عبد الجبار العبيديالكاتب والناشروالمعلق وحتى المؤرخ – كُلٍ منهم - مدعو لان يكتب أو ينشر لقول الحقيقة وليس لكسب رضى السلطة، ولا لشراء العواطف.. ولا للتقرب السياسي من الأمتيازات.. ولا لاظهار التدين او الوطنية دون يقين، بعد ان أصبح المواطن العراقي مهددا بنفسه ووطنه وما يملك.. ومقتل المفكر الوطني الهاشمي مثالاً.. أنما يكتب وينشر ويبث ويدون بما يعتقده ويراه حسب قناعته وعلمه بالحق ودون أنحياز، أميناً في تحقيقه للمصادرالموثوقة التي يكتب أو ينشر أو يبث منها على الصحة.. فالكتابة والنشر والبث الفضائي والتعليق والتدوين أمانة تاريخية.. ذاك أملنا فيه.. ليدخل التاريخ..؟

التاريخ كما نعلم هو وصف لما وقع ويقع، وهو حوار الزمن، والحوارهو اساس بناء المعرفة، لذا من يَكتب ويقرأ التاريخ يجب أن يكون دقيقا محيطاً بكل ما يرد ويقرأ، بفكر منفتح، مناقشاً للحدث بنقدٍ عميق، ليكون تدوينه صحيحاً وصادقاً.. متجنباً أبداء الاحكام والأراء الشخصية القاطعة على القدر والأستطاعة. وهذا ما افتقدناه عند غالبية المؤرخين والفقهاء العرب والمسلمين الذين عاصروا القرون الأولى لظهورالأسلامً حتى الدولة الحديثة، وتركوا لنا من النصوص الموضوعة التي كانت سببا في الفُرقة والتمزق ولا زالوا مُعتمدين.. حتى اصبحنا نحتاج اليوم الى عنوان الرحمة والشفقة عليهم وعلينا أجمعين.. بعد ان جعلونا نمشي بخطوات ثابته للخروج من التاريخ.. وهكذا تتكرر اليوم الحالة الخاطئة في عصر الكتابة والنشر والفضائيات والتعليق المملوكة لبعض الكُتاب والناشرين والسياسيين الذين استولوا على اموال الناس وسلطة الدولة دون قانون.. فهل نبقى ننتظر القادمين..؟

التاريخ في حاجة دائمة الى أعادة نظرفيما يُكتب فيه.. فالنظرة النقدية تحتم علينا تفحص الثوابت حتى في مواجهة الشخصيات العظيمة التي رافقت الاسلام منذ البداية كالخلفاء الراشدين الذين احطناهم بهالة التقديس قبل ان ننقب في تاريخهم تنقيب الدارس للحدث مبحراً فيه.. والفترات التي عاشوا فيها والاحداث التي عاصروها والقرارات التي أتخذوها.. فمن زمانهم حدثت الفُرقة والتقسيم الذي لا زلنا نعاني منه اليوم.. لدرجة ان العقل الجمعي العربي بقي احادي التفكير مُهلك.. حتى اصبح الفكر الاسلامي من جراء هذا التوجه مصدر قلق لامة تنحدر نحو التدمير.. كل هذا حدث ويحدث اليوم تحت صمت رهيب بحجة القُدسية والعصمة التي لا اصل لهما في التاريخ والدين.. فوقعنا في خطأ التقدير..

.. وتعاد الكَرة اليوم في أراء من كتبوا ويكتبون من المُحدثين العراقيين والعرب في أوربا والعالم الذين وقفوا بجانب المعارضين الفاسدين والمزورين بعد2003 في عراق العراقيين.. والذين برروا لهم كل خيانة وطنية وتخريب مقابل الامتيازات والمحاصيل.. ناهيك عن غالبية مؤيديهم وناهبي ثروة الوطن الذين تخلواعن قيم الاخلاق والشرف والدين.. هؤلاء كلهم دون استثناء يجب ان تعلن هوياتهم لتقديمهم لمحكمة التاريخ غداً- وعلنية ليعرف الشعب من تأمر عليه ومن سرق امواله وباع وطنه وقتل شبابه وعلمائه ومفكريه خدمة للأخرين في وقت اصبح العراقي ووطنه في غياهب التاريخ.. تتناهبه الشياطين.

فهل يعلم من يدعي الوطنية والدين، ان التوجه في الكتابة النقدية بسند وحوار رصين لا يقلل من شأن هذا او ذاك.. بقدر ما يهدف الى أعادة قراءة النص الديني والتاريخي وابعاد المشكوك فيه منه ومنهم.. وقراءة ما خلف السطورلكل من كتب وتصدر المشهد القديم والحديث وتَقصد التدمير . فنحن اليوم نغرق مادام كبار مسئولينا يؤيدون السرقة والخيانة الوطنية والقتل والتزوير ويهملون قتل المواطنين والتغليس على الجرائم وحرق المحاصيل.. كما في قيادات حزب الدعوة والحزب الاسلامي ومليشياتهم المجرمة و قبلهم حزب البعث والقاسميين والعارفيين.. فمن اين يأتينا الاصلاح والتصحيح.. اذن؟

المؤرخون والفقهاء الأوائل والحاليون.. لم يدركوا ان الزمن يلعب دورا في عملية التغيير.. لا بل ان هناك منهم من طمس حقائق وفضائل، وأظهر أخرى لا تستحق.. ومشى الناس على أخذ ما وجدوا كما هو اليوم.. فأذا بأبطال التاريخ والفقهاء الثبت يوارون في غياهب التجهيل.. وينزوون في ظلام الليل البهيم كما في أبي ذر وعمربن عبد العزيز (ت101 للهجرة).. وغيرهم يشاد بهم، ويُعلى من شأنهم، ويضاف اليهم ماليس لهم ولا زالوا معتمدين... نعم أننا لازلنا نعيش في عصر الأمويين والعباسيين.. والبعثيين والاسلاميين اليوم.. كما في مُسلم والبخاري والمجلسي في بحار الأنواروأبن هشام في السيرة والطبري في دلائل الامامة اليوم، وزنادقة الكلمة من المُحدثين، الذين أوجدوا لنا سلمان رشدي في الآيات الشيطانية، والناسخ والمنسوخ، ونظريات الجرح والتعديل، وحكاية عبد الله بن سبأ.. ومختار العصر.. وأخذناها وبعد ما ننطيها.. و7*7.. ومرجعيات الدين.. وكلها اساطير وضعت للتناحر السياسي والتي ولدت لنا كارثة نظريات التمذهب الطائفي المخترعة بدلاً من الأبتكاروالتحديث والتي لا أصل لها في القرآن والأخلاق والدين.. فدقوا اسفين الفرقة الطائفية بين العراقيين ليسودوا على الدولة والناس بعد ان وقف معهم كل المتخلفين والسراق والمصلحيين.. وشرعنة مؤسسة الدين..

اما المُحدثون فهم من تربع على سلطة الدولة وسرق الملايين ومن سخروه من كُتابهم ضعاف النفوس واستخدامهم الفضائيات الاعلامية للتشوية.. وخطب العتبات الدينية في التدليس مثالاً.. انهم سراق المال العام وباعة الوطن وخائني الثوابت الوطنية في الحدود والثروة المتحصلة من زيارات العتبات والاوقاف الاسلامية وغيرها كثير... حتى تمكنوا من وطن العراقيين بعد ان باعوا الشرف والضمير والدين تساندهم فئات المنتفعين.. ومكنوا رؤوساء المليشيات المجرمة وعصابات الدين وهم جملة من الفاسدين.. من التحكم في امور المواطنين بأسم الجهاد والدفاع عن حقوق العراقيين.. وتلك كذبة كبرى يريدون تمريرها على التاريخ من جديد.. فالتاريخ لا تمرر عليه أكاذيب السياسيين.. فأين هتلر وموسليني وصدام حسين.. وخامنئي الجريمة والأسلاميين.

هنا تغيرت الحالة وضاعَ أمل العراقيين في التغيير، فكان مقتلنا وتوقفنا عن التقدم الحضاري.. فلماذا لا يُحاسبون؟ وأين الوعود الدولية والمعارضة الكاذبة الفاسدة التي سلمتهم الوطن دون قانون..؟ فهل الوطن هو ملك أمريكا لتسلمه للأيرانيين؟.. واليوم يخرج علينا نائب منتحل وغبي في مجلس النواب العراقي يؤيد التزويرالذي مارسته سلطات الدولة والمتنفذين، وأخر يؤيد مليشيات التدمير وثالث يقف مع الفاسدين . اما يكفي ان وصوله للبرلمان جاء بالتزوير.. وقانون العفو العام الذي صاغه البرلمان بقيادة المجرم سليم الجبوري لانقاذ السراق والمجرمين من عقاب القانون.. وتلك جريمة لم يسبقها قانون يدافع عن المظلومين؟ كما هم الهاربون السارقون الذين بنوا امبراطوريات المال الحرام دون ملاحقة القانون ولا زالوا يحكمون كما في الاحزاب الاسلامية.. وروساء الجمهورية والوزراء ومجلس النواب وغالبية المسئولين.. فأين الرئاسات الثلاث والمدعي العام والمحكمة التي اصدرت احكامالقوانين.. وصيانة الدستور والقانون؟ نعم.. نحن نعيش اليوم في عصر اللاقانون.. فلهذه الدرجة لا يخافون الله وهاهي الكورونا والطاعون يَفتكون.. كما حلَ بعادٍ وثمودٍ وقوم نوح وهود.. أقرأوا القصص القرآنية ايها المتجبرون.. ان الله يقص عليكم نبأهم بالحق.. الا تتفكرون..؟

.. نحن ندق ناقوس التنبيه اليوم في عالم شغل عن كل شيء الا عما يربطه بالملهيات والمغريات التي تمسكت بها القيادات الجديدة الظالمة والباغية والطاغية والرخيصة والتي باعت القيم والمعتقدات والثوابت الوطنية مقابل المكاسب والامتيازات والسيطرة على ممتلكات المواطنين والدولة بدون وجه حق وقانون، ونقول لسلطة الدولة التي رافقت احتلال التغيير.. مثلك لا يهدد ويتوعد ويتراخي ويتراجع.. وأنما عليه ان يقدم لانتزاع الوطن او الوقوف بجانب الشعب ضد الطامعين والفاسدين والمخربين لكن فاقد الشيء لا يعطيه.. والا هل من المعقول ان نقبل منكم التغيير ليُسلم الوطن للاخرين الحاقدين على العراقيين منذ القديم.. والى الدواعش الكافرين بالله والقيم والمُثل من الاخرين.. لنأتي بهم لمحاكمتهم ونحن نعلم انهم قاتلون، ولدينا الآلاف من المغيبين بدوافع الطائفية والعنصرية ولا ندري اين هم اليوم وعند أي فصيل من المجرمين..؟؟ أم نحن الصانعون؟

نعم.. اذن لابد من القيام بالبحث والتدقيق والحوار الجاد بين المثقفين المخلصين في اصول الحقوق والقوانين – ان وجدوا- التي صنعتها السلطة كقوانين الدرجات الخاصة والوكالات والأيفادات الباطلة والعفو العام والمصارف المزيفة وخيانة بيع العملة التي يتزعمها الكافرون بالوطن.. وايقاف تنفيذ بعض مواد الدستور كما في المادة 18 رابعا.. وقانون تسجيل المواليد الباطل والزيارات العاشورية التي يقودها فارسي لئيمم والتي مهدوا بها لتغيير ديموغرافية الوطن وتفكير أدمغتهم لصالح المجاورين.

لذا على الحاكمين ان يقدموا اجابات شافية ووافية لكل الاسئلة التي يطرحها الوطن عليهم.. فالدستور يكتب من أجل تقرير حقائق ثابتة، ويسمح لفتح باب التفكير والمناقشة والحوار في اتجاه سليم لتصبح الثوابت الوطنية توفي على الغاية من كتابتها او تدوينها في دستور رصين لا يخترق من قبل الاعداء والفاسدين.. حتى تضع مؤسسة الدولة مشكلة الانسان العراقي وأحواله وماضيه ومستقبله موضع درس عميق ليوفي على الغاية من كتابته.

نعم.. علينا اليوم مراجعة كل ما كتب حديثاً في ظل فوضى التغيير لنصحح ما يحتاج الى تصحيح، وتصفية ما يحتاج الى تصفية مما شابه من عدم الدقة وسوق الاخبار والادعاءات المفبركة – وهي اصلاً منتحلة - على عواهنها، مما اسيءَ لحاضرنا والى الدين والاخلاق معاً بعد ان سيطر رجل الدين المُتخلف والسياسي الخائن بخُرافاتهم على عقول المواطنين.. حتى أورثونا الخطأ التاريخي في الُقدسية والعصمة والتقية والمهدي المنتظر والأفضلية التي اصبح الفكاك منهما صعبا اليوم في بلد ورثت حكمه المليشيات الأجنبية المنفلتة والمؤتمرة بأوامر الاعداء من أصحاب الثأر القديم، قاتلة ومغيبة الابرياء من المواطنين لمجرد وقوفهم مع الحق الوطني كما في المشذوب والشحماني واليوم في الهاشمي المفكر الرصين.. والآلاف من المغيبين والمعتقلين دون محاكمة قانونية وكأننا نعيش في عصر الغابة السوداء ومحاكم التفتيش.. تحكمنا الوحوش التي لاتشبع من لحوم الفرائس والمساكين.. وغيرهم كثير؟ يساندها اعداء الوطن من الفاسدين السارقين لأموال الناس والمزورين من قادة احزاب الاسلام السياسي الباطلين. .أنظر مقابلة علي الاديب وزير التعليم العالي السابق الدعووي الفاسد على كوكل.. مع برنامج بالحرف الواحد.. ستذهل مما يقولون..؟ انهم يعتقدون ان الوطن لهم وهم السادة والمواطنين هم العبيد.. وكأننا نعيش في عهد الجاهليين..؟ مع الاسف في يوم من الايام كنا نتعاطف معهم وهذه ندامة لن يغفر الله لنا فيها ابداً يوم كنا نعتقد بهم انهم من المخلصين..

نعم.. نعم نحن ورثنا تراثا ميتا فاقدا لشرعية القوانين لم ترث امة اخرى مثله منذ عهد الأولين.. كما في شروط الخلافة وحقوق الافراد وواجباتهم التي كتبت بطريقة استطرادية، فسموه بفقه الخلافة وما هو بفقه على الاطلاق بعد ان خلت منه الخلافة الناقصة من التعريف العلمي لها حتى تركت الموضوع بلا تحديد بطريقة دون نظريات عامة تناسب اهميتها العملية، فلم يكتبوا لنا في دراسة تنظيم الخلافة.. ولا في سلطة رئيس الدولة، ولا في تحديد مدتها ومدى سلطانها، ولا في حقوق الناس.. فكان عليهم ان يعلموا انها ليست رئاسة دولة ولا نظام حكم ولا دين.. وانما سلطة وعبيد.. فأين مبدأ وحدة الأمة "هذه أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون الأنبياء 92".. التي جعلها القرآن مجرد شرطا قابل للتحقيق لتشمل الجميع دون تفريق.

نعم.. انهم اجادوا في الشرعيات المزورة والقدسيات المخترعة (قُدس سره) والقرآن يرفض التقديس وكتمان الاسرار أنظر: (الآية 174 من سورة البقرة).. واحاطوا انفسهم بهالة التقديس حتى تحول الحاكم الى ما شابه حكم لويس الرابع عشر حين قال " الدولة أنا".. لذا تحولت الخلافة منذ البداية الى مُلك مستبد وراثي، يستمد سلطته من الله كما قال المنصورالعباسي(ت158للهجرة): "انما أنا سلطان الله في أرضه أطيعوني ما أطعت الله.. " وفي هذه الحالة مخالفة لنظام الشورى.. ولا ندري اية شورى يقصدون..؟ حتى بقيت السلطة بيد رئيس الدولة دون مشاركة الرأي العام فيها.. وهكذا حالت دون ضبط نظم الحكم في الاسلام بتعبير دقيق.. ولا زالت مطبقة الى اليوم وهذا عامل مهم من عوامل تخلف الامة وتقهقرها.. حتى اصبحت الحقائق توحي بأن اصحاب اللا ديانات افضل منهم بألف مرة في التحقيق.. كما في اليابان والصين..

لقد بقي ذلك المجسد الباطل متمثلاً في موضوع النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم.. ليتلقفه فقهاء المذاهب المنحازة ليطبقوه في نظريتي الشيعة والسُنة الوهميتين والمذاهب المخترعة المتعددة وكأننا نتمي لأديان لا دين واحد منزل من السماء كما يدعون.. وأفضلية لمن يحكم، وانا أقرا القرآن فلا أجد دليلاً واحداً على المذهبية والافضلية لاحد في حكم الدولة.. وأنما الافضلية للكفاءة والاخلاص للوطن ولا غير.. "ان الله لا يحب الخائنين والمزورين والمعتدين والفاسدين وبآيات حدية لا تقبل التغيير ".. وابتكروا لنار الوقف الشيعي والوقف السُني السارقين لاموال الناس.. زيادة في الفساد والفرقة والتخريب.. والمحاكم الشرعية التي كل منها تحكم بفقه مُغاير للأخرليفرقوا بين المواطنين حتى دمروا المرأة وحقوقها وجعلوها لمن ملكت ايمانهم من اصحاب نظريات الجنس وذكورية الرجل وهم أفسق الفاسقين، وانا أقول : اذا اردت ان تعرف مدى تقدم المجتمع عليك ان تنظرالى وضع المرأة فيه.. وبدستور رصين لا يفرق بين المواطنين كما في الدول المتقدمة اليوم.

وملخص القول ان لا دستور كتب ولا قوانين وضعت، لا البارحة ولا اليوم.. ولا قواعد لتولي الخلافة نفذت ولا قوانين خدمت المواطنين دونت.. انما جاءت كتاباتهم على ما ارادت السلطة ولا غير.. وكما نرى السلطة اليوم تنفرد في المال والمنصب بمحاصصة عنصرية دون مراعاة لحقوق الشعب، وبطائفية مقيتة لا أصل لها في الحقوق والدين حتى ثبتوها بمحاصصةحكومية دقت الأسفين.. هنا دق ناقوس الخطر في حين استغل التفسير الباطل للنص مؤيدا من فقهاء البلاط.. أليس من حقنا اليوم ان نقول ان اسلامنا اليوم هو غير اسلام محمد (ص) ويحتاج الى تصحيح وفصل الدين عن السياسة بعد ان وضعوا الفقه الاسلامي بطريقة استطرادية لا تنفع الأمة والمواطنين؟.. نعم علينا ان لا نعترف باسلامهم اليوم بالمطلق.. بعد ان ضيعوا الأصول.. تحت شعار "الاسلام صالح لكل زمان ومكان".. دون اخضاع النص للتاريخ؟ فاذا كانت هذه هي نتائج الدين التي لا تتغير.. فنحن لسنا بحاجة الى دين كما في الشعوب الاخرى التي تقدمت وهي بلا دين .

لقد تمثلت الشرعية الدينية حسب ما وردت في النص المقدس.. بالأمانة أثناء أداء العمل وتسلم المسئولية.. والشجاعة في الصدق في مطابقة الحقيقة :" ان الله هو الحق".. وتوقد الذهن والفطنة لمن يُختار للمهمة ليستطيع محاورة المعارضين يقول الامام علي(ع) لأخيه عقيل :اسمع يا عقيل ان المسئولية أمانة وانت لست بقادر عليها السيوطي في تاريخ الخلفاء ص204"هذا هو الاسلام؟.. وليس اعتماد من هب ودب من الجهلة والمارقين ان يصبح وزيرا او سفيرا او اميرا كما هو اليوم.. والموقف الصارم من قوانين العدالة والتفريق بين المواطنين يقول عمر بن الخطاب (رض): " كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احراراً "مهما كانت الظروف والاحوال.. فمن لم يكن متمكنا من هذه الشروط عليه ان يبتعد عن مسئولية الدولة.. لقوله تعالى:"يا أهل الكتاب لا تَغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق.. النساء 171". فالدولة ليست ملكا للخارجين على القانون وللمغتصبين للحقوق ولأولادهم النشاز وللمتأمرين مع الاعداء على الوطن.. وللمليشيات القاتلة للمواطنين، وللذين يدعون القُدسية بلا سند من الرابضين في القصورمن اصحاب الدولة الملائكية الباطلة كما في ابراهيم الجعفري اللعين.. وآكلي اموال الناس بالباطل كما في دولة الفساد والمحاصصية التي تزعمتها الاحزاب الاسلامية الحامية للتزوير.. وها هم اليوم ينادون بالاصلاح ومحاربة الفساد وما دروا انهم هم الفاسدون وهم يدرون ويدرون أنهم يدرون.. حتى اصبح موتهم المادي والمعنوي والاخلاقي اليوم.. اكيد..

بهذا التوجه الخاطىء الفاقد للشرعية الدينية والقانونية.. نحدد قانون العقوبات، والبيعة والحقوق، وقوانين التجنيد والجهاد، والعَلَم الرسمي للدولة، وحقوق المرأة المهدورة، والمتحف والسياحة، والبطالة العامة، والاعتراف بالمنظمات العالمية والفِرق والمذاهب.. والتعليم والتقويم والصحة والرعاية الاجتماعية التي ما عرفنا قانونا لها عند المسلمين.. والحاليين.. سوى مواد مثبتة دون تطبيق.. والا هل يعقل ان تموت الصناعة والتجارة وتسرق العملة الصعبة ويحرق الانتاج الزراعي بتقصد في بلادنا ترضية للأخرين والدولة في سبات التغليس.. فالاوطان وثرواتها لا تباع لانها مُلك المواطنين.. فهل هؤلاء يستحقون حكم وطن..؟ الا في دولة اللاقانون..؟ولكن لا عتب على من باع الوطن للأخرين..؟ فاين القسم واليمين..

.. ان من شروط من يتولى السلطة يجب ان يكون امينا في تطبيق القانون والدستور.. ملتزما القَسَم والامانة دون تحييد..؟نعم.. أسلام الفقهاء يجب ان يتغيراليوم بعد ان اصبح جزءً من الماضي.. وعلينا بتطبيق قوانين علمانية في كل الوطن العربي.. لتتماشى مع النص بصحيح فلم يعد يصلح النص الديني الحالي بتفسيره الناقص قانونا للتطبيق؟ ولكن كيف يتغير وهم الحاكمون اليوم.. لايتغير الا بالوعي والأخلاق؟ فمن اين نأتي بهما في سلطة اللاقانون.. وفي مجتمع الجهالة.. والمنهج المدرسي الخاطىء الكبير؟

مشكلتنا اليوم.. علينا ان نحرص على استيفاء الجانب الشرعي في حكم الدولة أولاً.. ثم نبدأ بالتفكيرفي شئون المجتمع على اساس من الفكر غير المقيد بنص او مذهب ديني معين.. بل بالعقل المتعطش الى المعرفة والبحث العلمي والقانوني وتجارب الأمم التي سبقتنا، فهي اصل كل كشف صحيح.. ونلغى النص الديني في هوية المواطنين (مسلم وغير مسلم) ونُحرم قانون المذهبية في التفريق (شيعي.. سُني) ليستبدل بالنص الوطني (عراقي).. ونعيد كتابة الدستور الناقص، ونلغي قانون العفو العام الحالي الحامي للخيانة وسرقة المواطنين..

على رئيس البرلمان – ناقص الخبرة القانونية - ان لا يورط نفسه في امور هو لا زال غضاً يجهلها في تطبيق الشرعية الوطنية لحداثته في معرفة اسس الحكم الصالح بعد ان ساندته المصادر النفعية الاخرى لمنصب لا زال هو غضا عليه.

اما الجيش فهو عماد الوطن وسياجه الحامي – كا ن حلهُ جريمة - فلا يجب ان تدخله مليشيات العقائد المنحازة لمذهب او دين.. لذا يجب دمج الحشد الشعبي الذي جاء بفتوى دينية منتهية الصلاحية اليوم بالجيش - دون قيادة مستقلة- وابقاء الجيش الواحد لكل العراقيين.. ونزع الرتب العسكرية من ضباط الدمج والمزورين في وطائف الدولة العليا، ومنع استعمال العقائد المؤدلجة في القوات المسلحة لتجنب الفرقة في قيادات الجيش والانتماء للوطن..

والتوجه دون أبطاء في الغاء الشهادات العلمية المزورة(10 آلاف شهادة علمية مزورة لدى المسئولين وبأعترافهم) وحصر السلاح بيد الدولة والغاء قانون العشائر المتخلف الذي جعل من شيوخهم - اصحاب ما ملكت ايمانهم – دولا ومتنفذين.. وتطعيم السفارات بالكفاءات دون المحاصصة والتفريق.. ومراقبة مناهج المدرسة الجديدة التي بنيت على المذهبية وخاصة في المدارس والمعاهد والجامعات الأهلية.. وألغاء المرتبات المضخمة دون قانون.. ومساوات المتقاعدين وخاصة اصحاب الشهادات العليا الذين يُعاملون بالمحاصصية والمذهبية اليوم بقصد وتفريق. والحمايات الفارغة والباطلة.. للذين لا يستحقون" من امثال"حميدة ام اللبن وطكطوك"، والأيفادات الباطلة للجهلة ومن هب ودب للمسئولين وهم بلا مسئولية.. لكي نُبقي الحق والقانون للجميع دون تفريق.. ونبقي العِلم والرأي الأخر هو الاساس.. ونختار الأكفأ في مناصب الدولة دون النظر الى الطبقة او المذهب او التنظيم.. وتنظيم العلاقة القانونية بين المركز والأقليم المتنمر على المركز.. فالتغيير ما جاء لرواد المنطقة الغبراء المختبئين من الجماهيركثعالب الأدغال في الغابة السوداء.. ومن ينتمي اليهم بل جاء بعد نضال الجماهير وكل المواطنين.. كل هذا يجب ان يدون في الدستور.. وبمواد ثابتة غير قابلة للتآويل..

علينا ادارة الدولة بطريقة منطقية عقلية، والخروج من المنطقة الخضراء حصن الخونة والمارقين الخائفين من الشعب.. وما علموا ان من يعيش في الخوف لا يكون حراً ويبقى جائعا على الدوام.. والمساواة في رواتب الموظفين والمتقاعدين والغاء الدرجات الخاصة الباطلة للمقربين، فالدولة ليست ملكا لخونة الثوابت الوطنية والتزوير.. وبذلك ننقل مركز الثقل السياسي والاجتماعي من الخيال والتصرف الفردي الى الواقع الحقيقي.. ومن النظري الى العملي دون تفريق .

وهكذا يكون الجزاء على قدر المواهب والجهد المبذول ومستوى ذلك الجهد من الدقة وعدمها ونصيب العلم والخبرة والأمانة في العمل.. ويكون الموظف من اصحاب العفة، لا يقبل هدايا الاخرين كما حصل لبعض المسئولين في مفاوضات الثوابت الوطنية التي باعوا فيها الكل بالبعض.. بحيث يكون للانسان العراقي – دون تمييز- له حرية التصرف والتعاقد والامان والكرامة والمروءة والقول في الحق.. حتى لا نُبقي معوز واحد في الدولة يستجدي الأخرين شرط ان تكون الحقوق.. مكفولة بنص قانوني واخلاقي في التطبيق..

اعتقد بهذه الشروط المعقولة سنكسب المعركة في النهاية.. في الوعي الخلقي للمجتمع حتى يتدرج و يصبح التفكير المجتمعي في دائرة التحسن والتقدم.. عقيدة عند الجميع..؟ هكذا تقدمت الدول.. بعد ان تم فصل سلطات الدولة وحقوق الناس.. وفصل السلطة الدينية عن سلطة السياسة.. وكسب المجتمع حرية الحركة، وحرية العمل، وحرية الرأي والقول دون رقابة الا ما يُخالف القانون..؟ ولكن اين لنا من مُغير.. نقول للسيد الكاظمي أضرب ولا تخشى الخرافيش او تسلمها للشعب ليتصرف مع الخائنين.. لكن يبدو أنه مثل السابقين.. معاذ الله ان كان مثلهم..

نحن نحترم شجاعة من يقول الحقيقة.. أو بعضها.. فعليك ان تطلب الحق وان قل..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

في حديث لإحدى وسائل الإعلام الألمانية، يقول كان دوندار Can Dündar، رئيس التحرير السابق لصحيفة "جمهوريت" التركية الواسعة الإنتشار: "بالنسبة لمنتقدي أردوغان، تعد ألمانيا واحدة من أخطر الدول في أوروبا. لكنه يتساءل: في بلد كألمانيا، كيف أن يكون ذلك ممكناً؟ وإن الجواسيس الأتراك في ألمانيا يؤمنون بسلطة أردوغان وعقيدته.. وقال، في مدينة مثل برلين، لا يمكنني التحرك بحرية وأمان، وبالتالي فأنا تحت حماية الشرطة في بعض الأحيان".. في تركيا، حُكم على كان دوندار في عام 2015 بالسجن لمدة طويلة، الاتهام: خيانة أسرار الدولة. لكنه تمكن من الهرب إلى الخارج ويعيش منذ عام 2016 في ألمانيا. لم يكن دوندار الضحية الوحيدة للجواسيس الأتراك في ألمانيا، لكنه من أبرز الضحايا. 

وفيما التجاذبات حول موضوع المعارضة التركية وقضايا اللاجئين، أيضا الخلاف حول المسائل السياسية، الإقليمية والدولية، بين الطرف الأوروبي وبشكل خاص ألمانيا، العضو الفاعل فيه، وتركيا، موضع جدل عقيم. تمكنت الدولة التركية واجهزتها الأمنية مع مرور الوقت من بناء شبكة من الجواسيس والمخبرين والقوميين في ألمانيا، يمكنهم أن يحولوا الحياة إلى جحيم، لأي شخص يتجرأ لأن يعبر عن انتقاد للرئيس أردوغان. حتى أصغر مشاركة على "الفيسبوك" يمكن أن تكون بؤرة اهتمام أحد العملاء البالغ عددهم في ألمانيا كما تشير المعلومات المتوفرة بـ 6000 عنصر، يعملون في دائرة الخدمة السرية التركية تحت مظلة "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" MIT. وتتحدث بكثافة وسائل الإعلام الألمانية مؤخراً، عن خطورة نشاط الجواسيس الأتراك وتخطيطهم لاختطاف المعارضين الذين غادروا تركيا وحصلوا في الآونة الأخيرة على اللجوء في ألمانيا والبالغ عددهم 31 ألف. ويقول: الخبير المتخصص في شؤون المخابرات إريك شميدت ـ إينبوم  Erich Schmidt-Eenboomعن هذا العدد الهائل من المخبرين السريين في دولة واحدة مثل ألمانيا، أنه "رقم ضخم". ويضيف: من إن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) موجود في ألمانيا ونشاطه أكثر فاعلية من جهاز الخدمة السرية الأمريكية .(CIA)

تعمل المخابرات التركية إلى حد كبير دون رقابة من قبل المؤسسات الأمنية والهيئات الديمقراطية، وتقدم تقاريرها من داخل وخارج تركيا مباشرة إلى الرئيس التركي. يستخدم أردوغان معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للتجسس على المنتقدين لسياسته وملاحقتهم واعتقالهم، خاصة إذا كانوا قادمين لفترة قصيرة إلى تركيا كأتراك ألمان. ويبدو أن هناك صلة وثيقة بين جهاز MIT السري وجمعية مسجد ديتيب Ditib مع حوالي 1000 مسجد آخر في ألمانيا. وكان 19 إماماً يعملون بالفعل في مسجد "ديتيب" يتجسسون بشكل منظم لأنقرة، وهو ما اعترفت به الحكومة التركية في عام 2017 وخلق ضجة سياسية وإعلامية. غادر على أثرها الأئمة ألمانيا بعد انفضاح عملهم، وتم إيقاف جميع التحقيقات بهذا الشأن.

يستغل الرئيس التركي أردوغان أزمة "الجائحة" واستراحة البرلمان بسببها، لتكثيف الإجراءات ضد المعارضين وتشديد الضغوط عليهم في الشوارع. وتشير التقارير الأمنية والإعلامية، إلى تعرض منتقديه أيضا، إلى مراقبة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT عند دخولهم فرع بنك تركي أو وكالة سفر.. يقول خبير المخابرات إريك شميدت: "يتنصل الجواسيس المقنَّعون كموظفين في كثير من الأحيان من تسهيل تحويل الأموال وحركات السفر لمن يخضعون للمراقبة". ويتم تقديم تقارير إذا قام الأتراك الألمان بزيارة وطنهم تركيا. وفي أسوأ الحالات، يتم القبض عليهم بمجرد دخولهم البلاد أو لا يسمح لهم بمغادرة تركيا إلى أجل غير مسمى. كما حدث لتورجوت أوكر، الرئيس الفخري لجمعية "الجالية العلوية" الذي ينتظر العديد من المحاكمات الكيدية في تركيا منذ أكثر من عام، بسبب تهم ملفقة منها "الدعاية الإرهابية وإهانة الرئيس". غير أن الحكومة الفيدرالية لا تلتزم بواجب الحماية القانونية الكافية لهؤلاء المواطنين ومتابعة شأنهم للحيلولة دون وقوع ما يعرضهم للخطر.

المثير للاستغراب، أن العديد من الجواسيس والمخبرين ليسوا مسجلين على قائمة رواتب المخابرات التركية. في تقديسهم العميق للرئيس التركي، يشعرون بوضوح أنهم مدعوون أخلاقياً للتجسس وخيانة مواطنيهم في ألمانيا. بيد أن العديد من المهاجرين الأتراك لا يشعرون بالالتزام للدولة الألمانية ومفهوم القانون والديمقراطية. وهو أحد أسباب فشل الحكومة الألمانية في سياسة الاندماج. ومما يزيد الطين بلة، أن الحكومة الفيدرالية الألمانية لا تفي بواجبها الكافي في الحماية، وهو ما ينبغي أن تتحمله إزاء جميع مواطني هذا البلد دون تمييز. يطالب شميت- إينبوم يإلزام الدولة التركية وجهازها الاستخباري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MITإلى وقف نشاطاته بشكل واضح. طالما لم يحدث ذلك، قد لا يشعر منتقدو أردوغان في ألمانيا بالأمان وحرية التحرك. وسيستمر الضغط لملاحقة واضطهاد شخصيات المعارضة وخاصة المثقفين وأصحاب القلم واليساريين من قبل نظام أردوغان في الداخل والخارج وبوتيرة مرتفعة. كما سيستمر تعرضهم إلى الملاحقة بتهمة الارهاب عبر الإنتربول. تقول: السياسية اليسارية ورئيسة المجموعة البرلمانية الألمانية التركية من أصول تركية، سيفيم داجديلين Sevim Dagdelen، "تواصل كيفية اضطهاد المواطنين الأتراك عن طريق المزاعم الإرهابية العنيفة، غير مقبول، لأنهم ببساطة يمارسون حقوقهم الأساسية مثل حرية التعبير أو حرية التجمع التي يكفلها الدستور. إلا أن الحكومة الألمانية لا تملك استراتيجية معترف بها لنفسها حماية المواطنين بشكل فعال من تعسف نظام أردوغان".. وفي تقرير صادر عن وزارة الخارجية الألمانية، يُظهر كيف يضطهد نظام أردوغان معارضيه بلا هوادة. ويتحدث التقرير الذي كتبه مسؤولون من وزارة الخارجية الاتحادية، يتكون من 34 صفحة، يمكن تلخيصها على النحو التالي: تركيا دولة ظالمة. لا تتوانى في أية فرصة متاحة عن "إنتهاك حقوق الانسان" "إستغلال المنابر الدينية" للدفاع عن سياسة أردغان والحزب الحاكم، "تقييد الحريات الأساسية" تقنين "التطهير" و "إساءة استغلال السلطة القضائية لمصالح السلطة الشخصية" والأخطر "التدخل السياسي في عمل الجامعات". وتبين الوثيقة أيضاً، أن النظام التركي يضطهد خصومه لمجرد انتقادهم سياساته. وحدها هذه، تظهر بوضوح لماذا يأتي، أكثر من أي وقت مضى، المزيد من اللاجئين الأتراك إلى ألمانيا لطلب اللجوء السياسي. وتشير الوثيقة إلى أن 75٪ من طلبات اللجوء يتم الاعتراف بها - وهي القيمة ألا أخلاقية التي لا تحققها سوى الدول غير العادلة.

 

عصام الياسري

 

عبد السلام فاروقفى الآونة الأخيرة تعالت الصيحات التى تنذر باقتراب نهاية العالم..وجاء وباء كورونا ليرفع وتيرة تلك الصيحات.. والناس فى قلق وخوف وترقب وتساؤل: ما الذى قد يحدث غداً؟ ولا جواب يشفى قلقاً حول غَيبٍ حُجِبَ عن الكافَّة.

إن هذا الرعب والفزع لدى الناس له مبررات: كمتوالية الحروب والكوارث خلال السنوات الأخيرة الماضية، ومتوالية الظواهر الكونية الغريبة. ومتوالية الموت الذى استحرَّ فى الناس بالدانات والقنابل والفيضانات والسيول والحرائق والزلازل، ثم بالوباء. وكل هذا حدث فى التاريخ مثله وأكثر. وكان التفسير مماثلاً: أننا فى انتظار النهاية. فما الجديد؟ إن كل إنسان فى انتظار نهاية محتومة ومكتوبة منذ الميلاد. وقد اختصر الشاعر القديم المسألة كلها فى بيت شعر: (مَن لم يمت بالسيف مات بغيرهِ.. تعددت الأسبابُ والموتُ واحد). والوباء أثبت أنه لا يُعجِّل من نهاية أحد ولا نهاية العالَم.. هناك قصة المريض الفرنسي التسعينى الذى أصيب بالوباء هو وزوجته، ثم خرجا معاً بعد ثلاثة أيام وقد عوفىَ كلاهما. ومريض مصرى دخل المستشفى للعلاج من كورونا فمات بالسكتة. وفى كل مائة مصاب يموت ثلاثة ويعيش الباقون. وهناك 15 دولة لم يدخلها الوباء، وآلاف القرى والمدن والجزر لم يعرف الوباء لها طريقاً.

إن الوباء أسهم، رغم كل ما أهلكه من رئات، فى خلق رئة جديدة للكون، ودفع الناس لاكتشاف عالم جديد يعمه الهدوء والنظافة والاتساع والرحابة. وهو ما قد يجبر الدول المتقدمة المتنصلة من دورها البيئى على أخذ قضايا البيئة مأخذ الجد.

عودة الضمير

يعتبر البعض أن كتاب (الربيع الصامت) لمؤلفته "راتشيل كارسون" والصادر عام 1962 وترجمه للعربية الدكتور أحمد مستجير، هو البداية الحقيقية لخلق الوعى العالمى بقضية البيئة؛ فمنذ صدور ذلك الكتاب بدأت جهود العلماء والمثقفين تؤتى ثمارها بالتفات الساسة وقادة الفكر لهذه القضية واعتبارها من القضايا العالمية المحورية. هكذا انعقد المؤتمر العالمى الأول للبيئة فى ستوكهولم عام 1972، واستمر انعقاد نسخ أخرى من هذا المؤتمر كل عدة سنوات مع استمرار المشكلة البيئية وتفاقمها ! ما يجعل تلك المؤتمرات تبدو بلا جدوى. نشأ من خلال تنامى الحراك البيئي العالمى ما يُدعَى "بالضمير البيئى"، أى الاستشعار المشترك لتلك القضية الخطيرة لدى القادة والحكام. وهو ما كان سبباً مباشراً فى ظهور منظمات حكومية ومستقلة تدعو للالتفات إلى قضايا قد تحدد مصير البشرية لأهميتها القصوى وخطورتها: كقضية التغير المناخى، وتأثير التجارب العسكرية والإشعاع النووى، والاحترار الكونى تأثراً بالاتساع المضطرد لثقب الأوزون، وموجات تسونامى المهلكة تزامناً مع الانهيارات الثلجية فى القطبين.

قضايا أخرى بدأت فى التوالى والتتابع، دون وجود حلول آنية، فالعقلية الأنانية ما تزال هى المسيطرة والمتغلبة على الضمير العلمى والبحثى المتألم والمنذر بكوارث ما نزال نطالع أخبارها من حين لآخر! فأين يكمن الخلل؟ ولماذا لا تسهم المؤتمرات العالمية المتكررة واللقاءات المتعددة لقادة العالم المتقدم فى تحجيم المشكلة ؟ وما السبب فى أنهم غير قادرين على التوصل إلى حلول قطعية ناجعة ؟ هناك سر !

إن مدى اتساع الفجوة الحضارية والأيديولوجية محكوم بسرعة تصرف الدول الصناعية الكبري التى تسببت فى تعاظم المشكلة البيئية وبروزها بالأساس؛ بفضل رعونتها فى التعدى على النظام البيئي المتوازن  بعوادم المصانع والمخلفات النووية والصيد الجائر للحيوانات والقطع الجائر للغابات وتفتيت الجبال الرواسي بحثاً عن المعادن الثمينة والثروات. هناك عشرات القضايا البيئية التى اختفى ذكرها فى زحام كوارث بيئية لها صدى عالمى أكبر، رغم أنها قضايا شديدة الأهمية والتأثير على صحة الإنسان العضوية والنفسية، مثل قضية تلوث المياه بالمخلفات الآدمية والصناعية، والضوضاء، والتصحر، والنباتات المعالجة وراثياً، والمبيدات الكيماوية المسرطنة، والملوثات الكيماوية التى يتعرض لها عمال المصانع. كلها قضايا مجتمعية مزمنة شديدة الأهمية يختفى ذكرها أمام كوارث البيئة أو جرائم الإنسانية ضد الطبيعة.رغم أن فاتورة العلاج البيئى مكلفة، إذ تبلغ تكلفة معالجة تلوث الهواء وحده ما يزيد عن 200 مليار دولار!

ومقابل تلك الحرب التى يشنها الإنسان على الكوكب، تعلن الطبيعة ثورتها وغضبتها فى شكل متوالية من الكوارث. هذا ما بَدا خلال العقدين الأخيرين.. ففى عام 2004 حدث زلزال تسونامى سومطرة الذى قتل أكثر من 283 ألف شخص، وزلزال جاوة فى 2006 الذى دمّر نحو 135 ألف منزل وقتل ما يزيد عن 5500 إنساناً! ناهيك عن الأعاصير والفيضانات والسيول التى لا يختفى ذكرها من أشرطة الأخبار فى الفضائيات.

لقد سجلت أمريكا نحو 40 كارثة طبيعية مدمرة فى الفترة من 1974 حتى عام 1980تضرر من جَرّائها أكثر من نصف مليون نسمة. هذه الأرقام تضاعفت خلال العقد الأخير بينما أمريكا نفسها تنسحب من اتفاقاتها العسكرية والبيئية. فالإشكالية الأكبر أن الغرب يشهد صعوداً لليمين المتطرف، وظهوراً لزعامات لا تعبأ بقضايا البيئة ومستقبل الإنسانية. وهنا مكمن الخوف.

يذكر علماء الإيكولوجى أن طائفة من علماء القرن التاسع عشر أطلقوا صيحة جديدة فى علوم الاجتماع تُدعَى "الحتمية الجغرافية"، ومعناها التسليم بأن الأوضاع المناخية والجيولوجية تفرض على الناس نمطاً محدداً من الحياة الاقتصادية والسلوكيات وأسلوب الحياة. تلك الحتمية اختفت اليوم من الكتابات الإيكولوجية بعد أن أثبتت الدراسات الأكثر عمقاً أن العامل الجغرافى هو مجرد رقم بين عوامل أخرى شتى تحكم نمط الحياة البشرية فى مكان ما؛ عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية كثيرة. أى لا حتمية هناك، بل تغير وتطور وتباين.

وفى كتابات "كارل ماركس" كلام عما يُدعَى "الحتمية الاقتصادية" تبريراً للماركسية وتمريراً للمبادئ الشيوعية فى إدارة النظم الاقتصادية والسياسية. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وأفول الشيوعية ماتت الحتمية الاقتصادية المدّعاة. وباتت المرونة الاقتصادية هى السائدة.

والأحداث المعاصرة ذات الطابع الغرائبي المخالف لما عهدناه فى الكلاسيكيات التاريخية تشهد على موت "الحتمية التاريخية": أن التاريخ يكرر نفسه فى حلقات متماثلة متشابكة. وهو الادعاء الذى أثبت الحاضر خطأه، وأن هناك تاريخ جديد تتم كتابته اليوم على أسس مختلفة.

غير أن هناك حقيقة واحدة نعرفها ونوقن بها، هى حقيقة التوازن الطبيعي للكون. وأن هناك سنن كونية فوقية لإحداث مثل هذا الاتزان. حتى أن نظرية "الاحترار الكونى" القائمة على أن ثقب الأوزون المتسع يتسبب فى ارتفاع درجات حرارة الأرض تواجه اليوم نظرية مضادة يتزعم مزاعمها "إيان بليمر" فى كتابه"العلم المفقود" حيث يدعى أن ثلاثين عاماً من الارتفاع البطئ فى درجات الحرارة تم محوها فى بضع سنوات من الانخفاض السريع لها. والدليل ما حدث فى عام 2008- أكبر موجة باردة واجهت الأرض منذ عدة عقود، حيث سجلت مؤشرات الأرصاد الأمريكية فى مينيسوتا وبنسلفانيا رقماً قياسياً جديداً فى درجات الحرارة بلغ (-40 درجة مئوية) ! وفى اسكتلندا وانجلترا  أغلقت العواصف الثلجية الطرقات والمدارس،  وتسببت تلك العواصف فى موت 60 شخصاً فى الصين، كما دمرت نحو نصف محصول الأرز فى فيتنام. كانت أطول موجة باردة مرت على العالم، وتكررت هذه الموجة فى 2012، فهل تمثل موجات الابتراد المتتالية نوعاً من التوازن الكونى فى مواجهة الاحترار الذى تسبب فيه الإنسان؟!

إن الادعاءات القائلة بتناقص سلة الطعام وندرة المياه وتقلص الموارد أمام تضاعف سكان العالم، تواجهها مُكتشفات حديثة لعوالم جديدة فوق الأرض فى ثنايا الجبال والكهوف، وتحت الأرض مثل تلك القارة التى أشار إليها العالم الطبيعى "وليم ويب" الذى اكتشف الغابة المطرية (كانوبي) عام 1917. وجاءت الاكتشافات الحديثة لعالم الأعماق لتؤكد وجود هذه القارة على مسافة 1000 متر من سطح المحيط! فأمام غياب الحتميات يأتى التوازن كحقيقة حتمية وحيدة ومؤكدة.

 

عبد السلام فاروق

 

 

 

مرة أخرى، يسبب كتاب: الإفشاء "الغرفة التي حدث فيها: مذكرات البيت الأبيض" لجون روبرت بولتون، مستشار الأمن القومي السابق للولايات المتحدة ضجة كبيرة في واشنطن، إذ يصف دونالد ترامب، الذي كان يعمل معه في غرفة عمله لمدة عام ونصف تقريبا، حيث "يحدث ما يحدث" بأنه غير مطمئن ومرتبك. إحدى المحاكم رفضت أمرا زجريا من قبل حكومة الولايات المتحدة. إذ رفض قاضي المقاطعة الأمريكية قبل أيام محاولة الحكومة وقف إطلاق كتاب مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون. في هذا العام الانتخابي المهم للغاية، شكل انتكاسة كبيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبررت القاضية رويس لامبرث القرار قائلة: إن الحكومة لا يمكنها أن تثبت أن مثل هذا الأمر يمكن أن يمنع "أضرار لا يمكن إصلاحها". كما أنه من العبث تأخير النشر الآن، بعد كل شيء.

من هو بولتون؟ محامي أمريكي، ومعلق سياسي ودبلوماسي سابق، شغل منصب سفير الولايات المتحدة الخامس والعشرين لدى الأمم المتحدة من 2005 إلى 2006، ومستشار الأمن القومي السابع والعشرين للولايات المتحدة من 2018 إلى 2019. كان جون بولتون أحد أهم المسؤولين الحكوميين في الولايات المتحدة. وقد عمل سابقاً في عهد الرئيس رونالد ريغان وجورج بوش وابنه جورج دبليو بوش. يعتبر بولتون متشدداً وصقراً. دعا إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه دول مثل كوريا الشمالية وروسيا وسوريا مما اتخذه ترامب في بعض الأحيان سنداً قوياً. على الأقل في أعقاب الصراع مع إيران، اكتسب سمعة بأنه "همسة حرب ترامب". في يونيو من العام الماضي، بعد إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار، تخلى الرئيس عن الضربات العسكرية التي طالب بها بولتون ضد طهران، ووصفها بأنها "أكثر القرارات" غير العقلانية التي اتخذها الرئيس على الإطلاق.

في كتابه الجديد The Room Where It Happened: A White House Memoir، الذي تم توفيره مسبقاً للعديد من وسائل الإعلام الأمريكية، أدلى بولتون بمزاعم خطيرة ضد الرئيس الأمريكي. يتعلق المقطع الأكثر إشكالية لترامب بكيفية تعامل الولايات المتحدة مع الصين. وفقا لبولتون، طلب ترامب من الرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة مجموعة السبع في اليابان في يونيو من العام الماضي دعمه في إعادة انتخابه. يمكن للصين مساعدة المزارعين الأمريكيين، على سبيل المثال، الذين لعبوا دوراً مهماً في نتائج الانتخابات في نوفمبر، عن طريق شراء فول الصويا والقمح. من ناحية أخرى، أشار ترامب إلى شيء للموافقة على بناء معسكرات للأويغور الذين تحتجز الصين مليوناً منهم، وتم انتقادها رسمياً على المستوى الدولي. كتب بولتون: "من الصعب حقاً تحديد أي قرار هام لترامب خلال فترة وجودي في البيت الأبيض لم تكن مدفوعة باعتبارات تتعلق بإعادة انتخابه".

الصورة التي يواصل بولتون رسمها لترامب مدمرة، لكنها وان كانت أشد نفاقاً، بالكاد تشكل خطورة على الرئيس الحالي ـ كتب: يبدو أن المعرفة الجيوسياسية لترامب محدودة. مرة سأل، على سبيل المثال، ما إذا كانت فنلندا جزءاً من روسيا، وما إذا كان غير مدرك لوضع بريطانيا كقوة نووية. أو رأيه من إن فنزويلا هي في الواقع جزء من الولايات المتحدة، ولهذا السبب فإن الغزو "رائع". بالإضافة إلى إشارته كيف أصر ترامب على تقديم هدايا للحاكم الكوري الشمالي كيم جونغ أون - بما في ذلك قرص مضغوط موقّع لأغنية إلتون جون "روكيت مان".. في تغريدة له، وصف دونالد ترامب الكتاب بأنه "مجموعة من الأكاذيب والقصص الملفقة". وأن العديد من التصريحات الموضوعة هي "خيال محض" وبولتون "كاذب" يهدف إلى جعله يبدو سيئاً.   إن الكشف كما قال بولتون سيؤدي إلى أزمة حكومية خطيرة في العديد من البلدان التي تديرها الديمقراطية. ومع ذلك، من غير المرجح أن يكون ترامب الآن في وضع صعب. من وجهة نظر ألمانية، وهي دولة انتهت فيها الوظائف السياسية بسبب الشعارات ذات النطاق الضيّق. لكن النظام السياسي في الولايات المتحدة، الذي يشجع عمليا تقسيم السكان، وهذا بالكاد يمكن فهمه. هو أرض مثالية لرئيس يخطط لإدارة بلاده على غرار المستبد، ويضع مشاعره الشخصية فوق مشاعر شعبه. على أية حال، وبسبب "الكشف"، بالتأكيد لن يكون الرئيس الأمريكي في حالة استياء من ناخبيه الأساسيين.

خلال فترة ولايته، ظهرت العديد من الأعمال المثيرة من قبل المطلعين أو الصحفيين، في ظل الظروف الفوضوية في البيت الأبيض - والتي بقيت جميعها بعد موجة قصيرة من السخط دون عواقب للرئيس. حتى من إجراءات العزل التي تم فيها تأكيد الادعاءات عملياً، والتي يمكن العثور عليها أيضاً في كتاب بولتون، نجا ترامب، لأنه متأكد من دعم أتباعه. ومن المرجح أن يهدأ رد الفعل المنعكس الذي تجاوزه ترامب على طول الخط بالفعل مرة أخرى. لكن، ستظل تصريحات بولتون تؤثر على الحملة الانتخابية؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن جو بايدن، المرشح الديمقراطي للرئاسة في طليعة الناخبين.. إنما في حال فوز المرشح الذي حصل على أصوات أقل من منافسه، فإن النظام الانتخابي الأمريكي، غير معني للاعتراف، وإن كان لا بد، فكان يجب أن يكشف ذلك منذ عام 2016 على أقصى تقدير.  

 

عصام الياسري

 

ابراهيم أبراشأنا عربي وأفتخر بعروبتي

الأمة العربية، العالم العربي، الوحدة العربية، حركة التحرر العربية، القوى التقدمية العربية، الحركة القومية العربية، المشروع القومي العربي، التضامن العربي، النهضة العربية، المصير العربي المشترك، الأمن القومي العربي، القيادة العربية المشتركة، الفكر القومي العربي، الجماهير العربية، العدو الصهيوني، الامبريالية الأمريكية عدو للأمة العربية، الحرية والاستقلال ورفض التبعية....

هذه بعض المصطلحات التي كانت طوال عقود تلهِب مشاعر الجماهير العربية وتتبوأ مكان الصدارة في العقل والخطاب السياسي العربي، وتتواتر في خطابات القادة العرب وتمنح شرعية لكثير منهم، كما تتضمنها مناهج التعليم ويتم التعبير عنها بكل صنوف الثقافة والآداب من أناشيد وأغاني ومسرح وشعر ورواية، وفي ظلها كان يجتمع الملوك والرؤساء وتُعقد المؤتمرات والندوات وتصدر حولها مئات وآلاف الكتب والمجلات وحولها تُكتب الرسائل الجامعية الخ، كلها تلاشت وغابت تدريجياً عن الخطاب السياسي العربي الرسمي والحزبي والشعبي وحتى عن مناهج التعليم حيث تتخرج أجيال لا يعرفون شيئاً عن هذه المصطلحات وما تعبر عنه وتُحيل إليه، كما غاب المفكرون والمثقفون القوميون كما الأحزاب القومية، إلا القليل ممن يؤمنون بهذه المصطلحات وما توحي بها من آمال وطموحات لأمة عربية تمتد من المحيط إلى الخليج والأدهى من ذلك وجدنا من ينعى العرب والعروبة ويتبرأ منهما ويُنظِّر للطائفية والمذهبية والإسلاموية المتطرفة.

في زمن الآمال القومية والإحساس بوحدة الانتماء والحال والمصير كان المواطنون العرب يتابعون ما يجري في بقية الدول العربية وكأنها تجري في بلادهم فيفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم، أما اليوم فالعرب أصبحوا أعداء بعضهم البعض، ومنهم من يستعين بغير العربي لمقاتلة جاره العربي، بل تشذر وتشظى المجتمع الوطني حتى أصبح السوري يقاتل السوري والعراقي يقاتل العراقي واليمني يقاتل اليمني والليبي يقاتل الليبي والفلسطيني يعادي الفلسطيني الخ، كما أصبح اهتمام كل شخص يقتصر على ما يخص أبناء مذهبه أو طائفته بل وأحياناً عشيرته وعائلته، وأصبح الولاء للطائفة والمذهب والجماعة العرقية ولجماعات الإسلاموية السياسية أقوى من الولاء للأمة وللدولة الوطنية .

كان كل من يحارب الاستعمار وإسرائيل أو يعلن عن مواقف معادية لهما يسمو في نظر جماهير بلاده كما يعتبر بطلاً قومياً عربياً تُرفع صوره في المسيرات والمظاهرات وتُعلق على جدران البيوت وتسمى الشوارع باسمه، أما اليوم فلم يعد العرب وإسرائيل أعداء للعرب من وجهة نظر غالبية الأنظمة العربية وأصبح الخطاب تجاههما مسالم ويروم كسب ودهما كما نشهد تغيير أسماء شوارع تحمل أسماء قادة عرب تاريخيين أو وقائع وأحداث قومية عربية ليحل محلها أسماء لرموز طائفية ومذهبية وعرقية ومحاولات لتشويه الزعماء القوميين ونعتهم بأسوأ الصفات كالدكتاتورية والفساد بل والعمالة أحياناً.

كان المثقف والكاتب في أي بلد عربي يكتب عما يجري في أية دولة عربية دون أية حساسية أو إحراج أما اليوم فأصبح من المحظور أن يكتب أو يتحدث كاتب أو مثقف عربي عن بلد عربي آخر وإن كتب فبحذر وإلا اعتُبر ذلك تدخلاً في الشؤون الداخلية ومؤامرة خارجية.

في زمن المد القومي العربي والآمال العربية وقبل أن يفعل الزمن في العرب مفاعيله المدَمِرة كان العرب يأملون بالوحدة الشاملة ويرفضون التبعية وإن تواضعوا دعوا لوحدة متدرجة تبدأ بخمس تجمعات وحدوية: اتحاد المغرب العربي واتحاد المشرق العربي واتحاد دول حوض النيل واتحاد دول الخليج العربي، ويضعون شروطاً للتعامل مع أمريكا والغرب، أما في زمن الردة والانهيار والذي تسارع مع فوضى ما يُسمى الربيع العربي فقد تبيَّن كم كانت الطموحات كبيرة وأدوات وفرص تحقيقها محدودة، فلم تفشل فقط كل مشاريع الوحدة الشاملة وحتى الجزئية، بل أصبحنا نسمع من يشكك بوجود أمة عربية ومشروع قومي عربي وكل المفاهيم والمصطلحات المُشار إليها أعلاه، حتى الدولة الوطنية والتي كان القوميون يسمونها (القُطرية) آخذة بالتفكك وتمزقها الطائفية والمذهبية والإثنية، أما شعار وطموح الحرية والاستقلال ورفض التبعية فأصبح مثار سخرية حيث أنظمة عربية هي التي تناشد وتطلب من الغرب أن يقيم فيها قواعده العسكرية ويوقع معها اتفاقات أمنية وتستجدي شركاته وتفتح لها أراضيها لتمرح وتسرح كما تشاء دون اعتبار لا للأمن القومي العربي ولا للأمن الوطني ولا لحماية الاقتصاد الوطني ومصير بلدانهم، أما إسرائيل العدو المصيري والوجودي للعرب فبات كثير من الأنظمة والجماعات تسارع الخطى نحو التطبيع معها وكسب ودها .

في زمن ما قبل الردة وانهيار الآمال والتطلعات القومية كانت دول الجوار تحترم العرب أو تخشى الاعتداء عليهم أما اليوم فقد تطاولت عليهم وتتدخل في شؤونهم الداخلية بل وتحتل أراضيهم وتهدد أمنهم، ولم يعد الأمر مقتصراً على إسرائيل بل يشمل إيران وتركيا وأثيوبيا، هذا بالإضافة إلى الهيمنة الغربية بحيث لم تعد هناك دولة إلا وبها قاعدة عسكرية أمريكية أو روسية أو فرنسية أو بريطانية.         

نعلم الخلل الداخلي عند القوميين وأصحاب المشروع القومي من قادة وأحزاب ومثقفين وقد كتبنا وكتب كثيرون عن الموضوع، ونعلم ونلمس أن بعض العرب تآمروا على بعضهم البعض وعلى شعوبهم بقدر تآمر الآخرين عليهم، ولكن يجب ألا ننسى أو نتجاهل الدور الخارجي وخصوصاً الأمريكي والغربي في إفشال كل التجارب الوحدوية العربية والتآمر على الزعماء والقادة القوميين وغيرهم ممن أرادو بناء دولهم بعيداً عن الوصاية الغربية، كجمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات والملك فيصل وصدام حسين ومعمر القذافي وهواري بومدين وياسر عرفات وحافظ الأسد.

بالرغم من كل أخطاء زعماء وأحزاب مرحلة المد القومي والوطني، وهي كثيرة ولا شك، إلا أن الحل لا يكمن في التخلي عن حلم وأمل الوحدة العربية والمشروع القومي حتى في حدودهما الدنيا، بل يجب النضال للعودة لهما ولكن بعقلية جديدة ونهج جديد يحررهما مما علق بهما من أخطاء في التنظير وفي الممارسة، وإن كان يحق للكرد والأمازيغ مثلا أن يستنهضوا هويتهم وثقافتهم القومية ويعتزون بها، وهذا حق لهم ولا شك، فالأولى أن يستنهض العرب هويتهم وثقافتهم ويفتخرون بها ويسعون للوحدة وهم الغالبية العظمى من سكان المنطقة وتتوفر فيهم كل شروط ومستلزمات القومية من لغة وعادات وتقاليد وتاريخ مشترك.

لسنا بحالمين وخياليين وغير واقعيين إن تحدثنا عن العرب والعروبة والمشروع القومي العربي حتى وإن بدى هذا الحديث نشازاً في ظل تفشى العداء للعرب والعروبة وانتشار النزعات الطائفية والمذهبية وحالة الحرب المعممة في المنطقة، وعلى المثقفين والكُتاب العرب الذين يسخفون الأمة العربية والعروبة وحلم الوحدة العربية أن يسألوا أنفسهم، من هم وماذا سيكونون إن تخلوا عن هويتهم العربية؟ وهل يقبلون أن يكون حال العرب كحال جماعات الغجر أو (البدون) أو كما يصفهم البعض جماعات بدوية غازية؟. وإن كانت العروبة والمشروع القومي العربي أكذوبة ووهم فهل تحققت في المنطقة بدائل أفضل كهويات وثقافات وكيانات سياسية وطنية أو إسلامية؟ ولماذا تحن غالبية الشعوب العربية وحتى من أصحاب القوميات الأخرى لزمن ما قبل فوضى ما يسمى الربيع العربي ولزمن القادة القوميين والوطنيين بالرغم مما كان به من سلبيات؟ وهل أثبت الحاضر بأن مَن كان الخطاب القومي التحرري يصنفهم كأعداء للأمة العربية، كإسرائيل والولايات المتحدة ودول الغرب ودول الجوار، أنهم اليوم حلفاء وأصدقاء صادقين؟.  

وأخيراً أقول أنا عربي وأفتخر بعروبتي، وأن أكون فلسطينيا أو عراقيا أو مصريا أو يمنيا أو مغربيا الخ لا يتعارض مع الانتماء للأمة العربية، ويجب الحذر من توظيف أخطاء زعماء وقادة مرحلة المد القومي العربي لتسخيف وتدمير الهوية القومية العربية وحلم الوحدة العربية بل أيضاً لتدمير الدولة الوطنية وإفساح المجال للشعوبية والطائفية والمذهبية والجماعات الإسلاموية وللدول الأجنبية بما فيها دول الجوار وعلى رأسها إسرائيل لتتحكم بشعوب ومقدرات الأمة العربية.

 

إبراهيم أبراش

 

في أحدى مقالاتي السابقة والتي كانت بعنوان الاستبداد الصغير، أشرت الى ظاهرة ثقافية تسود في مجتمعنا وهي الاهتمام بالظواهر بصيغتها النهائية الكبيرة دون الاهتمام بالمقدمات الصغيرة والتراكمات التاريخية التي تجمعت وانتجت تلك الظاهرة.

اليوم اردت ان اتناول ظاهرة النهب والسطو على اموال الآخرين سواء أكانوا افراداً او دولة . الفساد المستشري يدمر كيان الدولة بشكل منهجي ومستمر والكل يشكو ويتذمر من ذلك الفساد.

الفساد لم يعد محصوراً باحزاب او قادة سياسيين او قبليين ، بل يشترك فيه افراد من كل القطاعات ومن كل المستويات . موظفون في المؤسسات الصحية وفي البلديات ودوائر الطابو والبنوك والشرطة والجيش والاحوال المدنية والمرور والنفط والصناعة والزراعة الخ... لايكاد يوجد قطاع نظيف للأسف .

وهذا ما يتحدث عنه الإعلام وبعض السياسيين في لقاءات تلفزيونية وتصريحات وبالتالي لايحتاج الى اثباتات قد يطالبني بها البعض وبشكل مضحك.

السؤال هو: لماذا تتفشى هذه الظاهرة دون رادع ديني او اخلاقي او قانوني؟

سوف نعود الى التاريخ الحديث ونبدأ بما يعرف بفرهود اليهود الذي وقع في شهر حزيران من عام 1941 بعد الفوضى والتوتر الذي ساد بعد فشل حركة رشيد عالي الكيلاني .

وبموجب ماتوصلت اليه اللجنة التحقيقية الحكومية التي شكلت لهذا الغرض فأن معظم مرتكبي حوادث الاعتداء والقتل والنهب والسلب كانوا من الجنود وقد شاركهم لاحقاً وغض النظر عن فعلتهم افراد من الشرطة والانضباط العسكري اضافة الى بعض الاهالي والاعراب الذي شاركوهم ذلك نتيجة التشجيع والانفلات.

الغريب ان بعض الجيران والمعارف شاركوا في تلك الاعمال مع ان البعض تطوع لحماية عدد من العوائل اليهودية .

كانت عائلة جدي تسكن في منطقة ابو سيفين وكانوا شهودا على الاحداث ووفروا الحماية لعدد من اليهود .

المؤلم انه لا الطبقة السياسية شعرت بخطر هذه الاعمال التي شجعت اليهود على الهجرة لاسرائيل مع انهم عراقيون ولا الناس ارتدعوا بقيم الدين او الاخلاق او حقوق الانسان !!

بل ان عددا من الاغاني ظهرت تمجد ايام الفرهود وتتمنى عودته مثل اغنية: 

(حلو الفرهود كون يصير يومية...) !!

ويذكر الدكتور سندرسن باشا طبيب العائلة المالكة في وقت الفرهود في مذكراته ، انه كان خارج بغداد وعند عودته الى بيته بالسيارة وقبل الوصول الى البيت لاحظ ان العشرات من الغوغاء يدخلون ويخرجون الى بيته وهم يحملون كل مقتنياته من أثاث وسجاد وملابس. ويذكر انه حزن بشكل خاص لانه شاهد مجموعة منهم يحملون ثلاجته التي تعمل بالنفط على رؤوسهم كما تحمل الجنازة. ويقول انهم سوف لن يستطيعوا تشغيلها ولذلك سوف تستخدم كدولاب فقط.

وحينها أمر سندرسن السائق بالابتعاد عن البيت خوفاً على حياته.

عملية النهب الثانية حصلت عند سقوط الحكم الملكي بانقلاب عام 1958 ، حيث هاجم الناس قصر الرحاب المتواضع الذي هو القصر الملكي ونهبوا كل مااستطاعوا .. بل ان جاراً لنا ( وكان يعمل مصوراً) كان يتباهى بانه انتزع قطعة من المرمر الاخضر من احد جدران القصر لانه وصل متأخراً ولم يحصل على شيء سوى هذه القطعة من المرمر. واستطعت بصعوبة القاء نظرة عليها حيث كنت طفلاً صغيراً ، وكانت بحجم كف اليد وكانت عائلته تتباهى بهذه الغنيمة وقائلين انها حجر ثمين وتحفظوا عليها بشدة !!

توقفت عمليات النهب لغاية نهاية السبعينيات عندما صدرت قرارات بترحيل العوائل ممن كان يعرف بالتبعية الايرانية . كانت اجهزة الامن تداهم المنازل وتخرج ساكنيها دون السماح لهم باصطحاب شيء من امتعتهم .

الذي يحز في النفس ان بعض الجيران أخذوا يسطون على المنازل الفارغة وينهبون مافيها قبل ان تأتي اجهزة الامن لتبيع الموجودات بالمزاد . كان معظم الجيران يتسابقون ويتنافسون لشراء الاشياء ويتحدثون عن ذلك باعتزاز باعتباره مكسباً.

لماذا لم يقاطعوا ذلك المزاد ؟ لماذا لم يستنكفوا عن المشاركة في ذلك العمل المخزي؟

الا توجد اعتبارات للجيرة والعشرة؟ هل كان النظام يجبرهم على حضور المزاد؟

بعد هذه المهزلة وقعت حرب ايران وبدأ مسلسل نهب المدن الايرانية كقصر شيرين والمحمرة وغيرها . وكذلك نهب السفن المحملة بالبضائع والغارقة في شط العرب من قبل بعض الضباط.

انتهت حرب ايران وجاء احتلال الكويت وهنا بدأت اضخم عملية نهب رسمي وشعبي حيث كان العديد من الناس يتحدثون عن مكاسبهم من الذهاب الى الكويت والاسعار البخسة للاشياء التي حصلوا عليها. مع انها اموال حرام ومغصوبة.

جاء الحصار وساء الوضع المعيشي وبدأت الرشوة والفساد تظهر بالتدريج ووصلت الى الاجهزة الامنية الحساسة حيث كانوا يصدرون جوازات سفر للاشخاص الممنوعين من السفر مقابل مليوني دينار. السرقات من الدوائر والشركات كانت شائعة.

المضحك اننا في وزارة التخطيط كنا نعاني من سرقات منتسبي شرطة النجدة الذي كان مركز اتصالاتهم في اعلى بناية وزارة التخطيط وكانوا يستخدمون نفس المصاعد التي نستخدمها حيث كانوا يمشطون مكاتبنا بعد نهاية الدوام ويأخذون حتى الاقلام والقرطاسية وادوات صنع الشاي ولم يكن الوزير يستطيع عمل شيء لمنعهم .

ذلك يذكرني بما حصل في المانيا بعد الحرب العالمية الاولى وانهيار العملة وسيادة الفقر حيث كان الموظف يقضي معظم وقته بالتفكير في مايمكن له سرقته من الدائرة لكي يبيعه مساءً في سوق تسمى حرفياً (سوق الحرامية)..

جاء الاحتلال الامريكي عام 2003 وحصلت اكبر عملية نهب للمؤسسات العامة وحتى الخاصة والبنوك والشركات ..وهذه كانت تحظى بتغطية اعلامية مناسبة ربما لتعميق الانكسار النفسي لدى الشعب العراقي عندما يرى سلوك ابناء جلدته المشين.

بعد ذلك حصل نوع من المأسسة لعمليات النهب وجرى توزيع الغنائم والاسلاب بين المنتصرين على الشعب العراقي !!! لقد تصرفوا بعقلية الغزاة في القرون الوسطى وقبائل ماقبل التاريخ ..انتصروا على الشعب العراقي وهزموه والآن لهم الحق بتقاسم ثروته..الذي يبعث على الاسى ان قطاعات واسعة من المجتمع اصبحت جزءً من عملية السلب والنهب بدل الوقوف بوجه الغزاة الغرباء وكما بينت ذلك في بداية المقالة .

الخلاصة : يبدو ان عقلية الغزو والنهب البدوية المتخلفة لازالت متغلغلة في الثقافة وفي اللاوعي لدى قطاع من المجتمع ..من يقرأ عن تاريخ القبائل في جزيرة العرب وكيف كانت تغير على بعضها البعض وتسلب وتغتصب النساء وتأخذهم سبايا يشعر بخجل وألم حقيقي.

ختاماً اود ان اقول بأن البعض قد يرى ذلك نشراً لغسيل قذر ومحرج، وأقول لهؤلاء السادة يجب كشف الحقائق المؤلمة وادانتها لان ذلك اول خطوة على طريق العلاج.

كما أن الحديث عن الفساد لايعني ان المجتمع العراقي برمته كان مشتركاً او مباركاً لها .

العراق فيه الى جانب اللصوص اناس من انبل ماخلق الله واطيب ماخلق الله ولكن وجود عشرة بالمئة من الفاسدين يكفي لتشويه صورة المجتمع وتدمير القيم والمعايير.

منظمات المافيا نسبتها متواضعة في المجتمع لكنها تتحكم في كل شيء في بعض الدول او المدن. تتحكم في الاقتصاد والسياسة والقانون .

 

د. صلاح حزام

 

عزام محمد مكي "إن امريكا هي الدولة الأولى في العالم التي مرت مباشرة من مرحلة البربرية الى مرحلة الانحطاط"

الاديب الايرلندي الساخر أوسكار وايلد


 

" لقد تعلمنا العنف منكم"

هذا ما صرخت به ناشطة امريكية من اصول افريقية بوجه النظام الامريكي ردا على قتل مواطنها ’جورج فلويد’

وتستمر هذه الناشطة بهتافاتها المعبرة صارخة:

"لاتتحدثوا عن النهب...

النهب صنعتكم..

امريكا نهبت اصحاب البشرة السوداء..

امريكا نهبت السكان الاصليين...

عندما قدمتم أول مرة...                                          

فالنهب هو ما صنعتموه ... وتصنعونه..

وانتم علمتومونا اياه..

لقد تعلمنا العنف منكم..

العنف هو ما تعلمناه منكم"

العنف، النهب والعنصرية تجري في شرايين النظام الامريكي منذ ان وطأت اولى اقدام المستوطنيين الاوربيين اراضي البلاد التي اُطلق عليها لاحقا (أمريكا).  لقد بدأو بالعنف مع بداية التطهير العرقي لسكان البلاد الاصليين.

النظام الامريكي تركب ليمثل مجتمع المستوطنين القادمين من اوربا المشبعة بعنصريتها. بدأت حياة هؤلاء المستوطنين في هذه البلاد بممارسة العنف الاستئصالي.  والتاريخ وثق كيف قام هؤلاء المستوطنون برد جميل قبائل السكان الذيم قدموا لهم الطعام مرحبين بهم.  لقد نقلوا لهم اوبئة اوربا ليقضوا عليم ويحتلوا ارضهم الخصبة.

1605 عزام

ان العنف الذي مارسه هؤلاء الاوربيون ضد (الهنود الحمر) هو نفسه الذي ورثوه من ممارسته ضد سكان افريقيا.  ومن امثلة هذا العنف العنصري هو مقتل ما يقارب العشرة ملايين من سكان الكونغو على يد الذي اصبح ملك بلجيكا لاحقا (ليوبلد الثالث).

لقد استخدم المستوطنون الاوربيون مختلف وسائل العنف من اجل ابادة سكان البلاد الاصليين فمن القتل الى حرق المدن والقرى والمزارع الى تسميم المياه واخيرا استخدام (الحرب الجرثومية!)ضد القبائل.

ولم تقتصر عمليات الإستئصال العنصري على مجموعات من المستوطنيين الهمج وانما اصبحت ضمن عمل ممنهج مستند على اوامر وتعليمات من إدارات المستعمرين المختلفة تطورت مع مرور الزمن لعمليات تصدر من خلال قوانين من اعلى الهيئات الادارية(في عام 1830 سن الكونغرس الامريكي قانون ترحيل الهنود الحمر قسرا).

واحدة من ابشع الاحداث التي سجلها التاريخ الحديث والمعبرة عن همجية وعنصرية المستوطنيين الاوريين ضد الشعب الذي رحب بهم وآواهم هو شنهم للحرب الوبائية ضد مختلف قبائل الهنود الحمر وفي مختلف مناطق تواجدهم.  فقد ذكر  الأمريكي " Henry F. Dobyns" في كتابه " Their Number Become Thinned" في الجزء الخاص بأنواع الحروب الجرثومية التي أبيد بها الهنود الحمر، بان عدد الحروب الجرثومية التي شنها المستعمرون الاوربيون ضد قبائل الهنود الحمر تُقدر بالعشرات منها 41 حرباً بالجدري ،4 بالطاعون،17 بالحصبة، والكوليرا وغيرها كثير.

وقد توثقت بعض من هذه الحروب الجرثومية ضد شعوب الهنود الحمر من خلال الرسائل المتبادلة بين القائد الإنجليزي العام اللورد "جفري أمهرست" و المرتزق السويسري " هنري بواكيه"، حيث طلب الاول من الاخير استخدام البطانيات الموثة بجراثيم الجدري الى الهنود الحمر.

وشملت عمليات الابادة حملات تهجير القبائل الى اماكن غير صالحة للسكن البشري او استخدامهم في اعمال السخرة القاسية وحرق قراهم.  لقد اطلق هنود "السينيكا" على "أبي الجمهورية الأمريكية" جورج واشنطن لقب "هدام المدن".  فقد ادت العمليات التي امر بها الى تهديم 28 مدينة من أصل 30 مدينة كاملة لهنود السينيكا وحدهم من البحيرات الكبرى شمالاً وحتى نهر الموهوك وفي فترة قياسية لا تزيد عن خمس سنوات.  وقد حدث الشئ نفسه لمدن الهنود في مناطق أخرى.

لقد ادت عمليات الابادة هذه الى مقتل ما لايقل عن 18 مليون انسان من الهنود الحمر.  والعملية مستمرة....ولا يشابهها في العصر الحديث سوى ما يقوم به المستوطنون الصهاينة في فلسطين (ذاك الجرو من ذاك الجلب!)

1606 عزاملقد استولدَ هذا العنف الهمجي نفسه داخل مجتمع المستوطنين انفسهم ليمارسوه ضد بعضهم البعض.  إن اقويائهم لم يقتنعوا بما قرصنوه من اراضي سكان البلاد وانما بدأوا بسرقة المسروق من ضعفائهم.  وقد عكست افلام الكاوبوي الهوليوودية كيف قامت عائلات المستوطنيين الثرية بتكوين العصابات المسلحة لا لحمايتها فقط وانما لاستخدامها لتخويف العوائل الاخرى لاجل تهجيرها والاستحواذ على اراضيها.  ومن هذا نتجت عملية تمركز الثروات بأيدي عوائل محددة في مجتمع المستوطنيين. هذه الثروات التي تحولت الى شركات كبرى ليس للزراعة وانما ايضا سكك حديد ومناجم وبترول وصناعات اسلحة وغيرها عديد.

ويتطور العنف العنصري مسيره متمثلا بتجارة الرقيق.  حيث قام عدد من عنصري اوربا بتشكيل العصابات التي تقوم بالتغلغل في غابات افريقيا لاجل اصطياد شباب وشابات افريقيا وحتى أسر كاملة ليتم شحنهم بالسفن الى قارة امريكا.  هنالك يتم بيعهم حيث يٌسخرون كرقيق في الأعمال الزراعية وغيرها من مشاريع.  وقد وثق الكاتب الامريكي ذو الاصول الافريقية (اليكس هيلي) في كتابه (جذور)، معاناة الافارقة الذين تم سلبهم من موطنهم ليوضعوا في الاغلال الحديدية ويشحنوا بالسفن الى الجانب الآخر من المحيط.  تبدأ معاناة الانسان الافريقي من لحظة اصطياده من قبل عصابات مدربة وبمساعدة خونة باعوا ضمائرهم من اجل حفنة (دراهم)، ليوضع في الاغلال.  يتم بعد ذلك تجميعهم رجال ونساء واطفال في مخيمات على الساحل ليتم شحنهم تحت ضرب السياط والركل والقتل للمتمرد. يوضعون بعد ذلك في عنابر السفن مثل البضائع ليبقوا كذلك طوال فترة التي تستغرقها السفن للوصول الى الجانب الآخر. في هذه السفن يتعرضون للجوع والعطش والامراض بالاضافة الى عمليات الاغتصاب. يعتبر (ادوارد كولستون) احد اهم تجار الرقيق في بريطانيا.  لقد قامت شركته (Royal African Company) بين 1680 و1692 بنقل حوالي 84000 من رجال ونساء واطفال افريقيا الى الكاريبي ومنه الى بقية امريكا.  حوالي 19000 من هؤلاء البشر فقدوا حياتهم اثناء النقل.  لقد تمت مكافئة هذا التاجر بعد وفاته بتسمية شوارع وحدائق وجامعات في بريطانيا باسمه وخاصة في مدينته (بريستول) عدا اقامة نصب له .  وقد قام المتظاهرون ضد العنصرية في مدينة بريستول في 07 حزيران 2020 على أثر مقتل جون فلويد الذي تم خنقه حتى الموت من قبل الشرطة الامريكية،  بإنزال تمثال تاجر الرقيق (ادوارد كولستون) المقام  في بريستول والقاءه في النهر مما اثار غضب الحكومة البريطانية.

 لقد تتبع اليكس هيلي في كتابه معاناة جده  الاكبر (كونتا كينتي) لحظة نهبه من قبيلته في غامبيا ووضعه في السفينة ونقله الى امريكا. لقد استغرقت رحلة السفينة عدة اشهر وهو مع الاخرين المتكدسين على بعضهم  في عنبار السفينة (القبر) محاطين ببرازهم وبولهم يعانون من الجروح المتقيحة التي اصبحت تجذب الفئران الضخمة عدا القمل والبراغيث. يواصل هيلي تتبع حياة جده وكيف رفض تغير اسمه ومحاولاته المتكررة للهرب والتي ادت الى قطع مقدمة قدمه من قبل مالكه الابيض حتى لايستطيع الهرب مرة ثانية. مع سفر هيلي خلال حياة جده الاكبر وفروع عائلته يكشف المعاناة التي قاساها الافارقة في ظل العبودية.  فقد نص القانون على ان الزنجي يستحق:

- القتل اذا حاول الهرب

- 20 جلدة اذا اُمسك دون تصريح سفر

- 10 جلدات اذا نظر الى الابيض في عينه

- 30 جلدة اذا رفع يده ضد مسيحي

لقد حاول المستوطن الاوربي انتزاع انسانية الافريقي من خلال تحويله الى بضاعة لمن يدفع اكثر واذا مرض او هرم يُترك ليموت.  كانوا رهن يمين المالك الابيض نساء ورجال.

وهكذا تشكلت التركيبة الجديدة للإدارة في الولايات المتحدة الأمريكية-نظام الامبريالية الامريكية- على دماء وعظام ومعاناة ودموع العشرات من الملايين من سكان امريكا الاصليين والافارقة الذين نُهبوا من بلدانهم.

ولكن هل اكتفى المستوطنون الاوربيون بهذا النهب الممنهج الذي من خلاله بنوا ما ادّعوا انه (الحضارة) الامريكية.  الجواب الواضح لذلك هو تصدير القرصنة الامريكية الى خارج الحدود. لقد غزوا العالم حيث نقلوا تعطشهم للدماء الى كل انحاء العالم حيث تكون لهم مصالحهم الاستراتيجية. حيث يكون لهم ولهم وحدهم فقط حق النهب والاستحواذ على خيرات وموارد شعوب هذه العوالم واستعبادهم. فبدأو ببلدان امريكا اللاتينية حيث حولوها (حسب مبدأ مونرو) الى حديقتهم الخلفية حيث انتعشت تجارة المخدرات والجنس، حيث يقضي فيها رأسماليها المتخمين عطلات نهايات الاسبوع .

انتقلوا بعد ذلك الى جنوب شرق آسيا بدءاً بالفلبين.  وكما خدعوا شعوب أخرى وعدوا سكان الفلبين بمساعدتهم بالتحرر من الاستعمار الاسباني.  وحالما اندحر الأسبان بعد الضحايا الكثيرة التي قدمتها المقاومة الفلبينية، قرر الرئيس الامريكي آنذاك (وليام ماكينلي) عدم اعطاء الفلبين لسكانها متحججا بقوله ان الله قد أوحى له بذلك (نفس الشئ تكرر مع جورج بوش الابن في سبب غزوه العراق، بان الله قد اوحى له بالذهاب لانقاذ الشعب العراقي). وتستمر الهراوة العسكرية الامريكية في تجوالها المدمر في المنطقة عبر اساطيلها لينتج عنه حروب مدمرة في كوريا ادى الى تقسيمها، وحروب في فيتنام ادت الى ابادة جماعية للبشر والطبيعة من خلال قنابل طائرات ال B52 والحرب الكيمياوية التي لازالت آثارها تظهر على البشر والحيوانات والنباتات.  وهنا يجب ان لاننسى الانقلاب الدموي الذي خططت له المخابرات الامريكية في اندنوسيا الذي راح ضحيته الملايين من البشر. والسبب هو وجود حكم وطني وديقراطي لكن ليس على الشاكلة التي تتماشى مع القرصنة الامريكية. وان الشيء بالشيء يذكر فأن الانقلاب العسكري الدموي الذي نفذته ايضا المخابرات المركزية الامريكية في تشيلي بتوجيه مباشر من سيء الصيت (كيسنجر) كان ضد حكومة الحزب الاشتراكي برئاسة الشهيد سلفادور الليندي الذي تم انتخابه ديمقراطيا على الطريقة الغربية. لقد قاد هذا الانقلاب العسكر الدكتاتور (بينوشيه) الذي سبب في مقتل واعتقال وتعذيب مئات الآلاف من مواطني تشيلي.  وكذلك لنتذكر الانقلاب العسكري والدموي الذي خططت له المخابرات المركزية الامريكية وكالعادة مع مساهمة نشطة من الادارة البريطانية، للاطاحة برئيس وزراء ايران (محمد مصدق) في اواسط خمسينات القرن الماضي.  ايضا محمد مصدق جاء للحكم من خلال برلمان منتخب ديمقراطيا لكنه كرجل وطني اراد استرجاع ثروة بلاده النفطية.  فمشكلة هذا القائد الوطني انه اراد الوقوف ضد قرصنة ثروة شعبه. والنتيجة هي الاطاحة به وسجنه والاتيان بالشاه الديكتاتور (مع سافاكه) الدموي. 

ولم تمضي سوى سنوات قليلة لتعيد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تجربتها مع ايران لتقوم بالتخطيط لانقلاب شباط الاسود الدموي ضد نظام ثورة 14 تموز الوطنية والاتيان بنظام البعث لأول مرة. لقد جاء هذا الانقلاب ردا على محاولة النظام الوطني لاسترجاع بعض من ثروة العراق التي كانت يُستحوذ عليها من قبل الشركات الغربية.  وقد علقت إحدى الصحف البريطانية عقب نجاح الانقلاب بقولها ( لقد سالت دماء كثيرة في هذا الانقلاب ... ولكن حمدا لله لم تسل ولا قطرة نفط واحدة).  نعم كان هذا صحيح تماما لقد راح ضحية هذا الانقلاب مئات الآلاف من العراقيين قتلى في الشوراع او في السجون تحت التعذيب  في قصر النهاية وغيرها من المعتقلات.  التعذيب الذي كان يقوم به سفلة مثل صدام حسين واياد علاوي وكثير غيرهم ممن لازالوا يتنفسوا الهواء.

البشر مقابل اللابشر

قد يظن من قرأ المادة اسابقة بأني قد خرجت عن الموضوع الرئيسي الذي هو العنف والنهب العنصريين في اميركا.  ولكني تصوري يصر بان الموضوع واحد.  إن ممارسات المستوطنيين الاوربيين العنصرية في النهب والقرصنة هي استمرار لممارساتهم ضد الهنود الحمر وضد الافارقة الذين تم نهبهم من بلادهم ليسخروا من اجل ثراء المستوطن الابيض. 

ان ممارساته هذه نابعة من رؤيتهم للعالم حيث يعتبرون بانهم (البشر) لهم الحق فقط بالتمتع بالحياة وثروات الارض، وما على بقية العالم (اللابشر) الا العمل على خدمتهم. ان نظرتهم الى بقية العالم (اللابشر) ليس اكثر من لحم لاقيمة انسانية لها.

وانا هنا أُذكر بمثال لايمكن لأحد نسيانه خاصة من كان واعيا في العيش في العراق خلال تسعينات القرن الماضي. ففي الحرب على العراق التي قادتها امريكا ضد العراق بحجة تحرير الكويت من قبضة صدام (مع العلم بان امريكا هي بالذات من اعطت الضؤ الاخضر للمهووس صدام بالقيام بأحتلال الكويت) تم تدمير جميع البنى التحتية للعراق التي لم تجلب الضرر سوى للشعب العراقي.  وعندما انتفض الشعب العراقي ضد الديكتاتور اعطوا الضوء الاخضر لصدام لإغراق الإنتفاضة بالدم التي نتج عنها المقابر الجماعية المعروفة.  بعد هذا الدمار الماحق الذي لحق بالناس العاديين لحقه حصار اقتصادي وحشي لم يسبق له مثيل.  حيث حُرم البشر في العراق من ابسط مقومات الحياة عدا الخراب الذي لحق بمنشئات الكهرباء والماء والصرف الصحي ونقص الادوية الذي أثر اكثر ما أثر على الاطفال. والشئ الذي يجب ان لايُينسى هو استخدام سلاح اليورانيوم الذي سمي (تلطيفا) بالمُنضب. لقد تم استخدام 500 طن في حرب الخليج1991  ولكن في الغزو الامريكي 2003 تم استخدام ما يقدر 2000 طن من اليورانيوم.  هل هناك حاجة للتذكير بالعواقب التي يجابهها الشعب العراقي  من جراء التعرض لهذا السلاح المفترض انه محرم دوليا.  ولكن لماذا هذا الاستخدام الماحق ضد الشعب العراقي الذي ليس له ذنب فيما قام به الدكتاتور الفاشي صدام في غزو الكويت.  ان الشعب العراقي هو اول ضحايا نظام صدام الفاشي فهل كان يُعاقب على ذلك. فلماذا قصف بغداد وبقية المدن والجسور والبنى التحتية اذا لم يكن الغرض اركاع الشعب.  هنا اتذكر وزير في الحكومة البريطانية (مع العلم انه من المحافظين) كان من المعترضين. حيث سأل رئيس الوزراء قائلا انه عندما قصف الجيش الجمهوري الايرلندي مقر اجتماع المحافظين (وكانت النية لاغتيال تاتشر)، هل ذهبنا لقصف مدينة دبلن؟ فلماذا نقصف مدن العراق إذن. الجواب الواضح والغير معلن يكمن في  (كيف ينظرون لنا؟).  نحن بالنسبة لهم (اللابشر).  وعلينا ان نتعلم بانهم الاسياد ونحن وبقية شعوب الله عبيد لهم.  والمثال الاكثر وضوحا والصارخ هو ما صرحت به مادلين ألبرايت سفيرة الولايات المتحدة الامريكية الى الامم المتحدة ايام حصار التسعينات والتي اصبحت بعد ذلك وزيرة للخارجية الامريكية في كنون ثاني 1997 .  في عام 1996 اي بعد خمسة سنوات من فرض الحصار على الشعب العراقي، تم تسجيل وفاة ما يقارب 600 الف طفل عراقي كنتيجة مباشرة  للحصار.

ففي مقابلة مع السفيرة مادلين ألبرايت في برنامج 60 دقيقة على قناة CBS News في آيار 1996، سألتها المذيعة " لقد سمعنا بوفاة اكثر من نصف مليون طفل عراقي كنتيجة مباشرة للحصار وهذا أكثر من عدد الوفيات في هيروشيما".  فكان جوابها وبكل برود "نعم انه اختيار صعب ولكن  الثمن يستحق ذلك".  بمعنى أن أهداف السياسة الأمريكية تستحق التضحية بنصف مليون طفل عراقي.

هل هناك اوضح من هذا الموقف العنصري؟  فبالنسبة للادارة الامريكية فان نصف مليون اوحتى الملايين من البشر هم لاشيء تجاه اهدافهم السياسية في النهب والاستحواذ.

لو كان الامر متعلق بشخص صهيوني مستوطن تعرض لحجارة من متظاهر فلسطيني يرفض سلب ارضه، فلكم ان تتصوروا ما سيكون عليه موقف هذه السيدة الرقيقة المشاعر.

ويستمر الكاوبوي الامريكي ومعه (جروه) الادارة البريطانية في التصعيد ضد الشعب العراقي حصارا وقصفا لينتهي في الحرب المباشرة ضد الشعب العراقي من خلال غزو 2003 وما نتج عنه من استكمال التدمير والقتل الممنهج. 

فهل من المستغرب بعد كل هذا العنف العنصري التدميري للعراق شعبا وبنى تحتية ان تنهض حركة مقاومة مسلحة من رحم الشعب العراقي ضد الاحتلال الامريكي، في الوقت الذي انخرطت النخب والاحزاب المعارضة لنظام صدام في العملية السياسية للمحتل الامريكي وتحت قيادة الحاكم الامريكي، التي انتجت نظام طائفي مهد لصراعات طائفية مفتعلة.  واستمرالاحتلال في تغوله  في اضهاد الشعب العراقي بكافة مكوناته.  استطاعت هذه الفصائل المقاومة وبامكانيات بسيطة وبدعم من محور المقاومة من اجبار المحتل على اخراج قواته العسكرية المقاتلة تحت جنح الظلام. وعندما عاد الاحتلال من شباك داعش وكادت بغداد تسقط، بقيت نفس القوى السياسية المحتارة من يسارها الى يمينها، في صراعاتها على المكاسب والمغانم مع تواطؤ الكثير من القوى السياسية مع الهجمة الداعشية بتوجيه من المحتل، استنهضت فصائل المقاومة الاسلامية العراقية قواها لمقاومة داعش.  استطاعت هذه الفصائل من تحشيد القوى الشعبية لتكوين الحشد الشعبي الذي استطاع  مع دعم محور المقاومة من دحر داعش والانتصارعليه رغم المؤامرات عليه من قبل الاحتلال وادواته الداخلية.

وهكذا يتضح الحبل السري الذي يوحد الشعوب كافة في صراعها ضد سياسات التمييز العنصري والنهب الاستحواذي القرصني للنظام الامبريالي. هذا الصراع الذي يستوجب توحيد جميع القوى الوطنية في جميع الساحات في تضامن اممي فريد في نوعه في تنوع مراجعياته وخلفياته الفكرية والقومية والسياسية ما دامت كلها تصب في مقاومة الحصار العنصري الاستكباري الذي يريد خنق الشعوب.  فلنا هنا مثال ساطع في إستطاعة ايران على كسر الحصار الامريكي  المزدوج ضد ايران الدولة الاسلامية وضد فنزويلا اليسارية.  ولنا مثال هنا في العراق وهو الحشد الشعبي، المشروع الوطني الذي استطاع من اعادة لحمة الوحدة الوطنية من خلال امتزاج دماء مختلف طوائف واعراق الوطن في تحريره من داعش وفي اكمال مسيرة التحرير من ربقة الاحتلال.

يجب ان لا يوجد فيتو على اية فصيل او جماعة او حزب تقاوم مشاريع الاحتلال الصهيوامريكية بحجة مرجعيتها الفكرية او الدينية او غيرها ما دامت بوصلتها الوطن وتحرره.

ليكن تحرير الوطن وسعادة شعبه هو المحور وهو البوصلة!

 

عزام محمد مكي

 

ليس من شك في ان الادعاءات الأمريكية ضد الصين بنشر وباء فيروس الكورونا، ما هي الا استمرار للحرب الاقتصادية بينهما. هذه الحرب التي لم تبدأ بعد انتخاب الرئيس دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية بل سبقت ذلك بعقد من السنين، على وجه التقريب. أي ان موقف الولايات المتحدة الامريكية من الصين بدأ بالتغير قبل وقت طويل من وصول ترامب الى السلطة ولكن ما كان يخطط في السر ظهر فجأة الى العلن في زمن ترامب الذي وان لم يكن هو سبب تدهور علاقة بلاده بالصين، الا انه هو من كشف النوايا الحقيقية لبلاده تجاه الصين. 

إن ذروة العلاقات الإيجابية بين الصين والولايات المتحدة، والتي كانت قائمة على التعايش الاقتصادي الوثيق بين البلدين، بدأت بالتراجع في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، الذي، أطلق تصريحات غير ودية تجاه الصين، جرى التخفيف من حدتها في نهاية عهده. والحقيقة، هي انه في نهاية عهد الرئيس جورج دبليو بوش، لم يكن الشخص الرئيسي الذي حدد سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالصين هو وزير الخارجية أو رئيس البنتاغون، بل وزير المالية هنري بولسون، الذي دعا إلى علاقات اقتصادية وثيقة مع الصين.

ومع انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الامريكية في عام 2009، والذي تزامن مع الأزمة الاقتصادية العالمية، تغير كل شيء. لم يتحدث أوباما عن علاقات بلاده الاقتصادية بالصين بغلاظة مثل ترامب، ولكنه في الواقع، هو الذي بدأ في بناء سياسة التصدي للطموحات الاقتصادية الصينية. فكان مشروعه الآسيوي الرئيسي، الشراكة عبر المحيط الهادئ، يهدف بشكل صريح إلى العزلة الاقتصادية والتجارية للصين.

لم تدرك الصين وقتها ما كان يعد لها، واستهانت بجدية مشروع لجم نشاطها التجاري، لولا ان يحل ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية، بعد براك اوباما، ليكشف عن ان مخططات الولايات المتحدة الامريكية تنطوي على إجراءات ملموسة، عندما تم الإعلان في عام 2017 عن ان الصين هي المنافس الاستراتيجي للولايات المتحدة. والذي أزعج الصين هو ان تصريحات ترامب لقت اجماعا عند الحزبين الديمقراطي والجمهوري. غير ان ترامب، ولأغراض انتخابية، تمكن فيما بعد من ايجاد تفاهمات تجارية مع الصين، كان لها بوضوح طابع الهدنة المؤقتة (وليس السلام).

فليس خافيا ان سياسة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، بقرب انتهاء دورة حكمه الاولى، اصبحت محكومة في المقام الأول بالحملة الانتخابية المقبلة، لذا فان الاتفاقات التجارية مع الصين كانت لتعفيه عن فرض رسوم اضافية على البضائع الصينية مما قد يؤثر سلبا على المستهلك الامريكي ويضعف تأييد الناخبين له. ولكن هذا كان قبل انتشار وباء فيروس الكورونا الذي أثر سلبا على اداء الاقتصاد الامريكي وكشف عجز ادارة ترامب عن مواجهة ازمة انتشار الوباء.

لذا لم يكن امام ترامب الا ان يلعب ورقة الفيروس الصيني، كما يسميه، ليحمل الصين تبعات ما جرى في بلاده متهما اياها بالتستر على انتشار الوباء في مراحله الاولى مما منح فيروس الكورونا فرصة الانتشار بسهولة خارج حدود الصين. ولو افترضنا انه لم يكن هنالك وباء فيروس الكورونا فان الاقتصاد الامريكي كان هو الورقة الرابحة لترامب، حيث أظهر السكان في بداية عام 2020 درجة عالية من الرضا عن الوضع الاقتصادي وسياسات ادارة ترامب في هذا المجال. يضاف الى ذلك فشل محاولة اقالة ترامب في كانون الثاني/يناير التي رفعت من حظوظ ترامب بالفوز في الدورة الانتخابية القادمة.

الآن تغير الوضع بشكل كبير. بعد ان وجه الوباء ضربة قاسية للاقتصاد الامريكي وأدى الى تدني شعبية ترامب مقارنة بمنافسه الديمقراطي جو بايدن. على اعتاب الانتخابات، أيقن ترامب أن "كل شيء كان على ما يرام حتى ظهور هذا الفيروس الصيني اللعين". لذا، لم يعد لدى ترامب أي سبب لتليين مواقفه من الصين. على العكس، من المفيد له الآن أن يثبت أنه لولا العدوى الصينية، لكان كل شيء رائعًا في الولايات المتحدة.

ولكن على ماذا يمكن لوم الصين؟ من الواضح أنه لا توجد دولة، بما في ذلك الصين، تريد أن تكشف عن أخطائها، التي يمكن ان تكون قد ارتكبت في المرحلة الأولى من تفشي المرض. ففي البداية كان من الصعب فهم حجمه، لذلك تصرف الصينيون كما لو كانوا امام عدوى عادية يسهل مكافحتها بالوسائل التقليدية المتوفرة، حتى أدركوا أنهم امام وباء جديد شديد الخطورة.

الا ان الاعلام الامريكي والموالي له لم يتوقف عند حدود اللوم عن خطأ يمكن تبريره، وتجاوز ذلك الى حد اتهام الصين بتصنيع الفيروس في مختبراتها البكتريولوجية في ووهان، وهي بالتالي تتحمل مسؤولية مباشرة عن ظهور هذا الوباء وانتشاره في ارجاء العالم، وتبعا لذلك فإنها، أي الصين، تتحمل المسؤولية كذلك عن كل الاضرار التي تسبب بها انتشار وباء فيروس الكورونا. ولكن هذه لم تكن سوى اتهامات مبنية على افتراضات لم يثبت صحتها، وهنا يتناسى مروجي هذه الاتهامات ان هنالك افتراضات أكثر واقعية تشير بأصابع الاتهام الى حلف الناتو وامريكا.

في مقال سابق كتبته عن وباء فيروس الكورونا، ونشر في صحيفة (المدى) اشرت الى وجود 11 مختبرا للابحاث البكتريولوجية على الاراضي الاوكرانية منتشرة في مناطق قريبة من روسيا تدار من قبل خبراء امريكان. وقد اشيع وقتها بأنها لمساعدة اوكرانيا في تطوير انتاجها الزراعي! وعند الاستفسار رسميا من قبل بعض النواب الاوكرانيين ومنظمات مجتمع مدني اوكرانية عن مهام هذه المختبرات والهدف من الابحاث التي تجرى فيها، أجابت وزارة الصحة الاوكرانية في رسالتين متعاقبتين احداها تناقض الاخرى.

في الرد الاول أكد وزير الصحة الاوكراني بانه " لا توجد على الاراضي الاوكرانية مختبرات بيولوجية امريكية"، ثم عاد الوزير في رده التالي ليعترف بوجود تلك المختبرات ولكنه أكد ان " المختبرات الأمريكية لا تقوم بأنشطة اقتصادية في أوكرانيا"! يمكن تجاوز الرد الاول مبررين ذلك بتسرع السيد الوزير او مكتبه بالرد دون علم منهم بوجود تلك المختبرات ولكن بعد ان تأكد من وجودها فما معنى ذكره للأنشطة "الاقتصادية"؟

بطبيعة الحال، لا تشارك المختبرات البيولوجية الأمريكية في أوكرانيا في "الأنشطة الاقتصادية" ومن تقدم بالاستفسار كان يعني بالتأكيد مشاركتها في انشطة اخرى، منها استخباراتية ومنها تطوير الأسلحة البكتريولوجية واختبار بعض الفيروسات الضارة في السلاف الأوكرانيين.

مثال اخر في نفس السياق من جورجيا. فقبل وقت طويل من تفشي فيروس الكورونا في ووهان الصينية، ساورت روسيا شكوكا بنشاط امريكي في تطوير الأسلحة البيولوجية على الاراضي الجورجية. فمنذ افتتاح المختبر البيولوجي الممول من الولايات المتحدة، والذي أطلق عليه اسم لوغار، تيمنا بالسناتور الامريكي ريتشارد لوغار وهو يقع بالقرب من العاصمة الجورجية تبليسي، أعربت الحكومة الروسية مرارا وتكرارا عن شكوكها بشأن أنشطة المختبر مؤكدة ان سبب قلقها هو أن واشنطن لا تكشف عن نوع البحوث التي تجريها بالقرب من الحدود الروسية. واتهم السفير الروسي لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ألكسندر لوكاشفيتش الامريكان صراحة بأنهم يستخدمون المختبر لإجراء تجارب طبية لخلق "طفرات فيروسية وتصنيع أسلحة بيولوجية".

ختاما، لابد من التأكيد على أنى لم أكن بصدد الدفاع عن الصين ولا شيطنة الانشطة البيولوجية الامريكية ولكن التأكيد على ان الشفافية في الانشطة الخاصة بالأبحاث العلمية المدنية هي السبيل للاطمئنان على مستقبل البشرية وضمان استقرار وديمومة تطورها الاقتصادي والاجتماعي، والبحث عن الحقيقة لن يكون بافتراضات وتكهنات تبتكر لتكون مطية لأغراض سياسية. ولا بأس هنا بالتذكير بالمثل القائل " ان كان بيتك من زجاج فلا ترمي الاخرين بالحجارة".

 

د. جاسم الصفار

 

معمر حباراسترجعت الجزائر 24 جمجة من بين 536 جمجة لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم، وبمناسبة الذكرى 58 لاسترجاع السّيادة الوطنية. فكان حدثا عظيما في تاريخ الجزائر:

أوّلا: اعتذار لأسيادنا الشهداء:

1- نقدّم اعتذارنا لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم جميعا على مافرّطنا في جنبهم وتركناهم دون التدخل لإنقاذهم من أيدي المستدمر الفرنسي طيلة 144سنة من الزمن.

2- مايجب ذكره في هذا المقام والجزائر تحتفل بمرور 58 سنة على استرجاع السّيادة الوطنية، أنّ أسيادنا الشهداء من أصحاب الجماجم كان لهم الفضل والسّبق في مقاومة الاحتلال الفرنسي واندلاع الثّورة الجزائرية واسترجاع السّيادة الوطنية. ولذلك يضلّ فضلهم علينا عظيما وكبيرا ولا نستطيع ردّه أبدا لعظمتهم وعلو شأنهم.

ثانيا: التهنئة والشكر لكلّ من ساهم في استرجاع جماجم أسيادنا الشهداء:

3- هنيئا للجزائر ولرجال الجزائر الذين استطاعوا استرجاع الدفعة الأولى من 24 جمجمة لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم جميعا في انتظار الدفعات الأخرى في أقرب وقت.

4- نتقدّم بالشكر والامتنان للخبراء الجزائريين الذين استطاعوا أن يحدّدوا هوية 24 جمجمة لأسيادنا الشهداء من الناحية العلمية. وهو عمل جليل يستحقّ كلّ التقدير والتشجيع.

5- أتقدّم بالشكر للجزائر وللقائمين على الجزائر الذين اختاروا يوم 5 جويلية وهو يوم من أيام الله تعالى لاسترجاع جماجم أسيادنا الشهداء، والاحتفال برجوعهم ودفنهم في مثل هذه الأيام المباركة بما يليق بهيبتهم العظيمة ومكانتهم الجليلة.

6- كلّ الشكر والتّقدير والاحترام للجيش الوطني الشعبي الذي أرسل طائرتين حربيتين لمرافقة الطائرة العسكرية التي ستحمل معها جماجم أسيادنا الشهداء. وأسيادنا الشهداء الذين استشهدوا لأجل الجزائر وهم الان "فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ" يستحقون كلّ التّقدير والاحترام ويحاطون بحراسة في السّماء من قبل الجيش الوطني الشعبي قبل أن يوضعوا في روضتهم الشريفة بتقدير واحترام وحراسة.

ثالثا: الاستدمار الفرنسي من خلال جرائم قطع الرؤوس وسرقتها:

7- سمعت ظهر اليوم لمختص جزائري في التّاريخ يقول: يوجد 4000 جمجمة في متحف فرنسا الذي يطلقون عليه اسم "الإنسان!". وسمعت البارحة لمختص جزائري في الطب الشرعي يقول: يوجد 536 جمجة جزائري. أعدمها الجلاّدون السّفاحون الفرنسيون المجرمون وفصلوا رؤوسها الشريفة عن أجسادها الشريفة وحرموهم من الدفن الكريم.

8- الجماجم بالنسبة لفرنسا المحتلّة المجرمة تعتبر قطع أثرية تزيّن بها رفوف المتاحف الفرنسية، وفرصة لجلب المال والزوار وهم يتمتّعون بالجماجم. والجماجم بالنسبة للجزائر والجزائري تمثّل وحشية المستدمر الفرنسي الذي فصل الجماجم عن الجسد الطاهر الشريف، وسرقتها فرنسا المحتلة عبر البواخر لتمنع أهلها وأصحابها من رؤية كلّ مايحي الجهاد ضدّ الاحتلال الفرنسي، لأنّ الشهيد في نظر المحتل الفرنسي أخطر عليها حين يكون بين يدي ربّه من وهو حي يرزق.

9- من طبع الاستدمار الفرنسي الإمعان وإذلال الجزائريين عن طريق سرقة الجماجم أي فصلها عن أجسادها الطاهرة. وزرع الرعب والفزع، وأنّ فرنسا المحتلة التي فصلت جماجم أسيادنا الشهداء عن أجسادهم الطاهرة لقادرة أن تفصل جسد الجزائريين كلّهم إن عادوا لفمحاربة الاستدمار الفرنسي. وتجعل جماجم أسيادنا الشهداء لعبة يتسلى بها الزوار والسياح ليهان الرمز الأعلى وهو الشهيد لدى أعين الجزائريين، ويتمّ بعدها الاستخفاف بكلّ من تسوّل له نفسه مقاومة ومحاربة الاستدمار الفرنسي.

10- فرنسا المحتلة واصلت التعذيب وقطع الرؤوس والإهانة والإعدام والرمي من الطائرة وتحريض الكلاب المدرّبة على نهش لحوم الجزائريين والاعتداء عليهم جنسيا والاغتصاب أمام الزوج والأب والأخ وحرق الجزائري حيا والكهرباء والأنبوب والقارورة. وهذه وسائل ظهرت فيما بعد خاصّة أثناء الثورة الجزائرية. إذن، الاحتلال الفرنسي لم يتوقف يوما عن التعذيب والإهانة ووقطع الرؤوس والاغتصاب ضدّ الأحرار من الجزائريين والجزائريات.

11- فرنسا المجرمة المحتلة أعدمت 536 وفصلت رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة لقصد ماتسميه "البحث العلمي؟ !"، وكذا الإهانة وبثّ الرعب والفزع.

12- المقصود بـ "البحث العلمي؟ !"، هو إثبات أنّ الجزائري يعود أصله للرومان، مايعني أنّ الجزائر في نظر الاستدمار الفرنسي رومانية وبالتّالي فهي قطعة فرنسية. ثمّ لتثبت أنّ هناك فئة في الجزائر يعود أصلها للرومان عكس إخوانهم الجزائريين. ولتثبت نظريتها في التفريق وبثّ العداوة بين الإخوة الجزائريين وتمزيق الوطن الواحد باسم عنصريتها واستدمارها في التفريق والتقاتل بين أبناء الوطن الواحد.

13- بالإضافة إلى 536 جمجمة لأسيادنا الشهداء. فرنسا الاستدمارية المجرمة لم تتوقف يوما عن قطع الرؤوس الشريفة عن أجسادها الشريفة بل استمرت وإلى آخر أيامها من احتلال الجزائر. ومن يقرأ عن التعذيب في أواخر الثورة الجزائرية وبأقلام فرنسية يدرك هول التعذيب الذي لحق بالجزائريين حتّى بعد إعلان إطلاق النار في مارس 1962. إذن قطع رؤوس الجزائريين لم يتوقف، والعبث بأجساد وجماجم أسيادنا الشهداء لم يتوقف منذ سنة 1830، تاريخ احتلال الجزائر.

14- فرنسا الاستدمارية المجرمة حرمت أسيادنا الشهداء من حقّ الدفن. وهذا أبسط حقوق الإنسان. والسبب في ذلك أنّ الجزائري في نظر المستدمر الفرنسي ليس إنسان ولا يستحقّ بالتّالي الدفن كإنسان.

15- فرنسا الاستدمارية المجرمة وضعت أرقاما لجماجم أسيادنا الشهداء. فالجزائري في نظر المستدمر الفرنسي لايعدو كونه رقما يضاف للموتى، ورقما يضاف للإعدام، ورقما يضاف لآلة التعذيب الجهنمية، ورقما يغتصب أمام زوجه وابنه وأبيه والنّاس أجمعين، ورقما تنهب ممتلكاته ويطرد من بيته وحقله، ورقما لايحق له العيش الكريم، ورقما يطرد لكاليدونيا، ورقما يرمى من الطائرة، ورقما تطلق عليه الكلاب المدرّبة لتنهش جسده الكريم وتغتصبه. ويمكنك أيّها الزميل الكريم أن تضيف قائمة الأرقام التي تحضرك الآن.

رابعا: جماجم لا رفات:

16- من الأخطاء الشائعة التي لاتليق بعظمة أسيادنا الشهداء القول: "24 رفات" والحقيقة القول: "24 جمجة". والسّبب في ذلك أنّ "الرفات" تعني أنّ 24 ماتوا موتة عادية وعثرنا عليهم بعد قرن ونصف من الزمن أي لايختلفون في شيء عن الذين ماتوا موتة طبيعية، وهذا مايرمي إليه الاستدمار الفرنسي. وحين نقول 24 جمجمة -في انتظار الباقي-، فهذا يعني أنّ الاستدمار الفرنسي بوحشيته أعدم أسيادنا الشهداء ثمّ فصل الجماجم الشريفة عن الأجساد الطاهرة الشريفة. وهنا يفهم القارئ والسّامع والأجيال الحالية والقادمة أنّ الاستدمار الفرنسي انتهك حرمة أسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليه وفصل الجماجم بوحشية وحقد دفين عن الأجساد الطاهرة الزكية.

17- استعمل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مصطلح "رفات" التي تدل على أنّهم ماتوا موتة طبيعية عوض مصطلح "جماجم" التي تدل على وحشية الاستدمار الفرنسي. ولو كنت ناصحا لنصحت رئيس الجمهورية باستعمال مصطلح "جماجم" والابتعاد عن استعمال مصطلح "رفات" للأسباب المذكورة أعلاه.

18- شرعت فرنسا المحتلّة للجزائر في قطع رؤوس الجزائريين منذ سنة 1830 أي منذ بداية الاستدمار الفرنسي للجزائر.

19- شملت جريمة قطع رؤوس الجزائريين كلّ مناطق الجزائر ودون استثناء.

20- قطع الاستدمار الفرنسي رؤوس الرجال والنّساء والأطفال والصغيرات في سن 7 سنوات كما ذكر الأستاذ سعيدي مزيان.

21- كانت الغاية من قطع رؤوس الجزائريين وحسب الأستاذ مزيان سعيدي بثّ التفرقة ونشر العداوة بين إخواننا وأحبّتنا وأعزّائنا "القبايل" وإخوانهم وأحبّتهم وأعزّائهم الجزائريين.

22- كان الاستدمار الفرنسي يفتخر بجرائمه كفصل رؤوس الجزائريين عن أجسادهم الطاهرة الزكية. وبعد اكتشاف أدوات التصوير أصبح يقوم بتصوير رؤوس الجزائريين أمام وسائل الإعلام ويعتبر ذلك من البطولة والشجاعة.

23- كان كلّ فرنسي محتلّ مجرم يقطع رؤوس الجزائريين ينال منحة في سبيل ذلك ويرقى لأعلى الرتب، وينال رتبة جنرال ومنهم من نال رئيس الجمهورية الفرنسية المحتلة لجرائمهم بالجزائر المحتلّة.

24- شارك الأطباء المجرمون الفرنسيون الذين رافقوا الاحتلال الفرنسي في جريمة وضع رؤوس الجزائريين المفصولة عن أجسادها الشريفة بمواد تسمح ببقائها سليمة في انتظار أن تصل لفرنسا المجرمة، خاصّة وأنّ عملية سرقة جماجم أسيادنا الشهداء تتمّ بعد عام من جريمة القتل وفصل الرأس. مايدل على إخضاعها للتجارب طيلة مدّة بقائها في الجزائر المحتلة وتحت إشراف الأطباء المجرمون المحتلون الذين شاركوا الجنود الفرنسيين المجرمين.

25- قامت فرنسا المحتلّة بجريمة الإعدام والغدر بأسيادنا الشهداء ثمّ بجريمة فصل الرأس الشريف عن الجسد الشريف ثمّ جريمة الاستحواذ على الجماجم طيلة قرن ونصف من النصف ثمّ جريمة الزور والكذب واعتبار جماجم أسيادنا الشهداء من التراث الفرنسي. إذن هي جرائم متعدّدة في ملف واحد كجماجم أسيادنا الشلف. كيف بالجرائم الأخرى؟.

خامسا: جرائم فرنسا من خلال بعض الكتب:

26- جماجم أسيادنا الشهداء لدى المحتل الفرنسي لاتعدو أن تكون سلعة تسرق كما سرقت من قبل فرنسا المحتلة خيرات الجزائر وحملتها إلى موانئ فرنسا عبر 5 سفن، ناهيك عن الأموال المسروقة التي موّلت بها احتلال الجزائر. وقد جاء ذلك بالتفصيل الدقيق جدّا في كتاب "LA MAIN BASSE SUR ALGER " .

27- القارئ لكتاب "حتمية الاستعمار الفرنسي" لأستاذ فرنسي لايحضرني الآن اسمه، يقرأ الهدايا التي كان يرسلها الجنرالات المجرمون بعد اقتحامهم وتدنيسهم لكلّ قرية جزائرية ثمّ يبيدونها عن آخرها، ومتمثّلة في : برميلا من الأذان التي قطعوها من النساء الجزائريات الطاهرات وهي ملطّخة بالدماء، وتحمل الأقراط التي تتزيّن بها المرأة الجزائرية.

28- بالإضافة إلى الإعدام وفصل رؤوس أسيادنا الشهداء عن أجسادهم الطائرة، سبق للاستدمار الفرنسي أن نبش قبور الجزائريين في بدايات الاحتلال الفرنسي 1830-1833، وأخرج عظام أسيادنا وسرقها ليحوّلها لفرنسا المجرمة لاستخدام عظام الجزائريين في مواد منزلية -لاتحضرني الآن بالضّبط-.

29- الذي يقرأ كتاب: "الديوان الإسبرطي" للأستاذ: Abdelouahab Aissaoui، دار ميم للنشر، الجزائر، الطبعة الأولى، السداسي الثاني، 2018، من 387 صفحة. يذكر من خلاله طريقة سرقة عظام الجزائريين من المقابر الجزائرية وسرقة جماجم الجزائريين وكيفية المحافظة عليها بإشراف الطبيب الفرنسي المجرم. وأعترف أنّي لم أستوعب حينها المسألة. والآن أستوعبها جيّدا بعد استرجاع جماجم أسيادنا الشهداء. فكلّ الشكر للأستاذ عبد الوهاب عيساوي على الإشارة لهذه النقطة.

30- حين تفتخر فرنسا المحتلّة المجرمة بسيّدنا الأمير عبد القادر تقول عنه وبلسان قادتها الذين أجرموا والذين عايشوه وحاربوه: "الأمير عبد القادر لايقطع الرؤوس مثلنا". وهي التي دفعت عنه تهمة قطع الرؤوس حين كان أسيرا لدى فرنسا المجرمة في سجن "لامبواز"، كما جاء في كتاب:

 ANTOINE Adolphe DUPUCH « ABD-EL-KADER L’LLUSTRE CAPTIF DU CHATEAU D’AMBOISE», Fondation EMIR ABDEELKADER, Edition DAHLAB, ALERIE, Contient 113 Pages.

سادسا: ما أعظم الجزائر وهي تنحي لأسيادنا الشهداء:

31- الجزائر تنحني إجلالا وتعظيما لجماجم أسيادنا الشهداء لأنّهم صنعوا الحرية واستشهدوا لأجلها، وقدّموا أنفسهم الطاهرة الزكية لنعيش الآن بحرية ونكتب عن عظمتهم. فلهم منّا كلّ الانحناء والاحترام والتقدير الذي يليق بجلالة قدرهم وعظمة مكانتهم.

32- وإنّه لمن الخصال العظيمة أن ينحني المرء لأسيادنا الشهداء. فلولاهم لبقيت الرؤوس إلى الآن ذليلة منكسرة للمستدمر. وبفضلهم بقيت الرؤوس عالية شامخة تأبى الذل وترفض التبعية لأحد. رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم جميعا.

33- من عظمة الثورة الجزائرية أنّ سيّدنا الشهيد حين يلتحق بربّه فرحا مسرورا، تزغرد النّساء ولا تبكي. مايجعل المستدمر في غضب شديد: كيف يفرحون لموت رجالهم ونحن الذين كنّا نبغي نشر اليأس والقنوط والاستسلام بإعدام وقطع رؤوس رجالهم.

34- من عظمة الثورة الجزائرية أنّ سيّدنا الشهيد رضوان الله عليه حين يلتحق بمقعده الشريف، نقول حينها: ربحنا واحدا واثنين وعشرة ومائة. ولا نقول خسرنا واحدا واثنين وعشرة ومائة. والسبب أنّ الشهيد الذي يصعد للسّماء يضاف للمولود الذي ينزل من السّماء، فكلاهما إضافة ولا يمكن بحال اعتبار الشهيد خسارة خاصّة وأنّ الشهيد حيّ يرزق ويضاف للمولد الحي وليس الأموات.

سابعا: فضل الزوايا وأسيادنا الصوفية في محاربة الاستدمار الفرنسي:

35- أسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليه الذين فصل الاستدمار الفرنسي المجرم رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة كانوا من أبناء الزوايا وانطلقوا من الزوايا لمحاربة الاستدمار الفرنسي منذ اليوم الأوّل للاحتلال.

36- كانوا من أسيادنا الصوفية وأسيادنا الأشاعرة رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم، كما كان من قبل سيّدنا الأمير عبد القادر رحمة الله عليه ورضوان الله عليه من أبناء الزوايا والصوفية والأشاعرة.

37- لانفرّق بين سيّدنا الأمير عبد القادر الذي حارب الاستدمار الفرنسي طيلة 17 سنة من زهرة شبابه، وأسيادنا المجاهدين الذين جاؤوا من بعده وحاربوا الاستدمار الفرنسي بما استطاعوا، وأعدمتهم فرنسا المجرمة، وفصلت رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة، وحرمتهم من الدفن في وطنهم الجزائر الذي ماتوا لأجله، وسرقت فرنسا المجرمة جماجمهم الشريفة واستحوذت عليها طيلة قرن ونصف قرن من الزمن.

38- تعاملت فرنسا المجرمة مع مختلف أنواع المقاومة التي انطلقت من الزوايا وبقيادة أسيادنا الصوفية والأشاعرة بوحشية بالغة بعد استسلام الأمير عبد القادر رحمة الله عليه. وكانت ترى أنّه لايوجد في الجزائر من هو في مستوى الأمير عبد القادر ليواجهها. ولذلك وقّعت المعاهدات مع الأمير عبد القادر فقط –أقول فقط- ولم توقّع مع غيره. ولذلك لم تترك أدنى فرصة لبروز أسيادنا المقاومين وحاربتهم في المهد، وأعدمتهم، وفصلت رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة.

39- لم تكن فرنسا المجرمة تتوقع أنّ الأمير عبد القادر رحمة الله عليه سيستلم ويسلّم سيفه بالبساطة التي لم تكن تحلم بها. وكان الاستسلام مشجعا لفرنسا الاستدمارية لمواجهة المقاومة التي بعثت بعد الأمير عبد القادر بوحشية بالغة، وتمثّل ذلك في إعدام قادة المجاهدين وفصل رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة.

40- حين تيقنت فرنسا المجرمة أنّ الثورة التي كانت ضدّها وأنّ قادة المجاهدين خرجوا من الزوايا. علمت حينها أنّ المجتمع الجزائري يعتمد على الزوايا والفقيه. فضيّقت على الزوايا، واستولت على الأوقاف، وحرمتهم الزكاة، وأحرقت الحقول التّابعة لهم، وأرهقتهم بالضرائب حتّى يستسلموا لها، واشترت بعض الذمم الصغيرة، ورفعت الأدنى، وقدّمت كلّ وضيع، وأهانت كلّ رفيع ، وجعلت عالي القوم أسفله، وغرست عبر مدارسها الاحتلالية جيلا ينافس الفقيه الجزائري الأصيل ويزاحمه، وتستبدله بأساتذة وقضاة وأئمة يدعون للاحتلال، ويبرّرون للنهب والسّطو. وكلّ هذا لتشويه وإهانة واحتقار وتهميش الزوايا وأسيادنا العلماء. مايدل على عظم مكانة الزوايا وأسيادنا العلماء الذين قادوا المقاومة ضدّ الاستدمار الفرنسي منذ اليوم الأوّل للاحتلال.

41- من شدّة حقد وبغض الاستدمار الفرنسي ضدّ الزوايا والعلماء، أعدمت فرنسا المجرمة أسيادنا قادة المقاومة وفصلت رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة نكاية في الزوايا التي انطلقوا منها، وفي علماء وفقهاء الزوايا الذين حاربوا وظلّوا يحاربون الاستدمار الفرنسي.

ثامنا: الشكر لمصر ولكلّ من ساهم في دعم الجزائر أيّام الاستدمار الفرنسي:

42- علمت أنّ من بين 24 جمجة لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم. يوجد جمجمة سيّدنا الشهيد موسى بن الحسن المصري الدرقاوي. وهو مصري الجنسية انتقل من مصر للجزائر ودافع عن الجزائر واستشهد في سبيلها رحمة الله عليه ورضوان الله عليه.

43- أعترف أنّ معلوماتي عن سيّدنا الشهيد الدرقاوي ضئيلة لاتسمح لي أن أدلي بدلوي.

44- لم تكن يومها حدود ولا تفرقة بين الشعوب. والجزائر تحتضن الجميع وتعرف قدر من يموت في سبيلها. فترسل له طائرة عسكرية تحمله، و3 طائرات مقاتلة تحميه، وأفضل الضباط يحملونه على أكتافهم، وأفضل المظليين ينزلون من السّماء إكراما له، وتضع له البساط الأحمر الذي يوضع للرؤساء والملوك ليسير فوقه وهو المعزّز المكرّم فوق أكتاف الرجال.

45- كلّ الشكر والتحية والإجلال لسيّدنا الشهيد موسى بن الحسن المصري الدرقاوي الذي استشهد في سبيل الجزائر، ولكلّ من ساهم في نصرة الجزائر ومدّ العون للجزائر أيام الاحتلال الفرنسي وإبّان الثورة الجزائرية.

46- بلغني من زميل مصري أنّ عائلة سيّدنا الشهيد موسى بن الحسن المصري الدرقاوي أحياء يرزقون في مصر العزيزة على أنفسنا. وعليه أطلب من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن يرسل دعوة لـ: "أحد أفراد عائلة سيّدنا الشهيد الدرقاوي بمسقط رأسه دمياط" عبر الطرق التي يراها مناسبة، وتكريمها في الجزائر، عرفانا من الجزائر لكلّ من قدّم لها مساعدة أيّام جمر الاستدمار ونار الاحتلال الفرنسي.

47- نظلّ نكرّر شكرنا لكل من خدم الجزائر وقدّم لها يد المساعدة واستشهد بأرضها ومات في سبيلها.

تاسعا: جرائم حركى الأمس وجرائم الحركى الجدد:

48- الحركى وأسيادهم من الفرنسيين الجلاّدين السّفاحين المجرمين توأم في الغدر والقتل وفصل الرؤوس الشريفة عن الأجساد الشريفة.

49- التعذيب كان بيد الفرنسي المحتل المجرم السّفاح. وبيد الحركي المجرم. وكلاهما كان يتفنّن في تعذيب الجزائريين والجزائريات.

50- التعذيب يشرف عليه المجرم الفرنسي المحتل والحركي المجرم. ويختلف الأمر في نوعية ودرجة التعذيب. وفي مكانة الجزائري المعروض للتعذيب. ونوعية المعلومة المراد انتزاعها من الجزائري. و"السمكة" إن كانت "كبيرة" بتعبير السّفاحين الجلاّدين المجرمين الفرنسيين.

51- الاحتفال بعودة جماجم أسيادنا الشهداء تتطلب -فيما تتطلب- إعادة النظر في بعض "الجماجم الحية" التي مازالت ترفض التوقيع على قانون تجريم الاستدمار الفرنسي، وتسليط أقصى العقوبات عليها وإلحاقها بالبليدة والحراش فذاك مكانها المناسب وليس الوزارة ولا البرلمان.

52- إنّ الخائن الجزائري والمجرم الفرنسي الذي كان من وراء فصل جماجم أسيادنا الشهداء عن أجسادها الطاهرة الزكية منذ 144 سنة من الزمن هو نفسه الخائن والمجرم الجزائري الذي مازال يرفض التوقيع على قانون تجريم الاستدمار الفرنسي ولا يخشى العقاب لأنّه يتمتّع بالحصانة حتّى قلدت الجارة تونس الجزائر في عار عدم التّوقيع على قانون تجريم الاستدمار الفرنسي.

53- أستغلّ الفرصة وأطالب بفتح تحقيق بشأن تأخير استلام جماجم أسيادنا الشهداء، ومعاقبة كلّ جزائري كان من وراء تأخير استلام جماجم أسيادنا الشهداء لحدّ الآن، ومهما كانت وظيفته ورتبته ومنزلته وقرابته.

54- أطلب من الخبراء الجزائريين الذي أشرفوا على تحديد هوية 24 جمجمة لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم أن يواصلوا عملهم الجليل في تحديد هوية الجماجم الجزائرية الحية الخائنة التي مازالت ترفض التوقيع على قانون تجريم الاستدمار الفرنسي، وليتفضّلوا مشكورين بنشر قائمة الجماجم الجزائرية الخائنة كما فعلوا حين نشروا أسماء جماجم أسيادنا الشهداء. وبهذا يكتمل عملهم العظيم في حقّ الجزائر والجزائريين.

 

معمر حبار

الشلف - الجزائر

 

 

محمد بنيعيش1) حينما تتحول الفضيلة إلى رذيلة والغاية إلى وسيلة والعامل إلى عميلة والباسل إلى بصطيلة فتلكم هي المشكلة التي ليست لها تعديلة. وأستسمح عن هذا السجع الثقيل والممل لأنه نابع من فرط تأثير الأكاذيب وسيطرة الوهم والتأويل. فقد أصبحت الفرامل غير مكبوحة والحناجر غير مبحوحة والأوجه شبه مكلوحة وما لها مندوحة. . .

هناك مشكلة تاريخية وفلسفية حيرت المفكرين في حل لغزها وأصبحت مضرب المثل في جلد الذات والآخر وذلك من خلال الكلية الكاذبة محورها:"كل الكريتيين كذابون".

ومجمل القصة أن أحد الكريتيين (سكان جزيرة كريت) راح يشيع مقولة عن مواطني جزيرته مؤداها:"أن كل الكريتيين كاذبون". وهذه المقولة توقعنا كما يذهب الكثير، إن التزمنا بقانون الثالث المرفوع، في مأزق لا نحسد عليه:

-فهو إن كان كاذبا فإن قوله هذا يكون صادقا (له ما لهم لأنه منهم)

- أما إن كان صادقا فإن قوله هذا يكون كاذبا (له ما ليس لهم مع أنه منهم، وهذا تميز له عنهم). . .

وهكذا يمتزج الصدق بالكذب ويلتحم الخطأ والصواب ويصبح التمييز والفصل بينهما أمرا غير ممكن. وهكذا تصبح مقولة الكريتي صادقة وكاذبة، صائبة وخاطئة في نفس الوقت، وتصبح إعادة النظر في قانون الثالث المرفوع أمرا واجب التنفيذ. على حد تعبير بعض الباحثين.

لكن في نظرنا أن عند هذا الحكم والتعميم بكلية الكذب قد أغفل جانب موازي له في باب المنطق، وهو ما يعرف بالكلية الناقصة المبنية على الاستقراء الناقص والتي مثلوا لها ب:"كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ" لكنه بعد اكتشاف التمساح تبين أنه يحرك فكه الأعلى عند هذه العملية"ومن ثم فإن الكلية لا يمكن اعتبارها كاذبة وإنما هي ناقصة . ونقصها ناتج عن عدم استيعاب كل الظاهرة واستقرائها كاملة، فيكون الاستثناء خارجا عن هذا الشمول. ويكون حينئذ أن الرأيين صحيحان سواء عند المضغ بالفك الأعلى أو المضغ بالفك الأسفل وبهذا يحل الإشكال. وعلى هذا فقد يكون الكريتي الذي حكم على غيره صادقا بالرغم من أنه منهم لأنه لم يدخل نفسه في عدهم، ولربما يكون قد تميز عنهم بأخلاق وصفات جعلته يخرج عن هذه الدائرة المزيفة ويراها من خارج أو من أفق غير الذي عليه قومه. أو لربما يكون قد حدث له ما جرى لجُحا لما كان بصدد عد الحمير، فمرة يراها عشرة حينما يكون مترجلا، ومرة يراها تسعة حينما يكون راكبا إحداها، وما أكثر الراكبين على الشعوب والدول الصغيرة أيضا !والذين يخطئون العد والإحصاء أو يكذبون فيه، فتضيع بذلك الحقوق والواجبات ويلغى الآخر حتى لا يحسب له وجود أو حضور !!!.

2) وقد نجد في الإسلام مقاربة لهذا الموضوع بوجه أو آخر وذلك من خلال قول النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:" إذا قالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهو أهْلَكُهُمْ". ويفسر بأن:" مَعناها: أَكثَرُهم هَلاكًا، وهوَ الرَّجلُ يُولعُ بعيبِ النَّاسِ، ويَذهبُ بنَفسِه عُجبًا، ويَرى له فَضلًا عَليهِم. ورِوايةُ الَفتْحِ مَعناها: هوَ جَعَلَهم هالِكينَ لا أَنَّهم هَلَكوا في الحَقيقةِ".

والمعنى من خلال الحديث والتفسير أنه يحيل الكذب على القائل لا على المقول فيه. أي أن الكريتي هو الكاذب ابتداء، لأنه يسقط حاله على غيره ويعمم الأمر إذا لم يكن متميز عنهم بمزية حقيقية وفضل مستحق فوق مستواهم .

ومن هنا فإنه قد تطرح قضية مهمة جدا في باب دعوة الرسل والأنبياء حينما يصدعون بدعوتهم ويصفون قومهم بالضالين والفاسدين والظالمين وما إلى ذلك وينادونهم ب"ياقوم" مع أن أولئك الرسل من نفس أولئك القوم ولكنهم لا يندرجون ضمن الصفات التي وصفوهم بها، وبهذا فيكون الرسول أو الولي أو المصلح الديني المستبصر على دراية شاملة بقومه حتى يحكم عليهم بما يناسبهم، ومن ثم تنتفي عن هؤلاء المصلحين صفة الكذب وما يتبعها من مظالم هم بعيدون عنها كل البعد بالرغم من مجاورتهم لقومهم ما دام هناك أمل في التغيير :" حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنجي مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ". وهنا وقع التمييز حقا وصدقا وواقعا حتميا.

وهذا المشهد هو الذي من خلاله يمكن تحديد مفهوم سلطة الكذب، التي إن هي عمت أدت إلى كذب السلطة ضرورة، لأن السلطة القائمة حينئذ تكون مبنية على المرعن الأخلاقي والنفسي، حيث إذا عم الحرام -كما يقول بعض الفقهاء - جاز التعامل به. فتصبح عملة الكذب مما يجوز تصريفه في الأمور الحياتية العامة والسياسية خاصة، وذلك على نهج الميكيافلية التي تسخر الشعوب بشكل مزركش ومتناغم مع الكذب والإلهاء، وبالتالي تعميم هذه الخصلة حتى تصبح مُودَة أو طرازا نمطيا للمجتمع يعمل على تزييف كل شيء . فحتى العمل الديني الروحي، الذي من المفروض أن يكون هو مركز الصدق ومرجعيته الأصيلة، سيصبح رياء ومظاهر ومساومات ومركبة لتحقيق الأهداف والأجندات كما يصطلح عليه سياسيا.

والأكثر غرابة في هذا الأمر هو أن استعمال سلطة الكذب عند السلطة، أية سلطة عبر العالم الواقعي أو الافتراضي، قد تنقلب صفتها عليها نفسها فتصبح هي بدورها فريستها، وستكذب فتصدق كذبها، وهو ما نراه في البرلمانات عبر العالم وعند العرب خصوصا يستوي فيه الحزب المعارض كما الحزب الحاكم بنفس اللهجة ونفس التهمة ونفس النهمة، تماما كما يحكى عن أشعث الطماع لما اجتمع عليه الصبيان وحاصروه بصياحهم وهتافاتهم، ولكي يخرج من مأزقه هذا قال لهم :اذهبوا إلى تلك الدار الكبيرة عند مفترق الطرق فهناك يوزع الجوز مجانا، وكان غرضه تفريقهم وصرفهم عنه بهذه الكذبة، فما أن سمع الصبيان توزيع الجوز بالمجان حتى هرعوا مسرعين نحوها. وبعد هنيهة تساءل أشعث الطماع مع نفسه بحكم جشعه وطمعه المفرط قائلا:لم لا يكون فعلا هناك جوز وربما لوز وكرز يوزع حقيقة ؟فلحقهم أسرع من البرق عسى أن ينال حظه من كذبته التي أوهم بها نفسه !!!

3) وهكذا تحكمت سلطة الكذب في البداية فنالت من الصبيان المستغفلين ما نالت ثم انتقلت عدواها ووباءها إلى كذب السلطة ومصدرها البالغ والمسؤول، أي سلطة العقل المدبر للإجراء السليم واتخاذ القرار المناسب للمصلحة ومقتضيات الواقع فأصبح هو بدوره في دائرة التوهم، ومصيدة في شبكته العنكبوتية تحاصره بخيطها الواهن مع ترك الفضاء الموهم بالحرية من خلال تلك المنافذ الصغيرة، التي إن مر بها الرأس اصطدم بها الجدع أو اشتبك وتوحل.

ولنا فيما جرى ويجري في العالم العربي خصوصا عبرة من سلطة الكذب وكذب السلطة، وكيف أن شعوبا دمرت بلدانها بنفسها وبمعولها ومعول غيرها تحت سلطة الكذب لكي تؤسس لكذب السلطة، فانظروا إلى ليبيا مثلا وقسوا حالها في زمن المرحوم العقيد معمر القذافي، بالرغم من إيجابياته وسلبياته المتناغمة والطريفة، مع ما كانت عليه قبل من استقرار ونعيم ورخاء تروا العجب العجاب، وتروا الأشاعث الطماعين الآن يلهثون ويتقاتلون على بترولها وخيراتها نهارا جهارا وبغير حياء ولا خباء، بعدما كانت ليبيا مصونة عن العبث والعابثين شعبا وثروة وثورة . وانظروا إلى العراق وما ذهب من عز أهلها وما دمر من منشآتها ومقدراتها العلمية والعسكرية والتنموية بعدما كانت بلد الشموخ برئيسها ورجالها ونسائها النشامات كما كان يصفهم الشهيد صدام حسين رحمه الله تعالى، وانظروا إلى سوريا وقسوا حالها الجميل والمتكامل من قبل على ما آلت إليه من دمار وعار شنار بعد الثورة المشؤومة والمدعمة بأكاذيب الإعلام وأكاذيب المفتين والفتانين والمحرضين والطامعين والشامتين من غربيين، وأمهم الكاذبة أمريكا وربيبتها الصهيونية، وخليجيين متخمين، وكاذبين على أنفسهم أو هي كذبت عليهم، لا يستحقون أن تذكر أسماؤهم هنا. فضاعت سوريا وجوعت وحوصرت وما اليمن السعيد من قبل أيضا منكم ببعيد، وضاعت أو ضاقت آمال فلسطين والفلسطينيين المستضعفين والصامدين، بل ضاعت أو كادت أن تضيع القدس الشريفة بفعل رعونة الكذب والتكاذب وسلطة ترسيخ الأكاذيب حيث الصفقات والفقاعات والنكبات !.

وقس على هذا من حال المغرب العربي الذي لم يعد له وجود سوى على المخيلة والخريطة المهلهلة والمتداخلة، بعدما اختلقت لتفكيكه، ولتحقيق أطماع توسعية واهية بواسطة دولة جارة شقيقة تعاني الشقيقة، قضية الشعب الصحراوي المزعوم من أجل إقامة دويلة وهمية ودمية ملعوب بها، ثم قطع أوصاله عن وطنه الأم ودولته العريقة المملكة العلوية المغربية . مع أن هؤلاء الصحراويين في الجنوب بمقوماتهم العرقية واللغوية والعرفية قد كانوا بالأمس القريب ومازالوا تربطهم أواصر البيعة والولاء واللغة والدين والتاريخ والجغرافية التي لا يماري فيها إلا كاذب أو طامع، وهي أشهر من نار على علم، ومع ذلك استنزفت فيها الأموال والدماء بغير مبرر ولا طائل بسبب الأكاذيب المفتعلة وبإصرار صبياني متهور من طرف جار السوء ومطامعه المفضوحة والموبوءة والمستهجنة أسوأ من أطماع أشعث الطماع. مع أنه كان من المفروض أن يكون التعاون هو سيد الموقف بين الجارتين حيث التكامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتاريخي، وحيث رسوخ روابط الأخوة الأسرية والمصير المشترك للمنطقة وتكوين أكبر سوق اقتصادية وقوة عسكرية وتنمية حضرية وثقافية لا يضاهيها أي تجمع أو تكتل عبر العالم ككل. . . بل حتى بعض الصحراويين وخاصة من الجيل الجديد قد لُعب بهم وأثخنوا كذبا وأُلّبوا ضد وطنهم وبني جلدتهم فصاروا يناصرون وهم الانفصال عبر القنوات المشبوهة والمغرضة ويعقون أصلهم ويساقون إلى مقصلة الاستغلال والتحريض سوقا وهم لا يدرون أين مصلحتهم من مضرتهم سوى أنهم: قيل لهم ويقال عنهم، ووعدوهم وواعدوهم وأوعدوهم وأطمعوهم، ومن هنا كان وصفهم بالمغرر بهم أولى !.

ونحن في زمننا، ككل شبيه بكلية الكريتي، قد أصبحنا على هذا المنوال من الأكاذيب والانسياق لها أو أسوأ، نكاد نقول هلك الناس وما هم بهالكين، ونكاد نعمم حكم الكريتي إن كان صادقا على أهل جزيرته، وذلك نظرا لسلطة الكذب التي عمت المثقف والأمي والفقير والغني والحاكم والمحكوم والبائع والمشتري، وعمت البرلمانات والتصريحات الحكومية الموالية منها والمعارضة، وعمت القنوات والإعلام ومنابر التواصل الاجتماعي بأنواعه إلا ما رحم الله، فافتقدنا تلك الفضيلة الذهبية والعملة الناصعة السامية القائمة على صدق المبادئ والثبات عليها. والغريب بل العجيب في الأمر أن سلطة الكذب قد طالت كبار الباحثين والمفكرين والمحللين الموضوعيين بالرغم من حرصهم على النزاهة وطلب شرف الحقيقة، ومع ذلك فهم يستدرجون ويجرون جرا إلى التسليم بالكذب سواء على المستوى السياسي أو الطبي أو المذهبي بل حتى على مستوى الشعبذة والسحر والخرافة وما إلى ذلك، ولم لا؟ فالكذب إذا التبس بالصدق ولو مرة واحدة فسيميل بالطبع إلى صفة إبليس اللعين الذي قد يصدق مرة ويكذب ألف مرة، وتلك سلطته على الكاذبين والطامعين . . . فمرة نكذب في السياسة ومرة نكذب في التجارة ومرة نكذب في العلم والفتوى، ومرة نكذب في الشهادة والقانون، ومرة نكذب في الطب و الأوبئة والأمراض والعلاج، ومرة نكذب في الفقر والغنى، ، بل نكذب في الموت والحياة، ومرة نكذب في الكذب نفسه، أي أصبحنا كذابين أكثر من الكذب نفسه، فهل من مخرج لنا معشر البشر من هذا المأزق حتى يستقيم المنطق السليم لدينا وتعود للعقل سلطته وللدولة هيبتها وللمجتمع التحامه وللعلماء مصداقيتهم ؟نرجو ذلك في زمن ما. . .

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

كاظم الموسويمثل آلاف المواطنين في المدن الامريكية خصوصا تظاهر الآلاف من المواطنين في المدن البريطانية منذ الأسبوع الأول من شهر حزيران/ يونيو، كما هو الحال في مدن وعواصم أوروبية وخارجها. وعبّر المتظاهرون عن وعي واضح عاكسين فيه مشاعر التضامن الانساني مع الضحية الجديدة/ الرمز الامريكي جورج فلويد، وكل الضحايا، في كل مكان. وقدمت التظاهرات اعلانا صريحا ضد العنصرية والفاشية والاسلامفوبيا، التي تمارسها سلطات رسمية في الولايات الامريكية والدول الاوروبية، عموما.

لهذا جاءت هذه التظاهرات بحشود كبيرة.. عشرات الالاف من المواطنين، جابوا الشوارع رغم تحذيرات المنع وخرق قرارات جائحة الكورونا من الاغلاق التام والابتعاد الفردي، ومعها الطقس الممطر ، وكانت تمثل صرخة ضمير إنساني لم يستطع صبرا أو  صحوة ضمير لم يقدر على الصمت كثيرا. في لندن توجهت التظاهرات مباشرة الى مبنى السفارة الامريكية في بنايتها الجديدة، على نهر التايمز، مطوقة المبنى باعدادها الكبيرة ولافتاتها المعبرة. وكانت أبرز لافتاتها تحمل العبارة المشهورة "حياة السود مهمة او تعني الكثير"، وهذا شعار واسم حركة تدافع عن الحقوق والحريات، في الولايات المتحدة الأمريكية وتوسعت عبر العالم، ولافتة تحمل عبارة "لا أستطيع أن أتنفس" التي كان يرددها جورج فلويد قبل وفاته بدقائق، وكذلك لافتة تحمل شعار "العدالة لجورج فلويد".

اضافة الى المسيرة للسفارة الامريكية توزعت التظاهرات والاحتجاجات في اكثر من منطقة في العاصمة لندن، واستمرت زمنيا ببرنامج متواصل، في بكهام، في جنوب لندن، وفي حديقة البرلمان، المقابلة لبناية البرلمان في وستمنستر، كتب المتظاهرون شعارات وكلمات منها  كلمة "عنصري" على تمثال ونستون تشرشل، وزير المستعمرات ورئيس وزراء الاستعمار البريطاني، المنتصب في مدخل الحديقة، مواجها البرلمان. وفي ميدان (الطرف الأغر) بوسط لندن جثا المحتجون على ركبهم مرددين كلمات الضحية الاخيرة، "لا أستطيع التنفس". كما حملوا لافتات "لا عدالة.. لا سلام" و "لا مكان للعنصرية"،  والشعارات الاخرى، ورافعين قبضاتهم رمزا لروح الاحتجاج والغضب الشعبي والتحدي. وأصبحت هذه الحالة صورة احتجاج صامت وتعبير كامل عن  إدانة العنصرية وأساليب السلطات الرسمية الفاشية في التعامل مع الضحايا.

وابرز حدث في تلك التظاهرات البريطانية ما حصل في مدينة بريستول، حيث أسقط المتظاهرون تمثال تاجر "العبيد" البارز في القرن السابع عشر إدوارد كولستون، كما وصفته شبكة البي بي سي الإخبارية، وألقوا به في نهر أيفون. وكان كولستون (توفي عام 1721) عضوا في الشركة الأفريقية الملكية التي كانت وراء المتاجرة بحياة أكثر من 80 ألف رجل وإمرأة وطفل من أفريقيا إلى الأمريكتين. وله ممتلكات واثار دالة عليه في أماكن أخرى من المدينة. ينبغي متابعتها وازالتها من الواجهات. ونبهت هذه الخطوة/ المبادرة الوعي الشعبي إلى ضرورة إزالة أية آثار ذات دلالة للفترات المظلمة في تاريخ البشرية، ومنها التماثيل أو الاسماء والمسميات للشوارع والمناطق، وكل ما يتعلق بهذه الجرائم التاريخية. سواء في بريطانيا أو الغرب عموما. وهو ما صرح به عمدة لندن صادق خان ودعا إلى تنفيذه للتخلص من كل آثار الرق وتجارته ومراجعة تماثيل العاصمة ومعالمها والاسماء والعناوين. وتم فعلا رفع اول تمثال للتاجر الاخر روبرت ميليغان، الذي تاجر بحياة الأفارقة في القرن الثامن عشر الميلادي، من أمام متحف لندن دوكلاندز.

عند سقوط التمثال، في بريستول، جثا أحد المتظاهرين بركبته على رقبته، ممثلا ومكررا مشهد الحدث الأمريكي، الذي نقلته الشاشات والفيديوات، للمواطن الأعزل جورج فلويد، المقيد اليدين والممدد على وجهه، على الارض، وقيام شرطي أمريكي بعنصرية ووحشية، بقتله، بعد أن ركز ضغط ركبته على رقبة الضحية لأكثر من ثماني دقائق وهو يصرخ تحته "لا أستطيع التنفس"!. وكان نقل هذه الحادثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات وغيرها مؤثرا جدا، إضافة الى فضح الجريمة وعرضها أمام العالم. وحركت الصورة المؤلمة والسلوك الوحشي كل هذه التظاهرات والحراك الشعبي الاحتجاجي، في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها. ليس لهذه الحادثة وحدها وانما لتاريخ طويل من الاضطهاد والقمع والعنصرية والتمييز العرقي.

تظاهرات بريطانيا باعدادها الكبيرة وظروفها الحرجة بينت استمرار روح التضامن الإنساني والغضب الشعبي من سياسات الادارات الاستعمارية والراسمالية المتوحشة وممارساتها العنصرية، تاريخيا وحاليا، واعادت للشارع سلطته في الاحتجاج والتحدي. قدمت صورة إنسانية اخرى تدين العنصرية وتدعو لمحاكمة مرتكبيها في كل مكان، لا عدالة.. لا سلام. حيث انكشفت العنصرية كممارسة سياسية وتمييز عنصري وتكريس هوية عرقية في هذا الوقت من القرن الواحد والعشرين.. وهو ما يعني ويدل بأن جريمة عنصرية كهذه لن تمر مرور الكرام، بل تستعيد كل التاريخ المظلم، وتكشف كل الصفحات السوداء في تاريخ الغرب، في هذه القضية وفي تاريخها ومستقبلها. وهو ما حرك مشرعون امريكان لإزالة تماثيل لرموز امريكية في بنايات البيت الأبيض والكونغرس وغيرهما، مارسوا هذه السياسات واعتبروا حينها من ابطال تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

الخطوات التي جرت في التظاهرات، السلمية الاحتجاجية، ينبغي أن تتواصل في محاكمة التاريخ، واسقاط كل الرموز والتماثيل والعناوين التي تؤشر وتذكر بكل الذين شاركوا في جرائم العنصرية، ومعاداة المهاجرين والأديان. ورغم قوانين الغاء " العبودية" وانتهاء صفحات منها، الا أن الممارسات الفعلية مازالت تكرسها، رسميا وفي التعامل والسلوك الإداري أو الوظيفي وحتى في التعليم والنشاطات العامة. وحين ينفجر الغضب الشعبي بهذا الشكل ازاء ما حصل لجورج فلويد في مدينته الأمريكية، وكل الولايات، وإعادة الذكريات المرة والحزينة والكارثية من تاريخ لا يمكن التسامح معه والنسيان لاحداثه القاسية وعديد ضحاياه الكثر، يصبح العمل على التغيير الكامل مطلوبا دون تهاون أو تمهل أو انتظار. أن التمييز العنصري والعرقي في هذا القرن لا يمكن قبوله أو السكوت عليه. ففي الوقت الذي تتعالى الاصوات من أجل الحقوق العامة والمساواة والعدالة للجميع من سكان الكرة الأرضية يكون هذا الفعل الشنيع منبوذا واجراما مدانا وعنفا فاشيا، ولابد من ان تكون المعاقبة عليه شديدة بما يردع تكراره أو إعادته أو السماح له.

صحيح ان جورج فلويد ليس اول ضحية لجريمة العنصرية ولكن بعد هذه التحركات الشعبية في العالم والغضب العارم فليكن اخر ضحية في هذا الزمان. كما ردد المتظاهرون في انحاء العالم، وليس في الولايات الامريكية والمدن البريطانية فقط، لا عنصرية بعد الان. وليكن درسا معلنا لكل السلطات في جميع أنحاء العالم، وفتح صفحة جديدة في تاريخ البشرية، يسجل التاريخ الآن بدايتها، وبعدها يجري العمل بثقة وصدق لبناء علاقات وقيم إنسانية يتمناها جميع البشر.

 

كاظم الموسوي 

 

 

سليم الحسنيالكاظمي ليبرالي متمسك بهذا المنهج، نسج علاقاته الوثيقة مع السياسيين الأمريكيين والأوربيين منذ أكثر من خمس وعشرين عاماً، وقد كانت علاقاته متشعبة مع الجمهوريين والديمقراطيين، مع الحمائم والصقور في واشنطن، ساعده على ذلك الدكتور كنعان مكية صاحب العلاقة الأكثر وثاقة بالسياسيين الأمريكيين. كما حافظ الكاظمي على علاقاته القديمة مع الإسلاميين، ووازنها مع بعض السياسيين السنة، وأبقى الحرارة مستمرة مع القيادات الكردية.

هذه الخلطة الصعبة من العلاقات كانت تحتاج الى السير بين المتناقضات، وقد استطاع الكاظمي أن يقطعها في ظل الأجواء المتقلبة والحساسيات المفرطة، من دون مشاكل ومن غير متاعب. يعود السبب الى أنه رسم لنفسه دور الإداري وليس السياسي.

لا أدري إن كان قد اختار هذا الدور نتيجة التفكير أم بشكل تلقائي. لكنه في هذا الاختيار تخلص من التقاطعات الحادة التي كانت تطبع كل السياسيين والمعارضين بدءاً من القيادات وانتهاءً بأبسط منتسب حزبي. نجى الكاظمي من التصنيفات الحادة عندما دخل النشاط السياسي المعارض لنظام صدام، بشخصية الإداري الذي يتولى مهمات إعلامية.

مرّ الكاظمي على ثلاث شخصيات مهمة في حياته، تركت كل واحدة أثرها في بناء شخصيته.

كانت بدايته بعد الهجرة الى إيران مع الحاج كاظم (مهدي عبد المهدي) القائد الكبير الذي كان يثق به الشهيد محمد باقر الصدر أكثر من غيره في شؤون العمل المعارض ضد نظام صدام. والبطل الذي قضى حياته معارضاً صلباً عنيداً يصطحب الموت معه في تنقلاته الدائمة بين مقراته الحدودية وبين مناطق العراق في أشد الظروف حراجة. لم ينم على سرير مريح أو يأوي الى بيت هادئ، كانت حياته معارضة وكفاح ومبادئ، رحمه الله برحمته الواسعة، فقد توفي بعد فترة قصيرة من إطلاق سراحه حيث قضى أكثر من عامين معتقلاً عند القوات الأمريكية. (كتبتُ عنه عدة مقالات، وسأكتب عنه أكثر بعون الله).

انضم مصطفى الكاظمي في بداية شبابه الى تشكيلات الحاج كاظم، وتأثر بشخصيته وشجاعته، وخاض معه بعض التجارب الجهادية القتالية، وكان من رفاقه في تلك الفترة الشهيد أبو أيمن والشهيد أبو ثائر الناصري.

لكن الكاظمي لم يستمر على ذلك فترة طويلة، فقد ترك إيران الى أوروبا واستقر في السويد، وهناك وجد استاذه الذي كان يتردد عليه قبل ذلك في طهران، وهو الأستاذ غالب الشابندر المحطة الثانية في حياة الكاظمي.

طبيعة العلاقة والتتلمذ على يد الشابندر تجعل صاحبه ينفتح على آفاق الفكر الإسلامي، وتجعله أيضاً يبحث عن مجال جديد يختاره في التفكير والعمل. تأثر الكاظمي بمنهج استاذه أكثر من تأثره بفكره. وقد غمره الشابندر بأبوة روحية طاغية، وإن كان يختلف عنه في التوجهات والآراء والعلاقات بشكل كبير جداً، يصل الى حد الاختلاف الشديد. ولا يشعر الشابندر بعقوق تلميذه وابنه، فشخصيته المتمردة، وهذا التشابك المعقد والغريب بداخله، يجعله يرتاح حين يتمرد عليه أحد تلامذته، فهو يراه عندئد قد نجح في اختيار الطريق.

انطلق مصطفى الكاظمي بعد ذلك الى آفاق أوسع في العلاقات، فكانت محطته الثالثة مع كنعان مكية. وهنا وجد الكاظمي نفسه أمام عالم جديد يختلف عن السابق، فهناك شخصيات تدخل وتخرج على صانعي القرار، ورجال يشتركون في مهمات كبيرة في المعارضة والعلاقة مع الدوائر السياسية الإقليمية والدولية.

إهتم كنعان مكية بالكاظمي بسبب قابلياته الإدارية، فلقد كان صاحب مشروع سياسي لكنه لا يجيد إدارته، ويعترف مكية بذلك ويصرح بعدم قدرته على الإدارة، لأنه مهتم بتوجهاته الفكرية السياسية.

تأثر مصطفى الكاظمي بالتوجه الليبرالي لأستاذه الجديد كنعان مكية، وتأثر أيضاً بالنقلة الفكرية التي يرويها مكية عن حياته، فقد بدأ معجباً باليسار، وسار مع الماركسية يقرأها ويدرسها، لكنه بعد سنوات من هذا الاهتمام لم ترق له، فتخلى عنها ليصبح ليبرالياً متمسكاً بالفكر الليبرالي بشكل تام.

شجّعتْ تجربة كنعان مكية في التحول من الماركسية الى الليبرالية، مصطفى الكاظمي للتحول من الإسلامية الى الليبرالية. فصار يجد شخصيته وهويته وتطلعاته من خلال منظارها. لكنه احتفظ بقدر من القديم الذي نشأ عليه. تلك هي توجهاته الشيعية وخصوصاً ما يتعلق بجانبها الطقوسي حول عاشوراء وثورة الامام الحسين عليه السلام.

الكاظمي الليبرالي الشيعي، ورئيس الوزراء الإداري وليس السياسي، يتولى مسؤولية خطيرة صعبة. وبالنسبة له فأن الصعوبة أمامه تتوزع على مشكلتين أساسيتين:

الأولى: يتحمل مسؤوليتها بنفسه، وتتعلق في فريق العمل. وهذه صارت محور الكلام في توجيه النقد اليه من أطراف عديدة. فقد اختار معظم فريقه من العلمانيين منسجماً مع توجهه الليبرالي.

الثانية: هي المشكلة الأعظم التي تطبع الحياة السياسية، وهي الصراعات الحادة بين الكتل والأحزاب والقيادات. ويتركز عمل هذه القوى على ابتزاز رئيس الوزراء، فمساندته لابد ان تكون مقابل مناصب ودرجات وظيفية مهمة يقدمها لهم. وأيضاً يجب عليه أن يسكت عن ملفات الفساد ولا يقترب منها.

مصطفى الكاظمي، الشيعي الليبرالي المقرب والمدعوم من أمريكا، أمامه عدة مهام صعبة: إخراج القوات العسكرية الامريكية من العراق. محاربة الفساد بجدية وسرعة. انقاذ الدولة المنزلقة نحو الانهيار من السقوط في قعر الوادي.

المهمة صعبة، وفي نفس الوقت لا تقبل الأعذار والتبريرات.

 

سليم الحسني

 

 

حسن خليل حسنمن يظن ان العراق ما قبل التظاهرات الاخيرة يشبه ما بعدها فليس له حظ بفهم المشهد السياسي، فمرحلة ما بعد الكاظمي تختلف بالمضمون وان بدت ذات اختلاف شكلي فقط، الكاظمي المخضرم بالفن الاعلامي، جاء في زمن مرتبك لكنه لم يضيع مكتسبات المرحلة، قرّب الاصوات الاعلامية الهادرة  ليصنع الفرق اعلامياً، فصوت الاعلام هو من يحكم الشارع بعد ان انكفأ صوت الاسلام السياسي المتهم بالفساد والفشل.

اهم ما في مرحلة الكاظمي هو تذويب المكانة السياسية للكتل الكبيرة في المشهد والقرار المؤثر، لم يلتقي بهم الا في لحظة التكليف وهي لحظة الامر الواقع، شكّل اسرع الحكومات وحصل بذلك على اقل اللعنات، فهو يعمل بجميع صلاحياته في آن واحد، ويكتفي بمجاملة شكلية للقرارات التي كانت تُطبخ في قلب الابراج العالية، كما ان صمت المتظاهرين وخفوت الحراك الشعبي بعد تسنّم الكاظمي ليس من فراغ، بل لأدراك الشارع المنتفض ان جميع الاجراءات التصاعدية للعمل الحكومي كان وما زال لإرضاء المتظاهرين عن بعد، وهذا يتناغم مع عدم رضاهم على الاداء الحكومي في جميع مفاصل الدولة.

الكاظمي ادرك ان تسنمه منصب رئاسة الوزراء يعد هدية الشارع الساخط في الاحتجاجات الاخيرة، وهو بذلك يستفيد من تجارب الاخفاقات السابقة للعراق، ليسير بولايته نحو نقطة تحول فارقة بعد العام 2003، باختصار هو يعمل بمنظومة قرارات عميقة تبدو وانها ذات مغزى اعلامي، بدون النظر عن نفاذها او تلكؤها، المراهنة على مسألة الوقت في الاداء فيتحرك ليلاً ونهاراً بكل الاتجاهات، كما يبدو ان آخر من يحاول ارضاءهم هم الخصوم السياسيين الذي اعترضوا بجبهة عريضة على تسنمه المنصب حينما كان اول المرشحين له.

السطوة الاعلامية ستوفر للكاظمي فائدتين الاولى جس النبض الجماهيري في الاعلام الذي هو مرمى الوعي الوحيد حاليا، وبعدها تهيئة الارضية لسحب البساط من تحت اقدام النظام السياسي الحالي، بعد ان ايقنت الجماهير والمرجعيات عدم جدوى الوجوه المتكررة في ظل البرلمان الذي تسيره قادة الكتل الاسلامية، وربما يكمن سر قوة الكاظمي في قرب قراراته من توجهات الشباب والكتل المدنية التي تتعطش لتغيير الوجوه وزعامة المشهد، هو يدرك ان قوى الشباب المتظاهر هي من اعطته فرصة كبيرة لأنه جاء من غير دعم الوجوه السياسية الكبرى، وعلى مرارة من الوجوه الاخرى، وبهذا فهو يتحرك بثقة ومرونة بالرغم من انه جاء في وقت اشد الازمات، وربما الثقة تأتي من فراغ الساحة من المراهنين على المنافسة السياسية الرقمية بالرغم من التفات البعض لهذه النقطة مؤخرا.

ما ينقص الكاظمي الان الحاجة لترشيد الجرأة وتقنين الانتصارات الاعلامية، ومراجعة دقيقة لجدوى القرارات السابقة وفائدتها على الواقع الجماهيري ككل وليس لقوى الرفض الجماهيري فقط، فوضع القرارات في ميزان المصلحة الوطنية للوضع الراهن يظهر ان فيها  الغث والسمين، فالحركة ضد الفصائل المقاومة لم تكن بالقرار الرصين، وان كان يبحث عن خطوة  لاستشعار رضا الاقطاب الداخلية والخارجية الفاعلة التي تراقب المشهد او البحث عما يحقق نصراً اعلامياً كبيراً، كان من الافضل ان يعالج مشكلات تمدد الاكراد على الارض والاقتصاد العراقي، اما الفصائل المقاومة فهي ظهير استراتيجي ضروري للوضع الامني العراقي، ولا يوجد تأثير سلبي واقعي او محتمل على القضايا السياسية العراقية.

الجميع يعلم ان الكاظمي يحاول ارضاء خصوم الحشد من امريكان وخليجيين وقوى مدنية تدعي بوجود تأثيرات ايرانية في قرارات هذه الفصائل، بينما لم تثبت الوقائع ذلك، بل التحرك المسلح لهذه الفصائل لم يكن سوى ردة فعل بمقابل الاعتداء عليها داخل ارض الوطن، وربما نجحت امريكا مؤخراً بخلق احداث تسببت بردة الفعل ضد قواعدها في العراق، ونجحت بإظهار هذه القوى التي تعمل طوال السنوات الاخيرة تحت مضلة الحكومة وتأتمر بأوامرها وكأنها معضلة امنية عراقية بينما الحقيقة غير ذلك، كما ان قضية الفصائل المسلحة ليست بمصاف قضايا اهم مثل كشف الفساد والاموال المنهوبة من قبل مافيات سياسية معروفة،  فخصومة الداخل امر ذو نتائج عكسية وهذا ما اثبتته التجارب في زمن علاوي والمالكي، كما ان العراق بحاجة الى قوة شبه حكومية ساندة تتحرك وفق سياق ايجابي في ظل استمرار مخاطر داعش واعادة نفث الروح فيه، والاطماع التركية المتنامية في شمال العراق، وربما ضرورية في هذا الوقت للتلويح بالردع  للانفصاليين من شركاء الوطن.

يمكن للكاظمي في هذه المرحلة الارتكاز على المرونة الكبيرة في التعامل مع فصائل المقاومة العقائدية التي ترتكز على قناعات وطنية وان عكس الاعلام المضلل غير ذلك، ان اخذ عهود المقاومة  بان يكون تحركها ضمن القضايا العراقية ممكن جدا مقابل تطبيق اجلاء سريع للوجود الامريكي الذي يتسبب دائماً بأزمات داخلية وخارجية متعاقبة، وهو الحل الانسب في هذه المرحلة، كما ان التنصل من اتفاقية العراق مع الصين واحدة من السلبيات، اذ اشارت اللجنة الاقتصادية النيابية مؤخراً ان الحكومة اغفلت في برنامجها الحكومي العديد من الأمور الاقتصادية المهمة في ظل الظرف الاقتصادي الحالي الصعب، بينما كان يمكن للكاظمي مسك العصا من الوسط، فان تشذيب الاتفاقية بما يخدم وضع العراق الذي يحتاج الى الربط السككي مستقبلاً بشكل مصيري غير قابل للقسمة على اثنين، حيث اصبح النفط اقتصاد الكسالى والاعتماد عليه من البلاهة والاستسلام للإفلاس والمجاعة،

في هذا الظرف على الكاظمي ان يركن جميع الملفات الثانوية ولا يستجيب لضغوط الادارة الامريكية، العراق يحتاج لمن يأخذ بيده لتحقيق تجارب تنمية الاقتصاد التجاري والنهوض بالزراعة الحديثة وتوليد الطاقة النظيفة، هذه الملفات لا يمكن لغير الصين ان تحققها على المدى المنظور، من جانب الغرب يمكن تأمين علاقات مرضية مع الغرب، وهذا الدور لا يمكن لغير الكاظمي ان يلعبه في هذه المرحلة.

 

د. حسن خليل حسن

 

سامان سورانيبما أن جائحة كورونا سوف تسهم في تقوية دور الحکومات وتعزيز الوطنية، لکن الدخول في المسرح الدولي بحاجة الی عمل صانع القرار في حل الخلافات الداخلية، لأن السياسة الخارجية الفعؔالة، التي تعبر عن الإرادة الشعبية، تطلب دوماً أن یكون الشعب متحد حول سياسة خارجية متحدة.

نحن نری بأن السياسة الخارجية هي جزء مهم من النشاط الحكومي نحو الخارج وجزء من السياسة الوطنية الناتجة من قرارات وأفعال صادرة من أصحاب القرار لمعالجة مشاکل تطرح ماوراء الحدود بهدف تحقيق أهداف بعيدة أو قريبة المدی.

أي أن السياسة الخارجية هي المفتاح الرئیسي في العملية التي تترجم بها الدولة أهدافها ومصالحها بعد أختيار ماينبغي علیها أن تقوم بە فيما يخص الشٶون الدولية وفي إطار حدود قوتها وواقع بیئتها الخارجية.

فیروس کورونا الذي أدی الی تراجع النشاط الاقتصادي وزيادة التوتر بين الدول وعدم الإستقرار وساهم في حصول نزاع واسع النطاق داخل بعض الدول وفيما بینها، يجبرنا أن نؤمن بإستبعاد عودة العالم مرة أخری إلى فكرة العولمة ذات المنفعة المتبادلة، التي اتسم بها مع بدايات القرن الحادي والعشرين.

السؤال هو، ماهي الثوابت والمرتکزات التي تقوم علیها السياسة الخارجية لإقلیم كوردستان في ظل التغيرات المحورية في التعاون الدولي وتغيير خریطة السيطرة والصراع والوسائل المستخدمة في عالم متعدد الأقطاب "Multi polar" بشكل متزايد؟

وکیف تؤثر السياسة الخارجية أو في حالة الإقلیم ما يسمی بالـ"Para diplomacy"، التي هي ليست فقط وصفاً لما تقوم به حکومة الإقلیم ولكنها أيضا تفسير لما تفعلها، في عالم الغد ومکان ودور الإقلیم في هذا العالم وهل بإستطاعتها عن طریق إستخدام الحياد الإيجابي وحماية التوازن ومبادرات ذاتية القیام بتألیف نقطة جیو-إستراتیجیة شديدة الحساسية في الدائرة الکبری للأمن القومي للقوی العظمی، لکي لایتم التعامل مع الإقليم بسياسة التعامل مع الوضع "Situation based policy" أو في إطار الـ"Grand strategy"؟

ما نتصوره هو أن الدول والحکومات التي تنجو بفضل نظمها السياسية والاقتصادية والصحية الفريدة، هي من ستفوز على الدول والحکومات التي خرجت بنتائج مختلفة ومدمرة في معركتها ضد كورونا.

إن الوضع المتميز الذي يتمتع به إقليم كوردستان من الناحية السياسية يدفع السياسة الخارجية في الإقلیم الی التوجه نحو وضع خطة إستراتيجية شاملة للتعامل مع الوضع الحالي والمحاولة الجدية للحفاظ علی الوضع الامني والعسكري المستقر وذلك لتحقيق الاهداف السياسية والاقتصادية والأمنية المتعلقة بالحفاظ علی بقاء الکيان السياسي للإقلیم، الذي علیه أن يبقی محترماً علی المستويين الدولي والإقليمي.

فمن أجل تحقيق مستقبل أفضل لهذا الاقليم، الذي يعتبر من الناحية الأمنية القطب الهادیء في المنطقة، علیه تجاوز المعوقات التي تعترض طريق وضع الخطة الاستراتيجية لتفعیل العملية الديمقراطية ومکافحة الفساد الاداري والسياسي والاقتصادي ووضع حد للتدخلات الخارجية من قبل دول الجوار الاقليمي.

فالظهور بمظهر متحد في السياسة الخارجية المتعلقة بالأمور الصحية والمالية والإقتصادية والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان والمطالبة بالسلام والسعي نحو الرفاهية والأمن أصبح وربط السياسة الخارجية بالداخلية من الأهمية بمكان، خاصة في هذا العصر الذي أصبحت فيه نبرة التعامل أكثر خشونة، والنظام العالمي أقل استقراراً.

علی السياسة الخارجية في الإقليم العمل الجاد والإستمرار في حثّ الحلفاء والدول الصديقة لدفع الحکومة الإتحادية بإتجاه تطبيق بنود الدستور وإرساء حكم القانون وإستقلال القضاء وإحترام مبادیء الشراكة ورأي الشعب والتقلیل من المعضلات التي أدت في الماضي الی خلافات حادة مع الإقلیم وتعقيد العملية السياسية وبروز الاحتجاجات وإعتصامات في أغلب المناطق الجنوبية بالعراق.

وعلی السياسة الخارجية في الإقلیم أیضاً التأکيد علی الإيمان بالإستراتيجية القائمة علی أساس التعايش المشترك بعيداً عن المبادیء المطلقة والإرادات الفوقية المتعالية، التي تدفع البشرية في غير مكان ثمن مصائبها وكوراثها، فاستقطاب المصالح الاقتصادية والطاقة لدول العالم وربطها بأسواق إقليم كوردستان وتأمين المصالح وصنع المصائر هو صناعة مشتركة يساهم فيها كل مواطن كوردستاني من موقعه وحقل عمله.

أما الأحزاب السياسية التي تمارس في ظل الفضاء الديمقراطي المتواجد في الإقلیم عملها بحرية كاملة وتمتلك الی درجة الصوت في تكوين السياسات الخارجية فعلیهم أن يکونوا فعلاً بمثابة العمود الفقري للنظام السياسي الديمقراطي وأداة ربط المواطنين بحكومة الإقلیم، لا أن يستمرون في التعارضات الخانقة وذلك بهدف شل عملیة صناعة التنمية وهندسة العلاقات السياسية، تلك العلاقات التي تٶمن مستقبل زاهر للإقلیم وتؤدي الی الحرية والإستنارة والعقلانية وتحمي في النهاية الأهداف الوطنية النبيلة.

وختاماً: إن الإصرار علی الفضاء العالمي، الذي هو مدی حيوي لإقليم كوردستان وإتقان فن التعايش والتبادل لإزالة العوائق وحلحلة العُقد يصنع السوق ويُنمي الإقتصاد، فهو عنوان الحضارة وأساس بناء العلاقات الدولية وسيادة الدولة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

اياد الزهيريأنها مفارقه يتسائل الكثيرون عن سبب العداء بين جهات أتخذت من الأعتدال والوسطيه نهجاً لها، وبين الأمبرياليه الغربيه، الذي يصل أحياناً الى حد المواجه الدمويه بينهم، وما الحروب التي جرت سابقاً وحاضراً الا مصداق لهذا العداء الذي أشرنا اليه . لو دققنا جيداً لرأينا أن الدول الأمبرياليه وعلى رأسها أمريكا تسعوا طامحه الى الهيمنه على منطقة الشرق الأوسط، ولأسباب معروفه أهمها أقتصاديه لما تتمتع به بلدان الشرق الأوسط من ثروات كبيره، بالأضافه كسوق عالمي كبير لما تتمتع به من ثقل سكاني كبير . هذا الأمر جعل هذه المنطقه منطقة صراع منذ بداية الحرب العالميه الأولى وليومنا هذا . لانستطيع فصل القضيه الفلسطينيه من هذا الصراع أيضاً، وهو سبب مهم ورئيسي كذلك، حيث تسعى أسرائيل ومن وراءها أمريكا من بناء دولة الحلم أسرائيل من الفرات الى النيل . هذا المشروع الأمريكو-أسرائيلي أصطدم بعقبة قوى الأعتدال من قوى سياسيه ذات أيديولوجيه أسلاميه ووظنيه تتصف بالأعتدال، وتحمل لواء الأصلاح في بناء بلدانها بعد أن سقطت الدوله العثمانيه على يد كمال أتاتورك . هذه الدوله التي حكمت أجزاء كبيره من العالم الأسلامي، وما تميزت به من سلطه وجبروت غاشم، وبما أدعته من أنها تمثل دولة الأسلام وما بررت به سلطانها بأنه ظل الله بالأرض . هذا الأعاء فلسفَ لهم وعاظ السلاطين الذين يعملون في خدمة السلطان . وهذا اللون من الحكم الثيوقراطي أدلجه أبتداءاً معاويه بما ساقه من مبررات وأحاديث موضوعه جاء بها واضعي وملفقي الأحاديث التي نسبوها للنبي (ص) وهو منها براء وكان أشهرهم أبي هريره وهو بمثابت وزير دعاية وأعلام البيت الأموي ومن ما نسب للرسول من أحاديث ( ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني). كما دعموها بفلسفة الجبر التي تنطلق من مقولات أن كل ما يحدث في العالم ومنها تنصيب الحكام من الله، ومنها قدر وقضاء الفقر والغنى، وما على الأنسان الا الأستسلام لهذا القدر حتى سموا بالقدريه، وأستمر هذا الخط الى العباسين ومن ثم العثمانيين، حتى أن الماوردي (1058 م) وهو من فقهاء السلطان عاش في زمن الدوله العباسيه، يقول (أن الله جلت قدرته ندب الأمه زعيماً خلف به النبوه وحاط به المله وفوض اليه السياسه)، بهذا المنطق الذي لا علاقه له بالأسلام، والذي عبر عنه علي (ع) عندما جاءه طلحه والزبير لمبايعته،قال لهما (أن هذا الأمر لا يكون الا عن رضا الناس وأن بيعتي لا تكون الا عا مه ) ثم أكد (أنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فمن رضي به المهاجرون والأنصار كان لله رضا). أن أضطهاد الدوله العثمانيه لشعوب كل الدول التي أحتلتها كان الى درجة الأختناق وتميز بالتعسف والأستبداد، ومعروف عن العثمانيون بسلوكهم الشرس وشخصيتهم الجلفه أتجاه رعاياهم . فمع أنفراط عقد هذه الدوله والتي سمتها الدول الأوربيه بالرجل المريض، قسم تركت هذه الأمبراطوريه الأوربيون بمعاهدة سايكس-بيكو، ولكن من الملاحظ برزت ظاهره جديده على أثر الفراغ الذي تركه سقوط الدوله العثمانيه . هذه الظاهره،هي ظاهرة أنقسام النخب الثقافيه في هذه الكيانات الجديده والتي تتكون من علمانيين وسلفيين وأصلاحيين، هؤلاء كان منهم الناقم على الوجود التركي ويعتبره أستعمار قد ساهم بتخلف هذه الكيانات وسبباً للأنحطاطها وفقرها وتخلفها، وهناك من كان يتباكى على ضياع دولة بني عثمان معتقداً بأنها تمثل بيضة الأسلام، ورمزاً للمسلمين، وكان من يمثل هذا الأتجاه في مصر جماعة الأخوان بزعامة حسن البنا ومن العلمانيين سعد زغلول، أما في العراق فكان يمثل الجانب الصديق للدوله العثمانيه هم مشيخة الأسلام السني، وبعض علماء الشيعه الذين وقفوا ضد الأنكليز لا حباً بالدوله التركيه ولكن طرداً للأستعمار المسيحي المتمثل بالبريطانيين آنذاك، كما مثل العلمانيين بعض العسكريين وعلى رأسهم نوري السعيد، ومحسن السعدون، وبعض ألقوميين العرب، أما في نجد والحجاز فقد برزت السلفيه التي مثلتها الوهابيه والأتجاه العلماني الذي مثله الأمير الشريف حسين، والد الملك فيصل ملك العراق . أختصر الموضوع بهذه البلدان لأن في بقية البلدان العربيه برز فيها ما شابه هذه البلدان التي ذكرناها، ولكن المهم بالموضوع هو موقف الأستعمار الغربي من هذه الحركات التي أبرزت مواقفها المتباينه من ما يحدث على بلدانها لذى عمدت الدول الغربيه وكانت أنذاك بريطانيا وفرنسا وأيطاليا،هي من تقاسمت بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكي تسهل مهمتها، وتزيل كل العراقيل من أمام تواجدها، وبعد ذلك أستغلال ثروات هذه البلدان، وجعلها سوق أستهلاكيه لها، عمدت تكريس حاله من الفوضى والضياع وترسيخ الأنقسامات فيها، وقد أستخدمت لذلك سياسة (فرق تسد) المعروفه . فعملت على تأجيج البعد الطائفي بين السنه والشيعه في العراق، وبين المسلمين والمسيحين في لبنان، لذى ترى المستعمر الغربي شجع قوى الجمود والتطرف وخاصه المذهب الوهابي في السعوديه والسلفي في بقية البلدان وخاصه في مصر، كما شجع الطرق الصوفيه في المغرب العربي. من جهه أخرى تصدت هذه القوى الغربيه للتيارات الأصلاحيه سواء كانت وطنيه مثل حركة سعد زغلول في مصر ولعبد القادر الجزائري في الجزائر وللحوزه العلميه في النجف وكربلاء في العراق، بينما عمدت الى تغذية بعض التيارات الفكريه وخاصه بين الشباب ذوي الميول الغربيه بهدف حملهم على التبعيه الثقافيه والفكريه للمستعمر الغربي، في حين أستخدمت العصى مع كل تيار يدعو الى الأصلاح والتحرر وأنجاز الأستقلال الوطني، لذلك ترى بريطانيا أقتربت في العراق الى تيار نوري السعيد المتمثل بالحزب العراقي، وحزب التقدم برئاسة عبد المحسن السعدون، وأبتعدت من الحزب الوطني العراقي الذي قاده السياسي العراقي جعفر أبو التمن، وأبتعدت من حوزة النجف الأشرف المناهضه للأستعمار الغربي وأقتربت من مجموعة عبد الرحمن النقيب بأعتبارها تمثل الأسلام التقليدي السني الذي كان موالياً للأستعمار العثماني، وهنا لعبت المسز بل دوراً محورياً في تغليب الأقليه السنيه على الأغلبيه الشيعيه . وهكذا أنتجت هذه السياسه عن ظهور تيارات وأحزاب سارت في فلك القوى الغربيه، أو على الأقل مهادنه لها، ولذلك خانت بريطانيا عهودها مع الشريف حسين الذي كان يدعو الى أقامة دوله عربيه كبرى، وعاضدت ال سعود لأنشاء مملكتهم ذات الطابع القطري مع ضمان تعاونهم معهم في الأستثمار في المملكه السعوديه بأعتبارها بلد واعد بالثروه النفطيه . كانت حصيلت هذه الساسات الأستعماريه تمزق العالم العربي، وظهور تيارات متصارعه، وأفكار تنقسم بين غربيه وشرقيه لا تنتمي لتراث وثقافة ودين وحضارة هذه البلدان، وأن ما أصاب منطقتنا من حروب وفوضى هي نتيجه طبيعيه ومنطقيه لما أسس له الغرب من كيانات متصارعه ومتناقضه الى حد زرعت فيها الأستعداد للتقاتل فيما بينها، وسحق بعضها بعضاً مرتاً لأسباب فكريه، وبعضها مناطقي، والأخرى أيديلوجي، ورابعه قومي، حتى أشبعوا المنطقه حروب ونزاعات ذهبت ضحيتها الملايين من البشر، وخسرت الكثير من الثروات، والمزيد من فرص التطور لهذه الشعوب . المشكله أن المشروع الغربي ما زال قائماً هو هو أطرافه الغربيه مضاف لها أمريكا وأسرائيل، وبنفس الأساليب والأدوات ولكن بأسلوب أكثر دهاءاً وتطوراً، فقد ورثت أمريكا بريطانيا العجوز، وورثت معها آلياتها في تكريس التخلف وزرع التفرقه والضياع بين شعوب هذه المنطقه، وذلك عن طريق زراعة الأنظمه الديكتاتوريه من أمثال شاه أيران، وال سعود وحزب البعث في العراق، والعائله الهاشميه في الأردن، وينسحب ذلك على بقية البلدان العربيه والأسلاميه، فهي من أغرت صدام بالهجوم على أيران وأشعال حرب لمدة ثمان سنوات أحرقت الحرث والنسل، وهي من صنعت طالبان كتنظيم متطرف ديني وعادت الحركات الأسلاميه المعتدله والأصلاحيه . كما أسست داعش وهو تيار أجرامي متطرف ومتخلف والذي يمثل أقصى درجات الجمود والتخلف، تيار أقصائي قاتل والذي قاد حروب عبثيه أبتداءها في سوريا وأنتقل الى العراق، وهذا التأسيس ما صرحت به هيلاري كلنتون وزيرة خارجية أمريكا في عهد الرئيس أوباما، في حين عادة أمريكا الحشد الشعبي العراقي الذي يمثل الحاله الوطنيه والمعتدله في الساحه العراقيه وقتل أبرز قادته وهو أبو مهدي المهندس بقصف جوي . كل هذا،من أجل غايه خبيثه تسعى أمريكا من وراءها الى أقصاء قوى الأعتدال في هذه البلدان، وتهميش كل القوى الخيره والبناءه والوطنيه كحزب الله في لبنان، الذي يسعى الى تحرير لبنان من المحتل الصهيوني، فترى أمريكا تسعى مقابل ذلك الى تعضيد القوات اللبنانيه بقيادة جعجع، وهي قوات عميله للكيان الصهيوني وهي من وضعت يدها بيد القائد العسكري شارون في زمن رئيسه بيار الجميل لأجتياح لبنان،في حين دارت ظهرها لكل القوى الوطنيه اللبنانيه،في حين تضامنت وساعدت القوى الرجعيه المتمثله بتيار المستقبل في لبنان برئاسة الحريري وبمعاونة السعوديه بأعتبارها ذيلاً أمريكياً وتأتمر بأمرها. الآن بدأت ومنذ زمن أمريكا بالتعاون مع بريطانيا وأسرائيل في مشروع تدميري أكثر خطوره وأعظم تدميراً للمنطقه، والآن يجرى هذا بكثافه وبخطى سريعه على الأرض العراقيه . هذا المشروع يتناول القناعات والرؤى لدى الشباب، في محاوله خبيثه لتحويل قناعاتهم الوطنيه والدينيه، وشيطنة محور المقاومه التي تعمل على طرد المحتل . هذا المشروع يتناول تفكيك البنى الفكريه للشعب العراقي، وزراعة مفاهيم التشكيك في عقيدة أبناءه وخاصه الشباب، هذا المشروع يشترك فيه بشكل مباشر أو غير مباشر طبقه من العلمانيين المدجنيين من قبل الغرب والمخصيين من قبل النظام البعثي السابق، ومنهم من الموتورين اليساريين الذين يشعرون بالتأزم النفسي نتيجه لأنكساراتهم وفشلهم في تحقيق أهدافهم الحزبيه والشخصيه والذين باتوا مشروعاً وسيفاً مشرعاً للمشروع الغربي والرجعي في المنطقه من أمثال سعدي يوسف ورشيد الخيون، ومنهم بعثيون من أمثال سعد البزاز والدكتور يحيى الكبيسي وو،كما جندوا لمشروعهم هذا بعض المرتزقه من أمثال أحمد الأبيض ومشعان الجبوري،و قسم من الطائفين من أمثال الدكتور عدنان الدليمي ورافع العيساوي والأخوه النجيفين أسامه وأثيل، وبعض العشائريين من أمثال علي حاتم السلمان وأحمد أبو ريشه وغيرهم الكثير، كل من موقعه، فالعملاء العشائريون يعملون على تكريس المناطقيه والعملاء الطائفيون لتكريس الطائفيه والعلمانيون لتكريس الأفكار والقناعات التي تصدع المنظومه الأخلاقيه والفكريه والعقائديه للشعب العراقي وذلك من خلال بعض المعتوهين من أمثال أحمد القبنجي وأياد جمال الدين، وغيث التميمي وهؤلاء معممون ومن الوسط الشيعي وهو المقصود حصراً في هذه الحمله بأعتباره يحمل فكراً تنويرياً معتدلاً ووسطياً خاصةً الوسط الحوزوي الذي يمثله المرجع السيستاني والفكري الذي يمثله أية الله محمد باقر الصدر. ومن باب الأيغار في تزيف الوعي في وسط الشباب الشيعي خاصةً وذلك لقتل جذوة الحميه والثوريه في روحه والتي يستمدها من عقيدته الحسينيه وبرجالات حبهم الى حد العشق بأعتبارهم رمزاً للبطوله والأقدام، حاولت بعض وسائل الأعلام على مستوى وسائل الأتصال الأجتماعي (الفيسبوك) لغرض التقليل من أهداف الثوره الحسينيه ومحاولة تصويرها بأن بطل هذه الثوره هدفه السلطه لا غير أو كانت حركته غير محسوبه وطائشه من أجل التقليل من هذا الرمز البطولي والتقليل من درجة أيحاءها الثوري في نفوس الشباب، والأمر لم يصل الى هذا الأمر فقط، فقط بدأوا في الطعن في سمعة وشرف بعض البيوتات العلميه والتي تعتبر رمز للعفه والشرف والأمانه، فمثلاُ أخذوا ينشروا فيديوات لأحد أبناء السيد الخوئي والذي أسمه عباس وهو مختل عقليلاُ بالهجوم على بعض رجال الدين وما يجري بالحوزه من تلاعب بأموالها، ووصل الأمر الى تناول عائلة بيت كاشف الغطاء، وهي من العوائل العلميه المحترمه، حيث نشرت وسائل التواصل وحتى بعض القنوات التلفزيونيه عن بنت شابه تدعي أنها من هذه العائله، و هي فتاة ساقطه خلقياً تتعرى وتعمل مكياج بشكل شاذ وتقول أنا أريد أن أفضح عائلتي بسبب معاملتهم القاسيه لي. وأخيراً بدأ الطعن بالثورة العراقيه الكبرى (ثورة العشرين) التي قام بها الشيعه في منطقة الفرات الأوسط وبقيادة علماء دينهم من أجل طرد المستعمر البريطاني، فأخذوا يستهجنون بها ويشككون فيها ويعتبرها البعض بأن الذين قاموا بها أناس سذج وحمقى وكان عليهم أن يدعوا بريطانيا أن تحتل العراق وتحوله الى بلد متقدم، وهناك مثل المدعو جمال الكربولي أمين عام حزب الحل وصاحب قناة دجله الفضائيه يدعي أن بطل هذه الثوره هو ضاري الزوبعي، في محاوله لسرقتها من أصحابها الأصليين الشيعه. كل هذا من أجل تكريس حالة الضياع وزرع عدم الثقه وأزالة القائد القدوه من أذهان الشباب الشيعي، وهنا يشير الدكتور سلمان الهلالي أستاذ التاريخ الحديث في مورد حديثه عن ثورة العشرين وما تتعرض له من طعون، فيقول أن هذا يهدف الى (زرع الدونيه والأستلاب عند الجيل الجديد)، كما يقول لكي (يؤدي الى الخجل من أي فكره أو أنجاز أو عمل أو تاريخ يمت للجماعه الشيعيه بصله) . طبعاً هذا يهدف الى الحط من هذه الطائفه المناضله التي تتسم بالوسطيه والأعتدال، وما توسم بها أعداء العراق من أمكانيه وطموح لأبداع حلول تخرج هذا البلد من أزمته، معتمده على ما تختزنه من طاقه ذاتيه عظيمه مستنده على خصوصيتها الثقافيه والتعبويه التي أستمدتها من رموزها التاريخيون، وما يمكن أن يفتحوا قنوات أتصال مع الجمهوريه الأسلاميه الأيرانيه في الأستفاده من قدراتها العلميه وخبراتها الفنيه وهذا ما لا يروق لأمريكا وأسرائيل ومن الطائفيين من بعض دول الجوار، والبعض من ساسة السياسيين المحسوبين على الطائفه السنيه . هذه هي بالحقيقه الأستراتيجيه المعتمده اليوم من قبل امريكا ضد قوى الأصلاح والوسطيه في العراق، وامحاولات المسخ والأستلاب جاريه على قدم وساق على تزيف وعي شباب هذه الطائفه والمدرسه الأسلاميه التي تمثل الأعتدال والوسطيه في عملها وحركتها وأفكار رجاله.

 

أياد الزهيري

 

عبد الخالق الفلاحالمسؤولية الكبيرة التي كلف بها رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي بتوافق بعض القوى السياسية تقتضي عليه الكثير من القراءات وعدم الاستعجال في الامور لانها ليست بالسهلة وان لا يغامر بمستقبله السياسي في مواجهة الرأي العام العراقي فضلا عن زيادة الأزمات الداخلية والتوتر و ان لا يفتح ابواب العواصف على نفسه وان لا يخضع لعوامل لا تريد الخير للعراق واهله وخاصة وانه جاء من مسؤولية بعيدة عن التخصصات القيادية للبلد والتجربة اظهرت ضعف هذه القدرة من خلال بعض الهفوات والشطحات التي وقع فيها والمطلوب منه ان يكون غير متسرع وحذر حتى من اقرب الناس اليه لان المسؤولية كرئيس لمجلس الوزراء واسعة ومن الضروري التعرف على مدى فاعلية المسؤولية التي كلف بها وأثارها كونها تحتاج الى خبرة وتجربة متشعبة والمام بأمور مختلفة حتى لا يقع في كماشة الاعلام المعادي ولا يمكن ان يكون الاصلاح سهلاً بعد سبعة عشر عاماً من التدمير والفساد الذي وقع ، لا يمكن ازالته واعادة بناء الخراب يقع تحت طائلة الزمن والاخلاص والتفاني و إلأ بالاعتماد على مستشارين اكفاء يميلون الى تخصصهم اولاً اكثر من العوم في السياسة ومن الطبيعي ان تقع المسؤولية عادة عن خطأ يرتكبها المسؤول أثناء ممارسته للسلطة، ويكون من نتائجها إلحاق الضرر بمصالح الشعب.. أو قد تنشأ أيضاً عن فشل في تحقيق الأهداف الأساسية المتمثلة بتأمين الحماية علي الصعيد الخارجي والاستقرار والرفاهية علي الصعيد الداخلي.

لكن في كلتا الحالتين يرتبط تحديد المسؤولية السياسية بالعناصرالتي  تشكل الدعامة الرئيسية للعمل معه ولا يمكن الجزم بان المعينين الجدد سيكونون افضل وانزه من سابقيهم ،وللحقيقة فمن الضروري ان يشاهد العراقيون رئيسهم يتحدث في كل القضايا بالمام ودبلوماسية لحد ما يقف على قدميه وهذه ما يفتقر لها الكاظمي ويحتاج الى زمن لترسيخها  في الوقت الحالي ولا تحل الازمات بخلق اخرى جديدة مع القوى السياسية التي قادة البلد خلال السنوات الاخيرة بعد سقوط النظام السابق بعد تشخيص القوى الوطنية والمضحية وابعاد الفساد والسراق من امام عجلته، ولا تشفع له (جعجعة بدون طحين) من خلال الظهور المتكرر في وسائل الاعلام فقط دون معطيات على الارض و منجزات محققة لأهدافها الاستراتيجية والتقيد برؤية الاصلاح الحقيقي للحكومة بل ايضاً في اعلان القرارات السليمة ويسن القوانين العادلة التي تؤمن المعيشة والرفاه والسلام والامن  ولا يتخذ قرارات مخالفة لصلاحياته تقف حائلاً دون تحقيق الأهداف. وتعكس حالة سلبية او ايجابية في كلتا الحالتين علي حاضره ومستقبله وهذا الأمر لا يخدم الشعب ولا يخدم بناء دولة مؤسسات وعليه العمل على بناء القوات الامنية كافة من "جيش وشرطة ومكافحة الارهاب وحشد شعبي وعشائري" التي دافعت عن العراق وقدمت دماء مشتركة في الدفاع عن تراب الوطن في معاركهم ضد العصابات التكفيرية المجرمة وعدم التفريط بهم لحماية بلدهم و ارضهم واستقلال شعبهم ويعمل علي حل النزاعات الداخلية بعيداً عن الاطماع الخارجية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية وبالدفع الى سحب قواتها وخلق الوئام والاستقراروإن يجمع القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية النزيه التي تمثل المجتمع لتعزز الثقة الضرورية لممارسة السلطة ويسمح، على صعيد أعم، بتجاوز الخلافات الظرفية لتوجيه كل الجهود نحو تخطي الازمات  ودفع البلاد في طريق السلم المدني والديمقراطية والرقي، وان يضع لمساته على ادارته لعلاقات الحكومة السياسية الداخلية والخارجية، وان يكون له تحرك سياسي على مستوى الداخل والمنطقة ومن ثم العالم ولا ينسى واجباته  وادواره المختلفة الاخرى خاصة إن المرحلة الانتقالية قصيرة ويمر الزمن بسرعة فيجب أن تطور بعض الأعمال والمهام ذات الأولوية التي تسمح للبلاد الخروج من الأزمة، على الصعيد السياسي، يمر بالضرورة عبرالرجوع إلى تحديد موعد والمسار الانتخابي والشروط المسبقة التي يطلبها سياسياً  و اقتصادياً  واجتماعياً وأمنياً كذلك. فهذا جزء من واجب وادوار وصلاحيات الحكومة، وكذلك أن تتعرف الدول الصديقة والشقيقة على الشخصيات الحكومية ،وحصر التصريحات على حد المتحدث الرسمي لاي مؤسسة فقط وابعاد الجيش والشرطة والقوات الامنية من التدخل في السياسية للمحافظة على وطنيتها .

تكمن اهمية المسؤولية السياسية للحكومة في النظام البرلماني في انه موضوع حيوي وخطير لان للوزارة دور مهم في هذا النظام امام من اختارهم الشعب لتمثيله لما تؤثره المسؤولية السياسية للوزارة من اشكاليات وتعريفات وتفسيرات تحتاج الى شروح قد تقع فيها بين الجهات التنفيذية والتشريعية عند التنفيذ ، ويمكن اجمال عمل الحكومة في النقاط التالية: المفهوم القانوني ، الاثار السياسية المترتبة على المسؤولية ، معايير التفرقة بين المسؤولية الجماعية والفردية ووسائل تحريكها، وبعد ان أضحى في الوقت الراهن تحديد مستوى الديمقراطية في الدولة المعاصرة يعتمد أساسا، بغض النظر عن المحددات الأخرى، على معيار الفصل بين السلط، هذا المبدأ الذي نادى به، ولأول مرة، الفقيه والفيلسوف الفرنسي "مونتيسكيو" في كتابه روح القوانين، حتى أصبح اسمه مقرونا به، ولعل أهم ما جاء به هذا المبدأ، أنه يقوم على وضع حد للحكم المطلق، وذلك واضح في قولة " مونتيسكيو" الشهيرة، " كل إنسان يمسك بالسلطة يميل إلى إساءة استعمالها، ولا يتوقف إلا عندما يجد أمامه حدودا".

وإذا كانت الحكومة هي تلك الهيأة أو الجهاز الذي يمارس العديد من الاختصاصات المهمة في المجال التشريعي والتنفيذي، فإن ذلك من شأنه أن يضعها في قفص المسؤولية والمحاسبة، سواء أمام امام الشعب او امام البرلمان بحكم كون العراق يعتمد على البرلمان في تعيين شخص رئيس مجلس الوزراء في  تحريك المسؤولية السياسية للحكومة عن طريق ميكانيزمات وآليات، كملتمس الرقابة وسحب الثقة وغيرها من الوسائل التي يمكن لمؤسسة رئيس الحكومة تجاوزها بالعمل في خفض المعاناة وفي تطبيق البرنامج الحكومي الذي قدمه وعبورالمرحلة الانتقالية بخير وهي آليات ووسائل من الاهمية لا تقل عن تلك التي يملكها البرلمان في مساءلة ومحاسبة الحكومة عن أعمالها..

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي

 

عبد الجبار العبيديلا احد يستطيع ان يفصل بين التاريخ والحضارة ..ان الذين يعتقدون بنظرية الفصل لازالوا الى اليوم لم يأتوا بشيء جديد، سوى اعتقادهم بأن الحضارة ثمرة من ثمرات التاريخ السياسي للدولة، لكنهم يتكلمون بلا دليل.

ليس لدينا نظرية ثابتة في تكاثر الانسان على الارض، سوى ما درسناه من انتقاله من الغابة الى السهول على شكل افراد وجماعات، ولا زال انسان النياندرتال منذ 50 الف سنة الى اليوم مجهول المصير . ولم تعطينا الدراسات الحضارية لحد اليوم تفسيراً واقعيا لكيفة الانتقال والتفاهم فيما بينهم، سوى بعض اثارهم القديمة وما تردد من الاشارات وحركات الوجه وجمل قصيرة لا نفهم معناها أشبه بتمتمات التماثيل. ولم يصل الانسان الى لغة التفاهم الا بعد عصور طويلة.. نما فيه ذهنه وجعله يشعر بحاجة للتعاون مع الاخرين، من هنا بدأ التحرك الحضاري نحو بناء الانسان.. الجديد.. لكن القصص القرآنية التي جاءت من الجزء المتغير من احداث التاريخ مثلت لنا خط تطور احداث التاريخ الأنساني بالمعرفة والتشريع والسلوك وهي مؤشرات حضارية مهمة لأستنباط خط تطور التاريخ وحياة البشر"تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك.. هود 49".. وتبقى القصص القرآنية سندا واقعيا لما جاءت به وثائق التاريخ .. "نحن نقص عليك نبأهم بالحق الكهف 13"..

لم يبدأ الانسان يفكر تفكيراً منطقياً منظماً يصاحبه العزم والتنفيذ الا بعد ان اجتاز مرحلة الغابة والاشارة او التمتمة وانتقل الى عصر التعاون والتآزر في مواجهة الطبيعة والحياة الصعبة التي عايشها منذ القدم بعد ان أصبح عقلهُ يربط ظواهر الحياة والطبيعة، فبدأ بمعرفة عمل البيت والطرق وجسور الخشب ودرىء خطرالفيضانات ومقاومة الحيوانات الضارية حفاظا على حياته وحياة الاخرين. اي بداية ظهور المهارات الفكرية التي ساقته نحو الحركة التاريخية.. من هنا قال العلماء ان العقل نفسه أول مخترعات الأنسان..والذي به خطا الخطوة الاولى في بناء الحضارة.

وحين اصبحت الجماعات تتعايش مع بعضها البعض تشكلت القيادات الجماعية، وبدأ التحول السياسي الحقيقي في تكوين الدولة او الامة بعاداتها وتقاليدها وقيمها الروحية، لكن الوثائق المكتشفة لم تخبرنا عن الزمن بالتحديد .. من هنا نلاحظ ظهور التفكير المنظم والادراك العميق لمسئولية القيادة الجماعية، أو قل تنازل الافراد عن بعض حقوقهم مقابل قيادة تحكمهم وترعى شئونهم، أي ان الحاكم ليس مطلقا في حكمه للجماعة.. فبدأ العرف والقانون غير المكتوب يصبح قاعدة لهم، وبالتدريج ظهرت كل المفاهيم الاخرى التي بنيت على المثل العليا في اتباع مكارم الاخلاق حين وضعت الجماعة بمستوى المسئولية المطلوبة لخدمة الفرد والجماعة معا.من هنا ابتكرت الأديان كمنظم للحق والعدل ليس الا؟ ومن يتبع حركة ظهور الدول يجد ذلك واضحا منذ قيام حركة الوعي الفكري وظهور الجماعات المتعاونة فيما بينها.. وبالتدريج ظهر القانون والدستور الذي به ارتفعت حركة الحقوق التاريخية الى مستوى الاحكام حتى سارت الشعوب في ضوئها لانجاز الحقوق.

بعد هذه المرحلة المهمة من تاريخ البشر قررت الجماعات المتضامنة الانتقال الى بيئة اخرى بعد ان كونت القيادة الجماعية التي عرفت التفكير المنظم والعزم والتنفيذ، وهذا الذي ساقها الى تكوين النظم والدول فاستمرت وتقدمت، بوعي قيادتها الفكرية تماما حتى اصبح لها حقوق وواجبات ومن معها وحولها.الدول منذ القديم بدأت في غالبيتها بهذ الاتجاه من دعوة الى تنظيم الى التزام بحقوقها وواجبات منتسبيها وظلت تتقدم في معارج الرقي حتى انتقلت من جماعة الى امة، ومن أمة الى دولة بالمعنى القانوني المعروف .لكن بعضها على قوتها وثباتها اهتزت جذورها عندما خرجت على القانون والدستور وسخرت امكانياتها لصالح قادتها لا لشعوبها منذ القدم كما ذكرتها الاساطير والقصص القرآنية في قصص ابراهيم وهود وعاد وثمود وكيف انحرفت فجرفها الزمن.. ولنا في عهدي الامويين والعباسيين مثلاً بعد ذلك وكيف انتهت الى السقوط والزوال .. فماذا يفكر من يحكمون في الأمة اليوم بلا قانون ولادستور.. ولا حتى أديان؟ فهل من فكرٍ ووعيٍ يحرك الشعور..؟

ان المفهوم الحركي للتاريخ ليس واضحاً في موسوعاتنا الفكرية لعشوائية الرأي السليم .. ولعدم مصاحبة هذا المفهون العمق الفلسفي والنفسي للمؤرخ حين بدأ يكتب وينقل للاجيال مفاهيم التغيير الجديد بتمثيل النص للعقلانية الفكرية والابتعاد عن الطوبائية التي سادت مجتمع ما قبل الاسلام.. وأحلال آيديولوجية جديدة قائمة على الحق والعدل التي جاءت متناقضة لآيدولوجية القديم .. حصل هذامباشرة بعد رحيل صاحب الدعوة الذي اراد بشروطه الحقة ايجاد التوازن بين الناس دون أفضلية لهذا او ذاك. لكن نظرية منا أمير ومنكم أمير جعلت المؤرخ يؤكد ان ما سُل سيف في الاسلام مثلما سُل على الخلافة.. وهنا كانت بداية النهاية للتغيير على رغم قوته وتكوين الدولة فيمابعد.. لأن الاساس ظل قائما على الهشاشة والعداوة فضربت وحدة الامة.

كل الجماعات التي تحضرت وكونت الدول، ركزت عل عاملين أثنين هما: الامن والقانون وفصل سلطات الدولة عن حقوق الناس.. وحول فكرة الارتباط بين التشريعات التي يضعها الأنسان والقوانين الحتمية التي تحكم حركة الطبيعة .. فحين ثبتت الحرية بالقوانين نهض الاقتصاد بسيادة الامن في التطبيق .. لذا عكف الفلاسفة على التاريخ يدرسونه ويستخرجون منه الأحكام والنظريات من تجارب الأمم والشعوب التي سبقتهم كاليونا ن والرومان، وحضارات العراقيين والمصريين التي منها استقوا بصيص نور هداية للقوانين .. حتى استطاع العلماء ان ينشئوا فكراً جديداً واسع المدى قياسا على الأسس الضعيفة التي بها كانوا يحكمون.. نعم هكذا كانت بداية التحرك هو ظهور العلم والعلماء وأحتضانهم وكتابة الدستور والقانون بروح الانفتاحية بعيدا عن التزمت في النص والعادة والتقليد.. لا عزلهم وقتلهم كما نحن اليوم.. ففتحوا أبواب عصر جديد.. هنا اصبح الخلاص من القيادة المتخلفة والمستبدة امرا محتما حتى انتهت بسقوط اليونان والرومان والعثمانيين والامويين والعباسيين وكل من اتخذ نظرية الاستبداد والدين المطلق عقيدة في حكم الجماهير.. وبذلك نشأت قاعدة جديدة للتفكير الواقعي المنطقي المنظم.. ومن بعدها ظهرت نظريات الحقوق والحريات التي تمتع بها الانسان فبدأ الأنفتاح لعصر جديد . .أنه منهج مدرسي منظم منذ القديم..

وبظهور نظريات التوافق بين المواهب والقدرات الانسانية مع القوانين التي ضمنت الحقوق والمساواة نجحوا في الانتقال الى مرحلة الدولة الحديثة التي يحكمها القانون.. ولم يبقَ للمستبد بالحق والقانون من مكانة مع الفكر القائم على العقل في التطبيق.. لذا يُخطأ من الاسلاميين الحاكمين من يعتقد ان الدين فرضَ عليهم فرض الالتزام القسري على الناس.. كلا بل فرض الاستقامة والعدل وحقوق الجماهير.. فالدين لايعترف برجال الدين ولا يخولهم حق الفتوى على الناس ولا يميزهم بلباس معين .. حتى اصبح النص الديني مراقب وحسيب على تطبيق الميزان الاخلاقي والقانوني بين الناس لا اراء المتخلفين منهم بشريعة هم استنبطوها بعيدة عن حكم العدل والحق في الدين.. و بعد ان اخترعوا المذاهب والملل ليسودوا على العالمين .. هنا كان موتهم وكراهية الناس لهم..حين حرم الدين الخيانة والاعتداء والتزوير والفساد بآيات حدية لا تقبل النقاش.ضماناً لحقوق الناس.. فهل قرأتها مؤسسة الدين او ما نسميا بالمرجعية صاحبة الرأي الأخير .. ومن يحكمون وطن العراقيين اليوم ..؟ حتى اصبح الشرف يعني التعفف والتسامي بألتزامات لابد من الألتزام بها ليتعففوا ويتساموا في الحقوق.. وهي من عادات وتقاليد الآولين.. من هنا جاءت سورة الاعراف القرآنية تطبيقا لقيم الحق والعدل في الدين.

ومن هنا جاءت ايضاً نظرية الحكم الصالح وكيفية التحقيق.. بعد ان تخلص العراقيون من حكم الدولة العثمانية البغيض فجاء استقلال العراق عام 1921، بعد تضحيات العراقيين المخلصين، والعراقيون ادرى بشعابهم، كما وصفه المرحوم جلالة الملك فيصل الاول (ت1933 م) بمذكرته المشهورة بعد تتويجه ملكا على العراق حيث قال رحمه الله جزافاً: (بلد تنقصه الوحدة الفكرية والملية والدينية، مبعثر القوى، فيه المتعصبون من الُسُنة والشيعة والاكراد والاقليات الاخرى من مسيحيين وغيرهم) لكن بفضل الله وهمة الشعب توحد كل العراقيين في ثورة العشرين، فماذا كان عليهم ان يفعلوا غير : حكم منضبط، وعدالة متناهية، وحكام مدبرين في السياسة خبرة وتجربة وكفاءة بعيدين عن الطائفية والعنصرية والاغراض الشخصية، على جانب كبير من الامانه والاخلاص واحترام شعور الاخرين.هذا هو تاريخكم لمَ لم تقرؤوه؟وحين اهملوه سقطوا مثل السابقين؟.. فهل من تفضلونهم اليوم على العراقيين من الغرباء في الحقوق سيقفون معكم عند الشدة..؟ هذا مستحيل..

ويبقى الدين الذي جاء عامل وحدة بين الناس .. صاغوه وحولوه الى عامل فرقة بين المواطنين.. بظهور مصطلحات السثة والشيعة والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرها كثر,,بعد ان غرزوا في اذهان الناس نظريات الحلال والحرام وهي غير موجودة في القرآن بل الموجود منها هي نظريات الأحكام والنواهي بأيات حدية لا تقبل التاويل.. وبوجب النص ... لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى، فالوطن وطن الجميع .. وكلهم من المسلمين بفارق الرسالات والزمن الطويل من النبي ابراهيم حتى الرسول محمد (ص) والمسلم هو الذي اطاع عقيدة الاستقامة في الدين وليس من صلى وصام كذبا ورياءً امام العالمين .. ألم يوصي القرآن عيسى (ع) بضرورة تعلم "الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل آل عمران 48"ويقصد بالحكمة السُنن الآلهية لاسعاد البشر .. وكتب الرسالات الابراهيمية الاخرى وأستيفاء المعرفة منها وهم كلهم من المسلمين "الأحزاب 35 .. " أم نبقى نهرول خلف أختلافات فقهاء الدين.. لا ادري من خولهم التفريق؟ كنا نأمل منهم القدوة كما كانوا يقولون.. فصدقناهم لكنهم همُ من تزعم التفريق.. دعوهم هُم والقدر يتصارعون.. فليقرأوا النصوص الدينية قراءة رأسية ليتفكروا الصحيح.. أذن لماذا صيغت قوانين الدولة بأختلاف الاجناس وبقي الدين مثبتا في الهوية ألم يكن من أجل عدالة السماء في الانسان.. أم جاءعلامة تفرقة بين الأنسان والأنسان.لا ادري كيف يفكرون .. "آخذناها وبعد ما ننطيها "وبهذا النفوذ المتعجرف المتزايد المرعب يحكمون..؟ومن فشل الى فشل يحققون والغالبية من الشعب اصبحت من المتذمرين، فهل سنبقى من الساكتين املا بالزمن والمغيرين؟ فأذا كنا كذلك دون همة واقتدار سيكون املنا مستحيل..

هذه السياسة المبنية على التعالي القبلي والديني والمذهبي خطئاً ألحقَت الضرر بالوطن والمواطنين معا وبهم ايضاً، لكن المعتدين لا يشعرون، لهذا قال الحق :"ان الله لا يحب المعتدين"..، كفاية متى تشبعون مالا ورياشا وجنساً في متعكم وانتم عند الأخرين أذلاء مهانون.. ابناؤكم في الخارج في القصور والاموال يرتعون.. وابناء الوطن على الأرصفة في المنطقة الخضراء نائمون .. الا.. ترونهم عندما كل يوم تمرون بحماياتكم التي لا تستحقونها تنظرون ..؟ لا حل امام العراقيين الا بفصل الدين عن السياسة لتحديد حقوق الناس عن سلطة الدولة كما فعلت الدول المتقدمة وأنتخاب من ترونه عدلاً ولا غير.. وندعوالله ان لا يبقي للكافرين ديارا...

واليوم بفضل ثوار تشرين الابطال الميامين .. صحى المارد العراقي من نومه ليرى كل شيء يجب ان يتغير لصالح المواطنين، كما قلنا ونبهنا وكتبنا الكثير ومادروا ان العودة للماضي مستحيل... لكن الذين كان في آذانهم وقرُو حين عَتم عليهم المستشارون الذين نصبوا انفسهم نيابة عن الشعب حكاماً ومسئولين لا يسمعون .. وماهم ومستشاريهم الا نكرات اتيحت لهم فرصة اللا معقول من امريكا التي اليوم يحاربون، واليوم ليثور المخلص على السكوت وان كان بعد فوات الاوان لكن الهمة دوما احسن من الفتور.وها ترى الرئاسة للدولة والرئاسة للوزراء ونواب الصدفة تتراشق التهم كل من جانبه يدعي الدستور والقانون، وهم عنه بعيدون، كأننا أنشئنا نظرية جديدة اسمها نظرية اللغوة تتزعمها فضائيات التخريب والا هل رأيتم مثل هؤلاء يصبحون رؤوساء القوم الذين يحكمون.. لا ابداً يا تاريخ لا تظلم عراق العراقيين.. ويوم قلناها قبل سنة عدونا من الحاقدين المتجاوزين، لا والله لو ملكونا الدنيا لن نخون.. واليوم هم يريدون لملمة اطراف الرداء الممزق فلا يستطيعون.. ولا ندري غدا بعد ان يخرج المحتل الذي به يطالبون، ماذا يفعلون؟ ..

ليبقى الحاقد الشرقي اللئيم عليه يتكئون.. لكن نقولها بملىء الفم لن يربح منكم الا المخلصون الذين مع الشعب يقفون وللانتهازية والباطل يرفضون، ولا ندري ما تخبأه الاقدار للمتخاصمين، أهُم في قلعة مماليك محمد علي الكبيرفي قاهرة المُعز سيختفون .. ام في قاعة الخلد سينتهون .فهل سيعود التاريخ مرة اخرى ليكتب مصير المهملون الذين الا على مصالحهم ساهرون .. فالتاريخ لا يرحم المقصرون.. ولا يعيد نفسه لكن الاحداث تاتي متشابه في الزمن المختلف على المجرمين.. الا.. يشعرون..؟

أضاعوك ياعراق يا وطني العزيز، بمحاصصة طائفية بغيضة حكموك، وبفدرالية شخصية قسموك، وببنوك بيعت فيها الدنانير الورقية بالعملة الصعبة وبأسمهم أفرغوك، وبشركات الحماية المجرمة قتلوك، وبلجان الاغبياء الذين تنازلوا عن ارضك ومياهك أوقعوك، والجيران يستنزفوك مالا ونفطا وارضا، وحكامك في الجنوب والشمال يهملوك، وسفاراتك لا ندري من فيها يحكمون.. اهي لبعضهم ام لكل العراقيين يخدمون، وفيها بيعت اثارك ومخطوطاتك ممن حكموها ولازالوا فيها كالملوك .. من يسائل من في دولة ليس فيه من رقيب او حسيب .وعلماء الاجناس يقولون حتى الطفل بلا رقابة يَخرب في بطن امه دون رقيب من طبيب.

لم يتغير شيء في العراق الا ذهاب صدام واصحاب البِدل الزيتوني و الاخرين، فحل محلهم الخونة القادمين اصحاب العمائم الملونة وأربطة الأرجنس وشراويل حميده أم اللبن وصاحبة نظرية الكيكة المقسمة و 7*7 .. والقادة الخائنون وغيرهم كثير .. والاستيلاء على السلطة والمنصب والوزارة والسفارة ونحن اصبحنا بنظرهم من المخالفين (كش ملك)، لماذا؟ لاننا قلنا لاعوانهم وممثليهم الخائنين قولوا لاسيادكم السياسيين، انكم اصبحتم من الناكثين.ولم تحققوا ما وعدتم به للحاضرين.هاهم أمامكم الأخرون يحاسبون الامير والرئيس والوزير والنائب وكل الاخرين، ولم يقولوا لهم انتم من المتأمرين او الخائنين، لا بل هم احرار من الوطنيين.. ولم يقتلوهم في ساحة التحرير .. فمتى تتعلمون ..؟

ونحن نقول لهم ولممثليهم ولكل الاخرين، ان محمدا(ص) وأهل بيته والصحابة الذين بهم تدعون كذباً وزوراً لم ينجحوا الا بالعدل والوفاء بحق الناس وليس بشخوصهم والمجاهدين، والدولة الاسلامية على اتساعها وقوتها لم تسقط الا حينما تخلت عن الحق وحقوق الناس في عهدي الامويين والعباسيين بعد ان احتلوا بلدان الاخرين وقسوا على شعوبها بدون وجه حق وبلا قيم الدين ونسوا "لكم دينكم ولي دين ".. وسموها فتوحات اسلامية وادخلوها منهج الدراسة لتصبح حقيقة في رؤوس القارئين لكنهم كانوا كاذبين ..واليوم نرى ان كل الوعود اصبحت لهم وللمستشارين والذين بعهد الله كانوا من الناكثين ولمصالحهم من الساهرين، ولقصورهم وارصدتهم البنكية من المكثرين، وليس لنا من حقٍ او من نصيب رغم المعاناة والتهجير والحمل الثقيل حتى حقوقنا لم نحصل عليها مثل الأخرين لأننا ... رفضنا خيانة الخائنين..

لعل أخطر ما عاناه العراقيون بعد التغيير في 2003 هو التزوير الذي تبناه اشخاص اختلفت ميولهم ونزعاتهم في طريقة النظر الى المضمون الوطني في التطبيق .. حتى اخذ التزوير طرقا متعددة تارة من القياديين، وتارة من أمعات السياسيين وأخرين من مضللي التاريخ وسارقيه وممن تزعموا فيه أدارة .. حتى أختلط الحابل بالنابل، فقامت حرب عشوائية بين المنتفعين والوطنيين لم تبقِ ولم تذر .. ولم يلمس الشعب العراقي منهم غير النزعات الملتوية التي اشاعت عملية التحريف والتزوير والاعتداء على حقوق الأخرين .. غير متورعين ولا وجلين من أحكامهم هذه وضلالاتهم تلك.. فوقع الكل في خطأ التقدير..

ان العراق بلد حضاري أصيل ينبع من عين صافية لا عشوة فيها ولا ظلام .. ظل الشعب متماسكاً رغم كل ما عملوه من تخريب وتزييف وتزوير.. حتى اشاعوا من اجل هذا التبرير كل ما عملوه من اخطاء، ان الشعب مِليات مختلفة كما يقولون لا تملك الجديد ولا الأبتكار في الصحيح.. وهذا الخطأ وقعت فيه الدولة العراقية منذ1921 في عهد الملك فيصل الاول.. وهو أمر بحاجة الى تصحيح بعد ان تجاهلوا حضاراته الاربعة التي سبقت الامم الاخرى دماء التجديد .. فعلى المؤرخين ان يقولوا الحقيقة أوبعضها.. للتاريخ.. فالحقيقةلا يقف أمامها مستحيل..

نقول للحاكمين في العراق اليوم :ان الوقوع في الخطأ دون أدراك لا يُلام عليه المُخطأ.. فالحياة تطور مستمروتغير دائم .. لكن ان يحني الخاطىء راسه ويتكيف لأراء اعداء الوطن ويطبق ما يريدون لهو الخطأ بعينه .. فلسنا نقره ولا نرضاه.. فالوطن وطن الجميع وما الحاكم الا فرد فيه فكرامته من كرامة مواطنيه .. فالمبررات التي اعتدنا على سماعها منكم عبر مسيرة التغيير.. غير مقبولة ولا احد يؤيدها الا الراضين بتدمير الوطن.. ومذلة الأخرين..

وأخيراً نقول لهم: اربعة لا ينصرهم الله ابدا.. وهم..

المعتدون.. ان الله لا يحب المعتدين.. البقرة 190.

المزورون: اجتنبوا الرجس من الاوثان وأجتنبوا قول الزور.. الحج30

الخائنون: ان الله لايحب الخائنين .. الانفال 58

الفاسدون: والله لا يحب المفسدين .. المائدة 64

أفلا.. تعقلون..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

محمد سعد عبداللطيفهل تشجع الصين وروسيا الغلام كيم على تحدي ترامب والنظام العالمي؟ بعد جائحة فيروس كورونا في ظل تكهنات بولادة نظام عالمي جديد  من رحم الوباء العالمي؟ إذا كانت هاتان الدولتان تفعلان ذلك، فهما تلعبان بالنار النووية. فقد تضطران إلى الدفاع عن كيم، إذا استغنى ترامب عن مدينة بحجم شيكاغو. أو هوليوود. في مقابل تدمير كوريا الشمالية. أين العرب في هذه اللعبة الخطيرة؟  وأين فِتْيَةٌ أل ملوك ومشايخ  العرب من تهديد ترامب للخليج بدفع الأموال مقابل الحماية.وأين فِتْيَةٌ في قرار الضم  أجزاء من الضفة الغربية وأعلان القدس عاصمة لاسرائيل  وضم الجولان .وأين فِتْيَةٌ في مصير شعب مصر والسودان . من تهديد الأمن الغذائي والقومي من سد النهضة  للاسف لا هم في العير. ولا هم في النفير. هم أشبه بالأيتام على مائدة اللئام. نظام عالمي يولد من رحم كورونا ومازال العرب يبحثون عن موعد اعلان وفاة العرب .في خطوة ثانية بعد أعلان القدس عاصمة للكيان وضم الجولان في خضم الحرب المشتعلة في سوريا .كانت التغريدة عن ضم كل الاردن في ساعات .أن النظام الدولي سيكون مجاملاً لإسرائيل، الذي صنعه. وفرضه على العالم. وما الفوضى الدولية الراهنة إلا تعبير عن فرص للكيان فلايستطيع شعب تم تهجيرة قسرا وأحتلال أرضة أن يتمرد على هذا النظام الذي كان مجحفاً بحقوقه ومصالحه، بقدر ما كان مجاملاً لأصحابه المستعمرين.لقد وقف المستعمر القديم ضد إرادة دول

بحقهم في الوحدة القومية. فكان العرب الأمة الكبيرة الوحيدة في العالم التي لم تتمكن من تحقيق وحدتها. ومن أسباب هذا العجز ترسخ الخصوصيات المحلية في المجتمعات العربية المنفصلة عن بعضها بحواجز السيادة والحدود. ووصلت الخصوصية المحلية السورية إلى ضرب وإسقاط الوحدة الثنائية مع مصر! في أوائل ستينيات القرن المنصرم إن النظام العالمي لا يتحدث عن أمة عربية ووطن عربي. إنما عن «شرق أوسط» و«شمال أفريقيا». ويحاريه الإعلام، بترداد ببغاوي للتوصيفات الجغرافية، متجاهلاً التوصيفات العربية. وهكذا أيضاً وأيضاً يخضع العرب لتناقضات النظام العالمي، في موافقته في السبعينيات على أسلمة النظام العربي والمجتمعات العربية، متجاوزاً الوحدة القومية. في عام 1958 م كذلك الخروج علي النظام العالمي من الزعيم (جمال عبد الناصر) بتأميم القناة .واجلاء الانجليز لكن اعتبر  ذلك خارجاً على النظام العالمي، بتأميمه شركة قناة السويس الأنجلو - فرنسية. هنا تدخلت أميركا ، لإحباط المؤامرة الثلاثية (بريطانيا. فرنسا. إسرائيل) للقضاء على نظامه. وإجبار إسرائيل على الانسحاب من القناة وسيناء.ولكن لم تفعل امريكا هذا حبا في عبدالناصر ولكن لخروج فرنسا وبريطانيا من نفوذهم في الشرق

أستطيع الحديث عن نظام عالمي جديد من صنع أميركا، بعد انتصارها على أوروبا في الحربين العالميتين. فقد دعا الرئيس (وودرو ولسون) بعد الحرب العالمية الأولى، أوروبا إلى تصفية نظامها العالمي الاستعماري. غير أن أميركا لم تستطع فرض نظامها، إلا بعد الحرب العالمية الثانية.لقد تطلعت أمريكا مبكرا في عشرينيات القرن الماضي أن تبني جسور علاقات استراتيجية مع السعودية .من بداية فتوي الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالاستعانة بالكفار لمساعدتهم في استخراج  البترول وعدم مهاجمتهم .وكانت بداية العلاقات مع ال عبد العزيز والتطلع الي طرد النفوذ البريطاني في السعودية .

أما الاتفاق الاستراتيجي بين أميركا والسعودية فقد تعرض في السنوات الأخيرة إلى انكسارات. والأسباب كثيرة، منها تباين المصالح النفطية أثناء وباء فيروس كورونا .وحرب الاسعار بين السعودية وروسيا والتهديدات الأمريكية بفرض حظر وتعويضات عن الاضرار نتيجة تخفيض سعر النفط . وتقاعس أميركا عن إنقاذ سوريا من التدخل الإيراني والتركي ، الأمر الذي سمح لروسيا بفرض نظامها العالمي في المشرق العربي الذي ساعد إيران على إنقاذ النظام السوري  من الانهيار.كذلك نجحت إيران بتوسيع نفوذها الجيوسياسي خارج حدودها الجغرافية بعد نجاح الثورة عام 79 تحت زريعة ثقافة المقاومة والممانعة

أثناء الحرب الأهلية اللبنانية في أنشاء «حزب الله» اللبناني لمواجهة إسرائيل. رغم صعود نجم حزب الله في حرب عام 2006  م ضد إسرائيل  فإذا بها تورطه في حرب أهلية في سوريا وأتهامة بارتكاب مجازر دموية في سوريا.  كذلك الحرب اليمنية .التي انهكت الأقتصاد السعودي .وموقف الامريكان السلبي من النظرة السعودية .ومع صعود الأسلام السياسي في تركيا وتداعيات الربيع العربي ظهر لاعبيين دوليين في الشرق الاوسط من الأتراك في الصراع الاقليمي في شمال العراق وفي شمال سوريا وفي ليبيا وفي المياة الاقتصادية شرق المتوسط في غياب تام للدور العربي .وتحالفات جديدة للصراعات في المنطقة كانت كلها تصب في صالح إسرائيل من حالة التشرزم العربي . ومع نظام الألفية الجديدة وأحداث 11من سبتمبر وحرب الخليج وظهور نظام أحادي القضب .عاش العرب بين نظام عالمي يهدد مصالحة وبين تهديد داخلي من صعود جماعات رداكالية من تنظيمات

القاعدة .وجماعات داعشية رغم القضاء علي بعضها بواسطة الغرب .مازالت تمثل تهديد مباشر علي الدول العربية .مع مولد الألفية الميلادية الثالثة، تعرض النظام الدولي إلى انشقاق خطير. فالاتحاد الأوروبي نشأ وفق المعايير الديمقراطية. والثقافية التعددية غير الرافضة للمهاجرين، بحيث استوعبت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ سوري... هذا الاتحاد يتعرض من داخله، إلى تمرد الشعبوية في أوروبا الشرقية التي تستفيد من تمويل الاتحاد لها. وترفض ثقافته الإنسانية، وذلك بتأييد مذهل من شعبوية نظام ترامب الأميركي الذي يدعو إلى التقليل من استقبال المهاجرين. والعودة إلى الإيمان بالوطن أولاً.وقد كشف فيروس كورونا هشاشة الاتحاد الاوروبي في بلدان مثل ايطاليا  واسبانيا . والأنانية .في تعرض ايطاليا للوباء من اغلاق الحدود وترك ايطاليا لمصيرها .وأخيرا -

هل النظام الدولي ضروري لهذا العالم المرهق بالقيود؟ الواقع أنه كان هناك دائماً نظام دولي منذ أن عُرف التاريخ. ولعل المصريين القدماء كانوا أصحاب أول نظام دولي - إقليمي، تعاملوا به مع أقوام الشرق الأدنى المحيطة بمصر. وعاصره أو تلاه النظام المماثل الذي فرضته دول حوض الفرات ودجلة. وقوضت بموجبه دولتي إسرائيل. وسبت اليهود، بذريعة أنهم ألحقوا الأذى بسلام المنطقة.

ثم فرضت الإمبراطورية الفارسية نظامها الدولي. فأنهت سبي اليهود. وساعدتهم في إعادة بناء هيكلهم. وأعادتهم إلى حوض نهر الأردن.هذة الزريعة تحدث بها الاسرائيليون هذا الأسبوع عن ضم أجزاء من الضفة بحجة أن النبي (يعقوب) ذكرها من المناطق المباركةوبها تم حفظ الالواح من التوراة  . لكن النظام الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية ما لبث أن هدم الهيكل مرة أخرى. من أجل التعايش السلمي بين الإمبراطورية الأوروبية والدولة العباسية في الشرق حاولت اوروبا فرض سيطرتها بنظام من الحروب الصليبية التي روّعت مصر والمشرق العربي. ثم انحسرت، لتحل محلها الإمبراطورية (العثمانية) ونظامها الدولي الذي طرق أبواب النمسا وروما. وفرض ثقافتها المتخلفة على العرب أربعة قرون.

عادت أوروبا بنظام عالمي جديد مشبع بثقافة الاستشراق، لاستعمار المشرق العربي. هذه الثقافة أَعْلَتْ من شأن الأقليات الدينية. والطائفية. والعرقية. وجرى تقويض مملكة فيصل السورية. وتقسيمها إلى ثلاث دويلات (سنيّة). وما لبثت دولة الانتداب أن عادت إلى توحيدها، بفضل نضال السوريين الوطني والقومي. لكنها أبقت على دولتي العلويين والدروز إلى نهاية ثلاثينيات القرن العشرين. هل النظام الجديد سوف يخلق دويلات في بلاد الشام طائفية وعرقية .هل صدق مقولة تشرشل: «التاريخ سيكون مجاملاً لي، لأني أعتزم كتابته». ويقصد أن النظام الدولي سيكون مجاملاً للغرب، الذي صنعه. وفرضه على العالم. هذا ما سوف تكشفة لنا الأيام بعد الجائحة من ولادة نظام من رحم الوباء ...

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري  وباحث في الجغرافيا السياسية

 

مهدي الصافيالمصالح المتبادلة.. صفقة القرن.. المقاومة

عند ذهاب ياسرعرفات الى اوسلوا لابرام اتفاقية السلام بينه وبين اسرائيل1993 (اقامة سلطة الحكم الذاتي الانتقالية، مرحلة اولى لبداية طرح مشروع حل الدولتين)، انزعج حافظ الاسد من هذه الخطوة الفردية، معتبرا انها تساهم بأضعاف العرب كما حصل بعد اتفاقية كامب ديفيد مع السادات1978 (رحمهم الله جميعا)، ونجح الفلسطينيون من انتزاع الضفة الغربية وغزة وبعض المناطق، لكن حلم الدولة الفلسطينية بقي معلقا....

استمرالخط العسكري مفتوحا بين سوريا ولبنان، وكذلك عملية تطوير حزب الله من قبل ايران، حتى جاءت خطوة الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان2000، ومن ثم خروج الجيش السوري من هناك ايضا2005، بأحداث متتابعة لايبدوا انها جاءت صدفة....

بقيت ثلاث محاور مفتوحة للمقاومة (حزب الله لبنان، الفصائل الفلسطينية الاسلامية، سوريا) المدعومة بقوة من ايران، بعدها اندلعت كارثة المواجهة الدموية المباشرة بين اسرائيل ولبنان (حزب الله) 2006، هذه الازمات او الكوارث جاءت بعد اعلان نهاية الحرب الباردة عام1990، ومافعله الاحمق صدام من كارثة احتلال الكويت، وصعود بوش الابن بعدها، الذي اطلق مشروع الشرق الاوسط الجديد بعد اسقاط نظام طالبان في افغانستان، وصدام في العراق2001- 2003، واستخدمت عبارة اما مع امريكا او مع محور الشر، فأندلعت ثورات الربيع العربي، وانخرطت دول الخليج في اخطر لعبة في تأريخها الحديث اسقاط القذافي وحرب اليمن وبشار الاسد الخ....

السياسة فن الممكن ولكنها ناجحة بلغة واساليب العقلاء،

والمصالح المتبادلة اساليب ونهج الحكماء،

والمقاومة سلاح ذو حدين...

تجربة حزب الله لبنان او الحرس الثوري الايراني، او حتى المقاومة الفلسطينية في مقارعة عدوا واحدا في المنطقة اسرائيل، تجربة ناجحة نسبيا، الا ان فلسفة جعلها امر واقع، او بديلا لدولة المؤسسات، لن تجلب الا مزيدا من العزلة الدولية، والضجر والانزعاج والنفور الشعبي الداخلي من هذه الشعارات الجهادية المتأرجحة بين الحرب والسلم المؤقت، فضلا عن الحصار الاقتصادي، والاتهامات والقرارات الدولية القاسية بحقهم (اتهام المجتمع الدولي الرسمي لجهات وافراد بالارهاب، وتجميد الارصدة، الخ.)، اذ لم يكن بالحسبان ان يكسر الهلال الشيعي في سوريا بهذه الطريقة الدموية الاستنزافية الطويلة

 (القريبة من حرب الاستنزاف للاتحاد السوفيتي السابق في افغانستان)، مع حالة الفشل العام للتجربة الديمقراطية في العراق، وتمزيق اليمن بالحرب العبثية العشوائية الخليجية، ثم اقرار قانون قيصر، وانهيار الاقتصاد وتدهور سعر العملة في ايران ولبنان وسوريا (مع انهيار اسعار النفط بسبب الاغلاق العالمي امام جائحة كورونا) ...

المقاومة حق مشروع، اسرائيل دول محتلة لاراض عربية مقدسة اسلاميا، ولكن كيف ومتى يفهم المقاوم لغة الخضوع لسياسة الامر الواقع، عندما يقتنع ان مايراه بوضوح من غياب او ضعف في قوة عناصر وعوامل واسس واهداف هذه المقاومة، وانها لم تعد موجودة تقريبا، ولايمكن الترويج مجددا للشعارات والافكار الحماسية الثورية، او حمل رايات الحرب المقدسة، لشحذ الهمم، ومحاولة اعادة رفع المعنويات وضخها في المجتمع مع البطون الخاوية والجيوب الفارغة، ومظاهرانهيار الدولة الفاشلة، هذا ان كان لايؤمن بفكرة المعاجز....

كان على حزب الله ان لايتورط في الثورة الشعبية السورية التي نادت بالديمقراطية (قبل ان يتدخل الارهاب ليصادر جهود الثورة السلمية من اهلها)، وان يشترط على النظام السوري ان لايحارب الشعب، وان لايرفض فكرة التعديلات الدستورية، واجراء الانتخابات الرئاسية الديمقراطية تحت اشراف الامم المتحدة،

صحيح ان نظام الاسد يمثل معه محور الممانعة، ولكن من جهة اخرى هناك حق شعبي وطني مهم، بضرورة نيل الحقوق الكاملة، وبالحصول على ابرز مقومات الدولة الديمقراطية الحقيقية، رفضا لاسلوب التوريث في الحكم (الطائفي من وجهة نظرهم)، بغض النظر من ان الظروف مؤاتية لهذا التغيير ام لا، وفق الاعتبارات الداخلية المتغيرة والمتصاعدة من قبل الشعب السوري، الحرية والانعتاق من الانظمة الشمولية الفاشلة، اهم عندهم من قضية فلسطين والجولان المركونة جانبا والمؤجلة اصلا الى اجل غير مسمى....

وكان عليه ايضا ان يساهم ببناء جيش لبنان المهني الكفوء، بدمج غالبية عناصر حزب الله بالمؤسسة العسكرية والامنية الرسمية، والتحول رسميا الى حزب سياسي مدني، بدلا من ان يبقى شماعة تعلق عليها امريكا والاتحاد الاوربي واسرائيل (وبعض دول الخليج) اسباب فشل محادثات السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين، واعتبارها ذراع ايراني ضارب وطارد للمصالح الامريكية الاستراتيجية في المنطقة، وتهديد مباشر لدولة اسرائيل (هم يطالبون علنا بزوالها)،

هذا الامر تكرر مع الفصائل الشيعية المسلحة في العراق، التي تسير بنفس النهج والاسلوب وطريقة العمل المقاوم الشيعي القديم المدعوم ايرانيا...

ايران وتركيا لاتؤمن بنظرية المصالح المتبادلة مع الدول العربية، لعدة اسباب وامنيات وفرضيات مريضة وحسابات خاطئة، ومنها اطماع تأريخية، وبعضها متعلق بسياسة المحاور، والابتزاز الاقتصادي والتجاري، ولديها ممارسات فعلية وحقيقية بفرض ارادتها وهيمنتها على المنطقة (من الخليج الى المحيط، ومن البحر المتوسط الى البحر الاحمر)، بل لم تقدم الى الان اية مبادرات استراتيجية لفتح افاق التعاون المتبادل بين الدول العربية وبينها،

مع ان الحق يقال ان ايران لم تكن بمستوى التدخلات التركية المباشرة في شؤون الدول العربية، وبالاخص بعد ثورات الربيع العربي (ودعمها لحركات اخوان المسلمين والجماعات الارهابية المتطرفة)، وذلك عائد لعدم وجود تلك الارضية الرخوة، المبنية على اساس الترابط المذهبي او طائفي

 (كما في العلاقة مع شيعة العراق ولبنان، والعلويين في سوريا والحوثيين اي الزيدية في اليمن)، التي استغلها اردوغان مع بروز قوة الاسلام السياسي في المنطقة،

ولكن هذه الامم وفقا لبنيتها الحضارية، وفلسفتها التاريخية في بناء دولها ومؤسساتها وعلاقتها بدول المنطقة، انها تؤمن بسياسة الامر الواقع

 (عكس اغلب الدول العربية التي تعتبر تنوع خيوط الارتباط والتشابك الدولي يمكن ان تحميها وتجنبها المشاكل واساليب الابتزاز الدولية، تارة مع امريكا واوربا من جهة، وتارة اخرى مع روسيا والصين على الطريقة البدوية القديمة)،

اي عندما تكون دول المنطقة قوية تتعامل معها وفق نظرية المصالح المتبادلة، وعندما تجد ضعفا وانهيارا داخليا، تدخل بقوة في شؤون الدول المجاورة الداخلية، مستحضرة العديد من القصص والاحداث والاسباب التاريخية (استعمارها القديم لدول المنطقة) ....

صفقة القرن مع ترامب هي لم تأتي بجديد، انما تعاملت ايضا مع الواقع العربي المفكك والمنهك بالمشاكل والاضطرابات والحروب الداخلية، فتمادت مع اسرائيل بعبور اتفاقية اوسلوا، وذهبت الى الاعتراف بالهيمنة الاسرائيلية الكاملة على القدس

 (نقل سفارتها الى القدس)، وتشتيت ملف اللاجئين، مع ان هذه الصفقة والاوضاع او الترتيبات الجديدة في المنطقة، سببها ياسر عرفات الذي رفض التوقيع مع ايهود باراك على صيغة الحل النهائي ابان ادارة او ولاية كلنتون الثانية للبيت الابيض...

دخول عودة ملف التطبيع وعلاقة بعض دول الخليج مع اسرائيل، او ظهورها بشكل علني، والبدء بالترويج لها سياسيا واعلاميا وحتى دراميا (على غرار محاضرات يوسف زيدان الذي دحض وشكك فيها بقدسية المسجد الاقصى، واعطى رأيا حول تنازل صلاح الدين الايوبي عنها للصليبيين، مع ان الارض اي الوطن يبقى مقدسا بوجود هيكل مقدس او بدونه، الخ.)،

على خط المفاوضات المتوقفة بين الاطراف المعنية، وتسريب الاجندات والمخططات والمشاريع المستقبلية المفترضة، قبل وبعد التوقيع على هذه الصفقة المجحفة بحق الفلسطينيين (توطين اللاجئين في سيناء مصر او الانبار العراق، ولبنان الخ.)،

من جهة اخرى كانت ايران قبل ذلك قد تركت ملف فلسطين والمقاومة مؤقتا، وركنته جانبا (قبل مجيء ترامب للبيت الابيض)، وذهبت لابرام اتفاق دولي مع الاتحاد الاوربي وامريكا حول ملفها النووي المثير للجدل، مع انها نجحت في انتزاع هذا الاتفاق لفترة وجيزة بعد سلسلة طويلة من الجولات واللقاءات والحوارات الدبلوماسية،

الا انها عادت الى المربع الاول، بعد ان رفض ترامب تلك الصفقة الفاشلة، التي تسمح لايران بالمضي قدما بتطوير برامجها النووية وصناعتها الصاروخية البعيدة المدى، وهي تمثل تهديدا حقيقيا لجميع دول المنطقة، وتحديدا الدول العربية،

هي تنظر للعرب كما نظر ابو جعفر المنصور لابو مسلم الخراساني،

وستبقى كذلك الى يوم يبعثون، فالعادات والتقاليد والموروثات الحضارية لايمكن محوها من التراث الشعبي، اوتجريد العقل الجمعي العام عنه، في مثل هذه الدول الغارقة في التاريخ واساطير الاولين،

لهذا لابد ان يتعلم الجميع لغة اخرى غير اساليب الهيمنة والاستعلاء واستعراضات القوة، والبدء جديا بالتفكير بضرورة بناء شراكات وتعاملات واتصالات وعلاقات تجارية واقتصادية وثقافية متينة، على اساس المصالح المتبادلة كما تفعل الصين في طريق الحرير الجديد....

المقاومة لايمكنها ان تجلب الامن والاستقرار للمنطقة، انما هي هدية مقدمة على طبق من ذهب للقوى الامبريالية الرأسمالية العظمى، التي تبحث عن مسوغات التدخل عبر طرح مفهوم الدفاع عن المصالح الاستراتيجية والامن القومي لدولها، وهو يعد جزء من مبادئها صناعة العدو الوهمي، حتى تتمكن من اقناع الرأي العام في بلدانهم اولا، وفي العالم ثانيا، بمبدأ الحرب الاستبقاقية والوقائية، ولعل العالم اجمع اليوم بات يعرف اسباب اتساع رقعة الصراع الدولي، الذي شمل الصين وروسيا وبعض دول الاتحاد الاوربي (انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوربي، اعلان ترامب سحب جنوده من المانيا، التوترات والتصريحات الانفعالية الاوربية الاخرى)، هذه مقدمات وترتيبات مايطلق عليه عالم مابعد جائحة كورونا..

ان الاوضاع العربية البائسة الحالية، لايجعلها في موضع المفاوض المتمكن، القادرة على فرض او وضع اية شروط واقعية على المجتمع الدولي، منها من يفكر بأمن نظام الحكم (كما في دول الخليج، والانقسام الخليجي مع دولة قطر، او ظهور التسريبات الخاصة بالعبث بأمن الخليج على يد بعض المتواطئين مع القذافي قبل انهيار ليبيا)،

والبقية تكافح من اجل الامن والاستقرار وابعاد احتمالات الفشل والتقسيم او الحرب الاهلية، كيف يمكن ان يرفع بعدها شعار الجهاد والمقاومة، والشباب والعوائل العربية تبحث عن منافذ الهجرة الى اوربا،

وكأنهم افارقة هاربين من جحيم الفقر والجفاف، افواج بالالاف كانت تبحر شهريا او يوميا الى المصير المجهول (مع تواطئ تركيا مع مافيات التهريب لابتزاز دول الاتحاد الاوربي للحصول على مزيد من الاموال والدعم لطموحاته التوسعية في المنطقة العربية)، هربا من من الدول او الجماعات التي لازالت تفكر او تعتقد ان المقاومة (علما ان الاستعمار الامبريالي القديم قد تغير كثير، واصبح اسعتمار رأسمالي جشع، ولهذا هو ليس بحاجة الى مقاومة عسكرية، انما دول وقوة اقتصادية ناجحة) هي الحل الوحيد لشعوبها (الهجرة من سوريا والعراق ولبنان واليمن، وحتى من ايران)، ولو فتحت الابواب للشعوب العربية لما بقي فيها غير الطبقة الحاكمة واتباعهم والمستفيدين منهم اوالمغرر بهم (عدا اصحاب المبادئ الوطنية وهم قلة قليلة لايمثلون نسبة مؤثرة)، لعدة اسباب منها، توارث الاساليب القديمة في الحكم والادارة والثقافة الرسمية العامة، الخوف او الحذر من التجديد السياسي والاجتماعي، تعمد ابقاء الدولة بعيدة عن مهنية المؤسسات الدستورية المستقلة، وعدم طرح مشاريع فكرية او بحثية تتعلق بتفكيك مفهوم الدولة الحديثة، وفصلها عن بقية المفاهيم الموروثة، كالدين او الطائفة، او بقية الهويات الاثنية...

 (تجربة محمد ابن سلمان في السعودية رؤية 2030-جاءت مشوهة اذ اريد لها ان تتم بطريقة انتقالية سريعة، من الفكر الوهابي المتشدد، ورقابة شرطة او هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكراو مايعرف بالمطاوعة، وعلى اساس الحكم القبلي السعودي، وليس كما اراد بعض الاصلاحيين هناك من الانتقال الى الملكية الدستورية الديمقراطية) ..

تجربة ايران الاسلامية بين عام 1979-2020، وصلت الى مرحلة الاشباع الثوري (نظرية تصدير الثورة او دعم المقاومة)، وبات الشعب لايطيق سماع فكرة او نظرية ولاية الفقيه، او ضرورة وجود حرس للثورة بعد اربعة عقود تقريبا من سقوط النظام الملكي، او تقديم مزيد من الدعم المادي والعسكري او اللوجستي لفصائل المقاومة الشيعية في لبنان والعراق واليمن، او لفصائل المقاومة الفلسطينية، او النظام في سوريا، امام الحصار الاقتصادي الخانق، وانهيار قيمة التومان، وتأكل ثقافة السلطة الدينية الابوية المقدسة، وهو شعب متحضر منفتح نفسيا على الحضارة الغربية العلمية العلمانية....

اصبح منظر رجل الدين وهو يدعوا بحماسة عالية الشباب الى الجهاد والمقاومة باهتا، لايملك ادوات التأثير الفعلية، وكأنه يتحدث الى نفسه اوالى القلة من اتباعه فقط، بعد فشل الاسلام السياسي (السني والشيعي) في تقديم نموذج الخلافة الراشدة في الحكم (الحاكمية)، وهي التي تعد بمثابة جوهر فكرة انشاء او تأسيس الدولة الاسلامية العادلة (او الفاضلة) على يد هذه الحركات الاسلاموية، حيث ظهر الفساد والفشل والمحسوبية، واشاعة الفوضى، واستخدام قواعد واجتهادات فقهية خاطئة، لتبرير نهب المال العام او مبايعة الدول الاجنبية (الاخوان مبايعة تركيا، والشيعة مبايعة ايران) ابان حكمهم، متجاهلين حاجة المجتمع المعنوية للضرورات الغائبة عنه منذ عقود، المتعطش للحرية والامن والازدهار والرفاهية، فقد فشل العراق وعاد الى مربع العصبيات القبلية والنزاعات الطائفية والعرقية، وكذلك عادت سوريا واليمن وليبيا ولبنان الخ.

ليست المقاومة عيبا، هي اساس ضمير الامة العربية ووجدانها الحي، وهي شريان متشابك ممتد الى عمق جذور الارض المقدسة، ولكنها ليست قبعة درويش، او راية بيضاء للفتوحات الاسلامية الجديدة، هي من المفترض انها ردة فعل دفاعية، تنتهي بذهاب اسباب ظهورها، اما ان تبقى مقاوم الى يوم القيامة (او حتى ظهور الغائب او المسيح المخلص او المسيح الدجال)، فهذا يدخل تحت ابواب او اعتبارات المصالح والحسابات الشخصية او الفئوية او العقائد والتصورات المشوشة او المنحرفة (كعبادة الاوثان، او ثقافة تقديم القرابين والتضحيات، وممارسة الطقوس والعشائر، وشراء صكوك الغفران، الخ.) ...

نعتقد ان الدول العربية امامها ثلاث طرق مهمة ومعقدة في نفس الوقت، يمكن توحيدها بالفكر والحكمة والعقلية السياسية المسؤولة، بالبحث عن المصالح المتبادلة ووضعها امام بقية الطرق (صفقة القرن والمقاومة)، اما ان تذهب في طريق صفقة القرن عاريا، فتخسر كل شيء، وتسلم راية الاستسلام لاسرائيل، وبهذا تضيف الى هيمنة وقوة تركيا وايران، قوة غاشمة جديدة (ليس كما تعتقد بعض دول الخليج ان الذهاب بعيدا في علاقتها مع اسرائيل، يجعلها قوة متكاملة في مواجهة المد التركي الايراني)، او تختار طريق المقاومة الطويل، الذي لايمكنه ان يعزز من قدرات الدول العربية، او يدعم مكانتها بين القوى الاقليمية، انما يساهم في انهاكها اكثر، ويعطل من مسيرة التنمية والتطور الحضاري المطلوب لنهضتها، ويصيب اجيالها بألاحباط واليأس امام شعارات الثورة والمقاومة المستمرة، ويستنزف مواردها في سباق التسلح وعسكرة المجتمع...

الفلاح او العامل الذي بدء يتصل بزوجته من الحقل او في طريقة الى ورشة العمل عبر جهاز الموبايل، ليس نفسه ذاك الذي سار خلف الشعارات اليسارية كالاعمى، معتقدا ان ايام الاقطاع، وليال الظلام القابع على صدره سيزول بالعصا الشيوعية السحرية، ولم يبقى امعة كبقية العوام الاميين التي تتعلم الدين كما يتعلمه الاطفال ايام الكتاتيب، انما يبحث عن الرفاهية والاستقرار النفسي الامني والمعاشي، وهو يرى كيف يقدم بعض شباب وشابات الوطن العربي على المجازفة بحايتهم من اجل تلك الطموحات المشروعة، طلبا للحياة الحرة المدنية الكريمة  (وما اكثر حالات الالحاد والانتحار بعد ثورات الربيع العربي في بلادنا)، ويعيش في دول لم تترسخ فيها بعد قيم المساواة بين الرجل والمرأة، والعدالة الاجتماعية، وسلطة القانون واحترام النظام، ويلاحظ فشل الانظمة التربوية والتعليمية والخدمية، مع غياب منظومة القيم والمبادئ الانسانية والديمقراطية الفعالة الخ.

المصالح المتبادلة تعني لكل مجال قانون ونظام وتحالف واهداف واتفاقات استراتيجية واضحة، لايوجد فيها غالب او مغلوب، او سياسة لي الاذرع، او اتباع اساليب المراوغة والخداع والتأمر، واعطاء تلك المهام الى اصحاب الاختصاصات العلمية او البحثية الاكاديمية، وكذلك مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية، وابعاد اهل السياسة عنها، الا بما تحتاجه تلك المؤسسات المستقلة من دعم ومتابعة ومراقبة بيئة العمل الصالحة للانجاز والابداع والتطوير...

صحيح انهم يحاصرون العرب لتجفيف منابع الحياة (سد اليسو في تركيا، وسد النهضة في اثيوبيا)، وان النيات المبيتة من قبل هذه الدول غير مشجعة، الا ان السياسة التكاملية العربية، ووضع خطط وبرامج علمية عملية، لبناء اسس التنمية والنهضة المشتركة الشاملة الطويلة الامد، يمكنها ان تصنع التوازن العربي الاقليمي المقبول...

فهذه الامة العظيمة كتب لها ان تبقى خير امة اخرجت للناس، وهي اخر الامم التي تفنى من على هذه الارض قبل يوم المعاد

 

مهدي الصافي

 

 

عبد الحسين شعبانأعادتني الضجة التي أثارها الإعلان عن موعد صدور كتاب "الغرفة التي شهدت الأحداث The room where it happened " لجون بولتون المستشار  السابق للأمن القومي الأمريكي إلى الفيلم الملحمي الفرنسي - الجزائري " Z" الذي تصدّر شاشات السينما في العام 1969 والمأخوذ عن رواية بنفس الاسم لمؤلفها فاسيليس فاسيليكوس ، والذي يتحدث فيها شهود رئيسيون عن أوضاع حكومية وظروف غامضة ومريبة، مثلما أعربت بعض الأوساط الأمريكية والدولية عن استغرابها ودهشتها إزاء تسريب أسرار ومعلومات وخفايا تتعلق بإدارة الرئيس دونالد ترامب .

جدير بالذكر، أن جون بولتون هو أحد طباخي "السياسة الأمريكية" ، ومقرب من الرئيس ترامب، ولذلك فإن نشر الأسرار والمعلومات على الملأ أزعجته وأثارت غضبه فأطلق طائفة من الاتهامات والعبارات النابية بحقه، بل إنه طلب منع نشره بزعم مساسه بالأمن القومي وإفشاء الأسرار، لكن القضاء الأمريكي رفض هذا الطلب .

لعلّها ليست المرّة الأولى أن يعمد أحد كبار الموظفين السابقين في البيت الأبيض على نشر مذكراته عن الفترة التي قضاها بالقرب من الرئيس ومن صناعة القرار، ولكن ذلك عادة ما يحدث بعد انقضاء ولاية الرئيس وبدء رئاسة جديدة، غير أن ما حدث هو أن بولتون حاول نشر "الغسيل الوسخ"  كما يقال والرئيس ترامب ذاته ما يزال متربعاً على دست الحكم في البيت الأبيض، وتلك سابقة خطيرة، لاسيّما بنشر أسرار ما تزال طي الكتمان أو تسريب معلومات يفترض أن تبقى في الأدراج أو فضح قضايا لم يتم حسم الموقف بشأنها ، والأمر لا يتعلق ببعض الأمور الشخصية، بل إنها تصب في صميم مهمات الرئيس ومسؤولياته وخططه وبرامجه وعلاقاته وصفقاته واتفاقاته، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب وخطورته.

وبولتون مثل غيره من مستشاري الأمن القومي جاء من "مجمّع العقول" أو "تروست" الأدمغة مثل كيسنجر وبريجنسكي وأولبرايت  وستيفن هادلي وكونداليزا رايس، وهؤلاء عادة من المتفوقين الذين تأخذهم الإدارة الأمريكية للاستفادة من إمكاناتهم ، وقد عيّن سفيراً لبلاده في الأمم المتحدة في العام 2005 بعد أن برز كأحد صقور الحزب الجمهوري ومن المحافظين الجدد New Conservative  ، وترأس في الفترة من 2013 - 2018 معهد جيستون وهو معهد معادي للإسلام، وقد التحق بإدارة الرئيس ترامب كمستشار للأمن القومي خلفاً لـ هربرت ماكماستر وكان إعلان ترشيحه لهذا المنصب يعني أن إدارة ترامب تتجه إلى التشدد في سياستها الخارجية لما هو معروف من التوجهات المتصلبة لبولتون وقناعته باللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية كحل لفرض هيمنة واشنطن.

لقد وقف بولتون إلى جانب ترامب حين شنّ الديمقراطيون ضدّه حملة شعواء لعزله، ولكن الأخير كافأه بالعزل بعد ذلك، كجزء من مزاجه المتقلب، وقد يكون الإسراع في إصدار مذكراته رغبة في قطع الطريق على الرئيس ترامب من الحصول على ولاية ثانية ، لاسيّما بنشر ما لديه من معلومات وأسرار لا تصب في صالحه، بل تنتقص من إدارته غير المنظمة والتي يتحكم فيها صهره كوشنير وابنته إيفانكا.

وأبرز بولتون الجانب العصابي في شخصية ترامب ونرجسيته وانتهاكاته لمعيار الوطنية الأمريكية، ليس فيما يتعلق بالعلاقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وما أشيع عن دعمه في الانتخابات، بل تدخله لدى الصين لفتح تحقيق مع ابن جون بايدن منافسه الديمقراطي في الانتخابات القادمة، إضافة إلى تخبطاته على المستوى الدولي، فهو غير معني بالقيم الديمقراطية الليبرالية أو الجوانب الإنسانية والحقوقية والقانونية الدولية، وإلّا كيف تنسحب واشنطن من اتفاقية المناخ ومن منظمة الصحة العالمية ، ويصرّ ترامب على رفع ميزانية حلف الناتو إلى 2%، إضافة إلى وقف مساعداته لوكالة غوث اللاجئين وإعلانه عن الرغبة في التخلي عن عضوية لجنة حقوق الإنسان الدولية ، ويتعامل مع العالم العربي والقضية الفلسطينية من موقع تجاري، بل ويخضع كل شيء للتجارة والقوة الاقتصادية.

وبالعكس من ذلك ، يرى بولتون أن القوة العسكرية هي الأساس الذي ينبغي التعامل به مع عدد من القضايا والملفات مثل الملف النووي الإيراني والملف النووي الكوري الشمالي، مثلما كان مع تدمير المفاعل النووي السوري الذي قصفته إسرائيل العام 2007 ويتهم كوريا ببيع أسلحة نووية لسوريا وبتمويل من إيران. وقد وقف ضد مجموعة خان الباكستانية التي تعاونت مع إيران وكوريا الشمالية في مجال الأسلحة النووية، وخصوصاً تخصيب اليورانيوم  التي  سرقها خان من أوروبا ، حسب ادعاء بولتون.

عرف جون بولتون كل ما كان يجري في غرفة الرئيس، لذلك أراد أن يفتح أبوابها ونوافذها ويظهر خباياها وخفاياها للجميع بحيث يبان الرئيس عارياً ومجرداً من كل ما يستره،لذلك سارع لقطع الطريق على ولايته الثانية بالتوقيع على عقد  نشر كتاب الغرفة التي شهدت الأحداث مقابل مبلغ مليوني دولار، ولعلّ ذلك جزء من القوة الناعمة التي استخدمها بولتون بوجه ترامب الذي يقود حروباً ناعمة ضد العديد من الدول والشعوب.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي