عباس علي مراد

 

ليس غريبا إن ذكرنا إن المجتمعات الغربية أضحت ذاتها تشعر بخيبة أمل كبيرة من الديمقراطية، وتلك الأزمة جعلت من المفيد العودة إلى الأصول الأيديولوجية والنظرية لذلك النظام السياسي والاجتماعي لمحاولة إيجاد وفهم أسباب تدهوره، كما ومن الممكن بناءً على تاريخ نظريتها يتم تقييم حدود الاستدامة والمرونة لنظامها وإدراك ما علاقتها بالعالم العربي؟ إن أبسط تعريف لها أنها ديمقراطية مبنية على المبادئ الليبرالية الساعية لتحقيق أهدافها التي لا تستند فقط على الاقتراع العام وانتخابات السلطة ولكن أيضًا على ضمانات محمية لما يسمى بالحرية السلبية أي حماية حرية الإنسان من تدخل الدول والأفراد بحقوقه السياسية والإنسانية والمدنية والحق في الملكية والحرية الشخصية وحرية التعبير والضمير. ومن المهم بالنسبة لنا أن نميز بين الليبرالية باعتبارها مجموعة من الأفكار حول الحرية الشخصية وحقوق الإنسان، والديمقراطية التي تقوم على مبدأ سيادة أو إرادة الشعب بأسره أو أغلبيته، ومع إن الليبرالية والديمقراطية مترابطين ولكنهما في جوهرهما هما أبعد ما يكونا عن التطابق ففي الديمقراطية يمكن إجراء انتخابات غير ليبرالية ويمكن أيضا تأكيد بعض المبادئ الليبرالية في الأنظمة غير الديمقراطية.

يتيح لنا هذا التمييز أن نرى بعض الأسباب والآليات المهمة لصعوبات تطبيق الديمقراطية الليبرالية ليس فقط في الغرب ولكن في جميع أنحاء العالم، ما نراه اليوم ليس أكثر من انتفاضة الشعوب ضد الليبرالية وهو مظهر من مظاهر عدم التطابق الحاد بين الديمقراطية والحرية، ولقد ظهر التناقض بين مبدأ الحرية الشخصية ومبدأ السيادة الشعبية منذ البداية الأولى لتشكيل المفهوم لضمان استقلالية الفرد وحريته وحماية القانون له، ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك حقًا في ظروف الاستبداد أو في ظروف الانتصار المطلق للسيادة الديمقراطية؟ إن قيمة الديمقراطية ليست أنها قوة الجميع بل لإنها حرية الجميع، ونحن نختارها ليس لأنها مليئة بالفضائل ولكن لتجنبنا الطغيان، وإن فهمها قبل كل شيء يكون الضامن للحريات الإنسانية وهي أساس الأفكار الحديثة حول نظام الديمقراطية الليبرالية غير إننا رأينا كيف أن الأشكال المتطرفة لتدمير الحرية الشخصية والحياة نفسها تصيب وتتدهور جرائها فلذلك أظهرت أنها ليس فقط هشة ولكن أيضًا اظهرت إمكانية أن تصبح نقيض لماهيتها تمامًا.

يبدو حاليا أن الديمقراطية قد انتصرت وانتشرت في جميع أنحاء العالم لتصبح حقل مشكلة آخر وهو الحقل الرئيسي للاهتمام بهشاشتها والبحث عن طرق لتقويتها وهذا هو موضوع النقاشات الحديثة حول أزمتها الهشة وغير المستقرة والتي تحتوي على إمكانات التناسخ في الاستبداد والفوضى وتدمير الحريات، ولذلك فإن المهمة العملية ليست صنع ديمقراطية غير قابلة للتدمير بل تأمينها ضد حماقة المطلق من المشرعين وضد غليان العواطف الإنسانية المدنية والعسكرية وبعبارة أخرى لا نريد اختراع آلة حركة دائمة وإنما آلة مزودة بجهاز للحماية من الخداع.

إذن ما الذي يمكن أن يحمي ويقوي الديمقراطية الليبرالية؟ تعود جميع الخلافات المستمرة المتعلقة بأساسياتها وآفاقها بطريقة أو بأخرى إلى شخصية مكتشفها وهو المنظر الرئيس والمُنور الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778 م) وهو الذي اكتشف بوضوح وبدون هوادة فكرة وجود شعب يتمتع بالسيادة والذي يقوم نتيجة للعقد الاجتماعي بإنشاء جمهوريته الخاصة على أساس الإرادة المشتركة وفق جمهورية تتمتع بأعلى سيادة ، والناس هنا هم الذين يتمتعون بالسلطة العليا وهذا هو المثل الأعلى للديمقراطية الغير مباشرة حيث يحكمها جميع المواطنين كما أنهم يضعون قوانين لأنفسهم، وفي حالة السيادة الشعبية فكل واحد يعطي عزم شخصيته وكل قوته للقيادة العليا للإرادة المشتركة ويقبل الشعب معًا كل عضو كجزء لا يتجزأ من الكل ولا توجد سلطة أو إرادة على سيادته، ولا يمكن أن يكون هناك قانون أساسي ملزم له ككل وحتى العقد الاجتماعي ليس ملزماً له, فيتمتع ذو السيادة بالحرية كما أن كل جزء منه وكل شخص فيه يفترض إن يكون حر، وإذا كان الشخص لا يريد أن يطيع القانون العام وأن يكون حراً فإن الشعب له الحق في إجباره على أن يكون طائعا وحراً، ولذلك فإن الشعب صاحب السيادة التي تم إنشاءها بواسطة الإرادة الحرة له لحماية الحرية العامة والخاصة أي أن افراده يمثلون شيئًا وحيدًا وغير قابل للتجزئة.

بالإشارة إلى الأزمة الحالية للديمقراطية في الغرب وفي جميع أنحاء العالم، فلا يوجد شيء ايجابي جديد في الأساس حول هذه الأزمة إذ كانت هناك دائمًا وستظل هناك قوى تدافع عن الاستبداد وتقييد الحريات والعزلة والإملاء الإيديولوجي والحمائية والمجتمع التقليدي المغلق بدلاً من التحديث المفتوح، وقد كانت تلك القوى ولا تزال خارج التوليف الثابت للثقافات والأيديولوجيات السياسية الرئيسة بالنسبة للإجماع الديمقراطي الليبرالي بمجرد أن توسع نفوذها، ومع كل هذا حافظ الناس دائمًا على حقهم في قول آرائهم والاحتفاظ بما يحق لهم، وعلاوة على ذلك فإن النظرة المتشائمة لآفاقها ليست هي النظرة الوحيدة الممكنة ومنظورها متفائل أكثر من المحتمل لأنها ترتبط بحقيقة أن هناك شروطًا أساسية للانتقال إلى مستوى جديد من التطور الديمقراطي مع الأخذ بالاعتبار في المقام الأول المستوى العالي من التعليم والثروة والوعي.

اما نحن كعرب فنعيش في حالة من التوازن المتجمد والركود في المستنقعات السياسية وعندما تكون الدولة غير قادرة على قمع المجتمع المدني، والمجتمع المدني أضعف من أن يفرض إرادته على الدولة يصبح الأساس المنطقي الأيديولوجي لذلك التخلف هو الأيديولوجية التقليدية لـلمسار الخاص والتي تجعل من غير الممكن شرح وتبرير حال النخبة والركود للإثراء المتهكم والمتهور، والعامة تلتهم بغيضها للبقاء على قيد الحياة، ولذا فإن أهم شيء بالنسبة لقضية الحرية ليس وجود الديمقراطية بل وجود مجتمع مدني، والديمقراطية لظهورها تحتاج إلى مجتمع مدني قائم بالفعل كأساس وضرورة.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

عبد الجبار الجبورييتوهم البعض بأن الادارة الامريكية جاءت بجيوشها وحاملة طائراتها، التي تحمل رؤوساً نووية وبوارجها وصواريخها، وفتح قواعدها العسكرية ال(30)، التي تطوق ّإيران، وأحدث طائرات الجيل الخامس(الدرون)، و طائرات البي 52 واف 16 و35، والتي تكلف الخزينة الامريكية بليون دولار يوميا ناهيك عن تأهب وتحشّد الترسانة الفرنسية والبريطانية والعربية في الخليج العربي ومصروغيرها، أقول يتوّهم من يعتقد أن أمريكا جاءت بهذه الأساطيل (لقضاء نزهة) في مياه الخليج العربي وباب المندب ومضيق هرمز، نعم ليست نزهة في ضوء القمر، ولكنها جاءت لوضع حدّ لتوسع المدّ الفارسي، وتفكيك وتفتيت المشروع الايراني الكوني الديني التوسعي، الذي أعلن عنه قادة طهران وذيولهم، بأن الهلال الشيعي لابد وأن يكتمل ليصير بدراً، وهاهو البدر الشيعي في سماء العراق وسوريا واليمن ولبنان ويتجه نحو البحرين والكويت والامارات والسعودية وغيرها، وبات يزعزع أمن وإستقرار المنطقة والأهم أخذ يشكل تهديداً للاستراتيجية الأمريكية ومشروعها الكوني، في إقامة الشرق الاوسط الكبير الذي أخذ يتجه نحو الأفول بسبب تغوّل المشروع الإيراني وتوسعه، وتهديدات الإرهاب الذي تدعمه وتغذيه وترعاه إيران في المنطقة إذن وبضوء هذه المعطيات المتجسدة على الارض لابد من القيام بتقويض وإنهاء هذا المشروع، بأسرع ما يمكن مهما بلغت التضحيات، والتي آخرها إستخدام القوة العسكرية المفرطة لإنهائه، فكيف تدير الادارة الامريكية عملية الحرب على ايران، هل تستخدم الاستراتيج أم التكيك للوصول الى الإستراتيجي، لنرَ، فقد فرضت الادارة الامريكية حصارها الاقتصادي الاقسى في التاريخ كما اعلنت منذ البداية وما صدقها البعض المتوهم، ثم اعطت دولا اعفاءات لفترة محددة وإنتهت الفترات وبعدها أعلنت (تصفير) تصدير النفط وهو (مقتل) النظام الايراني وهاهي فعلت (وصفرّت) تصدير النفط، وسط جعجعة وتهديدات حكام طهران، وقادة الحرس الثوري وذيولها في المنطقة وهاهي الإستراتيجية الامريكية تسجل أعلى درجات النجاح، كيف، فقد إستطاعت ان تقنع وترهب الدول الاوربية بخطر وتهديدات النظام الايراني ونجحت ونرى التحالف الامريكي لحقت به فرنسا وبريطانيا والمانيا، وإستطاع الرئيس ترمب أن (يحيّد) الصين، ويرشي روسيا وبوتين ويوعدهم بإطلاق يدها في سوريا، وبناء قواعد عسكرية بحرية وبرية، على الاراضي السورية في طرطوس وحميميم، وهكذا فعل مع أردوغان وتركيا في إدلب وشمال سوريا، وظلَّ النظام الايراني أعزلاً، إلاّ من الميليشيات التابعة له كحزب الله والحوثيين والميليشيات العراقية، التي تتوّعد المصالح الامريكية بالوّيل والثبور وتوّجه صواريخها نحو أهداف أمريكية داخل العراق، إذا نشبت الحرب على إيران، إذن فمَنْ يمنع الادارة الامريكية، من إستخدام القوة العسكرية الهائلة التفوق ضد طهران وميليشياتها ولكن ليست الادارة الامريكية بهذه السذاجة كي تتوّرط وتستخدم قوتها العسكرية شديدة التفوّق بليلة وضحاها، وهي ترى أكبر التحديات أمامها في العراق والمنطقة، ألا وهي الميليشيات العراقية وحزب الله كما أعلن ماك بومبيو بنفسه وإعترف بأن الميليشيات، تعدّ أكبر التحدّيات التواجه الادارة الامريكية في العراق، وعليها مواجهتها بكلِّ الطرق وتفكّيكها وحلّها ودمجها أو إستخدام القوّة ضدّها لتفكيّكها، وذلك بالضغط على حكومة عادل عبد المهدي، أو تخييّرها بين الخندق الأمريكي والخندق الإيراني ولاحياد في ذلك، لذلك تسعى الادارة الامريكية وبكل قوتّها ونفوذها على أوروبا والصين وروسيا والدول العربية بالترهيب والترغيب، أن تتفادى (الحرب على ايران)، كما تصرّح، وأنما تستخدم الحلّ الأمثل لها، وهو إجبارها على الإستسلام والخضوع للشروط الامريكية ال12 بالحصارالأقتصادي القاتل أولاً، وجعل الحلّ العسكري في آخر المطاف، أو كما يقال الكي آخر الدواء وهو ما قد أدخلته الادارة الامريكية في حساباتها وجهزّت له، ترسانتها وبوارجها وأحضرتهم لهذا الغرض، إذا فشل الحصار التأريخي الأقسى عليها ولهذا تستخدم إيران إستراتيجيتها المعروفة (التسوّيف والمماطلة والعناد) تارةً، وتأخذها العزة بالإثم التهدّيد وإستخدام وَهْم القوّة، بنشر صواريخها في شوارع المدن الإيرانية لتخويف أمريكا وحلفائها الدول الخليجية، أو بتفجير بعض السفن في الفجيرة، وإستخدام طائرات مسيرة للحوثيين لقصف حقول النفط السعودية، وهكذا تتصّاعد حدةّ التهديدات الايرانية، وترفض التفاوض الذي عرضته الادارة الامريكية بل ذهبت اكثر من هذا وأخذت تهدّد الدول الاوربية بإلغاء الاتفاق النووي معها، والعودة الى تخصّيب اليورانيوم المنضّب، في حين تتواصل الاستعدادات الامريكية في احكام الحصار وتنفيذه بأقسى مايكون، متخذة التحوطات والاستعدادات، في مواجهة غلق مضيق هرمز من قبل ايران الذي يشكّل العّصب الاقتصادي العالمي، إذن نحن أمام سينارهات متعدّدة الرؤوس، في معالجة الأزمة مع حكام طهران، ولدى الادارة الامريكية البدائل في إخضاع حكام طهران للشروط الامريكية، بعد أن أحكمت السيطرة على خنق إقتصادها التي تريد إيران الإفلات منه بطرق ملتويّة ومفضوحة أمريكيّا كالتعامل مع العراق وإستخدامه بديل مؤقت لتصدير نفطها وحصر التجارة معها وطلب إستثنائه من الغاز والكهرباء، أي ترى العراق ولاية تابعة لها ومنقذها من الحصار، بل ومنقذها من الضربة العسكرية، وذلك بالإعتماد على أذرعها التي تخوّف العالم بها وهكذا نعتقد أن التكتيك الامريكي الناجح في مواجهة ايران وتغوّلها، وقطع مواردها الإقتصادية والمالية كفيل بتركيعها واخضاعها لشروطها قبل الإجهاز على نظامها وإسقاطه بالضربة العسكرية القاتلة، كهدف إستراتيجي لها ومن هذا التحليّل الإستراتيجي لفكرة إسقاط نظام الملالي، يكون التكتيك الامريكي مدخلاً أساسياً، لتحقيق الهدف الإستراتيجي وهوإسقاط النظام وتسليم الحكم للمعارضة الإيرانية بأقرب فرصة وهي جاهزة ومتوحدة في رؤيتها، ومتناغمة مع الادارة الامريكية لإستلام السلطة وتخليص الشعب الايراني الذي لايريد رؤية وجه ملالي طهران المتخلف في الحكم ولكن علينا الإعتراف بحقيقة مُرّة يجب تذوق مرارتها، وهي أن العراق سيكون ساحة الحرب العالمية الثالثة، إذا ما إندلعتْ هذه الحرب وظلَّ حكام طهران على عنادهم، راكبين رؤوسهم، حتى يتجرّعوا كأس السمّ ثانيةً، على يدّ اليانكي الأمريكي هذه المرّة نعم الحرب على ايران بين التكتيك والإستراتيج كما ترون، وهي سياسة أمريكية مزدوجة، في مواجهة التغوّل الإيراني البغيض، الذي أصبح يرعى الارهاب العالمي، ويهّدد به دول المنطقة على حساب تنفيذ مشروعه الديني الكوني التوسعي، وما يجري في العراق ولبنان واليمن وسوريا، من قتل وتهجّير الملايين، ماهو الاّ نتاج لتدخل ايران وميليشياتها وحرسها الثوري لإقامة الإمبراطورية المزعومة التي يهدّد بها ويحلم بها حكام وملالي طهران، كما كان يهدّد ويحلم الإرهابي أبو بكر البغدادي بقيام دولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام.نعم التكتيك الأمريكي الذي تمارسه الادارة الامريكية، هو أحد أقصر الطرق لأسقاط نظام الملالي وهذا مانراه في نداءات الرئيس ترمب، للتفاوض والحوار مع إيران، قبل أن ينفلت عقال القوة العسكرية، نحو الهدف الإستراتيجي، وعندها لاتفيد حكام طهران تفجيراتهم في السعودية والامارات وتحرشاتهم في العراق بقصف السفارة الامريكية وغيرها أو بإستعراضات وهم القوة وقوة الوهم، بعرض الصواريخ الباليستية، في شوارع طهران والمدن الاخرى.

 

 عبد الجبار الجبوري

 

نبيل عودةتواصل إسرائيل إنكار مسؤوليتها عن تهجير أبناء الشعب الفلسطيني من وطنهم، وتتجاهل أنها قامت بهدم قراهم (أكثر من 520 قرية) لمنعهم من العودة ولخلق واقع جديد.

لم يحظ الكثير من العائدين بعد أحداث حرب 1948 بهوّيات زرقاء، مما كان يعني تعرضهم للطرد من الوطن، أو القتل كمتسللين، أو الحصول على هوية حمراء تعني أنهم مقيمون (أو "ضيوف" حسب الصيغة الرسمية) وليسوا أبناء هذا الوطن.

شهد تاريخ الأقلية العربية معارك بطولية ضد التهجير، قام بها وقادها بالأساس الشيوعيون العرب، بمنع الشاحنات المحملة بالمزمع طردهم من التحرك، وذلك بإلقاء أنفسهم أمام عجلاتها، ونظموا معارك قضائية من أجل الحصول على الهوية للعائدين (الذين عادوا كمتسللين إلى وطنهم).

اشتهر وقتها المحامي الشيوعي حنا نقاره، أطلق عليه الناس لقب "محامي الشعب"، كانوا ينشدون له الأهازيج الوطنية فرحا بتحصيله للهويات عبر المحاكم الأمر الذي كان يعني البقاء في الوطن وعدم اعتبار الفلسطيني "متسللا" (أو ضيفا) مرشح للطرد وراء الحدود، كذلك تحديا للحكم العسكري الذي فُرض على العرب الفلسطينيين الباقين في وطنهم مقيدا تنقلهم داخل وطنهم.

من تلك الأهازيج النضالية:

طارت طيارة من فوق اللية الله ينصركو يا شيوعية (اللية اسم مكان في الجليل)

حنا نقاره جاب الهوية غصبا عن رقبة ابن غريونا (بن غوريون – أول رئيس لحكومة إسرائيل)

تطورت ثقافة شعبية غنائية كجزء من النضال والصمود ضد التشريد، منها على سبيل المثال وليس الحصر، حسب مذكرات الشاعر والمناضل حنا إبراهيم (كتابه: ذكريات شاب لم يتغرب) انه كانت تمنح هويات حمراء لمن يُعتبرون "ضيوفا" (بالتعبير الإسرائيلي) أي المرشحين للطرد من الوطن. أما "غير الضيوف" فكانوا يحصلون على هوية زرقاء. يذكر حنا إبراهيم أغاني التحدي التي كانت تنشد في حلقات الدبكة ومنها:

يا أبو خضر يلا ودينا الزرقات والحمرا ع صرامينا (أبو خضر هو اسم شرطي مارس العنف ضد العرب، والزرقات والحمر هي الهويات)

هذا وطنا وع ترابه ربينا ومن كل الحكومة ماني مهموما

يقطع نصيب ال قطع نصيبي لو انه حاكم في تل أبيب

توفيق الطوبي وإميل حبيبي والحزب الشيوعي بهزو الكونا (توفيق واميل من أبرز قادة الحزب الشيوعي)

ويتلقف الشبان الكرة ويعلو نشيد المحوربه (نوع من الغناء الشعبي الفلسطيني) :

لو هبطت سابع سما عن حقنا ما ننزل

لو هبطت سابع سما عن أرضنا ما نرحل

هذه لوحة عن واقع صار تاريخا ولكنه نوسطالجيا نضالية أيضا، نفتقدها اليوم بهذه القوة، وهذا الصمود وهذا الالتفاف الشعبي السياسي.

ما جعلني أورد هذه اللوحة، هو التأكيد أن الهجرة لم تكن خيارا فلسطينيا، بل جريمة إنسانية، لم تكشف بعد كل تفاصيلها، وكل مخططاتها في الفكر الصهيوني، الذي يجتهد اليوم لإنكار الحقائق، بل وتزويرها بدون خجل، حتى تلك التي وردت في السجلات الرسمية للدولة.

اليوم نواجه واقعا مختلفا، الأقلية العربية الباقية في وطنها أعادت بناء نفسها ومؤسساتها، تجاوزت صعاب ومخاطر هائلة، شكلت علامات سؤال كبيرة حول بقائها في وطنها وعززت بقاءها في وطنها.

رغم مصادرة الأرض (ما تبقى للعرب في مناطق 48 أقل من 3.5% من الأرض)، إلا أنها لم تستسلم، أصبحت أقلية متعلمة وأبناءها يملئون الجامعات والكليات، عدد الأكاديميين تنامى بأرقام هائلة، من أعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، إلى أكثر 80 ألف أكاديمي اليوم، عدا الطلاب الجامعيين.

الأكثر من ذلك، 60-70% من الفتيات العربيات، اللواتي ينهين الثانوية يتجهن للدراسة العليا. آلاف كثرة جدا من الطلاب العرب من إسرائيل يتعلمون في جامعات الأردن، آلاف أخرى في مختلف أنحاء العالم، عدا الآلاف داخل الجامعات والكليات المحلية.

إن المسؤولية عن هجرة الفلسطينيين، أو طردهم من وطنهم بأساليب تعتبر جرائم حرب، كشفها أيضا مؤرخين يهود شجعان أمثال ايلان بابه، كنت قد كتبت سابقا عن قرار رئيس الحكومة، بناء على طلب مدير الأرشيفات، استمرار إغلاق أرشيفات العقدين الأولين بعد حرب 48 لعشرين سنة أخرى، لأنها تشمل تفاصيل "كشفها الآن يلحق الضرر بدولة إسرائيل" حسب تعبير مدير الأرشيفات وهو بالتأكيد يعرف ما يقول.

اعتقد أن تمديد الإغلاق، جاء ايضا لمنع استغلال المفاوض الفلسطيني لوثائق رسمية تثبت أن تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، كان بسبب ارتكاب مجازر، لا تقل بشاعة وربما تفوق تفاصيل مجزرة دير ياسين (منطقة القدس) ومجزرة قرية الصفصاف، الواقعة على زنار جبل الجرمق، مما دفع الفلسطينيين، الفاقدين لأي حماية من الانتداب البريطاني أو من الجيوش العربية، للهرب من وطنهم أو تعرضهم للمجازر الجماعية.

هناك روايات كثيرة عن عشرات المجازر، بعضها كشف عنه مؤرخين يهود.. وقد يكون المخفي أعظم، بعد كشف من أصدر الأوامر وطرق تنفيذ المجازر!!

إن الهجرة واللجوء إلى دول الجوار، لم يكن خيارا فلسطينيا، إنما خطة جهنمية إجرامية، لم تكشف كامل تفاصيلها، ولا يمكن لأي مفهوم إنساني سليم أن يعتبر تلك الأحداث مجرد صراع على أرض. بل هي تصفية عرقية من أسوأ الأشكال التي عرفتها البشرية، وحسب المستشرق ايلان بابه بدأت قبل إقامة دولة إسرائيل، وهذا ما يكشفه في كتابه الهام: "التطهير العرقي في فلسطين".

في إسرائيل يحاول اليمين العنصري إنكار النكبة، بل وإقرار قانون يمنع المواطنين العرب من تخصيص يوم 15 أيار من كل عام لذكرى النكبة، لكن هذه المحاولات، جعلت النكبة راسخة أكثر، ليس في الذاكرة الجماعية للعرب فقط، بل في كشف الموضوع أمام العديد من اليهود في إسرائيل الذين يجهلون تفاصيل حرب 48 وماذا تعني النكبة، لدرجة أن محرك البحث في غوغل شهد ارتفاعا هائلا في البحث عن كلمة "النكبة" باللغتين الانكليزية والعربية. أي أن التفكير العنصري بمنع ذكرى النكبة عن أبناء النكبة، قاد إلى تعميق مفهوم النكبة وتفاصيل ما جرى وقاد إلى النكبة. بل وأكثر من ذلك، الخوف من ذكرى النكبة للعقول العنصرية المريضة، ترجمت برد صهيوني، إذ أصدرت عناصر حركة تسمي نفسها "إم ترتسو"(إذا شئتم) كتيب جيب من 70 صفحة، أشبه بتوراة للمتطرفين، يحمل العنوان: "نكبة خرطه– الكتيب الذي يقاتل من أجل الحقيقة" ("خرطه" بالعامية الفلسطينية تعني "كذبة" وهي من الكلمات التي اخترقت العبرية).

الكتيب يحاول أن يشوه (او يزور) حقائق التاريخ، لمؤلفيه الصحفي ارئيل سيجال واحد مؤسسي حركة "ام ترتسو" ايرز تدمور، في محاولة (مهزلة) لإقناع القراء (اليهود بالأساس) بأن العرب الذين يرون أنفسهم ضحايا النزاع الفلسطيني-إسرائيلي، هم بالأساس المعتدين، أي الضحية هي المعتدية حسب مفهوم العقل الفاشي المريض لمؤلفي الكتيب.

حيفا نموذجا/ الحقائق اقوى من الكذب

من النماذج التي يقدمها الكتيب فصل بعنوان: "هم تركوا-حيفا نموذجا"، في هذا الفصل يذهبون لإنكار الطرد المخطط للعرب من حيفا، باعتمادهم على كتاب بروفسور أفرايم قارش: "تلفيق التاريخ الإسرائيلي"، يواجهون به من يعرفون بالمؤرخين الجدد، الذين حسب نص الكتيب، يقومون بكشف الحقيقة المؤكدة بسجلات الدولة أيضا، التي على أساسها نفذت القوات اليهودية (الهجناه) سلسلة من المذابح المروعة، خدمة لسياسة موجهة من أعلى، لطرد الفلسطينيين أو التصفية العرقية لمن لا يهرب".

النموذج الذي يقدمه المؤلفان، هو وصف احتلال مدينة حيفا في حرب 1948، كنموذج للادعاء أن الجانب الإسرائيلي، لم يتبع تلك السياسة التطهيرية، "وإن المسؤولية عن نتائج الحرب ومشكلة اللاجئين، هي مسؤولية القيادات العربية".

هل اختار المؤلفان مدينة حيفا نموذجا بالصدفة لتبرير الموقف الصهيوني؟

العديد من المؤرخين اليهود لم يلتزموا بالحقائق حول ما دفع مواطني حيفا للهرب من وطنهم. لذلك ما يقدمه المؤلفان في الكتيب ليس جديدا، لا يتناقض طرحهم مع بعض الأبحاث التي نشرت في كتب سابقة والتي يميزها إخضاع البحث لنوايا سياسية، تهدف مع سبق الإصرار على دعم رواية كاذبة تتجاهل سبب دفع عرب حيفا للهرب. هذا ليس مستهجنا في الكثير من المؤلفات التي تتجاهل الحقائق لحساب الرؤية السياسية أو الفكرية المسبقة.

بالطبع لا أحد سيحاسب المؤلفان على اعتماد أبحاث تتجاهل حقائق ووثائق ما جرى في حيفا وعلى رأسها وثائق ارشيف دولة اسرائيل. الحقيقة هنا حتى ليست نسبية، إنما مشوهة تماما. بالطبع القانون في إسرائيل لا يمنع تشويه التاريخ، بل هو موضوع شرعي تماما، رغم تناقضه مع الوثائق الرسمية والكتب الصادرة حتى من وزارة الدفاع الاسرائيلية نفسها.

صحيفة "هآرتس" العبرية، التي عرضت ما جاء في الكتيب، ذهبت لتفحص الحقائق من أشخاص (عرب) عاصروا تلك المرحلة ولم يهاجروا يعيشون اليوم في حيفا. توجهت إلى نادي للمسنين العرب في وادي النسناس في حيفا والذين تشكل النكبة جزء من سيرة حياتهم، رواياتهم مليئة بصور الطرد من الوطن بتهديد السلاح وبإطلاق النار على الناس، كلهم يتذكرون الخوف الذي ساد بين الهاربين الفاقدين لأي بديل آخر.

حسب التقديرات كان عدد سكان حيفا العرب حوالي 63 ألف مواطن، حيفا كانت ضمن المنطقة التي خصصت لدولة اليهود حسب قرار التقسيم للأمم المتحدة، بسبب أعمال العنف التي سادت هرب الكثيرون وظل في حيفا أقل من 20 ألف مواطن عربي.

يقول أحد كبار السن في تقرير هآرتس، أن الحياة أضحت غير محمولة بسبب تواصل إطلاق النار ومواصلة القصف على العرب دون تمييز بين مسلحين ومواطنين غير مسلحين، وانه في الأحياء العربية تعرض كل من يسير في الشارع لنيران القناصة والرشاشات.

حسب مصادر إسرائيلية، بعد "الانتصار" في حيفا، لم يجد الجيش إلا كمية قليلة جدا من السلاح، لا تشكل أي تحد للأسلحة الموجودة بأيد القوة العسكرية اليهودية، ولا يشكل أصحاب هذه الأسلحة قوة عسكرية بأي مفهوم عسكري بسيط.

حسب تقديرات البريطانيين، بلغ عدد الهاربين من العرب عن طريق البحر بين 12 و14 ألف إنسان، والهاربين برا أكثر من 6000 شخص، لكن المصادر اليهودية تدعى أن عدد الهاربين كان بحدود 5000 شخص فقط، بينما عدد الذين بقوا في حيفا من العرب كان بحدود 20 ألف عربي، فأين اختفى 40 ألف حيفاوي عربي؟

كانت النار تطلق، حسب الشهادات الشخصية، على البيوت العربية مما حول ميناء حيفا إلى المكان الأكثر أمانا للمواطنين العرب، ذلك لأن الميناء بقي تحت الإدارة البريطانية لضمان انسحاب جيشها من فلسطين، بعد تسليمها لليهود طبعا!

بيني موريس المؤرخ اليهودي وصف في كتابه "نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" الصادر عام 1991، أي قبل أن يتراجع ويروّج الروايات الرسمية للحركة الصهيونية (وهي تتناقض مع تسجيلات الأرشيف الاسرائيلي الصهيوني نفسه)، وصف بوضوح كبير تطور الأحداث، كتب: "أُعطيت أوامر لقصف ساحة السوق (في حيفا)، كان في السوق اكتظاظ كبير عندما بدأ القصف، سبّب رعباً كبيراً، اندفع الجمهور إلى الميناء دافعين رجال الشرطة (البريطانية) وسارعوا لركوب السفن وبدأ الهروب من المدينة". بيني موريس تراجع فيما بعد عن روايته في كتابة "1948" الصادر عام 2010.

رغم أن روايته عن قصف السوق هي رواية جزئية جدا، لكن مؤرخاً يهودياً آخر هو تسادوق ايشيل، في كتابه "معارك الجيش في حيفا" الصادر عام 1978 عن وزارة الدفاع الإسرائيلية، يذكر تفاصيل أكثر. ايشيل كان مجندا في الجيش، الكثير من تفاصيل المعركة في مدينة حيفا يقدم وصفها في كتابه كونه مصدر أول وشاهد ومشارك فيها، يصف أحداث 22 نيسان 1945 بقوله:" في ساعات الصباح الباكر أعلن مكسي كوهن لأركان الفرقة أن العرب يستعملون مكبرات صوت ويدعون الجميع أن يتجمعوا في ساحة السوق بسبب احتلال اليهود لشارع ستانتون ومواصلة تقدمهم نحو مركز البلد. مع وصول هذه المعلومة صدرت الأوامر لقائد كتيبة عسكرية هو ايهود الموج، ان يقصف براجمات قطر 3 انشات (أي 75 مليمتر) التي كانت مجمعة قرب مستشفى روتشيلد (المستشفى يجلس عمليا فوق الأحياء العربية الأساسية لحيفا) منطقة السوق في حيفا، رغم تجمع الكثير من الناس (غير المسلحين) في السوق. بدأ القصف وتساقطت القنابل وسط الجمهور، انتشر الرعب الكبير، انطلق الناس إلى الميناء، اندفعوا نحو القوارب للهرب من حيفا وقد تواصل القصف المتقطع خلال اليوم كله على المدينة (القصد على الأحياء العربية) مسببة رعبا وانهيارا في صفوف الأعداء"، كما جاء في الكتاب.

السؤال: لماذا محت إسرائيل فيما بعد من كتب التاريخ موضوع قصف حيفا وانتشار الجثث في الشوارع، ودفع أهلها للرعب والهلع العظيم، والهروب الكبير رغم أن المدينة لم تكن تملك السلاح لمواجهة الاحتلال اليهودي؟ بل وجرى القصف أثناء مفاوضات عربية يهودية بمشاركة ضباط بريطانيين، لتسليم حيفا بدون قتال؟

ما تكشف عنه الحقائق الرسمية، يبين أن القصف والقتل جرى أثناء قيام ممثلي الجمهور العربي في حيفا بمفاوضات مع قادة حيفا اليهود، حول شروط وقف إطلاق النار، حسب شهادات كثيرة كان رئيس بلدية حيفا وقتها شبتاي ليفي، يؤمن بإمكانية التعايش المشترك، دعا قادة الجمهور العربي للاستسلام ودعوة السكان للاطمئنان والبقاء في حيفا.

جاء في تقرير أرسله مراسل يو بي: "أن العرب وافقوا على شروط الاستسلام اليهودية، وعليه بدأ الفيلق العربي والمتطوعين العراقيين بمغادرة المدينة".

لكن كما تبين واصلت القيادة العسكرية اليهودية (الهجناه)، المطلعة على سير المفاوضات لوقف إطلاق النار واستسلام حيفا بدون قتال، قصف الأحياء العربية.

هناك وثيقة صدرت من أركان فرقة الجنرال كرمل (قائد جيش الهجناه في حيفا)، تقول البرقية: أن العرب في حيفا توجهوا إلى الجنرال (موشيه كرمل) ورئيس البلدية شبتاي ليفي، بطلب، عبر وسيط بينهم وبين الجيش (الهجناه) لقبول وقف إطلاق النار. بل وأرفق بالوثيقة، التي أرسلت للقيادات العليا، نصا بالإنكليزية، حسب ما صيغ من الجيش (الهجناه) وذكرت الوثيقة انه:" يسود في أوساط العرب رعبا شديدا ومقاومة ضعيفة جدا".

مصادر أخرى تقول إن القصف لاحق المواطنين العرب الهاربين لأبواب الميناء، مما اضطر الجنود البريطانيين إلى التهديد بالرد على القصف اليهودي إذا لم يتوقف، في حالات أخرى فتح الجنود البريطانيون، النار على مقاتلي الهجناه بسبب إطلاقهم النار على المواطنين العرب الهاربين.

كانت سياسة القيادة العليا مواصلة الضرب، ما لم يوقع الاتفاق، رغم أن برقياتها أشارت إلى انهيار كامل للقيادة العسكرية العربية في المدينة. وجاء في تقرير للهجناه انه:" بما أن العرب لا يستطيعون تنفيذ شروط الاستسلام، من الأفضل إخلاء مدينة حيفا تماما من سكانها العرب". لذلك، كما بات معروفا، تواصل القصف أيضا أثناء اجتماع قادة الجمهور العربي مع القيادة اليهودية ومشاركة ضباط بريطانيين في الاجتماع أيضا.

قبل 66 سنة ظهر في تقرير مراسل يو بي الذي نشرته صحيفة عبرية هي "دافار" وذلك بعد انتهاء المعارك، أن ممثلي الجمهور العربي يدعون أن اليهود أخلوا باتفاق وقف إطلاق النار في حيفا، وسببوا موجة جديدة من الرعب في أوساط آلاف المواطنين العرب الذين سارعوا بالهرب من حيفا. يواصل التقرير: أن اليهود يعترفون بأحاديث خاصة، انه أثناء المعركة وبعدها، تجاوز "بعض الناس" (هل يعنون جنود يهود؟) الانضباط، وكان هناك انفلات وأعمال نهب وبطش وإطلاق نار على المواطنين العرب ولكن الآن توقف ذلك "!!"

إن محاولة نفي أو تقليل مأساة تهجير عرب حيفا، لن تفيد، لأن الحقائق، والشهادات الحية، بما فيها وثائق وكتب تأريخ إسرائيلية كتبها يهود أنفسهم ومنهم قادة معارك، تثبت أن التهجير كان سياسة رسمية لإخلاء البلاد من العرب.

لست مؤرخا، ولكن هناك الكثير ما يستحق أن يجمع خاصة من الذاكرة التاريخية لكبار السن، وهي بمجموعها تشكل جزءا من الحقيقة التاريخية التي يحاول اليمين في إسرائيل أن يشوّهها وينفيها. بل ويذهب اليمين بعيدا لإقرار قانون ينفي حق شعبنا بتذكر مأساته القومية الكبرى-"النكبة" التي أفقدتنا وطننا وشتت شعبنا في أقطار عديدة، حيث يواجه الرفض والمذلة.

هناك موضوع يستعصي عليَّ فهمه، وهو تجاهل أحزابنا ومؤسساتنا وجمعياتنا الأهلية المتخصصة لمثل هذه النشاطات التي تحاول أن تزيّف حقائق التاريخ، وتخلق تبريرات مصطنعة وتفسيرات مشوهة لنكبة الشعب الفلسطيني وتهجيره من وطنه.

صحيفة عبرية قامت بتفنيد الكذبة، وتساءلت: " لماذا أُخرج حدثُ "قصف حيفا" من كتب التاريخ الرسمية؟"

 السؤال المقلق أين الجواب العربي، اين الرواية العربية ووثائق ما ارتكب في حيفا وغير حيفا؟ من يهتم بجمع الروايات الشخصية حفظا على الذاكرة الجماعية؟

انا لست مؤسسة، ومثل هذا العمل يحتاج إلى وقت وجهود جماعية كبيرة. لا تنقصنا الجمعيات الأهلية، ولا المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية والسؤال ما الذي يشغلها؟ ما هي أولوياتها؟ متى سنصحو لتسجيل الروايات الشخصية أيضا حتى لا تضيع الذاكرة ولا يصير المقتول قاتلا أو منتحرا!!

رسالة من معاصر للنكبة: من 70.000 فلسطيني حيفاوي بقي فقط 3566

بعد نشر مقالي وصلتني رسالة من استاذ حيفاوي عاصر النكبة بتفاصيلها وهو مطّلع على مجريات النكبة في حيفا. وطلب مني تصحيح بعض المعلومات لأهميتها ومنها يتبين ان نكبة حيفا وأهلها العرب كانت أكبر وأعمق، واليكم المعلومات الجديدة:

في نسيان عام 1948 بدأت قوات الهاغاناه بطرد السكان العرب من ضواحي المدينة المختلفة. ولتمنع التشريد أصدرت القيادة العربية في حيفا منشورًا لأهالي المدينة يحثّهم على الدخول والبقاء في منازلهم، بدل التجمع في الشوارع أو ترك المدينة، لكن تحت وابل الرصاص والقذائف بدأت عملية هروب جماعية. دفعت قوات الهغاناه نحو 35000 عربي الى ميناء حيفا، هناك انتظرتهم سفن بريطانية حيث نقلتهم الى لبنان. يقدر أن 10% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أصلهم من حيفا. وهرب الكثيرون عن طريق البر الى الجليل، وحتى الى منطقة جنين (الكثيرون من سكان مخيمي جنين ونور الشمس هم من حيفا، ومن القرى المجاورة). بضع مئات من العرب المسيحيين التجأوا الى الكنائس، والتي لم يهاجمها اليهود خوفًا من الرأي العام في أوروبا والولايات المتحدة... في- 22 نيسان 1948 سقط الحصن الفلسطيني الأخير في المدينة – بيت النجادة (مقر حركة الكشاف العربي) في حي الحليصة على يد الكتيبة الـ- 22 من الهاغاناه

في 23 نيسان وقعت مدينه حيفا تحت الاحتلال الاسرائيلي. من 70,000 فلسطيني بقي فقط 3,566 عربيا.

 

نبيل عودة