عبد الجبار نوريالمقدمة: أن معاهدة بورتسموث 1948 شددت تبعية العراق لبريطانيا في المنطقة، إلا أن المما نعة الشعبية بحراكها الجماهيري بقيادة قوى اليسار الديمقراطي العراقي والمرجعية الدينية آن ذاك أسقطت حكومة صالح جبر الذي وقع المعاهدة، ويتضح إن الأتفاقية الأستراتيجية الأمنية العسكرية الأمريكية مع العراق وبمقاربات سياسية تبدو وكأنّها بورتسموث جديدة بصياغة أمريكية، علماً أن الأتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية تنص على أنسحاب القوات الأمريكية المقاتلة من المدن والقرى بتأريخ لا يتعدى كانون أول 2011 وتحل محلّها القوات العراقية .

أهمية البحث :تكمن أهمية هذا البحث في أستكشاف المجاهيل المستقبلية المرتبطة بالعملية السياسية وخصوصاً عندما يكون المحتل الغاشم أمريكا عدوة الشعوب، نفوذها المتصاعد على الخارطة السياسية وكشف أطماعها في الوصول إلى مراكز الطاقة في العراق، وجعل الساحة العراقية برمتها قاعدة عسكرية كبيرة في تصفية حساباتها مع الدول الأقليمية للعراق وهذا مرهونٌ بمدى تواجد القوات الأمريكية وفاعليتها في أستهداف عدوها التقليدي أيران وأذرعها في المنطقة .

مشكلة البحث: ما الدور الذي ستلعبها القواعد الأمريكية من ظهور العدو داعش الأرهابي؟، وخاصة هناك ضبابية وشكوك  لدى الجمهور العراقي في مدى جدية أمريكا في مواجهة الأرهاب الداعشي .

-هل سيعزز التواجد الأمريكي خطوط التحالف المشتركة في دعم توجهات العراق الوطنية أقليمياً ودولياً أم العكس ؟ .

- هل سيحضى الساسة العراقيون على فرصة أن يغيروا بوصلتهم تجاه تحقيق مصالح الشعب ؟

- وهل يستطيع العراق الخروج من مستنقع هذه الأتفاقية الجائرة ؟ بأعتقادي إنّهُ لا يستطيع الخروج من الأتفاقية الأمنية مع أمريكا لسببين :

1- أن أغلبية النواب يرفضون خروج المحتل (المؤيدون لخروجه 60 نائب من مجموع 327 الباقي 267 نائب يرفض خروج المحتل البغيض .

2- تلويح المحتل الأمريكي ب(الذئب) خلف الباب ويقصد به داعش الأرهابي، أضافة إلى تلويح واشنطن في حالة عدم توقيع العراق على الأتفاقية تجميد 154مليار دولار من الأصول المالية في الخارج، وأبقاء شبح العقوبات الأقتصادية والديون التي تثقل كاهل العراق .

موضوع البحث:تنص الأتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية على أنسحاب القوات الأمريكية المقاتلة من المدن والقرى بتأريخ لا يتعدى كانون أول 2011 وتحل محلها القوات العراقية، ولكن الذي جرى على أرض الواقع يعكس غير ذلك بغطرستها المعهودة وتماديها في تنكيل الشعوب المقهورة فلا حصل العراق من بلح اليمن ولا من عنب الشام كما يقال في الأمثال فقد غيّبت أمريكا سيادة العراق بزيادة قوات المارينز حتى وصلت إلى أكثر من 6 آلاف مقاتل والأكثار من نشر القواعد العسكرية حتى وصل إلى أكثر من 50 قاعدة منتشرة في عموم العراق، والأكثر تحدياً في أهانة سيادة العراق تلك الزيارة السرية للرئيس الأمريكي ترامب لقاعدة عين الأسد في الأنبار سراً في نهاية عام 2018، واليوم السبت بتأريخ 22-11-2019 زيارة (بنس) نائب الرئيس الأمريكي لقاعدة عين الأسد سرا بدون علم الحكومة العراقية أن جميع زيارات المسؤولين الأمريكان غير معلنة الأهداف والنوايا وأبرز مخرجاتها تأجيج الشارع العراقي وخلق توترات جديدة لأرباك الحكومة والأكثر أهانة يذهب إلى أربيل ويتصل بعادل عبد المهدي وهو يعلم أن بغداد هي عاصمة العراق وليست أربيل، فزيارة بنس أنتهاك صارخ للسيادة العراقية وبتدخله الفج الغير مسؤول في أحياء فكرة الأقلمة في تقسيم العراق التي يروج لها الكونكرس الأمريكي، أجتمع (بنس) بشيوخ الأنبار وبعض من وجهائها وخاطبهم بخطاب تحريضي مدسوس {--- إنّ أقليم الأنبار أستحقاقٌ لكم وسوف ندعمكم} ؟؟؟!!!.

أما بالنسبة للتسليح فأن أمريكا تعرقل تزويد الجيش العراقي بالأسلحة والمعدات، ها أن القوّة الجوية العراقية لا تمتلك طائرات مقاتلة وتدني مستوى تجهيزها بطائرات التصوير، وأما بشأن تجهيز العراق بطائرات F16 أنها دخلت في نفق مظلم يلفهُا الغموض والتباطؤ والتردد ولم تفي بتعهدها .

ممكن للعراق تغيير عدد من مفاهيم الأتفاقية ضمن الأطار الستراتيجي المبرمة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية ولا يستطيع العراق الخروج منها في المنظور القريب ولا يستطيع الذهاب صوب دولة أخرى لأجل التسليح والتجهيز لكون الأتفاقية جعلت العراق مقيّداً بالتسليح والتجهيز وضمان توفير الأمن الداخلي والخارجي، وتعرض العراق لقصف بطائرات مسيرة أسرائيلية في مارس الماضي لمواقع عسكرية للعتاد والذخيرة العسكرية بيد أن أمريكا لم تتدخل بموجب ما نصت عليه الأتفاقية، وأن الأنسحاب الأمريكي من العراق تطبيقاً لما نصت عليه الأتفاقية الأمنية في عهد أوباما في الفترة الأولى من رئاستهِ أهم أنجازات رئاسته ولكن الفوضى الدولية وأنفجار أكثر من أزمة أمام الفترة الثانية لأوباما مثل الأزمة السورية والعراقية وثورات الربيع العربي ألقت بظلالها على المنطقة برمتها وتحوّل العراق من قصة نجاح لأنجاز أمريكي إلى قصة فشل وأرتباك وفوضى في السياسة الخارجية الأمريكية، حسب قناعتي خلقتْ تلك الملابسات والمطبات السياسية (فراغا) في العراق ملأهُ خصوم أمريكا على المستويين المحلي والأقليمي، وأصبح أمن العراق تحت سطوة أمبراطوريات شركات الأمن الأمريكية المتعددة الرؤوس فهي تدسُ أنفها بشكل وقح وفج حتى في الأمور الداخلية .

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

 

بكر السباتين

الديمقراطية في الأردن منقوصة لأن تهميش مجلس النواب الأردني عند اتخاذ القرارات المصيرية وتمرير القوانين من تحت الطاولة يوحي بأن المملكة شمولية النظام.. وإن محاولاتها الدؤوبة نحو الملكية الدستورية منذ خمسينيات القرن الماضي تراوح مكانها.

ولو أمعنت النظر في التفاصيل لوجدت بأن المملكة لديها مجلس أمة منتخب من الشعب وفقاً لقانون يقدم الفرز المناطقي الجهوي والمحاصصة العشائرية على السياسي القائم على الأحزاب المرخصة والتي تمارس عملها علناً، حيث من المفترض أن تمتلك تلك الأحزاب في هياكلها الإدارية منظومات عمل وبرامج تفاعلية تشكل برمتها الرؤية الحزبية في إطار حكومة الظل التي من المتوجب أن يعدّ برامجها مجموعة من الخبراء والمستشارين.. ويكون لديها اتحادات طلابية ونقابات فاعلة من باب الجاهزية لتقلد المناصب الكبير في الدولة ومنها رئاسة الحكومة الدستورية وفق شروط النظام الديمقراطي الحقيقي، فالقدرة على تشكيل حكومة حزبية أو ائتلافية منوطة بقدرة الأحزاب ونضوجها من خلال نجاح حكومة الظل والطوارئ التي من شأنها أن تواكب التطورات وتدرس الأزمات وتفترض الحلول الناجعة في سياق الاستعداد لدور مستقبلي فاعل، وفي المحصلة تظل هذه الحكومة عندما تناط بالحزب مهمة تشكيل الحكومة الدستورية، المرجعية الطارئة في ظل السلطة التنفيذية، وتمارس دور خلايا الأزمات لتوفير الحلول البديلة للحكومة التي يترأسها الحزب.. ناهيك عن دور البرلمان والحكومة في الدولة الديمقراطية الحقيقية بتنسيب رئيس المجلس القضائي ورئيس المحكمة الدستورية وقيادات جميع المؤسسات الأمنية من رأس النظام حتى القاعدة.. وهذا غير موجود في المملكة الأردنية؛ لذلك تجد خلطاً كبيراً ما بين مفهوم الملكية الدستورية والملكية الشمولية، وهو ما أحدث بلبلة في دور الأحزاب الأردنية مستقبلاً وجعلها تدور في فلك السلطة التنفيذية دون امتلاكها القدرة على شق طريقها نحو السلطة التنفيذية بكفاءة واقتدار.

إن عدد الأحزاب لا يعكس ديمقراطية النظام، بل تقاس الديمقراطية على دستورية الحكومة وربطها بتنسيبات مجلس النواب لرئاسة الحكومة على أن تكون دستورية حزبية وهو الأمر الذي تفتقر إليه المملكة.. إذ يبلغ عدد الأحزاب الأردنية خمسين حزباً أردنياً مرخصا مختلفة التوجهات والمشارب ما بين توجهات يسارية وتوجهات إسلامية وتوجهات وطنية، وتحدر الإشارة إلى أن جميع هذه الأحزاب استطاعت استقطاب حوالي 35 ألف مواطن أردني وهي نسبة تشكل أقل من نصف بالمائة من عدد السكان في الأردن.. حيث أظهر استطلاع للرأي أن 89 بالمئة من الشباب الأردني لم يلتحق بالأحزاب السياسية فيما اظهر استطلاع رأي آخر بان ثقة الشعب الأردني بالأحزاب لم تتجاوز 9 بالمئة فيما ترتفع هذه الثقة في مؤسسات الدولة الأخرى وخصوصاً الجيش.

معظم الأحزاب الأردنية هي أحزاب مغمورة شعبيا لا يعرف عنها الشارع الأردني الحد الأدنى من المعلومات ويستثنى من ذلك حزب جبهة العمل الإسلامي التابع لجماعة الإخوان المسلمين وأحزاب البعث السوري والعراقي قبل سقوط نظام صدام حسين وأزمة سوريا، فيما بدأت تظهر حديثا على السطح أحزاب خرجت من عباءة الإخوان مثل حزب المؤتمر الوطني زمزم وحزب الشراكة والإنقاذ.

صحيح أن الأحزاب تمثل أهم مظاهر الديمقراطية في أي بلد متحضر؛ لكنها في الأردن تحولت إلى عبء على المشهد السياسي لأنها غير فاعلة ومهمشة وفرضت عليها شروط الدعم الحكومي المالي لتعزيز التبعية من أجل الدوران في فلك السياسة المركزية للسلطة التنفيذية دون القدرة على تحديد ملامحها الحزبية (الشخصية) لذلك فإن رؤيتها في كل الصعد غير متوافقة مع أدبياتها الخاضعة بشدة لرقابة وزارة الداخلية لا بل عجزت أحياناً عن فرض استقلاليتها عن الحكومة وتحولت إلى نوادي تلتقي فيها النخب على هامش مركز الفعل الحقيقي في سياقاته التنموية والثقافية.. ومن هنا يمكن تفهم قرار حزب التيار الوطني الأردني بقيادة رئيس مجلس النواب الأسبق، عبد الهادي المجالي حينما أعلن عن حل حزبه عام 2018 ناعيا الحياة السياسية في الأردن حيث اتهم حينها الحكومة بخنق الحياة الحزبية وقتلها قبل أن يتم العودة عن هذا القرار.. وهذا بدوره كان محبطاً للنخب السياسية التي تطمح من خلال أحزابها بتداول السلطة كما هو الحال في الدول التي تتمتع ولو بحد أقل من الديمقراطية، فلماذا لا ينجح الأمر في الأردن؟

من هنا يمكن فهم لماذا لا توجد في الأردن أحزاب قادرة على التفاعل الجماهيري الحقيقي بعيداً عن النشاطات الهامشية التي لا تجير لصالح مكانة الحزب بين الجماهير، بحيث لا تحظى تلك الأحزاب بفرص الحصول على العدد الكافي من المقاعد في البرلمان، لتشكل ضاغطاً إيجابياً على سياسات الحكومات المتعاقبة لفرض القوانين التي تنسجم مع مستقبل البلاد، لأنها لا تمتلك نواة برنامج تنموي شامل في إطار حكومة ظل، ولا منظومة عقلية من الخبراء التكنقراط يكون من مهامهم مواكبة المستجدات التي تواجهها الحكومة لتقديم حلول مساندة حقيقية وليست إعلامية، تقوم على إطلاق المبادرات الفكرية المثالية المترفة البعيدة عن الواقع.. أو حتى إقامة المشاريع المدنية الخدماتية مثل الجمعيات والمشاريع التي ترافق التنمية الاجتماعية والثقافية، ليكون من حق تلك الأحزاب حينها حصاد المردود الجماهيري، كي تذهب مخرجات تدويرها لصالح جماهيرية الأحزاب التي تذهب وفق خطة الحكومة نحو الزخم العشائري والجهوية في المخيمات التي سيّست لصالح النظام السياسي الذي يحاول جاهداً تهميش مجلس النواب من خلال تمرير القوانين المؤقتة في فترات حل المجلس أو بالتمهيد لإقرارها من خلال إقناع النواب المحسوبين على الحكومة أو التأثير على الآخرين بالترغيب؛ لتمريرها والموافقة عليها كما يدعي كثير من النواب عبر ما يكتبون، وتتجاهل الحكومات المتعاقبة فكرة الحكومة الدستورية، واعتماد البنية العشائرية.. من هنا لا تستطيع الظروف الموضوعية خلق زعيم حزبي مفكر استراتيجي وإداري وسياسي ومبادر، يكون قادراً على تقبل الآخر ليقف من الجميع على مسافة واحدة.. زعيم يتمتع بطاقة جاذبة تساعده على التأثير ولديه مرونة تساعد على التعامل مع الجميع.

فالأحزاب الأردنية للأسف الشديد مجففة الينابيع إلا من الدعم الحكومي، فتفرض عليها ظروف الميزانية التقيد بالنفقات الإدارية فلا يظل هناك متسع للمشاريع الطموحة، لذلك هي تحتاج لمشاريع اقتصادية حتى لا تلوى أذرعتها من قبل الحكومة التي تُخْضِعْ هذه الأحزاب في كثير من الدول على صعيد عالمي- لرقابة شديدة غير مرئية تبدأ منذ مرحلة تجميع التواقيع المطلوبة كشرط للتقدم إلى الداخلية كمتطلبات تأسيس الحزب وصولاً إلى اللجنة المركزية ورسم سياسات الحزب وتحديد مدى الرؤية السياسية والثقافية والاجتماعية حتى تصبح كياناً يستطيع أن يقود الحكومة في مرحلة ما وإذا بقي الحال على ما هو عليه فإن الأحزاب الأردنية في مهب الريح.. وستظل حالة طاردة للجماهير وربما ستتحول إلى نوادي اجتماعية وثقافية يرتادها جمهور ينأى بنفسها عن الأحزاب، التي ارتبطت في ذهنه بالمعارضة والتي مصير بعض عناصرها السجون أو التضييق عليهم اجتماعياً .

 

بقلم بكر السباتين..

30 نوفمبر 2019

 

 

محمود محمد عليشهد القرن الماضي حالة من الصراع والتوتر والتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحلفائهم من فترة منتصف الأربعينيات حتى أوائل التسعينيات، وهو ما يسمي بالحرب الباردة، حيث أدرك الأمريكيون بأن إرضاء السوفييت المطلق يضر بالمصالح الأمريكية، والدخول معهم في صراع مفتوح هو أيضاً أمر قد لا تحمد عقباه، والنتيجة هي أنه يجب أن نخلق مساراً ثالثاً لا هو بالسلم ولا هو بالحرب التقليدية.. مسارا يعتمد على الاقتصاد والتغلغل داخل الحركة الشيوعية العالمية واعطاء صور إيجابية للديمقراطيات الرأسمالية.

ولذلك رأي جورج كينان (المنظر الأمريكي الحرب الباردة) أن للتغلغل داخل الحركة الشيوعية، معتبراً أن المشكلة ليست مع الفكر الشيوعي بقدر ماهي مع السوفييت، كما تبنى الطرح الذي يقول إن العقيدة الاشتراكية يمكن التأثير عليها باستقطاب شخصيات فاعلة ومدارس تكون أقرب للغرب وأبعد عن الشيوعية العدائية الراديكالية، بهدف الوقيعة بين الكرملين والحركات الإصلاحية المتعددة.

ومن هنا قامت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي إيزنهاور في وضع استراتيجية أخري لمواجهة المد الشيوعي، وهي الاعتماد علي الإسلام السياسي؛ وبالأخص الإخوان المسلمين والوهابيين؛ حيث يمكن تعبئتهم بشكل مناهض للشيوعية، والسؤال الآن : هل كان  سعيد رمضان والإخوان المسلمين واليمن الإسلامي حلفاء مفيدين في الكفاح أثناء الحرب الباردة ضد الشيوعية ؟ وهل تستطيع تلك الجماعة مواجهة الكتلة الماركسية القومية خاصة إذا حظيت بتأييد من العائلة المالكة السعودية؟ وهل تستطيع الدعاية الأمريكية التي تركز علي القيم الدينية الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي الملحدة، أن تجذب جماهير المسلمين إلي المعسكر الأمريكي أو علي الأقل بعيدا عن موسكو؟

يذكر "روبرت داريفوس" مؤلف كتاب "لعبة الشيطان: دور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الإسلامي" أن علاقة الولايات المتحدة بالإخوان المسلمين ليست وليدة الحدث،  بل تمتد لعقود طويلة خلت. ففي أواخر 1953م، حين برز سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا كمسؤول سياسي وخارجي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكان لقاء رمضان مع الرئيس "دوايت أيزنهاور"، في البيت الأبيض نقطة انطلاقة لرمضان كمسؤول عسكري ايديولوجي للجماعة، والذي قال :" إن عنف الجماعة نابع من إعادة تشكيل المنطقة العربية وفق المواصفات الإسلامية السلفية، وقد كانت الولايات المتحدة تنظر لرمضان على أنه حليف محتمل لها بحربها ضد الشيوعية

وقد كان مؤتمر جامعة برنستون للثقافة الإسلامية الذي تم دعوة سعيد رمضان للمشاركة به، مؤتمرا أمريكيا يهدف إلي التعرف علي قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد كان السفير المصري هو من يقوم بهذا الدول، وبعد ذلك أصبح رمضان حليفا للسعودية بعد وفاة حسن البنا إلي جانب ارتباطه مع مخابرات عدد من الدول الغربية.

كان مؤتمر برنستون، ولقاء آيزنهاور وسعيد رمضان بداية لحقبة من الزواج العرفي بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي، والملكيات العربية والإسلامية ممثلة في شاه إيران، وملوك السعودية، والأردن، والمغرب، فانطلقت جميع الأجهزة الأمريكية تعمل في كل مكان، وكل اتجاه لتعزيز استراتيجية الكفاح الإسلامي ضد الشيوعية. فما إن نجح الانقلاب الأمريكي ضد الدكتور محمد مصدق في إيران، وأعيد الشاه إلي السلطة، حتي كان نواب صفوي زعيم منظمة " فدائيان إسلام" التي خانت مصدق، وقد أصبح رجل واشنطن الثاني بعد الشاه نفسه، واستقدم صفوي نفسه لزيارة مصر في عام 1954، والتقي بزعماء الإخوان، وهناك رأي- يرجحه البعض- يقول إن زيارة الزعيم الإيراني ساهمت في دفع الإخوان لمحاولة اغتيال " الرئيس المصري " جمال عبد الناصر" المعروف باسم حادث المنشية عام 1954.

وفي ذلك الوقت صدر كتابان مريبان في القاهرة، قيل إنهما صادران من السفارة السوفيتية، ليتبين فيما بعد أن المخابرات الأمريكية هي التي أصدرتهما، وكان الأول بعنوان "محمد لم يوجد قط"، والثاني، بعنوان " أضرار الصوم في رمضان"، وفي هذه الحرب الدعائية أطلق الأمريكيون ما سمي باسم برنامج " الخنزير الأحمر"، حيث تظهر شخصية سينمائية كرتونية في صورة خنزير يرتدي شعار " النجم الأحمر الشيوعي"، ويحاول افتراس رجل اسمه " الدين"، ليلقي الخنزير مصرعه في النهاية علي يد " الدين.

كما جربت المخابرات الأمريكية وسائل خلاقة إبداعية رغم أنها لم تكتمل للتواصل مع الحركة الإسلامية. بعض تلك الوسائل وردت في كتاب " لعبة الأمم" الساخر الذي كتبه "مايلز كوبلاند" عميل المخابرات الأمريكية الذي خدم في الخمسينات كضابط اتصال مع عبد الناصر وقضي سنوات عديدة في أروقة السياسة العربية.

تقاعد كوبلاند في وقت مبكر من المخابرات لكنه حافظ علي اتصالات وثيقة مع عدد من الذين يعملون في نفس المجال من السابقين وممن كانوا في الخدمة خاصة كيرميت وارتشي روزفلت حفيدا تيدي روزفلت. واستغل كوبلاند سحره ونفوذه ليدعي فهما عميقا بالعالم العربي ليعود من جديد. وقد أشار إلي أنه في نفس الفترة التي تم فيها إطلاق برنامج الخنزير الأحمر فإن السي أي أيه أطلقت مشروع بيلي جراهام المسلم وفي عام 1951 استعار دين اتشيسون وزير الخارجية كيرميت روزفلت من المخابرات  حديثة النشأة ليرأس لجنة عالية المستوي من المتخصصين بعضهم من الخارجية والبعض من وزارة الدفاع والبعض مستشارين من الشركات والجامعات (وليس فيهم من هو من المخابرات إلا روزفلت ذاته) وكان هدف اللجنة هو دراسة العالم العربي كما قال كوبلاند وتم إطلاق عملية بيلي جراهام المسلم التي تهدف إلي تعبئة المشاعر الإسلامية، خلال اجتماع اللجنة.

وقال كوبلاند إن أحدهم روج لفكرة تعبئة المشاعر الدينية في حركة كبيرة باسم "بيلي جراهام المسلم" ضد الشيوعية وذهب إلي حد اختيار رجل عراقي يتمتع بنوع من القدسية أو التبجيل للقيام بجولة في الدول العربية . ولم يتم الكشف عن شخصية الرجل العراقي . لكن كوبلاند اعتبر العملية بالكامل تجربة للتعلم. وقال أن المشروع لم يضر وعلمت إدارته اللجنة المعنية الكثير من الأفكار الخاطئة في تخطيطهم الأصلي وهي دروس استفادوا منها عندما وضع مستشارو الملك فيصل أمام مشروع مماثل علي أن يكون  فيصل ذاته الرجل المبارك.

ومنذ ذلك الحين بدأ المخططون البريطانيون والأمريكيون قي التفكير في بناء تحالفات ونظام للدفاع ضد الاتحاد السوفيتي عبر حدوده الجنوبية، عندما أقحموا الإسلام في الموضوع، واعتبروا رابطة الدول العربية التي قامت بإيعاذ بريطاني مثلا ضعيفة لأنها لم تشتمل علي تركيا وإيران وباكستان، وعندئذ طرح اقتراح لتحويل جامعة الدول العربية إلي رابطة لعالم إسلامي لتشمل علي الأقل إحدى دول الشمالية وفشلت الفكرة وركزت السياسات التالية بدرجة أقل علي الإسلام وبشكل أكبر علي النفوذ الأنجلو أمريكي. وخلال فترة حكم ترومان وأيزنهاور استمرت الولايات المتحدة تنفذ سياسات وتقوم بجهود لتعبئة العالم الإسلامي في الحرب الباردة واستغلال الإسلام كسلاح ضد النفوذ السوفيتي.

وهنا يتضح لنا كيف بنت الولايات المتحدة علاقات مع الإخوان المسلمين كحليف لها، خلال الحرب الباردة في صراعها مع الشيوعية بالأساس، ولتقويض فكرة القومية العربية والناصرية التي جمعت بين الاثنتين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

نور الموسوي‎الدول ذات السيادة الكاملة، عندما ينتابها عارض أو خلل يعتري مسيرة حكمها، ينبري المخلصون، ذوي الحس الوطني، أن يتصدوا بكل الجهود والإمكانات المادية والمعنوية، من رصد الأحداث بكل أبعادها الأقليمية والدولية، ويرسموا خارطة طريق، والتي من شأنها تضيء المعالم الغامضة في نهاية النفق !!! الوضع في العراق يتهاوى الى الحافة الحرجة ! التي تنتظرها الدوائر الصهيوخليجي من أجل تمرير مشروعهم في الأقليم، المتعلق بأزاحة الأسلام السياسي وما يمت أليه بأي صلة تذكر، تارةٍ بالتسقيط الممنهج والذي نجح الى حدٍ كبير المتعلق بالفشل في بناء البنى التحتية للعراق، وأسداء الخدمات والمشاريع ذات الصلة بالمواطن وتطلعاته.. والكفة الأخرى بالنظام السياسي، الذي أعد بأيدي ذات صلة بالدوائر المشار أليها سلفاً، وهذا ما يلحظ بالدستور وما يتعلق به من معوقات ذات الحيثيات، التي تكاد تمنع من تحقيق ما يصبوا الية الشعب، اليوم خرج الشارع ليعبر عن الغبن والحيف الذي أصابه من جراء، الفشل الأداري والسياسي، وخطوات خارطة الطريق، تتوج، من خلال الأجراءات التالية:

١- تعديل الدستور، بأعتبار الدستور الحالي ِ يُشرعن وَيُقنن الفساد المالي والأداري، ومن الألغام التي زرعت في جسم الدستور، والتي أنطلت على المتصّدين للعملية السياسية آنذاك (التوازن، المكون، الأقليم، الفدرالية، حقول الآبار المكتشفة.. ثلاث محافظات، وغيرها..)، الى دستور المواطن والمواطنة الخالي من نتوءات؛ الطائفية.. والعنصرية.. والمناطقية !!!! . وجعله وطنياً بأمتياز، كي ينّعم الجميع بالعدالة الأجتماعية المفقودة !!! الفرصة التاريخية متوفرة، بأعتبار ورقة الضغط الجماهيري التي تعّم الساحات، والتي من شأنها تكسر المعادلة المجحفة بحق الأكثرية (الشيعة يشكلون ٧٠٪؜) وتعديل الدستور الذي يضمن حق الجميع بالعيش الكريم . 

٢- جعل نظام الحكم رئاسي، أو شبه رئاسي . النظام البرلماني الحالي ! فخ أُعد بأدوات ذكية، كي يجعل العراق يسبح بالفوضى والأرباك وعدم الأستقرار (اللبننة) . والغرض من ذلك تسقيط ممن تورطوا في الحكم . رئيس الوزراء (رئيس مجلس الوزاء) ليس لدية صلاحية التدخل في الوزارات بأعتبار الوزارات وَزعت حسب الأستحقاق الأنتخابي !(المحاصصة) .

وأخيراً رئيس الوزراء لا يستطيع أن ينجز المشاريع التنفيذية الأ من خلال الوزراء، وهـؤلاء لديهم أجندات، سواء كانت ذاتية نفعية أو أقليمية (تخريب العملية السياسية وأفشالها). وهذه الحالة هي السائدة في الوقت الحاضر، لغرض تثوير الشارع لكي نصل مرحلة الى الأبواب الموصدة .

٣- النظام الأنتخابي الفردي، ذات الدوائر المتعددة حسب عدد النواب . والذي يضمن حق المواطن في أنتخاب الشخص ذو المواصفات المطلوبة، من الكفاءة، والنزاهة، والشجاعة، والتدبير.. وينحصر ذلك بالمحافظة التي تتبنى أفراز النواب الذين يرتضيهم أبنائها . من الواضح أن رئيس الجمهورية يرفع مقترح الى مجلس النواب ضمن القانون الأنتخابي..نائب عن كل قضاء وهذا فخ جديد أبتدعته العقلية التي فصّلت الدستور حسب مقاسها ! والذي ندفع ضريبته اليوم..

٤ – أستبدال مفوضية الأنتخابات (المحاصصة) الى لجنة من القضاة والقانونين ومنظمات المجتمع المدني والنقابات، لكل محافظة وبأشراف رئيس القضاء الخاص بالمحافظة، والجدير بالذكر أن هذه اللجنة لا تكلف الدولة مبالغ طائلة . يشترط ! بالفرز اليدوي، وتأكيد الفرز اليدوي.. بمجرد يدخل الحاسوب في أي عملية ؟ يشير الى التزوّير، وتعد هذه ثغرة، يدخل من خلالها معوّل أخفاق العملية السياسية، والسماح للأجندة الأقليمية والدولية بفرض أدواتها .

٥- الأولوية الضرورية للنقاط السالفة، وتأجيل الآثار والعوارض الجانبية من العملية السياسية، التي حفرت أخدوداُ عميقا في حقوق الشعب (الأختلاسات، الكومشنات، المشاريع الوهمية، سرقة حقوق الشعب من قبل الشركاء < البرزاني > ومحاكمة الفاسدين وغيرها) . والسبب في ذلك يعود أن هؤلاء (الحيتان) لديهم من البطش والقوة أن يقفوا ويمنعوا أي أجراء أصلاحي للعملية السياسية . أذ لديهم قوة المال (مسعود يمتلك ٣٩ مليار دولار) يستطيع أن يصل الى أي شخصية مؤثرة في المشهد السياسي.. والبديل الآخر جاهز ! .

٦- يتخذ رئيس الوزراء قراراً، بأعطاء صلاحيات واسعة للمحافظين في المحافظات المنتفضة حصراً، من أجل الشروع في الخدمات الضرورية والتي تمس حاجتهم الأساسية المتعلقة بالسكن، العمل، الصحة، التعليم وبناء المدارس، الطرق والجسور، كل ذلك يعبر عن حسن نية الحكومةً وجديتها في تنفيذ المطالب المحقة للمواطنين .

كما لا بد من الأشارة، الى الأنقلاب الأمريكي ! المتوقع، لكن المانع الذي حال دون أنجازه، العائق الغير متوقع في الحسابات الأستراتيجية .

أ-الحشد الشعبي .

ب – المسيرة المليونية (الأربعين ويتكللها سماحة السيد السيستاني) التي أقضت مضاجع مؤسسة الصهيوأمريكي، التي تطمح تحقيق مشروع (مارتن أندك) ذات البعد الفوضوي لدول الطوق (العراق، سوريا، اليمن)، التي لا تكن الولاء لذلك المشروع المقيت .

كما أصبح من الضروري الأشارة الى دور الشعب الذي أفترش الساحات، يؤشر الى أستفتاء واقعي في رفض العملية السياسية ورموزها، وعلى رأسها الدستور الجامد المقيد ! {أن السلطة التأسيسية التي تقوم بوضع دستور معين، لا تستطيع تقييد سلطة الشعب او الأدعاء بأن صلاحيتها تسمو على مبدأ سيادة الشعب، فالشعب هو صاحب السيادة يستطيع تعديل دستوره} (د. خليل الحميد، القانون الدستوري، ص ١٥٠)، فقهاء القانون الدستوري يؤكدون ذلك ويعتبر خروج الشعب بمثابة أستفتاء ببطلان الدستور .

أذن المخلصون يترتب عليهم موقفاً حاسماً أزاء الأزمة التي تتجذر مأساتها في العراق، كل المؤشرات الموضوعية تشير نحو الأنحدار، والسيناريوهات الخارجية غير المتوقعة تفرض وجودها بأعتبار الأرضية، مُعدة ضمن مخططات سالفة من أجل وضع بون واسع بين تشكيلات الحشد الشعبي وحاضنته الشعبية، وأخيراً شيطنته والدعوة الى ألغائه في مرحلةٍ لاحقة .الفرصة جداً مناسبة والظروف مهيأة للتغير، والضرب بيداً من حديد (الشعب، المرجعية، الموقف السياسي الداخلي) من أجل أجراء وتنفيذ النقاط السالفة، والإ البديل... حلول ترقيعية لا تقوى على الصمود أمام التحديات الإقليمية والدولية.

 

د. نور الموسوي

اكاديمي وكاتب عراقي

 

سامان سورانيالإحتجاجات والمظاهرات الأخيرة في وسط وجنوب العراق والتي تسمی بـ"ثورة تشرین"، أثبتت بأن الوعي السائد في أجهزة الدولة يعاني من أزمة حادة، تكمن في إنفصالها العميق عن الشعب وإرادته، وبعده عن خياراته وقناعاته الكبرى، مما أدخل المجتمع العراقي في أتون صدامات صریحة ومضمرة مع الطبقة السیاسیة الحاکمة.

لقد فشلت القيادات السياسية منذ أكثر من 16 عام في صوغ مشروع وطني جامع يستهدف البناء وتعميق الحريات والتنمية الشاملة على مستوى المحلي ويبلور مقاصد الجميع على المستوى الحضاري.

هكذا تم إرهاق المجتمع العراقي وجعله على هامش الصيرورة وحركة التاريخ المعاصر.

السؤال هو، هل بأمكان القوی المحتجة صناعة قيادات جديدة تستطيع أن تنجز مشروعاً مدنياً قادراً علی البدء بعملية البناء أو إعادة البناء أو النهوض بالعراق الفيدرالي وتحقيق إصلاح شامل ومتكامل للحقل السياسي الوطني؟

نحن نعلم بأن الشعب العراقي المحتج والغاضب قد أعلن منذ إنطلاقة الثورة بشعاراته طلاقە من جميع الأحزاب السیاسية الدینیة، التي زرعت بذور الطائفیة المقیتة وفشلت طوال مدة حکمها في الإتفاق علی أبسط معالم الوطن، کالعلم الجامع لکافة المكونات والنشيد الوطني الجامع لكافة المکونات، لا النشيد الغير عراقي، وإحترام خصوصیات القوميات وصون الدستور وتنفيذ قوانیها.

إذن العراق الفدرالي الیوم بأشد الحاجة الی إصلاح ثقافة وفكر وسلوك سياسي وهياكل ومؤسسات وقوانين وأطر إرشادية موجهة لبناء الدولة بشكل سليم، حتى تتم إعادة الإعتبار والثقة بالسياسة من قبل المجتمع. 

يريد هذا الجيل الشبابي المنتفض والحامل لراية مكافحة الفساد والمحسوبية والمنسوبية أن لاتستمر حیاته في العيش تحت اليأس من أداء القوی السياسية الحاکمة منذ سقوط الطاغي صدام حسين، بل التقدم والدخول بتجربة الكفاءة والخبرة والنزاهة في تولي المواقع ووضع آليات لمنع تكرار ماحصل في السابق.

لقد وصل العراق الفدرالي فعلاً لمنعطف تاريخي مهم وهو يمر الآن في مرحلة صعبة جداً بحيث لايمكن إنقاذە سواء بالاستمرار بالطريق الذي سلكە الطبقة السياسية الحالية الفاشلة والمؤمنة بحکم الحشد الشعبي الغير دستوري والمیلیشیات الدموية الخارجة عن القانون أو تراجع عنه، لذا یمكننا أن القول بأن ساعة التغيير قد حانت لغرض صعود أسماء جديدة إلى سدّة الحكم بعيداً عن رموز الفساد والفشل والمحسوبية والإنتماءات الطائفية والإرتباط بأجندات خارجية، وإعمار مؤسسات الدولة بشخصيات قادرة على قيادة العراق نحو تنمية اقتصادية حقيقية.

لایمكن للعنف المسلح للسلطات القمعية المختفية تحت عباءة الطاغوت الثيوقراطي، والتي تقتل المدنيين الابرياء أن توقف التظاهرات السلمية التي تعبر عن رغبة الشعب في تبني إستراتیجية جادة ونزیهة لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وضمان الحقوق المشروعة للمواطنين ليتمتعوا بحياة ديمقراطية وحرية وسيادة علی أرضهم في بلد يعد المنتج الثاني للنفط في منطقة الشرق الأوسط.

وختاما نقول، بأن الشعب المنتفض الواعي والثائر من أجل حقوقه المشروعة في الحرية والتقدم والازدهار الاقتصادي تبحث عن الأمن عبر الدیمقراطية الإجتماعية وأنه لايقع مرة أخری في مخالب استراتيجية الهيمنة الإقلیمية الهادفة لنشر نماذج شمولية دينية فاشية، بل یناضل من أجل إیقاف احتكار السلطة ومنع استمرار نهب المليارات من ثروات المجتمع التي يفترض انها ملك لأبنائه. إذن عالم المستقبل يضمن العدالة والدیمقراطیة الإجتماعیة بعیدا عن الأیدیولوجیات الدينية والحکم المركزي وتهميش الغير.

علی العراق الجديد بلورة صيغة حضارية تضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تكون العلاقة علاقة تفاعل وتكامل، ‏لا قطيعة وصدام، ومنهج التفاعل والتكامل، يقوم على سيادة مفهوم الديمقراطية والقانون وحقوق القومیات. وعلیه أیضاً الخروج من الشرنقة الأيديولوجية والطائفية، التي تحيل كل شيء إلى قانون إما مع أو ضد.

بعبارة أخری، العراق الفدرالي بحاجة إلى بناء دولة القانون والإنسان والانتقال من دولة المشروع إلى مشروع الدولة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

باسم عثمانثمة حاجة ماسة إلى نسق سياسي جديد تحدد مساره قيادة سياسية جديدة تمثّل جميع الفلسطينيين بدون استثناء ولا يقتصر دورها المنوط بها على جغرافية الضفة و قطاع غزة، وهذا يتطلب التحرر من أوسلو وكل استحقاقاته والتزاماته البديلة عن الاجماع الوطني التوافقي الاستحقاق الرئيس لأي حركة تحرر وطني من الاستعمار والاحتلال، وإعادة صياغة الرؤية السياسية والاستراتيجية الفلسطينية الجديدة الكفيلة بانخراط الكل الفلسطيني وأن يتحوّلوا إلى لاعبين سياسيين مُنظمين يتصدرون المقاومة الوطنية والمجتمعية ضد المشروع الكولونيالي الاستيطاني الإسرائيلي.

ان الإنكار المتعمد "للرسمية الفلسطينية" لأثار أوسلو ونتائجه التدميرية، فاقم المشكلات الناجمة عنه في الوقت الذي لم يحصل اية مراجعة نقدية له، فضلاً عن أن ذلك أفضى إلى تكلّس العقل السياسي الفلسطيني السائد، والذي كفّ عن البحث عن خيارات بديلة، ناهيك عن إشاعته البلبلة في إدراكات الفلسطينيين الجمعية، بما فيها إدراكاتهم لمصيرهم المشترك ولعلاقتهم بقيادتهم السياسية والتمثيلية، رغم الإقرار الشعبي الفلسطيني مع مثقفيه وكادراته بضعف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، ودخولها حالة "الموت السريري"، الا انهم لا زالوا يعتبرونها كيانا حيويا ووطنيا (شرعيا وتمثيليا)، والمفتاح الرئيس لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد مؤسساته وبرنامجه، لكن دوما هذا الطموح يصطدم بهكذا نموذج للقيادة الفلسطينية الحالية في (شكلها وجوهرها) وهو شكلٌ من أشكال السلطة المركزية "الأبوية"، يدور في فلكها شخصٍ واحد أو فصيل سياسي واحد تساعده وتسانده شبكة من " المحسوبيات " والمنتفعين، هذا التمركز "السلطوي" في يد فاعل سياسي واحد أدى إلى فشل وتجميد كل المؤسسات الفلسطينية الحالية في عملها الديمقراطي بالنيابة عن الشعب الفلسطيني، وأدى إلى تهميش الفاعلين السياسيين الفلسطينيين الآخرين وإقصائهم عمدًا، ما تسببَّ في احداث هوة واسعة بين القيادة الفلسطينية الحالية والنخبة "المصلحجية" التي تدعمها من جهة، وبين سائر مكونات الشعب الفلسطيني وقواه الحية من جهة أخرى.

التجديد المؤسسي:

هذا النموذج للنظام السياسي الفلسطيني الحالي في أمس الحاجة إلى إصلاح وتجديد مؤسسي من خلال الفصل الكامل بين جميع السلطات: الوطنية -التمثيلية منها عن الإدارية - الخدماتية (السلطة الفلسطينية- منظمة التحرير)، لأنه لا يجوز بالمطلق وفي حالتنا الفلسطينية بالذات ان يتولى (عباس) مثلا كل السلطات الوطنية والإدارية، ويُمسِك بزمام السلطة التشريعية في غياب المجلس التشريعي الفلسطيني، ويتخذ بمفرده القرارات السياسية بشأن حاضر الفلسطينيين ومستقبلهم بمراسيم رئاسية في ظل غياب مطلق لكل المجالس التشريعية الفلسطينية، وما لهذا النموذج من آثارٌ كارثيةٌ على القضية الفلسطينية وحضورها الوطني والإقليمي والدولي .

-هذا الفصل المؤسساتي يجب ان يعتمد على مبدأ اللامركزية (من القاعدة الى الأعلى) في تجديد هيكلية النظام السياسي الفلسطيني و مؤسساته، أي بعيدا عن سلطة الجغرافيا وسلطة الاحتواء المركزية، وان ينصب التركيز والاهتمام على المجتمعات المحلية والمدنية الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة والشتات، في سياق الدعوة المطلبية الملحة لفصل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها عن السلطة الفلسطينية واداراتها ومن خلال انتخابات ديمقراطية حرة مجتمعية ونقابية ومهنية وعلى مبدأ التعددية النسبية للجميع دون استثناء.

ان القضية الفلسطينية تمر الان في أسوأ مرحلتها منذ نكبة فلسطين، وهذا لم يكن قدرًا ولا نتيجة المؤامرات والأخطار الخارجية فحسب، بل تتحمل القيادة السياسية الفلسطينية أولًا، وطرفا الانقسام الفلسطيني ثانيًا، وبقية القوى والنخب السياسية ثالثًا : المسؤولية عمّا وصلنا إليه وعن الأخطاء والخطايا والتنازلات والأوهام وحالة الانتظار وتقديس البقاء واحتلال" المواقع الثابتة" والعمل من دون رؤية استراتيجية ولا تخطيط ولا خطط ملموسة، وأيضا المسؤولية عن الرهان على المتغيرات الإقليمية والدولية التي لن تأتي بالخير إذا لم نكن قادرين على توظيفها، وتغليب المصالح الفردية والعائلية والسلطوية الفصائلية على المصلحة الوطنية العامة.

في السياق نفسه، فتح عدم الرد الفلسطيني الرسمي القوي على إعلان القدس عاصمة موحدة أبدية "لإسرائيل" ونقل السفارة الأميركية إليها، والسعي لتصفية قضية اللاجئين، وإسقاط خيار الدولة الفلسطينية؛ وعدم مواجهة الاستيطان والضم والزحف الإسرائيلي ميدانيا، شهية حكام واشنطن وتل أبيب، فلم : "تنطبق الأرض على السماء" كما صرحت نيكي هيلي المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة

السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير:

لقد كان قرار انشاء سلطة الحكم الذاتي بعد اتفاقية أوسلو بمثابة عملية تحنيط لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها التي جوفت من الداخل، وتأكلت هيئاتها واطرها تدريجياً وبشكل مبرمج ومسيس، وأخذت المؤسسات الجديدة للسلطة تبتلع دوائر المنظمة واحدة بعد الأخرى، وبدأ دورها بالانحسار وأصبحت سلطة الحكم الذاتي هي المرجعية الدولية بدلا منها، بحيث عُمِلَ على تغييب مؤسساتها عن العمل والظهور وقُلِّصت ميزانيتها حتى باتت كالشبح وبإرادة سياسية للمطبخ السلطوي .

ولهذا نرى ان الكل الفلسطيني وبكل اطيافه، يقوم بالتحرك فقط ضمن هامش الصراع وثنائية السلطة وعدمية القضايا بين (فتح وحماس) والتي باتت تشكل عبئا ثقيلا على الشعب الفلسطيني، فتارة تنشغل الساحة الفلسطينية بقضية المصالحة بينهما، وتارة أخرى بقضية الانتخابات الفلسطينية وعلى منصات الاعلام دون التركيز على الياتها وترتيبها وأدوات استحقاقها، حتى أصبحت استحقاقا اجوفا وشعارا تكتيكيا شعبويا لشريحة المنتفعين في السلطة في الضفة والقطاع.

لقد اصبحنا على يقين تام اكثر من ذي قبل، بغض النظر ان النوايا كانت حسنة ولا زالت، لكن واقع الحال وتعقيدات الحالة الفلسطينية وتدني مستوى السقف السياسي للقائمين على القرار الفلسطيني وامتيازات الشريحة السلطوية، جعل من شعار انهاء "الانقسام" وشعار الوحدة الوطنية واولوية إعادة احياء منظمة التحرير ومؤسساتها، كاجترار معزوفة موسيقية لا صدى لها، وتكرار هذه المعزوفة مع استحقاقات أوسلو الكارثي، اصبح يشكل مدخلا للاعتراف بكافة الاتفاقات التي وقعتها المنظمة مع "إسرائيل"، وما علينا الا ان نصطف كطابور هامشي في صفوف المعارضة اللفظية والمراوحة في مواقعنا الثابتة وان نسجل للتاريخ موقفنا الإعلامي والادبي واللفظي؟!!.

ان مخطط الغاء منظمة التحرير الفلسطينية وثوابتها واحلال سلطة الحكم الذاتي مكانها بات عمليا في حكم المنتهي، خدمة لأطماع النيوليبرالية الفلسطينية الجديدة المتربعة في سدة السلطة، و كل المحاولات لإعادة الروح والفاعلية لها باءت وستبوء بالفشل ومضيعة للوقت وهدر لتضحيات الشعب الفلسطيني امام تعنت وإصرار الشريحة الفلسطينية التي تهادت وانساقت مصالحها مع مصالح وجود الاحتلال الإسرائيلي.

الثابت والمتحول:

أطاح الشعب الفلسطيني في مسيرته الكفاحية التاريخية بكل الاطر القيادية التي فشلت في تحقيق ما نشئت من اجله، فقد تخلى عن الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج امين الحسيني عندما لم تنجح في دحر العصابات الصهيونية وبادر بالتخلي عن حكومة عموم فلسطين لفشلها في مقاومة ضم الضفة الغربية الى الأردن واسترداد قطاع غزة من الإدارة المصرية....، فهل حان الوقت للعمل على تأسيس الياتٍ وطنية أخرى بديلة وبغض النظر عن "التسميات والمسميات"؟ آلية جديدة تؤسس لبرنامج وطني يؤكد على الثوابت والقضية الوطنية وحقوقها الثابتة، آلية تتبنى المقاومة بكافة اشكالها كنمط للحياة، آلية نضالية شاملة لجميع النواحي السياسية والجماهيرية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والتنظيمية والدبلوماسية وغيرها، آلية تتفاعل مع الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي الجديد وتتحرك في ثناياه وتصيغ التحالفات المبدئية بما يخدم الأهداف الوطنية والاستراتيجية الفلسطينية، آلية تعمل على استنهاض روح المقاومة وتستمد ثقتها ودعمها من الجماهير، الية تسعى الى تفكيك سياسات الاحتلال بدلاً من التعاون والتنسيق معها؟!.

الحقيقة الاكيدة والواقع يشير الى ان الصيغ والهيئات الوطنية القديمة الجديدة – وبعد سياسة تفريغها من محتواها وثوابتها بوعي كامل – هي ذاتها السلاح الأمضى والرئيس في مواجهة الثنائية السلطوية الفلسطينية، بتجريدها منها وسحب البساط من تحت قدميها وتقليم اظافرها، لان مطلب انهاء الانقسام واحياء منظمة التحرير ومؤسساتها سيبقى شعارا طالما هذه العقلية الرسمية الفلسطينية ممسكة بزمام الأمور وتنتهج ذات السياسة التفريطية بالمشروع الوطني الفلسطيني، مستغلة المبدئية الوطنية والكفاحية لعموم الشعب الفلسطيني وقواه الحية ومطالبتها بالمحافظة على الثوابت الوطنية وتلازم الحقوق، لذلك، لا بد من العمل والتحرر من نمطية المواقع الثابتة لمجموع القوى الوطنية الفلسطينية، على إيجاد اليات وطنية بديلة يساهم فيها كل الشعب الفلسطيني وعلى كامل امتداد جغرافية وجوده من خلال لقاءات وحوارات وطنية تنطلق من القاعدة الجماهيرية بمختلف اطيافها الاجتماعية والنقابية والمهنية والمدنية، و تحوز على ثقة الشعب الفلسطيني وتدافع عن مصالحه وحقوقه وحشر السلطويين والمنتفعين على هامش الحراك الوطني الفلسطيني.

ان تنفيذية منظمة التحرير" بحلتها الجديدة "، تخلت عن دورها بنفسها كقيادة "شرعية" للشعب الفلسطيني وهجرت مكانتها السياسية بشكل "واع " بعد أن أصر رئيسها أن يحيلها الى "لجنة استشارية"، وبالمناسبة هي المرة الأولى في تاريخ منظمة التحرير تعقد لجنتها التنفيذية اجتماعات تسميها "تشاورية" و بدون حضور رئيسها احيانا، ما يشير الى عملية اضعاف دورها ومكانتها، وخاصة ان كل ما يصدر عنها لا يمثل "قيمة سياسية" ولا يحمل صفة التنفيذ العملي، وبدأت تتصرف وكأنها هيئة ملحقة " بالمطبخ السياسي السلطوي"، ذلك ما بدا واضحا ضمن حركة "الدعاية السياسية" برفض إعلان بومبيو حول "شرعنة الاستيطان".

والسؤال هنا، أليس دور اللجنة التنفيذية للمنظمة هو تنفيذ قرارات "الشرعيات الفلسطينية "؟ وهي الجهة المنتخبة والمخولة لذلك؟، أليست هي الجهة التي لها حق سحب الاعتراف المتبادل مع الكيان الاسرائيلي دون الرجوع لأي جهة أخرى، أليس من صلاحياتها دون غيرها اعلان دولة فلسطين لتحل مكان السلطة الفلسطينية وهي المرجعية العليا لكل مكونات السلطة ؟!، وكيف تطالب اللجنة التنفيذية بتنفيذ القرارات وهي "الجهة العليا" التي تمتلك حق النقض والتنفيذ!!.

ان الثابت في الحالة الفلسطينية هو القضية والحقوق الثابتة والتلازم بينهما، اما المتحول فهو الاليات والأدوات والاشكال الوطنية التي تخدم الثابت والدائم.

المرحلة الآن ليست مرحلة تحقيق الحل الوطني، وإنما مرحلة إحباط الحل الأميركي الإسرائيلي، فلا بد من تعزيز عوامل الصمود الفلسطيني على أرض فلسطين والحفاظ على نقاط القوة والمكاسب، وأيضا لابد من تفعيل البعد العربي للقضية الفلسطينية الذي من دونه لا يمكن أن تستمر القضية ودون إلغاء الدور الخاص الفلسطيني، والدعوة لإطلاق عملية سلام من خلال مؤتمر دولي كامل الصلاحيات، مرجعيتها القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بحيث يتم التفاوض على تطبيقها لا التفاوض عليها او حولها.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

ابراهيم أبراشفسر البعض إعلان الرئيس أبو مازن عن رغبته بإجراء انتخابات عامة وكأنه تعبير عن موقف تنظيم حركة فتح وأن الحركة جاهزة ومستعدة لخوض الانتخابات. سوء الفهم هذا يعود لتعدد رئاسات أبو مازن وبالتالي عدم التفريق بين خطابه كرئيس للدولة والسلطة ومنظمة التحرير وخطابه كرئيس لحركة فتح .

نعتقد أن خطاب الرئيس في الأمم المتحدة عبر عن موقعه وموقفه كرئيس للدولة والسلطة آخذاً بعين الاعتبار الجهة التي يخاطبها وما ترغب في سماعه عن الوضع الفلسطيني الداخلي وكيف سيتصرف رئيس الشعب الفلسطيني مع مشكلة الانقسام، أكثر مما هو تعبير عن رأي حركة فتح التي يمثلها أيضاً أو عن قناعة بأن الانتخابات ممكنة وقريبة .

صحيح أن حركة حماس تتخوف من دخول انتخابات غير مضمونة النتائج لأن خسارتها للانتخابات تعني: تبدد تطلعاتها للحلول محل منظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني، ستشكل هزيمة لمشروعها الإسلامي مما يفقدها مصادر الدعم الخارجي، ستفقد السلطة في غزة مما سيجردها من مبررات تحكمها بمصادر التمويل الداخلي، ستفقد احتكارها لشعار المقاومة أو شرعية المقاومة فكيف ستنطق باسم المقاومة الفلسطينية وغالبية الشعب لم ينتخبها، كما أن خسارتها للانتخابات سيطرح مسألة امتلاكها هذا الكم الهائل من السلاح الذي تسميه سلاح المقاومة، بالإضافة إلى صعوبة أن تصبح حماس مجرد حزب كبقية الأحزاب وتعيش كمعارضة سياسية ما دامت تعتبر نفسها مشروعاً إسلامياً وامتداداً لجماعة الإخوان المسلمين .

ولكن هل حركة فتح مستعدة بالفعل للانتخابات وراغبة فيها؟

نتمنى على الرئيس أبو مازن عدم الركون للمزاعم التي تقول بأن تنظيم فتح بخير وأنه سيحقق انتصاراً مضموناً في أي انتخابات قادمة، وإن كانت حركة فتح جادة بدخول الانتخابات فعلى القيادة سرعة إدخال تحولات جذرية على تنظيم فتح وخصوصاً في قطاع غزة قبل دخول معترك الانتخابات .

وفي هذا السياق نوضح القضايا التالية ليس من باب التشكيك بفتح وقدراتها بل من باب التمكين قبل الإقدام ولتبديد أية فهم أو قراءة مغلوطة لتاريخ حركة فتح وسر قيادتها للعمل الوطني:

أولا: في التجربتين الانتخابيتين التشريعيتين في ظل السلطة فازت حركة فتح في الأولى 1996 بالأغلبية لعدم وجود منافس، وخسرت في الثانية 2006، وطوال تسيُّدها كقائدة لمنظمة التحرير وعمودها الفقري لم يكن ذلك لأن الشعب كان ينتخبها بل لأنها كانت حركة تحرر وطني وتحتكر وتمثل مشروعاً وطنياً صاعداً، ولدورها القيادي والبارز في العمل العسكري في تلك المرحلة.

ثانيا: حركة فتح ليست كغيرها من الأحزاب والحركات، والخارطة السياسية تغيرت كثيراً، وبالتالي تداعيات هزيمتها ستكون كارثية على الحركة وعلى المشروع الوطني برمته .

ثالثا: إن تنظيم فتح ليس بخير والمؤتمر السابع كان مهزلة كبيرة، ولم يعد يكفي اليوم الحديث عن التاريخ المجيد و الرصاصة الأولى وأبو عمار، فحتى هذا المتوفر من رصيد هناك جماعات أخرى تنافسها عليه وتسعى لمصادرته لصالحها .

رابعا: بالرغم من أن حركة حماس تعيشا مأزقاً على كل النواحي وتراجعت شعبيتها وانكشفت أوراقها، وخصوصاً بعد استنكافها عن المشاركة في المواجهات الأخيرة مع إسرائيل وتركت حليفها الإسلامي وحيداً في المواجهة، إلا أن القوى الوطنية وخصوصاً حركة فتح لم تستنهض ذاتها أيضاً بل تعرضت لمزيد من الضعف والانقسام وخصوصاً في قطاع غزة الذي تتم المراهنة عليه لكسب العدد الأكبر من أصوات الناخبين، كما أن منظمة التحرير ازدادت ضعفا وتهلهلاً بعد خروج بعض تنظيماتها وانضمامها لحلف مع حركة حماس .

خامساً: إذا كان الشعب في غزة مستاءً من حركة حماس وراغب في التخلص من حكمها فليس بالضرورة ومن المضمون أن تذهب أصوات المعارضين لحماس إلى حركة فتح، فالخارطة السياسية ليست منقسمة ما بين مشروع إسلامي تمثله حركة حماس ومشروع وطني تمثله منظمة التحرير وعلى رأسها حركة فتح، بل باتت ملتبسة وغير واضحة المعالم وهناك قوى جديدة تهيئ نفسها لدخول معترك الانتخابات التشريعية والرئاسية .

سادساً: إن كان تنظيم فتح يراهن على أصوات الناخبين في غزة المكتوين بنار سلطة حماس فإن الحصار وسوء إدارة حماس والإجراءات التي اتخذتها السلطة بحق موظفي غزة كل ذلك أوجد حالة فقر شديدة ستجعل للمال السياسي دوراً كبيراً في تحديد خيارات وتفضيلات الناخبين، وإن كانت حكومة اشتية أنصفت نسبياً موظفي غزة، وهي خطوة لصالح فتح في أي انتخابات قادمة، إلا أن هناك أطرافاً عدة تشتغل منذ سنوات استعداداً ليوم الانتخابات وأنفقت ومستعدة لإنفاق عشرات الملايين لهذا الغرض .

سابعاً: استطاعت حركة حماس تشكيل تحالفات مع عدة جماعات بما فيها أحزاب فاعلة تاريخياً في منظمة التحرير كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية بالإضافة إلى جماعة محمد دحلان أو التيار الإصلاحي الذي يتحدث أيضاً باسم حركة فتح والمشروع الوطني .وهذا التحالف وفي حالة استمرار ترهُل تنظيم فتح فإنه قد يشكل حالة وطنية منافسة لمنظمة التحرير وحركة فتح إن لم يكن بديلاً عنها .

ثامناً: خسارة حركة فتح للانتخابات سيؤدي لفقدانها السلطة بقيمتها الرمزية، وبما تتيحه من قدرة على التحكم بمصادر التمويل وسلطة المال، كما ستعزز الشكوك حول أهليتها لقيادة منظمة التحرير، وستخلق ارباكات على مستوى الرئاسة حيث الرئيس أبو مازن رئيس لفتح وللمنظمة وللسلطة وللدولة، فكيف لحزب خسر انتخابات تشريعية أن يستمر رئيسه رئيساً للسلطة والمنظمة والدولة، فالانتخابات الرئاسية ستتأثر بنتائج الانتخابات التشريعية .

تاسعاً: قد تنال حركة فتح من الأصوات أكثر من حركة حماس في الانتخابات التشريعية في حالة إن تجنبت ترشيح قياداتها التقليديين وقادة التنظيم ورجالات السلطة، ولكن قد تحدث تحالفات ومفاجآت غير متوقعة في الانتخابات الرئاسية كما جرى في الانتخابات الرئاسية التونسية .

عاشراً: على حركة فتح عدم التصرف كمجرد حزب يصارع من أجل السلطة بل كمؤسِسة للمشروع الوطني وقائدة منظمة التحرير، وهذا يفرض عليها السعي نحو الوحدة الوطنية وأن تكون الانتخابات جزءاً من صفقة مصالحة شمولية وليس مغامرة .

أحد عشر: يجب إعادة النظر بمقولة فلنذهب للانتخابات "فإما نشيل كل شيء أو يشيلو كل شيء " فهذه مقولة خطيرة تتعارض مع مفهوم الشراكة السياسية ولا تلامس خصوصية الحالة الفلسطينية ومتطلبات مواجهة الاحتلال موحدين كما أنها تسيء لحركة فتح وتاريخها ومكانتها ودورها الوطني كتجسيد للهوية والمشروع الوطني .

اثنا عشر: يجب توقيع ميثاق شرف يلزم الجميع بأن تكون أي حكومة فلسطينية منبثقة عن الانتخابات حكومة وحدة وطنية يترأسها الحزب الحاصل على أكثر الأصوات مع مشاركة كل الكتل الانتخابية المشاركة في الانتخابات .

وأخيراً، نُعيد التأكيد على تخوفاتنا من أن يكون حديث الانتخابات مجرد همروجة للإلهاء لأن كل الأحزاب غير متحمسة أو راغبة بالانتخابات والنخب النافذة في الحزبين الكبيرين تفضل استمرار المحاصصة الجغرافية–غزة لحماس وما تبقى من الضفة لفتح – . لذ1 فإن الانتخابات لن تجرى إلا في حالتين: إما كمطلب دولي كما جرى في انتخابات 2006 أو ضغط شعبي بمسيرات وعصيان عام يُجبر الطبقة السياسية على إجرائها .

 

إبراهيم ابراش

 

منذ أن قامت دولة إسرائيل رسميا فى الخامس عشر من مايو عام 1948م وقر فى ذهن حكامها ان دولتهم الوليدة يجب ان تكون خارج نطاق المحاسبة القانونية حتى تستطيع العيش فى عالم يحكمه القانون، فدولة إسرائيل جاءت إلى العالم بفعل كذوب ونمت وترعرعت بايدى كذوبة وعاشت عمرها كله وحتى الآن بمنظومة أكاذيب لا يوجد به خيط واحد من الحقيقة ولهذا فانه مسيرة حياتها ستبقى رهينة للكذب سواء جاء هذا الكذب من حكامها امن غيرهم وسواء أكان هذا الكذب فى مجالسها الخفية أم فى وسائل إعلامها المعلنة، فلا شئ يمنحها الحياة غير الكذب ولا أمل فى ان يحمها احد غير الكذابين.

لنا اليوم مثالا آخر على كذب اسرائيل على العالم وكذب العالم على نفسه وهو اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا وهو مثال نكتب عنه اليوم ونسحبه على كل الشهداء الذين قتلهم سفاحي إسرائيل خارج دائرة القضاء إمعانا فى وضع أنفسهم خارج دائرة المساءلة القانونية  لعلم الكافة بانه متى ما خضعت إسرائيل كدولة وحكامها كأفراد الى حكم القانون فان دولة إسرائيل ستذهب  الى المجهول وان حكامها سيكون مصيرهم السجن

فى سياحة قصيرة على منصات حقوق الإنسان نجد ان الحق فى الحياة هو من أول المبادئ التى نادى بها المجتمع الدولى وذلك أن الحق فى الحياة هو مبتدى ومنتهى القيم الإنسانية على مر التاريخ ولا يخلو ميثاق من مواثيق حقوق الانسان على المستوى الدولى او الاقليمى او المحلى من النص صراحة على الحق فى الحياة ويستتبع هذا الحق بالضرورة عدم المساس بحياة الانسان مطلقا الا عبر الاجراءت التى حددها القانون ولا يستثنى من ذلك فرد ولا منظمة ولا اى جهاز من اجهزة الدولى مهما علا شأنه وتعاظم سلطانه

فى مقدمة المواثيق التى نصت على الحق فى الحياة هو الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والذى تم اعتماده فى العاشر من ديسمبر \كانون اول\ من عام 1948 بموجب القرار (217 ألف) حيث أورد فى المادة الثالثة منه على حق الإنسان  فى الحياة وكذلك اورد العهد الدولى للحقوق السياسية والمدنية فى المادة 16 منه نصا يقرر حق الإنسان فى الحياة، اما المواثيق الإقليمية التى نصت على حق الانسان فى الحياة فهى كثيرة كثرة  التجمعات الإقليمية ففى الميثاق الافريقى لحقوق الانسان والشعوب نصت المادة الرابعة من البروتوكول المتعلق بحقوق المرأة والمادة لخامسة من الميثاق الافريقى بشأن حقوق الطفل على الحق فى الحياة وترى اللجنة الافريقية لحقوق الانسان انه لا يجوز إزهاق روح كمحاولة أخيرة لحماية روح او أرواح أخرى الا فى ظروف محددة بدقة  . وتنص الفقرة 17 من المادة 4 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان على انه من حق كل شخص ان تحظى حياته بالاحترام ويتبع هذا الحق بالحماية بموجب القانون وعموما منذ الحمل لا يجوز حرمان شخص من حياته على نحو تعسفى طبقا للفقرة 2 من المادة 27 ولا يجوز للدولة الخروج عن أحكام المادة 4، والحق فى الحياة منصوص عليه ايضا فى المادة 2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وهى التى تحدد الظروف التى يسمح فى ظلها الحرمان من الحياة  وتنص الفقرة 1 من المادة 2 من ميثاق الحقوق الأساسية فى دول الاتحاد الاوربى الذى يشكل جزءا من معاهدة الاتحاد الاوربى على ان لكل شخص الحق فى الحياة، وتنص المادة 11 من اعلان حقوق الانسان لرابطة امم جنوب شرق اسيا (آسيان) على الحق فى الحياة، واخيرا تنص المادة 2 من اعلان القاهرة حول حقوق الانسان فى الإسلام على ضرورة حماية الحق فى الحياة وعلى عدم الحرمان من هذا الحق إلا وفقا لشروط الشريعة الإسلامية

وترتيبا على هذه النصوص هل قامت إسرائيل بانتهاك الحق فى الحياة للشهيد بهاء ابو العطاء وزوجته حينما تم استهدافهما مباشرة فى غرفة نومهما تنفيذا لامر صادر من رئيس الوزراء الاسرائيلى بنيامين نتانياهو؟

يعرف الإعدام خارج نطاق القانون او خارج نطاق القضاء بأنه عمليات القتل التى ترتكبها سلطات الدولة خارج العملية القضائية والقانونية ويعرف  الإعدام تعسفا بنه تعمد القتل بامر من الحكومة او عبر التواطوء معها او التساهل او الازعان لها دون إجراءات قضائية، وعلى الرغم من انتشار القتل خارج دائرة القضاء فى كل أنحاء  العالم من قبل احهزة الاستخبارات إلا ان فقهاء القانون الدولى ظلوا فى حالة شكوى دائمة من ان قتل النفس يجب ان يكون عبر اجراءت قضائية وقانونية وان ليس لأجهزة الدولة القيام بإعدام اى شخص دون ان يخضع للمحاكمة العادلة ومع ذلك فانه وبالرغم من تنامي الاحتجاجات حول الاغتيالات الانتقائية او الإعدامات خارج نطاق القضاء فان المفاهيم حول ذلك الامر تبدو غير واضحة وليس لها اطار محدد فى القانون الدولي ولكن التعريف الرسمي والدولي لهذه العملية قد صاغه فيليب الستون المقرر الخاص التابع للأمم المتحدة المعنى بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء حيث يقول (عملية الإعدام خارج نطاق القضاء هى عملية الاغتيال التى تتم باستخدام متعمد وعن سبق الإصرار والترصد للقوة المميتة من طرف فاعل فى القانون الدولي او من قبل الدولة او وكلاءها الذين يتصرفون وفقا للقانون او من قبل جماعة مسلحة منظمة فى اطار نزاع مسلح موجه ضد شخص يتم اختياره بشكل فردى دون ان يكون تحت الوصاية المادية للمتعدى)  ويوضح نيلز ميلرز المستشار القانونى للصليب الأحمر مؤلف كتاب (الإعدام الانتقائي فى القانون الدولى)انه لكى نحكم ان عملية الاغتيال تمت خارج إطار القضاء يجب ان يكون استخدام القوة متعمدا بدلا من الإهمال او التهور ومع سبق الاصرار والترصد بدلا من مجرد طوعى ومتعمد بمعنى ان موت الشخص المستهدف هو الهدف النهائى للعملية على عكس الحالة التى يكون الموت نتيجة عرضية لعملية ذات غرض مختلف.  هذا مجمل تعريف عملية الإعدام حارج دائرة القضاء فما هىى الوقائع الثابتة فى عملية اعدام الشهيد بهاء ابو العطا خارج نطاق القضاء ؟

فى تغريدة له عبر تويتر قال رئيس الوزراء بنيامين ناتنياهو (كان أبو العطا مسئولا عن عمليات كبيرة وعن اطلاق صواريخ على دولة إسرائيل خلال الأشهر الاخيرة وكان ينوى تنفيذ عمليات أخرى –حسب زعمه- وتابع- وأوصى رئيس هيئة الاركان العامة للجيش ورئيس الشاباك بتنفيذ هذه العملية وتمت المصادق عليها من قبل رئيس الوزراء ووزير الاحتلال بعد ان تم عرضها على لمجلس المصغر )، كما قال بيان لجيش الاحتلال انه وفى عملية مشتركة مع جهاز الامن العام (الشاباك) تم استهداف مبنى داخله ابرز قادة الجهاد الاسلامى فى غزة (بهاء ابو العطا) واضاف انه جرت المصادقة على العملية من قبل رئيس الوزراء بنيامين ناتنياهو ووزير الجيش

لم يكن الشهيد بو العطا لحظة قتله فى حالة حرب مع دولة الاحتلال ولم يكن يشكل خطرا موازيا لها ولم يكن فى ميدان المعركة كما انه ليست  هنالك حالة حرب معلنة وفق معايير القانون الدولى بين دولة فلسطين ودولة اسرائيل او حتى بين حركة الجهاد ودولة اسرائيل، هذه هى الاستثناءات الواردة على عمليات الاعدام خارج نطاق القضاء ومع ذلك فانه وحتى فى حالات الاستثناء هذه أكد القانون الدولى الانسانى ان يجب التمييز فى جميع الأوقات بين المقاتلين والمدنيين وحظر اصابة من اعن استسلامه و خرج من القتال , ولكن ابو العطا اعدم  فى غرفة نومه وقتلت معه زوجته واصيب اطفاله فى عملية الاعدام

يبدو واضحا ان قادة إسرائيل قد قاموا باعدام الشهيد بهاء ابو العطا خارج نطاق القضاء ان كل عناصر تلك الجريمة متوفرة تماما فى حق من أصدروا الأوامر وقاموا بتنفيذ العملية وانه قاموا بانتهاك مبدأين على الاقل من مبادئ القانون الدولى وهى

1\ حظر الحرمان من الحياة

2\ حظر استخدام القوة خارج الحدود الإقليمية

وقتل أبو العطا بهذه الطريقة يشكل جريمة دولية ينبغى على دول العالم ان تتطالب بالولاية القضائية العالمية عليها ويجب اتخاذ التدابير اللازمة لاثبات اختصاص الدول الأخرى لممارسة الولاية القضائية بموجب القانون الدولى على جريمة الإعدام خارج نطاق القضاء التى تمت بحق الشهيد بهاء ابو العطا

لم نتناسى ان دولة اسرايل وبدعم من الولايات المتحدة اصبحت دولة خارج نطاق القانون الدولى وانها باتت تتصرف – منذ مجيئ الرئيس ترامب- كدولة فوق القانون بل واصبح بنيامين ناتنياهو ودونالد ترامب يبشران فى كل صبح جديد بان القانون الدولى ما عاد هو الوسيلة التى تؤخذ بها الحقوق وان عليهما عدم الاستناد عليه حتى ولو كان فى صالحهما لكى لا يحتج به عليهما الآخرين- كما قال صقر الحرب جون بولتون- ولم نتناسى القرارات الكثيرة التي خالفت مبادئ القانون الدولى الراسخة الصادرة من نتياهو وترامب ولكن الحق الذي ترتكز عليه القضية الفلسطينية والحرية التى ما زالت تلازم شعوب العالم بمختلف مشاربه جدير  بان يكنسا كل من ترامب وناتنياهو بأفكارهما وتصوراتهما ورؤيتهما وجديران ايضا بإنصاف فلسطين، فالحق يعلو – دائما – ولا يعلى عليه

 

بقلم \ ناجى احمد الصديق - السودان

 

عبد الخالق الفلاحان زيارة نائب الرئيس الامريكي مايك بنس إلى قاعدة عين الاسد غربي العراق حيث تتواجد القوات الاميركية لا تطابق الاعراف الدبلوماسية دون المرور بالحكومة المركزية  وبعيدة عنها وخرق لسيادته ومن ثم بغداد العاصمة ولقائه بالمسؤوليين غير مرحب بها ومحفوفة بالمخاطر والاستفزازية والتي كانت بشكل غير معلن في ظروف سياسية ملبدة بالغيوم والعواصف وتظاهرات مطلبية يغلي فيها الشارع " ويعبرون عن غضبهم وعدم رضاهم عن الوضع الحالي، لكنهم لا يملكون الآليات أو الصلاحيات لتغيير عمل الدولة العراقية وتحسين وضعها، وبكل تأكيد، الضغط الجماهيري سوف يحقق ما يريده، والحكومة مجبرة على أن تلبي مطالب المتظاهرين المشروعة والسلمية لهم، وحق أي مواطن أن يطالب بحقوقه وفق الطرق السليمة "

 والتي تنتهزها الولايات المتحدة الأمريكية كفرصة للتدخل في الشأن العراقي تحت ذريعة امن المنطقة وهي تحارب العراق وسورية وافغانستان ولبنان وتحاصر فنزويلا وكوبا والجمهوريى الاسلامية الايرانية واليمن بحجة الدفاع عن شعوبها وهي تقتل المدنيين وتبتز دول الخليج التي ترسل مئات من اخطر المجرمين لخلق الفوضى ولاسقاط الانظمة التي تسعى للخروج من الهيمنة الاستعمارية و كما ان انسحاب القوات الأمريكية من سوريا ليس مسوغا او مبررا لبقاء القوات الأمريكية في العراق وجعله قاعدة لها من القواعد في المنطقة والشرق الاوسط، وكان قد لمح الرئيس الامريكي دونالد ترامب في وقت سابق لاحتمالية استخدام قوات بلاده المتمركزة في العراق في بعض العمليات حسبما تقتضي الحاجة هو في الحقيقة رسالة طمأنة واضحة لحلفاء أمريكا في المنطقة، على رأسهم "الكيان إلاسرائيلي والسعودية رغم ما يبدو عليها من قوة سياسية واقتصادية، الا انها في الواقع محاصرة عالمية، وباتت دولة غير مرغوب فيها، بعد حادثة قتل الصحفي جمال خاشقجي، والحرب على اليمن التي تسبب بمجاعة كبرى وجرائم حرب لم يسبق لها مثيل في المنطقة.  "،كذلك تحمل  "رسالة ضمنية في مواجهة تمدد النفوذ الروسي في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، الذي نجح في سحب البساط من تحت أقدام الأمريكان في عدد من المناطق الملتهبة " العراق مكان استراتيجيّ في المنطقة، لا بدّ من أن ينأى بنفسه عن الصراعات الموجودة ولا يمكن الذهاب أو الهرولة باتجاه مواقف أميركية أو مواقف دول أخرى تريد للعراق أن يكون ساحة لتصفية الحسابات ودولة ذات أهمية وذات عمق استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط. المحاور المتصارعة في منطقة الشرق الأوسط تحاول جَذْب العراق إلى أيّ محور من المحاور التي هي متصارعة في منطقة الشرق الأوسط، فبالتالي النفوذ الأميركي يحاول أن يمتدّ عبر العراق، والسيطرة على القرار العراقيّ للتدخّلات في شؤونه، والتواجد العسكري الأميركي، و التحديات والمخاطر التي تواجهها المنطقة، ومن الممكن أن تنعكس على العراق كما كان دخول داعش إلى العراق عبر الصفيح الساخن الذي تمر به المنطقة. ويسعى الجميع اليوم  لإيجاد موطئ قدم له داخل البلد المنكوب، والذي تحوّل في السنوات الفائتة لساحة حرب بالوكالة وتصفية للنفوذ بين العديد من القوى. ووسط استمرار هذا الزخم يجب ان تكون القيادة العراقية حذرة من مثل هذه الزيارات الموبوئة بالمخاطر في هذه الأجواء الملبدة بالغيوم السياسية على مستقبل العراق وشعبه ولا ينفع معهم  لغة الاعتدال والتسامح والحوار بل يجب أن تسود لتحقيق المصالح العليا ، لانهم يبحثون عن مصالحهم، وتضع هذه الزيارة الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة التواجد العسكري الأمريكي والأهداف الحقيقية له و تريد ان تجعل العراق ساحة للقتال والصراع الاقليمي بينما الشعب العراقي يتحمل الضيم وما يمكن ان تشكل هذه الأهداف من تهديد لأمن العراق وعلى الأطراف السياسية جميعا التوحد في مطلب السيادة الوطنية ووضع حد للتواجد العسكري الأمريكي المشبوه علي الأرض العراقية'. مع العلم ان نتائج الزيارات  الماضية لم تأت للعراق الا ما حصل في احتلال داعش لثلث مساحة البلاد .والمكونات جميعاً تعلن عن  رفضها لأي تدخل أجنبي في الشأن العراقي و أن سيادة العراق واستقلالية قراره السياسي "من الثوابت الوطنية التي لا تنازل عنها ولا مساومة عليها مهما كانت الظروف . في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها العراق وما تشهده المدن العراقية من تظاهرات سلمية للمطالبة بالحقوق المشروعة وما رافقها من إحداث ومتغيرات تحاول راعية الشر والإرهاب أميركا استغلال هذه الظروف لخلق الفوضى ودعم بعض الاطراف العميلة للحرق والقتل والخراب كما ثبتت التحقيقات والتدخل في الشأن الداخلي العراقي.

رغم كل ذلك ان العراق سوف يبقى  ليدافع عن ارضه وسيادته  واستقلاله ومصالح شعبه . وتشير التقارير إلى أن وزارة الخارجية الامريكية واصلت محاولات الحكومات السابقة لاستهداف الانظمة المناضلة والحرة في العالم  عبر دعمها المالي للمجموعات العميلة لها وتقوية وسائل الاعلام التابعة لها.

 وهي دليل واضح على مدى استهتار وتكبر واشنطن ورئيسها واستخفافها بالسيادة العراقية ودول المنطقة، و ينبغي ان لاتمر مرور الكرام وعلى القوى السياسية ومجلس النواب من خلال جلسة طارئة أمراً محتما لبحث هذا الانتهاك الصارخ لسيادة البلاد وإيقاف هذه التصرفات الهوجاء وكذلك المسؤولية تقع على عاتق الحكومة العراقية ووزارة الخارجية ان لا تقف صامتة وان يتم اصدار بيان يوضح فحوى الزيارة في هذا الظرف الذي يمر بالبلد والمنطقة بسبب سياسة واشنطن  والمؤشرات المتهمة فيها لزعزعة دولها ورفض لتلك الزيارة الغير مسوغة وتعبر عن تدخل سافر في الشأن العراقي في هذه المرحلة الحساسة ".

 لم تحمل الزيارة  في شقه السياسي والامني الا عنصرية مقيتة عدوانية واستفزازيةً مما افقدها ان تكون فرصة بديلاً للانسانية  وياتي من ظل الارتباك في ادارتها الداخلية والخارجية حيث تكون الاخطاء بحجم الامبراطوريات من اخطاؤهم القاتلة وان وصول رجل مثل دونالد ترامب الى اعلى منصب لقيادة هذه الدولة  الهشة  بكل تردده وشعوره الانعزالي بسبب خطواته السياسية الخاطئة وعدم استقرار المنظومة الحاكمة معه ويعبر عن انحسار روح الاندفاع الى الامام والتسييد.

 ان اعتبار الادارة الأمريكية بكل سياساتها مُعادية للشعوب الحرة  بكل مكوناتها لا يحتاج الى دليل وهي منحازة بشكل كامل مع المجموعات الارهابية في تاسيسها ودعمها لارعاب البشرية بشكلٍ كامل وتسعى لنهب كل الخيرات من دول الشرق الاوسط  وتحديدًا في الخليج من أجل سرقة النفط لتخاذل الرجعيات العربية من دولها  و لتحاول حرف الصراعات ضمن أهداف السياسة الأمريكية الصهيونية. مع شعوب تلك الدول التي تسعى لبناء نفسها  بالاعتماد على خبراتها وعقولها الذي لازال الشعب العراقي يمتلك - روحا واعدة وقيما روحية ضرورية معززة بنمو ديمغرافي مذهل ومساحة ارض متوسطة واستراتيجية وطموحات واسعة في الاكتفاء الذاتي والنهضة وتصميم مذهل لنيل الحقوق وانتزاعها وانتشار وعي كوني مطلع على خراب الحضارة الغربية المتوقعة في القريب القادم .. ورغم الاعياء الظاهر والفوضى المفتعلة الا ان قوة الدفع الحضارية لدى شعبه هو  جوهرة ويكفي للانبعاث في اللحظة التاريخية السانحة لكي تهشم كل ما يقابل تقدمه....

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي

 

عامر صالحعلى ضوء انتفاضة اكتوبر

أثارت خطوة عادل عبد المهدي قبل أيام والتي اقدم عليها بلقائه رؤساء بعض من عشائر الوسط وجنوب العراق مزيدا من السخط الأجتماعي، سواء على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي في الأنترنت، وكذلك ساحات الاحتجاجات الميدانية في المحافظات التي تشهدها، وقد رأى الكثير من المراقبين وكذلك قوى الاحتجاج أنها محاولات لأضعاف واحتواء المد الجماهيري المتعاظم للأنتفاضة الشعبية عبر اقحام بعض العشائر في المحافظات المنتفضة وممارسة سلوك شراء الذمم من قبل الحكومة وأخذ الوعود بعدم المساهمة أو الحد من مشاركة ابناء بعض العشائر في زخم الاحتجاجات او لعب دور المتفرج على ما يجري دون تحريك ساكن. وقد لقيت هذه السلوكيات  الحكومية و العشائرية أشد حالات الاستنكار والاستهجان والسخرية من جماهير الاحتجاجات ووصفتها بأشد العبارات والأهازيج اللاذعة كما وحذرت اشد التحذيرات من مغبة المساومة على دماء شهداء الاحتجاجات.

وأكد مكتب عبدالمهدي إن رئيس الوزراء أكد “أننا نعمل على إصلاح البلد بتلبية متطلبات التنمية الشاملة وليس بالاستجابة للمطالب المشروعة فقط”، وذلك خلال استقباله “جمعا كبيرا من شيوخ ووجهاء العشائر من المحافظات الوسطى والجنوبية، للتداول في الأوضاع التي تمر بها البلاد والأجراءات الأصلاحية والحلول المطروحة".  وأقر مكتب عبدالمهدي بأن شيوخ العشائر عرضوا “خلال اللقاء واقع المحافظات من النواحي الأمنية والخدمية والمعيشية والعديد من الآراء والمطالب والمقترحات المتعلقة بمحاربة الفساد وتشغيل المعامل المتوقفة وتوفير فرص العمل ودعم البطاقة التموينية والتعويضات، إلى جانب الدعوة إلى إجراء تعديلات دستورية وفرض سلطة القانون وهيبة الدولة للحفاظ على موارد الدولة والممتلكات العامة والخاصة والموانئ والمنافذ الحدودية".

ورد عبدالمهدي بأن “كل المطالب قابلة للتنفيذ بالتعاون في السراء والضراء وتحمل المسؤولية المشتركة من أجل مصلحة العراق”، مضيفا أن “العشائر كانت في الصف الأول في كل العهود ومدت ساحات القتال ضد داعش بالرجال الشجعان وهي حقا جيش المرجعية والشعب ووقفت مع قواتنا حتى تحقيق النصر".   ووفقا لمكتب عبدالمهدي، فإن اللقاء لم يتطرق إلى مطالب المتظاهرين الرئيسية، وفي مقدمتها إقالة الحكومة والكشف عن القناصين المتورطين في قتل المئات من المحتجين، فضلا عن مصير الآلاف من الجرحى الراقدين في المستشفيات بعد تعرضهم إلى الغازات السامة والرصاص الحي، بالإضافة إلى مصير مئات المغيبين من المتظاهرين والنشطاء والصحافيين الذين اختطفوا من ساحات الاحتجاج أو من منازلهم.

أن هذه اللغة الأستنجادية والأستجدائية التي تمارسها الحكومة تعكس حجم الأزمة في البلاد وهشاشة النظام السياسي الذي يلجأ الى محاولات فك طوق العزلة علية والذي اشتد بفعل الاحتجاجات التي اندلعت من بداية اكتوبر، والتي بلغ شهدائها اكثر من 350 شهيدا واكثر من 15 ألف جريح، فيهم اكثر من 700 حالة أعاقة، والذين اغفل ذكرهم جميعا رئيس الحكومة العراقية عند لقائه العشائر. ومن الغريب والمضحك ان يناقش معهم موضوعات شائكة اختصاصية لا صلة لها بقدرات وقابليات وتخصصات العشائر، كتطوير الأقتصاد الوطني، من صناعة وزراعة، ومحاربة الفساد، وتوفير الخدمات، وفرض سلطة القانون، فمن أين للعشائر تلك الامكانيات التخصصية لمناقشة قضايا تتعلق بمستقبل العراق وحياة ابنائه، إلا أنه بالتأكيد اتخذ من هذه الموضوعات رؤوس اقلام تمويهية لموضوع أشد خطورة هو محاولات انهاء الاحتجاجات واستخدام العشائر لأضعاف مدها. ولكن بالتأكيد لن تستطيع العشائر ذلك إلا في حدود تواجدها في المناطق غير الحضرية، لأن الاحتجاجات اصلا تجري في مراكز المدن الأساسية وخاصة في العاصمة بغداد.

ماهي العشيرة وكيف نشأت، ولماذا هذا الدور للعشيرة في العراق وخاصة بعد سقوط النظام السابق عام 2003.  وقبل الدخول في تفصيلات الموضوع يجب التأكيد أن وجود العشائر والقبائل ودورها في المجتمع يعكس مرحلة تاريخية من مراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، وهي لصيقة مرحلة الإقطاع التاريخية وما قبلها و التي مرت وتمر بها المجتمعات الإنسانية المختلفة، بكل ما تحمله الأخيرة من بنية فكرية وأخلاقية وأدائية متخلفة قياسا بلاحقتها والتي نشأت على أنقاضها ألا وهي الرأسمالية.

بعد نشوء وبداية نشوء الدولة الوطنية بدأت عملية تحول الأمن والحفاظ على المصالح الاقتصادية والاجتماعية تنتقل من يد العشيرة باعتبارها الحافظ الفئوي والمناطقي والأسري لمصالح أبنائها، إلى الدولة باعتبارها المؤسسة الحاضنة للجميع والعابرة للعشيرة والقبيلة والطائفة والدين كما يفترض ذلك من سنة التطور التاريخي التي أفرزتها تجارب بناء الدول المدنية المتحضرة، والتي قامت على خلفية تحولات عميقة في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية والأيدلوجية، مما سهل نشأة الأسواق الوطنية والاقتصاد الوطني القومي ونشأة المدن الحضارية، والانتقال من المجتمعات الرعوية والزراعية والريفية المتخلفة إلى مجتمعات المدن الحضارية.

وعلى هذا الأساس وحسب درجة تطور المجتمعات وظروفه الخاصة بدأ الاضمحلال التدريجي لسلطة العشيرة والقبيلة باعتبارها مرحلة متخلفة من مراحل النمو الاجتماعي والاقتصادي. وعلى خلفية مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي وعدم الاستقرار بقيت العشيرة والقبيلة في علاقة عكسية مع الدولة، فكلما ضعفت الدولة اشتد ساعد العشائرية والقبلية، وبالعكس كلما قويت الدولة واشتد بنائها ضعف الدور ألتأثيري للعشائرية والقبلية. هذه العلاقة بمجملها تدفع العشيرة للتحالف مع الدولة عندما تكون قوية، وتشهر السيف ضد الدولة عندما تكون ضعيفة أو في طور البناء. ومن هنا تنشأ المشكلات بين المركز " الدولة " وبين " الأطراف " التي هي العشائر والقبائل وحلفائها.

مع ضعف الدولة العراقية وتدهور هيبتها وعدم مقدرتها على بسط سلطة القانون بعد ان سقطت مؤسساتها في عمل قسري من خارج الحدود عام 2003 وتزامن ذلك الأنهيار ليست فقط مع سقوط النظام الدكتاتوري الحاكم أنذاك، ولكنه أسقط فيه مؤسسات الدولة العراقية التي امتدت الى عهود تأسيس المملكة العراقية وبدايتها منذ عام 1921، وقد اختلف آداء هذه المؤسسات اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا مع تعاقب الأنظمة السياسية المختلفة على الحكم في العراق وتباين فلسفاتها. أي ان الاحتلال الأمريكي للعراق لم يستهدف التغير النوعي لأداء مؤسسات الدولة العراقية، بل استهدف بنتائجه الميدانية تحطيم البنية التحتية المؤسساتية للمجتمع، والتي هي ثابتة نسبيا بأختلاف من حكم العراق.

وكان من جراء ذلك فقدان الأمن المجتمعي وتفكك الوحدة الجغروأثنية للعراق، فأنتعشت بسبب ذلك كل الاشكال المتخلفة للضبط الاجتماعي والسابقة للمدنية وفي محاولة منها أستغلال تأزم الاوضاع وخروجها عن السيطرة وانهيار مؤسسات الدولة ولتفرض نفسها بديلا عن الحياة المدنية ومؤسساتها المستقرة، وكان من تداعيات ذلك هو التشرذم الديني والمذهبي والاحتماء بالطائفة والمكون الاثني وتشديد قبضة العزلة والانكفاء الجغروطائفي والاثني وتعزيز دور الهويات الفرعية خارج اطار السياق الوطني الجامع، فأنطلق الارهاب الفردي والمنظم وشاعت التنظيمات المسلحة، من مليشيات وعصابات اجرامية مختلفة تتخذ من من المناطقية والتمترس الجغرو اثني والمذهبي واجهات لفرض نفوذها كبديل عن الدولة وسلطة القانون والقضاء.

في ظل تلك الاجواء اشتد ساعد كل اشكال الضبط والسيطرة البدائية السابقة لنشوء الدولة، والتي اختفت او ضعفت في عهود وحقب سابقة للأحتلال الامريكي، بفعل التغيرات الجذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والساعية الى بناء نمط من الحياة المدنية بأختلاف طبيعة الأداء الفكري والسياسي لها. وفي ظل هذه الظروف كان حضور العشيرة وتصدرها مشهد الحياة اليومية ما بعد 2003 هو تحصيل حاصل لعملية التفكيك المنظم للبنى المؤسساتية للدولة والرجوع الى بنى اجتماعية سابقة تستند في قوامها الى الانتماء الجغرووراثي لأصول مجاميع من الافراد والعوائل ذات الروابط المحددة في الوراثة والنسل والقربى.

وفي الوقت الذي كان حضور العشيرة تاريخيا حضورا مشروعا نسبيا باعتبارها تعبر عن مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي وتعبيرا عن الضعف الموضوعي لمفهوم الدولة والمواطنة، وكانت لها اسهاماتها الايجابية في مجريات الاحداث التاريخية التي مرت بها تلك التجمعات للحفاظ على كيانها وتماسكها الداخلي، ولكن ظهورها اليوم هو ظهورا نكوصيا تقهقريا يفرض نفسه بديلا عن دولة المواطنة ومتسلحة ضدها بشتى صنوف الاسلحة الثقيلة والخفيفة وسلوكيات التمرد والانحراف والانفصال عن الدولة، ومتجاوزة الدور التقليدي للعشيرة في الحفاظ على الاعراف والدفاع عن الشرف والكرامة والاستجابة للنخوة ونصرة الضعيف وتحولها الى مليشيات عشائرية تهدد الامن والاستقرار الاجتماعي.

وبفعل تعقيد العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والاثنية والتمترس الجغرو اثني وطائفي والذي يستهدف بطبيعته اضعاف الدولة ومكانتها فقد وجدت العشيرة ضالتها في الصراعات السياسية الطائفية والمذهبية الجغرومكوناتية، فاصبحت العشائر واجهات للأحزاب والمليشيات الطائفية والمذهبية، واستغلت ايضا كواجهات وظهير من قبل عناصر الجريمة الفردية والمنظمة لأرهاب المواطن واستغلاله. كما استغلت العشيرة من قبل الاحزاب الطائفية والاثنية لتشديد قبضة الصراع السياسي على السلطة والاستعانة بسطوتها لفرض اجندة مشوهة تقف بالضد من وحدة وسلامة البلاد وسلطة الدولة. وقد ساعد اندماج الصراع السياسي الطائفي والاثني مع بنية العشيرة على تعزيز شراسة طابع الفساد الاداري والمالي والاقتصادي والاجتماعي، حيث اصبح الفاسد مطلق العنان ومحميا سياسيا وطائفيا وعشائريا في ظل سلطة قانون هشة غير قادرة على لجم الصراعات وبنفس الوقت عاجزة عن الحديث عن رموز الفساد.

في ظل تلك الاوضاع الشاذة ليست من المستغرب عندما يلجأ برلمانيا او قائد حزب سياسي الى عشيرته لحل نزاع شخصي او سياسي مع برلمانيا آخر وبوسائل عشائرية دون اللجوء الى القضاء، مستخدمين اسلوب المقاضاة العشائرية وفض النزاعات وفرض الغرامات المالية، وليست من المستغرب ايضا ان يقوم البرلمان بمحاولاته الحثيثة لأصدار قانون مجلس قبائل وعشائر العراق " والذي ألغي عام 1959 " في محاولات منه لأستحداث سلطة موازية لسلطة الدولة واشباع المجلس بصلاحيات واهداف ومهمات وارصدة مالية تفوق ما تقدمه اي عشيرة في العالم من دور محدد وليست فقط في العراق، ويتعارض هذا المجلس حتى مع روح الدستور بنصوصه المكتوبة، والتي يدعو فيها الى بناء دولة المؤسسات القانونية والتي حددها بالسلطة التشريعية ومجلس الاتحاد والسلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية والسلطة القضائية ولا وجود للدور العشائري ضمن مؤسسات الدولة، ولكن فساد الطبقة السياسية الحاكمة واجنداتها الطائفية وصراعها على السلطة والمال وعدم اكتراثها ببناء الدولة المدنية وثقافة المواطنة والتقدم الاجتماعي والاقتصادي هو من يقف وراء ذلك لأبقاء المجتمع في دوامة التخلف وسيطرة القيم البالية التي عفى عليها الزمن.

ومن الناحية السايكولوجية فأن العقل العشائري والقبلي هو عقل وثوقي " أي يثق بما لديه من مواقف ثقة عمياء ويعتبر كل عيوبه مزايا مطلقة "، وهي احد أسباب صراعاته مع التحولات والتغيرات الايجابية التي تجري من حوله، و تزداد وثوقية هذا العقل وانغلاقه وتحجره كلما توقف عند لحظة زمنية محددة وتشبث بها وعاش فكريا وروحيا فيها، مما يجعله لا يعيش واقعه و لا يفكر من خلاله، وهذا ما يتسبب في غربته وإحداث تناقضات وانفصام هائل في أتباعه. دائما تكون هذه اللحظة في الماضي، لحظة نشوء الفكر أو لحظة وقوع أحداث مهمة و جذرية في تاريخه. فالعقل ألوثوقي والعشائري المتحجر لا يفكر بمنطق تأريخي و لا يعترف بتغير الأزمان وتغير الظروف، لأن من صفاته الثبات والاستقرار بينما منطق الحياة والواقع هو الحركة والتغير والتحول. يحاول العقل المنغلق أن يعوض غربته عن واقعه بأحلام وردية في المستقبل يعيشها لتملأ عليه خواءه وغربته وتناقضاته، فالعقل القبلي والعشائري يرى مثلا أن النصر قريبا على الدولة التي يحيا فيها وأن النصر لا محال للعشيرة والقبيلة.

لقد اسهمت كل هذه التحولات الخطيرة الى تشكيل ما يسمى " بالدولة العميقة " او ما يسمى شيوعا في بعض وجوهها " دولة بداخل دولة " تشكل قاعدتها كل سراق المال العام والعصابات المسلحة، ورموز الفساد الاداري والمالي والسياسي، وقيادات احزاب مختلفة وجماعات بيروقراطية طفيلية، وأعلام اصفر بل وحتى رموز من السلطات القضائية والدينية وقيادات من السلطات التنفيذية، ورؤساء عشائر، وجميعها تصارع الدولة وتنهش بقدراتها المالية والعسكرية والامنية والاقتصادية وتمنعها من النهوض، وفي احيان كثيرة هي من يتحكم في المشهد السياسي ويديره مثل ما تشهد عليه صراعات اليوم من اجل تشكيل الحكومة أو ما شهدت عليه الانتخابات وتشكيل الرئاسات الثلاث.

وأذ تستعين وتستنجد اليوم الدولة والحكومة بالعشيرة وتطلب مساعدتها في استتاب " الأمن " أو الاستعانة بها للقضاء على الاحتجاجات الشعبية الجارية لتغير واصلاح النظام السياسي في البلاد والبحث عن حلول لأزمة البلاد، فأن ذلك يعكس حجم التآكل في الدولة والضعف والانهيار في الحكومة وعدم مقدرتها على الحوار الصريح والواضح والصادق مع المحتجين، وبسبب هذا الضعف المتواصل فهي تلجأ الى قنوات اتصال اخرى اكثر ضعفا منها للبحث عن حلول ترقيعية.

أن دراسة العشائر والقبائل كظاهرة سوسيولوجية ونفسية وما تفرزه من سلوكيات خطيرة " كأقحامها للنيل من الحركة الاحتجاجية او توظيف العشيرة لحماية مصالح سياسية ضيقة وليست الحفاظ على الشأن العام" لا يعني أبدا النيل من عشيرة دون غيرها أو إلحاق الأذى بسمعة عشيرة ما ورفع شأن أخرى، فكلنا ننتمي إلى عشائر كتحصيل حاصل، بل هو دراسة لظاهرة موضوعية تشكل مرحلة سابقة من مراحل النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولها إبعادها السياسية والاجتماعية الخطيرة، وأن أعادة بناء البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على أسس من التطور والحداثة والتي تستند إلى العلم والتكنولوجيا والاقتصاد المتطور في كل المجالات كفيل ببناء دولة المواطنة العصرية عابرة لجميع الولاءات الضيقة من عشائرية وطائفية ومذهبية وأثنية، وهذا ما تطمح أليه الحركة الاحتجاجية ويجسد مطلبها الرئيسي.

 

د.عامر صالح

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن دراسة الأبعاد الحقيقية للكشف عن حقيقة الهوية المصرية الخالصة لحلايب وشلاتين، وهنا في هذا المقال نتساءل: ما الطريقة التي سوف يتم بها إدارة السودان في المستقبل؟ وهل سيكون إنجليزياً خالصاً أم مصرياً خالصاً؟

لقد فرضت بريطانيا على مصر - عقب استرداد السودان - نظاماً لحكم السودان عرف بنظام الحكم الثنائي، والذي وضع أساسه اللورد كرومر، عندما صرح بأنه "من الممكن للسودان ألا يصبح إنجليزيا ولا مصريا بل يكون إنجليزيا مصريا"، حيث تم إبرام اتفاق بين ملك بريطانيا والخديوي عباس حلمي الثاني لإدارة السودان في المستقبل، وقد سميت تلك الاتفاقية باتفاقية الحكم الثنائي عام 1899، حيث حصلت بريطانيا بمقتضاها علي أحقيتها في إدارة السودان وذلك بمشاركة مصرية، وهنا تم تعيين حكمدار عام للسودان بحيث يتولي رئاسة هذا المنصب ضابط إنجليزي تختاره إنجلترا ويصدر قرار تعيينه من قبل الخديوي عباس حلمي كما قلنا.

وبالفعل عادت بعد ذلك القوات المصرية إلي السودان، ولكن هذه المرة تعود بقيادة إنجليزية، حيث تشترك الحكومة الإنجليزية في حملات استرداد السودان، تلك الحملات التي كانت تمول بأموال مصرية تحت قيادة الضابط الإنجليزي كيشنر، وتنجح الحملات في استرداد السودان مرة أخري من أيدي المهديين، ويتم القضاء عليهم .

وتلك كانت خطة وضعتها إنجلترا منذ احتلالها لمصر عام 1882 وهو شطر وادي النيل لجزئين – شمال وجنوب، والمقصود بالشمال مصر والجنوب السودان، أي فصل السودان عن مصر .

وهنا بدأت نجلزة السودان (أي تحول السودان من سودان مصري إلي سودان إنجليزي)، حيث هيمن الإنجليز علي زمام الأمور في السودان، وأصبحت لبريطانيا اليد العليا في السودان .

وفي عام 1902 حدثت بعض التعديلات الإدارية، حيث كانت هناك مجموعة من القبائل تعيش في منطقة الحدود (وهذه المنطقة تقع في خط عرض 22) والمتمثلة في قبائل العبابدة والبشارية والرشايدة، وقد أرادت الحكومة المصرية جمع شتات تلك القبائل تحت إدارة حكومة واحدة، وتم وضع قبائل الشارية الذين يسكنون مثلث حلايب وشلاتين تحت إدارة الحكومة السودانية، حيث كانوا يمثلون الغالبية العظمي لسكان المثلث، والذين يبلغون حوالي 70 % من عدد الشكان داخل المثلث، ليتحدوا مع قبائل البشارية في شرق السودان وبالذات في منطقة بور سودان، حيث تمركز قبيلة البشارية ليتاح من خلال تلك الأجزاء لشيخ القبيلة أن يجمع الضرائب من قبيلته بسهولة، وكانت تسمي تلك المنطقة المعروفة بمثلث "حلايب وشلاتين" والتي 28 ألف كيلو متر مربع وتم اقتطاعها من الأراضي المصرية الأصلية كما ذكرنا.

وعلي الجانب الآخر كانت هناك منطقة تسمي كورسكو أو مثلث باتازوجا يدخل ضمن الأراضي السودانية وذلك جنوب الدرجة 22، حيث تم وضع هذه المثلث تحت إدارة الحكومة المصرية كتعويض عن مثلث حلايب وشلاتين، والذي اقتطعه ووضعه تحت الإدارة السودانية كنظام تعويضي تبادلي، ولكن إذا قارنا بين مساحة الجزئين والامكانيات والثروات التي تتوافر من كل منهما، فنجد أن هناك فارق كبير وعدم تكافئ في التبادل، حيث إن هذا المثلث غني بالثروات المعدنية، وآبار المياه العذبة، فضلاً عن الحدائق والمراعي الطبيعية التي تتوفر في المثلث، والتي تندر في كورسكو، حيث إن كورسكو منطقة صحراوية وفقيرة الموارد ولا تتوفر فيها مصادر المياه العذبة أو أي شكل من أشكال النبات .

استمر هذا الوضع ولم تثار حول أي مشكلات طوال الفترة من 1902م حتي استقلال السودان عام 1956م، ولكن أود أن أوضح أن السيادة المصرية لم تغب تماماً عن المثلث طوال هذه الفترة، وقد تمثلت أوجه هذه السيادة من خلال تواجد أمني وعسكري في المثلث، وبعثات للتنقيب عن المعادن بقيادة الجيولوجي المصري" وليم الصادق " وتواجد مستمر من الهيئة المصرية للمساحة . والجدير بالذكر أن مصر تركت مثلث كورسكو بعض وضعه بفترة وجيزة ؛حيث أنها لم تجد فيه أي فائدة وظل مثلث حلايب تديره حكومة السودان وهذه الحكومة تتشكل من أعضاء إنجليز وأعضاء مصريين، وذلك بعد استقلال السودان عندما أصبحت له دوله وعملة وراتب، وتم بعد ذلك اجراء انتخابات سودانية لأول مرة في السودان، وتم انتخاب عبدالله خليل كرئيس وزراء للسودان، ثم قام هذا الرجل بإجراء ووضع مثلث حلايب ضمن الدوائر الانتخابية السودانية والواقعة ضمن مديرية البحر الأحمر السودانية وهذا مخالف لبنود الإدارة المتفق عليها، الأمر الذي استفذ الرئيس جمال عبد الناصر وجعله يعترض علي هذا الأمر؛ وذلك لكون هذا الجزء يمثل جزءً أصيلا من السيادة المصرية وليس من حق السودان إجراء انتخابات برلمانية فيه، ولذلك لم يكتف عبد الناصر بهذا الأمر، بل قام بإرسال رسائل لعبد الله خليل يحسه فيه علي عدم القيام بهذا الإجراء، وذلك بعد أن رصدت الخارجية المصرية في السودان تحركات غريبة في السودان وأجندات أمريكية وأوربية لإنشاء قواعد في تلك المنطقة لضرب السيادة المصرية في الجنوب، وهنا قال جمال عبد الناصر كلمته الشهيرة : " ماذا يفعل الاستعمار حيث لم تنفع مشكلاته التي صنعها في سوريا ولا لبنان ولا العراق ... يلف ويأتي من الجنوب ماء النيل الذي هو أساس الحياة المصرية " .

إلا أن جمال عبد الناصر قام بإجراء حاسم حيث منع بالقوة إجراء انتخابات برلمانية سودانية في المثلث، وذلك عندما أرسل بعض الفرق العسكرية ومعها صناديق الانتخابات، لكي يقوم سكان المثلث بالمشاركة بالاستفتاء علي الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958م، لكن سرعان ما تقدم عبدالله خليل بمذكرة إلي مجلي الأمن يشكوا فيها مصر من سيطرتها علي جزء من الأراضي السودانية، ولكن عبد الناصر فوت عليه الفرصة في ذلك الوقت وتم تجميد الموضوع بعد تدخل شخصيات سودانية وطنية متمثلة في إسماعيل الأزهري، حيث كان عبد الناصر يكن له كل حب وتقدير . وتم الاتفاق علي إرجاء حل الأزمة بعد الانتخابات السودانية وبعد الانتخابات لم يفوز عبد الله خليل (المعادي لمصر) ولم يتحدث أحد في المشكلة وظل الوضع قائم علي ما هو عليه خلال فترة حكم الفريق ابراهيم عبود (الذي جاء خلفاً لعبد لله خليل)، والذي كانت ميوله ناصرية، وكذلك في فترة حكم الرئيس "جعفر نميري" الذي كانت تربطه بعبد الناصر ومصر علاقات وطيدة؛ بل إن في عهده تم عقد معاهدة الإخاء والوحدة المصرية السودانية . والجدير بالذكر أن أزمة حلايب لم تكد تظهر إلا حين تتوتر العلاقات بين رؤساء الدولتين، ومما يبرهن علي ذلك أنه في خلال فترة حكم "جعفر نميري" و" أنور السادات" لم تظهر المشكلة كأزمة حدودية، لأن السودان فتح المجال الجوي السوداني للطائرات المصرية بعد هزيمة حزيران – يوليو 1967م وقدم كافة الدعم للجيش المصري في حرب أكتوبر 1973م واشتركت العديد من الفرق السودانية في الحرب .

بيد أن الانقلاب الذى قاده "سوار الذهب" على "جعفر النميرى" عام 1985، وإجراء الانتخابات تولى زعيم حزب الأمة الصادق المهدى الوزارة عام 1986، فقد ساءت العلاقات فى عهده مع مصر؛ ولكن مع مطلع التسعينيات واختلاف وجهات النظر بين حكم "حسني مبارك" وحكم "عمر البشير" (مع العلم أن مبارك أيد الانقلاب الذي قام به عمر البشير وساعده في الاعتراف الدولي) لكن سرعان ما تكشف لمبارك سيطرة حسن الترابي والإخوان المسلمين علي مجريات الأمور في السودان، والتقرب من أعداء مصر في ذلك الوقت، وتأهيل وتدريب العناصر الإرهابية في السودان ذات الأصول الدينية، مما شكل خطراً علي الأمن القومي المصري من ناحية الجنوب .

أضف إلي ذلك قيام حكومة السودان ببعض الإجراءات التي من شأنها تغيير الوضع القائم في المثلث والسماح لشركات كندية بالتنقيب عن البترول في المثلث وبعثات أثرية والشركات اليابانية للتنقيب عن البترول والمعادن في المثلث، وهذا الأمر مخالف لبنود الإدارة، الأمر الذي اعترضت عليه الحكومة المصرية وقامت بطرد هذه الشركات، وهنا ظهرت أزمة حلايب الثانية عام 1992م، ثم تلي ذلك قيام مصر بمجموعة من الاجراءات القوية بالمثلث؛ حيث كان من المفترض أن تتم في المثلث منذ عام 1956م إنهاء أي وجود سوداني في المثلث وعودة الإدارة بجانب السيادة الموجودة بالدولة المصرية . لكن ربما انشغال الدولة المصرية في عهد "جمال عبد الناصر" بالأمور الخارجية ومحاربة الاستعمار وبناء الدولة جعله لا يفكر في مثل الصغائر، ولم يكن يتوقع أن السودان سوف يطمع في جزء من أراضي الدولة المصرية، لكن الأجهزة الأمنية في عهد الرئيس "حسني مبارك" رصدت تلك التحركات الغير مطمئنة في الجنوب مما دفعه للقيام ببعض الاجراءات التي من شأنها إنهاء حكم الإدارة السودانية تماما عن المثلث وزرع العنصر المصري في المثلث بدء من شلاتين حتي رأس حدربة وهي آخر نقطة علي خط 22 .

وبعد تورط السودان في محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا وفشلت تلك المحاولة، الأمر الذي جعل مبارك يأخذ قراراً حاسماً وهو إنهاء أي وجود سوداني تماما للمثلث بالقوة العسكرية، وجعل القوات المصرية تسيطر سيطرة تامة علي المثلث، ومنذ ذلك الحين بدأت الحكومة المصرية تهتم اهتماماً كبيراً بالمثل بعد فترة اهمال تعرض لها، وأنشأت الإدارة المصري العديد من القري الأخرى، كما أنشئت طرق تربط المثلث ببقية أجزاء الجمهورية، وكثفت من التواجد، وأصدرت بطاقات شخصية مصرية للسكان الموجودين، وخصصت لهم مقررات تموينية ورواتب شهرية، وكافة الخدمات الطبية والتعليمية لأبناء المثلث، وها هي الآن تسعي جاهدة دوماً للنهوض؛ حيث إنه يتمتع بالعديد من المزايا الجغرافية والسياحية والاقتصادية . أما بالنسبة للعامل الجغرافي فهو يعد بداية مصر الجنوبية والطريق إلي إفريقيا، وأما العامل الاقتصادي فالمثلث يكنز بباطنه العديد من الثروات، مثل النحاس والمنجنيز والذهب والفضة وكميات كبيرة من الفوسفات، وكذلك البترول الذي لم يتم اكتشافه بعد، وأما العامل السياحي فالمثلث يمثل أعظم قطعة سياحية تقع علي البحر الأحمر.

ولما كانت منطقة حلايب وشباتين جغرافيا تمثل بوابة مصر الجنوبية نحو شرق السودان، وبالتالي فهي تمثل أمن قومي لا يجب المساس به أيا كان ؛ ولذلك أعجبني الدكتور مفيد شهاب (أستاذ القانون الدولي، ورئيس جامعة القاهرة ووزير التعليم العالي السابق) فى رده على الادعاءات السودانية، عندما كان ضمن فريق تفاوضي مع السودان ؛ حيث قال:" إن القاعدة الثابتة أنه عندما تحدد الحدود باتفاق دولي لا تتغير أبداً، حتى لو حدثت حروب بين الدولتين، فالحدود لا تتغير، فهناك أنواع للمعاهدات، فإذا حدثت خلافات سياسية تنتهى المعاهدات السياسية والاقتصادية، واذا حدثت حروب تنتهى المعاهدات السياسية وتتوقف المعاهد الثقافية، لكن هناك نوع واحد من الاتفاقيات الدولية لا تتغير أبداً إلا برضى الطرفين، وهو معاهدات الحدود، لأن الحدود تتميز بأنها تحدد ويسودها عدة مبادئ هى "مبدأ استقرار الحدود"، و"توثيق الحدود"، و"نهائية الحدود"، حتى تتمتع حدود كل دولة بالاستقرار والديمومية، فهذه هى حدودنا منذ "1899.

أمر آخر أكد عليه الدكتور مفيد شهاب وهو أن الجانب السودانى يتحدث عن أنه اكتسب السيادة على المنطقة بالتقادم، لكن هذه المسألة غير موجودة فى القانون الدولي، وإنما قد تكون ممكنة فى القانون الخاص، عندما يأتى إنسان ويأخذ أرض إنسان آخر ويعيش فيها لمدة 15 عاماً فهنا يحق له أن يقول أخذتها بوضع اليد، وهذا لا يوجد فى القانون الدولي، لأن الحدود وأرض الدولة جزء من سيادتها، والسيادة لا تنتهى إلا بإرادة الدولة أو بتنازلها الصريح.

والشاهد فى كل ذلك أن جماعة الإخوان المسلمين من الجانب السودانى في عهد المعزول "حسن البشير"، هو الذى اختلق هذه المشكلة، ويحاول أن يشرعنها رغمًا عن الجميع، رغمًا عن مصر والقانون الدولى والاتفاقيات وكل شىء، دون أن يدرى الحقيقة المهمة وهى أننى من الممكن أن أسمح لك بالتنقل، وأسمح لك بالتواجد، وأسمح لك بأن تعيش معى، وربما أن تباشر مظاهر السيادة الخاصة بى، لكن أن تدعى بأن السيادة الكاملة انتقلت لك فهذا هو الخطأ بحد ذاته غير المقبول من السودان، كما أنه ليس مقبولاً أن يدعونا الأخوة في السودان للذهاب إلى التحكيم الدولي في هذه القضية كما حدث في 2017 أيان عهد حكم البشير المعزول، لأن الأمر لا يمثل نزاعًا من الأساس، فالأرض مصرية، والتاريخ والجغرافيا يؤكدان ذلك، كما أن حكومة نظام البشير الإخواني كانت مقتنعة بذلك تمامًا، لكنها ترغب فى استغلال هذا الملف في كل أزماتها السياسية الداخلية، لتحقيق مكاسب في الداخل السوداني حتى وإن كان على حساب العلاقة مع مصر.

ولذلك كانت القضية محسومة منذ البداية لكن حسن البشير ونظامه الذي يتبني معظمه فكر الإخوان المسلمين لا يريدون تصديق ذلك، لأن المنطق عندهم تحكمه اعتبارات سياسية ودينية وليست قانونية أو مرتبطة بعلاقات الأشقاء التى يجب أن تقوم على مبدأ الحوار والتكامل وليس البحث عن العداوة.

وثمة نقطة جديرة بالإشارة نود أن نشير إليها وهي أنه للأسف في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي تجددت الأزمة من جديد عندما طفت علي السطح من خلال زيارته للخرطوم، إذ تم توجيه سؤال له: هل توافق سيادتكم علي عودة المثلث كما كان قبل 1995م، ونتيجة لعدم إدراك محمد مرسي لخلفية موضوع المثلث، حيث أجاب بقوله لا مانع، وهو لا يعلم أن المثلث قبل 1995م كان تحت إدارة الحكومة السودانية، مما جعل العديد من الأقلام السودانية تطالب بعودة المثلث للسودان وتتجدد الأزمة مرة أخري من جديد.

وهنا قطع الرئيس محمد مرسى على نفسه وعداً للرئاسة السودانية بالتنازل عن حلايب وشلاتين وضمها إلى السيادة السودانية، وفقاً لتصريحات منسوبة إلى "موسى محمد أحمد"، مساعد الرئيس السوداني، وأكد تلك التصريحات "محمد مهدى عاكف"، رئيس جمعية الإخوان المسلمين، حيث قال إنه " لا مانع من أن تكون حلايب وشلاتين تحت السيادة السودانية"، وهو ما وصفه البعض بـ " وعد من لا يملك لمن لا يستحق"؛ خاصة بعد أن نشر الموقع الرسمى لحزب الحرية والعدالة موضوعاً إخبارياً عن زيارة الرئيس للسودان مصحوباً بخريطة تظهر حلايب وشلاتين داخل الحدود السودانية.

إلا أن الله سلم وذلك عندما جاءت ثورة 30 يونيو 2013م ثم تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم البلاد ولم يستطع أحد أن يفتح الملف رغم المحاولات الجبارة التي بذلها المعزول عمر البشير فالمثلث جزء أصيل من مصر ومصر لن تفرط في ذرة تراب من أراضيها ولن تسمح لأي دولة بأن تتدخل في هذا الشأن؛ فالأراضي المصرية ليست محل مجاملة بين الرئيس ورؤساء الدول المجاورة، وأن الدولة المصرية ستقف بالمرصاد لأى شخص أو جهة تريد تهديد السيادة المصرية التي بدأت بمحاولة الضغط على الجيش المصري لتحويل سيناء إلى دولة للفلسطينيين، ثم ضم حلايب إلى السودان وبعدها ضم السلوم إلى ليبيا. ولذلك فإن الدولة المصرية وقواتها المسلحة تعرف جيداً قيمة مثلث حلايب وشلاتين على الأمن القومي المصري، ولذلك فالجيش المصري حريص على الوجود هناك بشكل كبير، في الوقت الذى تغيب فيه معظم مؤسسات الدولة الأخرى، حيث يتولى الجيش الرعاية الصحية للأهالي وتوفير السلع التموينية المختلفة والمساكن وحفظ الأمن وتأمين حركة التجارة، مؤكداً أن الأهالي يعتبرون الجيش هو الحاكم الفعلي هناك، وتداركت مؤسسة الرئاسة الموقف.

وفي نهاية مقالي هذا لا أملك إلا أن أقول حفظ الله مصر بحدها وحدودها، وحفظ الله حلايب وشلاتين مثلثاً مرفوعاً في كل ضلع من أضلاعه العلم المصري مرفرفاً ومبرزاً السيادة المصرية الخالصة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عبد الحسين شعبانمنذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وحركة الاحتجاج الشعبية  في العراق تزداد تصاعداً وتتّسع قاعدةً وتتعمّق محتوىً، خصوصاً بارتفاع عدد الضحايا (القتلى والجرحى) الذين زاد عددهم عن عشرة آلاف، أما الحلول والمعالجات  فقد كانت مبتسرة ودون مستوى الطموح بكثير، وجمّل غالبيتها ما هو قائم أو وعوداً مؤجلة لما سيكون، وهي بالطبع لم ترضِ المتظاهرين الذين اكتظّت بهم الساحات على نحو غير مسبوق، وتلك إحدى ظواهر الحراك الشعبي الجديد التي ينبغي دراستها اجتماعياً.

فالشابات والشبان الذين هتفوا وغنّوا وبكوا أمام شاشات التلفاز واجهوا الرصاص الحي والقنابل المسيّلة للدموع والقنّاصة ذوي القمصان السود بصدور عارية وبقبضات الأيدي، ولكن بإصرار وشجاعة عجيبين دون أن ننسى أن التظاهرات بشكل عام كانت سلمية.

وحين استمرّت الأزمة وتفاقمت بفعل العنف والقسوة وردود الفعل أحياناً، ازداد عدد المتداخلين من القوى الإقليمية والدولية، وكلٌّ وفق أجنداته وأهدافه، الأمر الذي ازداد من تعقيد المشهد السياسي، حتى أن الأمم المتحدة دخلت على خط الأزمة، لاسيّما بنزول ممثلتها جينين هينس إلى ساحة التحرير في بغداد وتأكيدها على عدم استخدام العنف لتفريق المتظاهرين ودعوتها إلى الحوار وإجراء مصالحة شاملة وإصلاحات ضرورية، وترشّح أنها ستنقل تصورها إلى مجلس الأمن الدولي في نيويورك.

كما أن إيران وبعد مرور نحو شهر كامل على اندلاع الأزمة دخلت بشكل مباشر على الخط، وإن كان يتردّد اسم قاسم سليماني رئيس الحرس الثوري الإيراني، من خلال وجوده ببغداد واتصالاته مع الأطراف المختلفة، ولكن هذه المرّة جاء التعليق على لسان المرشد الأعلى السيد علي خامنئي حيث اعتبر ما حصل في العراق ولبنان " أعمال شغب تديرها أمريكا وإسرائيل وبعض دول المنطقة" ولم تكن واشنطن بعيدة عمّا جرى ويجري في العراق، فقد صرّح وزير خارجيتها بومبيو "أميركا ترحب بأي جهود جادة من العراق للتصدي للمشكلات التي يعاني منها ".

وإذا كان ثمة اختراقات أمنية وسياسية دولية وإقليمية، ومحاولات إندساس أو اختراق أو استغلال وتوظيف سياسي لدول أجنبية وجهات خارجية، لكنه لا ينبغي الاستهانة بعقول الجموع الغفيرة من البشر والاستخفاف بمشاعر ملايين المعوزين والعاطلين عن العمل، الذين فاض بهم الكيل فخرجوا يطالبون بحقوقهم العادلة والمشروعة باعتراف الطبقة السياسية الحاكمة ذاتها، وكانوا من بغداد إلى البصرة ينشدون النشيد الوطني " موطني .. موطني" وبجميع محافظات الوسط والجنوب، مع تعاطف المحافظات الغربية والشمالية التي ما تزال تعاني من صدمة داعش، يضاف إليها نحو ثلاثة ملايين نازح ما زالوا بعيدين عن مناطق سكناهم، ولا يشذّ المواطن الكردي في إقليم كردستان في همومه عن المواطن العربي في العراق، باستثناء طموحه في كيانية خاصة.

وامتازت حركة الاحتجاج التشرينية بالشمولية، كما كانت خارج نطاق الآيديولوجيا وخارج نطاق السياسة والأحزاب فلم تنحصر في فئة دون أخرى، أو منطقة دون أخرى بل شارك فيها الجميع، حتى وإن اقتصرت على بغداد ومناطق وسط وجنوب العراق العربي، إلّا أنها لاقت تعاطفاً عراقياً عاماً، مع الأخذ بنظر الاعتبار الظروف الخاصة بسكان المناطق الأخرى، وإن اختفى منها أو توارى عن الأنظار، السياسيون، أمّا خجلاً أو خشية من ردود الفعل.

ولذلك أعادت حركة الاحتجاج الجديدة الروح الوطنية واستعادت التقاليد الوطنية العراقية العابرة للطائفية، بحيث أظهرت الهوّية العراقية الموحّدة بكل تجليّاتها الإنسانية وموزائيكها المتنوّع، ابتداءً من التمّسك بالعَلَم والنشيد العراقيين ومروراً بالشعارات الأساسية. وحملت الحركة الاحتجاجية المطالب الاقتصادية والاجتماعية وهي أساسية، مثل إيجاد فرص عمل للعاطلين وتحسين الخدمات التعليمية والصحية، ناهيك عن محاربة الفساد ومحاسبة المفسدين.

أما سماتها السياسية،  فقد كانت بمثابة "إعلان جديد"، بل اعتراف من جانب رئيس الجمهورية عبّر فيه عن يقينه بعدم قابلية الوضع القائم على الاستمرار، خصوصاً وإن هذا الإعلان يأتي بعد " انسداد الآفاق" الذي شهدته العملية السياسية منذ الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 .

ويعود ذلك إلى فقدان الثقة بالعملية السياسية برمّتها، تلك التي أسسها بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق(13 مايو/أيار 2003- 28 يونيو /حزيران 2004) وكانت تقوم على ثلاثة رؤوس: شيعي وسنّي وكردي ( الرأسان الأولان تم احتسابهما وفقاً لمعيار طائفي، أما الرأس الثالث، فقد صنّف على أساس  قومي كردي)، إضافة إلى توابع دينية وقومية، مثل الكلدو - آشوريين والتركمان، إضافة إلى المسيحيين والصابئة المندائيين وغيرهم.

وكان بول بريمر قد منح "الشيعية السياسية " 13 مقعداً في مجلس الحكم الانتقالي من مجموع  25 مقعداً، وخصّص 5 مقاعد للسنّة و5 مقاعد للكرد ومقعداً واحداً للتركمان ومقعداً واحداً للكلدوآشوريين، وهكذا "شرعن" نظام المحاصصة، الذي اهتدى به الدستور الدائم (2005)  بعد " الدستور المؤقت" للمرحلة الانتقالية (2004)، وكان ذلك بصياغة مُلتبسة من نوح فيلدمان (الذي وضع مسوّدات الدستور)  وبيتر غالبرايت (الخبير الذي استعان به الإقليم)، وقد ورد الحديث في الدستور الدائم عن "المكوّنات" عدّة مرّات (مرّتان في المقدمة وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142) وليس ذلك سوى تكريس لنظام المحاصصة الطائفي- الإثني، فضلاً عن بعض المواد الجامدة التي يصعب تغييرها إلّا بإجراءات معقدة، ناهيك عن ألغام كثيرة.

وعلى هذا الأساس تم اقتسام السلطات الثلاث والإدارات التابعة لها، إضافة إلى المفوّضيات المستقلة التي هي امتداد لنظام المحاصصة، وجرى كل ذلك في إطار الزبائنية السياسية حيث تم تقسيم المغانم تحت عناوين " التوافق" أو "الديمقراطية التوافقية"، وحتى بعد إجراء الانتخابات على ضعفها والمطاعن فيها، إلّا أن ذلك كله يوضع على الرف ويتم اقتسام المناصب وفقاً لقواعد المحاصصة البريمرية .

لقد دفع الفقر والخلل في توزيع الدخل وسوء الخدمات الصحية والاجتماعية وتدهور التعليم وانحطاط مستوى المناهج التربوية، إضافة إلى البطالة ومشاكل السكن والبيئة والبلديات وتآكل البنية التحتية، وغيرها إلى ارتفاع الصوت للاحتجاج، خصوصاً بتعويم الدولة أحياناً لصالح مجموعات مسلحة، لاسيّما بعد الفترة التي هيمن فيها داعش على الموصل (10 يونيو/حزيران/2014) وامتدّ ليشمل محافظتي صلاح الدين والأنبار وأجزاء من محافظتي ديالى وكركوك، وصولاً لمشارف بغداد، وكان قد تأسس "الحشد الشعبي" استناداً إلى فتوى السيد علي السيستاني المرجع الشيعي المتنفذ في النجف، تحت عنوان "الجهاد الكفائي" والذي ساهم في القضاء عسكرياً على داعش، لكن وجوده كتنظيم موازٍ حتى وإن أُلحق بالقوات المسلحة، أثار مشكلات عديدة، بل اعتبر عامل عدم استقرار وتوتّر، لاسيّما وإن إداراته متناقضة بسبب اختلاف وتشعب مرجعياتها السياسية.

ولعلّ أهم مطالب الحركة الاحتجاجية هو استقالة الحكومة وحلّ مجلس النواب، وسواء حصل هذا كلياً أو جزئياً  أو لم يحصل بما فيه الكفاية بنظر المتظاهرين، فإن حزمة الإصلاحات تحتاج إلى ثقة أولاً وهي معدومة وإلى وقت وهو ليس بصالح ما هو قائم، ولو أريد نزع الفتيل منذ البداية لكان قد تم الاتفاق على تطمينات بشأن: تعديل الدستور أو إلغائه وسن دستور جديد وإن كان هذا هو الآخر يحتاج إلى آلية قانونية وسياق دستوري، خصوصاً وهناك اعتراضات كردية يمكن أن تعطّل ذلك من جانب ثلاث محافظات وبالاستفتاء، وكذلك الأمر يتعلق بسنّ قانون جديد للانتخابات، وحل الهيئات المستقلة بما فيها هيئة الإشراف على الانتخابات، والهدف هو إجراء انتخابات حرة، ويطالب المتظاهرون بإشراف أممي، إضافة إلى محاسبة المفسدين.

ووفقاً للفقرة ثانياً من المادة 64 من الدستور التي نصت على :" - يدعو رئيس الجمهورية، عند حلّ مجلس النواب، إلى انتخاباتٍ عامة في البلاد خلال مدةٍ أقصاها ستّون يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مُستقيلاً، ويواصل تصريف الأمور اليومية." وهو ما رفعه المتظاهرون في الساحات.

كل ذلك يحتاج إلى سلّة كاملة من الإصلاحات، إضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تتعلق بقوت الناس وهمومهم اليومية وبالخدمات الضرورية والملحة.

مثلما برزت هناك مطالبات بتحريم الطائفية وسنّ قانون يدعو إلى تحريمها وبالتالي محاسبة من يدعو إليها أو يروّج لها أو يتستر على ممارساتها وهي قضية مطروحة منذ الفتنة الطائفية (العام 2006-2007) وكان لكاتب السطور قصب السبق فيها حين قدّم مشروعاً متكاملاً " لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة" وهو ما تم نشره في كتاب " جدل الهويّات في العراق".

وإذا كانت الإقالة المشروطة لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي قد أصبحت واقعاً بعد أن جاءت على لسان رئيس الجمهورية برهم صالح، فإن الخطاب الذي ألقاه يوم 31 اكتوبر/تشرين الأول الماضي لم يأتِ بما يطمئن المتظاهرين، على الرغم من الوعود التي قدّمها. وكان عبد المهدي قد أبدى موافقته على الاستقالة في حواره مع القوى والكتل السياسية وذلك بعد التوصل إلى بديل مقبول " وفق السياقات الدستورية والقانونية وبما يمنع حدوث فراغ دستوري" كما نُسب إليه.

واتّسم خطاب رئيس الجمهورية بلغته العاطفية بعد أعمال العنف ومحاولة فرض منع التجول، تلك التي لم يلتزم جمهور المتظاهرين بها، بل قام مع سبق الإصرار بكسرها حيث خرجت العوائل والأطفال إلى ساحات الاحتجاج لتعبّر عن رأيها بكل صراحة، بل لتطالب بالمساءلة لما حدث، لاسيّما بوقوع هذا العدد الكبير من الضحايا.  وكان صالح قد خاطب الجمهور بقوله " أؤكد لكم انحيازي إليكم بمشاعري وعواطفي وجهودي وبكل ما أملك من مساحة ودور وقوة استمدّها منكم، فأنا معكم في تظاهراتكم السلمية ومطالباتكم المشروعة ومعكم في رفع الحيف ومحاربة الفساد، ومعكم بإنصاف القطاعات المظلومة والمهمّشة من أبناء العراق".

وبصورة غير مباشرة أدان القمع وحمّل الحكومة المسؤولية بتأكيده "ليس هناك حلّ أمني، القمع مرفوض، واستخدام القوة والعنف مرفوض. الحلّ في الإصلاح وفي تعاون الجميع، والحكومة مطالبة بأن تكون حكومة الشعب كما أشار إلى ذلك الدستور ورسخته تضحيات العراقيين".

كما دعا إلى وضع السلاح بيد الدولة، لكن من سينفذ ذلك، خصوصاً وقد جاء تقرير اللجنة التي شكّلها مجلس الوزراء للتحقيق في مسؤولية الارتكابات التي حصلت، مخيّباً للآمال، ثم من هي الجهة التي يمكن الاعتماد عليها لحصر السلاح وجمعه وحلّ الميليشيات وضبط الأمن وتفادي حدوث اقتتال يمكن أن يكون شيعياً - شيعياً، خصوصاً وإن القوى الشيعية السياسية متحفّزة، وهناك ثلاث قوى كبرى أولها - التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر وثانيها- منظمة بدر بقيادة هادي العامري، وثالثها - عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي وجماعات أخرى، مثل كتائب حزب الله وسرايا النجباء وسرايا الخرساني وكتائب التيار الرسالي وسرايا الجهاد والبناء  ومعظم هذه الجماعات متأثرة بالتجربة الإيرانية، إن لم تكن جزءًا منها، بل إن بعضها يعلن انحيازه الصريح لها، لاسيّما في التصدّي للقوات الأمريكية فيما إذا دخلت حرباً ضد إيران.

ولعلّ الجديد في خطاب رئيس الجمهورية هو دعوته لحوار وطني يقول إنه باشر به في دوائر رئاسة الجمهورية لمعالجة الاختلالات البنوية في منظومة الحكم، لكن لم يترشح حتى الآن من هي القوى المدعوة للحوار؟ هل هي من داخل بيت العملية السياسية أم من خارجه؟ وما هو سقف الحوار ومدّته؟ وكيف السبيل لخطوات سريعة وعاجلة لطمأنة المتظاهرين؟

إن ما هو واضح في خطاب برهم صالح هو الجملة الأخيرة التي عبّر فيها عن قناعته "بالحاجة إلى تغييرات كبيرة لا بدّ من الإقدام عليها"، فلم يعد استمرار الوضع ممكناً، بل لم يعد جائزاً ترك البلاد للأقدار الغاشمة وللأزمات التي تتعاصفه واحدة تلو أخرى، وهو الأمر الذي يحتاج إلى بلورة صيغة عملية لتأطير المطالب الشعبية في إطار خطة زمنية تدرّجية وواقعية  لإحداث التغيير المنشود، كي لا تذهب التضحيات هباءً وسدىً. ولعل حسم الموقف لصالح المطالب الشعبية سيؤدي إلى نزع فتيل الأزمة ويحول دون استمرار التدخلات الإقليمية والدولية السافرة، سواء من جانب إيران أو تركيا، أو حتى "إسرائيل" التي قصفت مواقع عراقية قبل أسابيع دون رد فعل حكومي حازم، ودون أي إشارة من جانب واشنطن التي ترتبط بمعاهدة إطار استراتيجي مع بغداد، تلك المعاهدة التي ترتّب عليها مسؤولية عسكرية وأمنية واقتصادية وسياسية إزاء العراق، لكن الولايات المتحدة تستخدمها  من طرف واحد حين تدخل قواتها أو تخرجها أو تنقل قسم من الدواعش الأسرى إلى العراق، دون استئذان أو حسبان لسيادة العراق.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

محمود محمد عليما زلت دويلة قطر تصر علي تأجيج نار الفتنة وعدم الاستقرار للدولة المصرية، وقد اتضح لنا ذلك في ملفات كثيرة، ولكن ما نركز عليه هنا في هذا المقال ذلك اللقاء الذي أجرته "قناة الجزيرة مباشر أول أمس (بتاريخ 19/11/2019) " عندما استضافت الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري، عندما سأله المذيع أحمد طه".. بما أن سيادتكم تتحدثون عن مصر فهل تواصلتم سيادتكم لأي شئ بخصوص بشأن حلايب وشلاتين .. وأجاب الفريق قائلاً: لم نتطرق لهذا الأمر حتي الآن .. ثم يسأله المذيع: كيف تري سيادتكم هذا الملف ... فقال الفريق: هذه القضية يوجد كثير من الإجراءات التي يعمل السودان عليها، كما أن هذه القضية قضية شغلت الرأي العام السوداني لفترة طويلة والرأي العام الإقليمي، إننا حتي الآن لم نتطرق إليها، حتما قضية ستظل قائمة.. ثم سألة المذيع مرة أخري: حلايب وشلاتين: مصرية أم سودانية.. وأجاب الفريق: سودانية طبعاً... ثم سأله المذيع: هل ستعملون علي إرجاعها من مصر؛ خاصة وأن مصر ستقول بعكس ذلك، وهي تسيطر علي حلايب وشلاتين.. وأجاب الفريق: نحن والمصريون إخوة ونستطيع أن نصل إلي توافق في هذا ...الخ ".

ولم تكتف قناة الجزيرة بذلك، بل حاولت بين آناً وآخر أن تربط موضوع جزيرتي حلايب وشلاتين بجزيرتي تيران وصنافير، والحقيقة أنه لا وجه للمقارنة بين الأثنين علي الإطلاق، فحلايب وشلاتين هي أرض مصرية داخل حدود مصر وتتبع مصر منذ الأزل، فالرئيس محمد مرسي حين كان رئيسا لمصر كان يريد أن يهب حلايب وشلاتين للسودان تحت إطار الإخوة الإسلامية باعتبار أن محمد مرسي كواحد من دعاة الإخوان المسلمين يدعو إلي فكرة الأمة الإسلامية وليس الوطن المصري، وهذا عبث للحدود وبالتاريخ شأنه في ذلك حين أراد محمد مرسي أن يتنازل عن 40 % من مساحة العريش لحساب دولة غزة الكبري لمصلحة إسرائيل وقيل وقتها أن مرسي حصل من الخزانة الأمريكية علي 8 مليار دولار من أوباما وعندما لم يتم الأمر فتم استجواب لأوباما في مجلس الشيوخ وقتها، ومرسي حصل علي الـ 8 مليار ولم يضعها في خزينة الدولة المصرية، وإنما وضعها في حسابات الإخوان المسلمين .

إذا نظرنا للوثائق والمعلومات والموجودة في مجلس الوزراء المصري نجد أنها تؤيد بأن مثلث حلايب وشلاتين مصرية بالتاريخ والجغرافيا وبالتالي علينا أن نظهر تلك الوثائق لأن هذا حق واجب، خاصة وأن قضية حلايب وشلاتين تمثل أمن قومي مصري لا يجب العبث به، ولذلك فإن الوقائع التاريخية تؤكد بأن شلاتين وحلايب أرض مصرية وبالتالي تخضع للسيادة المصرية.

بيد أن الاحتلال البريطاني المتزامن في مصر والسودان، هو الذي أدى إلى تعيين الخط الحدودي الفاصل بين البلدين، وكان ذلك عملاً من نتاج الفكر الاستعماري البريطاني الذي كان يترقب لحظة تفكيك أملاك الدولة العثمانية، حيث وقَّعت اتفاقية السودان بين مصر وبريطانيا في 19 يناير 1899.

وتُعد حلايب وشلاتين وأبو رماد بوابة مصر الجنوبية للسودان ودول إفريقيا، ويطلق عليها "منطقة المثلث"، وذلك لتثلث أضلاعها، فهي تمتد من نقطة على ساحل قرب بئر الشلاتين وتتجه جنوب غرب لمسافة 58 كم حتى تصل إلى بئر منيجة، ثم تمتد شمال غرب لمسافة 28 كم حتى تصل إلى جبل تجروب، والمنطقة على شكل مثلث متساوي الساقين قاعدته تبلغ نحو 300 كيلو متر، مع خط عرض 22 درجة شمالاً، وطول كل من ضلعيه الشرقي البحري والغربي الصحراوي 200 كيلو متر، ويشغل مثلث حلايب رقعة جغرافية متميزة، ويبعد عن القاهرة بنحو 1600 كيلو متر.

وتقع "مثلث حلايب" في أقصى الجزء الجنوبي الشرقي من الصحراء الشرقية، وتقدر المساحة الكلية لمنطقة المثلث بنحو 20,580 ألف كم مربع، تمثل نحو 14% من إجمالي مساحة محافظة البحر الأحمر، والتي تبلغ 120 ألف كيلو متر مربع. وتتمتع منطقة مثلث حلايب وشلاتين بمقومات سياحية، حيث تمتلك شاطئا بطول 103 كيلو مترات، والذي يُعد من أجمل الشواطئ المصرية على البحر الأحمر، ومن ذلك سحر الطبيعية من خلال السياحة السفاري فوق الجبال، حيث تضم المنطقة جزءً من محميتي "وادي الجمال، وحبل علبة"، فيعتبران من أكبر محميات مصر. لذلك قامت الحكومة المصرية، بتنمية المنطقة من خلال خطة شاملة في عام 2014، حيث بلغت اعتماداتها 746 مليون جنيه، وفقاً لتعليمات الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي شدد على ضرورة استكمال مشروعات البينة الأساسية لتلك المنطقة.

والسؤال الآن: لماذا تصر قطر من خلال قناة الجزيرة أن تفتح ملف حلايب وشلاتين مرة أخري، وأن تبرز فكرة أن هناك نزاعاً شديداً بين مصر والسودان؟ ليس هذا فقط بل تحاول أن تربط بين حالة "تيران وصنافير" وبين شلاتين وحلايب، بأنه على غرار تقسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، واعتبار جزيرتي "تيران وصنافير" سعوديتين، وبالتالي حلايب وشلاتين سودانيتين؟

وللإجابة علي ذلك نقول: إن دويلة قطر لم تأخذ في الاعتبار أن الحدود المصرية - السودانية تمتد على شكل خط مستقيم، وهو خط عرض 22 شمالاً من العوينات حتى ساحل البحر الأحمر، وتحدد هذا الخط وفقاً لاتفاقية 1899، ويبلغ طوله 1280 كلم، ووفقاً لهذا الخط، فإن حلايب وشلاتين مصرية، وتدخل ضمن الحدود المصرية، ولم يقرأ الرئيس السوداني المعزول حسن البشير التاريخ والجغرافيا جيدا فلجأ في 1992 أيام الرئيس حسني مبارك إلي الجلوس للتفاوض المباشر لحل قضية حلايب وشلاتين ولكنه لم يجد استجابة، ثم لجأ في 2017 إلى التحكيم الدولي امتثالا للقوانين والمواثيق الدولية، وهنا جاء الرد المصري مقتضباً على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية "أحمد أبو زيد"، في بيان صحفي: "حلايب وشلاتين أرض مصرية تخضع للسيادة المصرية، وليس لدى مصر تعليق إضافي على بيان الخارجية السودانية".

وكما قلت من قبل إذا نظرنا للوثائق والمعلومات والموجودة في مجلس الوزراء المصري، نجد أنها تؤيد بأن منطقة حلايب وشلاتين مصرية بالتاريخ والجغرافيا، والدليل علي ذلك هو أنه لم تكن هناك دولة تسمي السودان قبل 1821 وهو العام الذي انضمت فيه السودان للأراضي المصرية، وهنا أود أن أشير إلي ما ذكره الدكتور "عبدالله عبدالرازق إبراهيم"، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، فى الندوة تحت عنوان "الجذور التاريخية للحدود السياسية بين مصر والسودان"، حيث قال: إنه بدأ اهتمام مصر بالجنوب فى العصر الحديث، بعد تولى "محمد على" باشا السلطة عام 1805، وتوسعه إلى الجنوب لكشف منابع النيل فى الجنوب، وكانت رحلاته فى 1822، وتأسيس مدينة الخرطوم بداية اهتمام وإلى مصر بجنوب وادى النيل، وظلت هذه السياسة تتوسع تدريجياً وتنتقل من إقليم لآخر، حتى نجح إسماعيل باشا فى تأسيس إمبراطورية كبرى فى قلب أفريقيا، وسيطر على أوغندا، كما توسع شرقاً ووصل إلى مقديشو بالصومال.

وكان هذا التوسع المصري من العوامل التى أزعجت بريطانيا، والتى رسمت سياستها فى أوائل القرن التاسع عشر على التوسع فى أعالي النيل ومنع أية دولة من الاقتراب من هذه المناطق، حتى يتسنى لها مد خط السكك الحديدية من شمال القارة إلى جنوبها، فيما أطلق عليه خط حديد الكيب- القاهرة. وفى المقابل سجل البريطانيون أول وجود لهم على الساحل الشرقي لأفريقيا، عندما حاصرت وحدة بريطانية سواحل الصومال فى الفترة من 1825 حتى 1833 بسبب قيام بعض البرابرة بالاعتداء على بحارة الباخرة الأمريكية مارى أن، ونظراً لأهمية موقع عدن فقد احتلتها عام 1839 لاستخدامها كمحطة لتموين السفن، وأيضاً لحماية الطرق المؤدية إلى الهند، وحاولت بريطانيا إحكام قبضتها على النيل، واعتمدت على إيطاليا حتى تتفرغ من مشكلات الاحتلال البريطانى لمصر عام 1882، لكن إيطاليا انهزمت فى معركة عدوة 1869 أمام الأحباش، وانهارت كل آمال بريطانيا بعد أن بدأ التقارب بين إمبراطور الحبشة "منليك"، من خلال حملات فرنسية وحبشية من الشرق والغرب، ونجح الفرنسيون فى الوصول إلى أعالى النيل، ورفع مارشان العلم الفرنسى على قرية فاشودة، وأسرعت بريطانيا بإرسال قواتها نحو دنقلة لتخفيف الضغط على الإيطاليين.

وفى نفس الوقت تقدمت القوات المصرية حتى تم القضاء على الدولة المهدية فى معركة جديد فى نوفمبر 1899، ورفع كتشنر العلم المصري إلى جانب العلم الفرنسى، وأعلن أنه جاء لاسترداد أراضى الخديوى، وكادت أن تحدث مشكلة بين كتشنر ومارشان، لكن صدرت تعليمات بانسحاب مارشان، وعاد كتشنر ليرفع العلم البريطانى إلى جانب العلم المصرى، إيذاناً ببدء الحكم الثنائى للسودان عام 1899، وتم توقيع اتفاقية الحكم الثنائى بين بريطانيا ومصر، باعتبارهما حاكمى السودان فى هذا الوقت، لكن نظراً لأن القبائل الرعوية فى شمال شرق السودان وجنوب شرق مصر كانت ولا تزال ذات حركة مستمرة بحثاً عن الماء والكلأ فقد تم تقديم بعض التسهيلات الإدارية لتخفيف قيود الحركة والتنقل لهذه القبائل الرعوية.

وكان السودان قبل أن تبسط السيادة المصرية عليها عبارة عن ممالك متناحرة مثل مملكة تقلي والفونج ومملكة دار فور والغوار حتي استطاع محمد علي باشا جمع شتات هذه الممالك وحقن دماء شعوبها، وأنشأ مدينة الخرطوم وميناء "كسلا"، وتمكن من نشر الإسلام في ربوع السودان، ومنذ ذلك الحين أصبح السودان جزءً من الدولة المصرية يتم الصرف عليه من الخزانة المصرية حتي عام 1881 عندما اندلعت الثورة المهدية في السودان، وهي تلك الثورة التي تزعمها "محمد أحمد المهدي"، واضطرت للأسف الحكومة المصرية إلي سحب الجيش المصري من السودان تحت ضغط من إنجلترا التي تمكنت من احتلال مصر في عام 1882، ولم يكن أمام الدولة المصرية في ظل الاحتلال الإنجليزي إلا الانسحاب من الأراضي السودانية مؤقتاً، وقد أدى انسحاب مصر من السودان إلى تكالب الدول الأوروبية على ملحقات السودان في اريتريا والصومال وبحر الغزال وخط الاستواء وأوغندة، التي كانت تخضع جميعها لمصر، لذا قررت بريطانيا - حرصاً على مصالحها - استرجاع السودان، وهو ما تحقق بالفعل من خلال الحملة العسكرية (المصرية - البريطانية) المشتركة على السودان التي استمرت من 1896 الي 1898 .... وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

جواد بشارةالمرجعية الدينية الشيعية العليا لها دور مؤثر وأساسي في مسار الأحداث في العراق خاصة وفي العالم الإسلامي عامة . هناك عدد من المرجعيات العليا ولكن هناك مرجع أعلى واحد في العالم الإسلامي الشيعي، وهو اليوم يتمثل بشخص علي السيستاني الإيراني الجنسية. وهو تلميذ للمرجع الأعلى السابق أبو القاسم الخوئي الإيراني الجنسية أيضاً. وتتميز المرجعية الدينية بلغتها الخاصة وأسلوبها التشريعي والفقهي الذي يختلف عن فتاوي وتشريعات الطائفة السنية في الإسلام. في العادة تبتعد المرجعية الدينية في النجف عن ممارسة السياسية والتدخل في الشأن السياسي منذ فشل ثورة العشرين التي شارك وفيها وقادها المرجع الأعلى آنذاك، وتوالي حكومات علمانية نوعاً ما على حكم العراق كانت تخشى من سطوة المرجعية فأبعدتها عن الشأن السياسي بالقوة والتهديد وبلغت ذروتها في عهد البعث وخاصة المرحلة الصدامية منه. أما في إيران فلم تبتعد المرجعية عن التدخل والمشاركة السياسية وكان هناك نوعان من المراجع العليا الموالين لنظام الشاه والمعارضين له ولم يكن مطروحاً مفهوم ولاية الفقيه المطلقة في الأدبيات الشيعية والمرجعية إلا في أواخر العقد السابع من القرن العشرين . فلقد نظر لها المرجع الديني الإيراني المنفي في العراق روح الله الخميني وأصدر في ذلك كراس الدولة الإسلامية وضح فيه الخطوط العريضة لما يتصوره هو عن ولاية الفقيه الجامع للشروط.. وعندما انتصرت الثورة الشعبية على الشاه وشاركت فيها جميع الفئات في المجتمع الإيراني ومن مختلف الآيديولوجيات، صادر الخميني الثورة وسماها الثورة الإسلامية وقمع باقي المشاركين في صنع الثورة وأسس الجمهورية الإسلامية في إيران واشترط على أن يكون على رأس السلطة فقيه مجتهد ومرجع ديني على أن لايشترط أن يكون هو المرجع الأعلى فكان هناك في إيران وفي العراق مراجع دين أعلى وأعلم منه كالخوئي وشريعة مداري وغيرهم. ولكن عند وفاته دعمت الطبقة السياسية الدينية الحاكمة برجل دين بسيط لم يتجاوز مستوى حجة الإسلام وجعلوا منه آية الله العظمى وهو علي خامنئي لكي تتوفر فيه شرط شغل منصب المرشد الأعلى الثورة الإسلامية، أي الولي الفقيه. وعند وفاة المرجع الأعلى أبو القاسم الخوئي لم يؤول الأمر للخميني ولا لخامنئي لكي يخلفه بل لعلي السيستاني بعد أن توفي المراجع الكبار الأعلى منه سواء في إيران أو في العراقي كالكلبيكاني وسبزواري وغيرهم، وبالتالي شرعيا كان يجب أن يخضع ويتبع خامنئي توجيهات المرجع الأعلى منه وهو علي السيستاني، وهناك مراجع عليا إلى جانب السيستاني كاسحق الفياض والمرعشي النجفي ومحمد سعيد الحكيم وكلهم في النجف، ونشب خلاف وتنافس بين المرجعيتين الإيرانية في قم وطهران والعراقية في النجف. فمرجعيات إيران الحالية تؤمن وتطبق ولاية الفقيه كمحمود هاشمي المتوفى قبل أشهر وكاظم الحائري وغيرهم بينما تعارضها في بعض تفاصيلها مرجعية النجف. بيد أن السيستاني لايحبذ أن يتسبب في إشعال حرب المرجعيات وخلاف المرجعيات التي قد تسبب البلبلة والإحباط وربما الانشقاق في صفوف الشيعة. لكن أحزاب الإسلام السياسي الشيعي في العراق تؤمن كلها وتتبع مبدأ ولاية الفقيه حتى وإن قلد البعض منها علي السيستاني. إلا أنهم يعودون لمرجعيات طهران في الشأن السياسي. ومنذ العام 2003 حرصت القوى السياسية الشيعية أو الإسلام السياسي الشيعي على إرضاء مرجعية النجف وعدم استفزازها عدا فترة عصيبة عندما هدد مقتدى الصدر علي السيستاني وطلب منه الرحيل وترك العراق، وقبل ذلك قام بقتل عبد المجيد الخوئي العائد من لندن وإبن المرجع الأعلى أبو القاسم الخوئي، بينما قام السيستاني بإنقاذ مقتدى الصدر من الاعتقال والسجن على يد القوات الأمريكية التي حاصرته هو واتباعه في الحضرة العلوية في النجف سنة 2008. كانت المرجعية تتفاهم مع إيران حول الشأن العراقي وتضفي الشرعية على الحكومات الشيعية المتعاقبة بل وتتدخل في اختيار شخص رئيس الوزراء بالتنسيق مع طهران. حدث التحول الجوهري في علاقة مرجعية النجف بالشأن السياسي عندما ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام " داعش" وتهديده لبغداد والكاظمية والنجف وكربلاء وسامراء حيث تتواجد العتبات الشيعية، فأصدر علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي الذي دعى الشباب العراقي للتطوع لمحاربة داعش، فانخرط آلاف المتطوعين واستغلت ميليشيات الأحزاب الشيعية المسلحة الموجودة قبل الفتوى، كميليشيات بدر وعصائب أهل الحق والنجباء وغيرها من التنظيمات الميليشياوية الأخرى للانضواء تحت راية الحشد الشعبي والانخراط في العملية السياسية مستغلة شعبية الحشد الشعبي الذي انتصر على داعش بمساعدة قوات التحالف الدولية والذي أضفيت عليه القدسية وأصبح فوق النقد وفوق القانون وفوق الدولة الرسمية. وأجبرت الحكومة على سن قانون الحشد الشعبي ودمجه في القوات المسلحة وقوات الأمن والداخلية والشرطة الاتحادية ومنحهم رتب عسكرية عالية وهم لايفقهون شيئاً في العلوم العسكرية وأغلبهم يعلن ولائه لإيران وللولي الفقيه . كل هؤلاء وبدون استثناء ضالعين في الفساد والسرقة والتجاوزات وسرقة وهدر المال العام واحتكار الامتيازات والمناصب والوظائف في جميع الدرجات، وكلهم مدججين بالسلاح وأقوى من تشكيلات قوات الجيش التابعة لوزارة الدفاع وقوات الشرطة التابعة للداخلية واحتلوا المناصب الحساسة في الوزارتين الأمنيتين فحتى الحكومة تخاف منهم ومن سطوتهم وسلطتهم المتنامية. وعلى هذه الخلفية المجتمعية والواقع السياسي والعسكري والأمني المشوه انفجرت التظاهرات الجماهيرية الغاضبة على القوى والأحزاب السياسية الحاكمة ومحاولة استرجاع الوطن المسلوب منها طائفياً وإثنياً ومحاصصاتياً. شعرت الطبقة الحاكمة الشيعية والسنية والكوردية بالخطر الجماهيري القادم كالسيل لاقتلاعها فردت عليه بقوة وبطش باستخدام الرصاص الحي والقناصة بمساعدة وتشجيع من طهران والحرس الثوري الإيراني وتحت قيادة قاسم سليماني الإيراني الذي يتحكم بالعملية السياسية العراقية برمتها ويخضع العراق اقتصاديا وتجارياً وسياسياً لإيران حتى أصبح العراق الرئة التي تتنفس بها إيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية الدولية الخانقة. تفاقم التظاهرات وتحولت إلى اعتصامات وعصيان مدني مستمر وبالمقابل اشتدت قسوة الميليشيات والحرس الثوري ضد المتظاهرين وتزايدت أعداد الشهداء وفاقت الأربعمائة شهيد رسميا والعدد أكثر من ذلك بكثير وأكثر من 15 عشر ألف جريح ومصاب ومعاق جسدياً مدى الحياة. اكتفت مرجعية النجف بالشجب وترديد اللغة الأبوية والنصح والتوجيه الخجول لطرفي الصراع، الحكومة ومن ورائها والمتظاهرين أي الشعب الثائر وجله من الشباب الفاقد للأمل. لم تعلن فتوى صريحة بتحريم قتل المتظاهرين ولم تعلن صراحة وجوب استقالة الحكومة وتشكيل حكومة تصريف أعمال مهمتها التحضير لانتخابات مسبقة نزيهة وفق قانون انتخابات جديد عادل ومنصف وليس مفصلا على مقاسات الأحزاب الحاكمة وتغيير قانون الأحزاب والقيام بتعديلات دستورية جوهرية وإلغاء امتيازات المسؤولين والنواب والرئاسات الثلاث ومراجعة قانون الرواتب والاعانات الاجتماعية وترميم الواقع الصحي المنهار وتشجيع الزراعة والصناعة والقطاع الخاص لخلق فرص عمل للعاطلين ومراجعة قانون التقاعد لفسح المجال لجيل الشباب للدخول للعالم الوظيفي وإيجاد فرص تعيين حسب الحاجة لمختلف الاختصاصات . لكن الذي حصل هو العكس فازدادت شراسة الحكومة وقواتها الأمنية، وصارت تستعمل اللغة المزدوجة بين التهديد والترغيب بحزم اصلاحات واهية لم يطبق منها شيء وبمجموعة من القرارات غير الملزمة التي لا ترقى لمستوى القوانين والتشريعات الدستورية. فمجلس النواب يماطل ويسوف ويكسب الوقت والحكومة كذلك وبتواطؤ من قبل السلطة القضائية الفاسدة . فالجميع في الرئاسات الثلاث في السلطة التنفيذية والجميع في السلطة التشريعية عدا استثناءات قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة فاسدون أيضاً ولا تشذ السلطة القضائية عن منظومة الفساد والضحية هو الشعب الذي عانى الأمرين . وعندما اقترب الخطر أكثر شعرت الأحزاب السياسية الحاكمة بالخطر أكثر واجتمعت لمناقشة الأوضاع والخروج بحلول ترقيعية وهم لا يدركون أن الشعب يرفضهم ولا يثق بهم وبحلولهم. فقد كشف مصدر مطلع في الحكومة العراقية، أن القوى السياسية العراقية بدأت النقاشات حول إيجاد بديل لرئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي وذلك في أعقاب اجتماعها المريب في مقر تيار الحكمة التابع لعمار الحكيم وبحضور كل القوى والأحزاب والكتل السياسية المشاركة في السلطة عدا التيار كتلة سائرون ولقد اصدر المجتمعون وثيقة شرف للتعاطي مع الأزمة السياسية القائمة والمتمثلة بالاحتجاجات الجماهيرية والتظاهرات والاعتصامات والعصيان المدني والإضرابات في ظل مواجهات دامية بالرصاص الحي وعمليات الخطف الممنهجة للناشطين واغتيالات عديدة لمن ترى السلطة فيهم عدو كامن خطير على العملية السياسية القائمة. وقال المصدر في تصريحات صحفية، إن "القوى السياسية بدأت حاليا مناقشة إيجاد بديل عن عبد المهدي، وهناك أسماء مطروحة للنقاش لثلاث شخصيات تقريبا"، لافتا إلى إن "اغلب القوى السياسية وحتى الطرف القريب من إيران، مقتنعة حاليا بأن الأمور وصلت إلى مرحلة تتطلب ضرورة إيجاد بديل عن عبد المهدي" والعثور على آلية مقبولة لذلك تقبل بها المرجعية الدينية العليا وتنسيقيات المتظاهرين . ورفض المصدر الكشف عن الأسماء المطروحة، واكتفى بالقول إن "واحدة من هذه الشخصيات معروفة سياسيا إلى حد ما، ولكن لم تتم الموافقة عليه بسبب انتمائه إلى أحد الأحزاب، وأن النقاشات مستمرة حول الأسماء الأخرى".

وأضاف المصدر أن "بعض القوى السياسية مصرة على طروحات أخرى وهي ضرورة اختيار شخصية مستقلة لا تنتمي لأي من الأحزاب الموجودة"، ويتوقع المراقبون بالنهاية إن رئيس مجلس الوزراء عبد المهدي سيستقيل أو تتم إقالته، والذهاب إلى انتخابات مبكرة" بعد تعديل قانون الانتخابات وتشكيل مفوضية جديدة للانتخابات تكون مستقلة وليس فيها أعضاء من الأحزاب الحاكمة كما طالبت المرجعية،وأكد المصدر يوم الخميس المنصرم "غدا قد يكون هناك موقف لافت من المرجعية الدينية في خطبة صلاة الجمعة في 22/11/2019 في ظل الضغط الموجود، خاصة وأن الورقة السياسية التي قدمت قبل أيام لا تلبي الطموح ولا يوجد ثقة في تنفيذها، ولن تقنع الشعب". لكن النتيجة جاءت مخيبة للآمال إذ لم تقدم المرجعية في خطابها الثاني شيئاً جديداً يختلف عما ورد في خطابها السابق في الجمعة الفائتة في 15/11/2019.

إن التأكيد على انجاز قوانين انتخابية تسحب البساط من هيمنة الأحزاب الحاكمة هو واحد من اثنين:إما أن تنجز هذه القوى السياسية ما تطمح إليه الجماهير في تشريع قانون ومفوضية يقبل بها المحتجون. أو تتجاهل مطالب الجماهير و لا تنجز ذلك وتبقى تدور وتلف..وفي كلا الحالتين ستكون هناك دعوة من المرجعية لانتخابات مبكرة وبالتالي حكومة تصريف أعمال..كما يعتقد السياسي المستقل الدكتور ليث شبر. فالمرجعية وضعت القوى السياسية ظاهرياً في زاوية ضيقة لن تنجو منها في الحالتين..

هذا هو معنى التركيز على انجاز هذه القوانين بسرعة ولو كانت المرجعية لات خطط لذلك لما أكدت على هذا الأمر وإلا مافائدة الانجاز السريع إذا كانت الانتخابات ستجرى بعد ٣ سنوات والحال أنها لم تدع ولم تفتي بوجوب رحيل الحكومة الحالية وتشكيل حكومة تصريف أعمال على نحو صريح. ومن خطبة المرجعية الجمعة الماضية وهذه الجمعة نفهم أن الحكومة الحالية مازالت تتمتع بالشرعية وإن التظاهرات سلمية. وتأكيد المرجعية على إقرار قانون انتخابات عادل هو مجرد إنشاء سياسية وكلام عام يعني الكثير وراء السطور، وقد يعني كذلك عدم تأييدها لإسقاط النظام أو استقالة الحكومة.

هذا ويشهد العراق منذ مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، احتجاجات واسعة للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية ومحاربة الفساد وإقالة الحكومة وحل البرلمان، وإجراء انتخابات مبكرة، وقد شهدت هذه الاحتجاجات استشهاد أكثر من 400 متظاهر ورجل أمن، وأكثر من 15 ألف مصاب.

تقدم المرجعية الشيعية العليا في النجف نفسها كما لو أنها القيادة الرسمية للتظاهرات الاحتجاجية القائمة منذ الأول من تشرين أكتوبر الجاري 2019 والوصية عليهاـ لكن المرجعية النجفية تؤكد أن انتصار مطالب الشعب العراقي يتوقف على ثلاث عوامل

1: ديمومة سلمية التظاهرات و رفضها للعنف و التخريب

2: حرمة الدم العراقي، وهو تعبير فضفاض يحرم كذلك الرد على قوات الأمن والميليشيات التي تستخدم القوة المفرطة والرصاص الحي وقنابل الغاز القاتلة بوسائل عنيفة حتى لو كان ذلك دفاعاً عن النفس.

3: تشريع قانون جديد للانتخابات و مفوضية مستقلة جديدة دون التطرق للجهة التي يحق لها تشريع مثل هذا القانون هل هو مجلس النواب الحالي نفسه أو الحكومة الحالية والحال إن فاقد الشيء لايعطيه. جاءت الخطبة هذه الجمعة لتعبر عن رأي "المرجعية"المراوح في مكانه و لتؤكد مرة أخرى على أنها مؤسسة دينية متوافقة وعلى نفس الموجة مع نظيرتها الإيرانية ومهمتها تبرير جرائم السلطان . جاء في نص الخطاب إنّ المرجعية الدينية في النجف قد أوضحت موقفها من الاحتجاجات السلمية المطالبة بالإصلاح في خطبة الجمعة الماضية من خلال عدّة نقاط، تضمّنت التأكيد على سلميّتها وخلوها من العنف والتخريب، وكررت نفس الكليشة مع التشديد هذه المرة على حُرمة الدم العراقي دون تحديد الجهات المعتدية والجهات المعتدى عليها والمساواة بين الجلاد والضحية، مع نصيحة أبوية حول ضرورة استجابة القوى السياسية للمطالب المُحقّة للمحتجّين، والمرجعية إذ توكّد على ما سبق منها تُشدّد على ضرورة الإسراع في إنجاز قانون الانتخابات وقانون مفوضيّتها وورد في نص الخطبة أيضاً "مع إستمرار الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح في بغداد وعدد آخر من المحافظات شهدنا في هذا الأسبوع إصطدامات جديدة مؤلمة ومؤسفة بين الأحبة المتظاهرين والمعتصمين وبين رجال الأمن وغيرهم، وقد أسفرت عن سفك مزيدٍ من الدماء البريئة وتعرض أعداد كبيرة من الجانبين لإصابات مختلفة، وتزامن ذلك مع الاعتداء بالحرق والنهب على العديد من الممتلكات العامة والخاصة." انّ الدماء الزكية التي سالت خلال الأسابيع الماضية غالية علينا جميعاً ومن الضروري العمل على منع إراقة المزيد منها، وعدم السماح أبداً بانزلاق البلد إلى مهاوي الاقتتال الداخلي والفوضى والخراب، وهو ممكن إذا تعاون الجميع على حلّ الأزمة الراهنة بنوايا صادقة ونفوس عامرة بحب العراق والحرص على مستقبله" فهل هناك أكثر إنشائية وتعميم من هذا الأسلوب غير الناجع وغير الرادع؟.

إنّ المرجعية الدينية تجدد التأكيد على موقفها المعروف من إدانة التعرض للمتظاهرين السلميين وكل أنواع العنف غير المبرر، أي تكتفي بالإدانة وليس التحريم، وضرورة محاسبة القائمين بذلك، فمن الذي يقوم بفعل المحاسبة أليس هي الحكومة المعترض عليها وقوانينها القاسية والباطشة التي تعود لأيام البعث الصدامي؟، كما شدّدت المرجعية على الجهات المعنية بعدم الزجّ بالقوات القتالية بأيّ من عناوينها في التعامل مع الاعتصامات والتظاهرات السلمية، خشية الانجرار إلى مزيد من العنف. واختتم بيان المرجعية بالقول :" إنّ إحترام إرادة العراقيين في تحديد النظام السياسي والإداري لبلدهم من خلال إجراء الاستفتاء العام على الدستور والانتخابات الدورية لمجلس النواب هو المبدأ الذي التزمت به المرجعية الدينية وأكدت عليه منذ تغيير النظام السابق، واليوم تؤكد على أن الإصلاح هو المطلوب، وليس التغيير الجذري، وإن كان التغيير ضرورة حتمية ـ كما جرى الحديث عنه أكثر من مرة ـ إلا أن ما يلزم من عملية التغيير يتعين إجراؤها فوراً وأمرها موكول أيضاً إلى اختيار الشعب العراقي بكل أطيافه وألوانه من أقصى البلد إلى أقصاه، وليس لأي شخص أو مجموعة أو جهة بتوجه معين أو أي طرف إقليمي أو دولي أن يصادر إرادة العراقيين في ذلك ويفرض رأيه عليهم. وبالطبع لم تتجرأ المرجعية على تسمية الطرف الإقليمي الذي يتدخل في الشأن الداخلي العراقي وهو إيران والطرف الدولي وهو أمريكا. ويختتم بيان المرجعية بالقول:" إننا نناشد جميع الأطراف بأن يفكروا بحاضرالعراق ومستقبله ولا تمنعهم الانفعالات العابرة أو المصالح الخاصة عن اتخاذ القرار الصحيح بهذا الشأن مما فيه خير هذا البلد وصلاحه وازدهاره. وقد سبق لمكتب المرجع الأعلى السيد علي السيستاني أن اصدر بياناً بشأن اجتماع القوى السياسية في مقر تيار الحكمة لعمار الحكيم وإصدارهم لوثيقة شرف وخروجهم باتفاق مزعوم ادعوا أن المرجعية قد وافقت عليه ونص على " إبقاء الحكومة وإنهاء الاحتجاجات، نافياً أن تكون المرجعية طرفاً في هذا الاتفاق.وجاء في البيان، انه "تعليقاً على ما نشرته بعض وكالات الأنباء نقلاً عن مصادر سياسية بشأن الاحتجاجات الجارية، نفى مصدر مسؤول في مكتب السيد السيستاني أن تكون المرجعية الدينية العليا طرفاً في الاتفاق المزعوم على بقاء الحكومة الحالية وإنهاء الاحتجاجات الجارية".وأكّدت أطراف على صلة بالمرجعية الدينية موقف هذه الأخيرة تجاه الاحتجاجات الشعبية والتعامل معها والاستجابة لمطالب المحتجين وهو ما أعلنت عنه بوضوح في خطب الجمعة، وقد أبلغته لجميع من اتصلوا بها بهذا الشأن".وأضافت، أن "كل ما يُنسب للمرجعية خلاف ذلك فهو لغرض الاستغلال السياسي من قبل بعض الجهات والأطراف ولا أساس له من الصحّة".

وفيما يتعلّق بما لوحظ مؤخّراً من حمل صور السيد من قبل بعض العناصر الأمنية ورفعها في بعض الأماكن العامّة، أكد المصدر أن "السيد لا يرضى بذلك كما سبق توضيحه أكثر من مرّة. فيُرجى من محبّيه الكفّ عن ذلك". فهل هذا يعني تخلي المرجعية عن أطراف العملية السياسية في العراق ؟ وهل ستقبل صاغرة إملاءات مرجعية إيران وتوجيهات الولي الفقيه بسحق الانتفاضة والثورة الجماهيرية بالدم وعدم الرد عليها وعدم الموافقة عليها؟ وهل هناك تنسيق بين محمد رضا السيستاني الذي جاء بعبد المهدي وبين إيران في التصعيد الأخير في عمليات القتل وهي معادلةً طرفيها حكومي يقتل ويخطف ويغتال والطرف الثاني مرجعية تزرق الإبر المخدرة بخطبها إلى أن تقمع الثورة ويتم تصفيتها وتنتصر أحزاب المرجعية. فقوات الجيش والشرطة والأمن قامت بملاحقة ومحاسبة الطلاب والمدرسين والموظفين المضربين ما يعني أن حركة العصيان المدني والإضراب العام صارت تؤثر على الحكومة وتفقدها صوابها. وقد جاء في خاتمة خطبة الجمعة الأخيرة جملة ذات دلالة عميقة تعبر عن خوف المرجعية من زوال الحكم وذهابه أو انتقاله إلى آخرين ليسوا شيعة أو علمانيين وضياع المغانم والامتيازات التي تحصل عليها المرجعية من نظام الحكم القائم ورغم ذلك يبدو أن المرجعية اقتنعت الآن بضرورة تغيير عبد المهدي وليس تغيير نوع الحكم، والذهاب إلى انتخابات مبكرة ولكنهم لا يزالون يريدون شخصية من نفس المنظومة السياسية ويبدو أنهم يعتقدون أن بإمكانهم خداع الشعب العراقي وترديد معزوفة أن هناك مؤامرة أمريكية إسرائيلية خليجية تستهدف حكم الشيعة في العراق وإيران ولبنان واليمن وسوريا وتشويه سمعة الحشد الشعبي وإنهاء العلاقات العراقية الإيرانية المصيرية وإضعاف دور المرجعية، وهو الخطاب الذي يردده المتحدثون باسم القوى الأمنية وهم بعثيون سابقون من تربية صدام حسين و لا يفهمون غير صفة التآمر وقلب النظام يلصقونها بكل من يعارضهم فعبدالكريم خلف كان بعثي وإن رشيد فليح ضابط أمن في النظام السابق. ويتهمون مواليد عام 2003 وبغباء بأنهم بعثيون ومتآمرون .

 

د. جواد بشارة

 

اياد الزهيرييسود عراقنا اليوم جوآ ضبابيا ملبد بسحب من دخان الفساد المالي والسياسي، شارع مضطرب وحكومه فاقده للأهليه، وأقتصاد منهار، وأمن منفلت،وأحزاب سياسيه متصارعه، وأقليم متمرد على المركز .أوضاع كهذه عادتآ ما تبعث على السأم والأكتئاب، وتدعو الى اليأس والأحباط في نفوس الجماهير الغاضبه والمشمئزه من واقع  لا يبعث على الأمل والأرتياح.

هذا الواقع المحبط قاد الجماهير للخروج الى الشارع معبرين عن أستياءهم من هذا النظام الساسي الفاسد والفاشل، والباحث عن حلول تجنب البلد شر الخراب .خرج الجمهور بحراك سياسي، لا يخلو من العنف والفوضى بسبب ردت الفعل الغاضبه للبعض، وبدافع التخريب للبعض الآخر،الذي ينضوي تحت أجنده مشبوه. أندفاع مدمر في أحد جوانبه، أدى الى أنفلات أمني، يصاحبه ترقب، وتربص من قبل السياسين الكرد والكثير من السياسين التابعين للتكتل السني، تاركين جماهير الوسط والجنوب مشتبكين مع حكومه رئيس وزراءها من مناطقهم ومحسوب عليهم. وضع يتسم بالفوضى بكل ما تعني الكلمه من معنى .هذه الصوره لا تبتعد كثيرآ عن الواقع الأيطالي الذي عاشه المفكر الأيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937)، حيث كانت أيطاليا متمزقه بين شمال غني، ومتمدن، وبين جنوب فقير ومتخلف، في خضم ذلك كانت الأحزاب الأيطاليه متصارعه، وبلد يعج بالفوضى العارمه،حتى كادت الدوله على حافت الأنهيار، وهو عين ما تعيشه الدوله العراقيه اليوم، فالشمال متمرد، وناهب للثروه النفطيه  ويهدد بالأنفصال كل يوم، ومناطق غربيه يتكتل بها مجموعه من السياسين السنه، ذوي جذور بعثيه وطائفيه، يسعون لأقامة أقليم ذات طابع طائفي وبدعم خليجي،وهناك ما يشير الى تدخل عاملآ دوليآ على الخط يسعى لجعلهم حصان طرواده للعمل على ترتيب شرق أوسطي جديد يصب في صالح أسرائيل . غرامشي أصابه القلق من تعرض بلده ذو الحضاره والتاريخ العريق من أن ينشطر الى دويلات، وينسدل الستار على دوره التاريخي، فأنبرى الى فكرة الكتله التاريخيه، هذه الفكره التي تتلخص بالأتلاف العضوي بين طبقة البروليتاريا (العمال) والطبقه الفلاحيه، بأشتراك طبقه مثقفه تأخذ دور الرابط لوحدات هذه الكتله التاريخيه، هذه الكتله تنتمي لكل القوميات والطبقات والأحزاب والأديان، ولكنها تشترك بمشروع نهضوي واحد، هذه الكتله لها مهمه تاريخيه أهمها الحفاظ على وطن في طريقه للتشظي على يد الأحزاب المختلفه والمتصارعه، كما تسعى لمنع أندلاع الحرب الأهليه بين أبناء الشعب الواحد، وهي عين الظروف التي يمر بها العراق، كما أن لهذه الكتله مهمة غايه في الأهميه، الا وهي وضع نهاية لظاهرة الأقصاء والتهميش لكثير من الفئات الغير منتميه لأحزاب السلطه، كما تساهم هذه الكتله الى منع سيطرة الأنظمه المستبده، وسيادة الأفكار المتطرفه (الطائفيه، القوميه، الحزبيه، القبليه). فكرة الكتله التاريخيه تلقفها المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري أيمانآ بها في قدرتها في معالجة الواقع المتردي في العالم العربي قي ثمانينات القرن الماضي حيث الصراعات البينيه بين دول العالم العربي، والحروب الأقليميه كما في الحرب العراقيه الأيرانيه، بالأضافه الى الحروب الداخليه كما في جنوب السودان، وصراع البوليساريو مع المغرب، بالأضافه الى الأستبداد السياسي الذي تمارسه الأنظمه العربيه على شعوبها، مضاف أليها ظهور حركات أنفصاليه بتشجيع خارجي، كما في شمال العراق وجنوب السودان واليمن. أن ما دعى الدكتور العابدي الى تبني هذه الفكره هو الواقع الموضوعي للوطن العربي بما يحمله من تنوع شديد في أفكار أحزابه . والأختلاف الكبير في أنظمته السياسيه، والتردي الأقتصادي في أغلب أقطاره، بالأضافه الى الأحتلال الأسرائيلي الذي يلعب دورآ مخربآ في العالم العربي . لم يسعف الدكتور العابدي ببلورة هذا المشروع بسبب أمور كثيره أهمها وجود القوه الأستبداديه الكبيره والعنيفه لبعض الأنظمه العربيه. بالأضافه الى حالة الوعي الغير كافي جماهيريآ،كما يتطلب الأمر أمكانيات كبيره لهذا الأنتظام الفكري والترويج له بين بلاد مترامية الأطراف،تقطعها الحدود الوطنيه وتباين الأنظمه السياسيه الحاكمه، ولكن الظروف التي منعت أو أجلت توظيف هذا المشروع في الأطار العربي لا يمنع حصوله على مستوى العراق اليوم لأسباب تتعلق بمسرح العمل الصغير مساحه والأقل جمهورآ والأدنى تنوعآ مقارنه مع الوطن العربي، وبنظام سياسي يتيح بتكوين هذا التكتل بفعل الحريه السياسيه المتاحه،بالأضافه الى ظهور طبقه ثائره ذات طابع جماهيري وتنتمي لطيف كبير من الشعب العراقي، زائد التنوع الكبير للمشاركين في التظاهرات والأحتجاجات العراقيه، حيث شارك فيها القطاع العام والخاص، الأكاديمي والعامل والفلاح والطالب، كما تميزت هذه الأحتجاجات بشعاراتها ذات الطابع الوطني والتوجه العام، مثل (الحرص على الثابت الوطني، الكيان الواحد، الجيش الواحد، العلم الواحد، العداله الأجتماعيه، التجديد الحضاري، الأستقلال الوطني، رفض التدخل الأقليمي والدولي، رفض الظلم، تكافئ الفرص للجميع، رفض الأستبداد، القضاء على الفساد) هذه المشتركات هي من تساهم بتشكيل التوافق الوطني، وتحقق الأتلاف بين كل أفراد هذه الكتله وخاصه بوجود طبقه مثقفه تمثل الماده الأسمنتيه لترابط كل هذه القوى وصهرها في قالب شديد البناء، وتحصنه من كل حاله هلاميه تفقدها صلابة المواقف وتماسك الصف والتراخي أمام أخذ المطالب وأنتزاعها من القوى المضاده.

أن التنوع الجماهيري الغاضب في ساحة التحرير، والذي يمثل عينه نموذجيه، وباكوره مثاليه للكتله التاريخيه، والمتوثب للأنتفاض على الواقع الفاسد، والطامح للتجديد،تتمثل فيه العينه التي حلم بها أنطونيو غرامشي، بالأضافه لتوفر عامل أستثنائي في أهميته يزيد هذه الكتله التاريخيه منعه وصلابه، وهي المرجعيه الدينيه في النجف الأشرف،هذه الأضافه التي لم تكن متوفره في نموذج غرامشي، والتي لو أتيحت في عصره لجعلها العامل الأول والعنصر الأهم في كتلته التاريخيه رغم لونه اليساري الغامق، فالمرجعيه مع الطبقه المثقفه (الأنتلجستا) يمكنهما أن يكونا السور ومادة الملاط لهذه الكتله التاريخيه لتشكل كتله واضحة الملامح،قوية البنيان، مع التأكيد  على حالة الأتفاق والتضامن على مفهوم المواطنه، وتشكيل حكومة الخدمه الخاليه من نفس الأيديولوجيا .

 

أياد الزهيري

 

علاء اللاميتذكير بالأوليات:

دأب كتاب ومثقفون عراقيون، من الوطنيين واليساريين المناهضين للغرب الإمبريالي والكيان الصهيوني، ومنهم كاتب هذه السطور، في كتاباتهم وتصريحاتهم طوال سنوات ما بعد احتلال العراق سنة 2003 على تكرار الموضوعة التي تفرق بين تدخلات وهيمنة إيرانية متصاعدة على القرار العراقي وبين احتلال أميركي مباشر وغير مباشر. وقد استتبع هذا التفريق موضوعات فرعية وتفصيلية منها:

- إن الموقف الرافض للتدخلات والهيمنة الإيرانية لا يعني معاداة إيران دولة وشعبا طالما استمرت بتبني وتطبيق مواقف جريئة وحازمة ضد الإمبرياليات الغربية والكيان الصهيوني وبدعم حركات المقاومة العربية. ورفضوا بالتالي فرض الحصار التجويعي الأميركي المفروض على الشعب الإيراني والتهديد المستمر بشن الحرب على هذا البلد.

- إن الحرص على سلامة العلاقات بين البلدين والشعبين هو ما يدعو إلى مفارقة إيران لتبني منطق حماية السلطة القائمة في العراق، وهي سلطة فاسدة وطائفية وتابعة للأجنبي. وهذا الأجنبي ممثلا بالاحتلال الأميركي هو الذي أوصلها بالقوة الغاشمة الى الحكم فنفذت له مشروعه الأسود لتدمير وتفتيت العراق ونهب ثرواته واستمرار تبعية دولته لأميركا سياسيا واقتصاديا وأمنيا. وقد تكرر القول مرات، إن قوة العراق هي قوة لإيران وضعفه ضعف لها، حتى إذا كان ضعفه الراهن يعطي لإيران بعض المكاسب الهيمنية المؤقتة على حساب شعبه. وإن استمرار بقاء النظام الطائفي التابع في العراق، بحماية إيران إلى جانب الحماية الأميركية، أضعف العراق ووضعه على سكة التقسيم والمجاعة والضمور كدولة وحضارة وشعب.

- إنَّ عداء الحركة الوطنية التقدمية العراقية، رغم ضعفها وتشتتها الحالي، والتحاق بعض فصائلها بالنظام القائم، ينبغي أن يكون موجها ضد دولة الاحتلال الأميركي دون أن يعني ذلك السكوت على تدخلات وهيمنة إيران، وفي السياق ذاته ضد أية تدخلات أو تواجد عسكري لدول أخرى منها تركيا.

سياق الأحداث:

تشي بعض الكتابات حول الحدث العراقي الدامي خلال شهر تشرين الأول من العام الجاري بأن هذا الحدث مفاجئ وجديد وغير متوقع، وهذا أمر غير صحيح مطلقا. فالانتفاضات والتظاهرات التي حدثت خلال الثماني سنوات الماضي تدحضه بشكل واضح. خلال هذه السنوات جرت الأحداث التالية وسنذكر المهمة والكبرى منها فقط:

- بعد سنوات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأميركي، والتي لا علاقة لها بجرائم تنظيم القاعد وحلفائها ضد العراقيين، منذ سنة 2003، اندلعت تظاهرات واسعة في غالبية المحافظات العراقية في شهر شباط سنة 2011 وبالتزامن ما سمي "الربيع العربي"، وقد قمعتها حكومة المالكي قمعا شديدا فقتل وجرح المئات ونشأت بهذا البيئة المناسبة للتمرد التكفيري الداعشي بعد سنوات قليلة.

- تظاهرات أخرى في شهر تموز سنة 2015.

- تظاهرات واعتصامات في سنة 2016 بلغت ذروتها في الدخول إلى المنطقة الخضراء وتم قمعها ولكن ليس بقسوة القمع الذي قاده "رفيق الحرس القومي السابق" عادل عبد المهدي.

- في 2018 خرجت احتجاجات في عدة محافظات في الجنوب والفرات الأوسط، وأكثرها جذرية وعنفا كانت في محافظة البصرة وتم قمعها بقسوة.

- الانتفاضة الحالية مطلع تشرين الأول من هذا العام 2019، والتي أغرقت بالدماء والآلام، حيث سقط فيها قرابة السبعة آلاف متظاهر سلمي بين قتيل وجريح بينهم 165 شهيدا برصاص القنص الحكومي والمليشياوي الرديف للحكومة.

 رواية إيران وحلفائها للحدث:

تركزت الرواية الإيرانية التي كررها، مع إضافات كثيرة، حلفاؤها في الفصائل الإسلامية الشيعية الولائية "المتبنية لنظرية وفقه ولاية الفقيه"، على القول إن هناك مؤامرة تحدث في العراق، تقف وراءها جهات أجنبية في مقدمتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والسعودية وجهات داخلية منها بقايا حزب البعث لإسقاط النظام والإتيان بنظام صديق لواشنطن.

وفي التفاصيل، تقول هذه الرواية أن الجهات الأمنية رصدت اتصالات وتحركات للبدء بتظاهرات واسعة، تكون مقدمة للقيام بانقلاب عسكري يقوده جنرال عسكري. والإشارة هنا لا تخفى إلى الجنرال عبد الوهاب الساعدي، قائد قوات جهاز مكافحة الإرهاب، ونائب رئيس الجهاز الذي أقصي من منصبه وأحيل الى دائرة الإمرة في وزارة الدفاع قبل أسابيع قليلة من موجة التظاهرات التي أغرقت بالدماء.

هذه الرواية هشة تماما، وتفتقد إلى الصدقية؛ فأولا، لا يمكن اعتبار التخطيط للقيام بتظاهرات سلمية مستقبلا، ووضع موعد محدد لها جريمة أو جناية، أو دليلا على وجود مؤامرة ضد الدولة في جميع أنحاء العالم. أما ربطها بقصة الانقلاب العسكري فهي أكثر هشاشة من التهمة ذاتها، فالجنرال المذكور التحق بموقعه العسكري الجديد، ولم تصدر عنه، لا قبل ولا بعد التظاهرات، كلمة واحدة تؤيد التظاهرات. ولا يمكن احتساب التعاطف الشعبي معه، من بعض قطاعات الرأي العراقي العام، لكونه غير منحاز طائفيا في نظر هذه قطاعات، دليلا على وجود أية علاقة له بالحراك الشعبي؛ دع عنك أن المناطق التي تعاطفت معه ونصبت له تمثالا في مدينة الموصل -  أزالته السلطات لاحقا -  لم تشهد قيام أية تظاهرة ضد النظام. أما التظاهرات التي شهدتها مناطق الجنوب والوسط العراقي فلم تُرفع فيها أية شعارات مؤيدة له، أو صور أو غير ذلك. وأخيرا، فهو نفسه لم يُتهم رسميا بأية نية أو فعل للقيام بانقلاب عسكري، ولم يُعتقل أو يتم التحفظ عليه، بل ما يزال حرا طليقا يمارس عمله شأنه شأن رئيسه الجنرال طالب شغاتي في الجهاز. وعرضا نذكر أن هذا الجهاز شكلته ودربته وسلحته القوات الأميركية خلال سنوات الاحتلال الأولى والذي -  في المناسبة -  يحمل الجنسية الأميركية وما يزال يقود الجهاز.

أما الاتهامات لبقايا حزب البعث فليس هناك دليل واحد ملموس عليها داخل العراق باستثناء تظاهرات واعتصامات صغيرة قامت بها الجاليات العراقية في الخارج وشاركت فيها عناصر من اللاجئين البعثيين إلى جانب عراقيين من مختلف الاتجاهات والميول. ولا ندري كيف أمكن -  بحسب الرواية الإيرانية والحكومية العراقية -  لحزب عاجز عن قيادة تظاهرة صغيرة في معاقله التقليدية غرب العراق، أن يقود تظاهرات كبرى في مناطق الجنوب والوسط التي تنظر إليه كعدو وبسبب الآلام التي ألحقها بالملايين من السكان وماتزال آثار شبكة مقابره الجماعية فيها قائمة حتى اليوم؟

وأخيرا، فهل ثمة دحض لهذه الاتهامات مجتمعة، أقوى من حقيقة أن أقطاب النظام نفسه تخلوا عنها، وفندوها عمليا حين عمَّد رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي ضحايا التظاهرات كشهداء يستحقون التعويض وإعلان الحداد عليهم لثلاثة أيام. وكان عبد المهدي، ورئيس الجمهورية برهم صالح والمرجعية الدينية السيستانية قد برأوا وكل على حدة، ساحة المتظاهرين من هذه الافتراءات. فقد قال عبد المهدي في خطابه الذي أعلن فيه الحداد على مقتل وجرح الآلاف من الشباب (أقولها بصراحة: أننا وفقا لمعطياتنا الراهنة لا نتهم اية دولة تربطنا بها علاقات صداقة أو تعاون، ولا اية قوة سياسية معروفة أو أحزاب أو وسائل إعلام، فهذه كلها لها مصلحة باستمرار الهدوء والاستقرار في البلاد والحفاظ على أمننا ونظامنا السياسي). أما رئيس الجمهورية برهم صالح، فقد قال قبله بيومين (إن من أطلق النار على المتظاهرين خارجون على القانون واعداء لعراق)! أليست هذه ترئة كاملة لساحة المتظاهرين ومن دافع عنهم وعن دمائهم قبل وبعد المجزرة؟

قراءة أخرى:

ثمة أيضا قراءة مختلفة وغير منتجة ولا هي موضوعية للحدث العراقي وهي التي تناقشه بطريقة مشابهة، أو قل هي نفسها التي يناقش فيها الوضع والنزاعات الطائفية المتأصلة في لبنان دون الأخذ بنظر الاعتبار أن الطائفية السياسية في لبنان واقع قائم وراسخ منذ قيام الدولة اللبنانية، بل وحتى قبل قيامها، أما في العراق فهي حالة طارئة فرضها الاحتلال الأميركي وحلفاؤه المحليون بهدف تدمير العراق وتفتيته طائفيا وقوميا، ويمكن أن تزول -  هذه الحالة الطارئة -  بمجرد زوال هيمنة الأحزاب الإسلامية الشيعية ورفع الحماية عنها، وقد وجدتْ إيران الإسلامية الشيعية في هذه الحالة ضالتها الاستراتيجية والأيديولوجية، فقامت بدور الحامي لهذا النظام لأن حكامه أو المهيمنين عليه من الإسلاميين الشيعة كما هي الحال في إيران. كانت هناك مناسبات تسابق فيها السفيران الإيراني والأميركي لإفشال أي مسعى عراقي استقلالي كما حدت مثلا في الاعتصام البرلماني للأغلبية النيابية والذي استهدف إسقاط الرئاسات الثلاث القائمة على أساس المحاصصة الطائفية في نيسان 2014 حتى تم إفشاله فعلا!

علاقة إيران بالحدث:

أعتقد أن من الأمور الجوهرية التي ينبغي التوقف عندها في هذا الحدث هو علاقة إيران به فقد اتخذت إيران موقفا معاديا للحراك الشعبي ومحرضا ضده، ومدافعا عن النظام، على أعلى المستويات السياسية والدينية. فالمرشد الإيراني خامنئي وصف التظاهرات في تغريدة له بـ (التآمر الذي لن يبقى له أثر)! أعتقد أن هذا الموقف الإيراني الرسمي الحامي لنظام القمع والتبعية سينتهي بخسارة إيران للعراق كشعبٍ وإلى زمن غير منظور، وسيترك جرحا غائرا في العلاقة بين الشعبين الجارين والدولتين.

وقد كرر كتاب عرب وعراقيون الاتهامات السالفة الذكر، وزادوا على الطرف الأميركي والإسرائيلي دولا أخرى كقطر والسعودية، والسؤال هنا على افتراض صحة التحركات الأجنبية ضد النظام العراقي ومع الانتفاضة الشعبية، وهي افتراضات دحضها الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الأميركي بومبيو ورئيس مجلس الوزراء العراقي عبد المهدي في سادس يوم للمذبحة والذي أكد فيه –بومبيو – على دعم بلاده للحكومة العراقية وعلى قوة واهمية العلاقات الاستراتيجية بين البلدين كما ورد في الأنباء، السؤال هو: ترى ما علاقة، وبالتالي ما مسؤولية المتظاهرين العراقيين ولجانهم التنسيقة عما تفعله دول وقوى خارجية؟  وهل يمكن أن يؤكد لنا أيٌّ كان وجود تأثير للقطريين والأتراك والأميركيين والسعوديين والإماراتيين على الحدث العراقي الأخير؟ هل قرأ أحدكم شيئا في الإعلام العراقي الرسمي وغير الرسمي عن هذا التأثير؟ في الواقع كان الموقف الأميركي واضحا في انحيازه للنظام وخصوصا في تأكيدات وزير الخارجية بومبيو خلال اتصاله الهاتفي بعبد المهدي في اليوم السادس للمذبحة والذي أكد فيه على "قوة وعمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين" ودماء شهداء التظاهرات لما تجف بعد! فهل كانت واشنطن ستتأخر أو تتهاون في التحرك ضد النظام العراقي لو كانت لها أدنى علاقة أو تعويل على هذا الحراك الشعبي؟ أليس الأصح القول إنها كانت مرعوبة مثل القيادة الإيرانية من تصاعده واحتمال إطاحته بالنظام القائم؟

الغائب الأكبر:

وأخيرا، فقد كان الغائب الأكبر في مداخلات الرفاق والزملاء العرب من غير العراقيين، حول هذا الحدث الرهيب، هو التعبير عن التضامن مع الشباب العراقيين السلميين، أو في الحد الأدنى التعبير عن الأسف لسقوط هذا العدد الهائل من القتلى والجرحى خلال ستة أيام! وفي هذا الغياب إسارة قاتمة إلى ما وصلت إليه القوى الديموقراطية والتقدمية العربية وعموم الجماهير الشعبية من تشتت وتراجع لتقاليد التضامن والدفاع عن تطلعات الشعوب وحركتها الشعبية السلمية.

مستقبل العلاقات العراقية الإيرانية:

إن العلاقات العراقية الإيرانية قد تستمر بذات الحميمية والقوة بين الحكومتين والنظامين القائمين في البلدين لفترة، بعد ان يتم احتواء الانتفاضة الشعبية الأخيرة وتداعياتها، ولكن الأكيد هو أن العلاقة بين الشعبين الجارين قد تعرضت لرضوض وخروقات جسيمة، وستترك هذه الرضوض والخروقات آثارها لزمن طويل على نظرة العراقيين الى إيران ودولتها، وأن مَن يتحمل مسؤولية ذلك هو النظام الإيراني بموقفه السلبي والتحريضي ضد انتفاضات وتظاهرات العراقيين ضد نظام الحكم الفاسد في بلادهم. إن خسارة إيران للعراق كشعب لن تشبه خسارتها لأي شعب آخر، وربما تكون قد خسرت نصف معركتها مع الغرب والكيان الصهيوني بذلك، بل وربما تدفع بمواقفها هذه قطاعات واسعة من الشباب العراقيين الى مواقع الخصم مستقبلا وهذه مسؤولية خطيرة ترقى إلى مستوى الخطيئة.

وحتى إذا لم يفلح أبناء الرافدين في انتفاضتهم هذه في اقتلاع النظام المتحصن في المنطقة الخضراء ببغداد، ويتم طرد القوات الأجنبية الأميركية ومعها النفوذ الإيراني، فإن المعركة ستتكرر، والهجوم الشعبي السلمي سينطلق مجددا بعد أشهر أو سنوات قليلة وبصورة أشد قوة وحزما لأن الأسباب التي أدت لانتفاضة تشرين ماتزال قائمة وتتفاقم سوءا!

الطائفية السياسية بين لبنان والعراق:

وفي مناسبة التظاهرات الواسعة التي انطلقت في لبنان خلال الشهر الجاري، وفي ضوئها الباهر، يمكن القول إن ثمة فرق مهم وجوهري، لاحظته من خلال متابعتي لوقائع التظاهرات في لبنان طوال يوم الجمعة 18 تشرين الأول، مقارنة بما حدث ويحدث في العراق، هو أن العراقيين المعارضين للنظام وحتى من داخل النظام دأبوا على نقد "الطائفية السياسية" والمطالبة بإنهاء المحاصصة الطائفية. ومن الطبيعي أن يكون رفض الرسميين العراقيين للطائفية السياسية كذبا وخداعا ينتشر خصوص في المواسم الانتخابية، لأنهم لا يستطيعون الانتحار السياسي. أما في لبنان فالأمر شبه محرَّم في هذا الخصوص، ومن يقترب نادرا من أسس النظام الطائفية، ومن معادلتها شبه المقدسة "اتفاق الطائف"، يهاجمه الجميع في أحزاب الموالاة والمعارضة، وغالبية جمهور الطرفين، ويتهمونه بتهديد ما يسمونه في النثر السياسي اللبناني العيش أو التعايش المشترك والذي لا يعني سوى "تعايش القطط السمان من الطبقة اللصوصية السائدة"...

لا بل أن المادة الوحيدة في اتفاق الطائف والتي تسمح أو تشجع على إلغاء الطائفية السياسية في لبنان بموجب آليات منصوص عليها، وهي المادة "95"، مستهدفة بالتعديل من قبل الرئيس الحالي ميشيل عون وحزبه الذي بات يحاول استعادة الهيمنة الطائفية "1"، يطالب بالانتقال الى صيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في الحكم لأسباب انتخابية. ولعل الرئيس اللبناني الوحيد الذي حضَّ مجلس النواب على تفعيل هذه المادة هو الراحل إلياس الهراوي. ففي سنة 1998 طلب الهراوي في رسالة رسمية وجهها إلى مجلس النواب تأليف الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية "2"، ولكن المجلس لم يستمع إليه وأهمل طلبه. لاحظتُ مثلا في كل ما بثه الإعلام اليوم من لقاءات وتحليلات لساسة وصحافيين وأكاديميين لم أسمع من دعا لإسقاط صيغة الحكم الطائفي في لبنان أو تفعيل وتطبيق المادة "95"! ربما باستثناء حالة واحدة بثتها قناة البي بي سي البريطانية لمتظاهر شاب لبناني هتف بسقوط النظام الطائفي وضد المحاصصة الطائفية في كلمة قصيرة له، وهذا ربما يؤكد ما ذكرته في مقالتي التعقيبية على رئيس تحرير "الأخبار" إبراهيم الأمين "3"، من أن ثمة فرقا جوهريا بين الحالة الطائفية السياسية الراسخة في لبنان قبل قيامه كدولة مستقلة، وبين الطائفية السياسية في العراق المحتل اميركيا سنة 2003 حيث فرضت كنظام حكم فرضا على المجتمع والدولة من قبل الاحتلال الأمريكي وعملائه المحليين، والأدق، عملائه الذين جاء بهم معه من الخارج! ففي لبنان جرى اعتماد التوزيع الطائفي للسلطة في عهد الإمبراطورية العثمانية، منذ إنشاء منطقة جبل لبنان الإدارية خلال القرن التاسع عشر، كما يخبرنا الباحث جوزيف باحوط "4"، (باعتبارها نواة لبنان الحديث. وقد تبنّى نظام الحكم الذي تم استحداثه بعد الحرب الأهلية في جبل لبنان في العام 1860، (المتصرفية)، الطوائف الدينية المختلفة باعتبارها أطرافاً سياسية فاعلة. وفي مرحلة ما بعد العام 1860، وتحت سلطة الوالي العثماني المسيحي غير العربي المعروف، تم إنشاء مجلس إداري خُصِّصت فيه مقاعد للطوائف الدينية الست الرئيسة في جبل لبنان)،

إن وجهة النظر هذه، لا تسقط تماما واقع وجود الانقسام المجتمعي الديني والطائفي في العراق، والذي هو واحد من أقدم المجتمعات التعددية والمتنوعة، ولا يلغي وجود نزعة طائفية في فترات معينية في أوساط الحكم، ولكن النزعة الطائفية، والانقسام والتنوع المجتمعي، في العراق شيء، والتنظيم الطائفي السياسي على مستوى الحكم في لبنان منذ القرن التاسع عشر شيء، آخر ومختلف في العمق والنوع الاجتماعي.

وعموما، وسواء تعلق الأمر بالطائفية السياسية الراسخة في لبنان وغيره، أو بنسختها الطارئة والمفروضة من قبل الاحتلال الأميركي وعملائه في العراق، فإن أية قفزة على هذا الواقع، وعدم جعل الطائفية السياسية هدفا أول للحراك الشعبي بهدف إزالتها، وتغيير النظام ببديل يقوم على أساس دولة المواطنة الحديثة والمساواة بين المواطنين وفصل الأديان والمذاهب عن تنظيم وإدارة الدولة، لا تعني سوى قفزة في حلقة مفرغة وعودة أكيدة إلى النظام الطائفي السابق لهذا الحراك!

خلاصة:

تتحمل طهران مسؤولية ضخمة عما لحق بالعلاقات بين الشعبين العراقي والإيراني من ضرر بالغ، تحول، بمرور الوقت وتراكم التدخلات، إلى مناهضة وعداء لإيران في الشارع العراقي المنتفض اليوم! فلم يأتِ هذا العداء من فراغ بل هو حصيلة تراكمت طول السنوات الماضية، عملت خلالها إيران في تنافس علني وشبه علني وغير علني، مع دولة الاحتلال الأميركي على حماية نظام المحاصصة الطائفية وأحزابه وقادته، وتدخلت تدخلا مباشرا في مناسبات عديدة لحماية هذا النظام ربما كانت أوضحها إفشال الاعتصام البرلماني في نيسان 2014 حين راح سفيرها يتسابق مع السفير الأميركي لإفشال الاعتصام حتى أفشل، وفي عدائها وتحريضها ضد تظاهرات تشرين الأول التي أغرقت بدماء المتظاهرين السلميين.

والدافع لكل ما جرى ويجري اليوم هو الأنانية القومية والطائفية والخطأ الاستراتيجي لحكام إيران، والذي جعلهم يأخذون بخيار إبقاء العراق ضعيفا مضمخا بدماء أبنائه على عراق قوي ومستقل ذي سيادة فخسروا لعبة التاريخ والجغرافيا!

 

علاء اللامي- كاتب عراقي – جنيف

............................

1-  سعد الله مزرعاني -  الأخبار -  عدد 12 تشرين الأول 2019.

2- نقولا ناصيف -  الأخبار -  6 آب 2019.

3-  علاء اللامي –الأخبار – 18 تشرين الأول 2019

4-  تفكّك اتفاق الطائف في لبنان – جوزيف باحوط – نشرة موقع مؤسسة كارنيغي. 1 أيار 2016

 

 

منير الجلبيلكي نفهم ما جرى ويجري في بغداد و محافظات الوسط والجنوب ذات الاغلبية السكانية من الطائفة الشيعية في العراق، يجب ان نحدد اولا ما هي الحقائق التي يمكن الاستناد اليها لكي نتمكن من القيام بتحليل منطقي وواقعي يمكن الاعتماد عليه لكي يكون مقنعا ومقبولا .

ان بعض هذه الحقائق الثابتة بمعزل عن أي من  وجهات نظر او قبل الدخول في أي تحليل هي :

1- ان ما طرحة الشيخ قيس الخزعلي الامين العام "لعصائب اهل الحق" في مقابلات صحفية وتلفزيونية علنية في الشهرين الرابع (نيسان) والثامن (آب) من هذا العام عن امتلاكهم معلومات استخبارية مؤكدة (وليس تحليلا او قراءة الكف كما نوه هو بوضوح)، من ان الادارة الامريكية من خلال سفارتها في بغداد مع الموساد الاسرائيلي والمخابرات السعودية والاماراتية تخطط وتعمل بشكل فعال ومنظم من اجل البدء بالتحريض للقيام بمظاهرات جماهيرية واسعة تبدأ في بداية الشهر العاشر (تشرين الاول). وبين أنه سيتم رفع شعارات في ظاهرها تعبر عن معاناة جماهيرية حقيقية وجامعة تدعوا للتخلص من الفساد المتفشي في الدولة و المرتبط بالقوى السياسية المشتركة بالعملية السياسية الحالية والاحزاب والحركات السياسية الفاسدة التي اوجدها الاحتلال الامريكي نفسه منذ بدء احتلاله للعراق عام 2003 اواستغلال السخط الجماهيري من البطالة الواسعة والفقر المدقع لغالبية الناس .

ولكنه أكد في حينه بان تظاهرات تشرين الاول ستتحول في اواسط تشرين الثاني الى محاولة لانقلاب عسكري للقضاء على الحشد الشعبي وانهاء جميع العلاقات القائمة حاليا مع ايران وتسليم الحكم الى نفس القوى البعثية المجرمة التي كانت تحكم العراق قبل سقوط بغداد في 9 نيسان عام 2003 .

2- أكد هذه التوقعات السفير السعودي السابق في بغداد ثامر السبهان في الكثير من مقابلاته الخاصة مع مسؤلين عرب وعراقيين مقربين للسعودية، حيث جرى تسريب معلومات تستند على أقواله للصحافة العربية في صيف هذا العام بأن العراق مقبل على تحركات واسعة في المناطق ذات الأغلبية السكانية الشيعية  في خريف هذا العام و تزعزع النظام القائم والنفوذ الايراني في العراق وقد اثبتت احداث تشرين الأول والثاني صحة ما بينه السبهان سرا للمقربين من النظام السعودي. (2)

3- ان جميع هذه التحركات الجماهيرية المطالبة بالتغيير والاصلاحات حدثت في المحافظات ذات الاغلبية السكانية الشيعية فقط وحتى في محافظة بغداد حصل نفس هذا التقسيم حيث جرى في المناطق ذات الاغلبية الشيعية.

ان هذا  شئ غريب جدا ان لم يكن مخطط له ! فهل يعقل بان الفساد الاداري والبطالة الواسعة والفقر المدقع هو في مناطق الشيعة فقط؟ وكان المحافظات ذات الأغلبية السكانية السنية بالأنبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك لا يوجد فيها اي فساد اداري في مجالس محافظاتها! و البطالة فيها معدومة! والناس فيها يعيشون في رغد الحياة ! وكأنه لم يحدث في هذه المحافظات أي عمليات قتل جماعي من داعش وتدمير واسع في الكثير من المدن السنية وخاصة التدمير شبه الكامل لغرب مدينة الموصل او مدينة الرمادي بعد القصف الجوي الامريكي لهذه المدن باسم محاربة داعش؟

4- منذ الأيام الاولى للتظاهرات بدء التغير الواضح للشعارات المرفوعة في الساحات، وتحول شعار القضاء على الفساد الى شعار " ايران برة برة!" !! والمطالبات للتخلص من الفاسدين الى مطالبات للتخلص من "الحشد الشعبي"! ! (3) ولم ترفع أي شعارات معارضة للاحتلال الامريكي الجديد؟ أو أي معارضة لتواجد اكثر من 20،000 جندي امريكي يتوزعون في قواعد كبرى كعين الأسد في غرب الانبار والقيارة والحبانية واربيل والسليمانية والسفارة الامريكية في بغداد اضافة الى 9 قواعد ثانوية اخرى، كل هذا اضافة الى السيطرة الكاملة للقوات الامريكية على جميع الاجواء العراقية ؟ ولم تطرح أي شعارات ضد التواجد الاسرائيلي المتمركز في اربيل والسليمانية ومطار بغداد الدولي كما اكده الشيخ الخزعلي علنا ؟

5- تمت مهاجمة جميع مكاتب "الحشد الشعبي" وحرق معظمها في المحافظات الجنوبية وبغداد وعلى الأخص مقرات "عصائب اهل الحق" وقتل بعض قادتها كما حصل في مدينة العمارة كإسشهاد القائد في الحشد الشعبي وسام العلياوي مع اخيه بعد ان هوجم المقر بالقنابل اليدوية وقاذفات ال "ر.ب.ج" من قبل المتظاهرين "السلميين!"، وهوجمت القنصلية الايرانية واحرق قسم منها في كربلاء! ولكنه لم يحصل ولا حتى هجوم على اي مركز او قاعدة امريكية او اي من مكاتب ومقرات الشركات الامنية الغربية المنتشرة في جميع المحافظات العراقية ومنها المحافظات الجنوبية ؟

6- لوحظ التنظيم الدقيق والمنظم على ما سمي "المظاهرات العفوية" وعلى الأخص في وسط بغداد كساحة التحرير والخلاني وجسور الجمهورية والسنك والاحرار. حيث كانت المئات من ناقلات "التكتك" تنتقل بانتظام مدروس وشبه عسكري وهي تنقل المواد الغذائية بكل انواعها وصولا للسمك المسكوف والفواكه والمياه والاغذية الحارة والقهوة والشاي والبطانيات وحتى الملابس الداخلية (1) والتي كانت توزع مجانا على جميع المشاركين، اضافة الى نقل القادة الممولين والمنظمين في الساحات ومواقع التظاهرات ونقل الجرحى مهما كان جرحه الى المستشفيات (حيث كان يدفع مبلغ 100 دولار لسائق التكتك عن كل شخص يوصله الى المستشفى) . لقد كانت ناقلات التكتك كالشرايين الاساسية في جسم الانسان فبدونها كان من شبه المستحيل الاستمرار في مثل هذه التظاهرات التي من الواضح من خلال الافلام التي أخذت في الساحات وعرضت على الانترنت، بانها كانت تكلف عشرات ملايين الدولارات او اكثر منذ بدايتها قبل 50  يوم تقريبا.

استنتاجات وتحاليل:

1- لا توجد ارقام او تقديرات حتى شبه دقيقة لأعداد المشاركين في التظاهرات الجماهيرية الواسعة سواء في بغداد او معظم محافظات الجنوب والوسط، غير ان هناك ارقام تم طرحها تضع اعلى رقم لتظاهرات بغداد بين 20 ألف و70 الف وهي ارقام كبيرة اذا ما اخذنا بالحسبان بأن المظاهرات لم تكن في مدينة بغداد وحدها بل كانت تجري في نفس الوقت في المحافظات الجنوبية والوسطى وشملت مدن ذات طابع ديني / شيعي ككربلاء والنجف، ومن هي القوى الاساسية التي وقفت خلفها؟

مما لا شك به فان النسبة الأكبر من المتظاهرين قد تصل نسبتها اكثر من %80 وعلى الاخص في بداية شهر تشرين الاول كانوا أناس غير حزبيين  ومن الشباب الوطني العاطل عن العمل والمطالب باحداث تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية حقيقية .

ولكن ان هنلك نسبه اصغر بكثير قد لا تتجاوز %20 من الناشطين "المشبوهين" إضافة إلى عدد ليس بقليل من "البعثيين" وأيضاً منظمات المجتمع المدني التي كانت حاضرة بقوة، فضلاً عن بعض الحركات الدينية مِمَّن يُقال لهم "الشيرازيون" و"المهدويون/ اليمانيون" و"الصرخيون". وما أسهم في تجييش الشارع كذلك هو الهجمة الإعلامية غير المسبوقة، والتغطية اللحظية لبعض المحطات المحلية والإقليمية.

غير ان هناك نسبة صغيرة جدا قد لا تتجاوز %1 هي المجموعة المنظمة والقيادية الممولة والمسيرة لهذه التظاهرات سواء في بغداد (1) او في المحافظات الأخرى ويشكلون عصب القيادة الحقيقية والتوجه السياسي للمظاهرات.

2- لقد نشرت «الأخبار» اللبنانية (5) وثيقة أمنية هامة تبيّن دور السفارة الأميركية في بغداد في إدارة التشكيلات السرية، والتي تعمل وفق آلية أظهرت الوقائع على الارض دقة ما ورد فيها حيث كونت لجان مختصة تقوم كل منها بمهام محددة.

فقد كونوا اللجنة العليا للتظاهرات التي تؤدي دور التنسيق والإدارة والتوجيه الميداني، وتحظى بدعم معلوماتي كبير من السفارة، ومن بعض السياسيين والعاملين في الحكومة والأجهزة الأمنية وشركات الاتصالات.

ثم يليها فريق العمليات النفسية يعمل على إرسال التهديدات الإعلامية لإحداث التأثير النفسي وبثّ الشائعات بغزارة إلى الجمهور وتعبئة المتظاهرين، وفريق التحشيد الإلكتروني وهو جيش إلكتروني مدرّب ومنظّم يهتمّ بصناعة المعارضين الإلكترونيين وتعبئة الشارع، وفريق توثيق الانتهاكات وهو فريق مؤثر جداً تلقى تدريبات خاصة في أربيل وعمّان وهو يعمل على رصد الانتهاكات وفبركتها وتضخيم الأخطاء الأمنية كما يتولّى إعداد التقارير التي تؤكد التزام المتظاهرين بقواعد التظاهر السلمي.

وتليها مجموعة الضغط الدولي التي تهتم بتنظيم الوقفات الاحتجاجية أمام السفارات والقنصليات العراقية في دول العالم والترويج لذلك إعلامياً، وفريق الإعلام وهو يهتم بتغطية أنشطة المتظاهرين ورصد الانتهاكات والترويج لها بالتعاون مع قنوات ومواقع محلية وأجنبية، ثم الفريق التقني الإلكتروني وهو فريق تقني متخصص بمعالجة مشاكل الحظر المفروض على شبكة الإنترنت وإيجاد وسائل وتطبيقات بديلة.

هذا اضافة الى فريق الإغاثة وهو فريق طبي يهتم بإخلاء المصابين ومعالجتهم وتقديم الإسعافات الأولية وتوجيه المتظاهرين حول كيفية تفادي تكتيكات قوات فض الشغب ويكون انتشاره في موقع التظاهرات وقرب المستشفيات، واخيرا فريق الدعم اللوجستي الذي يهتم بتوفير بعض المتطلبات الأساسية مثل الطعام والشراب والإسعافات الأولية تحت عنوان «مواطنون داعمون».

3- ان التجربة العراقية الحالية هي ليست التجربة الاولى من نوعها التي خططتها وتقوم بتنفيذها الادارات الامريكية خلال السنوات العشرة الاخيرة، فهي نسخة مطورة لما خطط له ونفذته إدارة أوباما/بايدن وجرى تنفيذه في جورجيا عام 2009 ثم في سوريا عام 2011 تليها تجربة اوكرانيا عام 2014 والآن تعاد على ما يظهر في ثلاث دول دفعة واحدة، وبدأت في بداية تشرين الاول في العراق لتنتقل في اواسط الشهر نفسه الى لبنان، ثم لتصل لايران في الايام الاخيرة.

4- فما هي شعارات و الأهداف المطلوبة من هذا الحراك ؟

هناك طرفان اساسيان مشتركان ولهم نوعان من الاهداف المختلفة في واقعها اختلافا جوهريا  :

مجموعة الطرف الاول وهي الاقل تاثيرا تمثل اهداف الاغلبية الاوسع من المشتركين في التظاهر (قد يكون % 80 ) وتطالب بالتخلص من المحاصصة الطائفية للعملية السياسية، وإنهاء الفساد ومحاكمة الفاسدين الممثلين للأحزاب التي كونت مجلس الحكم عام 2003، وإيجاد فرص عمل لملايين العاطلين وتوزيع الثروات بشكل واسع على غالبية الشعب من خلال إيجاد صناعات ومشاريع صناعية وطنية عراقية وتوفير الكهرباء والماء الصالح للشرب، غير ان هذه الأغلبية لم يكن لها اي سيطرة على سير التحرك وشكلت قاعدة الجنود البسطاء في التحرك والتي سقط معظم الضحايا منها.

اما الطرف الثاني الذي يمثل حوالي %20  فهو من "البعثيين" وبقايا الدواعش وبعض منظمات المجتمع المدني المرتبطة والممولة من مصادر غربية فضلاً عن بعض الحركات الدينية مِمَّن يسمون  "بالشيرازيون" و"المهدويون/ اليمانيون" و"الصرخيون" وكانوا يكونون القاعدة المنظمة والمنفذة لمشروع السفارة الامريكية والمخابرات الاسرائلية واموال الامارات والسعودية، ويقود هذه المجموعة ويسيرها نسبه صغيرة جدا لا تتجاوز %1 هي المجموعة المنظمة والقيادية والممولة والمسيرة لهذه التظاهرات سواء في بغداد (1) او في المحافظات الاخرى ويشكلون عصب القيادة الحقيقية والتوجه السياسي للمظاهرات وهم القادة الحقيقيون والمطبقين للمخطط الامريكي الاسرئيلي المخطط له.

لقد بدا واضحاً في التظاهرات الأخيرة أن هذا المخطط التدميري يسير كما هو مرسوم له، إذ تفاجأ الكثير من المتظاهرين الحقيقيين بوجود مسلحين ملثمين وسطهم - وخاصةً في محافظات ميسان وذي قار والديوانية - بحجة حمايتهم!!، وسرعان ما قام هؤلاء المسلحون والمندسون التابعون لجهة سياسية معروفة بعدائها للحشد باختطاف تلك التظاهرات والبدء بتحريض العديد من المتظاهرين وتحشيدهم وتوجيههم باتجاه مقرات فصائل الحشد الشعبي لاقتحامها وإحراقها وقتل من فيها!!(4)

ان اهداف هذه المجموعة هو القضاء على الحشد الشعبي تحت شعارات حل "المليشيات"، وإنهاء جميع العلاقات بين العراق وايران تحت شعار "ايران برة برة"، وغلق الحدود العراقية-السورية بإغلاق معبر البو كمال -القائم لقطع الطريق البري لمحور المقاومة من إيران الى سوريا ولبنان، والابقاء على ال 20،000 جندي امريكي والمراكز الإسرائيلية الثلاث، وإلغاء الاتفاقيات التجارية الاخيرة الهامه مع الصين، وارجاع البعث الداعشي للسيطرة الكاملة على الحكم من خلال الانقلاب العسكري كما جرى في انقلابي أعوام 1963 و 1968، و تمرير صفقة القرن باسكان مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين غرب الانبار، وصولا الى تطبيق مشروع اوباما / بايدن للتقسيم الثلاثي للعراق.

5- كما ان هناك مجموعة أساسية من ضمن الاجهزة الحاكمة شاركت بشكل فعال في مخطط السفارة الامريكية، ضم رئيس الجمهورية برهم صالح الذي كان قد زار اسرائيل مرات عديدة وكان قائدا فعالا في استفتاء مسعود البرزاني عام 2017 لانفصال كردستان العراق عن العراق، والذي يحمل هو وجميع أفراد عائلته الجنسية البريطانية . كما يضم وزير الدفاع نجاح الشمري مع رئيس "جهاز مكافحة الإرهاب" طالب الشغاتي الذان كانت مهمتهما الاولى المسندة لهما توريط الحشد الشعبي في الاشتراك بضرب التظاهرات بقوة السلاح من خلال تقديمهم  نصيحة "خبيثة" الى مجلس «الأمن الوطني»، بعد ساعات على بدء التظاهرات، من إطلاقهم نداء بضرورة إسناد مهمة "لجم" المتظاهرين إلى "الحشد الشعبي" في ظلّ عجز قوات "الشرطة الاتحادية" عن ذلك.

هذا اضافة الى اشتراك مسؤولين عسكريين كبار اخرين جرت اقالتهم خطوات استباقية ومنهم إقالة الساعدي التي مثّلت خطوة استباقية خلطت أوراق مَن كان يعاونه، إلا أن آخرين بقوا على رأس عملهم، وهم اشتغلوا على أمرين أساسيين: بث إشاعات عن أن «الحشد» هو من يستهدف المتظاهرين، وقد برز ذلك من خلال اتصالات أجراها قائد عمليات بغداد جليل الربيعي (الذي أقيل من منصبه بموجب القرارات الأخيرة) بعدد من الصحافيين والناشطين، أبلغهم فيها أن «من يقتل هم عصابات الحشد الخارجة عن الدولة.

6- ان كل عراقي وطني وواعي يجب ان يسند بشكل واضح الأهداف الوطنية للطرف الوطني الاول، وان يقف بشدة معارضا لأهداف المجموعة الثانية ويكشف أهدافها التي في حقيقتها اهداف الاحتلال الامريكي والمصالح الاسرائيلية.

ان الوقوف بشكل واضح  وصريح ضد مشاريع وأهداف المجموعة الثانية لا يعني اطلاقا اسناد لأحزاب وقوى الفساد المكونة للقوى القديمة في العملية السياسية الحالية و التي نشأت مع الاحتلال أو ممثلهم الحقيقي خلال الـ16 سنة الماضية رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي، حيث ان الوقوف مع شعارات واهداف المجموعة الاولى هو ضمان للموقف الوطني المعادي للمشروع الأمريكي/ الاسرائيلي.

7- ان هناك عدم وضوح في فهم المواقف السياسية الحقيقية لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي الذي اتى به محور "سائرون" وأسنده فريق "فتح"، حيث كنت قد تطرقت الى الظروف المحيطة بتنصيب عبد المهدي رئيس للوزراء في مقالتي بعنوان " لماذا رشح عادل عبد المهدي ؟ " (6) ويمكن الرجوع للمقالة.

كما كنت قد بينت في عدد من مقالات سابقة ان عبد المهدي كان قد غير "ديانته السياسية" خمسة مرات حسب ما اقتضته مصالحه الشخصية منذ خمسينيات القرن الماضي وقرر ان يتحول الى الجنسية الفرنسية. لقد انتهى الأمر بخروجه من "المجلس الاعلى" بعد انقسام المجلس عام 2018 وهكذا انتهى ليصبح شخص مستقل من اي حزب "بالاسم" كما لم يرشح نفسه لانتخابات مجلس النواب، ولقد سمحت نتائج انتخابات 2018 لعبد المهدي لكي يحقق حلمه ويصبح رئيس للوزراء. فقد أراده مقتدى الصدر الذي كانت سيطرته كاملة على كتلة سائرون واعتبر عبد المهدي كشخص لا حزب له وبالتالي يمكنه السيطرة عليه. أما كتلة فتح فقد وافقت على الترشيح لمنع الانشقاق عن الصدريين الذي قد يؤدي الى صراع دموي يفرض عليها. اما الامريكان فهم بالتاكيد قد ايدوه عندما لم يستطيعوا في حينه فرض العبادي، وايران لا تراه عدوا على الرغم من معرفتها بأنه ضمن المعسكر الامريكي، فهذا هو واقع العمل السياسي العراقي المعقد.

ان عادل عبد المهدي قد حقق حلمه السياسي بان يصبح رئيس للوزراء، غير انه سيبقى حليف المخططات الامريكية بدون تردد، وعدم اشتراكه حاليا ومباشرة ضمن المشروع الامريكي لا يعني اطلاقا وقوفه ضد مشاريعها، ولذا يجب أن تكون القوى الوطنية حذرة جدا من انقلابه عليهم فهذا هو دينه السياسي الثابت .

8- وانطلاقا مما بينته أعلاه فانه يجب ان يكون واضحا بان ممولي و قادة وموجهي التظاهرات في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب (اي %1 من قيادات التظاهرات) هم في حقيقتهم لايختلفون في ما يرفعونه من شعارات وإرهاب عن قيادة برنارد ليفي لما أطلقوا عليه اسم الثورة الليبية التي لم تنتهي كوارثها منذ 9 سنوات، والثورة السورية التي قادها الاخوان المسلمين وداعش والنصرة لنشر الديمقراطية في سورية، أو ثورة "الياسمين التونسية" التي قادتها حركة النهضة /حركة الإخوان المسلمين والتي تحولت لتقود عملية "اصدقاء الشعب السوري" التي كانت عاملا أساسيا في الكوارث السورية والتي أدت الى قتل مئات الالوف من مدني الشعب السوري والتدمير الهائل لمعظم المدن السورية.

ولكن في نفس الوقت فيجب ان نفهم بان ال %80 من الوطنيين المخلصين المشتركين في التظاهرات العراقية هم لا يختلفون عن الجماهير الوطنية الكبرى التي اشتركت في انتفاضات الشعب التونسي والمصري والليبي، والتي تم سرقت أهدافها المرفوعة واحلامها منهم بسرعة فائقة اضافة الى تدمير ليبيا وسوريا واليمن بعد ان خدعوا ببرنارد ليفي والاخوان المسلمين والموساد الاسرائيلي والشركات والمصالح الامريكية والبريطانية والفرنسية وباسناد ومال قطري وسعودي واماراتي.

 

منير الجلبي- محلل في المحاور السياسية والطاقة

...............................

مراجع:

1- القائدة الهولندية بخوذتها البيضاء

https://www.facebook.com/100021136541736/videos/425457564835458/

2- الاخبار- الرواية الأمنية لتظاهرات العراق: رعاية أميركية _ إماراتية وتمويل سعودي

https://al-akhbar.com/Iraq/278376?fbclid=IwAR1zAckEQ1jcXYZT5rg8sRZX0v9n9pigp1neEAk4Yrhk1zPrbgQc7X6gaHI

3- رأس الحشد الشعبي هو المطلوب!!

http://burathanews.com/arabic/articles/357940

4- صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil

5- التشكيلات السرية في «تظاهرات تشرين»

https://al-akhbar.com/Iraq/278375/التشكيلات-السرية-في-تظاهرات-تشرين

6- "لماذا رشح عادل عبد المهدي ؟"- منير الجلبي

http://www.albadeeliraq.com/node/1496

 

 

محمود محمد عليعندما جاءت إدارة الرئيس باراك أوباما في 2009م إلي سدة الحكم، انتهجت أسلوباً استراتيجياً مختلفاً، عما كان عليه "المحافظون الجدد" من ناحية تطبيق "القوة الذكية" (Smart Power)، التي كانت بمنزلة عامل مساعد لتطبيق القوة الناعمة، تجاه الشرق الأوسط، فكان من بين الأهداف الرئيسة للقوة الذكية،هي إنهاء عسكرة السياسة الخارجية، وإعادة الاعتبار للقوة الناعمة، وهذا ما صرح به وزير الدفاع السابق "روبرت غيس" Robert Gates، الذي دعا إلى "تكريس المزيد من المال والجهد لتنمية القوة الناعمة، وقد أشار أيضاً إلى أن المؤسسة العسكرية، وعلى الرغم من أنها تتمتع بقدرة هائلة، فيما يتعلق بالقوة العسكرية، إلا أن الركون إلى وزارة الدفاع بحجة قدرتها على تحقيق الأهداف، لابد من أن يشوه صورة السياسة الخارجية الأمريكية" .

لقد جعلت الحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان والأوضاع الإقليمية الناتجة عنهما، المشاريع الأمريكية تبتعد عن القوة الصلبة لما تتطلبه من تكاليف ومبالغ باهظة، ترهق الاقتصاد الأمريكي المتعثر، والذي يعاني من ارتفاع المديونية، فاتجهت الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة أوباما إلى القوة الناعمة، التي ستمكنها من تنفيذ المخططات بالكامل، دون أي خسائر مادية ومعنوية، هذه السياسة تقترب كثيراً من الفكرة التي طرحها "ماكس ماردونيت" أستاذ البحوث الاستراتيجية العسكرية والمتخصص بالأمن القومي الأمريكي والعمليات العسكرية وغير العسكرية عندما يقول :"لم نعد نرسل قوات نظامية خارج الحدود، هدفنا هو التحكم والوصول إلى نقطة التأثير في عدونا بما نطلق عليه (زعزعة الاستقرار)، بهدف إنهاك وتآكل إرادة الدولة المستهدفة ببطء، وأن الهدف الحقيقي هو أن ترغم عدوك على تنفيذ إرادتك". وفي موضع أخر يقول :" تُخترق الدولة من خلال إقليم لا تتحكم فيه (إقليم غير محكوم) أو إقليم محكوم، لكن ليس دولة، بل من مجموعات غير تابعة للدولة، محاربة وعنيفة، وبهذا تخلق دولة فاشلة، ثم تستطيع أن تتدخل فيها، بل ويمكن، أن تذهب لأبعد من ذلك، أن تظل الدولة موجودة لكن يرعاها طرف أخر".

وبسياسة تقترب كثيراً من مضمون ما جاء به "ماكس مارونيت"، عمدت الولايات المتحدة، وخصوصاً بعد احتلالها للعراق، إلى إتباع مختلف السبل لتغيير الأنظمة عبر تحريك الشارع، من خلال وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني من أجل التأثير على الرأي العام، وقامت ضمن هذا الجانب أيضاً بإعداد الدورات والتدريبات داخل الولايات المتحدة وخارجها للشباب المتطوع، من خلال منظمات المجتمع المدني، فبادرت الولايات المتحدة الأمريكية بتسخير نخبة من المستشارين من كلاً الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) للبحث في موضوع الدبلوماسية العامة في البيت الأبيض، وإنشاء مكتبات، ومراكز معلومات، وسعت إلى ترجمة المزيد من الكتب الغربية إلى اللغة العربية، وعملت على زيادة المنح الدراسية والزيارات، وتدريب المزيد من الناطقين بالعربية والمتخصصين بالعلاقات العامة.

وضمن هذا السياق قامت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات بالولايات المتحدة بتوزيع منشورات، تعلن من خلالها عن منح للطلاب الجامعيين "المهتمين بمحاربة التهديد الإرهابي للديمقراطية"، ويتم ذلك من خلال عقد حلقات دراسية وتدريبية، يتم تدريب الطلبة فيها على كيفية قيادة الاحتجاجات، والمشاركة في الأحداث التي تروج للديمقراطية، والحرية، وتوسيع المشاركة السياسية، والمطالبة بالتغيير والإصلاح، كما تسعى المؤسسة إلى جلب الخبراء والمسئولين إلى الجامعات لإلقاء المحاضرات التي تشجع الطالب على المطالبة بالتغيير والديمقراطية.

كما عملت الولايات المتحدة الأمريكية على "استغلال الأوضاع الداخلية في الدول العربية ووظفتها من أجل إنجاح مشاريعها في المنطقة، فبدأت بصرف الملايين من الدولارات على برامج الحرية وإصلاح التعليم ودورات تنمية مهارات الشباب وتدريبهم" .

إن من أهم الأساليب التي اتبعتها الولايات المتحدة في تحريك الاحتجاجات، هو مساندتها لشريحة واسعة من الشباب العربي من خلال تدريبهم على مفاهيم الديمقراطية، بهدف استثمار هؤلاء الشباب الذين وجدوا في السياسة الأمريكية الناعمة ما فقدوه في الأنظمة المتحجرة في بلادهم والدفع بهم لتغييرها، حيث استغلت الولايات المتحدة الأمريكية شوق الشعوب العربية إلى الحرية، ورغبتها في التخلص من الفساد والدكتاتورية، والأوضاع السيئة التي تعيشها، لذلك شرعت بالعمل منذ عام 2008م مع عدد من المنظمات المدنية من أجل تنظيم الجهود الشعبية للمعارضة، وتم دعوة العديد من الناشطين إلى دورات تدريب، تحت مسميات حقوق الإنسان والتثقيف المدني للعمل السلمي وغيرها، "وهذا ما أكدته صحيفة "الديلي تلغراف" The Daily Telegraph وجود ثمة نماذج من أنظمة سياسية عربية كانت قد صاغتها هذه التوجهات وأدت إلى تفكيكها وهي (ليبيا ومصر)" .

وهنا جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون " Hillary Clinton، في عهد الرئيس "باراك أوباما"، لتعلن  في حفل تسليم جوائز المعهد الوطني الديمقراطي، الذي افتتح منذ 2010م فروعاً له في عدد من المدن العربية إن " قادة المعهد كانوا يحولون الشتاء العربي إلى ربيع في الوقت الذي كانت الشوارع العربية هادئة وصامتة "، وأضافت " الربيع العربي ليس ثورتنا، ولكن كان لنا دور فيه" وتابعت تقول " لقد أنذرنا الحكومات العربية قبل حدوث الربيع العربي في مؤتمر الدول الثماني G8 الذي عقد في الدوحة أواخر عام 2010 م، بأن أسس المنطقة تغرق في الرمال، وأنه لا بد من الإصلاح والديمقراطية"، وتطرقت لمخاطر العملية"، لا يمكننا تفويت فرصة الاستثمار في الديمقراطيات الناشئة في العالم العربي، رغم وجود مخاطر واحتمالات، لأن تحدث أمور صائبة أو خاطئة، والولايات المتحدة الأمريكية، لها مصلحة وطنية فعليه بتغيير الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لأن معادلة التطور، أو الاستقرار التي فرضتها الأنظمة الديكتاتورية، وقبلتها سابقاً الولايات المتحدة، تحولت اليوم إلى معادلة الإصلاح أو الاضطرابات.

ومنذ ذلك الوقت بدأ الحديث عن مفردة الربيع العربي تكون حديث الصباح والمساء في الدراسات والمقالات الأمريكية، حيث نشرت مؤسسة راند Rand البحثية التابعة للبنتاجون عام 2012م، "دراسة مكونة من "250 صفحة "تحت عنوان" آفاق الديمقراطية في العالم العربي "Prospects for democratic transformation in the Arab world، أعدها الباحث الأمريكي الشهير " لوريل ميللر " Laurel Miller و6 باحثين آخرين أكثرت من استعمال مفردة " الربيع العربي" وربطته بــ" التحولات الديمقراطية العالمية " وحللت الأسباب الأمريكية لدعمه".

في هذه الدراسة تم التعامل مع الحراك العربي منذ 2011 م، على أنه يمثل "عملية تشتمل على مجموعة من الأنشطة المتفاعلة أو المترابطة، التي تحول المدخلات إلي مخرجات". والعملية ترتبط بالضرورة بمشروع، وتشكل إحدي عملياته، فلها بداية ولها نهاية، ولها استراتيجيات، ولها أدوات وبرامج ومراحل، وأهداف وسياسات وجهات للتنسيق والتمويل وإدارة الموارد، ولا بد من مدخلات تفضي بعد توظيفها إلي مخرجات" .

أما مدخلات (Inputs) " الربيع العربي" في تصور هيلاري كلينتون، فهي وفق الآتي :

1- وضع التصور السياسي للمرحلة الانتقالية العربية وقد أنجز في 21/1/2010 قبل سنة من الثورات مع انتهاء معهد السلام الأمريكي من مشروع " دعم الأمن والديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير"، بمشاركة عدد من الخبراء العرب.

2- الانتهاء من تدريب آلاف الناشطين العرب، وتبليغهم في مؤتمر سري بقرب بدء المرحلة الانتقالية، وذلك في شهر سبتمبر من عام 2010م (قبل شهرين من الثورات).

3- تسخين الأرضية السياسية العربية، وتحضير مزاج الرأي العام العربي، لتقبل هذه العملية، من خلال نشر وثائق ويكيليكس  WikiLeaks، عن فساد ودكتاريورية الأنظمة العربية، وتم ذلك في شهر ديسمبر من عام 2010 م ( قبل الثورات العربية بشهر).

4- دفع الناس والمعارضات العربية للنزول إلى الشوارع، لاحتلال الميادين العامة، وكان أول من تحرك في الشوارع العربية، القوي، والمنظمات الشبابية، والليبرالية المدربة أمريكياً، وتمت الاستفادة من حادثة إحراق الشاب "محمد البوعزيزي" في تونس (وهي ليست أول حادثة من نوعها، تتكرر شهرياً في تونس)، وحادثة ضرب الشاب "خالد سعيد" في مصر، (وهي ليست أول حادثة من نوعها تتكرر شهرياً في مصر) وغيرها من الحوادث الرمزية.

5- بدء نزع الشرعية عن الأنظمة العربية، ودفع رؤساء وقادة النظم العربية، للتنحي وتسليم السلطة، عبر حياد الجيوش العربية والانشقاق الضمني، لبعض قادة أركان الجيوش العربية من جهة وبإيعاز أمريكي أكيد.

6- وقف العمل بقوانين الطوارئ، وحل وزارات الداخلية، والشرطة، وتسليم دفة الملف الأمني للجيوش.

7- تعيين مجالس الحكومة الانتقالية، لإدارة البلاد وتحضير المرحلة الانتقالية.

8- المباشرة بتغيير الدساتير العربية عبر المجالس التأسيسية .

وأما عن مخرجات العملية outputs " الربيع العربي في تصور هيلاري كلينتون، فهي أيضاَ وفق الآتي:

أ- إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية وإفراز مجموعة من القوي الجديدة متحالفة مع الإدارة الأمريكية.

ب- تطبيق العدالة الانتقالية Transitional Justice في محاسبة قادة ورجالات الأنظمة السابقة، برفع دعاوي قضائية لإدانة وتجريم قادة ورموز المرحلة السابقة وتجريدهم من أموالهم.

ج- بدء الانتقال إلى منظومة إقليمية جديدة تضم نظماً عربية جديدة تتجاوز النظم السابقة شكلاً لا مضموناً، وتحافظ على المصالح الأمريكية والغربية والصهيونية.

وقد يتساءل البعض لماذا تعاملت هيلاري كلينتون مع الربيع العربي على أنه يمثل عملية أو صناعة أمريكية وليس ثورة؟، وذلك لعدة أسباب منها  :

1- أن العملية تستبطن مشروعاً له استراتيجيات وأدوات تنفيذية.

2- تحضير مسرح الأحداث والأدوات التنفيذية لإنجاز العملية لخدمة المشروع.

3- إدارة العملية قبل وأثناء وبعد حدوثها مع قدر كبير من التحكم والسيطرة.

4- أن السياق الدلالي لمفردة " عملية" كشفت لنا بالأدلة والوثائق كيف أن الإدارة الأمريكية توقعت هذه الثورات وسعت لإدارة أدواتها على الأرض قبل حدوث العملية.

وبذلك يمكن القول بأن "الربيع العربي صناعة أمريكية، انطلقت بمساعدة قطرية تم تنفيذها فعليا علي الأرض من خلال قضية زلزلة عقول الشباب العربي التي انطلقت من خلال مشروعين: الأول: مشروع النهضة عند جاسم سلطان، وهو مشروع يدعو إلي استنفار الشباب العربي نحو التظاهر والاحتجاجات والعصيان المدني. المشروع الثاني: أكاديمية التغيير القطرية، وهي أكاديمية قام بتأسيسها "هشام مرسي"، زوج ابنة الشيخ "يوسف القرضاوي"، مفتي جماعة الإخوان المسلمين، ويأتي أهمية اختيار هشام مرسي، لكونه المنفذ لما ينظر له ويضعه جاسم سلطان، من خطوط فكرية ومنهج للتغيير والنهضة، وبذلك حدث الاندماج الفكري والأيديولوجي الإسلامي بين "هشام مرسي" وإدارته لأكاديمية التغيير من جهة، وبين المشروع النهضوي لجاسم سلطان من جهة أخري. وبذلك يمكننا كما يقول قال الباحث "عمرو عمار" في كتابه " الاحتلال المدنى أسرار 25 يناير والمارينز الأمريكى" يمثل رؤية أن مشروع النهضة يمثل المٌنظر والمرجعية لأكاديمية التغيير، وكلاهما يكمل الآخر في مسيرة تحريك الشباب ودفعهم للتغيير والاحتجاج؛ وحيث يستلزم مشروع النهضة هذا قيادات مدربة، فقد أعلنت أكاديمية التغيير علي موقعها الإلكتروني، أن الأكاديمية تتبني وتدير نظام تدريب "أون لا ين" لبرنامج إعداد قادة النهضة. ولذلك يحاول كلا المشروعين تفتيت ثوابت الأنظمة العربية، ولعل أهمها نقده لما يسميه سلسلة الخديعات في الاستقرار، الثقة، الرموز، الصورة التاريخية، والتضحية، وهو ما يزيل لدينا علامات الاندهاش من كذب وتضليل جماعة الإخوان المسلمين في تصريحاتهم المشككة والمزيفة في كل وسائل الإعلام بعد أحداث 25 يناير 2011".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عبد الحسين شعبانالأوضاع الاستثنائية في العراق تتطلب حلولاً استثنائية

بارتفاع عدد الضحايا في العراق الذي زاد على اثني عشر ألف إنسان بين قتيل وجريح تبدو الخريطة السياسية أكثر وعورة وتضاريسها أشدّ قسوة، لاسيّما بانعدام الثقة بالحكومة، فلم تعد تكفي الوعود بالإصلاحات أو بمحاربة الفساد، بل أصبح الطريق إلى تهدئة الأوضاع يتطلّب الاستجابة إلى مطالب، بل حقوق، المتظاهرين وحركة الاحتجاج الواسعة، التي لم يشهد العراق مثيلاً لها، وهي أقرب إلى استفتاء على "عدم شرعية" استمرار العملية السياسية التي بدأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، والتي قامت على أساس نظام المحاصصة الطائفي- الإثني المستند إلى الزبائنية السياسية وتقاسم المغانم .

ولم يعد ممكناً ردم الهوّة بين الحكومة والشارع العراقي، إلّا بإجراء تغييرات جوهرية، تلك التي يعبّر عنها المتظاهرون بـ استقالة الحكومة وتعديل الدستور وإلغاء قانون الانتخابات وحلّ الهيئات المستقلة " غير المستقلة"، وهي أمور ممكنة وآنية، ويمكن أن تمهّد لتغييرات أوسع وأشمل، وإن كان هناك عقبات وكوابح أمامها على صعيد القوى السياسية الداخلية، أو على صعيد النفوذ الإقليمي والدولي المؤثر في العراق على نحو كبير.

أما فيما يتعلق بتحسين مستوى المعيشة والخدمات الصحية والتعليمية وإيجاد فرص عمل ومحاسبة الفاسدين وإلغاء الطائفية السياسية ووضع حدّ لنظام المحاصصة، فتلك أمور تحتاج إلى وقت وتراكم وتدرّج،  وتلك مسألة واقعية في علم السياسة التي هي في المحصلة فن الممكنات وتوازن القوى واتساق بين ما هو موضوعي بما هو ذاتي.

وقد انقسمت القوى والكتل السياسية حول مسألة  التغيير إلى مجموعات، فجاءت مواقفها متضاربة، بل شديدة الاختلاف، وبدأت المعركة كأنها "كسر عظم" كما يُقال .

المجموعة الأولى- تتمثل بالشارع العراقي، وهذه تتألف من فئة الشباب وفيهم متعلمين وخريجين، لكنهم عاطلون على العمل على الرغم من المعارف والمهارات التي اكتسبوها، ناهيك عن اطلاعهم على ما يجري في العالم عبر الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، فالعالم أصبح أصغر من "قرية صغيرة" بفعل الثورة العلمية - التقنية الرابعة وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصالات والمواصلات، ولاسيّما في ظلّ الطفرة الرقمية " الديجيتل" وهذه كلّها من نتاج العولمة. فلم يعد الشباب من الجيل الجديد والذي تتراوح أعماره بين 18-25 عاماً يقبل بما هو سائد لأنه أكثر ميلاً وتطلعاً للالتحام بالعالم في فضاء من الحرية والتواصل الإنساني.

المجموعة الثانية- القوى المؤيدة للتغيير، وهذه الأخيرة كان الحراك الشعبي مفاجئاً لها، بل إنه اضطرّها بعد المواقف السلبية والتشكيكية عشية بدئه إلى المشاركة فيه لاحقاً، ومن هؤلاء كتلة سائرون التي تضم تيار الصدر برئاسة السيد مقتدى والحزب الشيوعي العراقي. وحسناً فعلت هذه المجموعة بالالتحام بحركة الاحتجاج، علماً بأن مطالب المتظاهرين تمثل بعض مطالبهم بالذات، لذلك كان انحيازهم إيجابياً، لاسيّما وأن غالبية المشاركين في الحراك هم من الفقراء والمعدمين .

المجموعة الثالثة- الحركة الكردية وإقليم كردستان، وهؤلاء بشكل عام لم ينحازوا للحراك، بل وقفوا منه موقفاً سلبياً، خشية أن يؤثر على المكاسب التي حصلوا عليها، تلك التي حاول عادل عبد المهدي طمأنتهم بشأنها، بعد تشدد سلفيه نوري المالكي وحيدر العبادي، خصوصاً عشية استفتاء إقليم كردستان بشأن الاستقلال (سبتمبر/أيلول/2017) وما ترتب عليه من إجراءات زادت من مشاكل الإقليم مع السلطة الاتحادية.

المجموعة الرابعة- الرافضة للتغيير، وخصوصاً تلك التي تعتبر المطالبة بالتغيير "مؤامرة خارجية" مشبوهة مدعومة من الولايات المتحدة و"إسرائيل" وبعض الدول العربية، كما ذهب إلى ذلك قيس الخزعلي رئيس "عصائب أهل الحق"، علماً بأنه وفصائل مسلحة من الحشد الشعبي مثل كتائب حزب الله وسرايا النجباء وسرايا الخرساني وكتائب التيار الرسالي وسرايا الجهاد والبناء أعلنت مواقفها الرافضة للحراك الشعبي، وهذه جميعها مقرّبة من إيران، وكانت هذه الأخيرة قد اتخذت موقفاً سلبياً من الحركة الاحتجاجية التي اتهمتها هي الأخرى بأنها من تأثير واشنطن وتل أبيب.

المجموعة الخامسة- قوى دينية من " الشيعية السياسية" ساهمت في العملية السياسية منذ البداية وتتحمل قسطاً كبيراً وأساسياً من المسؤولية،  بل إنها من القوى التي استفادت منها على الصعيدين الحزبي والشخصي، وبسبب المنافسة السياسية ووصول الأوضاع إلى طريق مسدود، اندفعت لمعارضة حكومة عادل عبد المهدي، التي تعتقد أنها أحق منه بها، ولذلك وقفت إلى جانب إقالة الوزارة، لكنها ظلّت تقدّم خطوة وتؤخر أخرى، مثل حزب الدعوة مجموعة المالكي أو " كتلة النصر" جماعة العبادي وتيار الحكمة (السيد عمار الحكيم)، الذي أبدى تحفظاً منذ البداية حول تركيبة الحكومة، وقرّر بلورة موقف يميّز بين الموالاة والمعارضة، وفضل هو بالذات أن يعتبر نفسه في المعارضة على أن يحتسب من تيار الموالاة.

المجموعة السادسة- الأحزاب والكتل "السياسية السنّية"، وهذه وإن كانت غير منخرطة في الحراك الشعبي، لكنها لا تستطيع أن تقف ضده، إذْ أن غالبية المطالب هي مطالبها، مثل إلغاء الهيمنة الطائفية ووضع حد للنفوذ الإيراني، وهي ذاتها مطالب القائمة الوطنية " العراقية" برئاسة علاوي الذي طلب في بدء الحراك إطلاق صلاحيات عادل عبد المهدي، لكنه مع تطور الأحداث، اقترب موقفه من مطالب الحراك الشعبي.

لقد دفع الحراك الشعبي أوساطا واسعة  بعضها في الخارج، للتحرك، فأصدر العديد من التجمعات والشخصيات نداءات وبيانات ومقالات، لتحريض المتظاهرين، مع أن هؤلاء لا يحتاجون إلى تحريض، لأنهم في قلب الحدث وفي عمق المأساة، فتخطّى فيها جميع الأحزاب والحركات والقوى السياسية على أنواعها، طائفية أو غير طائفية، مشاركة بالعملية السياسية أم خارجها، في الداخل والخارج، فالجمهور المحرّض بما فيه الكفاية والمسحوق حتى العظم والمهان والمذل والمستغفل يعرف ما يريد، وقد شعر بعمق الهوّة بينه وبينها، فهتف ضدها، بل أحرق بعض مقارها.

إن ما يحتاجه الجمهور هو بلورة خطوات عملية لتحقيق أهدافه الآنية، وهنا يمكن للنقابات والجمعيات والاتحادات المهنية أن تلعب مثل هذا الدور، وعندئذ يمكن  مواصلة الضغط على الحكومة لإجبارها على التنازل، بل فرض برنامج واقعي وتدرّجي وممكن التحقيق عليها، يلزم ما بعدها.

إن الخريطة السياسية العراقية بما فيها من نتؤات ومنعرجات وصعود ونزول مرشحة لتغييرات واصطفافات  وانتقالات يفرضها تطوّر المشهد السياسي، فعلى الرغم من استمرار حركة الاحتجاج الواسعة في بغداد ومحافظات وسط جنوب العراق، ما تزال الحكومة العراقية هي الأخرى مستمرة في تشبثها بمواقفها، وكأن هذا الأمر لا يعنيها، وإنْ كان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي اعترف بتشخيص حركة الاحتجاج  للأخطاء المتراكمة منذ العام 2003 ولحد الآن، لكنه رفض تقديم استقالة الحكومة ما لم يتم تحضير بديل، لأن ذلك قد يؤدي إلى فراغ على حد تعبيره، وربما يأخذ العراق إلى المجهول.

ومع أنه أقرّ بأحقية التظاهرات السلمية، لكنه انتقد التظاهرات من قناة أن " البعض يتخذها درعاً بشرياً للتخريب" منبهاً إلى " أن القوات العراقية إلى الآن في وضع دفاعي وليس هجومياً، وهي لا تستخدم الرصاص"، وقد اعتبر المتظاهرون ذلك بمثابة تهديد مبطّن باستخدام المزيد من القوة. وما تزال لغة الحكومة باردة، بل إنها غير مكترثة بالبشر الذين سقطوا ضحايا العنف، وإلّا لماذا هذا الإصرار على الاستمرار؟، وأية قيمة لدستور أو آيديولوجيا أو مبادئ أو حتى أديان أو طوائف إزاء الدماء التي سالت والتي لا يقابلها أي شيء على الإطلاق؟، "فالإنسان هو مقياس كل شيء"، على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس .

صحيح أن الفراغ الدستوري غير يسبب نوعاً من الفوضى لكن الدستور يعالج  مسألة الفراغ في المادة 64، لذلك إن التشبث بالدستور ليس سوى ذريعة غير مبررة، علماً بأن  الدستور تم وضعه على الرف في العديد من المرات، ناهيك عن كونه أس المشاكل، وقد احتوى على الكثير من الألغام، وهو امتداد للدستور المؤقت للمرحلة الانتقالية الذي صاغه نوح فيلدمان اليهودي الأمريكي المتعاطف مع الصهيونية و"إسرائيل" (2004)، وقبل ذلك هو ما جاء به بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق الذي وضع أسس النظام الطائفي - الإثني في صيغة مجلس الحكم الانتقالي (2003)، وهو الأمر الذي صيغ بعنوان "المكوّنات" في الدستور الدائم (2005) التي وردت عدة مرّات في الدستور.

وتتحمل القوى التي حكمت العراق بعد الإطاحة بالدكتاتورية مسؤولية ما وصلت إليه البلاد،  ممثلة بالتيار الإسلامي، وخصوصاً حزب الدعوة، حيث توالى على دست الحكم أربع دورات (الأخيرة لم تكتمل) منذ العام 2005 ففي الأولى والثانية حكم نوري المالكي وفي الثالثة حيدر العبادي وكلاهما من حزب الدعوة، أما في الدورة الرابعة فقد تم اختيار عادل عبد المهدي، الذي كان مع المجلس الإسلامي الأعلى، وظلّ قريباً من التيارات الإسلامية، حيث تم اختياره باتفاق بين كتلتي سائرون برئاسة مقتدى الصدر والفتح برئاسة هادي العامري وقيل بترشيح أو تأييد ومباركة من السيد علي السيستاني الشخصية الشيعية المتنفذة في النجف، وكذلك بتوافق إيراني- أمريكي.

لا أحد يستطيع أن يتكهّن كيف ستنتهي حركة الاحتجاج، لكن المؤكد أن عراق ما قبل الفاتح من اكتوبر (تشرين الأول) 2019، هو ليس ما بعده، فثمة تغييرات ستحصل في الخريطة السياسية، بل ستزداد التصدعات في تضاريسها بعد انتهاء حركة الاحتجاج، سواء حققت كامل مطالبها أو جزءً منها، لكن خط التغيير سيأتي، سواء بقيت الحكومة الحالية أم لم تبقَ، فالمؤكد أن العالم كلّه ظلّ يتطلّع إلى حركة الاحتجاج السلمية، وكانت الأمم المتحدة قد أدانت عبر " المفوضية العليا لحقوق الإنسان" "قطع الانترنيت والكهرباء واستخدام الرصاص الحي والمطاطي والغازات المسيلة للدموع من قبل قوات الأمن تجاه المتظاهرين"  داعية هذه  القوات إلى "حماية المتظاهرين".

إن أحد مؤشرات شرعية الحكم هو رضا الناس وقبولهم، وكان العديد من دول الاتحاد الأوروبي، والتحالف الغربي  الذي تشكل لمواجهة داعش (2014) بما فيه الولايات المتحدة حليفة العراق رسمياً في إطار " معاهدة التحالف الاستراتيجي" قد شجبت استخدام القوة وقتل وخطف المحتجين، ودعت إلى التفاعل بين القادة السياسيين والمواطنين العراقيين المطالبين بالإصلاح، ففي ذلك وحده يمكن تفعيل المطالب لشعبية ووضعها موضع التطبيق، وهو ما ينبغي أن تدركه الحكومة العراقية، لا أن تستمر في تشبثها بجوانب "شكلانية"، فمثل هذه الأوضاع الاستثنائية تتطلب حلولاً استثنائية.

  

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

محمود محمد عليعقب سقوط الأتحاد السوفيتي في 1991 ، أسندت الإدارة الأمريكية لسيرجيو بوبوفيتش Srda popovic وسلوبودان، واللذين يشرفان علي معهد "كانفاس" Canvasلتدريس طرق النضال السلمي إلي تأسيس حركة أوتبور في صربيا، وهي حركة قام بها بعض شباب صربيا، حيث تستعمل طريقة الكفاح العنيف كاستراتيجية له، وقد تكونت هذه الحركة في العاشر من أكتوبر عام 1998، رداً على قوانين رادعة حول الجامعات وحول الإعلام، كانت "الحكومة الصربية قد شرعتها خلال تلك السنة. كان رئيس الحكومة آنذاك هو " ميلوسيفيتش" Milosevic، وفي البداية، اقتصرت نشاطات الحركة على جامعة بلجراد مباشرة بعد هجوم الناتو الجوي على يوغسلافيا السابقة سنة 1999 خلال حرب كوسوفو".

بدأت حركة أوتبور حملتها السياسية ضد الرئيس اليوغسلافي" ميلوسيفيتش"، فنتج عن ذلك قمع بوليسي على مستوى الوطن كله ضد نشطاء الحركة، فاعتقل ما يزيد عن ألفي شخص ضرب بعض منهم، خلال "حملة الانتخابات الرئاسية في سبتمبر عام 2000، رفعت الحركة شعارات منها ما مفاده "لقد انتهى"، ومنها ما مفاده "لقد حان الوقت"، ورفعوا شارتهم الشهيرة التي على هيئة الكف المضمومة ، مما زاد من الاستياء العام من ميلوسيفيتش مما قد يكون قد أدى إلى انهزامه ".

وهنا قررت الحركة إسقاط نظام "ميلوسوفيتش" المعادي للهيمنة الأوروبية والأمريكية ، حيث قامت هذه الحركة بالتعاون مع الإعلام الغربي بشن حملة إعلامية هائلة ومليئة بالأكاذيب عن "ميلوسوفيتش"، وأثارت ضده الرأي العام في صربيا، وفي حين كان الناتو يقصف صربيا محاولاً إسقاط ميلوسوفيتش عسكرياً، كانت حركة "أوتبور" تحشد الناس، وتستعد لاجتياح الشارع ، بعد أن فشلت حملة الناتو العسكرية .

وفي 5 أكتوبر 2000 نجحت أوتبور بتنظيم مظاهرة كبيرة أمام قصر ميلوسوفيتش، حيث أعلنوا فيها ثلاثة مطالب رئيسية: إزاحة الطاغية - مجانية التعليم - استقلال الصحافة والإعلام ونجحوا في توظيف حالة الاستياء والغضب الشعبي الحاصل تجاه ميلوسوفيتش ونظامه، وقاموا بعمل اعتصامات نجحت في الضغط على نظام ميلوسوفيتش،" فأعلن تنحيه استجابة لطلبات شعبه. وقد جاء تنحي ميلوسوفيتش مفاجأة لأوتبور، فقد كانت ماكينتهم الإعلامية تزوّر مختلف أنواع الأكاذيب عنه، وقد لفقوا له تهمة تنظيم مذابح جماعية، وتهمة إطلاق النار على المواطنين، إضافة إلى تهم ارتكاب جرائم حرب مختلفة وتهم تدمير البنية التحتية لبلده، وتهم أخرى. لم يتوقع الاوتبوريون استسلام "ميلوسوفيتش" بسهولة رغم أنه يعرف أنه مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية" .

بعد تنحيه ذهب ميلوسوفيتش إلى منزله، "فطارده الاوتبوريون واعتقلوه ثم سلموه لمحكمة الجنايات الدولية، واستغرقت محاكمته عدة سنوات لم تتم إدانته خلالها بأية تهمة، وقد رفض تعيين محام للدفاع ودافع عن نفسه بنفسه، وانتهت المحاكمة بموته بنوبة قلبية في سجن المحكمة" .

وأصبحت أوتبور رمزاً أساسياً من رموز الكفاح المناهض، وخلال الشهور التي تلت سقوط ميلوسيفيتش في الخامس من أكتوبر، أصبح أعضاء أوتبور بصفة مفاجئة أبطالاً في صربيا كلها كما في أعين الحكومات الغربية، "وأصبح اللوجو الخاص بهم منتشراً في كل مكان وعلى ملابس الناس والمشاهير والشخصيات العامة" .

وبعد إسقاط ميلوسوفيتش أنشأ الأوتبوريون حزباً سياسياً، ودخلوا الانتخابات العامة بقائمة من 250 مرشحاً، ولم يتمكن أي من مرشحيهم من النجاح وبقيت الحركة بدون تمثيل برلماني. وفي عام 2004 تعرضت قيادة حزبهم لفضيحة كبيرة بسبب اتهامات بالرشوة وتقاضي الأموال من جهات خارجية، وفي نهاية العام اندمجوا مع حزب آخر، وانتهى نشاطهم السياسي في صربيا.

في نوفمبر 2000 وبعد نجاح تنحي ميلوسوفيتش، نشرت مجلة "نيويورك تايمز" The New York Times تحقيقاً للصحفي روجر كوهن حول اوتبور، وفي هذا التحقيق صرح بول مكارتي مدير منظمة المنح الديمقراطية الأمريكية أن منظمته قدمت لأوتبور 3 مليون دولار بين عامي 1998 و 2000. وأقر مكارتي أنه التقى قادة الحركة عدة مرات. الجدير بالذكر أن منظمة المنح الديمقراطية تأسست عام 1989 وتتخصص بتمويل مشاريع الفوضى الخلاقة حول العالم.

في عام 2003 أسس قائدا أوتبور (سلوبودان جينوفيتش وسيرغي بوبوفيتش) معهد كانفاس للتدريب على تطبيقات النضال اللاعنفي. يزعم المعهد أنه" لا يتلقى تمويلاً أجنبياً، ولكنه يقر بتدريب آلاف الناشطين حول العالم، وقد صرح بوبوفيتش في فيلم وثائقي أنهم يتعاملون مع ناشطين في 30 دولة حول العالم. هذا المعهد هو حاليا واجهة التنظيم الأوتبوري العالمي" .

رغم أن قادة أوتبور يزعمون أنهم لا يقبلون أي دعم من أية حكومة في العالم، فقد حصلوا في عام 2006 على منحة من المعهد الأمريكي للحرية، وهو مؤسسة تابعة للكونجرس الأمريكي، لإعادة إنتاج المنهاج المعتمد في إسقاط الأنظمة مع التركيز على الشعوب والثقافة الإسلامية، ولديهم "منهاج تدريبي لإسقاط الأنظمة باللغة العربية. ويحصل قادة أوتبور على الدعم الأمريكي بشكل غير مباشر عبر تمويل دراسة الناشطين في معهدهم، وقد مولت مؤسسات أمريكية وأوروبية متعددة دراسة عدد كبير من الناشطين التونسيين والمصريين في المعهد، ولم يعرف بعد من هم الناشطون السوريون الذين درسوا فيه ومن الذي دفع كلفة سفرهم ودراستهم" .

وفي نفس المحاضرة التي ألقاها في هارفارد، "أقسم بوبوفيتش أنهم ليسوا على أية علاقة مع منظمة "احتلوا وول ستريت" التي تقود النضال السلمي ضد الإمبريالية داخل أمريكا، ورغم ذلك فقد ألقى أحد قادة أوتبور (إيفان ماروفيتش) كلمة في أحد نشاطات منظمة احتلوا وول ستريت، واتهم لاحقا أنه كان مندسا من قبل وكالة المخابرات الأمريكية للتشويش على الاحتجاجات الأمريكية " .

 

د. محمود محمد علي

عضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط