جواد بشارةهل سبب ذلك هو غياب الدولة والسيادة أم ضعف السلطة والنظام في مواجهة واقع التدخلات؟

من البديهي القول، في مجال التحليل الجيوستراتيجي، أن هناك معادلة شرق أوسطية مرتبطة بتوازن قوى إقليمية ودولية ومحلية، وفي حال حصول أي خلل في طرفي المعادلة تنشأ الأزمات والتوترات، وربما تتطور إلى مواجهات مسلحة. هذا هو واقع العراق اليوم، فهو واقع بين فكي كماشة طرفيها يتنافسان على النفوذ والثروات . فمن جهة لم تيأس روسيا، وريثة الإتحاد السوفيتي السابق، في استعادة بعض نفوذها في العراق من خلال صفقات بيع الأسلحة والحصول على صفقات تجارية وصناعية عديدة في مجال الطاقة وغيرها، في حين تريد الولايات المتحدة الأمريكية الاستحواذ على كل شيء في العراق بذريعة أنها هي التي قدمت الخسائر والأموال والأرواح لقلب نظام الحكم السابق وبالتالي من حقها وحدها احتكار الغنائم المترتبة على غزوها واحتلالها للعراق منذ العام 2003 ولغاية اليوم. إلا أن الطرف الإقليمي داخل المعادلة ما يزال فاعل ومؤثر ويتمثل بإيران والعربية السعودية وتركيا وبعض دول الخليج الأخرى كقطر، وإلى حد ما سوريا، قبل أن تغرق في وحل الحرب والتدمير الداخلي، والأردن الذي يقطف ثمار ما يجري في العراق لترميم اقتصاده وتقويه بنيته التحتية وتحقيق التطور والتنمية . وفي أطراف المعادلة الجانب المحلي أيضاً والمتمثل بقوى سياسية موالية لهذا الطرف أو ذاك، إقليمياً ودولياً.

إقليمياً، نلمس تواجداً حقيقياً وتدخلاً مباشراً لأكبر ثلاث قوى إقليمية في المنطقة وهي إيران والسعودية وتركيا، على كافة الصعد العسكرية والأمنية والاقتصادية. إلا أن التنافس الأكثر وضوحاً هو بين العربية السعودية وإيران الذي يتخذ أشكالاً مختلفة، ليس أقلها دعم وتوجيه قوى سياسية وعسكرية محلية عراقية ميدانية عن طريق التمويل والتسليح والدعم المادي والمعنوي. شريطة أن ينفذوا ما يسهم في ترسيخ النفوذ الإقليمي لكل طرف معني بهذه المعادلة. العقبة الأساسية تتمثل في الصراع المباشر بين طرف إقليمي وهو إيران، وطرف دولي وهو الولايات المتحدة الأمريكية وهو الأمر الذي كان يحدث بالوكالة عادة وليس بالاشتباك المباشر كما يحدث الآن في العراق. حيث يأخذ الصراع طابع فرض الإرادات ولوي الذراع وعلاقات القوة في ساحة خارج البلدين هي الساحة العراقية التي يتواجدان فوقها أمنياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً. لكل طرف أدواته المحلية العراقية وتحالفاته الإقليمية وخطابه الإعلامي والدعائي الذي يروج لسياسته وذلك في غياب تام للرأي العام العراقي وللإرادة العراقية الحرة المستقلة. تبدو إيران هي القوة المهيمنة على المشهد العراقي حيث توجد تشكيلات وعناصر مسلحة وتنظيمات سياسية وعسكرية موالية أو تابعة لها مباشرة وتتلقى أوامرها وإملاءاتها وتوجيهاته ومستعدة لخوض معارك ميدانية للدفاع عنها وعن مصالحها في العراق في حالة تعرضها لعقوبات دولية وأمريكية جائرة وحصار اقتصادي التي تريد الولايات المتحدة أن يلتزم بها " العراق الرسمي" أي الدولة العراقية، بغية عدم تعريض نفسها لتبعات وتداعيات تلك العقوبات التي سوف تنعكس عليها سلباً في حالة عدم الانصياع وتنفيذ الإملاءات الأمريكية. لذلك يجد العراق نفسه في موقف صعب جداً لهو غير قادر على رفض الأوامر الأمريكية ولا مواجهة إيران بموقف يهدد مصالحها الحيوية في العراق من خلال التزامه بالعقوبات المفروضة على إيران، بل و لا حتى بإمكانه إنتهاج مبدأ النأي بالنفس وعدم التورط في هذا الصراع الذي لا ناقة له فيه ولا جمل. تضغط إيران على قوى سياسية وبرلمانية في العراق باتجاه إصدار قانون يطالب رسمياً بإخراج القوات الأمريكية والأجنبية عموماً من العراق. ولكن هناك أجندات غير عراقية تقف وراء مثل هذا المخطط، فمصلحة العراق تتمثل بإنهاء كل أشكال النفوذ والتدخل المباشر في شؤونه، سواء أكانت إيرانية أو أمريكية أو سعودية أو تركية، لكنه اضعف من أن يقوم بذلك في الوقت الحاضر. فأي تصعيد في المواقف بين الأطراف المتصارعة على أرض العراق من شأنه أن يحدث استقطاباً بين القوى المؤيدة لإيران، وهي كثيرة، والقوى المؤيدة لبقاء القوات الأمريكية في العراق، وهي ليست قليلة، واقصد بهؤلاء جزء من السنة والأكراد وبعض القوى الشيعية الموالية لأمريكا على نحو خفي ومستتر، وقد يتطور هذا الاستقطاب إلى مواجهات مسلحة دموية على الساحة العراقية يدفع ثمنه والخسائر المترتبة عليه الشعب العراقي برمته، وأول الغيث هو حدوث انشقاق داخل ما يعرف بالحشد الشعبي عندما تجرأ أحد مكوناته في انتقاد إيران علنا وبالإسم الصريح واتهام بعض العناصر المسلحة الموالية لها باغتيال الروائي العراقي علاء مشذوب . وهو تنظيم كتائب أبي فضل العباس الذي يقوده أوس الخفاجي الذي تم اعتقاله وإهانته وتهديده وغلق مكاتبه على يد فصائل أخرى من الحشد الشعبي تابعة لأبو مهدي المهندس وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، دون أن يعلنوا عن هوياتهم الصريحة بالطبع.

الخاسر الأكبر في الخلل الحاصل في هذه المعادلة هو الحكومة العراقية الجديدة والرئاسات الثلاث وخاصة رئاسة مجلس الوزراء إذ يبدون في نظر العراقيين والمراقبين بأنهم بلا حول ولا قوة مهما حاولوا ترقيه صورتهم وإطلاق تصريحات كلامية لا أساس لها من الصحة على أرض الواقع. فإنكار وجود قواعد أمريكية على أرض العراق يفقدهم مصداقيتهم لدى الرأي العام العراقي فالكل يعلم أن هناك قاعدة أمريكية كبيرة محصنة في عين الأسد ويتواجد فيها مايربو على العشرة آلاف مقاتل بكامل أسلحتهم ومعداتهم الحربية الثقيلة، وهي القاعدة التي زارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجأة وبدون سابق إنذار وبدون إعلام الحكومة العراقية وبلا حتى طلب إذنها أو موافقتها، ما يؤشر إلى غياب السيادة العراقية واحتقار الولايات الأمريكية لهذه السيادة الناقصة إن لم تكن الغائبة كلياً بنظر الأمريكيين، إلى جانب وجود عدة قواعد منتشرة في ريوع كردستان العراق وبعلم وموافقة إدارة الإقليم والحكومة العراقية المركزية. فالسيد رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، الذي جاء لقيادة عملية إصلاح شاملة، قد لايرغب في السر بمغادرة القوات الأمريكية كلياً لأنها تشكل، على نحو ما، نقطة ارتكاز لقوة عسكرية مسلحة مساندة له قد يستفيد منها في المستقبل في حالة نشوب مواجهة بينه وبين قوات الحشد الشعبي الموالية لإيران إذا ما استفحلت هذه الأخيرة وتغولت وصارت تتحكم بحياة العراقيين في كل صغيرة وكبيرة وهو أمر غير مستبعد. إلى جانب ما يواجه السيد عبد المهدي من تحديات مجتمعية عاجلة خاصة الخدمات والماء الصالح للشرب والكهرباء والصحة والحصة التموينية والبطالة، لا سيما تلك المنتشرة بين الخريجين من الجامعات والذين لايجدون تعيينات أو فرص عمل، والأهم من كل ذلك فتح ملف الفساد الذي ينخر أحشاء العراق كالخلايا السرطانية وإيجاد السبل لمكافحة هذا الوباء المستشري في الجسد العراقي لكن واقع الأمر لا يسمح للسيد رئيس مجلس الوزراء أن يقوم بهذه المهمة رغم تأسيسه للمجلس الأعلى لمكافحة الفساد وعزمه الجدي على تحقيق هذا الهدف لكنه يعرف جيداً من هي رؤوس الفساد الكبيرة وماهي قوتها وحجمها وتأثيرها، ومنها ما هو موجود في حكومته ويتواجدون حوله وبالقرب منه، وكذلك داخل مجلس النواب والكتل السياسية المتحكمة بالعملية السياسية العراقية برمتها، وهم من يسميهم العراقيون بالحيتان الكبيرة وجيش من التابعين لهم والمستفيدين منهم في كافة مفاصل الدولة. يكمن خوف العراقيين من تذبذب المواقف الأمريكية وتغيرها باستمرار والغدر بهم في حالة اعتمادهم على ماتعلنه الولايات المتحدة الأمريكية من عزمها على إنهاء الوجود والنفوذ الإيراني تماماً في العراق، ولديها سابقة خطيرة في تسعينات القرن الماضي حيث غدرت بهم إبان الانتفاضة الشعبانية،، وهل الولايات المتحدة الأمريكية قادرة فعلاً على استئصال الوجود الإيراني بدون إرسال قوات عسكرية جرارة قد تكون أكبر من تلك التي أرسلتها لغزو العراق سنة 2003 وهو الأمر الذي لايريده الرئيس الأمريكي ترامب ولا الشعب الأمريكي ولا يؤيده الرأي العام الأمريكية لتكلفته العالية والخسائر البشرية المترتبة عليه؟. خاصة وإن هناك إشاعات عن وجود اتصالات سرية ومفاوضات غير معلنة لكنها مباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين حول مسألة تقاسم النفوذ في العراق ودور إيران في المنطقة إذا ما ضمن الأمريكيون عدم تهديد إيران لإسرائيل، لأن هذه الأخير اعتبرت إيران الخطر الأكبر على حياتها ووجودها، وهو العامل الأهم في المعادلة الشرق أوسطية بنظر الأمريكيين، لذلك تحاول الولايات المتحدة تأسيس ناتو عربي إسلامي موالي لها لمواجهة تمدد وتوسع النفوذ الإيراني في المنطقة، لا سيما في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وفي كافة المناطق التي تتواجد فيها أقليات شيعية. ولكن لو تعهدت إيران سراً أو عن طريق خطابها الإعلامي، بعدم إشهار عدائها لإسرائيل والكف عن التحرش بها في سوريا ولبنان، وبالمقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم السعي لإسقاط النظام الإسلامي الشيعي في إيران وعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، ورفع العقوبات عن إيران فربما يمكن التوصل إلى تفاهمات واتفاقات بين الجانبين على حساب الحلفاء الإقليميين بالطبع، وهذا غير مستبعد.

هناك في الوقت الحاضر في الظاهر معسكرين: الأول ويسمونه معسكر الاعتدال الذي تقوده السعودية وبعض دول الخليج وتدعمه الولايات المتحدة الأمريكية، ومعسكر الرفض والمقاومة ونواته الشيعة وتقوده إيران ويضم القوى الشيعية العراقية المسلحة وحزب الله اللبناني وسوريا الأسد والحوثيين في اليمن وبعض القوى الشيعية الحركية في البحرين والكويت والقطيف .

الرئيس الأمريكي ترامب يعلم علم اليقين أنه ليس باستطاعته مهاجمة إيران من داخل الأراضي العراقية لوجود قوى عراقية شيعية مسلحة يمكنها أن تضربه من الخلف دفاعاً عن إيران، بل ولا حتى تشديد الحصار على إيران وخنقها من الجانب العراقي المرتبط بإيران تجارياً واقتصادياً وسياسياً ومذهبياً وحدودياً وعسكرياً، ما يجعل مثل هذا السيناريو مستحيلاً وكل مايقوم به ترامب يدخل في باب التهديد اللفظي والابتزاز الاقتصادي لدول المنطقة وبضمنها العراق. فالانتخابات العراقية الأخيرة لم تأتي بقوة كبيرة ومؤثرة وحاسمة مؤيدة لأمريكا ولا لإيران،فالكفة متعادلة لدى الطرفين في تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة المزدوجة الولاء للخصمين اللدودين أمريكا وإيران. لقد تعمدت الولايات المتحدة الأمريكية حل الجيش العراقي النظامي السابق وأضعفت الجيش العراقي الجديد البديل ولم تدربه أو تجهزه كما ينبغي ما فتح المجال أما عناصر وميليشيات مسلحة كثيرة أن تمارس قوتها وسلطتها الخارجة عن القانون والشرعية قبل تأسيس الحشد الشعبي بفتوى المرجعية لمحاربة داعش الإرهابية، فانضمت كافة الفصائل المسلحة الميليشياوية لتشكيلة الحشد الشعبي واختلطت الأمور حيث باتت كلها تتمتع بالشرعية والقدسية وإستحالة المساس بها من جانب الحكومة إلى جانب وجود القوى المسلحة الكردية " البشمركة" التي تأتمر بأوامر الحكومة الكردية في الإقليم رغم كونها جزء لا يتجزأ من الجيش العراقي وتأخذ مرتباتها من وزارة الدفاع العراقية. فهل تجهل الولايات المتحدة الأمريكية هذا الواقع العراقي المعقد؟ كلا بالطبع لذلك لم تفاجأ أمريكا بانهيار الجيش العراقي النظامي في المناطق الشمالية والغربية عندما هجمت عصابات مسلحة منفلتة إرهابية وهي التابعة لتنظيم داعش الإرهابي، واحتلت ثلثي العراق، وقبل ذلك سيطرة ونفوذ التشكيلات الإرهابية المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي والدولة الإسلامية في العراق بقيادة الإرهابي الأردني أبو مصعب الزرقاوي على أغلب مناطق العراقي الغربية بل وحتى في العاصمة بغداد نفسها. فلقد انهزم الجيش العراقي في الموصل والأنبار وغيرها من المناطق أمام حفنة من عصابات داعش المسلحة بأسلحة خفيفة وخلال ساعات قليلة ولم تفتح الحكومات العراقية المتعاقبة لحد الآن، من نوري المالكي ومرورا بحيدر العبادي وانتهاءاً بعادل عبد المهدي، ملفات تحقيق بهذا الخصوص لمعرفة أين يكمن الخلل ومن المسئول عن ذلك الانهيار وهل بالإمكان محاسبته قضائيا وقانونياً. واليوم يجد الجيش العراقي نفسه أضعف من أن يقوم لوحده بمهمة الدفاع عن الوطن لأنه ليس بالقوة اللازمة لمواجهة التهديدات الإرهابية ولا التنظيمات المسلحة غير الرسمية التي تسيطر على أغلب مناطق العراق، فضلاً عن التهديدات والتدخلات الإقليمية والانتهاكات التي تقوم بها بعض دول الجوار كتركيا. أمريكا تقول أنها موجودة وباقية في العراق، وإيران تعلن أنها موجودة وباقية إلى ألأبد في العراق وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة فيه بما في ذلك اختيار الوزراء والمسؤولين . وأخيراً لا يجب أن ننسى دور وموقف المرجعية الشيعية العليا في العراق ونفوذها السياسي والمعنوي في كل مفاصل العملية السياسية والمجتمعية في العراق الجديد منذ سقوط نظام صدام حسين وإلى يوم الناس هذا.

 

د. جواد بشارة

 

صائب خليلمقدمة: في المقالة الأولى حول اتفاقية حرية التجارة مع الاردن(1) ناقشنا منطق نظرية رئيس الحكومة عادل عبد المهدي والتي تقول بأن فتح الأسواق يساعد على تنمية البلدان المتأخرة مثل العراق، وبينا خللها.

وفي هذه المقالة، سنناقش قول عبد المهدي: "اما الدول التي تريد فعلا فقط بغلق أبوابها وتعتقد ان صناعتها وزراعتها ستتطور لن تتطور.. وهذه تجارب العالم كله"، كما صرح في مؤتمره الصحفي الأسبوعي الأخير(2)

قبل ان نبدأ مناقشة هذا القول، لنلاحظ أولاً أن الاتفاقية بين عبد المهدي والأردن، تمثل "حرية تجارة" مفتوحة من الناحية العملية على كل العالم وليس الأردن فقط، كما بين اتحاد الصناعيين العراقيين، حيث ستغزو الصناعة الصينية والإسرائيلية وغيرها العراق من خلال "ثقب" الأردن، عن طريق تبديل العلامة التجارية فقط.

فهل هذا هو الطريق للتنمية الصناعية الذي انتهجته "كل دول العالم " كما قال عبد المهدي؟

لحسن الحظ، أن تاريخ التطور الاقتصادي للعالم ليس سراً، ولدينا عدد كبير من الكتب التي تروي الطرق التي اتبعتها الدول المتقدمة لبناء اقتصادها، وأحد اشهرها يسمى: "ركل السلم"(3)

الكتاب يناقش الخيار بين الحماية والانفتاح في تاريخ النمو الاقتصادي، وبشكل خاص في المراحل الأولى للصناعات الوليدة مثل الصناعات العراقية. ولنلاحظ هنا أن أمثلة الكتاب اخذت من تاريخ النمو الاقتصادي الرأسمالي، ولا علاقة لها بالسعي للابتعاد عن الاشتراكية والبعث وغيرها من الحجج المستخدمة للدفاع عن الاتفاقية، ويؤكد ذلك موقف اتحاد الصناعيين العراقيين من الاتفاقية.

1- تاريخ الرأسمالية: لا صناعة وليدة بدون تعرفة حماية

نقتطف من الكتاب أعلاه أن "فريدريك ليست" اشهر الاقتصاديين الالمان في القرن التاسع عشر، والأب الروحي المدافع عن الصناعة الوليدة، كتب في "النظام الوطني للاقتصاد السياسي" ان "الدول النامية لا يمكنها ان تطور صناعات جديدة في ظل وجود منافسة قوية من الدول المتقدمة، بدون تدخل الدولة، وخاصة بقيامها بتوفير التعرفة الحمائية"!

وهذا الاستنتاج يشبه استنتاجنا في المقالة السابقة، وهو بالضد من نظرية عبد المهدي التي ساقها في معرض دفاعه عن اتفاقيته مع الأردن، حيث يقول بأن الطريق الى تنمية الصناعة والزراعة في الدول النامية مثل العراق، هو بفتح أسواقها وإلغاء الحماية، او تركها "للأخير"! وهو فوق ذلك يدعي ان دول العالم المتقدمة جميعاً، قد فعلت ذلك.

دعونا ننظر إذن الى التاريخ، ولنبدأ بتاريخ اشد دعاة حرية السوق، بريطانيا القرن التاسع عشر ثم اميركا، لنرى كيف قاما بتنمية اقتصادهما. جاء في الكتاب:

"كانت بريطانيا (في القرن الخامس عشر) تفرض الحماية بالتعرفة حتى على تصدير الصوف الخام (أو المنع في عهد الملكة اليزابيث الأولى) حماية لصناعتها، ولم تفتح التصدير إلا بعد التأكد من ان صناعتها مكتفية منه وعاجزة عن استهلاكه." ص 41

"استمرت بريطانيا بفرض حماية تعرفة مرتفعة للغاية على صناعتها حتى 1820 ، أي بعد جيلين من بدء ثورتها الصناعية رغم أنها كانت متقدمة بخطوات كبيرة على الدول المنافسة."

"في عام 1700 فرض حظر على المنتجات القطنية الهندية، فأضعفتها كثيرا، وجرى تدمير صناعة القطن في الهند بالكامل في فترة لاحقة عندما أصبحت بريطانيا منتجا اكثر كفاءة للقطن من الهند".

"كانت الولايات المتحدة اكثر الدول حماساً لاستخدام الحماية حتى ان المؤرخ الاقتصادي بول بايروخ اطلق عليها لقب حصن الحمائية الحديثة" ص 48

"كانت السياسة الاقتصادية الفرنسية  ... ذات تدخل شديد من الدولة، ولطالما اشتكت بريطانيا من ذلك."

"أن كل الدول المتقدمة تقريبا، قد تبنت شكلا من أشكال استراتيجية تنشيط الصناعات الوليدة عندما كانت في طور اللحاق بغيرها، وكانت التعرفة الحمائية عنصرا أساسيا من هذه الاستراتيجية، وأن المملكة المتحدة والولايات المتحدة اللتان تعتبران معقل التجارة الحرة، كانتا من استخدم الحماية بالتعرفات الجمركية بقوة أكثر من غيرهما." ص 90

يستثني الكتاب دولتين فقط في العالم (سويسرا وهولندا) والى درجة قليلة بلجيكا (التي كانت لها تعرفات محدودة نسبيا، واستفادت من كونها جزء من الإمبراطورية الاسبانية لفترة امتدت من منتصف القرن السادس عشر- أي بدايات الرأسمالية، ولمدة 160 عاماً)، حيث تطور اقتصاد هذه الدول دون تعرفات حمائية مهمة.

كيف تمكنت هاتان الدولتان من تطوير اقتصادهما دون حمائية مؤثرة؟ كانت لدى كل منها أسبابا خاصة جداً تضمن استفادتها من الانفتاح اكثر بكثير من الحمائية. سويسرا استفادت من الحروب النابوليونية في فترة تنمية حرجة، واستخدمت هولندا بدلاً من الحماية الجمركية، سياسة صارمة لحماية تفوقها الملاحي العالمي في القرنين السادس عشر والسابع عشر (مرت في تلك المرحلة فترة كان ثلثي السفن التجارية الكبيرة في العالم هولندية!) وهو ما يضمن تفوقها التجاري، الذي يستفيد من الانفتاح بشكل أكبر من التعرفة!

والحقيقة ان وجود هاتان الدولتان، لا تنفيان ضرورة الحمائية للنمو، بل هما اشبه بالاستثناء الذي يؤكد القاعدة!

2- هل ينطبق مبدأ حماية الصناعات الوليدة على الاقتصاد القديم فقط؟

كلا. فـ "لأكثر من قرن من الزمان في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، كان متوسط تعرفات الحماية الكمركية الامريكية على الواردات الصناعية من أعلى المتوسطات في العالم، رغم انها تمتعت بحماية طبيعة تتمثل بارتفاع تكاليف النقل اليها. ويمكن القول ان الصناعات الامريكية كانت اكثر الصناعات تمتعا بالحماية في العالم" ص93

"لم تبدأ الولايات المتحدة بتزعم الحملة العالمية من اجل تحرير التجارة إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية." (في تلك الفترة كانت الولايات المتحدة تمتلك اكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي ونصف رؤوس الأموال الاستثمارية، حيث كانت الدول الأوروبية تلعق جراحها من التدمير الشامل لتلك الحرب – صائب خليل) 56

"دول شرق اسيا اتبعت دعماً اكثر واقعية وأفضل تصميما ليخدم سياسة التصدير، (فإضافة الى فرض التعرفات) فقد خفضت التعرفات الخاصة بمكائن الصناعة الإنتاجية والمواد الأولية المستخدمة لتصدير المصنوعات". ص 77

عدا هذا فأن جميع الدول في العالم ماتزال تضع تعرفات مختلفة وتستغل اية فرصة لزيادة تعرفاتها عندما تشعر انها في غير صالحها، حتى لو كان ذلك مخالفاً لاتفاقياتها التجارية ولبنود قوانين منظمة التجارة العالمية، كما فعلت أميركا مؤخراً مع منتجات صينية.(4)

3- بعد الصعود.. تتغير القواعد والأدوار

“غيرت الدول المتقدمة مواقفها السياسية تبعا لموقعها في سلم التطور... فعندما كانت تلك الدول في طور النمو، قامت بحماية صناعاتها الوليدة .... ولكن وبمجرد التحاقها بالدول المتطورة، بدأت بالدعوة الى التجارة الحرة...”! ص 104

"ففي القرن التاسع عشر، كانت المانيا والولايات المتحدة تنظران بانزعاج إلى دعوة بريطانيا إلى فضائل التجارة الحرة، واعتبرتاها "تظاهر كاذب بالفضيلة"، لانهما يعرفان ان بريطانيا استخدمت في القرن السابق، إجراءات حماية لصناعاتها الوليدة، اكثر قوة من أية دولة أخرى! ويسود اليوم الشعور نفسه، عندما ينادي مفاوضو التجارة الأمريكيون بفضائل التجارة الحرة للدول النامية"

ملخص الموضوع إذن، أولاً، أن الحماية للبضائع بالتعرفات، ليس كما وصفها عبد المهدي، إجراءات خانقة للصناعة بل ضرورية لولادتها وحياتها، خاصة في البلدان النامية، على الأقل بشكل معقول لكي لا تحمي مساوئ الصناعة أيضا.

والنقطة الأخرى هي ان الحماية بالتعرفات اعتبرت دائما في صالح البلد الذي يفرضها، لذلك نرى حربا تجارية شديدة، تصر فيها البلدان على فرض التعرفة على استيراداتها، وتحتج البلدان الأخرى عليها.

4- الضغوط على الدول النامية والمهزومة والمستعمرة

يكتب تشانغ: "تتعرض الدول النامية لضغوط كبيرة من العالم المتقدم لإجبارها على تبني مجموعة مما يسمى "السياسات الرشيدة" لدفع التنمية الاقتصادية، وهي التي تحظى بموافقة واشنطن، واهم شروطها تحرير حركة الاستثمار والتجارة الدولية والخصخصة وإزالة القيود أمام الاقتصاد الحر."

وهنا تساؤل مهم: إن كان "الاقتصاد الحر" مفيدا للبلدان النامية فلماذا لا تتبناه بنفسها بدون ضغوط؟ وهل ان "العالم المتقدم" حريص على تطوير شركات وصناعات في الدول النامية لكي تنافس شركاته؟

هذا بالتأكيد مضاد لمبدأ الرأسمالية تماما، حيث ينتظر أن تعمل كل شركة أو دولة على منع الدول الأخرى من اللحاق بها، ويفترض أنها تفرض عليها قواعد تؤخر نموها، لا ان تجبرها على ما يطور صناعتها لتنافسها!

التاريخ يثبت هذا المنطق، ويؤكد ان الدول قد فرضت الغاء الحمايات على أعدائها وخصومها عندما سيطرت عليهم، وليس عندما كانت تريد تنشيط اقتصادهم:

"عندما فتحت اليابان على يدي الكومودور بيري قائد الاسطول الأمريكي (القرن التاسع عشر)، أجبرت على توقيع اتفاقات تحدد التعرفة الكمركية بما لا يزيد عن 5%" ص 93

"ومن الطريف أن اليابان فرضت الأمر نفسه على كوريا بالقوة بعد ذلك حينما فتحتها عام 1876، فأجبرت كوريا على التوقيع على اتفاقية جردت كوريا من حريتها في فرض التعرفة!"  ص89

"وحين تمكنت اليابان من استعادة حريتها في وضع التعرفات في عام 1911 وضعت استراتيجية صناعية كانت الحمايات تمثل فيها عنصراً اساسياً، وصار أداء اليابان أفضل بكثير."  ص97

ويمكننا ان نجد في كتاب "نعومي كلاين" والمسمى "عقيدة الصدمة" أمثلة كثيرة على تلك الضغوط التي تمارسها اميركا اليوم، والانقلابات العسكرية التي تنظمها من اجل اجبار الدول النامية على اتباع سياسة الاقتصاد الحر، بل تكاد تكون كل الانقلابات التي قادتها السي آي أي في مختلف بلدان العالم لإبدال حكوماتها عنوة، تستهدف هذا الضغط.

ولا يقتصر استعمال هذا السلاح الاقتصادي على الأعداء والخصوم، بل ان بريطانيا سعت إلى منع حتى مستعمراتها من التصنيع:

استحدثت في بريطانيا مجموعة متماسكة من السياسات الهادفة إلى منع تقدم التصنيع في المستعمرات، خاصة اميركا (التي كانت مستعمرة لإنكلترا). وكتب احد مسؤولي المستعمرات الإنكليز انه "يجب عدم السماح للمستعمرات بتصنيع حتى مسمار حدوة حصان!"

"وعن طريق ضوابط التجارة والصناعة، منعت المستعمرات من تصنيع المواد الخام التي درجت بريطانيا على استيرادها وتصنيعها، ولذلك لتثبيط أية صناعة يمكن أن تسبب منافسة بأي شكل من الأشكال مع الدولة الأم (بريطانيا)، ولكي تبقى أسواق المستعمرات للصانع والتاجر الإنكليزي" ص 85

5- "كيف أصبحت الدول الغنية بالفعل غنية؟"

يسأل المؤلف "هو جون تشانغ" في النهاية سؤالاً: "كيف أصبحت الدول الغنية بالفعل غنية؟" ويجيب عنه: "أن الدول الغنية لم تصل الى ما وصلت اليه فعلا، من خلال انتهاج السياسات التي توصي هي بها الدول النامية حاليا"!

ويبين تشانغ أن العكس هو الصحيح! "فالغالبية من الدول الغنية استخدمت سياسات تجارية وصناعية تعتبر "سيئة" من وجهة نظر ما توصي به بنفسها. فاستخدمت حماية الصناعات الوليدة".

وهنا نتذكر مقارنة للبروفسور نعوم جومسكي بين بلدين ينتجان القطن ويصدرانه لبريطانيا في القرن التاسع عشر، هما أميركا ومصر. وكيف أن أميركا رفضت بشدة توصيات آدم سميث بعدم تصنيع القطن، والاكتفاء بتصديره كمادة أولية، فازدهرت صناعتها، بينما مصر التي كانت تخضع للضغط البريطاني استمعت الى تلك النصيحة، ولم تتبع حماية صناعتها، فبقيت متخلفة.

6- لماذا "ركل السلم"؟

ربما تساءلت عزيزي القارئ عن الاسم الغريب للكتاب. لماذا اختار المؤلف: "ركل السلم"؟

هذا التعبير العبقري استعمله الاقتصادي الألماني "ليست" في معرض دفاعه عن صناعة بلاده النامية حينها، بوجه توصيات الدول الغنية ، فكتب: "إنها حيلة ذكية ومعروفة يلجأ اليها كل من وصل الى قمة العظمة، حين يركل السلم الذي صعد على درجاته ليصل إلى اعلى، ثم ليحرم الآخرين من استخدام نفس السلم للحاق به." ويكمل: "مثل كل المصنوعات البريطانية، فأن فكرة التجارة الحرة، مصنوعة للتصدير فقط وليس للاستهلاك المحلي". ص 58

ويؤكد تشانغ: "تتعرض الدول النامية لضغوط كبيرة من العالم المتقدم لإجبارها على تبني مجموعة مما يسمى "السياسات الرشيدة" لدفع التنمية الاقتصادية، ... واهم شروطها تحرير حركة الاستثمار والتجارة الدولية والخصخصة وإزالة القيود أمام الاقتصاد الحر."

أي أن الدول الغنية تستخدم توصياتها.. كوسيلة لإعاقة الدول النامية عن انتهاج السياسات التي كانت هي نفسها تستخدمها من قبل لتحقيق التنمية الاقتصادية. ويضيف تشانغ: "إن منع الدول النامية حاليا من تبني مثل هذه السياسات، يشكل قيدا خطيرا على قدراتها وطاقاتها على تحفيز التنمية الاقتصادية"!

ويقول: "أن كل دولة نجحت في الارتقاء من خلال الحماية التجارية .. لا يسعها إلا ان تركل السلم، ثم تعود لوعظ الدول الأخرى بمزايا التجارة الحرة."

7- خاتمة: ما الدور المناط بعبد المهدي؟

يبدو لي أننا عرضنا أمثلة كافية تبين أن انتهاج الهدف من اتفاقية التجارة الحرة، هو منع النمو الصناعي (الرأسمالي) في العراق، وأن عبد المهدي يستخدم من قبل جهة ما، لـ "ركل السلم" الوحيد الذي يعرفه العالم، لتنمية الصناعة الوليدة!

وهنا نتذكر أيضا مشروع عبد المهدي ورفاقه الأربعة، المسمى ظلماً “شركة النفط الوطنية”، الذي طعنت به المحكمة الاتحادية بعد ان وصفه خبيرها بأنه يهدد بضياع النفط وجر البلاد الى حرب أهلية!

ونتذكر أيضا الغموض والاستعجال الذي أحاط بترشيح عبد المهدي وبطرق لا دستورية، ثم محاولة جميع الأطراف التنصل من المسؤولية عن ذلك الترشيح.

وفي الختام يصبح السؤال مشروعا: ما هو الدور المناط بعادل عبد المهدي؟ ومن يقف وراءه؟

 

صائب خليل

..........................

(1) صائب خليل: نظرية “التنمية بفتح الأسواق” – هل تمنح عبد المهدي جائزة نوبل؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2209909279066129

(2) المؤتمر الصحفي الاسبوعي لرئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي. - YouTube

https://www.youtube.com/watch?reload=9&v=p7vvGXWWGu8&feature=youtu.be

(3) "هو جون تشانغ" : ركل السلم

https://archive.org/details/raklsollam1

(4) إدارة ترامب تفرض رسوما جمركية على واردات صينية بقيمة 50 مليار دولار سنويا

 https://www.france24.com/ar/20180404-الولايات-المتحدة-تقترح-رسوماً-جمركية-على-50-ملياراً-من-الواردات-الصينية

 

 

ضياء الحكيمالبابا فرنسيس في مهمة السلام والمحبة كسب النسبة الأكبر من عالمنا العربي بزيارته الفريدة الى دولة الإمارات المتحدة . وكي نكسب مكانتنا في عالم اليوم علينا تتمة مسؤولية حمل رسالة واضحة لمن أعطب وشوّه مجتمعاتنا العربية بكسوة التطرف الممتدة على طول العالم. وهنا النقطة الأساسية لمعنى التتمة (1) في كسب التعايش السلمي دون حروب وتبادل تصدير أسلحة الموت (2) منع لباس التعصب وكسوة التطرف من ألإنتشار ودحض أوهام من يقومون  بإنعاشه كلما إحتضرمروجيها وإقترب دفنها .

أختي الأصغر كانت تسكن في دُبي. سألتني كيف أفهم زيارة البابا للأمارات وكيف تقارنها تاريخياً بحكاية لا ترتقي الى مستوى الصدق التي تروي قصة رب عمل سأل أحد عماله "هل تؤمن بأن هناك حياة بعد الموت ؟ أجابه العامل بالتأكيد لا . فرد عليه رب العمل بأنه سيثبت له العكس . ففي اليوم الذي طلبتَ فيه رخصة يوم السبت الماضي لحضور تأبين ودفن وفاة خالك، جاء بنفسه الى المعمل يسأل عنك ".  وسواء أكانت هناك حياة بعد الموت أو لا  فلنقل اللهم أدخلهم الى أرض الحقيقة وعلِمنا وعلمهم نقد الذات وإبعدهم عن نار التعصب والجمود. وأقول كمؤمن ، ان البابا فرنسيس رجل السلام الأول كسب بزيارته الرسمية عقول الناس في مهمة السلام ورابطة المحبة وحقيقة ترحّيب أهل الأمارات والعرب جميعاً بها. لقد كسرَ البابا  جدار التعصب الذي أحاطته بنا غيبيات الكذب المزعوم وتأويلات اللاهوت وتعاليم من يؤمن بأحقية اليهود في الأرض المقدسة في مناورات لم تعد تسير أو تتوافق مع اللباس التاريخي للتعايش السلمي .

إكساءُ الرعية بكسوة التطرف الرباني يحتاج الى مراجعة إنسانية مهذبة وذكية . الكسوة أو اللباس الذي تغطى وتلحّف به من تقمّص مسؤولية التربية العنصرية للمذهب وأخذ به الحال للتطرف ،ضاعف في إنتشار سموم فكرية تطورت الى حروب زمنية نحن في منأى عنها. 

والتتمة الاخرى الواجبة الأدخال  هي مسؤولية الأسرة تجاه أبنائها، ومسؤولية المدرسة والجامعة قبل ترخيص الحكومة أحزاب الدولة التي أعطبت العلم والتعليم . العقل التوجيهي في البيت ومدارس الأجيال أهم من  حماقات حكومات متطرفة لم تعد تعي رسالة الأنسان للاخر .

 العالم تغيّر ، وبقينا شعوب تأمل في منح ثقتها لنخبة مؤمنة منقذة تأخذ مكانها في الوسط بين الراعي والرعية، ولا تبشّر (بالشدة) حكومات تتبع أيحاءات الصهيونية  ليكونوا دعاة السلام على الأرض . العالم تغير. ولن يكون مكاناً لمن يُخرّج أنصاره بثياب الجهاد  ويدعو عن همجية إقتناء السلاح للقتال الزمني دون فهم وإستيعاب  مردوداته السلبية . رجاحة العقل في المجتمعات  تنتصر في التمسك بإرادة الشعب وحاجاته ولا تترك كسوة التطرف وإيحاءاته الملونة.

إنهاء صراع الأديان وتطرفها يتطلب وقفة رقيّ حضارية نتقبل فيها الأخر ونكسب دول تؤمن بالتعايش السلمي وصرف أنظارها عن بيع الأسلحة. وعلى ضوءها نمنع ونصرف عن أذهان دول أخرى– غربية او شرقية – فكرة الحديث الى حكوماتنا ومؤسساتنا عن بيع السلاح والذخيرة.

شجعتني ملاحظة أحد الأخوة المعلقين على مقالي السابق  "حربُ دولةُ الحق على دولة الباطل" ونص قوله (ليس من الإنصاف ان نلوم الاديان ولا رجال الدين ولا حتى رجال السياسة ولكن نلوم تجار الحروب من اصحاب مصانع الحروب التي تنتج ابشع وافتك وأمضى أسلحة الخراب والدمار والقتل الجماعي للبشر بدون تفرقة لكي تتوقف الحروب لابد من حضر صناعة السلاح ومنع تصديره) . وأنا معه في ذلك . أما ملاحظتي الودية فهي نقدي الموجه  لرجال الدين لتركهم  المفاهيم ألانسانية وضرورتها للمجتمع وتتبعهم لرغبات السلطان الحاكم في أغلب الحالات . ففي إسرائيل  يحوط الحاخامات بالدعوة لإحاطة الحائط الفاصل بين رعية الله (العرب واليهود) وخولتهم حكومتهم بالتبشير له والتطرف في منهجيته.

إننا نكتب للمتفاخرين بإصولهم العنصرية وتاريخهم الدموي وهم يلبسون كساءاً دينياً زاهياً ويُفرّقون بين الراعي والرعية (والله وماخلق) . نكتب ضد إنعاش كسوة التطرف ولباس الكهنة  والدعوة لقتل إنسان وقد تم كشف معانيها ولم تعد مطابقة للعقل الأنساني . ومرة أخرى أقول لقد كسب البابا فرنسيس عقول الناس في مهمة السلام والمحبة المُرحب بها في كل أطراف العالم.

 

كاتب ومحلل سياسي

ضياء الحكيم

  

 

 

علي المؤمنلم يكن مستشار الأمن القومي الأمريكي "جون بولتون" يمزح حين أكد بأنه سيحتفل في شباط 2019 في طهران بسقوط نظام الجمهورية الإسلامية. وكان بذلك يبعث رسائل إطمئنان الى إسرائيل والسعودية والأنظمة الإقليمية الطائفية بأن الشرق الأوسط سيخلو خلال العام 2019 من (التهديد الشيعي)، بطبعاته الإيرانية والعراقية واللبنانية والسورية واليمنية. فالمقاصد الأمريكية تعد طهران محور (الصعود الشيعي) وقاعدة (عصر الشيعة)، فإذا انهارت هذه القاعدة انهار عصر الشيعة، وعادوا الى عصر الإنزواء والتهميش والقمع، كما كانوا قبل العام 1979. ولذلك، فإن ستراتيجيا "دونالد ترامب" وحليفيه "نتن ياهو" ومحمد بن سلمان في ضرب (التهديد الشيعي) لا تركّز كثيراً على ضرب المحاور المحلية الشيعية، أو ما يسمونه أجنحة محور المقاومة في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين وغيرها؛ بل على ضرب رأس المحور وتدميره، والمتمثل بإيران، وحين يقطع الرأس، تموت الاجنحة تلقائياً، وحينها سينتهي (عصر الشيعة) كما يقولون. وهو ما عبّر عنه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بقوله: (سننقل المعركة الى داخل إيران).

وقد عبّر وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" في 6 شباط الجاري، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، عن هذا الحراك الأمريكي السعودي الإسرائيلي في المنطقة ضد محور الصعود الشيعي بكل وضوح، بقوله: (نعتقد أن تشكيل تحالف كالناتو في الشرق الأوسط ضد إيران، بات وشيكاً، ولم يتبق سوى الإتفاق على التفاصيل. إن جميع دول المنطقة تدرك أن وجود هذا التحالف هو في إطار مصالحها)).

والحقيقة، أن تاريخ التحالفات في الشرق الأوسط لم يشهد يوماً هذا التعاضد المركّز بين القوى الدولية والإقليمية والمحلية؛ لاستهداف الواقع الجديد الذي تشهده المنطقة منذ العام 2003. و قد يشبّه بعض المراقبين هذا الوضع بالتحالفات التي استهدفت الإيرانيين بعد انتصار ثورتهم في العام 1979. ولكن تحالفات اليوم هي الأكثر خطورة والأكبر عدّة وعدداً على الإطلاق؛ لأن المستهدف لم يعد مجرد نظام سياسي أو مد فكري أو تأير آيديولوجي؛ بل المستهدف هو الإنسان الشيعي و عصره.

يقوم التحالف "الترامبي" العلني على ثلاث ركائز أساسية: حكومة الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الاسرائيلي والمملكة السعودية، وترافقهم ركائز ثانوية. ويستهدف هذا التحالف ثلاث ركائز أساسية متقاربة: إيران، شيعة العراق وشيعة لبنان، فضلاً عن ركائز ثانوية؛ ولا سيما شيعة البحرين وشيعة اليمن.

وليس عبثاً ان تزيد هذه التحالفات من حدّة شراستها يوماً بعد آخر، فالقوى الشيعية - برغم عدم وحدة مساراتها أحياناً - تعمل بدأب على تغيير الثوابت السياسية والطائفية السائدة في المنطقة منذ مئات السنين، ومعها موازين القوى والتجاذبات والاصطفافات. فإيران ـ مثلاً ـ باتت القوة الإقليمية الأولى في المنطقة، وإحدى القوى العالمية السبع الكبرى. ورغم تأكيدات مسؤوليها بأنهم لا يتدخلون في الشأن الداخلي للدول الأخرى، أو في دعم الشيعة وجماعات الممانعة في الدول الأخرى، إلاّ أن مجرد وجود قوة إسلامية شيعية مهابة؛ هو ظهير معنوي كبير للشيعة ولكل قوى الممانعة في المنطقة.

ومن هنا سيظل التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي يعمل بتركيز على ضرب هذه القوة في الصميم في وضعها السياسي الداخلي، وفي تطورها العلمي والتكنولوجي، وفي نفوذها المعنوي الخارجي، وفي كل منابع القدرة التي تمتلكها. وإذا كان الناتو الشرق أوسطي الجديد المضاد لمحور الصعود الشيعي، سيفشل في مساعيه العسكرية والسياسية؛ فإنه ربما سينجح عبر القصف الإعلامي والدعائي المكثف، في تكريس معادلة مختلفة في عقول بعض العرب، تتلخص في أن أسرائيل هي صديقة العرب وحليفتهم، و أنها تمثل ضمانة أمنية لأنظمة المنطقة، في مقابل قوى الصعود الشيعي. أما العدو الحقيقي للأنظمة العربية فهي إيران وقوى الصعود الشيعي في العراق ولبنان تحديداً.

وبالتزامن مع ذلك، سيكرس الحلف الأمريكي - الإسرائيلي ـ السعودي نجاحه النسبي في تفكيك مسارات الشيعة في بلدان الصعود الشيعي، و لاسيما في العراق، للحؤول دون أي تحالف حقيقي بين القوى الشيعية الممانِعة في المنطقة، من خلال استقطاب بعض رموزها عبر زرع القناعات الوهمية أو الإستغفال أو شراء الذمم. فضلاً عن محاولات حرف الرأي العام الشيعي العراقي باتجاه العداء لمحور المقاومة وإيران. وهو ماتنفذه فيالق سياسية وفرق مخابراتية وجيوش الكترونية ضخمة في عددها وعدّتها، مرتبطة بالأجهزة الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية والسعودية (وهو ما سنفصله في الأقسام القادمة من سلسلة المقالات هذه).

 

د. علي المؤمن

 

صائب خليلفي حديثه الأسبوعي الأخير مع الصحافة (انظر الفيديو (1))، أشار رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، الى اتفاقه لإلغاء الرسوم الجمركية مع الأردن، والذي أثار الاحتجاج الشديد في مختلف القطاعات في العراق. ومن كلمته نستنتج ان عبد المهدي ينوي "عمل ذلك مع بقية دول الجوار"، معتبرا أن "هذا طريق مهم لتوفير المزيد من فرص العمل، لتنشيط الاقتصاد الوطني لتنشيط الزراعة لتنشيط الصناعة...".

كيف يكون فتح الأسواق المحلية في بلد متخلف اقتصادياً مثل العراق، "طريق لتوفير فرص العمل"، دع عنك "تنشيط الاقتصاد الوطني والزراعة والصناعة"؟

لننظر الى الأمر ببساطة بمنطق الناس الاعتياديين، قبل ان ندخل في النظريات الاقتصادية التي تؤيد أو تخالف نظرية عبد المهدي.

لنفترض أن هناك شخصاً ينوي الاستثمار في الزراعة أو الصناعة. سواءاً كفلاح يزرع حقلا لنفسه، أو رجل اعمال يفكر بإنشاء منشأة زراعية أو صناعية. ولنقل انه يفكر في انشاء مزرعة للطماطة، وأن هذا الشخص هو أنت.

أول ما ستفكر به هو: هل سأستطيع بيع محصولي بربح؟

ستحسب كلفة الأرض والعمال والبذور والسماد والحراسة والنقل والمبيدات، إضافة إلى قلة الكفاءة التي تصاحب المشاريع الجديدة وانخفاض انتاجيتها إلخ، لتخرج بنتيجة ما: إذا استطعت ان ابيع الكيلو بكذا او أكثر، يكون المشروع رابحاً، وإلا فإني اغض النظر عن الموضوع.

والآن لنقارن بين الحالتين، فنذهب أولاً إلى سوق ما قبل نظرية عبد المهدي حيث الحماية الجمركية، فنجد سوقاً متعطشاً للطماطة، حيث لا تتوفر فيه إلا طماطة مستوردة ومجمركة، بأسعار مرتفعة نسبياً إضافة إلى زراعة محلية لم تسد حاجة السوق.

ثم أذهب الى سوق نظرية عبد المهدي، فأجد السوق مغرقاً بطماطة اردنية (مع اشاعات بأنها إسرائيلية) رخيصة، لأنها جاءت من مزارع ضخمة ذات خبرة طويلة وكفاءة في الإنتاج والتسويق والنقل والعرض والتغليف الخ. 

الآن، وفق نظرية عبد المهدي، يفترض ان الحالة الثانية هي التي تشجعني على البدء بمشروعي وليس الأولى!! المنطق يقول العكس. ففي حالة السوق المحمية تكون الفرصة كبيرة لي كصاحب المشروع أن أجد ان السوق تتحمل بضاعتي الجديدة رغم قلة كفاءتها، ويبقى لي ربح معقول واحتياطي من الخسارة التي قد تسببها الظروف غير المحسوبة. أما في حالة السوق الحرة، فالفشل محتم علي! إن كنت اريد الفلاحة بنفسي، فسأغض النظر عن ذلك وابحث لي عن وظيفة في الدولة، وإن كنت ثريا ابحث عن استثمار لأموالي، فسوف افكر بمكان آخر لها. وإن كانت نظرية عبد المهدي قد طبقت على كل المجالات فلا مفر لي من البحث عن بلد آخر لاستثمار أموالي.

إذن المنطق يقول أن فتح الحدود قاتل للمشاريع الجديدة. ربما يختلف الامر مع المشاريع الموجودة أصلا؟ لننظر:

لنقل انك صاحب مزرعة طماطة إذن، وتبيع محصولك بسعر جيد، وتفكر بتطوير مزرعتك ومضاعفة انتاجها والاستفادة من عاملين آخرين معك. وتشعر ان الأرباح تكفي للتفكير باستيراد بذور افضل وتجربتها وربما باستخدام كرتونات مطبوعة خاصة بك ليعرف الناس بضاعتك الجيدة. وقد تفكر بالمخاطرة بزراعة محصول آخر إضافي مادامت الطماطة قد تغطي خسائره في الفترة الأولى.

ثم جاء عبد المهدي بنظريته، وهبط سعر الكيلو إلى ثلثي سعره القديم بغزو من طماطة اجنبية من شركات كبيرة مستقرة وطويلة الخبرة ومدعومة من دولها. وفق نظرية عبد المهدي الجديدة، فأن هذا يفترض ان يشجعك على تنشيط زراعتك! أما انت فلا شك انك ستعتبر ان من يقول لك ذلك مجنون، وستذهب للتفكير ليس فقط بإلغاء مشاريعك التوسعية، بل ستفكر ببيع المزرعة، إن وجدت من يشتريها، والبحث عن عمل في مجال آخر.. إن بقي مجال داخل البلد!

 

إذن نظرية عبد المهدي تقتل المشاريع الموجودة أصلا أيضا، او على الأقل تحبط التفكير في توسيعها، إن لم يكن تصفيتها. ويؤكد المتحدثون عن اتحاد الصناعيين العراقيين أن ما سيدخل العراق من هذه الثغرة لن يكون الصناعة الأردنية فقط، بل ستدخل كل البضاعة الصينية بعد توضع عليها عبارات "صنع في الأردن"، وهنا يكمن مقتل الصناعة العراقية الحقيقي.

ماذا لو كنت صاحب مزرعة ضخمة جداً ومتطورة بحيث تنتج بكفاءة كبيرة قادرة على المنافسة مع الشركات الدولية، وقادرة على منافسة البضاعة الإسرائيلية والصينية التي تطمغ كصناعة في الأردن؟ عندها فقط ستكون سعيداً بنظرية عبد المهدي لأنها ستفتح لك أسواق الأردن لبيع بضاعتك!

ما هو عدد الشركات العراقية الدولية الحجم والكفاءة في العراق؟ صفر!

إذن، المنطق يقول أن نظرية عبد المهدي تبدو وكأنها صممت للقضاء على الزراعة والصناعة في العراق، سواء منها المستقبلية أو الحالية! لكن ربما يكون الخطأ منا نحن وإننا لا نستطيع بمنطقنا البسيط ان ندرك "خفايا" ما تفكر به تلك "العقلية الاقتصادية". دعونا نسمع المزيد منه:

"الزراعة والصناعة لا تنشط فقط بالحماية. الحماية يجب ان تأتي في النهاية."

لنلاحظ ان هذه الجملة تعترف ضمنا أن "الحماية تنشط الزراعة والصناعة"، لكنها ليست الوحيدة! أما الجملة الثانية فهي من غرائب الاقتصاد كما سنرى. فجميع البلدان المتطورة ابتدأت بحماية صناعتها الوليدة، فهي التي تحتاج إلى الولادة كما الطفل الوليد، كما ورد في منشور مؤيد لما نذهب اليه. فهل يتم حماية الإنسان في البداية عندما يكون وليداً ام فيما بعد؟ الصناعة والزراعة هي الأخرى تولد ضعيفة بحاجة الى الحماية تماما كالطفل الوليد. وليس المنطق فقط هو من يقول ذلك بل كل تاريخ الثورة الصناعية والزراعية للعالم، كما سنرى في القسم الثاني من المقالة. لنكمل نظرية عبد المهدي:

"الزراعة والصناعة تنشط بتوفير وسائل الدعم المهمة، ابتداءا من كل ما يتطلبه هذه القطاعات من شروط للنجاح ومن توفير سوق محلية ودولية حينذاك ممكن للحماية ان تأخذ مجراها."

إذن "السوق المحلية" هي اول الشروط للنجاح، (ومن غير المعقول الحديث عن "سوق دولية" لبضاعة وليدة ضعيفة) لكن كيف توفر السوق المحلية بدون الحماية؟ كيف توفر السوق المحلية وانت تغرقها بالمنتج الأقوى الأجنبي؟ وهل من هدف للحماية سوى توفير السوق للمنتجات الوطنية؟ أن توفر سوقا محلية ودولية ثم أن تأخذ الحماية مجراها؟ ما الداعي للحماية إن كانت البضاعة قد حصلت على سوقها المحلية والدولية؟

خطاب عبد المهدي، لا يوضح شيئا عن نظريته الغريبة، بل تزداد الأسئلة مع كل جملة. وبعد ان يلمح إلى تجربة البعث بالحماية (متبعاً الأسلوب المعروف لتشويه اية فكرة بلصقها بالبعث، رغم ان عبد المهدي كان جزءاً من مجرميه وفي أسوأ أيامه)، يقول :

"الحماية ضرورية لكن بتوفير شروط. كيف ندعم الزراعة ابتداءاً من الملكية من الحيازة إلى الإرشاد الزراعي إلى توفير الآلات والمعدات والوقود الى توفير البذور والمكافحة الى توفير الأسمدة إلى ضمان شراء الحاصلات بأسعار محددة توفرها الدولة الى التسهيلات المصرفية عندما ننجز مثل هذه الاعمال ممكن حينذاك ان نوفر سياسة ناجحة للحماية وهذا ما تقوم به الدول."

رأينا قبل قليل، ان "السوق" هو الشرط الأول لوجود منتج أصلاً، ولذلك يلجأ الناس الى الحماية.. حماية السوق من اغراقه بالبضاعة الأجنبية، لتوفيره للبضاعة المحلية لكي تخلق اصلاً. عبد المهدي يعترف بذلك بنفسه، لكنه لا يريد الحماية ولا يجد مشكلة في إغراق السوق المحلية قبل ولادة البضاعة الوطنية، بل يرى أن هذا في صالح الصناعة الوطنية! نظرية عبد المهدي ان الحماية "يجب أن تأتي في النهاية"، لكن السؤال كيف ستأتي البداية؟ على البداية ان تنتظر لحين اكمال "الإرشاد الزراعي وتوفير الآلات والمعدات والوقود والبذور والمكافحة والأسمدة ..." يعني، خاصة في بلد مثل العراق .. إلى الأبد!

ثم كيف توفر الآلات والمعدات والوقود و... والزراعة لم تبدأ بعد؟ ما هو الإرشاد الزراعي حين لا تكون لدينا زراعة؟ كيف تدعم الحكومة الفلاح بمساعدته على حل مشاكله، وتلك المشاكل لم تخلق بعد لنعرفها وندرسها؟

يكمل عبد المهدي: "اما الدول التي تريد فعلا فقط بغلق أبوابها وتعتقد ان وصناعتها زراعتها ستتطور لن تتطور وهذه تجارب العالم كله"..

"تجارب العالم كله" تقول ان الدول التي تغلق أبوابها بالحماية لا تتطور؟

سنتوقف عند هذه الجملة لنعود لها لاحقاً. فما نعرفه الآن هو انها ليست ضد المنطق، وإنما يقف ضدها كل اتحاد الصناعيين العراقيين والموانئ العراقية ولا يرونها في صالح العراق بل مدمرة لصناعته وزراعته، وأنها لن تخلق فرص عمل كما يقول عبد المهدي، بل ستفقده الكثير من فرص العمل، وهم يتهمون عبد المهدي بتوقيع الاتفاقية تحت ضغط جهات خارجية. فهل ان عبد المهدي يفهم ما لا نفهمه ولا يفهمه الصناعيون والزراعيون والمشتغلون بالموانئ، وأن فتح الأسواق لا يقتل الصناعة الوليدة بل يطورها ويزيد فرص العمل؟ هل صحيح ان تجارب العالم تقول ذلك؟

في الحلقة الثانية سنبحث ذلك. سنراجع تاريخ تطور الدول الصناعية المتقدمة، وننظر إن كانت "تجارب العالم كله" تؤيد نظرية عادل عبد المهدي، بالتنمية عن طريق "فتح الأسواق". فإن كان الأمر صحيحاً، فيبدو ان لدينا "عقلية اقتصادية" كما يقولون، وأنه يستحق على نظريته هذه، أن نرشحه لجائزة نوبل للاقتصاد.

وإن لم يكن الأمر كذلك؟ .. عندها يكون لكل حادث حديث!

 

صائب خليل

..................

(1) https://www.facebook.com/saiebkhalil/videos/570947953371820/

 

بلا شك نحن أمام موضوعة عراقية معقدة يشوبها الكثير من المخاطر، إذ ثمة حقيقة نواجهها، ليس هناك قيادة "حكومة" أتت منذ 2003، قادرة تجنيب البلاد من الإنزلاق نحو الاسوء. وإن اللاعب الاقوى في المعادلة العراقية، قوى داخلية وخارجية متنفذة تمتلك الكثير من الوسائل والإرادات ولا تريد الخير للعراق وشعبه. وبالتأكيد أن ما نشاهده من لقاءات يطلق عليها "مؤتمرات" تعقد هنا وهناك تحت شعارات ومسميات كثيرة لها أهداف وغايات ليس بالضرورة لا تلامس أو تتصدى للمأساة العراقية وتحمل وجدانيات وطنية تبحث عن حلول بكل إخلاص وجدية. 

تابعت على مدى الاسابيع الأخيرة المنصرمة ولغاية 27 كانون الثاني 2019، الضجة المتواصلة على مواقع التواصل الاجتماعي حول ما سمي بالمؤتمر الشعبي الأول من أجل عراق موحد، والذي يحمل شعار "العراق مكّون واحد". وكان كل من راقب السجالات التي سبقت إنعقاد هذا اللقاء والمتعلقة بشخوصه وأدواته، تمنى أن يكون هذا المؤتمر؟. فصلاً إستثنائياً في ظرف استبيحت فيه القيّم وطأطأ الظلم قامة مجتمع بكامله وأستأثر الدخلاء بالسلطة. وحيثما إننا نقترب من الذكرى السادسة والخمسون على انقلاب حزب البعث الفاشي في 1963 وحلول الذكرى المشؤومة السادسة عشر على غزو العراق واحتلاله. والجدير بالذكر أن كلا الحدثين خططت لهما دوائر أجنبية استعمارية، ولم يجني منهما المجتمع العراقي سوى الموت والدمار.  

في ديباجة الدعوة التي وصلتني جاء: تتشرف الهيئة التحضيرية لمؤتمر برلين بدعوتكم لحضور مؤتمرها الأول تحت شعار "العراق مكّون واحد" لتبادل الآراء والمقترحات حول تحسين الوضع الراهن في العراق ومناقشة الآفاق المستقبلية فيه. نتطلع لمشاركتكم الفاعلة في المؤتمر.. لكن ومن وجهة نظري ومفهوم علم السياسة، لا يمكن تعريف المؤتمر بأكثر من "لقاء عام" متواضع، لغياب المهنية السياسية واللجوء الى ردود فعل إرتجالية قائمة على الفعل ورد الفعل في المسائل البالغة الحساسية. ناهيك عن إفتقاره العديد من المقومات الفكرية والإدارية وخلوه من الرموز والعناصر الفاعلة المعروفة في الأوساط السياسية التي تستطيع حقاً الكشف عن هدف اللقاء وخطابه السياسي كمشروع بشكل واضح وصريح. وكان القائمون على إدارة المؤتمر ومنسقه العام الاستاذ مصطفى الصافي قد روج في مواقع التواصل قبل أسابيع، بأن  اكاديميين من أصحاب الإختصاص يحضرون ليقدموا الدراسات العلمية والتقارير والوثائق المتعلقة بالشأن العراقي في مجالات هامة عدة ووضع الحلول لها، لكننا تفاجئنا بمشاركة الاستاذ ليث يوسف فقط .

لم تأت مطالعات رئيس "المؤتمر" الاستاذ مصطفى الصافي والاستاذ ليث يوسف، الرنانة، على بساطتها وإحتوائها الكثير من المغالطات والتناقضات، بشيء جديد. غير تكرار من أنه لا يملك مشروعاً بعينه، إنما أفكارأً أساسية سبعة، يعتبرها مدخلاً هاما لضمان إنقاذ البلد والبدء في عملية التغيير السياسي في العراق: أولا تقييم ودراسة الانتفاضة الشعبية القائمة حاليا في العراق. ثانيأ التدخلات الخارجية والسافرة في العراق وانتهاك سيادته بشكل ملفت للنظر. ثالثاً تهجير متعمد وممنهج للكثير من الاقليات العراقية ومن قبل بعض المكونات والاحزاب. رابعاً الدعوة لدولة مدنية علمانية تعزل الدين عن الدولة بالكامل. خامسأ فتح علاقات متوازنة مع دول العالم المختلفة وايجاد ارضيات مشتركة. سادساً دعوة المجتمع الدولي الحر على مستوى الحكومات والشعوب للوقوف مع ابناء الشعب العراقي للخروج من محنته هذه وانهاء دور الاحزاب الفاسدة الحالية ومحاكمتها. وسابعاً وهو المهم مطالبة اشراف الامم المتحدة ومجلس الامن للمساهمة باستقرار العراق وتامين حمايته بالتعاون مع ابناء الشعب العراقي الذي سيكون لهم مشروعا عراقيا قويا ينبثق من خلال (مؤتمر برلين) ويختتم بالقول، وهو بوابة لعقد مؤتمرات كثيرة بنفس المنهج والنقاط اعلاه حتى يتبلور مشروعا عراقيا خالصا يساهم جميع العراقيين ببنائه واعداده دون مؤثرات خارجية نعم لابأس الاستفادة من تجارب الاخرين لمصلحة شعبنا العراقي.. ( يمكن مراجعة هذه الأفكار وتفاصيلها على صفحات التواصل) ولا لي أي تعليق عليها او مناقشتها!!. 

وإذا كانت هذه الأفكار هي مشروع الصافي وحسب، فلماذا كلف نفسه كل هذا الجهد وحمل الآخرين أعباء السفر والتكاليف المادية والجسدية والنفسية. وكان بإمكانه الترويج لأفكاره عبر وسائل التواصل وجزاه الله خيراً !!. وليسمح لي الاستاذ الصافي أن أقتبس هنا رأياً أخر له، مناقضاً لما ردده بأن لا مشروع لديه: [علينا جميعا النهوض كما ويحق للجميع اعادة صياغة الافكار وتنقيحها وارسالها لنا وطرحها بشكل علني ومباشر والهدف هو الوصول لمشروع عراقي حقيقي] .... أتساءل كيف لنا أن نستوعب توجه كهذا يشوبه الكثير من الغموض والشكوك، ونقتع بأن القائمين على "المؤتمر" ليس لديهم أي مشروع سياسي ؟. أنه أمر في غاية الغرابة!!..

الأمر الغريب الآخر، ماذا يريد الصافي إيصاله عندما يؤكد: بأن لدى الآمريكان رغبة جادة بالتفاوض وتحمل المسؤولية بإتجاه التغيير وانهم يبحثون عن البديل وألافكار والمقترحات. وعليه يناشد الحاضرين لأن يتحركوا للكتابة له عن آرائهم كما اشرنا سلفاً..ومما لا حاجة لتوضيحه، لا أستغرب قول الاستاذ ليث يوسف وهو بصدد الدفاع عن رأي الاستاذ الصافي المتعلق بتفسيرالمصالح: من أننا نريد الامريكان وبحاجة للتعامل معهم، وأنه لا يجد غضاضة من التعامل مع جميع الدول بما في ذلك إسرائيل. فما هو الهدف من هكذا تنويه وفي هذا الوقت؟. ألا هو تمهيد لشيء ما !!.

تقدمت بجملة تساؤلات للمؤتمر مشيراً بأن هناك في الآونة الأخيرة توجه لبعض القوى الوطنية العراقية يستهدف توحيد الجهود وإحداث تغيير سياسي جذري في نظام الحكم، ربما يمكن الاستفادة من ذلك بدل تبذير الطاقات والجهود. وتساءلت عن مدى نجاح هذا الحراك مستقبلا، وهل يعتقدون بأنه سيجد استجابة.. وما هي الضمانات؟. قلت أيضاً، أنني لا اتصور إن التنسيق مع قوى خارجية لتبني مشروعاً بديلاً، تسنده وتموله ومن ثم تستثمر أتباعه لحاجتها كما فعلت مع رموز النظام الحالي، سيعود بالفائدة!.. وسألت عما إذا هناك قوى وشخصيات داخل العراق داعمة لهم.. وما هي صحة ما يشاع عن دخول البعثيين على الخط؟.

لم أكن أتصور بأن الرد على هذه التساؤلات سيكون الى هذه الدرجة من السذاجة وعدم النضج السياسي. وكان يفترض أن يكون منفصلاً عن المناظرات الشخصية، وينتهج الموضوعية والمنطق لحل الخلاف في وجهات النظر بعيداً عن التفسير والتأويل. في ظل غياب تام للإدارة المنضبطة وتناوب الرئاسة على مقاطعة المتحدثين في أكثر من موقع دون إكمال فكرتهم. مما أدى الى الفوضى وإنهاء أعمال "المؤتمر" وفضه من قبل الصافي بشكل عشوائي دون الخروج بأي نتائج. وإكتفى بالقول: لقد فوضنا " أي مصطفى الصافي و ليث يوسف" المجتمعون، لقيادة العمل ومتابعة تشكيل اللجان والتواصل مع الهيئات والمنظمات العالمية وغيرها؟.. ولا أعرف من فوضهم، اذ لم يبقى في القاعة سوى بضعة أشخاص لا يتجاوز عددهم العشرين، علما من أن معدل الحاضرين كان بحدود الستين.  

في تسعينات القرن الماضي كتبت مقالاً تحت عنوان "زورق المعارضة العراقية الى أين" تطرقت فيه ضمناً، بأن أمريكا خصصت مبالغ طائلة للمعارضة العراقية لتستعين بها لاسقاط صدام، وكتبت أيضاً ان جميع أطراف ما تسمى بالمعارضة أخذت حصصها بإستثناء الحزب الشيوعي، الذي أبى ذلك وإبتعد عن المشاركة مع الوفود لزيارة الولايات المتحدة للتفاوض معها، وبات ذلك آنذاك معروفاً.. انكر الجميع، وعاتبني البعض الآخر، على الرغم من أن الأمريكان ووسائل الإعلام العالمية قد نشرت اسماء القوى والشخصيات المستفيدة. أكدت تلك الأطراف صحة ذلك بعد سنوات دون اي تبرير او إعتذار.. ما أود قوله، أن المعارضة تلك آنذاك لم يكن في وارد ذهنها أن تستعمل الأموال لهدف وطني حقاً، إنما هدفها كان مصالحها وملء الجيوب ولا تزال كذلك، نقضت العهود لأجل الاستحواذ على السلطة.. أن الإتكال على الخارج تحت أي ذريعة، لا يكفي التلويح والتبرير، إنما يجب الإعلان عن ما يختبىء وراء الاكمة بكل أمانة. وإلا سيكون اي توجه لها عرضة للشكوك والاتهامات، وسيمس بشكل مباشر الشأن الوطني والمصلحة الوطنية العامة بالصميم. 

إتخذ الاستاذ الصافي من حديثي وما سبقه من تساؤلات ومداخلات وآراء موضوعية بهذه صريحة، ومن ضمنها التعريف بشخصي كما هو متعارف عليه، لاقطع دابر اي سوء فهم حول موضوع حضوري هذا اللقاء الذي أشيعت عنه قبل إنعقاده الكثير من الشكوك والسجالات. حيث أعلنت عن إنتمائي السابق للحزب الشيوعي، قائلاً بأنني أتشرف بذلك.. أقول إتخذ منها ذريعة لاتهامي بتخريب المؤتمر، وسبباً لعدم جلوسه معي كوني شيوعياً!!. لا أريد مناقشة الرجل على خطيئته، لأنه يدرك تماماً بأن مؤتمره فضفاض لا هوية له ولا تعريف، ويعلم أنه إرتكب خلال جلسة يوم واحد أخطاءً ومغالطات وتناقضات لم يستطع تلافيها، وأدت إلى إفشال مؤتمره بنفسه دون أن يعترف..خاتمة أتساءل: هل يستطيع الرجل تحقيق مشروع سياسي وهو لا يستطيع إدارة "إجتماع بسيط" ولا يملك سعة صدر وسماحة نفس؟. لا أتخيّل ذلك!!.

 

عصام الياسري

 

 

قاسم حسين صالحمن عادتي انني استطلع الرأي في تناولنا لقضية سياسية او اجتماعية مهمة او خطيرة، لغرضين، الأول:ان تصاغ بدراسة موضوعية بعيدة عن تحيزات الباحث لتقدم نصيحة لمتخذي القرار وفائدة علمية للكتّاب والمثقفين، والثاني .. توثيق ما يحدث للتاريخ والأجيال.

وبغض النظر ما اذا كان العراق يمتلك الآن مقومات الدولة (السيادة، الأمن، المساواة امام القانون، الاستثمار الأمثل لموارد وثروات الوطن، العدل بمفهوميه الاسلامي والحديث، أو ان فيه دولتان .. رسمية معلنة وعميقة خفية) .. فأننا توجهنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الألكتروني بالسؤال الآتي:

(دولة العراق .. بيد من الآن؟.

نرجو ان تكون الأجابة موضوعية لأنها ستعتمد في دراسة علمية).

شارك في الأجابة 257 بينهم اكاديميون ومثقفون واعلاميون .. اليكم نماذج منها كما وردت بالنص، ولا يعني اننا معها او ضدها.

* بيد اشخاص ليس لديهم الأنتماء والوفاء والولاء لارض الوطن، يضحّون بالشعب والارض وثروات الوطن من اجل أحزاب هم ينتمون اليها.

* بيد اميركا بالمطلق والبقية ادوات.

* بيد امريكا، وايران، والاحزاب التي تمتلك المال والسلاح ، والمافيات ومليشيات مسلحة تعمل لجهات خارجية.

* بيد أحزاب ليست احزابا بالمفهوم العملي للحزب، استولت عليها عوائل متوارثة مثل (التيار الصدر، الحكمة، المجلس الاعلى، حزب الدعوة، الحزب الاسلامي). حتى الاحزاب العلمانية كالمؤتمر الوطني ايضاً يسطير عليه افراد وليس هناك ديمقراطية داخل الاحزاب السياسية.

* ليس هناك مفهوم للدولة ولا نظام سياسي واضح هناك فقط فوضى عارمة وضياع هيبة القانون .. وتفسيره حسب الرغبة.

* هناك دولتان .. الدوله الرسميه والدوله العميقه، وهما متداخلتان.

* بيد رجال الدين الشيعة، والسادة ، ومن يدعون انهم احفاد النبي.

* الدولة بيد الاحزاب الاسلامية الشيعية الفاسدة وبدرجة اقل الاحزاب السنية الفاسدة.

* الدولة بيد الطبقة الوسطى التي تعيش من إنتاج الخدمات ولا تسهم في إنتاج ثروة المجتمع

* بيد القوى غير المنضبطة والخارجة على القانون واصحاب المال والعشيرة.

* الدولة تخضع لثلاث جهات الاولي اميركا بنفوذها وتاثيرها على الواقع العراقي واحداث الفتن والاقتتال الداخلي وقدرتها على صناعة جماعات سنية وشيعية وكردية مؤثرة وتحريك ادواتها لخلق ازمات اقتصادية وارتباك امني. والثانية بيد احزاب تعمل لتحقيق مصالحها حتى لو ادى لحرب اهلية. والثالثة بيد اجندات خارجية واقليمية تعمل على ارباك العراق لانها ترى فيه كطائر العنقاء سرعان ما يعود اقوى باسا وبعضها تضخ الاموال بدافع انساني خادع يحمل خنجر بروست.

وكانت هنالك اجابات ساخرة، مثل:

- استر علينه لا تودينه بداهيه

- بيد اللصوص، الحرامية

- بيد من يرفعون شعار (ياليتنا معكم فنفوز فوزا عظيما)، واجزم لو كانوا معهم لنهبوا امتعتهم وولوا مدبرين

-  الدولة عبارة عن فريسة اصطيدت من قبل الاسود والضباع والنسور التمت حولها. يتنافسون بالتهامها يا استاذي الفاضل.

-  حضرتك تسال عن دولة .. فكيف نجيب عن مسمى لا وجود له.

- بيد الله. سالت شخصا ما الفرق بين حكم الشاه وحكم الملالي، فاختزل الجواب بجملة: في زمن الشاه كنا ندعو الله كي يخلصنا اما الان فان الله بالشارع ولا نعرف من ندعو كي يخلصنا!

تحليل النتائج

يجمع المستجيبون ، وغالبيتهم اكاديميون واعلاميون ومثقفون، أن العراق لا توجد فيه الآن دولة بالمفهوم المتعارف عليه في العلوم السياسية، ويصفون واقع الحال بالآتي:

- الدولة الان موزعة بين احزاب وكتل سياسية وعوائل تحتكر مؤسسات رسمية في الوزارات، وميليشات وقوى مسلحة ومافيات.

-  يفتقر العراق الى احد اهم مقومات الدولة المتمثل بفرض سلطة القانون وضمان امن المواطنين، فيما يعيش المواطنون فوضى عارمة واغتيالات تستهدف من يطالب بان يكون العراق دولة يحاسب فيها من يرتكب جريمة قتل لا ان تسجل ضد مجهول.

- ان الذين وصلوا الى الحكم استفردوابالسلطة والثروة، وبهذا افتقدت الدولة واحدا من اهم مقوماتها المتمثل باستثمار موارد الوطن لخدمة الناس واعمار الوطن، وتخلت عن اهم مبدأ في النظام الديمقراطي المتمثل بتحقيق العدالة الاجتماعية.

- ان الدولة تشترط ان يكون هنالك انسجام بين ما تقوله وما تعلنه، وان ما يحصل الان في العراق هو تناقض صارخ ومعيب بين ما تعلنه احزاب الاسلام السياسي وما تفعله.

استنتاج ختامي

يشخّص المستجيبون ان(اميركا وأيران) هما اللتان تمليان ما يريدان على الحكومة العراقية.والمشكلة ان هاتين الدولتين في صراع معلن ساحته الأرض العراقية، اذ صرح ترامب في زيارته لقاعدة (عين الأسد)- التي علمت بها الحكومة من وسائل الاعلام!- ان الغرض الرئيس لهذه القاعدة العسكرية (المذهلة بتعبيره) هو مراقبة ايران. وان الحكومة العراقية في مأزق يصعب عليها ارضاء دولتين قويتين لهما نفوذ قوي في العراق، ما يعني انها فاقدة للتمتع المطلق بالسيادة بوصفه الشرط الآول لمقومات الدولة، وانها فاقدة للشروط الأخرى لمقومات بالتبعية.

موقف .. قد يشكل البداية:

في لقائه (الاربعاء 6 شباط الجاري2019) بالمبعوثة الأممية، حذر السيد علي السيستاني الكتل السياسية من انها اذا لم تعالج الازمات فقد تفقد الفرصة الأخيرة، وطالب الحكومة بتأمين الخدمات ومحاسبة الفاسدين .. ما يعني ان المرجعية الموقرة هي مع ما توصل له هذا الاستطلاع من تشخيص. ومع ان الأحزاب الشيعية والكتل المحسوبة عليها تبارك ما تقوله المرجعية وتعلن التزامها بتنفيذه، فانها لا تطبق ذلك عمليا، لأنه يهدد استفرادها بالسلطة والثروة والنفوذ.وانه ليس امام القوى التي تسعى الى ان يكون العراق دولة سوى توحيد موقفها بمطلب واحد يضمن الخطوة الأولى نحو قيام دولة .. هو قيام مجلس مكافحة الفساد بتشكيل محكمة من قضاة مستقلين تبدأ من الان بمحاكمة حيتان الفساد تنقل عبر وسائل الأعلام .. وبدونه تبقى سيكولجيا التغافل والتماهل هي المخدّر الذي تعتمده حكومة السيد عادل عبد المهدي .. ان اكمل ولايته! .. او أن المرجعية ستافجأ احزاب السلطة المحسوبة عليها والخجله من افعالها بما يعيد لها دورها في اقامة دولة مدنية كما فعلت في ثورة العشرين؟!

 

ا. د. قاسم حسين صالح

 

جمال الخرسانمن جميع المكونات العراقية فإن من تذوّق، تابع.. عانى مرارة الاحتقان الطائفي وموجات الإرهاب بين الأعوام 2004ـ2007، والتحوّل الإيجابي الكبير الذي حصل بين الأعوام 2008ـ2010 كان يتصور للوهلة الأولى ان تلك الأيام السوداء، والتجربة الدموية الأليمة لن تتكرر بسهولة. في فترة الاستقرار تمت مراجعة الكثير من تلك التجارب المؤلمة، استعرضت وسائل الاعلام وبتفاصيل مملة حينها طبيعة ما جرى، أنجزت اعمال فنية باشكال مختلفة رصدت التحولات آنذاك بهدف انعاش الذاكرة العراقية والإنسانية، ودارت احاديث عن إعادة بناء النسيج الاجتماعي العراقي الذي تمزق. لكننا للأسف الشديد سرعان ما انحدرنا مرة أخرى وبسهولة من 2010 وحتى 2013 باتجاه المنحدر الطائفي البغيض بطريقة مشابهة كثيرا للتجربة الأولى ليتوّج المشهد بسقوط المدن العراقية عام 2014، فبدل "القاعدة" كانت هناك "داعش"، وبدل "مقاومة الاحتلال الأمريكي" كان هناك مبرر التخلص من "النفوذ الإيراني"، يقابله أيضا فشل الدولة في التغلب على هذه الازمة وقرائها بشكل جيد مبكرا، ناهيك عن ان المنطقة برمتها شهدت انقساما حادا استخدمت فيه الأموال، وسائل الاعلام، الفتاوى والنفوذ السياسي ساهم بوصول التصعيد الى ذروته.

ان المؤشرات التي كانت تقود لمشهد الاحتقان الطائفي في موسمه الأول، والثاني ذاتها يعاد تكرارها منذ العام 2018، وكاننا ننحدر تدريجيا بعد عام او عامين الى مشهد الماساة التي تمثلت عام 2006 بتفجير مرقد العسكريين في سامراء وعام 2014 بمجزرة سبايكر في صلاح الدين، هاتان حادثتان تمثلان رمزية لمرحلة معينة ولا تختزلان المشهد الدموي بلا شك.

احتقان سياسي، تاجيج للمناطق "السنية"، استحداث لافتات تتناسب مع متطلبات المرحلة، "المقاومة" في الموسم الدموي الأول، والاقليم إضافة للنفوذ الإيراني في الموسم الدموي الثاني، ويجري العمل حاليا على ذات السياق مع تعديلات بسيطة. ان ما يجري في اطراف ديالى، صلاح الدين والانبار بداية تلت مرحلة الخلايا النائمة، لندخل بعدها مرحلة سقوط مناطق ليلا وتحريرها نهارا ثم ربما سقوط قرى او مدن صغيرة بيد التنظيمات الارهاربية. لكن المعطى المختلف هذه المرة وجود قوة موازية للجيش لم تكن موجودة آنذاك بهذا الشكل، وهي الحشد الشعبي وهذا يمثل مبدئيا ورقة مهمة للتقليل من مخاطر أي انحدار موازي. من يحاول استدراج العراق لمستنقع طائفي يريد معالجة هذه الورقة او ابعادها عن مناطق تحركاته لكي تسهل المهمة.. المؤسف ان بعض فصائل الحشد الشعبي توفر غطاءا مناسبا لتمرير ذلك من خلال التماهي مع العقيدة السياسية الإيرانية بشكل مبالغ فيه لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الوضع العراقي. ان أساليب المعالجة لا تقتصر فقط على التحرك العسكري بل لابد من حراك سياسي يضبط إيقاع العقيدة السياسية للحشد الشعبي، يعيد تشكيل الجيش بطريقة لا تجعله منقسما ومستجيبا لصراع النفوذ كما حصل عام 2014 وأيضا عدم فسح المجال مبكرا للاصوات التي تدعو علانية للتحشيد الطائفي. لابد من الحذر والعمل بجد.. لقد سئمنا من هواية تكرار الخطايا بطريقة ساذجة. ختاما لابد من الإشارة ان الانقسام الخليجي لا يعول كثيرا في تجنيبنا الصراعات الدموية، ان ذلك يحتاج الى مهارة سياسية عالية وهي غير متوفرة للأسف الشديد. قد ينعكس ذلك الانقسام بشكل سلبي علينا، ربما يكون العراق ساحة للصراع الخليجي الخليجي كما حصل في اليمن على سبيل المثال حينما تقاتلت فصائل مسلحة تنتمي لمحور واحد هناك وهذا قد يتكرر في العراق بين محاور مختلفة او بين اذرع المحور الواحد. مما يساهم في تعقيد المشهد ان هناك احتقان في الشارع الشيعي تجاه الطبقة السياسية، وهذا الاحتقان قد يعبر عن نفسه باشكال مختلفة حالما يستغل ارتباك الدولة في المرحلة المقبلة، وربما يحاول اخرون توظيفه بطريقة سلبية تخرجه تماما عن مضمونه المشروع.

 

جمال الخرسان

 

مصطفى محمد غريبلا يستغرب البعض من قولنا : أنه الارتباط العضوي بين الانقلاب الرجعي البعثي المشبوه في 8 شباط 1963 وما جرى من أحداث ومؤامرات وتدخلات خارجية في شؤون العراق بما فيها الحرب واحتلاله عام 2003 ، حيث بدأت العمليات العسكرية منذ (1 آذار إلى 1 أيار 2003) من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبعض الدول المتحالفة مع أمريكا، وكان قانون مجلس الأمن المرقم ( 1483) خير برهان على سيطرة الأمريكان وحلفائهم باعتبارهم  قوى محتلة وليست قوى تحررية كما ادعت قبل الحرب وبما أشيع عن وجود أسلحة الدمار الشامل المحرمة دولياً، ولو تابعنا بشكل دقيق لوجدنا أن كل ما حدث للبلاد بعد ذلك الانقلاب المشؤوم عبارة عن مسلسل ترتبط حلقاته سياسياً واقتصادياً ...الخ بتلك الردة الرجعية والمخطط الاستعماري المعادي لجوهر التحرر الوطني الكامل من ربقة الاستعمار ومخططاته العدوانية وأهدافه التي أغلبها  من اجل الهيمنة والسيطرة والاستغلال .

احتلت بريطانيا الاستعمارية في عام 1917 الولايات العثمانية الثلاث التي مثلت العراق بعد ذلك وبمجرد أن انتهت الحرب العالمية الأولى بهزيمة المانيا ومحورها،  سيطرت بريطانيا ليس على العراق فحسب بل المنطقة، ثم انتدبت في آخر الأمر لحكم العراق باعتباره إقليما وكانت نتيجة ذلك اتفاقية سايكس ــ بيكو عام 1916 التي قامت بتقسيمها المعروف حسب النفوذ البريطاني والفرنسي، واضطر الاستعماري البريطاني التراجع بعد ثورة العشرين والمقاومة الوطنية من اجل الاستقلال الوطني إلى إقامة النظام الملكي وتتويج فيصل الأول بن الشريف حسين ملكاً، وخلال عام 1922 شرعت العديد من المعاهدات التي منحت العراق بالتدريج استقلالا شكلياً إلا أنها أعطت لها الحق  في إقامة القواعد العسكرية قرب البصرة " الشعيبة" وفي الرمادي " قاعدة الحبانية " والعديد من الامتيازات التي كبلت البلاد وأخضعتها للسيطرة الاستعمارية وبخاصة النفط، كل ذلك بحجة الدفاع عن العراق الذي كان مبرراً للبقاء والهيمنة، وظهر لاحقا ومنذ تباشير تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحتى قبل التأسيس احتلال بريطانيا الاستعماري والتدخل في شؤون البلاد، وعانى العراق من الاحتلال والتدخل الأجنبي في شؤونه الداخلية الكثير، وعندما نعود لحقبة بداية القرن العشرين سنجد الاحتلال بوجهه الاستعماري وتدخله الفظ استطاع خلال العهد الملكي الهيمنة على البلاد واقتصاده والتدخل في شؤونها الداخلية بما فيها تشكيل الوزارات وحتى ترسم السياسة الخارجية وفق رؤيا الاستعمار البريطاني ومصالحه قبل مصالح العراق وخير مثال المعاهدات الاستعمارية التي وقعت مع العراق بما فيها معاهدة حلف بغداد العدواني التي خططت لها الدوائر البريطانية لتكون أداة كبح لتطلعات الشعب العراقي وخدمة للمصالح الاستعمارية والبريطانية بالذات وأداة تهديد للشعوب والبعض من الدول العربية في المنطقة وغيرها وفي مقدمتها مصر، وبقت السياسة الداخلية والخارجية مرتبطة بالمصالح البريطانية على الرغم من الادعاءات باستقلال القرار العراقي في الداخل، والتاريخ يشهد من وراء إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بسكرتير الحزب الشيوعي يوسف سلمان فهد وأعضاء المكتب السياسي زكي بسيم وحسين الشبيبي في 1948، وتوقيع معاهدة برتسموث الاسترقاقية وغيرها من الشؤون الداخلية، أما السياسة الخارجية فقد كانت شديدة الارتباط بالسياسات الاستعمارية وفي مقدمتها البريطانية، ولم ينته التدخل والهيمنة إلا بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 التي أنهت تلك الفترة من التبعية والخروج من المعاهدات والأحلاف العسكرية وبهذه الثورة تم إنجاز الكثير من المهام الوطنية السياسية والاقتصادية، إلا أن سرعان ما عطلت أهداف الثورة الوطنية التحررية بعد انقلاب 8 شياط 1963الدموي الذي كان بقيادة القوى القومية وفي المقدمة حزب البعث والقوى الرجعية والإقطاعية وبقايا النظام السابق  وبمساندة القوى الاستعمارية وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت من النتائج المأساوية التي قام بها هذا الانقلاب الدموي إعدام العشرات من الوطنين والديمقراطيين و الشيوعيين وفي مقدمتهم سكرتير الحزب الشيوعي العراقي سلام عادل " حسين الرضوي" والعديد من أعضاء المكتب السياسي ، جمال الحيدري وحسن عوينه والعبلي وغيرهم، وكوادر وطنية معروفة وزج الالاف من التقدميين والمواطنين في السجون والمعتقلات كما تم إعدام قائد ثورة 14 تموز الزعيم عبد الكريم قاسم وثلة من الزعماء العسكريين الوطنيين ، وبهذا أعيد العراق تقريباً إلى المربع الأول ومع بعض الاستثناءات في الزمان والمكان وقيام العلاقات الدبلوماسية  مع العديد من الدول وبخاصة أوربا الشرقية بعد ثورة 14 تموز بما فيها العلاقات مع الاتحاد السوفيتي السابق التي لم تكن قبل الثورة موجودة .

بمجرد نجاح انقلاب 8 شباط 1963 الذي كان على قاطرة أمريكية مثلما اعترف احد قيادي الانقلاب وحزب البعث العراقي حتى بدأت التدخلات الخارجية وبسبب سقوط سلطة حزب البعث العراقي اثر انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 الذي قام به رئيس الجمهورية عبد السلام عارف وتحالفه مع القوى القومية العربية من دون حزب البعث بدأت مرحلة أخرى تختلف عن السابق حتى قيام انقلاب 17 تموز 1968 بتحالف بين حزب البعث وضباط عراقيين مرتبطين بالمخابرات الأجنبية وأعيدت جريمة القتل والإعدام والسجون والمعتقلات ، وطوال فترة الحكم الدكتاتوري في العراق كان التدخل أو الارتباطات التجارية وصفقات السلاح المشبوهة وغيرها طريق للتدخل وساحة لنشاطات الجواسيس، وكلما كان يشاع عن النهج الوطني المستقل أو القضية المركزية الفلسطينية ما هو إلا هراء وترويج لإخفاء طابع الحكم المرتبط والمنفذ للمخططات الخارجية بما فيها شن الحرب في 22 أيلول 1980 على إيران، ثم ما جرى بعد تحرير الكويت إلى نهاية المطاف قيام الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة بريطانيا باحتلال العراق 2003 وإسقاط النظام الدكتاتوري الذي كان السبب المباشر في كل ما جرى من أضرار بما فيها فقدان الاستقلال الوطني النسبي والإعلان دولياً عن احتلال العراق وتعيين حاكما أمريكيا (بريمر) عليه، تلك حقب من التاريخ المر والتي تحمل الكثير من المآسي الذي بقى فيها العراق يتأرجح ما بين الاستقلال واللاإستقلال ومحاط بكل ما يعني من الاضطهاد وانعدام الحريات العامة والخاصة.

لقد كانت فترة مجلس الحكم فترة ظهر فيها بشكل واضح الطابع الاستعماري للولايات المتحدة الأمريكية والبريطانية وتهرأت شعارات إنقاذ العراق من حكم صدام حسين وبانت المقاصد الخفية والحقيقية من الاحتلال نفسه كما ذكرنا حول إعلان مجلس الأمن وما جرى  خلال سنوات ما بعد الاحتلال على الرغم من الإعلان عن انتهاء الحرب وخروج القوات الأمريكية وفق معاهدة بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية وكان أول بنود الانسحاب

" 1 - تنسحب جميع قوات الولايات المتحدة من جميع الأراضي العراقية في موعد لا يتعدى 31 ديسمبر/كانون الأول عام 2011 ميلادي.

2- تنسحب جميع قوات الولايات المتحدة المقاتلة من المدن والقرى العراقية في موعد لا يتعدى تاريخ تولي قوات الأمن العراقية كامل المسؤولية عن الأمن في أي محافظة عراقية، على أن يكتمل انسحاب قوات الولايات المتحدة من الأماكن المذكورة أعلاه في موعد لا يتعدى 30 يونيو/حزيران عام 2009 ميلادي" وهناك بنود أخرى أكثر تفصيلية!

فهل حدث ذلك بشكله الصحيح؟ أم بقت البعض من القوات الأمريكية؟ ولماذا هذا التخبط في قرار الحكومات المتعاقبة والسكوت أو الاعتراضات الخجولة عن تدخلات أمريكا ثم تركيا وإيران وتهديد سافر للاستقلال والمحافظة على القرار الحكومي المستقل، التدخل الأمريكي مازال قائماً بدون حديث ومزايدات نوري المالكي ونضرب مثال

1- فيما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حوار مع قناة CBS الأمريكية " أنه لن يسحب قواته من العراق" واحد الأسباب إيران وتدخلاتها واستغلالها الأوضاع ثم قال أيضا ""أنفقنا أموالا طائلة على هذه القاعدة الرائعة، وقد نبقي عليها، كما أن أحد الأسباب التي تدفعني للإبقاء عليها، تسليط النظر على إيران قليلا، فهي تشكل خطرا حقيقيا". فهل نحتاج إلى الإسهاب عن استقلال العراق وقراره السياسي؟ والإجابة عند أصحاب الإجابة!!

2- التدخل الإيراني معروف ومكشوف من خلال تحركات الجنرال الإيراني سليماني ومن خلال تصريحات بعض أقطاب الحكومة ومسؤولي البعض من التنظيمات المسلحة المنظوية للحشد الشعبي، وتصريحات زعماء إيران الرسميين وكلها مسجلة ومعروفة.

3- التدخل التركي السافر وإنشاء قواعد عسكرية في أراضي الإقليم ولقد أشارت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية يوم الاثنين  28/ كانون الثاني /2019 " "يوجد نحو 20 من القواعد والمقرات العسكرية التركية موزعة على محافظتي أربيل ودهوك".ثم ذكرت " إن "عدد من القواعد العسكرية والمراكز الاستخباراتية التركية داخل الأراضي العراقية منها قواعد باطوفة وكاني ماسي وسنكي وقاعدة مجمع بيكوفا وقاعدة وادي زاخو، وقاعدة سيري العسكرية في شيلادزي وقواعد كويكي وقمريي برواري وكوخي سبي ودريي دواتيا وجيل سرزيري، وقاعدة في ناحية زلكان قرب جبل مقلوب في بعشيقة"

وذكرت الصحيفة الكثير من هذا الواقع المرير، ونقول إن الكم غير القليل من القواعد والمراكز الاستخباراتية انه عدد لا باس به في بلد تدعي حكومته وقواه السياسية المتنفذة وميليشياته بالاستقلال وبعضها يهدد ويعربد والبلاد ضاع استقلالها تحت نير الاحتلال المتعدد، فهل نفيض أكثر؟ وهل بقى شيء سري ومضموم؟ أم ندع المواطنين الوطنيين المخلصين وضع النقاط على الحروف كما يقال!

هذا هو الواقع والحال فهل بقى من يريد أن يتستر على خراب الحكومات الطائفية التي تقود البلاد أو على نتائج ما بعد انقلاب 8 شباط 1963 الدموي؟ وكيف جرى ثلم الاستقلال الوطني؟ ورهن البلاد وتقديمها هدية للقوى الخارجية والإقليمية؟ وما فعلته  البعض من أحزاب وتنظيمات الإسلام السياسي؟ وكيف يجري نهب الاقتصاد وتدمير الطاقات وجعل العراق في مؤخرة البلدان الفقيرة في العالم، مع العلم إنه من البلدان الغنية المعروفة؟!

 

مصطفى محمد غريب

 

 

نور الموسويالبعد التاريخي لحزب الدعوة الأسلامية، يزخر بمقومات الأمل المفقود، الذي تعاني منه الأمة أنذاك، التشتت الفكري، الأُمّية تضرب أطنابها في مفاصل المجتمع، الفقر المدقع، التآمر السياسي الدولي الطائفي، أحزاب سياسية ترفع شعارات الوطنية والقومية والأممية !! وتحرير المقدسات!، كل ذلك الكم الهائل من التراكم، أفرز نشاطا ما يسمى حركات سياسية سيطرت على أنفاس الأمة، ومحركها الثابت واحد !!! (الدول ذات الرساميل النفطية التي رسمت حدود وأبعاد ما يسمى الدول ذات السيادة ؟.

في تلك الظروف والأجواء الحالكة.. بزغ نور الدعوة من قبل ثلة من الوطنين والمفكرين الأسلاميين، لغرض أنتشال الأمة من الواقع المزري، الى واقع الكرامة ... ومرت مسيرة الدعوة بمخاضات عسيرة (السجون ... أحواض التيزاب.. الهجرة القسرية وظروفها الصعبة .. التشظي ...قلت الموارد وغيرها من الأزمات العاصفة!؟).

كما هو واضح للعيان، جذور ألاعم الأغلب للأحزاب السياسية والتيارات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والأنساني، سواء كانت يسارية ....يمينية أو اللبرالية، ترتبط بشكل مباشر بأجهزة مخابرات عالمية من كلا المعسكرين؟

فما بالكم ! بحزب أسلامي تحرري ذي رؤية منفتحة، ينشد رفع الحيف والظلم عن كاهل الأمة، هذا النمط والسلوك المستقل الذي يستل توجهاته الفكرية والتنظيمية من القرأن والسنة الصحيحة ...

لا يروق للدول الأستكبارية، كما أن المرجعية تتمتع بقوة قرار في تحريك الشارع الشيعي فضلاً عن السني ...

فكيف يسمح لحزب الدعوة، الذي جذور ولادته وترعرعه في أخضان الحوزة ... ومنطلقه وتكوينه يتعارض مع الطموحات القوى الكبرى ...

عندما أشرق عطاء الحركة الأسلامية، لغرض قطف ثمار ذلك المولود، الحديث الولادة، والغريب في عالم السياسة الأستكبارية المتوحشة التي تلتهم وتكتسح من يقف في طريقها، لغرض تحقيق أجندتها الخاصة بالسيطرة على مقدرات الشعوب، وسلب خيراتها سواء كان ذلك بالوسائل الناعمة.... او الأحتلال المباشر، ويتضح ذلك، في العراق، أيران، الجزائر، سوريا، ليبيا، اليمن وغيرها من الدول ذات السيادة .

المصاديق الشيطانية، التي أستخدمت في أجهاض مشروع الحركة الأسلامية، وعلى رأسها حزب الدعوة الأسلامية، الذي كان يحتل المكانة المرموقة لتحقيق تطلعات الشعب المسكين!! يتجسد من خلال توريط القيادات من الخط الأول في مصيدة الحكم وتبعياته في بلد، يعاني الأزمات المستعصية!! على مستوى البنية التحتية.. وبنية المجتمع المحطم نفسياً.. بأعتباره خرج تواً من دكتاتورية خنقت أنفاسه لعقود طويلة !!!!

 - توريط القيادات المتصدّيه، بكل أطيافها، بعد سقوط النظام المقبور ...بمصيدة !!! الوسائل الناعمة، ويتجلى ذلك من خلال الدستور ... ونظام الحكم البرلماني (النظام البرلماني الوصفة السحرية التي تقرها مخابرات الدول الأستعمارية، للدول التي لا يرومون لها الأستقرار السياسي والأمني والأقتصادي) الذي يُعد الفخ الذي أعد من قبل مراكز الدراسات والبحوث المخابراتية ذات الخبرة العريقة في الشرق الأوسط، وخاصةً في العراق، الذي يعتبر قطب الرحى، لما يحتل مركز الصدارة من الناحية الأستراتيجية للدول ذات النوايا الاستعمارية ....

 - دق أسفين التفرقة والتشظي، داخل كيان الحركة الأسلامية، فضلاً داخل الحزب الواحد (الدعوة) والتيارات الأسلامية التاريخية الأخرى والتي لها دور مشّرف في أضعاف النظام المقبور وأسقاطه ... وتم ذلك من خلال الأموال والأمتيازات الوفيرة، التي سكبت في أحضان الجميع .

- أختل التوازن الطبيعي لتطلعات وسياقات القيادات ... من هنا المقتل الحقيقي، ووأد الأهداف المبدئية، التي طالما ناضلوا وجاهدوا من أجلها ... والذي يؤسف له تبخرت !!!

وزال بريقها، بمجرد التقرب الى بحبوحة هارون الرشيد ؟.

- الشيء الملفت للنظر والذي يعد أمراً خارج المألوف في الأوساط السياسية، ما يتعلق بالكيانات ودورها في النيل وتسليط الضوء على العيوب والمثالب بين أوساط، القيادات التاريخية، لحزب الدعوة التي حملت المسؤولية ولسنوات طويلة، وأخيراً تساقط الجميع في عيون المجتمع، ويعد هذا الأمر، تخريب وتحطيم الحركة الأسلامية، وألغاء دورها المرتقب في خدمةالامة، وهذا ما تسعى أليه الدوائر الأستكبارية .

اليوم أذا نظرنا الخارطة السياسية لمستقبل الحركة الأسلامية وعلى رأسها حزب الدعوة، وبعد الأخفاق المدوي في الحكم (ثلاث دورات لرئاسة الوزراء) . والحق يقال العامل الدولي والأقليمي بالتنسيق مع أطراف داخلية، هذه المنظومة بالأضافة الى الأعم الأغلب من الأداء السيء في أدارة الدولة ..هذه المعطيات ساهمت في الفشل والأخفاق ويعلل ذلك ليس لدينا رجال دولة، بل رجال سلطة (المنصب، المال) . وتجربة الأخوان في مصر ماثلة أمامنا، بالرغم أن سياستهم تنسجم الى حد ما،؟مع المشروع الغربي في الأقليم .

من خلال ما ذكر أعلاه، نستعرض الخطوات التالية التي، من الممكن أن تساهم في أعادة ترتيب أولويات الحزب كي يرتقي، و يستطيع أن ينهض من كبوته ويعالج أخفاقاته من خلال،

١- أجراء مراجعة شاملة، لأساليب الحزب قيما يتعلق بالجانب التنظيمي.. والفكري.. والاعلامي، والوقوف على المعضلات والعقبات التي حالت دون تحقيق أهدافه وتطلعاته، المتعلقة بالسلطة، والقاعدة الجماهيرية .

٢ - أعطاء فرصة للجيل الثاني، لقيادة الحزب، بأعتبار القيادة السالفة أخفقت، وأصبح الفشل حليفها، ويعد ذلك أمراً طبيعياً، وأذا كان لهم مقدار من الشجاعة !! أن يعلنوا ذلك الفشل أمام القواعد الحزبية المتبقية ! وأمام الشعب .

٣- أتباع أساليب ذات طابع برغماتي يستند الى الواقع الموضوعي لطريقة الأحزاب الوطنية الناجحة، والمتبعة في الأقليم مثل تركيا، والمتعلق معايشة ومساعدة الطبقات المسحوقة من المجتمع، أي بمعنى أستلام مسؤوليات البلديات في القصبات والنواحي والأقضية، والغرض من ذلك تحقيق الهدف الرباني (هداية المجتمع) والذي يعد أحد أهداف الحزب، والثاني ألغاء الصورة السوداوية التي أعترت الحزب خلال تسنمه مقاليد السلطة .

٤- الأمانة العامة للحزب يجب أن يراعى فيها المدة المحدودة، كي تسنح فرصة للأخرين، أن يرفدوا مسيرة الحزب بدماء جديدة، تنسجم مع حركة المجتمع وتطلعاته وأستخدام سياقات متطورة تنسجم مع طموح الأجيال القادمة .

٥- أستخدام تكتيك تنظيمي، يُحد من ظاهرة التغول والمصادرة، من قبل فئة معينة لها علاقة، بالمدينة... المنطقة ...العشيرة ... المحاباة ... وهذا التكتيك يتضمن أساليب عديدة، منها تشكيل لجان أمنية .. تنظيمية.. أجتماعية.. ثقافية... وكذلك لجان لها علاقة بالتدقيق والمحاسبة، وكذلك نبذ الروح الحزبية الضيقة، والتعامل بالبعد الأنساني .

وقلِ أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ...

 

د. نور الموسوي

 

 

سعيد توبيرالشراكة الاوربية انموذجا

في الحقيقة احتفت عدد من المواقع الاعلامية المغاربية والجرائد الوطنية بتصويت البرلمان الاوربي على تجديد الاتفاق الفلاحي مع المغرب، لكن لا احد تساءل كيف تم اختزال الشراكة في مجرد اتفاق خاص بقطاعي الصيد والفلاحة؟ لماذا لا ترقى هذه المواقف الاعلامية الى مستوى التحليل التاريخي والسياسي لحقيقة الجدل الذي يحكم العلاقة اللامتكافئة - ما بين مغرب مازال ينزف من جرح استكمال وحدته الترابية ومصالح "قارة عجوز" وقد عادت الى ممارسة منطق سايكلوجية المستعمر مع ما يحكمها من عدوانية في الاحتكار والهيمنة في تعاملها مع جنوب ضفة البحر الابيض المتوسط وعلى راسها "المغرب الاقصى"؟

الواقع هو ان "المقاربة الاعلامية" تتحرك ضمن منطق التدافع الايديولجي ومنطق السوق والمناسباتية مما يفوت على "الرأي العام" فرص التعمق والتدقيق في فهم المسائل التي تحتاج فعلا الى عدة ذهنية وعلمية لفك شفرة الشبكة البنيوية الناظمة لعلاقات الاحتكار والهيمنة وامكانيات المقاومة والتحرر وبناء الذات على اسس منطق العالم الحديث من استعياب للعقلانية والنسبية والديمقراطية والانساق الاقتصادية التنافسية. وعليه، نرغب من جهة المسؤولية الثقافية ان نكشف للقارئ العربي عموما والمغربي خصوصا حقيقة الصراع "التاريخي الخفي" الذي يحكم منطق هذه "الشراكة القطاعية" بنوع من الايجاز والتركيز، ذلك ان "المقاربة التاريخية" لا تستطيع الحكم على الاني او السطحي وانما ترتد الى الجذور التاريخية التي تكون دائما عميقة ومتشعبة.

1- ليست الدولة المغربية كما يقول د عبد الله العروي (1) دولة "استعمارية" نشأت في حدود خططها المستعمرون واورثوها لقادة البلاد الجدد بعد الاستقلال، بل هي دولة تاريخية، تكونت عبر قرون، وبخاصة بعد القرن السادس عشر. وتبلور الوعي الوطني المغربي اثناء صراع مرير ضد الاسبان شمالا وضد الاتراك العثمانيين في الشرق، للمحافظة على حدود معروفة لدى السلطة والشعب. وكان الشعور بضرورة حماية حدود معروفة، لايقل رسوخا عن الوعي بالمحافظة على استقلال البلاد.

2- لم يرث الاستعمار الاوربي السيادة على المغرب من دولة سابقة (مثلا الاتراك في الجزائر) او من رؤساء القبائل (عموم افريقيا) ولم تخلق من عدم (استراليا) . وانما استمرت السيادة المغربية رغم تفويض الادارة لدولة او مجموع دول اروبية - واكد على هذا التمييز بين السيادة الواحدة والادارة المفوضة الى عناصر مختلفة. عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء(1906) وما تلاه من من اتفاقيات ثنائية. كان الفنرنسيون يديرون شؤؤن الدارالبيضاء والاسبانيون طرفاية والبلجيكيون وسواهم طنجة . لكن كان الجميع يعترف بسيادة واحدة. السيادة الواحدة المتقمصة في "حقوق السلطان"

3-  يعتبر الدكتور محمد "عابد الجابري" رحمه الله(2) انه في يونيو 1974 على إثر قرار إسبانيا (فرانكو) إجراء استفتاء في صحرائنا الغربية، وكان الهدف هو إقامة شبه دولة “مستقلة” تابعة لها. ولما تبين للمغرب، حكماً ومعارضةً، أن هذا المخطط كان بتواطؤ مع الحكومة الجزائرية، والتي كانت تطمح إلى الوصول بحدودها الغربية إلى المحيط الأطلسي عبر هذه الدولة المزعومة، اكتست القضية حينئذ بعداً آخر: تطويق المغرب وعزله من الشمال والشرق والجنوب (والمحيط الأطلسي من الغرب). كان هدف إسبانيا من ذلك ضمان استمرار احتلال سبتة ومليلية وضمان تأييد الحكام الجزائريين. أما هدف هؤلاء فكان ضمان استمرار استتباع تندوف ومنطقتها والحصول على منفذ إلى المحيط الأطلسي (على مسافة 300 كيلومتر) لتسويق معادن هذه المنطقة (حديد “كارت جبيلات)، خصوصاً بعد أن تبين أن تصديره عبر الموانئ الجزائرية على مسافة 1500 كيلو متر، مكلف جداً.

4- وعليه فان العروي (3) يعتبر ان عودة المغرب الى المطالبة بالصحراء المغربية لتصفية الاستعمار الاسباني مسألة حتمية، والتي افضت الى ملحمة شعبية وسلمية وطنية" المسيرة الخضراء"؟ لقد نوه العروي كذلك بالقيادة والفكرة والاسلوب، كما ثمن فيها جرأة الملك الحسن الثاني السياسية والشجاعة الديبلوماسية والتخطيط الاداري التي خاضها في تنظيم ملحمة تاريخية ووطنية اسمها " المسيرة الخضراء" والتي اصبحت نبراسا للرأي الدولي والشعب المغربي في فلسفة السلمية واسترجاع الحقوق بالطرق المشروعة: (تحريك 350.000 من المواطنين بتوفير كل من النقل والتغذية والصحة في جغرافية قاحلة امام انظار العدو)؟ وبطريقة غاية في الذكاء على مستوى التخطيط والتنفيذ تفادت المسيرة التاريخية النموذجية كل مظاهر الانحراف او العنف، انه الحدث الروحي التاريخي الذي يؤكد اهمية الثنائية السرمدية "ثورة الملك والشعب" في استرجاع السيادة الوطنية الترابية.

انها لحظات تاريخية مهمة تربطنا بالحاضر عبر "دروس تاريخية" والتي تمارس فيه اوربا دراما الصراع" الفرانكو الماني" ضغطا على المغرب الذي راكم مناعة تحتاج دائما الى الدعم والتقوية في بناء "وطنية مستقبلية" قادرة على الاستيعاب والتجاوز. واما اليوم بعد تراجع الحرب الباردة وخلق الغرب ذو القطب الوحيد لعدو وهمي "الاسلام" ملصقا به ظاهرة الارهاب ظلما وعدوانا، فان كل الدول النامية ومنها المغرب تتعرض لقصف تكنلوجي راسمالي احزمته عولمة فائقة التوحش. وهو ما جعل اليوم اوربا تعيش على فتات الموائد الامريكية، ناهيك عن معاناتها من ازمة اقتصادية خانقة واجتياح المهاجرين وانفجار ديمغرافي للجاليات المقيمة، فيها ناهيك عن اكتوائها بسعار الارهاب. وبالتالي سنعمل على عرض بعض ملامح سلوكاتها العامة اتجه المغرب المعاصر:

ا- ان اوربا تفكر بمنطق عقلاني فيما يخص مصالحها وان المغرب شريك اساسي بحكم الضرورة الاستراتيجية، واهميته تظهر على مستوى معالجة ملفات اوربا الحارقة: الهجرة المهددة لبنيتها السكانية/ الارهاب الذي اكتوت به ديار"عواصم" دول السوق، ناهيك عن ملفات الجريمة وتجارة السلاح والمخدرات. وفي هذا السياق تقول النائبة الاوربية "انماكولا رودريغز بينييروفرناندز":( ان الاتحاد الاوربي سيكسب كثيرا اذا ما دفع نحو اندماج اكبر للمغرب داخل السوق الاوربية الموحدة).

2- تقتضي "السوق الاوربية الموحدة" ان تتعامل مع دولة مؤسسات وادارة عصرية وليس عصابات تقتات من المساعدات الدولية وتتاجر في البشر وترهب سكان المخيمات وتعذبهم امام مرأى ومسمع من هيئة الامم المتحدة ومنظمة غوت اللاجئين عاجزة عن احصاء وفحص وضعية الرهائن او محتجزي الحرب في مخيمات الذل والعار بمباركة جزائرية سافرة من خلال الاحتضان والتوجية والرعاية السياسية والعسكرية.

3- ان توقيع اتفاقية الصيد البحري لدليل تاريخي قاطع على تهافت الاجتهادات اللاقانونية للمتربصين بوحدتنا الترابية. انها الجواب الجذري والحاسم على كل من تسول له من "مرتزقة وفقهاء حرب العصابات" التشويش على مصالحنا وترواثنا ومستقبلنا امام "ارادة امة مغربية" تاريخية تسير بخطى حثيثة نحو الديمقراطية والتنمية الشاملة بحكم الموقع الجغرافي التنافسي، الذي يسمح للمغرب بتنويع شراكاته الدولية: "السوق الاوربية" / "الصين" / "روسيا" /"دول الخليج"/ "الهند" و"اليابان" مؤخرا.

اننا نحيي ونثمن جهود "الديبلوماسية المغربية" التي تشتغل بتوجيه من "الارادة الملكية السامية" في هدوء على مستوى التفكير والتخطيط والدينامية الاعلامية والسياسية التفاوضية التي لا تعرف الا العمل الجاد والمضني. وبالتالي تفرض الحكمة في التعاطي مع السيادة الوطنية هي ان تفاوض انطلاقا من موقع القوة العقلانية والاستراتيجية، اذ لا يمكن تقطيع السيادة الترابية : "على الجزء ان يلتحق بالكل" في اطار "الدولة" الحديثة التي تلعب دور الاساس الصلب في تحقيق التوازن بين المصالح وصراع القوى بتعبير عالم الاجتماع السياسي الالماني "كارل دوتش". وبالتالي فان المغرب كل متكامل "المغرب الطوبوغرافي" المنفتح والمتفتح بلد السلم وليس الاستسلام.

نخلص في النهاية من خلال هذه الملاحظات التاريخية ذات البعد السياسي الوطني هي الحافز الفعال في توحيد الصفوف وتضافر الجهود الجميع لبلورة مشروع مجتمعي حداثي ودولة الحق والقانون، على اساس ان أن المجتمعات التي تضمن لنفسها استقرارا وانخراطا إيجابيا هي التي تبلور بشكل نوعي قاعدة مشتركة متوافق عليها. وبالتالي فان هذا التوافق كفيل بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع"، ودعا الجميع إلى المساهمة، كل من موقعه، في بناء المستقبل المنشود، قبل أن يؤكد على وحدة جميع القوى السياسية وضرورة استرجاع هذا المكون للمبادرة.

- علينا نحن المغاربة ان ندخل تلقائيا زمن الاختيار والحسم والارتماء مباشرة في مشروع "الحداثة والتحديث" لانه لم يعد هناك اي متسع من الوقت امام عجز سياسي لايحتاج الا للملاحظة والاستقراء وعقم ثقافي مروع يفسره لهث النخب وراء الرفاهية المرعية. اذ لاديمقراطية ولا أي شيئ دون تخفيض معدلات الامية. اذ "لاديمقراطية بدون ديمقراطين". ما يلزمنا اليوم "بديل حكومي" نشيط قادر على اخراجنا من عنق الزجاجة الاقتصادية والاجتماعية" الاحتقان السياسي والغليان الاجتماعي" وتوطين لثقافة نقدية تاريخية تحررنا من الفكر التقليدي وثقافة الماضي وكل ما هو ميت ومميت في التراث، أي الاوهام والمطلقات.

 

الاستاذ: سعيد توبير

المملكة المغربية.

............................

المراجع المعتمدة:

1 - الدكتورعبد الله العروي: مقالة - في موضوع الصحراء المغربية- رسالة مفتوحة الى مصطفي خولي- ص 83

"مغربية الصحراء، مقالات مرافعات ووثائق".للاستاذ عبد الصمد بلكبير.

2- الدكتور محمد عابد الجابري: الصحراء المغربية وقضية الديمقراطية- مجلة الازمنة الحديثة. 10 يوليوز2007

3- الدكتورعبد الله العروي: وثيقة- الجزائر والصحراء المغربية- الترجمة الفرنسية 1975.

 

عبد الخالق الفلاحاختلفت التفسيرات التي تُحاول تعريف مفهوم الاستبداد الذي يعني الانفراد والتسلط، وداء ابتليت به الكثيرة من الشعوب في بعض مراحل التاريخ ولازالت تأن من شدتها ومن تحديات صعبة مرت عليها وهو أسوأ أنواع السياسة، وأكثرها فتكا بالإنسان، ويؤدي إلى التراجع في كافة مرافق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ...الخ، وإلى تعطيل الطاقات وهدرها، وإلى سيادة النفاق والرياء بين مختلف فئات تلك المجتمعات، كل حسب مجالات اشتغاله أو ميادين مقاربته، سواء من حيث الأفكار والمعتقدات أو من حيث الممارسات والسلوكيات. غير أن الطبيعة التي يَتولَّد عنها أو يُولِّدها في مكان وزمان تبلوره، تَظَلُّ واحدة. وغالبًا ما تكون متَّسِمة بالاستعباد والاغتصاب والاستحواذ والاستئثار دون وجه حق تارة كما تفعل الولايات المتحدة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط ؛ حيث نجدها تَتَّسم بالنّهب والتسلط والطغيان تارة أخرى والتي نشاهدها في العلاقة مع المملكة العربية السعودية ودول اخرى في المنطقة التي تتسلط على رقاب شعوبها بالقوة وحد السيف من اجل تحكيم وجودها في السلطة .

كيفما كانت الأوضاع التي يظهر الاستبداد فيها، فإنها غالبا ما تَتَّصِف بالمأساوية. تظل رغبته في النزوع إلى الاستعباد والتسلط والاستلاب، وفي رغبة ممزوجة بميول طغيانية لا تتغير أو تتبدل، بل تزداد أُلْفَة نظرًا لتوفر المستبد على آليات وأدوات لدعم مختلف عاداته السيئة، ومحاولة فرضها على الآخرين لمجرد اعتقاده بأن كل سلوك يصدر عنه، يعتبر من وجهة نظره قيمة سياسية لوجوده.

ان التصريحات الاخيرة للرئيس الامريكي دونالد ترامب : النص : إن "احتفاظ الولايات المتحدة بوجود عسكري في العراق أمر مهم حتى يمكنها مراقبة إيران، لأنها تمثل مشكلة حقيقية " والذي جوبه برد من قبل السيد عادل عبد المهدي في مؤتمره الصحفي الاسبوعي إنه “لا توجد قواعد عسكرية اميركية في العراق، بل هناك مدربون في اطار التحالف الدولي”، مبينا “نرفض استخدام العراق من قبل اية دولة ضد دولة اخرى، حيث سنبلغ الجانب الامريكي بوجهة نظرنا”، داعيا “الاصدقاء الأمريكان”، الى “سحب هذه التصريحات والتراجع عنها”: مثل هذه التصريحات تدل على الجهل ومحاولة لخلط الأوراق في المنطقة وفي بقاء القوات الامريكية في العراق من هذا النوع من الكلام تعني استفزازاً وحيث تطبقها خطوة بخطوة سوف تكون لها عواقب وردود افعال قوية شعبية ولا يجب الرضوخ لها ولا تقبل السكوت عنها فإن العراق كدولة ذات سيادة واستقلال وتاريخ وحضارة تفتقر لها بلدان عديدة "حتى الولايات المتحدة الامريكية من بينها" وقيادته الحالية مسؤولة مباشرة امام هذا التحدي العلني الوقح والمقززلكل وطني شريف للمحافظة على ارض وسماء الوطن وشعبه سيدافع عن نفسه واذا كان يريد من خلالها إرسال رسائل مبطنة لتحقيق أشياء غير مفهومة المعاني ، فارض العراق ليست ضيعة لاحد ولن تنفع في هذه المرحلة مثل هذه الامور والقيادة السياسية للبلد يجب ان يكون لها موقف واضح وصريح هذه المرة لان مثل التصريحات لا يرتضي لها المواطن الحريص على بلده ووطنه لأن الترميز بات سهل الفك، ومما لاشك فيه ان زيارة الرئيس ترامب إلى القاعدة العسكرية في العراق “عين الأسد” في رأس السنة الميلادية كانت لها مدلولات كبيرة،والتي قال عنها " لديه قاعدة مثالية الموقع يستطيع، من خلالها مشاهدة اجزاء كثيرة في الشرق الاوسط المضطرب .وانّه سيستمر في المراقبة ليرى فيما اذا كانت هناك مشكلة، أو فيما اذا كان احد يتطلع الى صناعة اسلحة نووية، فسوف يعرف ذلك قبل أن يفعلها ذلك الشخص" وتحمل في طياتها رسائل تهديد كثيرة، وخاصة إلى المحور الذي أرغمه على الانسحاب من سورية والنجاحات التي حققها الجيش العربي السوري مع الدول المقاومة والمتحالفة معه كانت ملهمة لإخراج قواته مهزومة من هذا البلد وتعاني مشاكل في ميزانيتها السنوية من عجز، "ولان الحرب اصبحت مكلفة حيث ان وزارة الدفاع الامريكية قد خصصت 69 مليار دولار لنفقاتها العسكرية في افغانستان والعراق وسوريا من ميزانيتها لعام 2019 والتي بلغت 716 مليار دولار بزيادة 16 مليار عن ميزانية 2018 .وفي حالة انسحابها من العراق بعد خروجها من سوريا وافغانسان، فانها ستوفر هذا المبلغ، الذي هو اكبر من ميزانية وزارة الدفاع الروسية لعام 2019 بما يقارب 19 مليار دولار". وممّا لاشكّ فيه ان توفير مثل هذا المبلغ الكبير سيمكّن الولايات المتحدة من خوض سباق تسلح مريح، وحيث تعتقد انها ستكون مكلفا بدرجة كبيرة لروسيا وهي تعرف حقاً ان الشعوب لا تتخلى عن حريتها واستقلالها حتى تحت وطأة المخادعة والتضليل ولن تمر عليها ويكون لها ردا غير محدود على اي تصرف اذا ما اصرت في بقاء قواتها وهذا حق طبيعي نصت عليه القوانين الدولية ومواثيق الامم المتحدة . والقلق لا يأتي من تواجد اعداد من القوات الامريكية الموجودة وشرعنة اغتصاب البلدان وبقائها على الارض العراقية وادخال الجمهورية الاسلامية الايرانية في المعادلة والتي لا تغفل قوتها في تطوير امكانياتها العسكرية واخرها وضعتْ رؤوساً حربيةً مُوجَّهةً بدقة فوقَ أكثرِ صواريخِها تطوراً وأطولِها وذاتِ قدرةٍ على الوصول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة والقواعدِ العسكريةِ الأميركية في الخليج الفارسي. ويبلغُ مدى الصاروخ ألفي كيلومترٍ، ويُستخدَمُ فيه الوَقودُ السائل، وهو صاروخ "ارض-ارض" بطولِ ثلاثةَ عَشَرَ متراً، وقطرِ مترٍ ونصفِ المتر. وهذا النموذجُ من الرؤوس الحربية كانَ قد تمَّ تزويدُ الصاروخ "عماد" في الأعوام السابقة، كما تمَّ تزويدُ العديد من الصواريخ به مثلِ "قدر" و"قيام " وهي تعلم فشلها وبكل صراحة في حال جرى أي تصعيد مقبل نحوها ستكون القواعد العسكرية الامريكية التي تقام على الاراضي العراقية سهلة وفي مرمى هذه الصواريخ ولا تعني التطور العسكري الايراني جزء من الشروع بتعبئة لحرب انما لاجل الدفاع عن مصالحها . هذه المواقف والتحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في داخل الأراضي العراقية، تمثل إنتهاكاً صريحاً للسيادة العراقية، وتحدياً صارخاً للإرادة السياسية الحُرة الهادفة لتحييد العراق عن أي صراع أقليمي وتجنيب الدولة خوض حرب بالوكالة عن إرادة ومصالح من لا يريد بالعراق والمنطقة خيراً وقد تكون اشارة لمحاولة تغيير في رسم خرائط النفوذ في المنطقة من قبل امريكا، ورسالة حول استذكار انّ القوى الكبرى لم تقرر تسليم المنطقة لقوى اقليمية بسهولة وخاصة تجاه ايران التي تقود المقاومة بكل شجاعة والتي حملت شعار "هيهات من الذلة ونفضل ان نموت واقفين على أن نحيا راكعين" واشارة لتركيا كونها غيرت سياستها نوعياً حول هذا الملف وليست مطلقة اليد في سوريا بعد الانسحاب الامريكي منها، والحقيقة لا يعني إلأ من اجل الوقوف لحماية إسرائيل وهو جزء من الأمن القومي الأمريكي كما تعتقد، فالولايات المتحدة الامريكية متواجدة في سوريا والعراق، ليس لمواجهة داعش والقاعدة والمجموعات الارهابية الاخرى التي صنعتها وتعيش نهايتها، بل للحفاظ على أمن إسرائيل، وهذا لا يمكن تحقيقه كما تعتقد إلا من خلال عدم الاستقرار في منطقتنا، وما كانت تريده الولايات المتحدة الأمريكية وانشئته في سوريا وفي العراق وباتت ملامحه مكشوفة وتظهر بالتدريج .إلا ان سياسة ترامب الانعزالية في الداخل الامريكي وعدم التأييد في الخارج سوف لن تجعل امريكا هي الاقوى كما كان يدعي في خطابات الترشيح للانتخابات ولاينبغي للولايات المتحدة من تبديد قوتها في مناطق لا تشكّل تحدّيا حقيقيا لأمنها ووجودها كما هو واضح وللشعوب كلمة .

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

محمد العباسيمنذ الحركة الحوثية الأخيرة وسيطرتها العارمة على أغلب الولايات والمحافظات والمدن اليمنية من أقصى شمالها حتى أطراف "عدن" في أقصى جنوبها.. ويدور في ذهني ألف سؤال وسؤال. هل باتت الدول العربية "هشة الأساسات" أمام الإعصار "الفارسي" دون رادع ولا حيطة ولا حتى توقع لما هو آت ؟؟ هل هنالك عجز مخابراتي تام عن التنبوء بما يدور خلف الكواليس الداخلية لليمن وبعض دول الجوار.. ولا من جهة رأت وإستنبطت وتوقعت حركة الأصابع الإخطبوطية بين وديان اليمن.. إلا بعد فوات الأوان؟

الحركة الحوثية أو حركة (الشباب المؤمن) أو كما عُرفت أيضا بإسم "أنصار الله" تشبهاً صريحاً بـ"حزب الله".. هي حركة سياسية دينية مسلحة تتخذ من صعدة في شمال اليمن مركزاً رئيسياً لها.. ومنذ اندلاع أول الحروب الستة بينها وبين الرئيس اليمني السابق "علي عبدالله صالح" وهنالك سؤال يدور في الأذهان: طالما الجهتان "زيديتان" من حيث المذهب، كيف لم تتفقا وكيف تكرر الصراع وتكالبت الحروب بينهما؟ والسؤال الأكبر بعد أ طفى على السطح وبعد تحليل التعاون بين الحوثيين و"صالح" (المخلوع حينها) هو: هل كانت تلك حروب حقيقية بينهما.. أم لم تكن أكثر من تمثيليات لابتزاز المال والسلاح والدعم من بعض دول الجوار، وبالذات من المملكة العربية السعودية؟

مثل هذا السيناريو لا يبدو مستبعداً ولا مستحيلاً، بالذات إذا علمنا أن "صالح" وأعوانه قد عملوا عقوداً من الزمن على تكديس كميات هائلة من الأسلحة والصواريخ والعتاد في الكهوف والجبال.. بينما من المفروض أن أغلب تلك الأسلحة قد تم استهلاكها في تلك الحروب المتكررة ضد الحوثيين من جانب وضد "القاعدة" من جانب !! وقد أقحمت "القاعدة" هنا حتى أثبت وجهة النظر هذه، لأن "صالح" كان يبتز "السعودية" و"الأمريكان" بدعوى محاربة القاعدة، بينما اكتشفنا مؤخراً أن "أحمد صالح" (ابن علي عبدالله صالح) كان يموّل القاعدة بالمال والعتاد.. من أجل ابتزاز العالم والحصول على المساعدات والدعم والثبوت في حكم والده وثبوته في السلطة من بعده! بذريعة لزومهما في محاربة بعبع "القاعدة". وهكذا نكتشف أن هنالك مليارات الدولارات في بنوك العالم مما لم ينفقها "صالح" في مواجهة "القاعدة" كما لم ينفقها في مواجهة "الحوثيين".. وبالتالي كان ينفق من أموال "السعودية" ضدها.. ويدفع بالحوثيين للتحرك شمالا نحو حدود السعودية كلما أراد المزيد من المال!! وببعض هذه المليارات كان حينها يشتري ذمم القادة العسكريين وشيوخ القبائل ويجعلهم جميعاً يدورون في فلك "آل صالح" ويدينون لهم بالولاء التام.

أما "القاعدة" فقد تم حصرها في الجنوب، لهدف بعيد المدى.. لتكون خنجراً في خاصرة الجنوبيين إن هم يوماً أرادوا التحرر من الشمال.. غير أن إبقائهم في ولايتي "شبوة" و"أبين" المطلتين على بحر العرب بالذات فقد كان لها أهداف أخرى أكثر "شيطانية".. فعبر هذا التواجد والتحكم كانت "القاعدة" معبراً لأكبر عمليات تهريب السلاح والعتاد وحتى المخدرات.. لمصلحة أتباع "صالح" ومنها كانت كميات من المخدرات تنتقل إلى الحدود السعودية.. مروراً بكل ولايات الشمال دون إعاقة.. بينما كانت الأسلحة تنتقل إلى "صعدة".. بتعاون تام بين قادة "القاعدة" القابعين في "إيران" وقادة "الحرس الثوري" الإيراني.. ضمن الخطة الفارسية وتواطؤ "صالح" و"قاعدة" اليمن و"الحوثيين" لإتمام المخلب الجنوبي للكماشة الطائفية الشمالية الممتدة من "قم" حتى الضاحية الجنوبية في "بيروت".

موقع "عدن تايم" يشير إلى هذه العلاقة بالقاعدة: "بدأت علاقة "صالح" بالقاعدة منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، حين جند عناصر جهادية عادت من أفغانستان ضمن الجيش اليمني ومنحهم رتباً عسكرية، وتمكنت تلك العناصر من اغتيال أكثر من 150 مسؤول جنوبي عقب أشهر من توقيع اتفاقية وحدة هشة بين البلدين الجارين عدن وصنعاء.. واستخدم صالح القاعدة محلياً لتصفية خصومه وخارجياً لإخافة الغرب."

و قد سلّم الرئيس "صالح" محافظة "حضرموت" كبرى محافظات البلاد والأكثر مساحة في جنوب اليمن لعناصر تنظيم القاعدة.. التي يحركها هو، ويفسر مسؤولون في "حضرموت" في تصريحات بأن إسقاط "حضرموت" بيد العناصر القاعدية كان من أجل إيجاد منفذ بحري لتهريب السلاح عبر البحر.إلى الشمال.. ويقول المحلل السياسي "ماهر أبو طير" : "إن السلاح يتدفق على ما يبدو إلى اليمن بطرق مختلفة، فبرغم كل الضربات الجوية لمخازن الأسلحة والذخائر.. إلا أن الحوثيين وجماعات الرئيس صالح، ظلت تقاتل، ولا ينفد لديها لا السلاح ولا الذخيرة".

و يتوسع نطاق الاستغراب فيما كان يحدث في اليمن ليطال دور الرئيس اليمني الحالي "عبدربه منصور هادي" نفسه طوال الفترة السابقة لخلع "علي عبدالله صالح".. فقد تدرج "هادي" في مناصب القطاع الأمني في الجنوب ابتداء من درجة ضابط في جيش الجنوب العربي عام 1966 وحتى رتبة فريق عام 1997.. وبعد الاستقلال (1967) عُيِّن "هادي" قائداً لسرية مدرعات في قاعدة "العند" بالمحور الغربي لجنوب اليمن، ثم مديراً لمدرسة المدرعات، ثم أركان حرب سلاح المدرعات، ثم أركان حرب الكلية الحربية، ثم مديراً لدائرة تدريب القوات المسلحة.. ثم انتقل عام 1972 إلى محور الضالع، وعين نائباً ثم قائداً لمحور كرش، حتى صدر قرار بتعيينه وزيراً للدفاع، ثم عين نائباً للرئيس.. ثم بعد الإتحاد بين شطري اليمن انتخب "هادي" نائباً لرئيس "المؤتمر الشعبي العام" الحاكم وأميناً عاماً له في نوفمبر 2008.. وأخيراً شغل "هادي" منصب نائب الرئيس 1994-2011، وثم منصب القائم بأعمال الرئيس "علي عبد الله صالح" حين كان يخضع للعلاج في السعودية من إصابات لحقت به في حادث مسجد الرئاسة.. وفي نوفمبر 2011 أصبح رئيساً بالإنابة مرة أخرى قبل الانتخابات الرئاسية اليمنية 2012 التي خاضها "هادي" مرشحا للتوافق الوطني، وأجمع على اختياره حزب المؤتمر الشعبي العام وأحزاب تكتل اللقاء المشترك.

تاريخ الرئيس "عبدربه منصور هادي" غني بالمناصب والأدوار العسكرية بين معسكري اليمن الجنوبي ومن ثم الجمهورية اليمنية الموحدة.. ويبدو الأمر غريباً أن لا يكون على علم ودراية بما كان يخطط له المخلوع"صالح" طوال فترة رئاسته لليمن.. ولذا من غير المعقول أنه لم يكن يعلم بما كان يدور في الكواليس الخلفية من تخزين السلاح وشراء ولاءات وذمم قادة القواعد العسكرية في كافة أرجاء اليمن وبالذات في الجنوب!!

من أجل بعض الإنصاف في حقه لا بد أن نذكر هنا أن الرئيس "هادي" أجرى عملية هيكلة واسعة للجيش اليمني والأمن بإقالة العشرات من القادة العسكريين الموالين للرئيس المخلوع بعد الثورة على "صالح"، وأطاح بكبار القادة الموالين لثورة الشباب اليمنية، وقام بإعادة تنظيم وتوزيع الوحدات العسكرية والأمنية.. وقال: "إن إعادة بناء الجيش اليمني على أسس وطنية يكفل حياده وعدم دخوله في الصراعات السياسية".. كما عمل بعد توليه الرئاسة على تنفيذ اتفاقية مجلس التعاون الخليجي التي بموجبها تنحى "علي عبد الله صالح"، وكلف حكومته الجديدة بمعالجة مسائل العدالة الانتقالية، وإجراء حوار وطني شامل، وتمهيد الطريق لصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات عامة عام 2014.. لكن اضطر "هادي" لتقديم استقالته في 22 يناير 2015 بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء وخضع لإقامة جبرية في بيته بصنعاء فرضها عليه الحوثيون، غير أنه استطاع بـ"ترتيبات سرية" الإفلات من قبضتهم والتوجه إلى مدينة "عدن" في الجنوب يوم 20 فبراير 2015.

رغم هذا السرد المختصر لتاريخ "هادي" أميل لفكرة أن مناصب الرئيس "هادي" العسكرية والسياسية لم تكن قط مبنية على أسس قوية.. ولم يثبت "هادي" بعد بأنه رئيس ذو نفوذ أو ذو قدرات إدارية يمكنها أن تنتشل اليمن من قاعها.. بل يبدو جلياً أنه كان مغيباً عما كان يدور من حوله من مخططات شيطانية.. وتدخلات إيرانية.. وتسليح ممنهج للحوثيين وتهريب للعتاد.. وربما لهذا الضعف الملحوظ في شخصيته لجأ "صالح" حينها في ترشيحه خلفاً له كرئيس مؤقت.. وقد قال الفريق"ضاحي خلفان" في ذلك: "أنه رجل عادي ووضع اليمن غير عادي.. الرجل لا يملك فن العمل ولا فن الكلمة ولذلك فشل في المهمة" (موقع CNN بالعربية). فهل يمكن التعميم هنا بأن جل قادتنا العسكريين من أصحاب الأوسمة والألقاب يقعون في ذات الخانات الخاوية من القدرات القيادية بل وحتى العسكرية ؟؟

ماذا عن "تعز"؟.. لماذا تعطلت عملية تحرير هذه المحافظة بالذات رغم كل مآسيها وعذابات مواطنيها. حسب موقع (RT) : "منذ ما بعد تحرير عدن ولحج من سيطرة الحوثيين وقوات الرئيس السابق، توجهت الأنظار صوب تعز لأنها المحافظة المجاورة وطريق التقدم نحو مناطق الوسط وصولاً إلى صنعاء، لكن قوات التحالف غيرت خططها بدون مقدمات وقررت عدم مواصلة تقدمها إلى حين ترتيب الأوضاع في عدن ولحج على إثر الحضور القوي لعناصر القاعدة، وكانت دولة الإمارات اللاعب الرئيسي على الساحة اليمنية بعد السعودية الأكثر وضوحا في موقفها الرافض لأي معركة في تعز مادامت الجماعات المسلحة الموالية لتجمع الإصلاح الإسلامي هي الأكثر حضورا في المدينة."

و كما أسلفت في مقالة سابقة عن نمط التفاوض الفارسي فإن الرئيس المخلوع والحوثيين كانوا يستخدمون الأوضاع المأساوية في تعز والمعتقلين قسراً كورقتين في المفاوضات مع الجانب الحكومي وقد حصلا فعلاً على مكاسب سياسية من هذا الاستخدام بينما هم مستمرين في إرسال المزيد من التعزيزات المسلحة إلى المحافظة فيما يتجه التحالف نحو فتح جبهة جديدة في محافظة "حجة" بينما تُصّعد قوات الحكومة من هجماتها على مواقع الحوثيين و"صالح" في محافظة ريف صنعاء وأطراف محافظة مأرب بهدف تشتيت قوات هؤلاء مع استكمال تجهيز قوات الجيش الجديدة التي ستتولى معركة "تعز" بعد حين!

و في ظل التوجه الدولي نحو المزيد من المحادثات القادمة فإن المؤشرات تدل على أن "تعز" ستظل ورقة مساومة حيث يركز المبعوثين الدوليين على المزيد من الإجراءات "لبناء الثقة" التي قد تساعد في إنجاح الجولات المتعاقبة من المحادثات من خلال رفع الحصار عن المدينة وضمان الإفراج عن المعتقلين لدى الحوثيين.. في حين يستمر الحوثيين في المراوغة وينتهجون حتى النخاع الفلسفة الإيرانية في المفاوضات وإعطاء أنصاف الوعود والنكوث بها واللف والدوران في حلقات مفرغة.. ذات الفلسفة الإيرانية الهوى في "سوريا" أيضاً.. وذات الفلسفة التفاوضية التي انتهجتها إيران مع العالم حول الشأن النووي والصواريخ البعيدة المدى.. مجرد كلام وتلاعب بالكلمات وإغراق الحوارات في بحور من المد والجزر.. بلا خواتيم ولا ملامح لبلوغ الأهداف المرجوة، مع استمرار مسلسل الدم والدمار والتجويع والخطف والقتل والنهب!

و نظراً "لهلامية" المدد الزمنية المتبقية من كل المحادثات اليمنية فإن كافة العمليات العسكرية التي كانت تستعد لها الحكومة والتحالف لا يبدو أنها ستنجز خلال هذه المدة ما عجزت عن فعله خلال السنتين الماضيتين، هذا إذا استبعدنا التضاريس الصعبة التي ستدور فيها معركة تحرير "تعز" وحجم الضحايا الذين سيسقطون جراء معركة تحرير المدينة التي يقطنها اليوم مائة وخمسون ألفاً بعد أن نزح أكثر من نصف سكانها تقريباً.. وذات القصة تتكرر اليوم مع موضوع "الحديدة" والموانئ المطلة على البحر الأحمر.

إنها بلا شك ذات اللعبة الفارسية تتكرر في اليمن كما كانت تحدث في سوريا.. مضيعة للجهود والوقت.. ومزيد من المآسي التي يدفع ثمنها الأكبر شعب عربي بغض النظر عن الدين والمذهب.. وحوارات وتجاذبات ومجازر لا تتوقف رغم الإتفاق على أكثر من هدنة.. و"عاصفة الحزم" قد خبت في ظل الرغبة المتجددة في إيجاد حلول سلمية عبر المفاوضات العديمة والعقيمة التي ليس لها سقف!.. وستظل دول الخليج العربي تدفع الأثمان الباهظة من مال وعتاد وأرواح.. والعالم العربي من قمة إلى قمة.. ومزيد من قرارات الشجب والتنديد والإستهجان.. ودعوات الإستجداء الهشة لمن يريدون لنا الشر بالعدول عن مخططاتهم الأبدية للتوغل بين أضلاعنا.. بينما تلك الجهات تقولها صراحة في كل محفل.. أن لا رجعة عما يدبرون لنا في السر والعلن !!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

بكر السباتينالسؤال الذي يطرح نفسه في أتون المواجهة المتصاعدة في فنزويلا بين الرئيس مودورو والليبراليين الذين تدعمهم أمريكا بقوة هو:

ما السر وراء محاولة تدمير البلاد وتحويلها إلى دولة فاشلة رغم امتلاكها لأكبر احتياطي من النفط في العالم بالإضافة إلى امتلاكها لمخزون استراتيجي ضخم من الغاز تحت باطن الأرض!؟ أين أصاب شافيز وأين أخطأ خليفته مودورو! وهل لمواقف مؤسسة الحكم ذات الميول اليسارية المترسخة في الدولة العميقة المعادية للحداثة بشكلها الليبرالي، والمناصرة لحقوق الشعب الفلسطيني، علاقة بذلك، من حيث أنها عززت من موقف اللوبي الصهيوني في أمريكا والداعم لتوجهات الدولة الأمريكية العميقة نحو تنفيذ أجندة ترامب حول فنزويلا والتي اتخذت شكل المواجهة المباشرة لاجتثاث التجربة اليسارية التي يمثلها مودورو والمسيطرة على السلطة التنفيذية والنابعة من ثقافة الجماهير، واستبدالها بالليبرالية الأمريكية التي يمثلها رئيس البرلمان الحالي خوان غويدو والمرفوضة جوهرياً وفق ثقافة الفنزويليين الراسخة وحساسية الأمر بالنسبة للشعب الفنزويلي لعلاقة فكرة (الدعم الأمريكي) بتجربة الاستعمار الأمريكي البغيض ! دعونا إذاً نفهم الحالة الفنزويلية من جذورها! 

إن التجربة الفنزويلية السياسية التي تراوحت منذ بدايتها ما بين انتهاج أقصى اليسار (الاشتراكية الديمقراطية)، والوسط الذي يميل إلى اليمين على عتبات الليبرالية التي تخرج منها رئيس البرلمان الفنزويلي المعارض والذي أخذها بدوره نحو مظلة الرعاية الأمريكية في أقصى اليمين، ليست وليدة اليوم حيث تتكالب أمريكا وحلفاؤها التقليديين في القارة اللاتينية، على جوهرها لإجهاضها وهي في التداعيات الأولى من مخاض النجاح للشافيزية التي يسير على نهجها الرئيس الحالي مادورو ، وذلك منذ تجربة الزعيم اللاتيني التحرري سيمون بوليفار وصولاً إلى تجربة شافيز اليسارية (السلطة الديمقراطية الاشتراكية) وامتداداتها من خلال الرئيس الحالي نيكولاس مادورو.

وللإنصاف فالتجربة الفنزويلية برمتها تشكلت في الوعي الثقافي للشعب الفنزويلي وأصبحت له ذاكرة عميقة ومحددات برمجية في "العقل الباطن" الجمعي للفنزويليين، حيث طاقة العاطفة الجماهيرية التي تحرض على الوحدة اللاتينية للقارة بشكلها البوليفاري وتبني اليسار وفق الرؤية الشافينيزية  الذي يشكل الخطاب الثقافي والسياسي للفنزويلين والقائم على مبدئين متجذرين وجدانياً في العقل اللاتيني وخاصة شمال القارة اللاتينية الجنوبية وأمريكا الوسطى، أولهما العداء للإمبريالية الأمريكية التي أوصلها شافيز إلى ذروة التصادم في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ ضرب الحصار الشامل على فنزويلا والتي زادت من معاناة الشعب وخاصة بعد احتدام الموقف في زمن الرئيس ترامب الذي تبنى موقفاً متطرفاً نحو إسقاط الرئيس الحالي مودورو وإطلاق أمريكا الوعود المبرمجة من أجل وأد تجربة اليسار وحرق القمصان الحُمْر التي مثلت اللون الثوري الشافيزي الماركسي. وثانيهما البعد الوحدوي للقارة اللاتينية التي ترسخت كثقافة فنزويلية بدأت منذ عهد سيمون بوليفار (1783- 1830) الذي أسس لخطاب وحدوي لاتيني حيث تركز سعيه في توحيد القارة اللاتينية وخاصة أن له تجربة في تحرير بنما وكولمبيا وبوليفيا التي سميت باسمه إضافة إلى فنزويللا التي ينتسب إليها وخاصة أنه من مواليد كراكاس عام 1783.

وقد تحولت هذه الثقافة إلى بنية فكرية ذات قابلية للتصدير في عهد شافيز بطابعها الاشتراكي الديمقراطي الذي يحابي الطبقتين الوسطى والفقيرة على حساب الأغنياء الذين يحتكرون ثروات البلاد ويميلون إلى الليبرالية المنفتحة بحذر شديد على الشروط الأمريكية كخلاص لمأزق فنزويلا.

من هنا كان على المواجهة بين الشافيزية التي يتبناها الرئيس الحالي مودورو، والليبرالية الأمريكية المتغولة، أن تدخل في صراع وجودي مباشر من خلال سياسة كسر العظام في الأزمة المتفاقمة داخل فنزويلا.

إن القصة الكاملة للصراع الوجودي بين اليسار والليبراليين في فنزويلا والرهان على المجهول.. تبدأ وبالأرقام من عند ثورة القمصان الحُمْر التي أشعلها هوغو تشافيز.. والذي صار رئيساً للبلاد في 2 فبراير عام 1999 وتخرج من عباءتها الرئيس الحالي نيكولاس مودورو..

وكان شافيز قد عُرِفَ بحكومته ذات السلطة الديمقراطية الاشتراكية حيث اشتهر كزعيم ثوري لمناداته بتكامل أمريكا اللاتينية السياسي والاقتصادي مع معاداته للإمبريالية وانتقاده الحاد لأنصار العولمة من الليبراليين الحديثين وللسياسة الخارجية للولايات المتحدة.. ويُعَدُّ شخصية مثيرة للجدل، حيث قاد فنزويلا متحدياً السياسة الأميركية، وأعاد إلى القارة مدها اليساري وتعاطفها مع قضايا المستضعفين في العالم أجمع وخاصة القضية الفلسطينية حيث وصل الأمر به أثناء النزاع الإسرائيلي اللبناني عام 2006 بين "إسرائيل" وحزب الله إلى طرده السفير الإسرائيلي في كراكاس وخفض اتفاقيات اقتصادية وعسكرية كانت مبرمة بين بلاده وتل أبيب. لا بل وصل به الحد إلى المقارنة بين تصرفات إسرائيل بهتلر والنازيين، وزد على ذلك أنه خلال زيارة قام بها إلى كل من روسيا والصين في عام 2006 دعا  إلى محاكمة القادة الإسرائيليين في المحكمة الجنائية الدولية.. ولا ننسى أيضاً دعمه لمحور المقاومة في منطقتنا العربية ووقوفه إلى جانب غزة في كل حروبها التي شهدها. وهي مواقف تسجل له، وقد ورثها مودورو وثبت عليها في إطار سياسة اليسار المناهضة لأمريكا التي تحاول تقويض أركان الدولة الفنزويلية وتغييرها جوهرياً لتدور في الفلك الأمريكي من باب التبعية الجوفاء وهو ما يخشاه الشعب الفنزويلي رغم الأزمات الخانقة التي يعاني من تبعاتها القاسية.

ومنذ ذلك الحين عززت فنزويلا علاقاتها مع روسيا، والصين وإيران كخيار استراتيجي بديل، وقد دخلت على الخط اليوم تركيا بدافع صراعها مع ترامب، لمؤازرة الرئيس الفنزويلي الشرعي مودورو من أجل مساعدته في مواجهة ترامب وعملائه داخل البلاد.

وللبحث في جذور المواجهة الأمريكية الفنزويلية؛ دعونا نتذكر كيف أن الحالة التشافيزية، التي حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها احتواءها، شكلت حينذاك ظاهرة عصيّة على التدجين؛ لذلك وجد شافيز تعنتاً من الأنظمة الموالية لأمريكا وتعرض لمؤامرات أخذت تضيّق الخناق على بلاده؛ ولكن شافيز كان يتجاوز المحنة دائماً باقتدار، يساعده في ذلك أن فنزويللا  تحتل منزلة متميزة داخل أوبك، فهي تمتلك من احتياطيات الزيت المؤكدة في نهاية 2001 نحو 78 مليار برميل، أو ما يعادل 7.4% من الاحتياطيات العالمية. وهي بذلك تحتل المرتبة السادسة بعد السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران. وبالإضافة لذلك تمتلك فنزويلا احتياطيات هائلة من الزيت الفائق الكثافة وتقدر احتياطاته بنحو 270 مليار برميل وإن كانت اقتصادياته حالياً لا تسمح باستخلاص أكثر من 3-7% منها وبتكلفة مرتفعة.

كذلك تقدر احتياطيات فنزويلا من الغاز الطبيعي بنحو 148 تريليون قدم مكعبة وهو ما يعادل 2.7% من الاحتياطات العالمية للغاز أو 30% من احتياطيات النصف الغربي للكرة الأرضية. ويبلغ إنتاجها من الغاز في عهد شافيز قريب ال 3 مليار قدم مكعبة، وقد انخفضت كمية الإنتاج مؤخراً لتراجع جودة معدات الإنتاج وعدم القدرة على صيانتها بما يتلاءم ومتطلبات السوق، ما أدى إلى أن تصل تكلفة إنتاج النفط الجاهز للتصدير نحو 8-9 دولارات. من هنا كان سعي فنزويلا الدائم لمساندة أسعار البترول بحيث لا تنخفض إلى مستويات تهدد صافي عائداتها بعد خصم التكاليف وهو ما يشكل خط المواجهة الأول بين فنزويلا وأمريكا التي تطمع بالثروات المدفونة تحت أرض فنزويلا، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مديونية فنزويلا الخارجية كانت تبلغ نحو 35 مليار دولار يلزم لخدمتها نحو 5 مليارات دولار سنوياً وقد زادن في عهد مودورو إلى معدلات قياسية، فضلاً عمّا تعانيه موازنة الحكومة من عجز يصل إلى نحو 6 مليارات دولار سنوياً. وكانت منذ عهد شافيز تتجه الحلول نحو طرح سندات الاقتراض من مصادر مختلفة أو السحب من الصندوق السيادي كأخطر الحلول في ظل الحصار الجائر.

سوى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً كان يساعد شافيز على الحد من ظاهرة الفقر المتفشية وخفض نسبها؛ ولكن لسوء الحظ فقد اختلف الأمر الآن، وانقلب الحال رأساً على عقب، إذْ تفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجعت حقوق الإنسان وعمت الفوضى الناجمة عن الفقر المدقع في البلاد.. وخاصة منذ مجيء الرئيس الحالي (الأقل جاذبية) لفنزويللا نيكولاس مادورو الذي هيأه شافيز من قبل ليفوز في الانتخابات الرئاسية في 14 أبريل 2013.حيث قاد البلاد على نفس المبادئ التي انتهجها شافيز ولكن في ظروف سيئة بعد هبوط سعر النفط إلى أدنى الأسعار وتعثر الانتاج رغم الطلب المتزايد عليه؛ بسبب عدم القدرة على صيانة منشآت النفط البالية.. وكانت النتيجة أن ذهب مادورو باتجاه طرح مشروعه الإصلاحي القائم على تقليص عدد الموظفين في الحكومة وخفض الرواتب، ووقف الدعم عن السلع الأساسية فازداد عدد الفقراء وتعثرت التنمية المستدامة الشاملة.. وقد ساعد على تأزم الموقف استمرار الحصار الأمريكي الخانق على فنزويللا التي ما لبثت تحاول الخروج من عنق الزجاجة..

وكانت الاستراتيجية الأمريكية إزاء فنزويلا تخريبية إلى درجة أن واشنطن، أعطت الضوء الأخضر لرئيس البرلمان الفنزويلي المعارض خوان غوايدو، الذي نصب نفسه رئيسا مؤقتاً للبلاد، لوضع يده على أصول فنزويلا الموجودة في المصارف الأمريكية بجعل حسابات فنزويلا تحت سيطرة "السلطة الشرعية" وِفْقَ الوصف الأمريكي كما جاء في موقع وزارة الخارجية الأمريكية في 25 يناير 2019 بذريعة حماية هذه الأموال من نهب السلطة الفاسدة.. وهو ما اعتبرته حكومة كراكاس بمثابة إعلان حرب وخاصة أن ترامب لوح بتدخل عسكري إذا لزم الأمر عدة مرات ليظهر نفسه كمنقذ للبلاد من خلال تأييده لزعيم المعارضة الفنزويلية الذي أعلن نفسه يوم 23 يناير الماضي رئيساً للبلاد في مسيرة في العاصمة كاراكاس، ولم يتم الإعلان عن ذلك في البرلمان كما هو منصوص عليه في دستور البلاد.

ورغم ذلك، سارعت الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين ودول محافظة تابعة لها في أمريكا الجنوبية إلى الاعتراف بغوايدو رئيسا مؤقتا شريطة أن يدعو الى انتخابات حرة ونزيهة.

علماً بأنه حتى الآن لم يجد من يؤيد غوايدو في السلطة التنفيذية وخاصة أجهزة الدولة الأمنية والجيش كونه خرج من عباءة الليبرالية الأمريكية والتي تناصبها ثورة شافيز الحمراء التي يتبناها الرئيس المتعثر الحالي مادورو.

صحيح أن فنزويلا ما زالت تعيش اضطراباً سياسياً زاد من تأزم الموقف ضد سياسات مادورو الإصلاحية إلا أن تجاوز خصمه خوان غوايدو للمحرمات السياسية في الثقافة الفنزويلية وقبوله دعم ترامب وحلفائه واعترافهم به رئيساً شرعياً مؤقتاً على الفور، قلب الطاولة عليه، وأزم من موقفه أمام السلطة التنفيذية التي افتقد السلطة عليها وبالتالي فهو لا يتحكم في لجنة الانتخابات، ولا بالسلطة التنفيذية، وعليه فهو لا يستطيع إعطاء أوامر للجيش بالتحرك، كما لا يستطيع ضمان الاتفاقيات الدولية، حتى أنه لا يستطيع مخاطبة جهازه الدبلوماسي، أو إبداء السيطرة عليه، وفي ذات السياق فشلت الدول الغربية في دفع السفارات الفنزويلية في الخارج الى التمرد والانضمام الى صفه سوى القنصل الفنزويلي في ميامي، والسفير الفنزويلي في العراق.

من جهة أخرى، دعمت روسيا وتركيا وإيران السلطة الشرعية في البلاد والمتمثلة بالرئيس المنتخب نيكولاس مادورو والذي يكابد مشقة الخروج من عنق الزجاجة بسبب الحصار الأمريكي الجائر من خلال العزف على وتر وعود الثورة الحمراء الشافيزية التي تشكل جوهر نظامه السياسي بمستقبل أفضل لقبول إصلاحاته القاسية، بعيداً عن ليبرالية ترامب وتغول بلاده في القارة اللاتينية والتي وفق رؤيته التي تنسجم مع الشافيزية؛ ستجلب للبلاد الدمار من خلال تحويلها إلى دولة فاشلة كما يحدث في ليبيا وسوريا واليمن من تخريب على يد حلفاء أمريكا وإسرائيل. وهذا ما يخيف الفنزويليين ويعيد خوان غوايدو إلى عنق الزجاجة، وقد ينتهي مستقبله السياسي مع وجود احتمالات احتدام المواجهة وفق خيارات أخرى مع الليبرالية الأمريكية التي يقودها ترامب الطامع بثروات فنزويلا أكثر من رغبته بكسر هيبة فنزويلا وإسقاط الشافيزية لوأد اليسار في القارة اللاتينية تحت أنقاضها.. الرهانات على المجهول طريق مسدود والمستقبل يحمل الكثير من المفاجآت في الشأن الفنزويلي.

 

بكر السباتين

6 فبراير 2018

 

 

اسماء شلاشفي أعلى الصفحة لم يكن ذاك الخبر: اعتناق سياسي هولندي للإسلام بعد أن كان أشد الكارهين له، إنه خبر يستحق التغطية، أليس كذلك؟ لكن ليس في عالم الازدواجيات. فهو في النهاية ليس أنثى خلعت ملابسها بمفهوم الحرية المقشر، يذكرني ذلك بقول اللاعب البحريني (العريبي) الذي تم اعتقاله لإعادته الى بلاده فقال بكل بساطة وفطرية (لأني لست أنثى)..

بعد أن انتهت التغطية الإعلامية لمونديال "رهف القنون" دخلنا مرة أخرى في مونديال فنزويلا، ومرة أخرى إلى المسرحية الغربية المعتادة ودور البطولة الأبدي كشرطي فاشل متناقض للعالم. دور فاشل كالعادة يكشفه حجم الرياء والتناقض والتفريط بقضايا أخرى جوهرية مقابل التركيز على امرأة خلعت ملابسها بمجرد وصولها كالفاتحين الى أرض العدو الذي يبحث عن زلة لعدوه، صيد ثمين أليس كذلك؟  ولو أردنا استعراض تناقضات الغرب وازدواجيته في مفهوم الحرية فإننا نحتاج إلى عشرات المقالات؟

دولة مثل كندا لم تتخل عن تجارة الرق حتى الثلاثينات من القرن التاسع عشر، في وقت كانت فيه نساء سورية والعراق وبلدان عربية أخرى مدللات كالملكات لسن بحاجة إلى قشور الغرب في الحرية. لذلك اتركوا حريتكم الجوفاء لكم فأنا لست بحاجة إليها.  كندا، والأمم المتحدة شاهدة- وإنْ كانت الأمم المتحدة لا يعتد بها- على التمييز العنصري ضد السكان الأصليين، لكننا أحيانا نعتد بها إن صرحت ضد الغرب، وبحسبها –يعني هيئة الأمم-الأفارقة من السكان الأصليين للبلاد لازالوا حتى اللحظة يعانون هناك، خطف وضرب ووحشية ممنهجة ضد نساء البلد من الأفارقة ولاتزال تتحدث عنها الأمم المتحدة حتى اللحظة..   وأمام العالم كله تتعرض امرأة من ذوات البشرة السوداء للعنف والطرد من قطار في دولة أوروبية، رغم أن المرأة حامل بإنسان آخر أيضاً. دولة أوروبية للكلاب فيها أمجاد لا تضاهى وحق الإنسان وهم.

نشفق على ماكرون الذي استنجد أسوة بزملائه من الرؤساء العرب بالرصاص، بل وحتى الخيول لقمع المظاهرات، حتى أنه استنسخ تجربة أنظمتنا بعقد "حوارات وطنية"، ذلك يذكرنا في بدايات الثورة السورية عندما بدأ النظام السوري يلتف على الثورة من خلال حوارات يعقدها للنظر في مطالب الشعب. الشعب الذي قد ثار يوماً في فرنسا ذاتها، لكن سرعان ما عادت الملكية والسلطة القديمة لتسرق ثمرات الثورة الفرنسية التي لم يتخل العالم الحر يوماً عن قيمها، ولاتزال قضية سرقات الثورات الحرة قائمة حت عصرنا بيد الغرب وتحت إشرافه.

فجوة شاسعة تلك بين أن تثبت ما ليس أنت عليه، شرطي العالم في حقوق الانسان وحديث غربي لا ينتهي يصب كله في بحر تناقصات وازدواجية معهودة لا تنتهي، ووجه قبيح جداً لا تغطيه وسامة رجل لسنا بحاجة لوسامته هو "ترودو" أو تلك الكاريزما التي توحي بالطيبة حتماً. هذا لا يختلف عن "ميركل". وجه إنساني آخر، فتحت باب بلادها لللاجئين، ميركل نفسها التي كرمت الرسام الدنماركي الشهير صاحب الرسوم المسيئة، شهرة اكتسبها من حجم الإساءة وليس من حجم الحرية التي لم تتعد كونها استفزازاً، وهي نفسها التي تبيع حكومة بلادها الأسلحة للأنظمة الاستبدادية كالنظام السعودي، لقتل المدنيين في اليمن، وهي نفسها تنتمي لبلد تبيع شركات التكنولوجيا فيه أحدث أنظمة وبرامج التجسس على الانترنت لنظام بشار الأسد للتجسس على الناشطين، وكذلك دعم نظام فاشل سياسياً واقتصاديا كنظام السيسي في مصر مقابل عدم توفير أية مناسبة لمهاجمة دولة ناجحة اقتصاديأ وسياساً مثل تركيا.

كندا التي كانت مع أمريكا وإسرائيل ضد قرار الأمم المتحدة في اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، لا تعنيها حرية شعب كامل كالشعب الفلسطيني أو قضيته العادلة في الحرية، لكن تعنيها ساقي امرأة، ولتذهب حقوق شعب إلى الجحيم، فالمهم أن تكون رهف قد ضاقت طعم الخنزير وحققت حلمها الشخصي وخلعت ملابسها.

وليس بعيداً من هذا، وعلى مبدأ "عندما يختلف اللصوص تنكشف حجم السرقات"، أو عندما تتضارب المصالح يبدأ كل طرف بإظهار عيوب الطرف الآخر وكشف عوراته السياسية التي طالما سترتها تلك المصالح المشتركة، هل كنا نحتاج فعلاً لخلاف سياسي بين فرنسا وإيطاليا كي نكتشف قبح الوجه الغربي الذي لخصه نائب رئيس وزراء إيطاليا، والرجل هذه المرة كان بأشد حالات صدقة ودون نفاق سياسي بعد أن اختلف مع شريكه في السرقة –عفواً- شريكه السياسي بعد أن اختلفوا على الغنائم في ليبيا، ليبيا التي أسرعوا في إسقاط نظامها المستبد لأجل تلك الغنائم أيضاً. ليست تصريحاته وحدها التي تخبرنا كيف تقوم فرنسا بإفقار قارة بأكملها وسرقة خيراتها. فرنسا -أحد الشرطة الأوروبيين للعالم- لم تخرج من ثوبها الاستعماري القديم يوماً، وهل ذلك يكفي ليصدق بعض المنافقين العرب من أذناب الغرب والمعجبين بحريته عمق المأساة.. مأساة لا تنتهي عندما تبيع كندا الأسلحة أو توقف تصديرها للنظام السعودي مثلا أو الإيراني، ثم لنصدق أن صفقة السلاح مقابل تحرير امرأة لا تكفي لتغطية الوجه الاخر عندما يكون السلاح سبباً للقتل وسبباً للربح، فتصطدم الحقوق مع المصالح وليذهب البشر إلى الجحيم، لكن عندما يكون الأمر نكاية سياسية لابد أن تأتي وزيرة خارجية كندا برأسها لتستقبل فتاة هاربة، ثم وبعد قليل ستتذوق الخنزير وتحتسي الخمرة. أشفق كثيراً على تلك النكايات اللئيمة التي تشبه نكايات الصبية ببعضهم. تختصر الحرية بثوب امرأة أو بساقيها العاريتين، فماذا عن حرية آلاف النساء المعتقلات في سجون بشار الأسد أو السيسي اللذين يدعمها الغرب بقوة بينما، لابأس بالإطاحة برئيس فنزويلا.

عندما قتل بن سلمان الصحفي جمال خاشقجي راح بن سلمان يغذي مشاعر الغرب السطحية تجاه الحرية بنقاط ضعفه الغرب ذاته، بالمال تارة وبالمجون تارة أخرى، حفلات ماجنة لاتنتهي في بلاد الحرمين لعل ذلك يخفي بعض السواد. وبين متاهات ازدواجية الحرية لدى الغرب وحتمية المصالح، وقهرية الأنظمة العربية الاستبدادية ضاعت الحرية الأسمى للإنسان العربي.

قبل فترة لم تسمح السلطات الألمانية لمظاهرة لسوريين أمام السفارة الروسية والسبب تلك المصالح، فعبودية أوروبا لروسيا عبودية من نوع آخر يجعلها تطوي ملفات بعيدة عميقة من قبيل ما فعله الجيش السوفياتي الأحمر بحق نساء ألمانيا مثلاً عندما اغتصب أكثر من مليوني امرأة ألمانية، لكن لابأس أن يبقى ملف "الهولوكوست" حاضراً كنوع آخر من عبودية الغرب لليهود. وبعيداً عن الماضي فإن للغاز الروسي إغراؤه أيضاً فلا داعي أن نقول عن بوتين انه مجرم حرب او ديكتاتور.

فالحرية التي يروجون لها لا تتعدى المفهوم والمعنى الذي يناسبهم ولا تتضارب مع نظام المنفعة والمادة لديهم، في المقابل كيف تنظر أوروبا والغرب إلى مبدأ حرية التعبير الراسخ عندما يصطدم بإنكار الهولوكوست وما تسميها "معاداة السامية".

الإجابة عن هذا التساؤل توضح ازدواجية المعايير في الغرب المتشدق بحرية التعبير والسخرية من الأديان والأنبياء. فمتى يخرج الغرب من تناقضاته ونفاقه بخصوص الحرية بعيداً عن النفاق والازدواجية بالمعايير؟

 

أسماء شلاش

 

معمر حبارالمتتبّع لأحداث فنزويلا يقف ولحدّ الآن على جملة من الملاحظات، ويمكن حصرها وفي انتظار الجديد منها، في النقاط التّالية:

1- أسمع الآن عبر فضائية عربية أنّ الرّئيس الفنزويلي المنتخب "مادورو"، رفض دخول المساعدات الأمريكية لبلده. وأقف دونتردّد إلى جنب فنزويلا في رفضها للمساعدات الغربية، لأنّ التجربة علّمت المجتمعات أنّ فلسطين ضاعت بسبب المساعدات، وسورية احترقت بزعم المساعدات، واليمن السّعيد لم يعد سعيدا بسبب المساعدات، والسّبب في ذلك أنّ كلّ طرف يريد التغلغل، والنّهب، والاحتلال، وجعل من أبناء البلد الواحد شعوبا وقبائل ليتقاتلوا، مستعملين في ذلك ما يسمونه "المساعدات الإنسانية !"، وهي في الحقيقة الوجه الآخر للاستدمار، والنّهب، والاحتلال.

2- واضح جدّا أنّ الضّغوط التي تتلقاها فنزويلا من طرف الغرب، لا علاقة لها بما يسمونه "الديمقراطية !"، لأنّهم يدركون أنّ الرئيس "مادورو" انتخبه الشعب، والمجتمع الفنزويلي من حقّه وحده ودون تدخل أحد أن يقبل برئيسه، أو يقيله، أو يستبدله. إذن المسألة لها علاقة بنهب ثروات وخيرات فنزويلا، وأن لا تتمتّع بخيراتها، وتبقى تحت رحمة المستدمر الأمريكي والغربي الجديد، وباسم "الديمقراطية" هذه المرّة.

3- الخطوات التي تتّبعها الولايات المتّحدة الأمريكية والدول الغربية في تركيع فنزويلا، يشبه تماما الأسلوب الذي اتّبعته ضدّ ليبيا، والعراق، وسورية، من حيث: التعويل على الانشقاقات داخل قادة الجيش، والانقسامات داخل ساسة البلد الواحد، والحرب الإعلامية، والتهويل، والحطّ من الرئيس ورفع ما يسمونه "معارضة"، وشيطنة كلّ من يدافع عن أرضه وعرضه، وتقديم كافّة التسهيلات للأتباع، والمساهمة الفعلية في تدمير وحرق البلد، واستعمال اللاّجئين كورقة ضغط وتهديد، واستعمال مجلس الأمن لتحقيق الرعب، وتهديد كلّ من لم يقف لجانبهم في نهب خيرات البلد، وتشويه كلّ من يقف ضدّ نهب خيرات وطنه. والمتتبّع يرى أوجه التشابع بشكل واضح، مع بعض التغييرات التي يتطلبها الزمان، والجغرافيا، وطبيعة الحلفاء.

4- ما يجب التركيز عليه في هذا المقام، أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية لم تعد اللّاعب الوحيد والفريد كما كانت، ولذلك ليست قادرة - فيما أعلم لحدّ الآن- لخوض تدخل عسكري ضدّ فنزويلا، والسبب في تقديري يعود لكون فنزويلا دولة قوية من الناحية العسكرية، ومن حسن التدريب، وأترك الاحتمال الثّاني حتّى أتأكّد منه لاحقا.

5- على فنزويلا أن تدرك جيّدا، أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية جلست مع كوريا الشمالية في دولة محايدة وفي نفس طاولة المفاوضات، لأنّها شعرت أنّ أراضيها مهدّدة بصواريخ فتى كوريا الشمالية، وأنّ أراضيها تحت رحمة صواريخها العابرة للقارات. والكبار يعرفون جيّدا قدر من يهدّد أمنهم، ويردّ كيدهم.

6- كلّ الدول البترولية تعاني آثار انخفاض أسعار البترول، والمطلوب من فنزويلا أن تجد لنفسها بدائل تغنيها عن التبعية للبترول، خاصّة وأنها تملك طبيعة لا يتوقّف عنها المطر، وخصبة طوال العام، وقدرة اقتصادية متنوعة، باستطاعتها مواجهة الضغوط والصّعاب، والأهم من ذلك إرادة سياسية قوية ظهرت في مواجهة المحتلين الجدد، والطّامعين الأمريكيين والغربيين في نهب وسرقة خيرات البلاد.

7- من علامات عظمة فنزويلا، أنّها لم تعتقل الرئيس الثّاني المنصّب من طرف الاستدمار الغربي المعاصر، ولم يسجن، ولم يقتل، وهو الذي أعلن خروجه عن الرئيس المنتخب، ولم يعتقل أنصاره، وظلّوا وما زالوا يجوبون الشوارع والعاصمة ليل نهار ، وهم يطالبون برحيل "مادورو" الرئيس المنتخب. وهذه تضاف لعظمة فنزويلا.

8- الصهاينة هم أوّل "دولة؟ !" تؤيّد الانقلاب ضدّ "مادورو" الرئيس المنتخب، ما يعني أنّ كلّ دولة تعارض إقامة علاقات مع الصهاينة، وترفض ربط الجسور معها، تتعرّض للفوضى، والحرب الأهلية، والضغوط، والتهديد، والحرق، والنسف، والتدمير، والنهب، كما كان الحال مع العراق، وليبيا، واليمن، وسورية، وكلّها دول لا تقيم علاقات مع الصهاينة. ويتم تغليف معاقبة كلّ من يرفض إقامة علاقات مع الصهاينة، بما يسميه المحتلون الجدد بالديمقراطية !، وحقوق الإنسان !.

 

معمر حبار

الشلف - الجزائر

 

 

رائد الهاشميفي كل عام تتجه أنظار العالم الى قرية دافوس السويسرية وتتحول هذه القرية الصغيرة ولمدة خمسة أيام الى داينمو سياسي واقتصادي يرسم خارطة طريق الاقتصاد العالمي  وساحة هامة ومفضلة لقادة العالم للكشف عن سياساتهم الدولية والمحلية وللقاء نظرائهم بشكل مباشر وعقد الصفقات المليارية مع كبرى شركات العالم، وعادة مايحضر المؤتمر معظم زعماء العالم وخاصة الدول الكبيرة وكبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات العملاقة وكذلك محافظي البنوك المركزية في الدول الكبرى وفي كل عام يترقب العالم كله نتائج هذا التجمع العالمي الكبير وماسيسفر عنه من قرارات وتوجهات عالمية وماستطرح من حلول لأهم المشاكل الاقتصادية العالمية، وسبق انعقاد مؤتمر هذا العام اهتمام عالمي أكبر من الأعوام السابقة بسبب التغيرات السياسية الكبيرة والمشاكل الاقتصادية الكبيرة التي تواجه العالم.

شعار بعيد عن الواقع: 

جاء شعار المؤتمر هذا العام تحت عنوان (تشكيل العالم لمرحلة ما بعد الازمة) ولكن الشعار كان بعيداً عن الواقع لأن المؤتمر لم يتوصل الى أية حلول وانما مجرد نقاشات للمشاكل الاقتصادية والدوران حولها دون الخروج بنتيجة وحلول فعّالة، فقد ناقش المشاركون قضايا عديدة أهمها قضية تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني وازمة النظام الرأسمالي وتأثير الازمة المالية العالمية على الاقتصاد العالمي ومخاطر تغير المناخ هذا العام ووضع البنوك المركزية السيء في مواجهة الركود، إضافة إلى التحديات التي تطرحها التغيرات التكنولوجية.

ألصين هي الأبرز في المؤتمر:

كانت مشاركة بكين في فعاليات دافوس هي الأبرز هذا العام، بفضل تقاطع عوامل عديدة منها تأثير تباطؤ نموها على الأداء الاقتصادي العالمي ومواجهتها التجارية المستمرة مع أكبر اقتصاد في العالم والانتقادات الغربية المحيطة بعملاقي الاتصالات (هواوي) و(زي تي إي)، وفيما حمل نائب الرئيس الصيني وانغ ووفده الكبير رسالة تفاؤل وتحدٍّ للتوقعات الإقتصادية المتشائمة وجددت ثقتها في استمرار نموها ونمو العالم، شريطة الحفاظ على تجارة عالمية حرة، ولم يتردد مشاركون في انتقاد سياسات الصين المتعلقة بالملكية الفكرية ومزاعم التجسس عبر شركات الاتصال، وعمليات التجسس الإلكتروني التي اتهم الغرب بكين بالوقوف وراءها، وكان آخر المنتقدين الملياردير جورج سوروس، الذي هاجم الرئيس الصيني شي جينبينغ، معتبرًا إياه "أخطر عدو" للمجتمعات الحرة والديمقراطية، وأوضح سوروس في خطابه التقليدي على هامش أعمال "دافوس"، أن الصين ليسَتْ النظام المستبد الوحيد في العالم، لكنها بلا شك الأغنى والأقوى والأكثر تطورًا في مجال الذكاء الاصطناعي، مضيفًا، "هذا يجعل شي جينبينغ أخطر عدو للذين يؤمنون بالمجتمعات الحرة،فيما بعث نائب الرئيس الصيني رسالة تطمينية الى العالم حيث وضح إن اقتصاد بلاده لا يدخل نهاية دورته التوسعية، وأنه سيواصل تحقيق نمو مستدام على الرغم من الشكوك العالمية، ووجه وانغ رسالة مبطنة إلى واشنطن بتأكيده على الترابط العضوي للإقتصادين الصيني والأميركي، مشيراً إلى أن أي مواجهة بين البلدين ستلحق ضرراً بمصالح الجانبين.

إنقسامات أوروبية:

انعكس واقع التباين الكبير في السياسات الأوروبية داخل أروقة المؤتمر ، لا سيما فيما يتعلق بمستقبل الاتحاد الأوروبي والتعاون الدولي واتفاقيات التجارة الحرة. ففي الوقت الذي دافعت فيه المستشارة الألمانية ميركل عن التعددية والإصلاح لمواجهة تفاقم الإختلالات العالمية، هاجم رئيس الوزراء الإيطالي، جوسبي كونتيه، المشروع الأوروبي واليوروحيث ذكر بأنهما الذين تسببا في تنامي الدين العام وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتحدث كونتي عن حاجة ملحة إلى رؤية جديدة تركز على الإنسان والعائلة والمجتمع.

كما فرضت قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي نفسها بقوة على فعاليات المنتدى بالرغم من غياب رئيسة الوزراء البريطانية، وقوبلت جهود أعضاء الوفد، الذي ضم وزير الخزانة ووزيرالتجارة الدولية ، لطمأنة المستثمرين الدوليين بكثير من التشكيك وعدم المبالاة.

مشاركة عربية غير مؤثرة:

خصص المنتدى الاقتصادي العالمي عدداً من الجلسات حول الوضع العربي وآفاقه الأمنية والاقتصادية، وأجمع المشاركون فيها على أن الإستقرار السياسي هو مفتاح  التنمية والازدهار، وبحثت الجلسات حول المستقبل الأمني للشرق الأوسط سبل إرساء الإستقرار السياسي في المنطقة، وحظي الوضع السوري بإهتمام خاص في هذا السياق، واعتبر وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أنه ينبغي التعامل مع الأزمة السورية عبر مقاربات واقعية تقدم مصلحة سوريا والسوريين على صراع الأجندات الدولية والإقليمية، وبرزت السعودية كنموذج إصلاحي مهم في المنطقة ويجب أن يقتدى به حيث أنه يرسم الطريق لجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى المنطقة، حيث أكدت الرياض التزامها بالمضي في برنامج الإصلاحات الإجتماعية والإقتصادية والمالية تماشياً مع رؤية عام 2023.

نتائج مخيبة للآمال:

دورة دافوس هذا العام جاءت بنكهة مختلفة عن الأعوام السابقة حيث سادت أروقته أجواء من التوتر السائد في مجتمع الأعمال خاصة بعد سلسلة التقلبات السياسية المتواصلة منذ أشهر، ولم ينجح حضور نجوم مجتمعات المال والأعمال الذين تجاوز عددهم 2000 شخصية وندواتهم الكثيرة في إخفاء أجواء الفشل والضعف للمؤتمر والذي يرى الكثير من المتابعين ان الغياب الصارخ لأبرز قادة العالم هو من كان وراء ذلك،وكان من أهم المقاطعين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان ضيف الشرف وتبعه كل من الرئيس الصيني شي جين بينغ، والفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي،بينما حضر من قادة العالم رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، والرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو، والمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل.

جاءت نتائج دافوس 2019 مخيبة للآمال حيث لم يخرج بأية نتائج ملموسة ولاقرارات مهمة حيث اقتصر على بعض التوصيات مثل (الدعوة الى اعادة بناء النظام الاقتصادي العالمي) و(عن تأسيس مبادرة اعادة الهيكلة العالمية الهادفة الى اصلاح النظام المصرفي العالمي وترشيد نشاطات قطاع الاعمال والتجارة عموما) ومناقشة مقترح تخفيض أيام العمل الى أربعة أيام بدلاً من خمسة أيام حيث طرحت آراء عديدة بأن خفض ساعات العمل أسبوعيا، يجعل الموظفين أكثر إنتاجا وأكثر تركيزاً في العمل والنتائج ستكون ايجابية للطرفين أرباب العمل والعاملين ،حيث تظهر أرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن الدول التي لديها ثقافة العمل لساعات طويلة غالبا ما تسجل نتائج ضعيفة في الناتج المحلي الإجمالي لكل ساعة عمل.

ومن أهم التجارب الناجحة في العالم في هذا الشأن هي التجربة النيوزلندية التي تم تطبيقها على احدى المؤسسات الكبيرة وأثبتت نجاحها ومن المحتمل أن تطبق هذه التجربة على كل المؤسسات في البلاد.

 

رائد الهاشمي

باحث وخبير اقتصادي

 

عامر صالحفي مساء يوم السبت المصادف 02ـ02ـ2019  أقدم مسلحون من الظلاميين الأوباش والمتلبسين في الثقافة الداعشية في تصفية الحرث والنسل على اغتيال الناشط المدني والروائي والاكاديمي الدكتور علاء مشذوب وقد امطروه بوابل من الرصاص أمام منزله في مدينة كربلاء والكائن في منطقة محصنة أمنيا، وعلى ما يبدو من فعل الجريمة فأن قرار اعدامه بالرصاص قد أتخذ مع سبق الأصرار في سيناريو أقل ما يقال عنه سيناريو جبان وقد نفذ  من قبل المجرمين من المتشبهين بالرجال بحق ناشط وصحفي يفكر بطريقة حرة، رجل طموح لعراق ديمقراطي يخلو من الأرهاب والطائفية الكريهة والمحاصصة الأثنية والمذهبية المريضة والرعناء ذات الأصول الدموية الغارقة في الفساد الأداري والمالي والأخلاقي، ومتخذة من الطائفة والمذهب والعرق شماعة لأرتكاب جرائم بحق الشعب العراقي وبحق الانسانية جمعاء.

يطال الشك الى مصداقية النصر على داعش وتثبيته عسكريا في مناطق تواجدها سابقا عندما لا يقترن ذلك بثقافة احترام الرأي والرأي الآخر في المناطق التي تتواجد فيها سلطة الدولة الاتحادية في محافظات الوسط والجنوب، لأن محاربة داعش عسكريا يجب ان يتزامن ويقترن حثيثا في القضاء على ثقافة داعش وأمتدادتها في كل التراب العراقي، تلك الثقافة الوسخة التي يجسدها العقل السيكوباتي المريض في وسط العراق وجنوبه وشماله، والتي تدعي أحتكار الحقيقة عبر تسويف المذهب والطائفة والعرق وتوظيفه لمصلحة تفكيك النسيج الاجتماعي واشاعة ثقافة التصفيات الجسدية والنفسية وخلق الفوضى المدمرة، وهي ثقافة داعشية تسعى داعش وحلفائها في الفكر والممارسة لإشاعتها بديلا عن التواجد العسكري المباشر.

لقد أقدم هؤلاء الجبناء على تصفية الناشط والباحث علاء مشذوب ليؤكدوا لنا أن داعش موجودة في كل حتة عراقية وفي كل زمان وبأمكانهم أن يستنسخوا داعش اخرى ذات مواصفات ثقافية وسلوكية تخريبية لاتقل ابدا في جرمها وصلافتها عن داعش الرسمية والمعروفة لدى الغرب والشرق، فالداعشية سلوك إجرامي وهو أرهاب منزوع الصلة بدين أو مذهب بعينه، وبأمكانك ان تكون داعشيا عندما لا تحترم حرية التعبير والصحافة والرأي الآخر، والأسوء من ذلك عندما أقدموا على قتل رجل في ذروة عمر عطائه  كما غيره من شهداء الكلمة الذين تمت تصفيتهم من قبل رواد الثقافة الداعشية.

ان الحرية الاعلامية والصحفية وحرية التعبير تشكل ركنا من أركان الدولة المدنية والديمقراطية وقد تكرست هذه الحرية في جميع المواثيق الدولية، والعراقية ايضا من خلال الدستور، وبالتالي فأن الأقدام على قتل الصحفي والكاتب والروائي علاء مشذوب هو جريمة أسوة بجرائم اختطاف وقتل الصحفين التي ارتكبت سابقا في العراق، وهي ليست آخر الجرائم في بلد يفتقد الى الامن الشامل، وهي جرائم ضد الأنسانية وتهدد بقاء النظام السياسي أي كانت صبغته ومصداقيته في الحفاظ على أرواح المواطنين والصحفيين والكتاب والاعلاميين وأصحاب الكلمة الحرة بشكل عام.

ان ما قام به علاء مشذوب كناشط مدني وصحفي وكاتب في نقل المعلومات الأمينة والصادقة والحيادية والكتابة عن معاناة الناس وفضح الطائفية السياسية، وقد جاءت كل نشاطات الضحية المذكور منسجمة مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان في حرية النقد والتعبير وحق التجمع والتظاهر وابداء الرأي المغاير، كما كانت نشاطاته منسجمة مع روح الدستور العراقي ونصوصه الصريحة في احترام حرية الرأي والتظاهر والتجمع.

لم يكن نشاط الشهيد علاء مشذوب داعيا للحرب، ولا للصراعات الطائفية والاثنية ولا للتميز العرقي والمذهبي والطائفي، ولا للكراهية الوطنية والقومية، ولم يكن في يوم ما داعية لاستخدام العنف والعدائية. ان ما قام به علاء مشذوب يصب في جوهر الحرية الاعلامية والصحفية وفي خدمة المواطن العراقي وصيانة حقوقه المشروعة في العيش الكريم، وممارسة النقد لمختلف الظواهر الاجتماعية ذات المساس بتهديد السلم الأهلي وتهديد كرامة الانسان العراقي.

 والشهيد علاء مشذوب، كاتب عراقي من مواليد 1968 في قمة تراكمه الابداعي وعطائه المعرفي، نال شهادة الدكتوراه في الفنون الجميلة عام 2014، وكتب بحوثاً ودراسات عديدة في مجال إختصاصه.. توالت مجاميعه القصصية: (ربما أعود إليك) عام 2010، و(الحنين إلى الغربة) عام 2011، و(زقاق الأرامل) عام 2012، و(خليط متجانس) عام 2013، و(لوحات متصوفة) عام 2017.. وفي الرواية، بدأ مع روايته (مدن الهلاك ـ الشاهدان) عام 2014، و(فوضى الوطن) عام 2014، و(جريمة في الفيس بوك) عام 2015، و(أدم سامي ـ مور) عام 2015، و(إنتهازيون … ولكن) عام 2016، و(حمام اليهودي) عام 2017، و(شيخوخة بغداد) عام 2017.

فلتتظافر كل الجهود الوطنية المخلصة، من أجهزة أمنية وأستخباراتية ومنظمات أنسانية عالمية ووطنية ومنظمات مجتمع مدني عراقية من اجل تكثيف الجهود " وخاصة في مدينة كربلاء " التي وقع فيها استشهاد علاء مشذوب ومعرفة القتلة المجرمين منفذي الاغتيال ومن يقف ورائهم وانزال اقصى العقوبة بالجناة حثالى المجتمع وأعداء حرية التعبير والأمن المجتمعي، أما ان تسجل الجريمة كعادة الجرائم السابقة " نفذت من قبل مجهول " بعد نقل الضحية الى الطب العدلي لتأكيد الوفاة وتبقى التفاصيل قيد الكتمان والتستر على القتلة، فأن ذلك سيسهم بشكل كبير في انتزاع الثقة المجتمعية في الاجهزة الامنية والاستخباراتية وبالتالي اطفاء اي بصيص أمل في استتاب الامن وترك شعبنا ضحية سهلة بين انياب ميليشا السلاح المنفلت. لروح علاء مشذوب الطمأنينة والسلام والخزي والعار للقتلة اعداء الحياة.

 

د.عامر صالح

 

 

 

ضياء الحكيمإستمرارية طلب العراق ودول عربية وإسلامية أخرى مساعدات مالية وعينية وطبية وإنسانية تزداد يوماً بعد الآخر. والمسؤولون في هذه الدول ينادون منظمات إنسانية دولية لمد يد المساعدة لتدارك الحالة السيئة بين شعوبهم .

هذه الحقيقة المطروحة للدراسة، لايمكن تجنبها في ظل أنظمة لا ترى التقلبات المستقبلية ومنها (1) إدارة إقتصاد وموارد الدولة (2) تدارك التقلبات المناخية التي تسبّب موت ألالاف المئات في المناطق المنكوبة شهرياً. ذلك يقودنا للتسائل: ماهو هدف ألأنظمة السياسية؟

الملاحظ في السنوات الأخيرة " تقرّب وإبتعاد أنظمة حكم بالتبني لنظرية إقتصلدية أو الأزاحة لمناهج وبرامج ناجحة أو قتل أنظمة متطرفة الرؤية " . في مصر أزاح السيسي الأخوان المسلمين ووضع قادتهم في السجون، في العراق تونس وليبيا وسوريا واليمن وبعض دول الخليج غليان شعبي مناوئ لأنظمة شمولية . في تركيا وايران تقرّب وتباعد يخدم أتباع الأحزاب الأسلامية والعلمانية بتوافق ترعاه الدولتان بحذر، خوفاً من نتائج غير متوقعة .

لقطات المطر الشحيحة التي جناها العراقيون من أنظمة الحكم المتوارثة زودتهم بغضب لامثيل له، كشحة ماء الحياة في العلوم والثقافة وكثرة التحايل لتلقيح العقل البشري بنظريات أجمل مافيها تعيس . هذه النظريات السياسية المتبعة في أنظمة حكم الطبقة، ما تكاد تبدأ بواحدة إلا ولاحقك غضب أحزاب أخرى مناوئة .

 لم يستطع شيوعيو العراق بقيمهم ومناهجهم المبدئية للحزب، الدفاع عن معتقداتهم والوصول الى دفة الحكم بعد سقوط الملكية في 14 تموز 1958 وحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف،رغم تنافسهم وحيثيات رؤيتهم للأنظمة العسكرية وتعارضها مع النمو الأقتصادي للدولة .

وبعد إنقسام الحزب الشيوعي "إنشقاق الرفاق" في الستينات ووصول البعث (نكسةعام 1963) قامت مخابرات دولة البعث بمراقبتهم وملاحقتهم وإلتقاطهم فرداً فرداً ونشر المخبرين وعملاء السلطة بينهم وكنتيجة إنشق الحزب الى " اللجنة المركزية " و"القيادة المركزية للحزب"، حيث قامت فرق ناظم كزار الحزبية بتقريب ورعاية وإغراء بعضهم بالمناصب، وبفاشية لامثيل لها، إعدام وتصفية البعض الآخر. يصعبُ عليّ فك إرتباط نقطتان متشابكتان تتعلق كلتاهما بالشيوعية من جهة والرأسمالية من جهة والقبول بأي منهما لما سببته بعض نظرياتهم من إرباك في عالمنا العربي من المحيط الأطلسي الى الخليج العربي .

قبل أيام صرحت سارا هاكبي المسؤولة الأعلامية للبيت الأبيض " بأن مشيئة الله هي التي أوصلت الرئيس ترامب للرئاسة ". لو كانت هذه العبارات صادرة عن تنظيم القاعدة أو دولة الخلافة أو الأخوان المسلمين لقلنا إستغفر الله، ولسخرت منها دول الغرب المسيحي. ولغرض الأستعانة بعلماء العلم والتوسع في المفارقة، فلندقق معاً في رسالة ألبرت أينشتاين العالم الفيزيائي اليهودي الذي أنكر وجود الله وأنكر كذلك نظرية شعب الله المختار.

والنقطة الأساسية هي ملاحظة أنظمة سياسية تتمسك بالله لمعرفتها بأنها أخذت بالتأكل والتلاشي المنطقي والعلمي.

 ولابد وأن الوقت قد حان للتنبيه مجدداً :

1- أن التجربة الشيوعية كنظام حكم لم تُجرّب في العراق . أي أن الشيوعية كحزب لم تحكم العراق . كما أن الأنظمة الشيوعية الأوربية لم تتأمر على العراق. وأن الأدارة الأمريكية والبريطانية وضعت العراق ودول عربية عديدة في كماشة " بين النعمة والنقمة، التحرير والتدمير، النظام الديمقراطي والنظام الأستبدادي" والتحالف الأقليمي . والأن أصبح رسمياً،موثقاً ومذاعاً على العلن، دخول دول كبرى في عصر التحايل والسيطرة المالية والتجارية وتناقل الأموال بالأجهزة الدقيقة للكوبيوتر والعقول الألكترونية السريعة والتي سبّبت نقل العملات الوطنية الى الخارج وفقراً عاماً في عالمنا العربي ينبغي أن يُدرس بدقة لفهم مايجري في عالم اليوم .

 فعلى سبيل المثال،قد لاتنتبه الكثير من من حكوماتنا الى قيام روبرت مولير المدعي الأمريكي الخاص بسجن العديد من محامي ومستشاريي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإحالة أخرين الى التحقيق للحد من الفساد الأنتخابي والسرقات المالية . وما زال يحقق في أولويات تحايل الرئيس نفسه وتعاونه المالي والتجاري مع رجال أعمال من روسيا والصين ودول أخرى عربية لمنع إنتشار أنظمة مناوئة للرأسمالية والحد من خطر الشيوعية.

دخول بلدانناالعربية وكذلك العراق في عقود التحايل التجاري بغطاء العمولة المالية يجري بشكل رهيب يخالف تماماً الجزء الأساسي لمفهوم الديمقراطية،حيث يتم،وبلحظات،تحويل أموال مسروقة الى بنوك خارجية،حسب الخبرة في صيغ التحايل . كل ذلك يعود الى إنحسار وتجزأ القيم الأجتماعية في الأنظمة الرأسمالية والشيوعية والأسلامية .

كنتُ موظفاً في وزارة التجارة ومعرض بغداد الدولي وكانت عقود شركات تتم بموافقات عديدة دقيقة متدرجة في المسؤولية، مع أن المسيرة الزمنية لنظام الحكم في العراق بعد 1958، 1963 ولحد 2003، كان خائباً معوجاً وظالماً وإستبدادياُ وعنصرياً. إلا أن نظام مراقبة سيولة الأموال كان دقيقاً في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي رغم محاولات المقربين وطغمة أسرة الرئيس بناء جدارعازل بينهم وبين طموحات الطبقات الشعبية . فالأستثمار المالي المخصص لمشرع يتم حسب جدول دقيق للمراقبة الحسابية وتدرّج المسؤولية وفقرات الأنجاز لحين إكتماله، على خلاف مايجري الآن من تهريب أموال ألاستثمار المالي بعد تخصيص المبلغ وعلى ضوئه لا يتم كشف السراق لعدم إرتباط المسؤلية أي بجعلها مسؤوليات مجزءة.

واليوم هناك الكثير من المنظمات الشيوعية المنتشرة في العراق " عرب وأكراد وقوى مسيحية وطنية "، لها الأعتقاد المتزن بالعلمانية والاقتصاد السياسي العلمي والألتزام بمناهجه .

شيوعيو العراق يعتقدون ان النظام الشيوعي يؤمن بإنهاء صراع الطبقات كما يؤمن بكم الأنتاج وطاقته وتحسين نوعيته بالكوادر المتخصصة (أزمة كركوك النفطية واحدة منها)، لا بالسيطرة والأحتلال والهيمنة العسكرية على الدولة وجرها بالقوة الى الخضوع السياسي . وهنا يشيرون الى أن شحةُ بلداننا العربية الى العلوم والتنمية الأجتماعية والامساك بأبسط مظاهر التقدم الحياتي، مشكلة شائكة مقبولة ومرمية على عاتق منظمات غير محايدة " كمنظمة الأمم المتحدة" و" منظمة حقوق الأنسان " وشركات تجارية في دول أجنبية نهبت ومارست تشجيع التزوير الربحي بين الفئة الفاسدة المرحّب بها . وسبق وأن كشفتُ القناع عن توريد بيع الأسلحة لأطراف النزاع في ليبيا والعراق وسوريا واليمن والسودان والصومال. وقد تعوّدت هيئاتنا الحكومية والأستشارية منها تعوداً يمكننا إطلاق التسمية عليها " إرخاء خيوط المراقبة"،وإلصقت شركات هذه الدول بحاجات مجتمعاتنا وقيمها، ومازالت ملصقة بنا منذ إتفاقيات سايكس بيكو وفرساي من القرن الماضي وبعشرات المعاهدات بعدها التي أقنّعت حكومات وسهّلت إستمرارإستغلالها . عدم المساواة هي سبب المعاناة وعادة ما تنتهي بمعركة ضحيتها الأنسان .

 يكتب تولاي وآسر عن الفرق بين النظريتين:

" تخيل معي غابة، ومجتمع صغير في داخلها، يعيشون في أكواخ وتحتاج إلى حرارة للتدفئة من البرد القارص. في نظام الربح الرأسمالي، يدخل الجميع في معركة للحصول على الخشب، وتنتهي المعركة بحصول بعض من الناس على جميع الخشب ومن ثم بيعه مرة أخرى للأخرين . في الشيوعية، يحصل الجميع بالتساوي على كمية متساوية من الخشب ".

2- مازالت شعوبنا تضع علامات الأستفهام لحكامها وتستفسر وتتساءل متى تكتمل النعمة ؟ فلقد أصبح قوله تعالى " ولئن شُكرتُم لأزيدنكم " من مشتقات اللغة بين البرلمانيين والمواطن يسمعها في خضوع. لقد تعوّد خبراء شركات أجنبية مع خبراء عرب، السير وفق مبدأ التحايل والتزوير وعدم الأعتراف والأكتفاء بما يجنوه من أموال، ومن كل عقد تتطابق أرقامه أصلاً ولاتتطابق فيه طريقة الصرف وشروط الدفع والبيانات المصرفية والسمعة التجارية . وعند إكتشاف سرقاتهم يلجأون مع محاميهم وقنواتهم المتلفزة الى المثل الغربي Admit nothing – Deny everything الشائع

وقد يطول الموضوع في غرابة وشذوذ التجاوز على الأختصصات الأدارية والمالية حيث يتحّول رؤساء وأعضاء مجالس نيابية الى تجار ويقفزون،بين ليلة وضحاها، من مقاعدهم للسفر الى بريطانيا وأمريكا للتفاوض والمساومة على عقود وترشيح شركات بشأن البناء وشراء أدوية، وشراء أسلحة، وشراء معدات فنية تكنولوجية رغم أن ذلك من إختصاص لجان الخبرة الفنية في (السلطة التنفيذية).

حاجة العراق الى نظام شيوعي قد يكون نقطة مقبولة للتحول خاصة وأن كل دول الأنظمة الشيوعية تنهي صراع الطبقات وتوفر للمواطن الحاجات المبدئية الحياتية كالطاقة الكهربائية والخدمات اليومية وتتحمل بمسؤولية واجباتها .

 

ضياء الحكيم كاتب ومحلل سياسي

 

 

الطيب بيت العلوي(تتكون "الأزمة السياسية" تحديدًا من حقيقة بداية موت القديم، والجديد الذي لم يولد بعد...، وخلال هذه الفترة الزمنية، نلاحظ بروزالظواهرالمرضية الأكثر تنوعًا وغرابة، التي تنجم عن تناقضات القديم ومفاجئات تجليات الجديد). ترجمة بتصرف عن: أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci

"كل الأمم تتغير في شكلها، الكون ذاته يخضع لتحولات شاملة .. !.طبيعته دائمة بصدد التغيير، ولكأنه يساعد على خلقه من جديد"--- إبن خلدون

" الإنسان يبحث عن مرحلة سعيدة حيث يكون حرا ومعانا. إنه يجدها في بداية نهاية النظام الإجتماعي ... بين النظام واللانظام تسود مرحلة لذيذة"-- مونتسكيو

 لا يزال الجدل يدورحتى كتابة هذه السطور بين أهل الإختصاص الفرنسيين في سوسيولوجيا الحركات الإجتماعية، حول كون حركة السترات الصفراء: إنتفاضة وعصيان مدني وتمرد؟ أوهي إستنساخ للثورات الفرنسية السابقة لأعوام (1770-1799-1802-1848 ؟) التي يتم اليوم مراجعتها على ضوءالمعطيات الجديدة التي تقوم بها أبحاث "ّسوسيولوجيا الثورات" التي تخصص متحف الثورة الذي أقامه فرنسوا ميتران في عام 1984 في قصرفيزيل القريب من مدينة "غرونوبل"؟

بمعنى أن هذه الحركة تطرح اليوم–ونحن في مستهل 2019- الجدل الحاد لمحاولة الفصل في إشكالية ثنائية وتزاوج :( ثورة/إنتفاضة.) بمعنى: هل الإنتفاضة : ثورة فشلت؟ وأن: الثورة إنتفاضة نجحت؟ فيتم اليوم طرح هذا التساؤل :هل حركة السترات الصفراء إنتفاضة ستنجح ؟ أمن أنها ثورة ستفشل؟

 ومن هذا المنظور، فإنه من الصعب معالجة حركة إجتماعية طارئة كهذه، ومحاولة إختزالها أوتسطيحها –على هدي بذاءات الكتابات العربية في" الربيع العربي "، بممارسة هذاءات لغة "اليقين" التي تسود عادة أساليب المقالات المتسارعة الإنفعالية، علما بأن الأحداث المستجدة في مجال السياسة، غالبا ما لا تظهرفي أول أمرها على حقيقتها، (وخاصة فيما يخص الإنتفاضات أو الهبات الشعبية) وهذه الملاحظة تنبطق بالخصوص على الحركة المذهلة والمفاجئة للسترات الصفراء، التي بدأت في 17 نوفمبر2018، والتي لم تقل كلمتها الأخيرة حتى كتابة هذه السطور

من الناحية السوسيولوجية:

 حركة مفاجئة ومُحيًرة:

حركة بدأت صغيرة مكونة من ثمانية أفراد خارج باريس" النخبة" فنالوا شهرة واسعة في كل أنحاء البلاد، عبر شبكات التواصل الإجتماعي، بسبب مطالبهم العملية والواقعية، إثر الإرتفاع الصاوروخي المفاجئ لأثمنة البنزين التي أفاضت الكأس وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، لتكشف لذوي العقول النيرة، عن تراكمات أخطاء سياسية فادحة لمدة أربعين عاما، ليكتشف أخيرا أحفاد فلاسفة النهضة والأنوار والتنويروالتثوير، عن تراجيديا من لهم الحق في العيش في بلدهم بموجب الشرعية الدستورية، التي تخول لهم الحق في إختيار الحاكم وتبديله عند الإقتضاء، وبين من لهم"حق القوة" في تسييرالشعب بموجب حق إمتلاك البلاد والعباد، تحت مسميات "ذلقراطيات" و"تغييرات" التي هيمجرد ثرثرات شبع منها أبناء " ديكارت وروسو وفولتير"

 حركة كانت في البداية غيرمسيسة وغيرنقابية- تنضمت في البداية من أجل مواجهة زياة الضرائب، وغلاء المحروقات، والغلاء الفاحش للمعيشة التي أرهقت الفرنسيين الفقراء والمتوسطي الدخل، وكانت محفزا لغضب هؤلاء، - وهو أمرغفل عنه متدكتروالسوسيولوجيا، وعباقرة الإعلاميين الرسميين، ترجمه الإنتشارالمفاجئ للحركة الذي لم يشتم رائحته أي خبير سوسيولوجي أو يراه أي محررصحفي أومحلل سياسي، إلى حين حدوثه (مما يذكرنا بظهور ترامب في أمريكا الذي لم يراه عباقرة الإعلام والسياسة والسوسيولوجيا والتواصل ومراكزالإستطلاعات ليبررو المذل لاحقا فشلهم لاحقا ا با التمسك ب" الروسوفوبيا"-وما يزالون- .. !)، مما جعل الحركة–سريعا-هدفا سياسيا إستثنائيا للإحزاب الديناصورية التقليدية لكل التوجهات الإيديولوجية والنقابات السياسية سواء من إجل الإمتطاء أو الإحتواء أو الإختراق أم التذويب !

ظاهرة متزئبقة:

 - حركة تطورت مع مرورالأيام إلى "ظاهرة متزئبقة" ومستعصية على التصنيفات السوسيولوجية الكلاسيكية لأنماط " الإنتفاضات" المعتادة، مما يجعل من الصعب "الإمساكُ"بها أوإحتواؤها، حيث تسارع على الشاشات الفرنسية ظهورناطقين مزيفين بإسمها، ترفضهم وتكذبهم رموزالحركة بإستمرار، مما أدي في الأسبوعين الأولين للحركة، إلى ظهوربلبلة داخلية فيها، فسره معلقون متسرعون على التخبط والإرباك داخل الحركة ودليل إقتراب نهايتها، مما منع من ترجمة سياسية حقيقية مٌقنِعة للحركة، الأمرالذي تداركه رموزها في الأسبوع الثالث للمظاهرات، فبدت بعد ذلك أكثرنضجا وإصرارا ووضوحا لتستقطب مفكرين متمردين وفنانين صادقين ممن يحاربهم النظام مثل" ألان سورال" و"ديودوني" و" إتيان شوار": وحتى الفيلسوف المثير للجدل والمتزئبق " ميشيل أونفري"....، حين تبين لهؤلاء يسرالقضاء على حركة شعبية فرنسية متفردة، في مهدها، وسهولة تذويبها وإحتوائها-كما حدث في حركة مشابهة لها في عام 1995 في زمن الرئيس "جاك شيراك"

من الناحية السياسية:

الخيبات السياسية "للماكرونية"لمواجهة الحركة:

فصلت في الجزإ الأول من هذا المبحث في الأسباب السياسية والإجتماعية والثقافية التي أدت إلى الظهورالمفاجئ لهذه الحركة، وسوف نحاول هنا التركيزعلى فشل حكومة ماكرون في إستيعابها أوالقضاء عليها لتتحول إلى سرطان مخيف ينخرفي جسم "الماكرونية"حيث:

- فشلت الحكومة الفرنسية في إستيعاب هذه "الظاهرة"ولم تجد وسيلة عقلانية في محاورة حركة اجتماعية شعبية ذات طبيعة جديدة، قادمة من أعماق فرنسا المهمشة والمحقرة–وليس من باريس الصفوة و"النخبة"-، كظاهرة تطورت في سرعة البرق لتصبح رادارًا–عمليا وواقعيا- للإفلاسين: السياسي والإعلامي، وزيف الشعارات الصاخبة لكل "ماركات " الديموقراطيات الغربية، وكًشْفَ حساب للحقل السياسي الفرنسي لأكثرمن 40 عامًا(فصلت في بعضه في الجزأ الأول من هذا المبحث)

- فشل إيمانويل ماكرون-حينما تفتقت ذهنيته عن اللجوء إلى إستخدام وصفات قديمة معتمدة في الدول الديكتاتورية الثالثية متسربلة بلبوس (المابعد –حداثوية)، بالدفع بوزيرداخليته "كاستانير"، إلى أن"يفتن"الحركة من الداخل، ويشغلها بالبلطجة ويشتتها بالترعيب، عبرالعنف المفرط المؤدي إلى 14 قتيل وآلاف الجرحى والمعطوبين أعطابا أبدية مث فقدان الايادي أو الأرجل أو العينين، والمحتجزين بطرق غيرقانونية، حيث أظهرالتجمع العاشروالحادي عشر للحركة، مدي هول الهوة التي تفصل ما بين الحكومة الفرنسية وشعبها، وطرح تساؤلات محرجة للمفكرين الأكاديميين حول "حقيقة الديموقراطية الغربية" المرصعة، وحقيقة تبني الدولة لشعارات الثورة الفرنسية (1789 – 1799) ومدى جدوى الأطروحات الغربية البراقة سواء في الداخل الغربي أم خارجه (وكأن صبي روتشيلد نشأ في كوكب آخر)

- فشل ماكرون في إقتراح مجموعة من التدابيرالإجتماعية والإقتصادية لتهدئة فوران الإنتفاضة، بعد أن لاذ بالصمت لأسابيع– إذلالا للحركة-، تلاه ظهوره المسرحي المضحك، عبرما أسماه "النظام" ب"الحوارالوطني"، الذي كان في الواقع مهزلة إضافية لماكرون وإحتقارا للشعب الفرنسي، حيث تم إقتياد مجموعة من أعضاء مجلس النواب المنتقين كموالين"للماكرونية"وكان لسان حال "الحوارالوطني"هو:" أنا ماكرون الإله جوبيتير"، أستمع إلى الدهماء يصخبون، ولا يكون إلا ما أرى، ولو كره الثورانيون الشعبويون العديمو الأسنان "مما ذكرالشعب الفرنسي بلويس السادس عشر والملكة أنطوانيت، ويذكرنا نحن الثالثيين بالحكام الديكتاتوريين في دول المتخلفين !

- فشلٌ لماكرون في الأسبوع الذي تلي خطاب ماكرون، بالرغم من تقلص نشاط الحركة بشكل ملحوظ، عزاه العديد من المعلقين إلى المؤشرات الأولى على بداية نهاية الحركة بسبب تهديدات وزيرالداخلية التي تلت خطاب ماكرون، وبسبب برودة الطقس المفاجئة، وحلول عيد الميلاد المسيحي ونهاية العام، ومراهنة الكثير من المحللين السياسيين على إستمرار إنخفاض المشاركين في الإنتفاضة في الأسابيع المقبلة، كمؤشارات أولية لبداية مرحلة تذويب الحركة، الشئ الذي ظهر عكسه مع سبتي الأسبوع العاشر والحادي عشر حيث خابت من جديد كل تنبؤات كهنة معابد "إستطلاعات الرأي" وكهان المحللين السياسيين والصحفيين

 فشلٌ في الصميم لماركون عندما أصبح عدوالشعب المبين (المكروه شعبيا بنسبة أعلى من نظرائه"الرؤساء النصابين السابقين مثل- هولاند وساركوزي-) فتحول ماكرون إلى مهزلة التاريخ الفرنسي المعاصر، تفسرها سلة من الإقتراحات البالزاكية، التي أظهرت التحليلات الجادة، أن مسخرة "الحوارالوطني"هي مقترحات طغت عليها شطارة الحيل المُحاسبية كنقط قوى في"الماكرونية" التي أوصلته إلى السلطة، -(وهذا جانب تفصيلي)- والتي كانت إستمرارا للخطط الفرنسية-في الداخل والخارج- لمدة طويلة - لما بعد الجنرال دوغول- لم تتغير في المضمون منذ ساركوزي مع تغيير الأقنعة وتعديل في الديكور.

 فشلٌ وطني: عندما خان إيمانويل ماكرون وعداً قطعه على نفسه في الإنتخابات الرئاسية، وهوإجراء نقاش حول جحافل الهجرة الشرسة المستقدمة -عنوة - من الدول "الفاشلة (كمصطلح أمريكي أوبامي)"، أي من تلك المناطق التي يقنبلها الغرب نفسه من أجل تغييرأنظمتها ونهب خيراتها بهدف"دمقرطتها"، حين إعتقد ناخبو ماكرون في البداية، أن الرئيس سوف يفي بوعوده فور رئاسته، فقام-(درا للرماد في العيون)- بتسجيل مشروع النقاش حول الهجرة على أولويات جدول أعماله-التي كانت الشغل الشاغل للفرنسيين -لكن رئيس وزرائه إدوارد فيليب تخلى عن الفكرة بدون أي مبررأو مناقشة المشروع في مجلس النواب، مكتفيا فقط بالتصريح بأن النقاش لن يحدث !... وكفى !."-ومع ذلك إرتعب ماكرون وبادرإلى إلغاء زيارته إلى مدينة مراكش، للموافقة على الإتفاقية الدولية الكارثية المشبوهة التي عقدتها الأمم المتحدة، بشأن الهجرات المكثفة التي ستولد المزيد من الهجرات المليونية الهائلة إلى أوروبا عبر فرنسا، فإضطر إلى إرسال وزير خارجيته إلى المغرب سراً

فشلٌ عندما أثارماكرون من جديد–مثل عديليه ساركوزي وهولاند- مسألة الهوية الفرنسية وحماية "المكاسب الجمهورية التاريخية"، لضرب شرائح الشعب الفرنسي ببعضه بقصد صرف أنظاره عن المشاكل الحقيقية، فتم المسارعة إلى خلق حركة بوزرجوازية "ناعمة ولطيفة ومتحضرة"بقصد مناهضة "عنف"ذوي السترات الصفراء، تحت إسم "الأوشحة الحمراء" متبنية شعارات الشتم والسب والقذف وتحقير خلق الله من الفرنسيين "الكسالى الخشنين القذرين، والبلطجية اللامتحضرين، والجهلة أعداء الجمهورية الفاشيين المعادين للسامية والمثليين (حيث أن الأولى يقمعها البوليس ويقلص من عددها وحجمها الإعلاميون، بينما يحمي الثانية في مسيرتها ويضخم الإعلام من عددها، ويشيد "مثقفو الآلة الماركونية" بشعاراتها-المذكورة آنفا)–وهذا جانب تفصيلي قد نعود إ ليه لاحقا في مبحث آخر–حيث ظهرالصراع الواضح ما بين "فرنسا الفوق" وفرنسا التحت" مما يؤشرإلى تزايد الشرخ ما بين"المترفين والمستضعفين في بلاد "الوفرة الإقتصادية و

الديموقراطية وحقوق الإنسان"

وحسب إستطلاعي الشخصي قمت به بنفسي ميدانيا لعشرة أسابيع متواصلة، متابعا للحركة في عين المكان، لاحظت تزايد الإهتمام بكتب مثل" الأمير" لماكيافيللي، والبؤساء لفيكتورهيغو، والكوميديا الإنسانية لبلزاك، وقصة مدينتين لديكنز، وأفضل العوالم لهيكسلي والمعذبون في الأرض ل"فرانز فانون"، بينما إنصب الإهتمام برواية جورج أورويل" 1984"تلك الرواية التي صورت بطريقة تنبؤية مجتمعا شموليا يخضع لدكتاتورية فئة صغيرة، تحكم باسم "الأخ الكبير"الذي يمثل الحزب الحاكم في المجتمعات الغربية المستترة بألبسة الديموقراطية.

 فشلٌ جوهري للماكرونية وموتها السريري الحتمي:

إن إجراءات "الماركونية" لن تحل أي مشكلة جوهرية فرنسية سواء على المدى الأقرب أو الأبعد، (رغم التعنتر والتعبقرالماركوني على مستحمري الرؤساء الثالثيين الفاشلين) وذلك سترا لعيوب النظام الفرنسي الداخلي وموت الماكرونية، حيث تم وضع النقاش حول الهوية الفرنسية تحت السجادة، بعد فشل مسرحية "الهجوم الإرهابي الإسلامي" المفبرك في ستراسبورغ في شهر يناير، في إعادة اللحمة المفقودة ما بين الشعب والحكومة، وبهدف صرف أنظارالعالم والداخل عن تزايد شعبية الحركة، ولم تعد تجدي ورقة الهجومات الإرهابية المُختلقة في المزيد تضبيع الشعب الفرنسي (لأنه لم تعد الحبكات القديمة واللخبطات الجديدة الغربية تجدي نفعا"، بعد أن ساندت مجلة " شارل إيبدو الكاريكاتورية" الحملة الماركونية ضد الحركة، واصفة إياها بالظلامية والرجعية والإمعية ( فبهت الذين ما يزال يؤمن ب" بالشعوذة الديموقراطية " وقرف خرافة "حرية التعبير" الغربي.

فشلُ الماكرونية في الإستجابة للتحدي الشعبي الذي تمثله السترات الصفراء، كونها جزء من استمرارية إعادة هيكلة الحياة السياسية الفرنسية المتعفنة التي طالت حوالي 40 سنة والتي تم إنتخاب إيمانويل ماكرون بهدف إعادة الأمورإلى نصابها، -والتي بسببها ومنت أجلها يعتبرالشعب الفرنسي الأكثر تمردا وثورية –كما وكيفا- في التاريخ الغربي- بعد أن دمر ماكرون الحزبين الرئيسيين(الديغولي والجمهوري) اللذين قاما ببناء سياسة "التناوب"-منذ عهد ميتيران-، والإستفادة من بعض نقاط ضعف المعارضة، حيث إنقلب ماكرون على من آتو به إلى"الشلة" (مثل ألان مانك وجاك أتالي وهولاند) فخلق ماكرون عوض ذلك، فراغا سياسيا مهولا متلونة بألوان عقدية وإيديولوجية سوريالية غير مفهومة لأحد، تيسيرا للصًولان والجولان في الميدان، إستغلالا لتعفن الأحزاب وجشع قادتها وإستضباع أتباعها...، وتبريرا لخططه المعروفة في التقلب في المواقف السياسية والتخلي عن المبادئ الوطنية الأساسية للسيادة الفرنسية، ببيع البلاد إلى مجموعة بروكسيل ولإسرائيل، وللأمريكي والأطلسي وللخليجي (وكأننا بماركون في مزاجيته وتحجرعقليته ودهائه وخبثه، إستنساخ ردئ لترامب وأوباما معا).

-ظاهرة السترات الصفراء كانت نتيجة لسيادة الرعب السياسي في البلاد، والخبط الثقافي والقرف السياسي والخلط الفكري، المؤدية إلى تفشي مظاهرالفقر البشع "الثالثي"في البيوت الفرنسية" المتحضرة" التي طالت كل شرائح الشعب الفرنسي من الفقراء ومن والطبقة المتوسطة المرتعبة من مظاهر الفقر "الثالثي" الذي أخذ يطبع-منذ فرانسوا ميتيران- الحياة الإقتصادية والإجتماعية، التي أوصلت الشعب الفرنسي- في عام 2018- إلى الحضيص عبرمشاريع ماكرون "المافيوزية"– المبهمة الأسباب والمجهولة المقاصد والأهداف- حيث لا يوجد أي تبريرعقلاني لغلق المستشفيات العمومية المجانية-و خاصة في الأرياف الفقيرة (وإحلالها بالمصحات الخصوصية على الطريقة الأمريكية مما أدي إلى تزايد عدد الموتى في القري والمناطق النائية بسببب "تشطيب المرافق الطبية المتقدمة الحكومية المجانية) إضافة إلى مفاجئة ماكرون الجميع بمشروعه الإجرامي بإزالة صندوق الضمان الإجتماعي(الذي هو مفخرة فرنسا دوغول الذي تميزت بها فرنسا دون سائر بلاد العالم المتحضر )

إضافة إلى تخلي "النخب الفكرية" الفرنسية عن مبادئها وخيانة الاحزاب اليساروية و"التقدمية" لقضايا الشعب والعمال، عندما تأمركت تلكم الأحزاب في الشأنين الداخلي والخارجي أكثرمن الأمريكي، وتأسرلت الأكثرمن الإسرائيلي أطلسية أكثرمن الأطلسي، وأكثر ليبرالية من الرأسمالي التقليدي، -إنها طامة القرن الواحد والعشرين أكثر القرون طرا نشرا للزيف والبهتان والأراجيف-كما فصلت في ذلك عبر مقالاتي منذ عالم 2005-

- والنتيجة أنه لم تعد"المعارضة " في فرنسا -بكل توجهاتها سوى ديكور، وأصبح قادة كل الأحزاب مجرد حيوانات مفترسة متربصة بالطريدة الضعيفة، التي هي الشعب الذي فقد الأمل في نخبه ومفكريه وسياسييه مبدعيه وأحزابه الذين الذين أضحى معظمهم مجرد أغبياء مفيدين" للنظام")، لتصبح حركة السترات الصفراء هي بحق التي تمثل المعارضة والشعب وفرنسا الإقصاء في فرنسا العميقة في المدن البعيدة عن باريس "عاصمة الزيف والبهرجة والأنوار الفاقعة" التي تخفي معاناة الأرياف وإضطهاد ثقافتها وأعرافها، في مواجهة مصيرية أمامية ومباشرة مع الدولة المتعفنة حنى النخاع بنخبها السياسية والفكريية والإعلامية، حيث أصبحت حركة السترات الصفراء- منذ تظاهرتهم في الأسبوع الثالث- يرفضون أي مزيد من التفاوض مع "صبي روتشيلد" ولا يقبلون عن إستقالته بديلا

- معضلة ما كرون المأساوية هوأنه يتصرف مثل إله أغريقي يطل على الرعية من أعالي جبال الأولمب:حقرشعبه، وسامي بنفسه إلى مستوى يوليوس قيصرروما وببسمارك أوروبا، ونابلوليون فرنسا، فأنزله ذوو السترات الصفرإلي حقيقة ما يساوي، لخصها لنا المفكروأستاذ علم الإقتصاد"إتيان شوار"Étienne Chouard في جملة قصيرة:" ماكرون هو قصة التدليس السياسي والفكري الغربي، ودراما نصب" النخب الغربية" على العالم، وخيانة قضايا الشعوب المنهوبة والمسلوبة الإرادة، والنموذج الأمثل للتبعية لمجموعة بروكسيل، والأطلسي، ومعرضا صارخا للصوصية رهن البلاد لأبناك روتشيلد" ... !

أما عندي أنا !، فلا أملك من القول إلا كما قال" أبو حارث المحاسبي" أحد متصوفي وزهاد العراق الأوائل، ومن شيوخ إبن حنبل، حين قال: "الباغي باحث عن مدية حتفه بظلفه، ومتردد في مهاوي تدميره بمساوئ تدبيره، ولكل عاثرراحم إلا الباغي، فإن القلوب مطبقة الشماتة بمصرعه"....وهذا كلام لا يستوعبه عديمو الجدوى من السياسيين، ولايعلقه البغاة ولا الطغاة من الحكام المتجبرين !

 

د. الطيب بيتي