باسم عثمانذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أبلغ رئيس كتلة (كاحول لافان) بيني غانتس، بخطة اغتيال القيادي (أبو العطا) الليلة ما قبل تنفيذ عملية الاغتيال،حيث اصطفت كل كتل ما يسمى "الوسط – اليسار" وفي مقدمتها (كاحول لافان) وغانتس،من أجل دعم وتبرير قرار نتنياهو باغتيال (أبو العطا)، في الوقت الذي لا تزال فيه "إسرائيل" تواجه أزمة سياسية داخلية متواصلة منذ انتخابات الكنيست في نيسان/أبريل الماضي، وقبل عدة أيام من انتهاء مهلة غانتس بتشكيل حكومة جديدة.

وكتب غانتس في "توتير":" أن (كاحول لافان) تدعم أي عمل صحيح من أجل أمن "إسرائيل"، وتضع أمن السكان فوق السياسة الحزبية، ومحاربة الإرهاب مستمرة وتستوجب لحظات لاتخاذ قرارات صعبة، والمستوى السياسي (الحكومة الإسرائيلية) والجيش الإسرائيلي اتخذا قرارا صحيحا الليلة من أجل أمن مواطني إسرائيل وسكان الجنوب".

هذه العملية العسكرية الإرهابية الإسرائيلية حملت عدة رسائل سياسية وأمنية بان واحد، حيث مثلت رسالة صريحة وجلية بدون لبس بانها –أي إسرائيل -لا تقيم وزنا ولا تحترم اية "تفاهمات" وتعهدات سابقة، وهي ليست ملزمة بها ما دام الأمر يتعلق "بمصلحتها وحسابات قادتها"، اعتقادا منها، أن عدوانها المتكرر على الشعب الفلسطيني يمكن استيعابه ولملمة تداعياته بحركة "تطويق" إقليمية ودولية، أو امتصاص أي رد فعل عسكري لفصائل المقاومة الفلسطينية دون الانجرار لفتح جبهة عسكرية طويلة الأمد.

ان حكومة نتنياهو "المهزوزة" سياسيا بالداخل الإسرائيلي، وجدت ضالتها مع تسمية أحد اقطاب الحركة الفاشية الإرهابية وزيرا لجيش الاحتلال للقيام بعملية أمنية "مركبة"، من شانها إعادة خلط الأوراق وتحريك تجاذبات ائتلافية جديدة من جانب، واحراج البعض"الإسرائيلي" سياسيا من جانب اخر، كما يمكن لها أيضا ان تقطع الطريق على تشكيل حكومة "بديلة" بدعم من القائمة المشتركة لفلسطينيي ،وهو الهدف المركزي لنتنياهو وتكتيكاته السياسية الحاليةلان توقيت هذه العملية العسكرية مرتبط بأبعاد سياسية إسرائيلية داخلية وخاصة بمصير نتنياهو السياسي وملفات فساده، وربما تكون الحرب التي ازداد الحديث عن وقوعها الحتمي منذ انتهاء حرب عام (2014م) حاضرة الآن بعد بدء عدوان إسرائيلي يحمل حسابات إسرائيلية خاصّة، وبعد تسليم نتنياهو المنتهية ولايته بتطورات السياسة الإسرائيلية الداخلية، والتي ستمضي به إلى قفص الاتهام وانتهاء حياته السياسية لا محالة بعد سلسلة من القضايا وملفات الفساد المرتبطة به، لذلك،فان عملية الاغتيال للقائد العسكري (أبو العطا) ليست اكثر من انعكاس حقيقي لأزمة نتنياهو السياسية، خاصّة بعد تعيين نفتالي بينيت وزيراً للحرب الاسرائيلية وهو أشد منافسي ليبرمان.

وهكذا، يحاول نتنياهو الضغط على غانتس لتشكيل حكومة "وحدة وطنية"، وخلق وضع متوتر يجبر بقية الأحزاب لإقامة حكومة طوارئ بعد أن استنفذ كل أوراقه من خشيته الدخول في قفص الاتهام وفقدانه للحصانة.

في الوقت الذي يسعى فيه (نتنياهو) بهذه العملية العسكرية الى إنجاز عدة أهداف أهمها: الخروج من الأزمة السياسية الداخلية المُعقدة، وإجبار الكل السياسي الاسرائيلي على الدخول معه في حكومة طوارئ يبقى هو رئيسها،حيث سيسعى نتنياهو لتحميل وزير الحرب الجديد نفتالي بِينيت مسؤولية الفشل في جولة التصعيد القادمة، ويحرف أنظار الجبهة الداخلية عن مسار التحقيق معه، وأنه لا يزال هو الرجل الأقوى في "إسرائيل"، إضافة إلى زعزعة الأجواء الايجابية التي سادت الشارع الفلسطيني عقب التوافق المبدئي لإجراء الانتخابات الفلسطينية المزمع اجراؤها.

تصعيد نتنياهو:

إن قادة الاحتلال الإسرائيلي يحاولون خلط الأوراق في محاولة يائسة لقطع الطريق على استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، خاصة في ظل الأجواء الإيجابية التي سادت الساحة الفلسطينية خلال الأيام الأخيرة، وهذه الجولة الحالية من التصعيد " الإسرائيلي" تحمل لوناً سياسياً أكثر من لونها العسكري، وما عملية اغتيال القائد العسكري (أبو العطا) والعدوان المتكرر على غزة الا محاولة من نتنياهو للعودة من جديد لحكومة طوارئ والبقاء فترة إضافية في الحكم حتى لا تجري انتخابات إسرائيلية ثالثة.

ان استنفاد نتنياهو لأوراقه كافة دفعه مجددا لمزيد من خلط الأوراق، ليس فقط على الساحة الداخلية الإسرائيلية والفلسطينية فقط، بل وعلى الساحة الإقليمية ايضا، وما تنفيذ عمليتي الاغتيال في غزة ودمشق في آن واحد، الأولى نجحت والثانية فشلت،الا محاولة منه – ضمن حساباته الشخصية – في تصدير ازمته الحكومية للداخل الفلسطيني والخارج الإقليمي.

هذا التصعيد الأمني لنتنياهوهو رسالة واضحة هدفها جر "كاحول لافان" إلى داخل حكومة وحدة وطنية،وهو الاعتبار الوحيد لتنفيذ عملية الاغتيال وبادعاءات "أمنية"، لكن نتائجها تقرب من تشكيل هكذا حكومة، وما حرص نتنياهو على اطلاع غانتس على قضايا أمنية سرية وإبلاغه بعملية الاغتيال قبيل تنفيذها الا جزء من بناء جسور التحالف الجديد والشراكة بينهما.

هذا العدوان سوف يدفع الشعب الفلسطيني وقواه الحية إلى مزيد من التمسك بثوابته الوطنية والحقوق كاملة، وتعزيز خياراته الاستراتيجية ممثلة بالمقاومة ضد الاحتلال، وتعزيز تحالف فصائل المقاومة في خندق الوحدة الوطنية السياسية والعسكرية.

ان سياسة الاغتيالات والعدوان، والتي هي من صلب العقيدة الأمنية للاحتلال الاسرائيلي، لم ولن تنجح في ثني أو تغيير عقيدة المقاومة القتالية لدى قوى وفصائل المقاومة الفلسطينية،وهي الغير منفصلة عن محاولاته الفاشلة لتصفية القضية الفلسطينية وحقوقها المشروعة، وهي الحافز الرئيس لطي صفحة الانقسام ورص الصفوف وبناء الجبهة الوطنية الداخلية دفاعا عن المشروع الوطني الفلسطيني والتزاماته الوطنية والميدانية.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

قاسم حسين صالحورقة مقدمة لندوة علمية

في الفاتح من تشرين الأول/اكتوبر 2019 شهد العراق تظاهرات لخمسة ايام هزّت محافظات الوسط والجنوب، تبعتها في الخامس والعشرين تظاهرات اضخم اظطرت الحكومة الى استخدام العنف المفرط بما فيه الرصاص الحي والمطاطي والغاز القاتل.. تصاعدت في جمعتي الفاتح من تشرين الثاني /نوفمبر والثامن منه الى حرب جسور وشوارع في بغداد، ومحاولة سيطرة المتظاهرين على ميناء ام قصر في البصرة، وحرق بيوت نواب في الناصرية والشطرة والرفاعي والحلة والنجف وكربلاء والديوانية.. كان حصيلتها اكثر من ثلاثمئة شهيدا واثني عشر مصابا.. في مشاهد كأن الذي يجري هو حرب ضد غزاة وليس تظاهرات قام بها شباب دفعهم الفقر والحرمان والشعور بالاغتراب وعدم وجود معنى من حياة استلبتها منهم احزاب استفردت بالسلطة والثروة لستة عشر عاما، فانفجروا كما البركان رافعين شعار (نازل آخذ حقي) و(نريد وطن).

ولأن من عادتي ان استطلع آراء العراقيين في قضايا خطيرة ومصيرية فأنني توجهت بالآتي:

(لو كنت وسيطا بين الحكومة والمتظاهرين، ما المطالب "الآنية، العاجلة" التي يمكن ان يوافق على تنفيذها الطرفان خلال مدة من شهر الى ستة اشهر. ( حدد ثلاثة مطالب فقط. (

بلغ عدد المستجيبين (3132)فردا بينهم اكاديميون ومفكرون واعلاميون، تباينت بين اجابات كانت غالبيتها علمية وممكنة التنفيذ وأخرى تعجيزية واخرى انفعالية تعكس سخرية المزاج العراقي، اليكم نماذج منها كما هي بالنص.

- آني ما كاتلني غير هالدستور.. الغوه وخلصونه منه .. والأحسن، ادفنوه بصحراء الأنبار.

- وعيونك دكتور ما يصير كل حل ما دام ايران مجلبه بياختنه

- احسن حل.. نستورد دستور من سويسرا ونخلص.

وكانت هنالك اجابات تشاؤمية تجسدها هذه الأجابة:

(كل التمنيات والاحلام والوعود والاكاذيب الحكومية تصطدم بواقع لا يدرك حقيقته العراقيون عموما وحسنو النية خصوصا. الصراع الجاري اليوم صراع حياة او موت بالنسبة للطغمة الحاكمة.. صراع بين شعب مقموع منهوب وبين احزاب عشعشت 16 عاما قادتها وساستها لملموم جمعوا من كل شوارع وملاهي العالم واستلموا حكما وثروة اغنى بلد.. واليوم تريدونهم بتظاهرات سلمية شبابية غير حزبية وعفوية، يتلقون القنابل برؤوسهم العارية، فهل من المعقول ان يتنازل هؤلاء القتلة عن بحبوحة عيشهم ليسلموها لشباب لا يملكون غير رؤوسهم وصدورهم العارية. ثقوا بالله انهم لن يسلموها الا على أسنّة الرماح لأنهم يعتبرونها معركة حياة او موت).

تحليل

تم تصنيف الحلول المقترحة الى نوعين وفقا لعاملها الزمني، وعلى النحو الآتي:

الحلول الآنية:

الأول:

قيام مجلس النواب باقالة رئيس الوزراء، وتكليفه بمهمة حكومة تصريف الاعمال، ومن ثم اقرار القوانين الخاصة بالانتخابات وموعدها باقرب فرصة ممكنة، واصدار حزمة القوانين المطلوبة، ومن ثم يحل المجلس نفسه محتكما الى ارادة الشعب، على ان يأخذ القضاء دوره الفعلي بعيدا عن التسلط السياسي في محاسبة القتلة والفاسدين وفقا للقانون النافذ.

الثاني:

حل او تجميد البرلمان الحالي، والذهاب الى انتخابات مبكرة تحت اشراف الامم المتحدة والمنظمات الدولية، يتم على اساسها اختيار مفوضية للانتخابات يكون اعضاؤها من قضاة مستقلين حصرا، واعداد دستور جديد للبلاد تتم كتابته من قبل عناصر متخصصة وذات خبرة من خارج الاحزاب والبرلمان القائم وتحت اشراف دولي.. والغاء مجالس المحافضات كافة، والغاء جميع التخصيصات المالية لاعضاء البرلمان وبأثر رجعي، وجميع القرارات التي منحت امتيازات غير مشروعة لما يسمى رفحا، والحمايات، وتكون لهم مخصصات وظيفة مؤقتة تنتهي بانتهاء عضويتهم لاي سبب كان.

الثالث:

اقامة نظام جمهوري اتحادي كما هو الحال في الولايات المتحدة، اواعتماد نظام شبه رئاسي ينتخب فيه الرئيس من قبل الشعب بشكل مباشر، و يتم اختيار رئيس الوزراء من قبل البرلمان بحسب نظام الاغلبية، والغاء كل اشكال المحاصصات والمشاركات في توزيع المناصب.

الرابع:

اعتماد الفقرة ثالثا من المادة 126 التي تنص على جواز تعديل مواد الدستور بعد موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومن ثم موافقة رئيس الجمهورية، لأن عدم جواز التعديل يشمل المباديء الاساسية في الدستور الواردة في الباب الاول والنصوص الخاصة بالحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني، الا ان الفقرة رابعا من نفس المادة لم تجز اجراء تعديلات تنتقص من صلاحيات الاقاليم وكل المطالبات الشعبية من اجراء التعديل، وتغيير بنية نظام المحاصصة الطائفية، واصدار قانون جديد للانتخابات وتغيير مفوضية الانتخابات بمفوضية مستقلة فعلا، وتغيير قانون الأحزاب جميعها بشكل لا يمس حقوق شعب كوردستان العراق، ومثل هذه الاجراءات يمكن ان يتم تحديد اقصر فترة ممكنة لحسمها وأصدارها .

والتنويه بان نص الفقرة خامسا من المادة 142 استثنى كل ماورد في نص المادة المذكورة الخاصة بطرح المواد المعدلة لحين الانتهاء من البت بالتعديلات المنصوص عليها في فقرات المادة 126 بمعنى ان نص الفقرة رابعا الخاصة برفض التعديلات من قبل ثلاث محافظات او اكثر لايجد له تفعيل مالم يتم الانتهاء من العمل بفقرات المادة 126. ويمكن الاحتكام الى المحكمة الاتحادية بهذا الخصوص.

واتفقت الحلول على تنفيذ الآتي خلال مدة اقصاها ثلاثة اشهر:

- محاسبة كل المتسببين والمقصرين في اغتيال المتظاهرين والناشطين والنظر في تشكيل محكمة متخصصة لمحاكمة من تسبب في ذلك من القوات الامنية

- حصر السلاح بيد الدولة وتحويل كل الاسللحة لدى الفصائل المسلحة الى مستودعات الجيش

- تشكيل محكمة من قضاة مستقلين لمحاكمة الفاسدين واعادة الاموال المسروقة من خزينة الشعب

- الغاء جميع الامتيازات ولجميع المناصب، والغاء رواتب رفحاء وتقاعد النواب.

المعالجات المستقبلية

- وضع سقف زمني لاصدار قانون للاحزاب لايسمح بانشاء احزاب على اسس دينية.

- الكشف عن مجالات انفاق الميزانية السنوية بشكل واضح وشفاف.

- الغاء جميع القوانين التي صدرت تحت سلطة بريمر ومنها قرارات الاقصاء والاجتثاث والمواد الخاصة بالارهاب ذات الصفة الطائفية، واحالة القضايا ذات الصلة لنصوص القانون الجنائي العراقي.

- اعادة تشكيل مجلس الخدمة وفق شروط صارمة يأخذ على عاتقه توفير فرص العمل وفق قانون عام مجرد وقواعد مهنية .

- حماية المنتج الوطني واعادة فتح وتأهيل وتشغيل جميع المصانع المغلقة، واعتماد اسلوب الاقتصاد المختلط وفق مايحقق العدالة الاجتماعية.

- اصدار قانون عفو عام واطلاق سراح جميع سجناء الرأي.

- تخصيص حصة من النفط لكل مواطن عراقي، واصدار قانون وطني للطاقة والموارد النفطية

- اعادة الاستقلالية للبنك المركزي العراقي وجميع المؤسسات الخاصة بعيدا عن السلطة التنفيذية

- يحدد لكل مليون عراقي نائب لاواحد ولكل 500 الف عراقي عضو مجلس محافظة واحد، ويبقى راتبهما كما هو قبل الانتخاب مع اضافة بسيطة يحددها القانون وتلغى حال انتهاء دورته الانتخابية والغاء جميع الامتيازات الحالية وتحدد الحماية بشخصين من قبل الاجهزة الامنية العراقية

- اعادة النظر بالمدارس والكليات الاهلية وفق القانون، وتأمين متطلبات وزارات التربية والتعليم العالي والمالية.. وسحب اجازات غير الملتزمة بها.

ان هذه المقترحات، التي نتقدم بها بصفة وسيط محل ثقة عند الطرفين، تحتاج الى ندوة علمية يحضرها متخصصون واكاديميون وممثلون عن تظاهرات الشباب وعن الحكومة واصحاب القرار السياسي لانضاجها .. وبها نكون قد ادينا دورنا وأبرأنا ذمتنا امام الله والوطن والناس.

11 تشرين الثاني / نوفمبر 2019

تحول مهم جدا

في أمسية كتابة هذا المقال:

في لقاء ممثلة الامم المتحدة للسيد علي السيستاني هذا اليوم (11 نوفمبر 2019)، المرجعية الدينية في النجف تدين عدم جدية الاحزاب والحكومة في تلبية مطالب المتظاهرين، وتحذّر: اذا فقدت السلطة قدرتها على الاصلاح فلابد من طريق آخر.. في تهديد صريح يوحي بانه يتضمن اجراءا يتفادى به تدخلا خارجيا او تدويل القضية العراقية.

وفي اليوم ذاته!، دعت الولايات المتحدة الى اجراء انتخابات مبكرة.. ما يعني ان المتظاهرين كسبوا المرجعية الدينية والأمم المتحدة وأميركا والأتحاد الأوربي والأعلام.. وان الأيام القادمة ستشهد احداثا أبعد من التوقعات.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

من الشعارات التي شاعت مع بدء مظاهرات تشرين الاول عام 2019 شعارات دعوة الامم المتحدة للتدخل في الموضوع العراقي من اجل اقالة الحكومة وكتابة دستور جديد وقانون انتخابات جديدة وتشكيل حكومة موقتة . للاسف ان هذه الشعارات تعكس عدم وضوح وعدم ادراك لدور الامم المتحدة في تنظيم العلاقات الدولية بالرغم من ان العراق هو عضو موسس لمنظمة الامم المتحدة . كما ظهر بعض نهازي الفرص من اجل ركوب الموجة واستغلال اندفاع الجماهير للحصول على منافع شخصية ومحاولة اعادة سيناريو عام 2003 بالرغم من تغير الظروف واختلاف الاوضاع الدولية . من هذا المنطلق سنحاول القاء الضوء على طبيعة العلاقة بين الامم المتحدة والعراق .

تأسست الامم المتحدة في 24 /10/ 1945 في مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، بعد مؤتمر دومبارتون أوكس الذي عقد في العاصمة واشنطن، عقب فشل عصبة الأمم في مهامها بعد قيام الحرب العالمية الثانية، وكان العراق من الاعضاء المؤسسين لها . وتستطيع الامم المتحدة، نظرا لطابعها الدولي الفريد والصلاحيات الممنوحة لها في ميثاق تأسيسها، أن تتخذ إجراءات بشأن نطاق واسع من القضايا.

هناك (16) منظمةً وبرنامجاً ووكالةً وصندوقاً تابعة للامم المتحدة تعمل في العراق ( منظمة الامم المتحدة للاغذية والزراعة (فاو)، منظمة العمل الدولية، المنظمة الدولية للهجرة، بعثة الامم المتحدة للمساعدة في العراق (يونامي)، برنامج الامم المتحدة الانمائي، منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة )اليونسكو)، صندوق الامم المتحدة للسكان، برنامج الامم المتحدة للمستوطنات البشرية، مكتب مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين، منظمة الامم المتحدة لرعاية الطفولة )اليونسيف)، منظمة الامم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، صندوق الامم المتحدة الانمائي للمرأة، مكتب الامم المتحدة لخدمات المشاريع، برنامج الاغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية.

من اول النقاط التي حرصت المنظمة على تأكيدها في ميثاقها هي عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاعضاء لذلك نصت الفقرة 7 من المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة والتي تنص على (7. ليس في هذا الميثاق ما يسوغ "للأمم المتحدة" أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي ‏لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن ‏هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع.‏) والفصل السابع يتعلق فقط في مسائل الامن والسلم الدوليين كما ورد في المادة 39 من ميثاق الامم المتحدة (يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاًً من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقاً لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه) .

محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيس للأمم المتحدة. و يقع مقرها في لاهاي بهولندا. وتضطلع المحكمة بتسوية المنازعات بين الدول الاعضاء وإصدار فتاوى إلى الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. ويشكل نظامها الأساسي جزءً لا يتجزأ من ميثاقها. حيث تنص الفقرة 1 من المادة 34 من الفصل الثاني على (للـدول وحـدها الحـق فـي أن تكون أطرافا في الدعاوى التي ترفع للمحكمة).

بتاريخ 4/6/1949 اصدر العراق القانون رقم 14 بتاريخ 20/3/1949 قانون انضمام العراق الى اتفاقية الامتيازات والصيانات لهيئة الامم المتحدة المنشور في الوقائع العراقية العدد رقم  2744  .

قام العراق بمنح بعثة الامم المتحدة للمساعدة (يونامي) قطعة ارض في بغداد ومنحها (25) مليون دولار عام 2010 و (25) مليون دولار اخرى محسوبة على ميزانية العراق لعام 2011 ليكون مجموع المنحة المقدمة (50) مليون دولار.

أُنشأت بعثة الامم المتحدة في العراق (يونامي) بموجب قرار مجلس الامن 1500 بتاريخ 14/8/2003، وتقوم بولايتها بناءاً على موافقة الحكومة العراقية وعلى اساس تقديم الدعم والمساندة والمشورة في ضوء قرار مجلس الامن المرقم 1770 لسنة 2007 في مجالات (الانتخابات والمصالحة وحل المشاكل الحدودية وحقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار والتنمية). وفق قرار مجلس الامن (القرار 2470 (2019) والتي بناءاً على طلب العراق مددت ولايتها حتى مايو / أيار عام ٢٠٢٠ بناء على طلب حكومة العراق، وفي ضوء الرسالة الموجهة إلى الأمين العام من وزير خارجية العراق ( (S/2019/414.

يظهر القرار وبشكل واضح وجلي ان دور البعثة ينحصر في تقديم الدعم والمشورة والمساعدة للعراق (حكومةً وشعباً) فقرار مجلس الامن (القرار 2470 (2019) والذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 8531، المعقودة في 21 أيار/مايو 2019 المتعلقة بولاية يونامي في العراق قد حصر مهامهم بالدعم والمشورة والمساعدة  بشأن تعزيز الحوار السياسي الشامل للجميع والنهوض بالمصالحة على المستوى الوطني وعلى صعيد المجتمعات المحلية؛ بشأن وضع الإجراءات اللازمة لعقد الانتخابات والاستفتاءات؛ مراجعة الدستور وتنفيذ الأحكام الدستورية، وكذلك بشأن وضع الإجراءات التي تقبل بها حكومة العراق من أجل تسوية مسألة الحدود الداخلية المتنازع عليها؛إحراز تقدم في جهود إصلاح قطاع الأمن، بسبل منها منح الأولوية لتخطيط وتمويل وتنفيذ برامج إعادة إدماج الأعضاء السابقين في الجماعات المسلحة، حيثما كان ذلك مناسبا، بالتنسيق مع الكيانات المتعددة الجنسيات الأخرى؛تيسير الحوار والتعاون على الصعيد الإقليمي، بشأن مسائل منها أمن الحدود والطاقة والبيئة والمياه واللاجئين. العمل، بالتنسيق مع حكومة العراق، على تعزيز ودعم وتيسيرتنسيق المساعدة الإنسانية وإيصالها وعودة اللاجئين والمشردين أو دمجهم محليا، حسب الاقتضاء، طوعا وبشكل آمن ومنظم، وذلك بسبل منها الجهود التي يبذلها فريق الأمم المتحدة القطري؛‘ تنسيق وتنفيذ برامج لتحسين قدرة العراق على توفير خدمات مدنية واجتماعية أساسية فعالة، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم، لفائدة شعبه ومواصلة دعم التنسيق الفعال الذي يضطلع به العراق بين الجهات المانحة الإقليمية والدولية للبرامج البالغة الأهمية المتصلة بالتعمير والمساعدة، بما في ذلك من خلال المتابعة الفعالة للتعهدات الدولية؛ والجهود التي يبذلها العراق والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وجهات أخرى في مجال الإصلاح الاقتصادي وبناء القدرات وتهيئة الظروف المواتية لتحقيق التنمية المستدامة والانتعاش وإعادة الإعمار، بما في ذلك في المناطق المتأثرة بالإرهاب، بطرق عدة منها التنسيق مع المنظمات الوطنية والإقليمية، ومع المجتمع المدني والمانحين والمؤسسات الدولية الأخرى، حسب الاقتضاء؛ومساهمات وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها في بلوغ الأهداف المبينة في هذا القرار تحت قيادة موحدة من جانب الأمين العام عن طريق الممثل الخاص للعراق، يدعمه نائبه المكلف؛وتعزيز المساءلة وحماية حقوق الإنسان والإصلاح القضائي والقانوني، في ظل الاحترام التام لسيادة العراق، من أجل توطيد سيادة القانون في العراق، إضافة إلى دعم عمل فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش/تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المنشأ عملا بالقرار 2379 (2017)؛ معالجة مسألة تعميم مراعاة المنظور الجنساني بوصفها مسألة شاملة لعدة قطاعات طيلة فترة ولايتها، وإسداء المشورة لحكومة العراق ومساعدتها على كفالة مشاركة النساء وانخراطهن وتمثيلهن على جميع المستويات؛ مساعدة حكومة العراق وفريق الأمم المتحدة القطري في تعزيز حماية الطفل، بما في ذلك إعادة تأهيل الأطفال وإعادة إدماجهم.

مما تقدم يتبين ان الامم المتحدة لايمكنها ان تتدخل في الشؤون الداخلية للعراق استنادا لميثاقها . ان وجود بعثتها في العراق كان بناء على طلب الحكومة العراقية واستمراره لغاية 2020 مرتبط بموافقة الحكومة العراقية الحالية . ان دور بعثتها الحالية يقتصر على الدعم والاسناد والمشورة وليس لاتخاذ اي قرارات نيابة عن الحكومة العراقية . ان الاداة القضائية الوحيدة المعتمدة لدى الامم المتحدة هي محكمة العدل الدولية والتي تختص بالمنازعات بين الدول ولايحق لمنظمات المجتمع المدني او الافراد ان تكو طرفا في الدعاوى التي تنظرها محكمة العدل الدولية . ان مجلس الامن الدولي يختص بالقضايا التي تهدد الامن والسلم الدوليين والتي ليس من ظمنها الاحتجاجات والمظاهرات الداخلية .

 

زهير جمعة المالكي

 

روبط، الأسباب، التكتيك والاهداف

لم يكن الدخول الى ارضي دولة مستقلة ذات سيادة بالأمر السهل . ولم تكن مواضعات القانون الدولى فى إرساء مبادئ احترام سيادة الدول قريبة من ايدى الحكومات بحيث تطالها رياح التأويل والتبديل، و يصبح فى متناول اليد العدوان على دولة مستقلة على رؤوس الإشهاد  حتى جاءت الولايات المتحدة –منبع الأدواء – بفرية الحرب الاستباقية وحتى أصبحنا اليوم فى عالم لا يدين الا بمنطق القوة ولا يستكين الى للأقوياء.

عمليتان فى عهدنا الحاضر تجلت فيهما ملامح الحرب الاستباقية على سوائها وجلائها وهها عملية عاصفة الحزم التى قادها التحالف العربى بقيادة المملكة العربية السعودية على تنظيم أنصار الله الحوثى فى اليمن وعملية نبع السلام التى قادتها تركيا على تنظيم قوات سوريا الديمقراطية داخل حدود  الدولة السورية .

ما من شك ان لكل من العمليتين خصوصيتها من ناحية وأسبابها وأهدافها من ناحية اخرى، ولا شك – ايضا- ان قياسنا هنا لكليتيهما قياسا مع الفارق لان عملية عاصفة الحزم كانت بمقتضى قرار صادر من مجلس الأمن الدولى وكانت وفق تحالف عربى مكون من عدة دول اما عملية نبع السلام فقد كانت دون غطاء دولى او قرار من مجلس الامن كما انها كانت من دولة واحدة هى تركيا وفق تقيراتها الأمنية والسياسية .

نبادر ونقول ان جوهر عمليتى عاصفة الحزم ونبع السلام هو الحرب الاستباقية لحماية الأمن القومى  لكل من المملكة العربية السعودية ودولة تركيا . فبالنظر الى الاسباب المعلنة من جانب التحالف العربى والتى ادت الى شن الحرب فى اليمن على الحوثيين تتمثل فى جوهرها فى الاتى

1\اعادة الشرعية الى اليمن وتتمثل تلك الشرعية فى الرئيس عبد ربه منصور هادى

2\منع الحوثيين للسيطرة على مفاصل الدولة وابعد خطرهم عن المملكة العربية السعودية

كما تتمثل الاهداف الرئيسية لعملية اعادة الامل فى

1\سرعة اسئناف العملية السياسية

2\ استمرار حماية المدنيين ومكافحة الارهاب وتكثيف المساعدة الاغاثية

3\ التصدى للتحركات والعمليات العسكرية

منع وصول الأسلحة برا او جوا للحوثيين

وبقراءة مقابلة نجد ان الأهداف الرئيسية لعملية نبع السلام هى الهجمات التى تقوم بشنها عناصر حزب العمال الكردستانى على المدن الحدودية التركية، وعليه فان كل من التحالف العربى بقيادة السعودية وتركيا تقومان بعمليات عسكرية داخل اراضى دولة ذات سيادة لمنع عناصر اعتبرها ارهابية من شن هجمات داخل ارضيهما وهو ما يجعل المراقبين ينظرون الى العمليتان بعين الحذر ويعقدون بينهما المقاربات باعتبار انهما تؤديا الى نشوء نزاع مسلح سيكون له لا محالة اثارا كارثية على حياة المدنيين العزل سواء اكان ذلك على الصعيد الانسانى من نزوح ولجوء او على صعيد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد اولائك المدنيين

فى مارس 2015م أطلق تحالف عسكري من تسع دول شكلته المملكة العربية السعودية وأسمته بالتحالف العربى لدعم الشرعية فى اليمن عملية جوية واسعة ضد اهداف متعددة للحوثيين فى العاصمة صنعاء وجاء تدخل الحلف بناءا على طلب الرئيس هادى بهدف استعادة الشرعية فى اليمن  وبالتالى منع الحوثيين من السيطرة على العاصمة صنعاء درءا لمخاطر التهديد المباشر من قبل الحوثيين على المملكة العربية السعودية.

كان من المؤمل ان تكون الحرب على الحوثيين سريعة وخاطفة وحاسمة ولكن الوقائع على الارض تقول انها عملية طويلة الأمد ومتعددة المحاور والحسم العسكرى فيها بحسب الكثير من المراقبين يبدو اقرب الى الاستحالة ومع ذلك فان نتائجها أصبحت كارثية على الشعب اليمنى فهو قد تعرض لأكبر مجاعة فى التاريخ كما تدهور الوضع الاقتصادي والصحى الى مراحل غير مسبوقة، وقد ادانت كثير من المنظمات الدولية كلا الطرفين فى التسبب فى تلك المآسي وما تزال الحرب مستمرة وما تزال انتهاكات حقوق الانسان والقانون الدولى الانسانى مستمرة وما يزال الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحى فى أسوأ أحواله

عملية نبع السلام التى أطلقتها تركيا فى مواجهة ما تسميه إرهاب فصائل قوات سوريا الديمقراطية فى شرق سوريا كانت ايضا حربا استباقية داخل حدود دولة سوريا لحماية الأمن القومى التركى  حيث ارادت تركيا طرد الأكراد الذين يمثلون تهديدا ارهابيا على جنوب تركيا من منطقة شمال سوريا .

اللافت للنظر فى هذه العملية هو اتحاد العالم كله – على وجه التقريب- فى وجه تركيا فى دخولها للاراضى السورية لطرد قوات  سوريا الديمقراطية حيث نجد ان لكل اجندته الخاصة فى الوقوف ضد تلك العملية ولكن القاسم المشترك فى كل تلك الإدانات هو التكلفة الانسانية على صعيد حقوق الانسان من جهة وانتهاك القانون الدولى الانسانى من جهة اخرى .

بالرجوع الى عملية عاصفة الحزم ومن بعدها إعادة الأمل نجد ان دول التحالف قد افتقدت الى الرؤيا الإستراتيجية فى إدارتها لتلك المعملية وفى الأهداف التى ترتجيها منها، كما انها أخطأت فى تقدير قوة الخصم وإمكانية صموده امام تلك العملية .

لابد من الإشارة أولا الى ان المملكة العربية السعودية قد نجحت الى حد كبير فى كسب تأييد الرأي العام الدولى لتلك العملية وهو الأمر الذى مكنها من الحصول على الغطاء السياسي والقانوني من مجلس الأمن الدولي وذلك بموجب  القرار رقم 2216 الذى أصدره مجلس الأمن يوم 14 أبريل/نيسان 2015 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يفرض حظرا للسلاح على الحوثيين وأنصار الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، ويدعو الحوثيين إلى الخروج من المدن والمناطق التي استولوا عليها بما فيها العاصمة صنعاء. صوتت 13 دولة لصالح القرار، ولم تعارض أي دولة، بينما امتنعت عن التصويت دولة واحده فقط هي روسيا. كما نجحت الى كما تمكنت من انشاء تحالف عربي للاشتراك فى هذه العملية بالرغم مما أثير حول ضغوطها على دول التحالف للاشتراك فيه

بالنظر الى إستراتيجية التحالف فى تلك العملية بشن حرب خاطفة وحاسمة لشل قدرات الحوثيين ومنعهم من السيطرة على مفاصل الدولة فى اليمن وتجنبا للآثار الخطيرة لتلك الحرب على حياة المدنيين نجد ان هنالك فشلا زريعا لازم تلك العملية مما جعلها تقف على اعتاب عامها الخامس دون ان تحقق اى من الأهداف التى أعلنها التحالف عند بداية العملية

فعلى مستوى التكتيك الحربي لم تضع تلك العملية قوة الخصم فى اعتبارها وذلك ان الحوثيون تمكنوا من الصمود إمام ضربات الحلفاء طوال هذه الفترة دون ان تستبين اى من علامات الضعف او التفكك فى صفوفهم بل اننا رأينا كيف يرد الحوثى على عمليات التحالف فى اليمن بضربات داخل عمق المملكة العربية السعودية اما على مستوى الوضع الانسانى فى اليمن فقد تسبب التحالف بشهادة منظمات حقوقية عديدة فى ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وبالرغم من الجهود الكبيرة التى قامت بها المملكة فى تخفيف آثار ذلك النزاع بالمساعدات الانسانية من مأكل وملبس وادوية الا ان الوضع الانسانى فى اليمن قد تدهور بشكل كبير حتى أصبحت اليمن على اعتاب اكبر مجاعة فى التاريخ، اما على مستوى الاهداف فان الحرب فى اليمن قد أصبحت خارج دائرة التحكم من قبل التحالف، وأصبحت الاهداف غير معلومة وغير منظورة وأصبحت احداث على الأرض هى التى تحدد ما الذى يجب ان يتم فعله فى اليوم التالى.

عملية نبع السلام وجدت معارضة دولية كبير للغاية بل تكاد ان تكون كل دول العالم قد وقفت فى وجه تلك العملية على وجه من الوجوه، وانها افتقدت للغطاء السياسى والقانونى الدوليين ومع كل ذلك أصرت تركيا على إتمام العملية واضعة نصب عينيها هدفا واحدا هو ابعاد عناصر قوات سوريا الديمقرطية بما فيهم الاكراد مسافة لا تقل عن 32 كيلو متر من الحدود السورية ومع هذا الاصرار تدخلت الولايات المتحدة - التى تركت الاكراد لمصيرهم - بدافع عقدة الذنب وأوقفت الحرب بابرام اتفاق بينها وبين تركيا نزولا على شروط الاخيرة.

كانت المحصلة النهائية لعملية عاصفة الحزم دخول اليمن فى مشكل اقتصادي وانسانى غير مسبوق ولم تستطع دول العالم كله من وقف نزيف الحرب او معالجة التدهور الكبير على الصعيد الانسانى، لهذا فانه لا فائدة من تغطية العملية بواسطة مجلس الامن الدولى طالما ان المجلس لم يتمكن من معالجة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولى الانسانى او مساعدة اليمنيين فى تجاوز الجوع والمرض والفقر . كما كانت المحصلة النهائية لعملية نبع السلام ابرام بين كل من تركيا والولايات المتحدة لوقف الحرب وانسحاب الاكراد وبين تركيا وروسيا لتسيير دوريات فى المدن الحدودية وعدد غير قليل من الضحايا المدنيين ونزوح ولجوء الاكراد من المناطق التى انسحبت منها فوات سوريا الديمقراطية كنتيجة حتمية للعمليات العسكرية فى تلك المنطقة

اردنا القول بان دول العلم باجمعه والتى ايدت عملية عاصفة الحزم لم تستطع انقاذ اليمن من وهدة الجوع والفقر والمرض كما لم تستطع دول العالم كله والتى اعترضت على عملية نبع السلام من الوقوف فى وجه امريكا وروسيا فى ابرامهما لاتفاقيات حققت جميع شروط تركيا لوقف القتال لهذا فان وضوح الرؤيا وتحديد الاهداف والوصول اليها باقصر الطرق هو وحده ما يجعل الحرب اقل تكلفة واكثر انسانية  

واخيرا فان للعمليتين قواسم مشتركة من ناحية الاسباب والهدف ولكن الاختلاف جاء فى النظرة الكلية للاهداف والرؤيا الواضحة فى التكتيك والسير قدما فى الطريق المرسوم دون الالتفات الى المعارضين  او المؤيدين فكلاهما لن تطاله آثار الحرب ولن يجنى ثمار النصر ولن يكتوى بنيران الهزيمة

 

ناجى احمد الصديق الهادى - السودان

 

محمود محمد عليحين غزت الولايات المتحدة العراق، وأطاحت بنظام صدام حسين في 20 مارس 2003 في عملية أطلقت عليها "تحرير العراق" Iraqi Freedom، لم يكن الهدف من ذلك، الإطاحة بنظام استبدادي، واستخلافه بنظام ديمقراطي، بقدر ما هو يهدف إلى هدم وإنهاء كيان الوطن العربي ؛ حيث كان الهدف الأساسي الذي وضعته الولايات المتحدة في استراتيجيتها في المنطقة، والذي كانت قد خططت له وأعدته منذ سنة 1970،هو " إعادة هيكلة دول المنطقة العربية، إلى كيانات صغيرة هزيلة متناثرة القوي، أكثر مما هي عليه الآن قائمة على أسس طائفية، وعرقية، ومذهبية، ودينية، وعنصرية، وعشائرية، وبذلك تكون قد حققت الفائقية للعدو الصهيوني في المنطقة، وإزالة كل تهديد ضده، وفي الوقت نفسه تأمين سيطرتها على هذه الكيانات الهزيلة بسهولة، واستنزاف واستثمار ثرواتها، وتسخير قدراتها الاقتصادية والنفطية، والعراق طبعاً كان من الدول العربية المهددة لهذا المخطط الخطير، فكان ولا بد من إضعافه مع السنين، وبالتالي القضاء على قدراته، وقوته، وإزاحة النظام الحاكم فيه" .

ولقد تلقف الصهاينة هذا المخطط والذي يتركز علي التقليل من أهمية الحضارة العربية، ومن دور العرب في التأريخ القريب والبعيد؛ حيث  أضافوا إسهامات أخري تشوه الشخصية العربية، والتاريخ العربي عندما زعموا أن السبب في أصل تجزئة العرب ليس من خلال تدخل الغرب للوقوف ضد كل محاولة وحدوية بالسلم وبالقوة لحماية الكيانات، لكن السبب وفقاً لما يدعون يندرج في طبيعة وتكوين الفرد العربي فهو صاحب فردية جامحة، لا يدين بالولاء لغير أسرته وطائفته، يقول الصهيوني "روفائيل باتاي" Rafael Batay : " إن الأمة العربية منذ أن خلقها الله مقسومة إلي يمنيين وقيسيين، وكل منهما مجزء إلي قبائل، وبطون، وأفخاذ، وعشائر" ويضيف (باتاي) إن السبب برأيه " في التناحر العربي بنظرة مفطورة علي الخصام والعدوان، فهو يكره أخاه، ويعتدي علي أبناء عمه، ويسلب جيرانه، وأن الله خلق العربي كارها للغرب". .

ويؤكد الكاتب الصهيوني "جرفاسي" Grévasse موقف الصهيونية من الوحدة العربية عبر الكشف عن موقفها من القومية العربية إذ يقول " القومية العربية بتمسكها بالوحدة العربية هي العقبة الرئيسية أمام السلام بين الدول العربية وإسرائيل .وإن الوحدة العربية لا تجد لها سندا في التاريخ العربي وأنها كانت الاستثناء لا القاعدة وما من شئ قسم الوطن العربي، مثل الإصرار علي توحيده".

وإزاء  ذلك أدركت الصهيونية بأن الاستقلال السياسي والاقتصادي للدول العربية يمثل خطورة في طريق الوحدة العربية، لذلك قامت الصهيونية و(إسرائيل) بالوقوف ضد حركة الاستقلال العربية، مما حدا بأحد السياسيين الصهاينة للتعبير بشكل صريح عن دور إسرائيل في تعزيز فكرة التجزئة في الوطن العربي، وفي ذلك يقول :" في الواقع إن إسرائيل هي التي تحمي وجود الأردن، وتدافع عنه ضد أخواتها العربيات، والأردن ما هي إلا دولة حاجز تحمي المملكة العربية السعودية، وإمارات الخليج من الغزو السوري- السوفيتي من الشمال والغرب، لأنه بعد الأردن يأتي دور السعودية وإن وجود وأمن دولة الحاجز العربية هذه مضمون لإسرائيل  .

ويؤكد الكاتب الصهيوني "شموئيل يعري" Shamuil Yaari الطرح السابق مؤشرا أهمية الدول الموالية لها للتصدي لحركة التحرر العربية وضرورة إسناد هذه الدول للإبقاء علي التجزئة في الوطن العربي، وفي ذلك يقول " إن إسرائيل ساهمت في إقامة استقرار في المنطقة التى تعتبر الدول الرجعية دعامتها، وترسيخ النفوذ الأمريكي، وطرد النفوذ السوفيتي، لقد خرج العرب رابحاً في عام 1967 لأن إسرائيل حطمت الحربة الناصرية.

ومن الملفت للنظر بالرغم من قدم أطروحات اليهود والصهاينة لتفتيت وتقويض الشعوب، والحكومات الواقفة ضدها التى خلقت بذلك إطاراً نظرياً وفكرياً لإسرائيل في تفتيت الدول العربية، إلا أن التنظيرات، والسياسات الغربية التجزيئية كانت تمثل عوناً وإرثاً لا يستهان به لدعم استراتيجية (إسرائيل) لتفتيت الوطن العربي لتوافق الطرفين في ضرورة إضعاف وإنهاك العرب من الداخل .

ولعل أبرز ما يميز تلك الاستراتيجية، طبيعتها المتواصلة غير المنقطعة، بالرغم من الظروف الاستثنائية ومن ضمنها وقوع الحروب مع العرب، وتأكيدا لصحة ما ورد ذكره يمكن الاستشهاد بأبرز الخطوط الرئيسية للسياسة الإسرائيلية عقب حرب 1973 والتي كانت ذات مضمون تفتيتي في كيانات هشة متجزئة، ثانياً تطويق المجتمع العربي، ثالثاً عزله عن محيطه الجغرافي، ورابعاً التحكم في هذا المجتمع بإرادة وهيمنة إسرائيلية .

إن إحدى النتائج التي يمكن استنتاجها بعد ذلك أن الصهيونية ومن ثم إسرائيل استحضرت الجذور الدينية والتاريخية، لتزاوجها مع توجهاتها التفتيتيه في الوقت الحاضر، حيث نتج تواصل في المنهج التفتيتي بين إرثهم الديني والتأريخي للتفتيت وتوجهاتهم التفتيتية في الوقت الحاضر .

والسؤال الآن ما الآداة التي استخدمتها إسرائيل في اللجوء إلي فكرة تفتيت دول الوطن العربي؟

كانت الآداة هي استراتيجية " إثارة الخلافات والنعرات الطائفية "؛ وإذا بحثنا عن الخلفية التاريخية في ذلك نجد أنه في أكتوبر سنة 1998 أصدر الكونجرس الأمريكي "قانون الحريات الدينية في العالم"، وهو القانون الذي مهد له، وسعي إلي إصداره أركان الأصولية الصهيونية – في الولايات المتحدة .وبهذا القانون – الذي صدر في المرحلة التي أطلقت أمريكا عليه "مرحلة العولمة" و" النظام العالمي الجديد"، والتي أعقبت سقوط الثنائية القطبية في النظام الدولي، وبسقوط وإنهيار المعسكر الشيوعي أواخر سنة 1990- وسعت أمريكا في هذه المرحلة إلي الانفراد بالنظام العالمي، وتهميش الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي.. معتبرة ذلك "نهاية التاريخ".. بهذا القانون –قانون الحريات الدينية في العالم – أعطت أمريكا نفسها حق مراقبة الحريات الدينية في العالم، وإصدار الأحكام الأمريكية علي الدول والأمم والحضارات.. بل وتوقيع العقوبات!.. أي حق اغتصاب الشرعية الدولية، وسلطان الأمم المتحدة، والمجلس الأممي لحقوق الإنسان.. وإحلال هذا القانون الأمريكي – الذي سنه الكونجرس الأمريكي- محل القانون الدولي .. وجعل الحكومة الأمريكية " الشرطي الدولي".. وجعل الكونجرس الأمريكي " المشرع للعالم " وليس للوطن الأمريكي فقط، كما هو حال كل برلمانات الدنيا!.. ومنذ ذلك التاريخ، دأبت الحكومة الأمريكية – بواسطة وزارة خارجيتها – علي إصدار التقارير السنوية ونصف السنوية حول الحريات الدينية في العالم، بناء علي المعلومات التي تجمعها السفارات الأمريكية .. والمنظمات الأمريكية .. ومنظمات المجتمع المدني التي تمولها أمريكا وبعض سفارات الدول الغربية .. والعملاء المتعاونون مع أمريكا .

إن هذا الاعتراف الأمريكي إنما يقوم شاهداً علي ممارسة أمريكا سياسة تفكيك النسيج الوطني والاجتماعي والثقافي والحضاري للوطن العربي، وذلك تحقيقا للهدف الأمريكي المعلن : " الفوضي الخلاقة" الرامية إلي تحويل المجتمعات العربية إلي طوائف، ليسهل اختراقه، ولتضعف مقاومته ومناعته.. ولتصبح الطائفية ثغرات تمكن النفوذ الخارجي من تفجير ألغامها – كما صنع الغزو الأمريكي بالعراق.

إنهم يريدون بهذا الاختراق لأمننا الاجتماعي، والتفكيك لنسيجنا الوطني حرمان الأمة من صلابة العمود الفقري العربي، الذي مثل- تاريخياً – مؤهلات الانتصار علي الصليبيين والتتار والغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة، والذي يمثل الضمانة لقيادة الأمة في نهضتها الحضارية المنشودة .. فتفكيك المجتمع العربي هو الهدف الذي تسعي إليه الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد سبق لبرنارد لويس أن أعلن عن " ضرورة العمل علي تحويل المجتمعات العربية والإسلامية إلي " فسيفساء ورقية.. ومجتمعات موزاييك ".. ليتحقق الأمن والتفوق لإسرائيل علي جميع هذه المجتمعات " .

ولما كانت المنطقة العربية تتعرض لأعنف مرحلة من مراحل إعادة ترسيم المنطقة وتقسيمها أو بمعنى أدق "تفتيتها"، وفقاً للمخطط الذي وضعه برنارد لويس وبتكليف من الإدارة الأمريكية عام 1980، لتحويل المنطقة العربية إلى دويلات صغيرة يسهل السيطرة عليها، وضمان عدم تصديرها للموجات الإرهابية للغرب، وفق هذه الرؤية. ولما كان هدف الولايات المتحدة الأساسي من مشروع التقسيم والتفتيت هو استعمال شتي الطرق والوسائل لمنع قيام الوحدة العربية وإضعاف الأمة العربية، فالولايات المتحدة ومعها إسرائيل قد حاولت بشتي الطرق تضخيم مشكلة الأقليات الدينية والعرقية الموجودة في الوطن العربي واستغلالها في وجه المشروع الوحدوي العربي، عن طريق الأقليات في الأقطار العربية، وحضها علي التمرد والانفصال عن الأقطار العربية، تنفيذاً لتفتيت وتجزئة الوطن العربي. ومن وجهة النظر الأمريكية – الإسرائيلية، فإن العالم العربي تتنازعه الانقسامات الطائفية والعرقية والأثنية، ومن السهل اختراقه وإضعافه من خلال التآمر مع تلك الأقليات وتشجيعها علي التمرد وإقامة دويلات منفصلة عن الوطن العربي، لأن انتشار الدويلات التي تحكمها أقليات دينية وإثنية هي الوسيلة الرئيسية لإضعاف الوطن العربي .

ومن نافلة القول في البداية، تعريف الأقليات بأنها " جماعة من الأفراد يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقياً أو دينياً أو لغويا"، كما عرفها البعض بأنها "مجموعة بشرية تختلف عن الأغلبية في واحد أو أكثر من المتغيرات التالية: الدين أو اللغة أو الثقافة أو السلالة" . وتعرف الأقلية من الناحية السياسية بأنها " جماعة تشترك في واحد أو أكثر من المقومات الثقافية أو الطبيعية أو عدد من المصالح التي تكرسها تنظيمات وأنماط خاصة للتفاعل وينشأ لدي أفرادها وعي بتميزهم في مواجهة الآخرين، نتيجة التمييز السياسي والاجتماعي والاقتصادي ضدهم، مما يؤكد تضامنهم ودعمهم"، وتعرف الأقليات في الموسوعة الأمريكية بأنهم " جماعة لها وضع اجتماعي داخل المجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في نفس المجتمع وتمتلك قدراً أقل من النفوذ والقوة وتمارس عدداً أقل من الحقوق مقارنة بالجماعة المسيطرة في المجتمع، وغالباً ما يحرم أفراد الأقليات من  الاستمتاع الكافي بحقوق مواطني الدرجة الأولي" .

ولا تكاد تخلو دولة من دول العالم أجمع من أن يكون شعبها مكوناً من أقليات عرقية أو طوائف دينية وأديان مختلفة أصولها وثقافتها، فالأقليات تمثل ظاهرة يشترك أفرادها في واحدة أو أكثر من مقومات اللغة أو العرق أو الدين أو الطائفة، وقد يشتركون في هذه العوامل كافة .والأقلية نتاج عمليتين: الأولي استقطاب كل من يشترك معها في تلك المقومات، والثانية استبعاد كل من يختلف معها فيها، كما أن تعدد الهويات : العربية والإسلامية والقطرية ودون القطرية، أثرت في تنازع الولاءات في الدول العربية وفي انتماءاتها . وتوزعت تلك الأقليات علي الأقليات اللغوية غير العربية، كالأكراد، والأرمن، والسريان، والآشوريين، والتركمان، والبربر، والنوبيين، وأقليات دينية غير إسلامية، كالكاثوليك، والأرثوذكس، والبروتستانت، والأقباط، واليهود. ويشكل العرب غالبية السكان في الوطن العربي، وتبلغ نسبتهم   88 %  من السكان. وأما البقية فإنهم من غير العرب علي الرغم من كونهم يتكلمون العربية كالبربر في المغرب العربي الذي يبلغ عددهم حوالي 5.5 % من مجمل السكان في الوطن العربي، و2.4 % من القبائل الزنجية في جنوب السودان، و2 % من الأكراد، و1 %  من اليهود، والبقية موزعة علي أقليات صغيرة من النوبيين، والإيرانيين، والتركمان، والشركس، والسريان. و91 % من سكان الوطن العربي من المسلمين ( منهم 84 % منهم من السنة)، 5 % من مجمل السكان العرب من المسيحيين، و2 % من الديانات القبلية الزنجية في جنوب السودان و1.9 % من اليهود .

وهنا أرادت الولايات المتحدة التسلل إلي تلك الأقليات، واستغلالها في مواجهة الدول العربية مدعية حق تلك الأقليات في تقرير مصيرها والانفصال عن الهوية والثقافة العربية، وإعادة تشكيل هويتها الخاصة انتصاراً للمنطق الصهيوني القائل بالتمايز التاريخي بين شعوب المنطقة .

ولهذا نجد الولايات المتحدة ومعها إسرائيل تسعي إلي إثارة الخلافات بين السنة والشيعة والأكراد في العراق، وبين السنة والعلويين في سوريا، والموارنة، والدروز، والسنة، والشيعة في لبنان، وبين الفلسطينيين والأردنيين في الأردن، والسنة والشيعة في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط في السعودية، والمسلمين والأقباط في مصر، والشمال المسلم والجنوب المسيحي والوثني في السودان، والعرب والبربر في الجزائر والمغرب .

وبما أن توحيد العرب هو النقيض لما تحاول الولايات المتحدة تحقيقه، فإنها تسعي دائما إلي إفشاله من خلال دعمها ومساندتها للأقليات في الوطن العربي لمنعها من الاندماج في المجتمعات العربية - الإسلامية. ولهذا فإن تفتيت الوطن العربي ومحو فكرة القومية العربية، والأمة العربية الواحدة، وضرب النظام العربي، هي من الأولويات الثابتة لدي الولايات المتحدة .

ولهذا فإن الولايات المتحدة تعتمد في استراتيجيتها علي إضعاف الدول العربية من خلال الوسائل التالية :

1- تفتيت الدول العربية من خلال إثارة النعرات الطائفية وتغذيتها داخل كل دولة عربية بما يحقق الأمن القومي لإسرائيل.

2- العمل علي توسيع الخلافات بين الأقطار العربية لكي تبدد قوتها العسكرية في الصراعات الإقليمية التي تسهم هي في خلقها ودعمها.

3- العمل علي منع قيام وحدة بين الأقطار العربية، والسعي إلي تمزيق المنطقة وتجزئتها بتحويلها إلي كيانات ضعيفة متقاتلة.

4- إنشاء حركات مؤيدة لـ"إسرائيل" تهدف إلي تفتيت الروابط الاجتماعية والقومية في المجتمعات العربية وخلق صراعات دينية بين المسلمين وبقية الطوائف من أجل تفتيت الشعب الواحد وتقسيمه.

5- تمزيق الدول العربية إلي مناطق مستقلة تسيطر عليها الطوائف المختلفة.

6- بما أن القومية العربية هي العدو الرئيسي لـ "إسرائيل"، فإن تجزئة وتقسيم وتدمير الأقطار العربية هو واجب وهدف إسرائيل الأول .

7- علي إسرائيل أن تقيم علاقات جيدة مع الأقليات الدينية (المسيحيين) والعرقية (الأكراد) والاثنية (البربر)، وتحريضها علي العمل معها ضد العرب تصل إلي حد الانفصال وتشكيل كيانات منفصلة .

8- من أجل القضاء علي التفوق السكاني العربي والقوة العربية، لا بد من تفتيت الأقطار العربية لإضعافها وإبقائها عاجزة عن مقاومة الوجود الإسرائيلي .

9- التركيز الإسرائيلي علي أن منطقة الشرق الأوسط لا تضم شعباً واحداً، بل عدة شعوب مختلفة، والتأكيد علي هوية الشرق أوسطية بديلاً للهوية العربية لشعوب الشرق الأوسط...وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

اياد هلال الكنانيملاحظات حول النظام الانتخابي في مسودة القانون المقترح من رئاسة الجمهورية

لاشك ان اشكالية الديمقراطية في المجتمعات الاثنية المتعددة تكمن في كيفية رسم مؤسسات تحظى بتمثيل عادل (واسع) وتحفظ الاستقرار لهذه المجتمعات، من خلال التركيز على العديد من المتغيرات وفي مقدمتها الانظمة الانتخابية .

فقد ادخلت الانظمة الانتخابية كأحد المتغيرات الحاسمة في احتواء الانشقاقات والصراعات الاثنية الكائنة والمتزايدة في هذه المجتمعات بعد تبنيها انظمة حكم تقوم على اسس الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة .

وتختلف الدول في نوع النظام الانتخابي الذي تتبناه تبعا لاختلاف ظروفها السياسية وتكوينها الاجتماعي بحيث تسعى أن يكون نظامها الانتخابي عاملا من عوامل الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي.

وفي العراق اعتمد على نظام التمثيل النسبي في الانتخابات العامة، وجرى تغيير في صيغة هذا النظام اكثر من مرة من القائمة المغقلة والدائرة الانتخابية الواحدة (على المستوى الوطني) الى القائمة شبه المفتوحة والدوائر المتعددة (على مستوى المحافظات)، وانتهاءا باعتماد الدوائر المتعددة والقائمة شبه المفتوحة وصيغة (سانت ليغو المعدلة) .

ومع ان نظام التمثيل النسبي يعد وصفة يمكنها من استيعاب الاحزاب والكيانات السياسية ذات البنية الاثنية وضمان تمثيلا عادلا لها، الامر الذي يوفر قناعة لهذه الاحزاب للعمل ضمن النظام وعدم الخروج عليه وتوفير فرصة كبيرا للمشاركة الواسعة في الحكم، وتقويض امكانية التفرد بالسلطة - الا انه ومن جهة اخرى فقد كان لنظام التمثيل النسبي مساوئ كبيرة في مقدمتها شل العملية السياسية واضعاف فاعلية السلطات العامة وتأسيس نظاما يقوم على اساس التوافقية والمحاصصة التي عطلت الحكومة وافقدت البرلمان قدرته على ممارسة دوره في المراقبة والمسائلة والمحاسبة وما نجم عنه من تضخم الفساد والهدر بالمال العام وتعطيل فرص التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي .

ويمكن القول ان نظام التمثيل النسبي في العراق كان قد احتوى مرحلة واطرها، اما الآن فنحن نقف على اعتاب مرحلة جديدة كانت تنمو ببطئ طيلة سنوات مضت وظهرت آثارها بوضوح منذ الحاق الهزيمة بتنظيم دعش ودحره في معركة تحرير الموصل، هذه المرحلة تتميز بابعاد وتنحية المتغير الطائفي والاثني في خيارات الناخبين وتوجهاتهم بعدما استقرت القناعة الاجتماعية العامة على ان الكيانات والاحزاب السياسية ذات البنية الاثنية قد اساءت استغلال المشاعر الطائفية والعرقية في تعزيز مكاسبها على حساب جماهيرها وعلى حساب التراجع في دورها في بناء الدولة ومؤسساتها والفشل في تقديم الخدمات وتلبية احتياجات المواطنين بالعيش الكريم، لقد غذى كل ذلك بلوغ جيل من الشباب عانى كثيرا من فساد السلطة وفشل الاحزاب الحاكمة في ادارة الدولة ولم يغرق في وحل الصراع الطائفي والقومي، مما ترتب عليه فقدانه للثقة بالانتخابات وفي النظام السياسي بشكل اعم .

وبضوء ذلك يسود الجدل السياسي العام رأي مفاده ضرورة الاصلاح الانتخابي كشرط مسبق ومقدمة ضرورية للاصلاح السياسي والاقتصادي، وبهذا الصدد اعدت رئاسة الجمهورية مقترح قانون انتخابات ينظم انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات ومجالس الاقضية .

وسنحاول هنا ان نناقش موضوع النظام الانتخابي الذي نص عليه مقترح القانون وبيان امكانية تنفيذه فنيا والآثار السياسية المتوقع لتطبيق هذا النظام وكما يلي:

اولا: معالم النظام الانتخابي في مسودة القانون

وفقا للدراسات العلمية وتجارب الانتخابات في العالم يتحدد نوع النظام الانتخابي من خلال معرفة طبيعة الدائرة الانتخابية المعتمدة وعدد المقاعد التي تخصص لكل دائرة وطبيعة الترشيح وتحديد كيفية تصويت الناخبين، وتحديد الصيغة الرياضية التي يستند اليها في حسم النتائج وتحديد من هو الفائز .

ومن خلال مراجعة مسودة القانون المقترح تظهر معالم النظام الانتخابي في الفقرات (اولا - ثانيا - ثالثا من المادة 11) وكما يلي:

1- من حيث الدوائر الانتخابية

أخذ القانون بمبدأ الدوائر المتعددة (كل قضاء دائرة انتخابية)

2- من حيث الترشيح

اخذ القانون بمبدأ الترشيح الفردي (سواء كان مرشحا حزبيا او مستقلا)

3- من حيث الصيغة الرياضية المعتمدة في حسم النتائج

اخذ القانون بصيغة الاكثرية حيث عد الفائز بالمقعد الانتخابي للدائرة هو من يتحصل على اكثرية /اغلبية الاصوات - كما هو معمول به في نظام الاغلبية (الفائز الاول) وهكذا بالنسبة لبقية المرشحين عن الدائرة اذا ما كان عدد المقاعد الدائرة اكثر من مقعد واحد .

ويبدو واضحا ان مسودة القانون لم تتضمن تحديدا ووصفا دقيقا للعناصر التي تشكل في مجموعها معالم النظام الانتخابي المعتمد ليتسنى تحديد نوعه وفقا للنماذج المعتمدة دوليا،وفي ضوء ذلك يمكن ان نسجل الملاحظات الآتية:

1- لم يحدد القانون تسمية صريحة للنظام الانتخابي المعتمد يمكن القائمين على تنفيذه الاسترشاد بالمبادئ والقواعد التي تحكمه وفقا للتجارب الدولية المعتمدة، الامر الذي يترك مجالا واسعا للاجتهادات الشخصية والاراء المتعددة (وربما المتعارضة) في تفسيره عند تنفيذه وما يخلقه ذلك من مشكلات .

2- الاصل في ترسيم الدوائر الانتخابية هو اعداد السكان وليس الحدود الادارية اي ان يتم اجراء حصر سكاني في رقعة جغرافية معينة ومن ثم تخصيص عدد من المقاعد لها وفقا لقاعدة (مقعد لكل مائة الف نسمة) وليس العكس .

اما وقد استند مقترح القانون في تخصيص المقاعد الى معادلة هي: (عدد سكان القضاء (الدائرة) على 100الف = عدد المقاعد المخصصة لكل قضاء)، فان ذلك يجعل من تنفيذه امرا غاية في الصعوبة، في ضوء عدم التماثل في عدد سكان الاقضية في المحافظات ووجود عدد كبير من الاقضية يقل عدد سكانها عن المائة الف وصعوبة تخصيص المقاعد للكسور المتبقية عن قسمة عدد سكان القضاء على مائة الف، كما ان هناك صعوبة في دمج الاقضية التي يقل عدد سكانها عن المائة الف نسمة لصنع دائرة انتخابية جديدة بسبب ان عدم تجاور العديد من هذه الاقضية بحسب ما يظهر من اسقاط الحدود الادارية للاقضية على الخرائط وهو ما يعني ان لايوجد مسوغ منطقي لدمج قضاء مع اخر لصنع دائرة انتخابية جديدة يكون عددها مائة الف نسمة او اكثر، ناهيك عن ان ذلك يجب ان ينص عليه ضمن مقترح القانون وبوضوح.

لقد سكت مقترح القانون عن هذه الاشكالية الجوهرية فلم يحدد كيفية تخصيص عدد المقاعد لكل دائرة انتخابية، كما ان مقترح القانون لم يحدد صيغ رياضياتية تبين كيفية تخصيص المقاعد لكل دائرة (قضاء) مع الاخذ بنظر الاعتبار ان الدوائر الانتخابية (الاقضية) تقل نسبة السكان فيها عن مئة الف نسمة،وايجاد صيغ رياضية للتعامل مع الكسور الناتجة عن القسمة على مائة الف في عملية تخصيص المقاعد لكل دائرة انتخابية .

وربما - وهو الراجح- ان تجاوز القانون ذكر نصوص صريحة حول كيفية التعامل مع اشكالية تخصيص المقاعد للدوائر الانتخابية (الاقضية) يعود الى عدم امكانية ايجاد حل مقنع ومستند الى قواعد متعارف عليها في تخصيص المقاعد، فالاصل -كما مرذكره - ان ترسيم الدوائر الانتخابية المتعددة في نظم الاغلبية يستند على اسس التوزيع السكاني وليس على اساس الحدود الاداراية .

3- لم يحدد القانون بدقة آلية الترشيح بالنسبة للدوائر متعددة المقاعد واكتفى بالقول (يكون الترشيح فرديا ضمن الدائرة الانتخابية - مادة 11 ثانيا) . ويثور هنا السؤال عن عدد المرشحين لكل كيان سياسي مقارنة بعدد المقاعد المخصصة للدائرة، اذ ليس هناك ما يمنع وفقا لهذا النص من ان يرشح الحزب عدد من المرشحين يفوق عدد المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية طالما ان الترشيح فرديا،الامر الذي يتسبب في زيادة حجم ورقة الاقتراع وتعقيد عملية التصويت على الناخبين مع ظهور اسماء المرشحين و صورهم ايضا واسماء الاحزاب التي ينتمون اليها في ورقة الاقتراع (كما يتطلبه اسلوب الترشيح الفردي).

4- افتقد القانون الى تحديد عنصر اساس من عناصر النظام الانتخابي وهو: كيفية الاقتراع اذ لم يحدد القانون كيفية التصويت، كم اشارة يضع الناخب، هل له الحق باختيار مرشح واحد او اكثر، حيث ان شكل النظام الانتخابي قد يتغير بتغير الكيفية التي يصوت بها الناخب.

ثانيا: نوع النظام الانتخابي / نظام الصوت الواحد غير المتحول

يتضح من المعالم والعناصر التي تضمنتها مسودة القانون ان النظام الانتخابي الذي اعتمده مقترح القانون هو من نظم الاغلبية .

كما ان نص القانون على جعل الدوائرالانتخابية متعددة التمثيل وجعل الترشيح فرديا، وافتراض اعطاء صوت واحد للناخب يعطيه لمرشح واحد ضمن الدائرة، وتحديد الفائزين بالمقاعد عن طريق تحديد الحاصلين على اكثرية الاصوات، نكون عندئذ امام نظام انتخابي معروف بإسم: نظام الصوت الواحد غير المتحول .

حتى ولو لم تظهر مسودة القانون تسمية واضحة لهذا النظام وافتقدت للتصريح والنص على بعض جزئياته، الا ان المقارنة بين المعالم التي حددتها مسودة القانون وبين عناصر نظام الصوت الواحد غير المتحول التقارب الشديد بينهما .

اذ تشير المراجع المتخصصة في الانظمة الانتخابية (مثلا ينظر شبكة المعرفة الانتخابية) الى تعريف نظام الصوت الواحد غير المتحول بالاتي:

" يقوم الناخب في ظل هذا النظام بالاقتراع لصالح مرشح واحد فقط في دائرته، ولكن على العكس من نظام الفائز الأول، يتم ذلك في دوائر متعددة التمثيل حيث يتم انتخاب أكثر من ممثل واحد عن كل دائرة انتخابية، ويفوز بالانتخاب المرشحون الحاصلون على أعلى الأصوات"

ثالثا: الصعوبات الفنية التي تقف امام تنفيذ النظام الانتخابي:

تتخذ القرارات في اختيار شكل ونوع النظام الانتخابي بناء على المعطيات الفنية والمخرجات السياسية التي ينتجها النظام الانتخابي،وبقدر تعلق الامر بالصعوبات الفنية التي تحول دون امكانية تطبيق هذا النظام يمكن الاشارة مجموعة من هذه الصعوبات في مقدمتها الآتي:

1- عدم وجود احصاء سكاني دقيق يحدد بدقة حدود وعائدية الاقضية والنواحي واعداد السكان فيها.

2- ان جعل الدائرة الانتخابية محددة بحدود القضاء الادارية لاينسجم يقود الى احياء مشكلة الاراضي المتنازع عليها بين المحافظات والتي تجاوزتها المفوضية من خلال الاعتماد على سجل الناخبين المعد للمحافظة بناءا على انتشار مراكز التسجيل في كل المحافظة، وتلافت بذلك مشكلة الاقضية والنواحي المتنازع عليها بين المحافظات .

لذا فإن ارتكاز القانون على جعل الدائرة الانتخابية = الحدود الادارية للقضاء يثير مشكلات يصعب معها امكانية تنفيذ القانون من بينها:

- اي البيانات تعتمدها المفوضية في تحديد عائدية الاقضية والنواحي؟ هل هي بينات وزارة التخطيط ام بينات مكاتب المفوضية في المحافظات مع وجود تعارض بينها؟

- ان بيانات وزارة التخطيط حول النواحي والاقضية تظهر تنازع على بعض الاقضية والنواحي بين المحافظات .

- ان سجل الناخبين المعتمد في المفوضية ير تكز على قاعدة البطاقة التموينية حيث يفتقر فيها التناظر بين مراكز التموين ومراكز تسجيل الناخبين، ومع ان المفوضية عملت على تحرير سجل الناخبين من قاعدة بيانات التموينية بإنشاء وإنتشار مراكز تسجيل الناخبين على الرقعة الجغرافية وربط سجل الناخبين بالاقضية والنواحي - بدلا من ربطه بمراكز التموين التي لا تقدم في كثير من الاحيان توزيعا للمواطنين يقوم على على اساس اداري - الا ان هذا الجهد لم يتم لحد الان، فلم تستطع المفوضية ان تسقط سجل الناخبين على مستوى القضاء والناحية بصورة دقيقة اذا لا تزال مشكلة قاعدة بينات البطاقة التموينية (التي استند عليها سجل الناخبين في الاساس) في عدم التناظر في توزع المراكز التموينية وكلاء البطاقة التموينية مع الحدود الادارية للاقضية والنواحي يعاني منها سجل الناخبين .

حتى مع افتراض تحقيق نجاح جزئي للمفوضية في وضع سجل الناخبين على مستوى القضاء والناحية فإن ذلك يصطدم بعقبتين هما:

الاولى: ان سجل الناخبين يفترض الثبات في عدد وحدود النواحي والاقضية، وهذا غير متحقق اذا تتغير هذه الحدود والاعداد باستمرار مما يصعب على المفوضية ملاحقت هذه التغييرات.

الثانية: ان المفوضية اعتمدت على انتشار مراكز التسجيل في ذلك ولم تعتمد على بينات وزارة التخطيط،ولا شك ان هناك اختلاف بين انتشار المفوضية وتوزيعها للنخبين وبين حدود وزارة التخطيط .

ان كل ذلك يجعل من الصعب بمكان اقامة انتخابات على اساس ان الدائرة الانتخابية فيه = حدود القضاء . وهذا ما اكدته المفوضية منذ صدور قانون انتخابات مجالس المحافظات والاقضية والنواحي في العام 2008 حيث تعذرت المفوضية بعدم قدرتها على اجراء انتخابات على مستوى القضاء والناحية للاسباب الآنفة .

3- من حيث ورقة الاقتراع، سيكون هناك عدد كبير من اوراق الاقتراع تتناسب مع عدد الاقضية(163 قضاءا) وتختلف من حيث التصميم، كما سيكون حجم الورقة كبير لنا ان نتخيل ان في دائرة تتكون من ثلاثة مقاعد في قضاء يتنافس به 50 كيان سياسي وخمسة عشر مرشحا فرديا سنكون امام ورقة تضم اسماء 165 مرشحا مع صورهم واسماء الكيانات التي ينتمون اليها .ويعقد ذلك الامر على الناخبين ويبطئ من سير عملية الاقتراع .

4- من حيث الثقافة الانتخابية يتطلب فترة اطول للتثقيف الانتخابي حول كيفية التصويت، كما يتطلب فهما من توعية للناخبين بمرشحي داوائرهم ليتمكنوا من تحديد خياراتهم من بين المرشحين .

رابعا: المخرجات السياسية لنظام الصوت الواحد غير المتحول

الانتخابات هي وسيلة لادارة الصراع السياسي بطريقة التنافس السلمي، لذا فان تصميم الانتخابات يجب ان يستهدف بالاساس ضمان وجود قواعد للتنافس تحقق العدالة في التمثيل خاصة في المجتمعات المتعددة (طائفيا وقوميا) والمنقسمة لغرض تحقيق السلم والامن المجتمعي، ومن هنا تعتمد هذه المجتمعات على نظم التمثيل النسبي وهو ما اعتمده العراق منذ انتخابات العام 2005 وجرت عليه تحسينات متعددة كان آخرها نظام القائمة شبه المفتوحة وصيغة سانت ليغو المعدلة .

في حين ان النظام المقترح في مسودة القانون هو احد نظم الاغلبية التي لا تتناسب مع الواقع الاجتماعي العراقي المتعدد طائفيا وعرقيا، ويمكن تثبيت اهم المخاوف والمشكلات التي تترتب على اعتماد هذا النظام بالاتي:

1- يسهم هذا النظام في هدر اصوت الناخبين وعدم التناسبية بين عدد المقاعد التي يفوز بها الحزب مع عدد الاصوات التي تحصل عليها .

اذ بصورة عامة تتسبب نظم الاغلبية بهدر الاصوات وضعف في تحقيق عدالة التمثيل، ومنها النظام المقترح في مسودة القانون (نظام الصوت الواحد غير المتحول)، حيث يؤدي هذا النظام الى ضياع أعداد كبيرة من الأصوات التي تذهب هباءً، خاصةً في ظل وجود شروط سهلة للترشيح والتي تمكّن أعداداً كبيرة من المرشحين من الترشح للانتخاب، ومن ثم تبعثر الاصوات بينهم .

2- ان ضعف التمثيل السياسي في المجتمعات المتعددة والمنقسمة ينعكس سلبا على الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولا شك ان مخرجات ونتائج الاعتماد على هذا النظام ستتسبب في تفتيت العملية السياسية وتمزيق المجتمع .

3- يضع هذا النظام الأحزاب السياسية أمام تحدي كبير، فلو كان لدينا على سبيل المثال دائرة انتخابية تنتخب أربعة ممثلين لها، فسيفوز بالانتخاب كل مرشح يحصل على ما يزيد على 20 بالمئة من الأصوات تقريباً. ولو حصل حزب سياسي ما على 50 بالمئة من الأصوات، وذلك بفوز اثنين من مرشحيه على حوالي 25 بالمئة من الأصوات لكل منهما، فإن ذلك قد يخوله الفوز بمقعدين من مقاعد الدائرة. أما في حال حصول أحد مرشحي ذلك الحزب على 40 بالمئة من الأصوات في حين لم يحصل المرشح الآخر سوى على 10 بالمئة من الأصوات، فقد يعني ذلك عدم فوز المرشح الثاني بالمقعد، وبالتالي عدم فوز الحزب سوى بمقعد واحد فقط. وفيما لو قام ذلك الحزب بتسمية ثلاثة مرشحين له في تلك الدائرة، فإن حظوظه بالفوز بمقعدين قد تضمحل أكثر فأكثر وذلك بسبب توزيع الأصوات بين مرشحيه الثلاثة في الدائرة.

4- يدعم هذا النظام الاحزاب مركزية القيادة وشديدة التنظيم والتي يمكنها الفوز باغلبية المقاعد عبر تنظيم عملية تصويت الناخبين لمرشحيها وتوزيعها توزيعا دقيقا وتقسيمها بصورة تمكنها من الفوز باغلبية المقاعد حتى ولم تكن تمتلك اغلبية الاصوات في الدائرة الانتخابية .

5- يمكن أن ينتج عن هذا النظام عدم فوز الأحزاب الصغيرة بأي تمثيل لها في حال توزعت أصواتها بشكل كبير بين مرشحيها، بينما يمكن ان يفوز حزب كبيرة بأعداد إضافية من المقاعد مما يمكنه من السيطرة على الأغلبية المطلقة في البرلمان من خلال حصولها على أغلبية بسيطة من أصوات الناخبين على المستوى الوطني.

6- يسهم هذا النظام في تقوية التنافس بين مرشحي الحزب الواحد فيما بينهم للفوز بأصوات الناخبين، ومن شأن ذلك ان يؤدي الى في تعميق الانقسامات الداخلية ضمن الأحزاب السياسية. كما ان ذلك يسهم في تحفيز على انتهاج سياسات الزبائنية الانتخابية، حيث يعمل المرشحون على تقديم الإغراءات لمجموعات محددة من الناخبين.

7- يتطلب هذا النظام من الأحزاب السياسية اعتماد سياسات استراتيجية معقدة فيما يتعلق بتسمية مرشحيهم وإدارة أصوات ناخبيهم. فقد تكون تسمية أعداد كبيرة من المرشحين على ذات القدر من الضرر بالمصالح الحزبية كتسمية أعداد ضئيلة منهم. هذا بالإضافة إلى الأهمية البالغة لكيفية توجيه ناخبي الحزب الواحد إلى توزيع أصواتهم بالتساوي بين مرشحي ذلك الحزب.

8- لا يحفز هذا النظام الأحزاب السياسية للعمل على توسيع قواعد مؤيديها وذلك لكونه لا يعطي للناخب سوى صوتاً واحداً فقط، فطالما تمكّن الحزب من تأمين مجموعة أساسية كافية من الأصوات فإن ذلك يضمن له الفوز دون الحاجة للبحث عن تأييد إضافي من قبل مجموعات أخرى من الناخبين.

خامسا: ملاحظات على النظام الانتخابي المقترح في ظل الواقع العراقي

1- ان تصميم النظام الانتخابي في العراق ينبغي ان ينطلق من الواقع السياسي والاجتماعي الذي يتميز بتعددية الاحزاب وتعددية الطوائف والقوميات، ومن ثم فان نظم التمثيل النسبي او النظم المختلطة هي الانظمة التي يجب اعتمادها لضمان الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي.

2- ان النظام المقترح في مسودة القانون صمم ليخدم الاحزاب شديدة الولاء والطاعة لقياداتها المركزية،حيث يمكن ان تسيطر على تنظيم عملية تصويت ناخبيهم، وربما اجبار الناخبين الآخرين والضغط عليهم للتصويت لمرشحيهم، إذ يقدم تصغير حجم الدائرة لحدود القضاء الادارية فرصة امام هذه الاحزاب في تعزيز فرصهم في تنظيم صفوفهم وتضييق الفرص على خصومهم وإيجاد وسائل اكبر للضغط على الناخبين في مثل هذه الدائرة الصغيرة.

3- يستهدف هذا النظام - عبر الغاء نظام القائمة والتمثيل النسبي- الاضرار بالاحزاب والقوائم التي تتميز قياداتها بشعبية كبيرة، حيث تحصل في كل انتخابات على عدد كبير من الاصوات تمكنها من تعزيز ودعم قوائمها، كما ويخدم هذا النظام ايضا الاحزاب التي لايحصل مرشحيها على اعداد كبيرة جدا من الاصوات في الانتخابات فهي بذلك يمكنها خوض الانتخابات عبر الترشيح الفردي والتخلي عن نظام القائمة الانتخابية (التمثيل النسبي).

4- ان النظام الانتخابي المقترح يمكن ان يكرس حالة الحزب الواحد المهيمن كما هو الحال في تجربة (اليابان) فعلى مدى 45 عام اعتمد فيها هذا النظام لم يقف عائقاً أمام تدعيم قوة الحزب الواحد الذي استمر متماسكاً وبالتالي حافظ على سيطرته على الساحة السياسية طوال تلك المدة.

5- يسهم النظام الانتخابي المقترح في هشاشة المجالس المنتخبة في ضوءه، فمن ناحية تنحسر فيه قدرة التمثيل للاحزاب بشكل عادل كما انه يتيح الى صعود الزعامات القبلية بدلا صعود مرشح الحزب صاحب البرامج السياسية، وهو ما حصل في تجربة هذا النظام في الاردن .

وبناءا على ما تقدم لا يمكن من الناحية الفنية تطبيق هذا النظام في العراق في الوقت الحالي،كما ان النظام الانتخابي المقترح لايتناسب مع الواقع السياسي والاجتماعي العراقي ويمكن ان تكون نتائج تطبيقه غير عادلة من حيث تمثيل المكونات الاجتماعية والسياسية، وتتسبب بحالة من عدم الاستقرار السياسي .

سادسا: الرؤية البديلة: نظام انتخابي مختلط

في ظل تصاعد المطالب الشعبية والسياسية والمرجعية بضرورة تعديل قانون الانتخابات وتعديل النظام الانتخابي بعدما افرز نظام التمثيل النسبي مشكلات الحكومات التوافقية / الائتلافية الضعيفة، يتعين بلورة نظام انتخابي يعكس الواقع السياسي والاجتماعي ويعزز من فاعلية العملية السياسية (حكومة قوية، نظام مسائلة ومراقبة برلمانية حقيقي وقوي) - كما يتعين إيجاد رؤية بديلة لنظام انتخابي يتصف بالاتي:

1- يعكس البنية السياسية والاجتماعية

2- يحقق عدالة في التمثيل ولا يهدر الاصوات

3- لا يكون مصمما لخدمة حزب او جهة على حساب جهة اخرى .

4- يسمح بتجاوز الحدود القومية والطائفية

5- تكون مخرجاته حكومة قوية (حكومة اغلبية) وبرلمان فاعل قادر على المراقبة والمسائلة.

6- يوفر فرصة للمرشحين الافراد ويشجع الاحزاب على الانفتاح على النخب والوجهاء وترشيحهم .

7- يحقق التوازن بين التمثيل النسبي الذي يحفظ حقوق التمثيل العادل لاحزاب المكونات والاقليات، ونظام الاغلبية الذي يتيح حرية للناخبين لاختيار تفضيلاتهم من بين مجموعة من المرشحين ويعطي فرصة لترشيح النخب والكفاءات .

8- يمثل خطوة في اصلاح النظام الانتخابي ترضي الاحزاب السياسية وترضي الرأي العام والمرجعية .

وفي ضوء ذلك يمكن ان نتقدم بمقترح نظام انتخابي يقوم على اساس المزاوجة بين نظامي التمثيل النسبي والقائمة من جهة ونظام الاغلبية من جهة اخرى . ويمكن ان نحدد معالم هذا النظام كما يلي:

1- من حيث الدوائر:

- دوائر متعددة على اساس الحدود الادارية للمحافظة

2- من حيث الترشيح:

- يقدم الاحزاب مرشحيهم عبر قوائم انتخابية تمثل 60 % من عدد المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية .

- يقدم الاحزاب مرشحيهم الفرديين لـ 40% من المقاعد المخصصة للدائرة .

- يجوز الترشيح الفردي (الافراد المستقلين) للتنافس على مقاعد الترشيح الفردي.

3- كيفية التصويت

لكل ناخب الحق بالتصويت لقوائم الاحزاب والتصويت لمرشحين الفرديين .

4- الصيغة الرياضية

- تحسم نتائج القوائم المتنافسة على المقاعد ال60% بطريقة سانت ليغو المعدلة .

- تحسم نتائج المرشحين الفرديين المتنافسين على المقاعد ال40% وفق نظام الاغلبية

حيث يجري اعادة ترتيب المرشحين الفرديين من الاعلى الى الادنى لتحديد الفائزين من الذين حصلو على اكثرية الاصوات .

 

الدكتور: اياد هلال الكناني

عضو مجلس مفوضية الانتخابات الاسبق

 

مع بداية المظاهرات التي اندلعت في العراق بداية شهر تشرين الاول من عام 2019 ظهر الكثير من مدعي الثقافة وانصاف المتعلمين وخصوصا من عراقيي الخارج متطوعين لنشر معلومات خاطئة بين الشباب بدعوى المحاكم الدولية ومعاقبة المسوولين العراقيين امام المحكمة الدولية وطلب حماية الامم المتحدة لذلك يجب توضيح حقيقة تلك المحاكم واسلوب عملها وولايتها القانونية .

دلنا التاريخ على ان اول محكمة جنائية دولية سجلها التاريخ القدم هي المحاكمة التي اجراها. بختنصر ملك بابل ضد سيديزياس ملك يودا المهزوم   كذلك هناك تطبيقات ترجع إلى التأريخ المصري القديم بشأن الإبعاد سنة 1286  قبل الميلاد   .

في نهاية القرن العشرين أنشِئَت المحكمة الجنائية الدولية باعتماد النظام الأساسي لها بتاريخ 17 تموز 1998بمدينة روما وذلك تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة، وتم إصدار نظامها الأساسي من طرف الأمانة العامة للمنظم بتاريخ 28 أيلول 1998 ثم بعدها في 18 أيار 1999كان الهدف من إنشاء المحكمة هو معاقبة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة ومن بينها الجرائم ضدالإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية وكذلك جريمة العدوان .وانطلاقا من هذه الخصائص في النشأة، يمكن القول : إ ن المحكمة الجنائية هي هيئة دولية دائمة لها سلطة ممارسة اختصاصها على الأشخاص الذين يرتكبون الجرائم ضد المجتمع الدولي،ويعداختصاصها كما سوف نراه مكملا لاختصاصات الجهات القضائية الوطنية، كما أنه يختلف عن التسويات السياسية التي يقيمها أحياناً مجلس الأمن وترتبط بالمصالح الدولية المختلفة، وتتمتع المحكمة الجنائية بالشخصية القانونية الدولية، ولها الأهلية القانونية لممارسة وظائفها في محاكمة ومعاقبة مرتكبي الجرائم الدولية؛ وهي من ثم تعد من حيث القانون الدولي جهاز اً قضائياً دولياً مستقلا وبحكم هذه الاستقلالية تعد المحكمة الجنائية متميزة ومستقلة عن الهياكل التابعة لمنظمة الأمم المتحدة  .

تنص المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على ما يأتي :" يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضوع اهتمام المجتمع الدولي بأسره وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم الآتية :

1- جريمة الإبادة الجماعية .

2- الجرائم ضد الإنسانية .

3- جرائم الحرب .

4- جريمة العدوان ."

اما اختصاص المحكمة من حيث الأشخاص فقد ذهبت المادة ( 25 ) من النظام الأساسي للمحكمة، إلى أن اختصاص المحكمة يثبت على الأشخاص الطبيعيين فقط،،  تنص على أن " الدولة التي تصبح طرفاً في هذا النظام الأساسي تقبل بذلك اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المشار إليه  .

تقتصر عضوية المحكمة الجنائية الدولية على الدول فقط فعندما حاولت السلطة الفلسطينية عام 2009 الانضمام إلى إعلان روما، وهو المعاهدة التي تحكم عمل المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنها رفضت من قبل المدعي العام الذي أحال الموضوع إلي مجلس الأمن، مدعياً بعدم توفر الصلاحيات لديه لحدد ما إذا كانت السلطة الفلسطينية تمثل دولة . ولكن بعد ان تم ترقية مكانة فلسطين الى دولة غير عضو في الامم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 67/19 في 29 نوفمبر 2012، تمكنت من الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية عام 2016.

استنادا الى المادة (13) من النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية فان للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشار إليها في المادة 5 وفقا لأحكام هذا النظام الأساسي في حالة قيام دولة طرف باحالة قضية إلى المدعي العام وفقا للمادة (14) في حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت؛او إذا أحال مجلس الأمن، متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت؛ او إذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم . فقد رفضت المحكمة الجنائية الدوليةالشكوى التي تقدمت بها جماعة “الاخوان المسلمين”، بغرض فتح تحقيق في جرائم ضد الانسانية ارتكبها النظام الحالي في مصر وقالت المحكمة في تبرير ردها إنها ردت طلب عدد من المحامين الذين يمثلون حزب “الحرية والعدالة” المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر وموكلين آخرين والمقدم بتاريخ 13 ديسمبر/ كانون الأول 2013، بالنظر في جرائم مدعى بارتكابها على أراضي الدولة المصرية بسبب عدم الاختصاص؛ لأن مقدمي الطلب لا يمثلون الحكومة المصرية وحيث ان مصرليست من الدول الموقعة على نظام روما؛ وبالتالي فإن النظر في هذا الطلب لابد أن يقدم من جانب الدولة إذا كانت غير موقعة أو أن يتم الإحالة من جانب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للنظر في هذا الطلب وبالنظر إلى عدم توافر هذه الشروط الأولية فيما يتعلق بالدولة المصرية، فلا اختصاص للمحكمة الجنائية الدولية على الجرائم المدعى بارتكابها على الأراضي المصرية.

هناك (18) قاضيا يتم انتخابهم من الدول الأعضاء، بموجب صوت واحد لكل دولة، والقضاة يراعى في اختيارهم التمثيل العادل بين الجنسين والتوزيع الجغرافي، ويتم انتخابهم لولاية من 9 سنوات، أي كل 3 سنوات يتم انتخاب (6) قضاة جدد، ولدينا مراكز اعتقال أو احتجاز فقط، ومقر المحكمة في لاهاي، وكذلك القضاة الـثمان عشر يقيمون هناك، ويمكن للقضاة أن يعقدوا جلسات استثنائية في أماكن خارج لاهاي، ونعتمد على تعاون الدول الموقعة على اتفاقية روما الـ121 دولة، في تنفيذ الأحكام، وهناك 7 دول تستقبل المدانين، وقعت مع المحكمة اتفاقية لتنفيذ الأحكام، منها مالي وصربيا والنمسا، ويمكن للمدانين الاستئناف في نفس المحكمة على درجتين أمام 5 قضاة.

الدول غير الاطراف في نظام روما هي الدول التى وقعت على الاتفاقية دون ان تصدق عليها وكذلك الدول التى لم توقع ولم تصدق وقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ في اليوم الاول من شهر يوليو 2002 ومن شروط قبول الدعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية أن تكون الدولة المشكو فى حقها موقعة على اتفاقية روما،  كما أن الطريق الثانى لتحريك دعوى أمام المحكمة يتطلب أن يبادر أمين عام الأمم المتحدة بتقديم طلب إلى مجلس الأمن يتعلق بإحالة موضوع معين إلى المحكمة . اذن فالدول غير الموقعة على اتفاقية إنشاء المحكمة الدولية، لا تخضع لولاية المحكمة فالمحكمة لها ولاية على الدول التى وافقت ووقعت على اتفاقية إنشائها، ومن حيث الشكل فهى تختص بالجرائم الدولية، فى الدول الخاضعة لها، ويجب أن توافق الدولة نفسها على الدعوى المقامة ضدها. كما أن التقدم للمحكمة الجنائية الدولية يلزمه أن تكون الدولة الشاكية عضوا في ميثاق روما الذي تم توقيعه في 17 يوليو عام 1998.. فإن المادة 12 أتاحت للدول غير الأطراف التقدم بمذكرة أو إعلان لمسجل المحكمة بقبول ولاية المحكمة وممارسة اختصاصاتها.. وعند قبول الطلب يجوز للدوله غير العضو التقدم بشكواها

يشير الدكتور أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية إلى أنه حسب نص المادة (12) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تسمح للدول غير الأعضاء في المحكمة الدولية التقدم بشكواهم . بالرغم من ذلك فالدول غير الاطراف قد يبدو من المسمى انها دول لا تلتزم بقرارات المحكمة او ما يصدر عنها من طلبات ولكن ذلك مخالف للواقع لعدة اعتبارات نوردها كما يلى

1- اذا احال مجلس الامن أي حالة لارتكاب جريمة من الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة تكون قد وقعت وارتكبت في دولة ليست طرف في نظام روما الأساسي فانه على هذه الدولة ان تمتثل لطلبات المحكمة ومصدر الالتزام هنا هو قرار مجلس الامن الذى احال القضية والذى تحترمه كافة الدول الموقعة على قرار انشاء الامم المتحدة.

2- يمكن لدول غير اطراف ان تعقد اتفاقيات للتعاون مع المحكمة وتمتثل لطلباتها وذلك كما جاء في النظام الأساسي  حيث تنص المادة 4/2 من نظام روما الأساسي على مايلي "للمحكمة ان تمارس وظائفها وسلطانها على النحو المنصوص عليه في هذا النظام الأساسي في اقليم أي دولة طرف ولها وبموجب اتفاق خاص مع أي دولة اخرى ان تمارسها في اقليم تلك الدولة". وفي حالة وجود أي تقصير في تنفيذ طلب المحكمة من جانب أي دولة طرف او دولة غير طرف ابرمت اتفاق خاص مع المحكمة فان هذا التقصير يحال الى جمعية الدول الاطراف او الى مجلس الامن اذا كانت المسالة قد احيلت عن طريق مجلس الأمن خيث ورد في المادة  87/7 من نظام روما الأساسي "في حالة عدم امتثال دولة طرف يطلب تعاون مقدم من المحكمة بما يتنافى واحكام هذا النظام الأساسي ويحول دون ممارسة المحكمة وظائفها وسلطاتها بموجب هذا النظام يجوز للمحكمة ان تتخذ قرار بهذا المعنى وان تحيل المسألة الى جمعية الدول الأطراف او الى مجلس الأمن اذا كان مجلس الأمن قد احال المسألة الى المحكمة "كذلك يجوز لأى دولة غير طرف ان تقبل اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام الأساسي بموجب اعلان يودع  لدى مسجل المحكمة بحسب النظام الأساسي في هذه الحالة يكون على تلك الدولة ان تتعاون مع المحكمة تعاون تام بشأن التحقيقات التى تجريها وفقاً لأحكام الباب التاسع من النظام الأساسي ومن ثم يصبح للأحكام الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية حجية كاملة امام السلطات القضائية للدولة غير الأطراف.

بالنسبة للعراق فقد سبق وان اصدر الدكتور اياد علاوي في السابع عشر من شهر شباط من عام 2005 قانونا ينص على انضمام العراق إلى الاتفاقية. وقال: إنه 'استنادا إلى أحكام القسم الثاني من ملحق قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، وبناء على موافقة مجلس الرئاسة قرر مجلس الوزراء أن تنضم جمهورية العراق الى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الموقع في روما في 17 يوليو من عام 1998، الا ان مجلس الوزراء العراقي تراجع بتاريخ الثاني من اذار بعد اقل من اسبوعين عن قراره بالانضمام إلى اتفاقية روما، حول انشاء المحكمة الجنائية الدولية دون أن يوضح سبب هذا التراجع.

مما تقدم يتبين مايلي :

1- المحكمة الجنائية ليس لديها جيش أو شرطة أو قوات عسكرية لملاحقة المتهمين. ما تستطيعه المحكمة هو أن تطلب من الدول اعتقال المتهمين إذا زاروا أراضيها، وهناك دول ملزمة بالتعاون، وهي الدول الأعضاء المنضمة إلى اتفاقية روما الأساسية، وعددها 121 دولة، فضلا عن أن ليبيا والسودان ملزمتان بالتعاون بقرار من مجلس الأمن الدول .

2- المحكمة الجنائية الدولية مستقلة تختلف عن المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا أو المحكمة الخاصة برواندا، أو لبنان، وهي محاكم أنشئت بقرار من الأمم المتحدة، أما الجنائية الدولية، فقد أنشئت بمعاهدة دولية، وبالتالي فإن طريقة عملها مستقلة.

3- المحكمة تمارس دورها لدى الدول الأعضاء، وإذا زار أحد من المشتبه بهم أي دولة من الدول الأعضاء فيجب عليها اعتقاله.

4- المحكمة الجنائية الدولية لا تستطيع أن تصدر عقوبات ضد الدول التي لا تتعاون، ولكن من حقها أن تلجأ إلى مجلس الأمن، لاتخاذ الإجراءات المناسبة للضغط على مثل تلك الدولة غير المتعاونة، كي تلتزم بواجباتها.

5- على الرغم من توقيع 14 دولة عربية على النظام الأساسي، فإن 4 فقط صادقت عليه ضمن 121 دولة، وهي الأردن وجيبوتي وجزر القمر، وكان آخرها تونس في يونيو (حزيران) 2011.

6- خلال 10 سنوات من تأسيس المحكمة الجنائية الدولية عام 2002، عرضت أمامها قضايا عدة وخرجت حتى الآن بإدانة واحدة بحكم بالسجن لمدة 14 عاما على توماس لوبانغا زعيم الميليشيات المسلحة بجمهورية الكونغو الديمقراطية، وذلك لإدانته باستخدام الأطفال كجنود في جيش المتمردين الذي كان يقوده بين عامي 2002 و2003، وقد احتسبت المحكمة فترة احتجازه ضمن هذه المدة، مما يعني أنه سوف يقضي 8 سنوات أخرى بالسجن، وحققت الجنائية الدولية في 7 بلدان، وفتحت 17 ملفا في قضايا ضد أفراد متهمين بأنهم الأكثر مسؤولية عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى وكينيا وليبيا وساحل العاج، وأعمال إبادة جماعية في دارفور بالسودان.

7- الدول غير الأعضاء في هذا النظام ومنها العراق ليس لديها واجب قانوني بتنفيذ اوامر وقرارات المحكمة مالم تعلن الدولة قبولها بولاية المحكمة او ان يتم احالة قضية بناء على قرار صادر عن مجلس الامن الدولي. فالدول غير الموقعة على اتفاقية روما قد تقرر التعاون طوعا مع المحكمة برغبتها .

 

زهير جمعة المالكي

 

 

ابراهيم أبراشنتفهم دوافع الكثرة من المواطنين الفلسطينيين المتحمسين والمندفعين لإجراء انتخابات بأي ثمن، وقد أظهرنا في مقال سابق أسباب ذلك، كما نثمن جهود الدكتور حنا ناصر رئيس اللجنة المركزية للانتخابات الذي يقوم بجهود مشكورة تتجاوز مهامه التقنية، إلا أن المسالة الانتخابية بدلا من أن تكون حلا لإشكال وتعزز من فرص المصالحة أصبحت بحد ذاتها إشكالا واستحضرت مواضيع الخلاف مجددا، الأمر الذي يعزز الشكوك حول إجرائها قريبا وزيادة التخوفات من خوض تجربة الانتخابات دون توافق ولو نسبي على أسس ومرجعيات النظام السياسي .

وهكذا بعد تفاؤل حذر لم يستمر إلا أياما قليلة عادت المناكفات مجددا حول قضيتين رئيستين وهما الجهة ذات الاختصاص بالإعلان عن الانتخابات ومرجعية وبرنامج الحكومة :

1- هل المرسوم الرئاسي يسبق التوافق/المصالحة أم يأتي نتيجة له .

اشتراط التوافق قبل صدور المرسوم الرئاسي بإجراء الانتخابات وأن يصدر قرار الانتخابات عن اجتماع الفصائل وإن كان في ظاهرة مقبول ومفهوم، إلا أن الخشية أنه لا يتعلق بآلية انتخابية أو إجراء شكلي أو حرص على المصلحة الوطنية بل يكمن وراء هذا المطلب التشكيك بشرعية الرئيس وبالتالي بأهليته لاتخاذ قرار أو مرسوم منفردا بموضوع استراتيجي كالانتخابات كما أن من يقف وراء هذا المطلب تجاهل قانون الانتخابات واللجنة المركزية للانتخابات، كما تتخوف من انتخابات تشريعية لا تتلوها انتخابات رئاسية .

صحيح لا بد من توفر درجة من التوافق قبل إجراء الانتخابات ولكن هذا لا يعني اشتراط المصالحة الشاملة قبل الانتخابات، حيث فشلت مئات جلسات حوارات مصالحة استمرت لعقد من الزمان، ولو نجحت حوارات المصالحة أو كان هناك فرصة لنجاحها ما كنا أمام إشكال الانتخابات، ففشل حوارات المصالحة أهم الأسباب التي دفعت الرئيس للدعوة للانتخابات .

ومن جهة أخرى ما الذي يضمن أن ينجح لقاء فصائلي أو أكثر في تحقيق التوافق حول موضوع الانتخابات وألا تتشعب مواضيع النقاش وتتداخل الملفات وتتفجر الخلافات مرة أخرى ؟وإذا ما فشلوا في اللقاء الموعود فهل يتم التراجع عن الانتخابات أو تأجيلها لحين حدوث التوافق مما يعني العودة لنقطة الصفر والدوران في حلقة مفرغة ؟! وفي هذه الحالة هل من بديل عن الانتخابات ؟.

وفي هذا السياق نقترح أن يصدر بوقت متزامن مرسوم يحدد موعد الانتخابات بناء على قانون الانتخابات التي تم التوافق عليه سابقا، وفي نفس الوقت يتم تحديد موعد للقاء تشاوري قبل الموعد المحدد للانتخابات مع التأكيد بأن الانتخابات ستجرى في موعدها المحدد في المرسوم بغض النظر عن نجاح أو فشل جلسة / جلسات المشاورات، وبهذا يتم قطع الطريق على الذين يتحججون بغياب التوافق حتى يتهربوا من الاستحقاق الانتخابي .

2- مرجعية وبرنامج الحكومة المنبثقة عن الانتخابات .

وحيث أن حركة حماس، ومن معها من فصائل، طرحت شروط ومحددات قبل إجراء الانتخابات فإن حركت فتح طرحت أيضا شروطها المقابلة حيث قال عزام الاحمد بأن أية حكومة تنبثق عن الانتخابات عليها الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية .

نعتقد أن خطاب السيد السنوار قائد حماس في غزة والذي تحدث عن سلاح المقاومة وقدراتها كان وراء تصريحات عزام الاحمد عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة واللجنة المركزية لحركة فتح ومسؤول ملف المصالحة في حركة فتح وهي تصريحات تستحضر أيضا موضوع سلاح المقاومة .

ما تحدث به عزام الاحمد كلام واقعي حتى وإن كان مؤلما وهو يطرح قضية جوهرية لا يمكن تجاهلها وخصوصا أنها كانت سببا في فشل انتخابات 2006 وكانت حاضرة في كل حوارات واتفاقات المصالحة .

فبعيدا عن الأماني والتطلعات الوطنية وعن الخطاب الديماغوجي، فإن الانتخابات هي لعضوية مجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي تحت الاحتلال شكلتها منظمة التحرير الفلسطينية، ومن المعروف أن برنامج المنظمة يقوم على الحل السلمي للصراع والمفاوضات والاعتراف بإسرائيل، ولا يمكن لأية حكومة أن تكسر هذا الواقع حتى وإن كانت حكومة منتَخبة من الشعب إلا في إطار توافق وطني على الخروج من مربع سلطة حكم ذاتي والعودة لحالة التحرر الوطني وهي حالة لا تستقيم ولا تحتاج لا لانتخابات ولا لسلطة وحكومة .

لقد رأينا مصير الحكومة التي شكلتها حركة حماس برئاسة السيد إسماعيل هنية بعد انتخابات 2006 وما آلت إليه الأمور عندما انقلبت حماس على السلطة الوطنية ومنظمة التحرير وحاولت أن تؤسس لسلطة مقاومة وحكومة ربانية، كما نتابع واقع حكومة وسلطة حماس في غزة، وإن لم تلتزم حكومة جديدة برئاسة حماس أو بمشاركتها ببرنامج المنظمة الذي يعترف بإسرائيل ويلتزم باستحقاقات أوسلو الخ فهل ستتعامل معها إسرائيل ؟وهل ستسمح لوزرائها بالتنقل بين الضفة وغزة .وهل الجهات المانحة ستفي بالتزاماتها تجاه السلطة ؟ . ومن جهة اخرى كيف تلتزم حماس ببرنامج منظمة التحرير وهي خارجها وتشكك بصفتها التمثيلية للشعب الفلسطيني ؟.

وهكذا يبدو وكأننا ندور في حلقة مفرغة أيهما يسبق الآخر المصالحة أم الانتخابات، مما يستحضر اتفاق المصالحة 2011 الذي أدرج الانتخابات ضمن رزمة شاملة تشمل 6 ملفات منها ملف منظمة التحرير وسلاح المقاومة أو الأمن .

هذا المشهد السياسي ومناكفاته يعزز الشكوك حول مصداقية وقدرة الطبقة السياسية في إجراء الانتخابات، كما يثير تخوفات من إجرائها دون توافق وطني يستعيد الثقة بين مكونات النظام السياسي ويستبعد سياسة الاقصاء المبيتة والنية في كسر العظم والانتقام .

انعدم ثقة حركة فتح وحركة حماس بعضهما البعض وعدم ثقة أي منهما بالفوز بالانتخابات بأغلبية تؤهله لتشكيل الحكومة تجعل من الانتخابات القادمة مغامرة خطيرة لكل منهما وعدم إجرائها والاكتفاء بما بيد كل منهما من سلطة في سياق محاصصة جغرافية أهون الشرور والمخاطر بالنسبة لهما، وخصوصا أن أي من الحزبين سيكون غير قادر على طرح برنامج سياسي مُقنع للشعب، أيضا ما نخشاه وفي حالة إجراء الانتخابات أن يحل المال السياسي محل البرامج السياسية، الأمر الذي سيُفقد الانتخابات ومخرجاتها أية مصداقية ؟ .

 

إبراهيم أبراش

 

حامد الحمدانيالاسس والمبادئ المتفق عليها بين الائتلاف العراقي الموحد والتحالف الوطني الكردستاني لعمل الحكومة الانتقالية:

افرزت الانتخابات العامة حالة جديدة في الساحة السياسية العراقية ما يستوجب شحذ الهمم وتكاتف القوى الوطنية والاسلامية الاساسية العامة وخصوصا الفائزة منها للعمل المشترك ووضع الية وبرنامج عمل الحكومة الوطنية تعكس المهمات الكبيرة لاستحقاقات المرحلة القادمة وبذل كل الجهود من أجل تنفيذ هذا البرنامج ولإنجاح العملية السياسية، ولبناء العراق الدستوري الديمقراطي الاتحادي التعددي الموحد الذي يشعر فيه المواطن بكامل المواطنة المتساوية في ممارسته لحقوقه الفردية والجماعية لنجعل من العراق بلد الجميع من قوميات واديان ومذاهب يُراعى ويُحترم فيه الاسلام العظيم السمح المتعايش بمبادئه الخالدة مع بقية الديانات والمعتقدات في العراق وابنائها كالمسيحيين والصابئة والايزيديين وغيرهم. بلد تتحد فيه القوميتان الكبيرتان العربية والكردية اللتان تشكلان الثقل الاعظم للشعب العراقي دون عزل او تمييز عن الدور الكبير الذي يحتله التركمان والكلدان والاشوريين وبقية المكونات بما يؤمن الحقوق المنية والقومية لكل الافراد ومكونات الشعب العراقي بلدا تتأخى فيه الاغلبية الشيعية مع السنة بمكانتهم التاريخية ليعمل الجميع من اجل عراق موحد ديمقراطي اتحادي تعددي.      .

ان طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمر بها الشعب العراقي نحو مرحلة دستورية مستقرة تتطلب تشييد البناء على اسس واضحة المعالم لجميع مكونات الشعب العراقي بأطيافه وتياراته السياسية، سيما وان للكثير من اطراف الحركة الوطنية والاسلامية العراقية تحالفات سابقة فيما بينها لمناهضة النظام الدكتاتوري المقبور، وتعاون بناء في مختلف المجالات بعد سقوط ذلك النظام تكلل بالانتخابات الرائعة التي استطاع شعبنا ان ينتصر فيها والتي تمخضت عن فوز كبير للقائمتين الكبيرتين الائتلاف العراقي الموحد والتحالف الوطني الكردستاني، مما يوفر ارضية ممتازة للكتلتين بالتعاون انشاء الله مع بقية الكتل واللوائح لاجتياز هذه المرحلة الحساسة سوية وهذا شرف كبير يكتب لنا جميعا يسجله التاريخ وتشيد به الاجيال القادمة لتعزيز الحالة الديمقراطية لبناء العراق على اساس العدالة والانصاف والمشاركة، ويتفق الطرفان على

الاسس التالية لإنجاز مهام المرحلة الانتقالية:           .

1- الالتزام بقانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية بكافة بنوده بوصفه المنظم والمرجعية لعمل الحكومة والجمعية الوطنية والسلطة القضائية واعتبار ان مهمة المرحلة الانتقالية هي اعداد الدستور الدائم والسير قدما في قيام حكومة منتخبة وفق دستور دائم.

2- تشكيل حكومة وحدة وطنية والاخذ بمبدأ المشاركة والتوافق وتمثيل المكونات العراقية مع الاخذ بنظر الاعتبار النتائج الانتخابية والسير قدما في سياسة الحوار الوطني، وتوسيع دائرة الاشتراك في العملية السياسية والاجراءات لصياغة الدستور لكل المكونات والعناصر المقبولة والممثلة لأوساطها، والتي تنبذ الارهاب والتخريب دون تهميش او غبن.

3- العمل على صيانة سيادة العراق وتعزيز استقلاله ووحدته والتعامل مع مسالة تواجد القوات المتعددة الجنسيات ضمن قرار مجلس الامن الدولي المرقم 1546 والاسراع في خطط استكمال بناء القوات المسلحة العراقية لتستطيع ان تتسلم المهام الامنية من القوات المتعددة الجنسيات عند استكمال المستلزمات عند الجانبين وتأكيد منهج الاستمرارية والتعاون بين الطرفين بما يحقق الغايات المعلنة بانتهاء مهمة هذه القوات في العراق.

ان الاسراع في استكمال المستلزمات الذاتية وفق جدول زمني لتسليم القوات العراقية المهام الامنة كاملة سوف يهيئ الظروف لتقليل دور القوات المتعدد الجنسيات تدريجيا وصولا الى انهاء مهامها .

4- عدم قبول واقع الحرمان والمظلومية والعزل والتمييز واللامساواة والتأخر التي اصابت المناطق والمدن بسبب السياسات العنصرية والطائفية والاستبدادية للنظام السابق خصوصا ما حصل في الجنوب وكردستان وحلبجة وبقية محافظات العراق، والبدء بتنشيط فكرة مجلس الاعمار خصوصا من أجل اعادة اعمار الجنوب وتلك المناطق وتشجيع السياحة الدينية وسياسات الاستثمار، والخدمات العامة كذلك اعطاء الاولوية للسياسات اللازمة في معالجة كل ذلك (المظلومين وضحايا الانفال والحرب الكيمياوية والانتفاضة الشعبانية، والسجناء والمفصولين والمهجرين، وعوائل الشهداء والمناطق المحرومة ... الخ) . كل ذلك دون الاخلال بمبدأ عدم التمييز بين مناطق العراق الا لتطبيق السياسات الإيجابية، وتوفير نفس فرص التطور والخدمات لكل المناطق بدون استثناء، وكذلك الحفاظ على مبدأ الاهلية والكفاءة من جهة ومبدا فاعلية الاجهزة وضرورة استمرارها على تادية واجباتها .

5- يجب الحرص على وحدة الحكومة وعملها وتنسيق سياساتها وتبني مجلس الوزراء لنظام داخلي ينظم عمله بما ينسجم والتوافق السياسي في اتخاذ القرارات الاساسية السياسية والامنية والاقتصادية والادارية.

6- الحكومة الانتقالية وبغض النظر عن التحالفات داخلها كل متحد، وعليه يجب الحرص على وحدتها وانسجام عملها وتناسق سياساتها، وفي حالة حصول خلاف في داخل الحكومة بين الائتلاف الموحد والتحالف الوطني الكردستاني وعند استعصاء الخلاف بينها فانه لا يصار الى حل التحالف والمطالبة باستقالة الحكومة الا في الحالات المسوغة لحل التحالف والمنصوص عليها ادناه:

أ- مخالفة مبدا واحد او أكثر من المبادئ العامة المتفق عليها لسياسة الحكومة على نحو لا تسوغ هذه المخالفة ضرورة قاهرة تمليها ظروف داخلية او اقليمية او دولية يعترف بوجودها الطرف المنسحب.

ب- اقالة عضو في موقع سيادي من موقع مجلس الوزراء او سحب الثقة منه دونما سبب قانوني وموافقة الطرف الذي ينتمي اليه هذا العضو.

ت- اتخاذ أية إجراءات أو تدابير بواسطة الحكومة من شانها الغاء اي مطلب من المطالب الممنوحة لاي طرف من طرفي التحالف بموجب الاتفاق المبرم بينهما.

ث- وقبل استقالة الحكومة يتبع الطرفان الوسائل التالية المتدرجة لحل هذا لخلاف:

... لقاء بين ممثلي الكتلتين داخل مجلس الوزراء.

... اجتماع ممثلي الطرفين من هيئة رئاسة الدولة ومجلس الوزراء وهيئة رئاسة الجمعية الوطنية.

... اجتماع بين رؤساء الاحزاب والقوى السياسية المنضوية داخل الكتلتين

... في حالة عدم التوصل الى حل وأدى ذلك الى انسحاب أحد الطرفين من الحكومة تعتبر مستقيلة ويجري التشاور لتشكيل حكومة انتقالية جديدة خلال فترة اقصاها شهر واحد مع مراعاة ان لا تترك البلاد تحت فراغ دستوري او أمني او اداري لحين تشكيل الحكومة الجديدة تقوم الحكومة المستقيلة بتصريف الامور.

7- اعادة الهيبة لعمل القضاء وارساء دولة القانون واتباع الاصول الادارية والمؤسساتية ورفض سلطة الفرد والقرارات الارتجالية وغير الاصولية واعتبار الوزارات ومؤسسات الدولة هوية وطنية وملكا للشعب وليست هوية لحزب او لوزير او لأهوائه وقراراته الشخصية ومنع اي استئثار او هيمنة او وصاية فكرية لأية فئة او جماعة بالتشكيلات الحكومية والادارية والمؤسسات العامة واحترام حرية الراي ومؤسسات المجتمع المدني والاسراع في محاكمة مجرمي العهد السابق وانزال اشد العقوبات فيهم للجرائم اللانسانية التي الحقوها بالشعب العراقي وذلك وفق اسس العدالة والقوانين المرعية.

8 - تشكيل المحكمة الاتحادية المكونة من 9 اعضاء حسب الخطوات المبينة في قانون ادارة الدولة على ان يراعى في ذلك التمثيل العادل لكل البلاد على اساس التكافؤ بما يتناسب مع مكونات الدولة العراقية الاتحادية التاريخية والجغرافية وان تتوفر في اعضاء المحكمة المؤهلات والخبرة القضائية العالية، وان لا تسقط المحكمة تحت تأثير جماعة معينة، وان تتمتع بالحياد المطلق، وان لا يعتبر القاضي ممثلا لجماعة بل ممثلا للحقيقة والراي القانوني والقضائي المستقل تماما عن اية تأثيرات.

9- تفعيل عمل الهيئات الواردة في قانون إدارة الدولة وعدم الالتفاف عليها مع مراعاة اهمية تسيير اداء عمل تلك الهيئات وفق الاهداف التي اسست من اجلها

10- حل الخلافات والمنازعات بين الجماعات وفق مواصفات التفاهم والتشاور والمواطنة والرغبة المشتركة للبناء الوطني والعيش بسلام بمراعاة حقوق الجميع وعدم اللجوء الى الاستفزاز او الاعتداء والتقيد بالقوانين والانظمة والاساليب التفاوضية وقواعد الاحتكام بما يرفع الظلم ويحقق العدل والوئام والسلام بين ابناء الشعب وجماعاته المختلفة .

11- اتباع سياسة الصداقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع دول الجوار ودول العالم وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واعتماد الحوار والتفاوض لحل الخلافات العالقة.        .

ثانيا: العمل على اعداد مسودة الدستور:

1- تتفق الاطراف المتحالفة على التعاون وبذل الجهود المخلصة لإنهاء اعداد مسودة الدستور بما يكفل المفاهيم الاساسية المثبتة في قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وتؤكد هذه الاطراف انها تسعى الى تطوير المفاهيم والسياسات المثبتة في ذلك القانون لا التراجع عنه.

2 - ان تشترك الاطراف التي لم تفز في الإتخابات او التي لم تشارك فيها لأسباب اضطرارية وممثلو كل الفئات والجماعات التي هناك اتفاق عام على حاجتها للوحدة الوطنية وتقرير مستقبل البلاد الى ضرورة حضورها اللجان والنقاشات واعداد الصياغات التحضيرية لإعداد الدستور قبل طرحه على الجمعية الوطنية والاستفتاء العام وان يراعى تحقيق التوافق الوطني لكل اطياف الشعب العراقي .

ثالثا: حقوق الاقاليم والمحافظات والمواطنين:

تعزيز المكانة الخاصة لدور الاقاليم ومجالس المحافظات، واحترام نتائج انتخابات مجالس المحافظات وللمجلس الوطني لإقليم كردستان وتطوير التنسيق والتعاون بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان والمحافظات وتوفير الميزانيات اللازمة لها واحترام مبدأ عدم التدخل في شؤونها ودورها المستقل في نطاق عملها وتطوير صلاحياتها كما ورد في قانون ادارة الدولة وفي الامر رقم 71 مع اعادة الاحترام والفاعلية لعمل الدولة لممارسة صلاحياتها وتأدية مهامها وعدم التمييز بين العراقيين في كل انحاء العراق وحقهم المشروع في الاقامة والعمل والتنقل والتملك والتمتع بالحقوق والواجبات الاتحادية والاقليمية بكل مساواة وعدم تمييز، شرط ان لا يكون ذلك قد تم وفق سياسة عنصرية او طائقية تفرض تغيير الواقع السكاني.

رابعا: ازالة اثار سياسات النظام البائد في تغيير الواقع القومي والمذهبي والسكاني من خلال الهجرة القسرية وتوطين الافراد الغرباء:

1- الاسراع في تطبيع الأضاع في المناطق المختلف عليها وبضمنها كركوك من خلال اعادة المهجرين واعادة توطين الغرباء الذين اسكنوا في هذه المناطق ضمن سياسة التغيير السكاني والتطهير العرقي وفق قانون ادارة الدولة وذلك بتوفير التخصيصات اللازمة لهيئة فض منازعات الملكية وهيئة تطبيع الاوضاع في كركوك وعلى الحكومة العراقية الانتقالية اتخاذ الخطوات العاجلة لتطبيق 1 و 2 و 3 و 4 من الفقرة (أ) من المادة 58 من قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية وتقوم الحكومة الانتقالية خلال فترة لا تتجاوز الشهر من تشكيلها بتفعيل اجراءات التطبيع بما فيها توفير التمويل لهيئة تطبيع الاوضاع في كركوك وهيئة منازعات الملكية .

2 - التطبيق الكامل للمادة 58 من قانون ادارة الدولة الانتقالية بما يؤدي الى تحديد الانتماء الاداري للمناطق المختلف عليها بما فيها محافظة كركوك وعلى الرئاسة الانتقالية الاسراع في تقديم المقترحات بشان معالجة التلاعبات بالحدود الادارية لهذه المناطق الى الجمعية الوطنية الانتقالية وتوضع التسويات الضرورية بما يحقق الرغبة النهائية لسكان المحافظة بعد التطبيع وبعد المصادقة على الدستور الدائم.

3- مواصلة الجهود لتصحيح الاوضاع في التمثيل الخارجي بما يعالج سياسات التمييز والعزل السابقة ويسمح لكل الكفاءات العراقية بحسن الحضور والتمثيل وان يعكس الوجه الخارجي للعراق واقع الشعب العراقي والمبادئ والسياسات التي يؤمن بها.

4- التعامل مع الملف الامني واعطاء اولوية خاصة في اتجاهين رئيسيين:

الاول : ايقاف المجازر والقتل اليومي ورفع التهديد التخريبي والارهابي عن السكان والذي مازال يشكله الخلل الامني المتمثل في بعض جوانبه الخطيرة بوجود عناصر بقايا النظام السابق والعناصر الفاسدة في بعض المؤسسات والاجهزة الأمنية، واعتبار ان الولاء للنظام الجديد هو شرط رئيسي يجب ان يتلازم مع الكفاءات والاهلية من جهة وضمان استمرارية عملية بناء هذه الاجهزة وعدم تعريضها للتشويش او للتعطيل من جهة أخرى، وكذلك باتخاذ الاجراءات الحاسمة لمنع تدخل الدول المجاورة في الشؤون العراقية وتشجيع الارهابيين وتوفير الاغطية الايديولوجية لهم ومحاربة المنظمات الارهابية الموجودة في العراق وكشفها وتعريتها امام الشعب العراقي وانزال اقسى العقوبات بعناصرها وتطهير البلاد من كل المنظمات الارهابية.

الثاني: وهو بناء القوات المسلحة العراقية وقوات الأمن بشكل ينسجم مع حاجات الاقاليم والمحافظات وقوى امنها الداخلي وتوفير التخصيصات المالية والتسليحية واللوجستيكية لذلك وبما ينسجم مع الضرورات السوقية ومتطلبات الدفاع الوطني والامن الداخلي للبلاد كلها والاسراع بتطبيق الامر 91 ( والذي يشمل 11 مؤسسة منها قوات البيشمركة وبدر وبقية التشكيلات التي قاتلت النظام بكل بسالة واخلاص ) وان تتحول العناصر المندمجة من القوات المشار اليها الى عنصر طبيعي في القوات المسلحة العراقية، وان يتم توفير التخصيصات لها وبشار الى تحويل قوى منها الى قوى أمن داخلي في الاقاليم والمحافظات او يتم استيعابها في المؤسسات المدنية او تتلقى التأهيل اللازم عبر ذلك من اجراءات لاندماجها واستيعابها .

5- ان تعكس الموازنة العراقية وسياسات العرض والاستثمار والمنح الاجنبية حاجيات الشعب العراقي الراهنة والمستقبلية وخصوصا فئاته الفقيرة والمحرومة وضمان تطور العراق ليستعيد مكانته الطبيعية وكذلك ان تعكس الموازنة والسياسة المذكورة اعلاه حاجيات المحافظات والاقاليم بشكل متوازن من جهة ويزيل الحيف عن بعض المناطق المتضررة والمظلومة من جهة اخرى وان تراعي الحكومة الانتقالية هذه الإعتبارت في خططها القادمة وفي موازنة 2006 مع الالتزام بتنفيذ موازنة 2005 بكل ما تتضمنها من الاهداف اعلاه .

6- تقوم الحكومة العراقية بتأسيس وتشجيع شركات استثمار للثروات الطبيعية ومنها النفطية على المستويات الاتحادية وفي اقليم كردستان وفي المحافظات وان على الحكومة ان تضع الضوابط الاتحادية والاقليمية كذلك المحافظات بالاتفاق مع السلطات المحلية لأعمال الاستغلال والاستثمار بما يحقق التوزيع العادل للعوائد وفق نسب السكان وحاجيات المناطق من جهة وتحقيق المصالح الوطنية العامة من جهة اخرى.

التواقيع:

الائتلاف العراقي الموحد: عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية وخالدة العطية وفالح الفياض عضوا الجمعية الوطنية.

التحالف الوطني الكردستاني: فؤاد معصوم عضو الجمعية الوطنية، ونوري شويس نائب رئيس الجمهورية، وبرهم صالح نائب رئيس الوزراء، وهوشيار زيباري وزير الخارجية المنتهية ولايتهم

 

حامد الحمداني

 

سامان سورانيیقال بأن الأزمات والكوارث ليس مصدرها الأقدار فقط، فهي تتجسد في الأفكار بشكل خاص والعقليات والمرجعيات والنماذج والمقولات أو التصنيفات والطقوس التي تهيمن علی المشاهد الثقافية وتتحكم في الخطابات فتنتج عوائق ومآزق وتلغم المساعي الوجودية والمشاريع المدنية أو الحضارية.

منذ سقوط الطاغي صدام عام 2003 ووصول أحزاب دینیة لسدة الحکم في العراق، بات شغلهم الشاغل نشر الجهل والتخلف بين الناس لتنجح خطتهم في نشر ثقافة الفساد في جسد المجتمع العراقي لتسیر هذه الثقافة أخیراً في شریانە سریان النار في الهشیم وتغذية الطائفية والمذهبیة المقيتة وإشعال الصراعات والحروب الأهلية بهدف تقوية شبکاتهم المافیوية، التي تسير في فلك الأجندة الأقلیمية وترعی مصالحها العقائدية.

وبعد أن أصبح الفساد السياسي والأخلاقي والإداري والمالي في العراق مؤسسة ذات نفوذ وسطوة تخلت تلك الأحزاب عن شعاراتها الدينية ودعوتها للعدالة والمساواة وتحقيق الأمن والأمان والاستقرار  وبناء العراق الجديد على أساس المواطنة والشراكة الحقيقية وارتكبت كل ما يُعادي قيم منظومتها الدينية.

هكذا شاركت تلك العقلية الدينية التراجعیة في تضخيم حجم تفاقم عدم الثقة بالحياة الديمقراطية والدستورية وإعادة العراق الی الوراء ليكون علی مدار السنوات الفائتة بحسب مؤشر منظمة الشفافية الدولية من بين أكثر دول العالم فساداً.

إن فشل تلك الأحزاب الدينية في إمتحان السلطة والتماهي والبقاء في دوامة الفساد وهدر أموال الدولة وعدم القيام بمکافحة الفقر والبطالة ومعاقبة المجرمين وإصلاح المدن المهدمة وتطوير البلاد ومنع إنتشار المخدرات أدی الی زیادة الإحتقان الطائفي والحقد والكراهية بين أبناء المجتمع العراقي، لذا يطالب الشعب المنتفض والمحتج في العديد من المحافظات العراقية ذات الأغلبية الشيعية ضد الائتلافات والأحزاب السياسية رحیلهم بعدما تركوا إرثاً من الفشل والإحباط، لأنهم لم يستطيعوا خلال 16 عام بناء اي مؤسسة حقيقية في العراق ويصححوا أخطائهم ويراجعوا أفعالهم ولا نظن بأنهم قادرين علی تغيير سلوكهم في المستقبل.

يعتبر العصيان المدني السلمي العام، الذي يشمل كل شرائح المجتمع بعد أن مزق أسطورة الطائفية کمبدأ منظم للسلطة السياسية، وسيلة ليقول الشعب كلمته ويرغم السلطة على تنفيذ مطالب شرعية، بعد أن تباطأت الحکومات المتتالية في رسم سياسات لمستقبل العراق وسنحت للميليشيات المسلحة، تستنزف ميزانية الدولة وتسلط علی رقاب الناس وأموالهم والتي يصفها المحتجون بالفاسدة والأسيرة للمصالح الأجنبية.

الی الآن نری بأن المتظاهرين يرفضون إصلاحات الحكومة ويصرّون علی إسقاط الحکومة وتغيير العملية السياسية، بمعنی أنهم يريدون إلغاء النظام من الأساس دون أن يکون لدیهم  خريطة طريق يمكن أن تتحقق من خلالها مثل هذه الآلية.

ومن المتوقع أن تستمر الاحتجاجات الشعبية، التي تقودها جيل جديد منفصل عن النخبة السياسية الحاکمة ولا يعرف النظام الشمولي حتی تغیب شمس الأحزاب الدينية وسلطة المیلیشیات في العراق، أما قرار توقفها فهو بيد الشعب.

وختاماً: "لقد ولی زمن النظريات المركزية والشمولية وزمن القائد والحاکم الذي يدّعي معرفة كل شيء، فعالمنا اليوم إنخرط في أفق فكري جديد أساسه البعد المتعدد، بتعدد القوی والفاعليات وتعدد الإختصاصات والمجالات وتعدد الرهانات والخيارات والحلول. هكذا تجاوز الجيل الجديد المنتفض في العراق مجتمع النخبة والجمهور نحو المجتمع التداولي، بعد أن أستطاع أن يحرق عباءة الطائفية ويخرج من التاريخ بکهوفه وسراديبه من أجل صناعة الحاضر، الذي يهيء لمستقبل يعد بالأحسن ولايثير الخوف أو الفزع من المجهول."

 

الدكتور سامان سوراني

 

سليم الحسنيفي ستينات القرن الماضي، ظهرت موجة ثورات في أكثر الدول استقراراً وتقدماً، وقد بلغت ذروتها عام ١٩٦٨، حتى أطلق على ذلك العام بأنه عام ثورات الشباب، فقد غطت ثوراتهم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من دول أوروبا، كما وصلت الموجة الى اليابان.

كانت الثورات شبابية صرفة، وقد اختلفت دوافعها من دولة لأخرى، لكن تزامنها كان أمراً غريباً، بحيث اختلفت التفسيرات والأسباب وراء اندلاعها. لكن المختصون وبعد دراسات مطولة توصلوا الى أن جيل الشباب له نظرته الخاصة للمجتمع والحكم والسياسة تختلف عن الفئات الأكبر منها عمراً.

كانت التظاهرات بشكل عام ملتزمة بالسلمية، وهذا ما جعلها تستمر لفترة طويلة، وأن تتحول الى حدث مؤثر، فقد تعاملت معها الحكومات على أنها ممارسات هادفة توجه نقدها لحالات الخلل في مجتمعاتها. وقد أسفر الاتجاه الملتزم الى فرض ارادتها وبالتالي إجراء إصلاحات مهمة في تلك الدول.

نبهّت تلك التظاهرات بعض الدوائر الدولية ذات الصفة المخابراتية، الى أن التظاهرات لو بقيت على سلميتها، فانها ستتحول الى عنصر ضغط مؤثر على الحكومة، وسيجبرها على الاستجابة. وانها ـ في المقابل ـ يمكن أن تُستخدم كسلاح تخريبي فيما لو اندلعت في دولة مستهدفة، وذلك عن طريق تزريق العنف في جسدها، وبذلك ستقع المواجهة بين التظاهرات وبين السلطة، وتتحول من ثورة الى فوضى.

فرنسا كانت أكثر الدول التي أثرت تظاهرات الشباب على سياساتها، حيث اضطر رئيس الجمهورية شارل ديغول الى مغادرة فرنسا، ولم يعد حتى هدأت الأمور بعد عدة اشهر، حيث أعطى كامل الصلاحيات لرئيس الحكومة جورج بومبيدو، لإدارة الأزمة والتي انتهت بالاستجابة لمطاليب الشباب. وهذا ما جعل المفكرين الفرنسيين أكثر من غيرهم اهتماماً بدراسة تلك الظاهرة وتحليلها وتفكيك أجزائها. ولعل هذا ما يفسر القدرة التي تمتع بها الصهيوني الفرنسي (برنارد ليفي) ليكون حاضراً في أجواء الربيع العربي وتأثيره على مساراتها.

 كما ان الخبرة التي تمتع بها برنارد ليفي، كانت موجودة أيضاً عند دوائر التخطيط الغربي وخصوصاً الولايات المتحدة المعروفة باجهزتها المخابراتية العميقة. وقد تم تجربة الجانب المسلح في التظاهرات بشكله الواسع في ليبيا وسوريا.

في الحالة العراقية، اندلعت تظاهرات تشرين بمطالب مشروعة ومن الفئة الشبابية المستقلة عن تراكمات الأجيال السابقة، وكانت هذه الفئة تطالب بحقوقها في العيش بثروات وطنها، وهو مطلب يجلس في المستوى الحتمي للمجتمع. ولم تظهر على بدايتها مظاهر العنف، ولم تُسجّل على جموع الشباب دعوات الانفلات كمظهر عام. وكانت بذلك بداية ناجحة موفقة تشير الى أنها ستتحول الى قوة ضغط كبيرة تجبر الحكومة على الاستجابة.

لم تحسن الحكومة التعامل مع الشباب، واستخدمت القوة ضدها، وتقع المسؤولية كاملة على رئيس الحكومة، فمن خلال التمادي في العنف، فسح المجال أمام إمكانية تدخل جهات مغرضة لتحريف التظاهرات وزج بعض قطاعاتها في العمل العنيف.

ولأن التظاهرات في أي دولة، تكون مرصودة من قبل اعدائها، وهي فرصة مناسبة لكي يندسوا في صفوفها وينفذوا مشاريعهم المضادة، فان من الطبيعي أن تشهد تظاهرات الشباب العراقي مثل هذا التغلغل، وهذا ما حدث من خلال دخول عناصر حزب البعث الى صفوفها قادمين من الأردن والامارات وأوروبا. كما نشطت العناصر المرتبطة بامريكا والسعودية من أجل فتح خيارات العنف المسلح وزج التظاهرات فيها. فما يريده محور (أمريكا والسعودية وإسرائيل) نشر الموت في المدن الشيعية، وهذه الدول تعرف أن القتل سيكون فتاكاً فيما لو حدث بين الشيعة أنفسهم.

النقطة الأهم في تظاهرات شباب العراق، هي كيفية احتفاظهم بالوعي المطلبي، بحيث يجعلون تظاهراتهم تتحول الى ثورة، وتتحصن من التحول الى الفوضى.

صحيح ان هذا التحصين مسألة صعبة، خصوصاً وأن أجهزة أمريكا والسعودية وإسرائيل لها خبراتها في التصعيد، لكنه يبقى مسألة ضرورية مطلوبة، وهذه مسؤولية الشباب المخلص الذي يقف في التظاهرة فيرصد المندس والمغرض، ليمسك يده قبل أن يقذف شعلة النار على الممتلكات العامة، وليصرخ بوجه من يردد شعاراً استفزازياً يريده البعث أو أعداء العراق لتحويل المسار من الثورة الى الفوضى.

إن الحفاظ على وجه الثورة السلمي يمثل الطريق المضمون نحو تحقيق المطالب، وبخلاف ذلك تكون الفوضى. وعند ذاك يكون الشاب أول الخاسرين.

 

سليم الحسني

 

باسم عثمانثمة حاجة ماسة إلى نسق سياسي جديد تحدد مساره قيادة سياسية جديدة تمثّل جميع الفلسطينيين ولا يقتصر تركيزها السياسي والتمثيلي على جغرافية الضفة الغربية وقطاع غزة، وسيتطلب ذلك الابتعاد عن إطار أوسلو والتزاماته وسياسة "الامرالواقع" الحمساوية، وإعادة التفكير بالرؤية السياسية والاستراتيجية الفلسطينيتين، وكذلك بدور المؤسسات الوطنية والمدنية، ليتسنى للفلسطينيين جميعا، أن يتحوّلوا إلى لاعبين سياسيين مُنظمين وأكفاء يتصدرون المقاومة الوطنية والمجتمعية ضد المشروع الكولونيالي الاستيطاني الإسرائيلي.

ان الإنكار المتعمد للرسمية الفلسطينية لأثار أوسلو ونتائجه التدميرية (فلسطينيا)، فاقم المشكلات الناجمة عنه، لأنه من الأساس تمت صياغته على هامش وكواليس الرؤية والاجماع التوافقي الفلسطيني،ولم تجر الرسمية الفلسطينية اية مراجعة نقدية له، فضلاً عن أن ذلك أفضى إلى تكلّس العقل السياسي الفلسطيني السائد، الذي كفّ عن البحث عن خيارات بديلة، ناهيك عن إشاعته البلبلة في إدراكات الفلسطينيين الجمعية، بما فيها إدراكاتهم لمصيرهم المشترك ولعلاقتهم بقيادتهم التمثيلية.

 ورغم الإقرار الشعبي الفلسطيني ومثقفيه بضعف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية والتمثيلية، الا انهم لا زالوا يعتبرونها كيانا حيويا ووطنيا (شرعيا وتمثيليا)، وهي المفتاح الرئيسي لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد مؤسساته، بالترابط مع كل ما هو نقابي واجتماعي ومدني داخل المجتمع الفلسطيني،حيث ان السلطة الفلسطينية – رغم ادارتها للجزئية الجغرافية - أخذت بالضمور والانحسار السياسي والوطني وهي تبذل جهدها اليوم لتقديم الخدمات الادارية العامة والمحافظة على سيولتها النقدية وامتيازاتها الشخصية،ولكنها فشلت فشلا ذريعا في رعاية جيل جديد من المواهب والكفاءات الشبابية تنمويا ووطنيا، وثمة دلائل واضحة كل الوضوح على هجرة الأدمغة والكفاءات والشباب الفلسطيني من ميدان المواجهة (الوطنية والاقتصادية).

هكذا نموذج للقيادة الفلسطينية الحالية والتقليدي هو شكلٌ من أشكال السلطة المركزية "الأبوية"، حيث يدور في فلك هيكل السلطة في السياسة الفلسطينية الداخلية شخصٍ أو فصيل سياسي واحد تساعده وتسانده شبكة من "المحسوبيات" والمنتفعين، هذا التمركز السلطوي في يد فاعل سياسي مركزي واحد أدى إلى فشل وتجميد كل المؤسسات الفلسطينية الحالية في عملها الديمقراطي بالنيابة عن الشعب الفلسطيني، وأدى إلى تهميش الفاعلين السياسيين الفلسطينيين الآخرين وإقصائهم عمدًا، ما تسببَّ في احداث هوة واسعة بين القيادة الفلسطينية والنخبة التي تدعمها من جهة، وبين سائر مكونات الشعب الفلسطيني من جهة أخرى.

اليات التجديد المؤسسي:

لمعالجة قضية تمركز السلطة الإدارية والسياسية بيد شخص او فصيل واحد ينبغي تطبيق اللامركزية في النظام السياسي الفلسطيني، وان ينصب التركيز والاهتمام على المجتمعات المحلية الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة والشتات،في سياق الدعوة المطلبية الوطنية الملحة لفصل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية والتشريعية عن السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الإدارية والخدماتية، حيث الأولى ذات طابع وطني تمثيلي عام لكل الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل والشتات،في حين الثانية ذات طابع اداري خدماتي لجزء من الشعب الفلسطيني المتواجد في الضفة والقطاع.

في ذات الأولوية الوطنية،فإن التمكين من القدرة على مساءلة ومحاسبة الحكومات الفلسطينية واداراتها هي متطلب وطني ايضا لأي نظام وطني وسياسي فاعل، خصوصا في سمة حالتنا الفلسطينية الراهنة كحركة تحرر وطني، وهو ما يتطلب بالضرورة من مساءلةٍ عامودية تنطلق من المحليات المجتمعية والمدنية الجغرافية للتشتت الفلسطيني عبر آليات من قبيل هيئات تشريعية محلية فاعلة وبانتخابات حرة ونزيهة ومنتظمة لمجموع هيئات ومؤسسات السلطة ومنظمة التحرير،وهذه المساءلة العامودية لا بد لها ان تترافق مع نُظمٍ وادوات أفقية داخلية ايضا للمساءلة والنقد، لضمان أن المؤسسات الفلسطينية تعمل بشفافية تامة بلا فساد أو تعسف في استخدام سلطتها الادارية والسياسية.

الفصل بين السلطات:

إن نموذج النظام السياسي الفلسطيني الحالي في أمس الحاجة إلى إصلاح وتجديد من خلال الفصل بين السلطات الوطنية التمثيلية عن الإدارية الخدماتية (السلطة ومنظمة التحرير)،لأنه لا يجوز بالمطلق ان يتولى الرئيس عباس (رئاسةَ منظمة التحرير الفلسطينية ورئاسةَ السلطة الفلسطينية ورئاسةَ حزبه السياسي، ويُمسِك أيضًا بزمام السلطة التشريعية في غياب المجلس التشريعي الفلسطيني،ويتخذ بمفرده القرارات السياسية بشأن حاضر الفلسطينيين ومستقبلهم)، وما لهذا النموذج من آثارٌ كارثيةٌ على القضية الفلسطينية وحضورها الوطني والإقليمي والدولي. ولإنهاء سيطرة السلطة الفلسطينية (الإدارية) على منظمة التحرير (التمثيلية السياسية) يجب فصلهما عن بعض كليا (مؤسسات ورئاسة) ومن المقترحات المطروحة أن يتولى الرئيس الفلسطيني رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية بينما تكون السلطة الفلسطينية بقيادة رئيس الحكومة ومسؤولةً أمام هيئةٍ تشريعية، ولا بد أيضًا، من تغيير دور ومهام السلطة الفلسطينية من سلطة تشريعية إلى هيئة تكنوقراط تنفيذية مهنية مهمتها توفير الخدمات الأساسية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وتدير شؤونه اليومية.

في الوقت الذي ندرك فيه تماما،ان التغيير والتجديد سيصطدم بعقبات كثيرة،وجود الاحتلال وسياساته القمعية والاستيطانية –التهويدية، الانقسام السياسي والجغرافي والاداري بين (الضفة وغزة)، فساد النخبة الفلسطينية النيوليبرالية الجديدة القابضة على الحكم هي وشبكة المحاسيب والمنتفعين والمعارضين اصلا لمجموع الاصلاحات المطروحة والتي من شأنها أن تنزع مَنهم امتيازاتهم السياسية والاقتصادية،اضف الى ذلك،المعارضة الخارجية لأي تغيير وتجديد على مستوى الهرم القيادي الفلسطيني والتزاماته التي تخدم سياساتهم واجنداتهم، وفتور الفلسطينيين السياسي وفقدانهم الثقة في أهمية المشاركة في اية عملية سياسية حاضرة ومستقبلية نتيجة خيبة أملهم في القيادات الفلسطينية السابقة وما ستنتجه اية عملية تجديد وتغيير في النظام السياسي الفلسطيني القادم،وهنا أهمية العمل على التحفيز وتجديد الثقة بالعودة مجددا الى التفعيل السياسي وانخراطهم في مجموع العملية الوطنية، والتحدي الأخير يكمن في الصعوبات التقنية التي يفرضها تشتت الشعب الفلسطيني جغرافيًا ومكانيا، وفي هذا الصدد، قد توفر الأدوات التكنولوجية والرقمية المبتكرة وسيلةً ممكنةً للتغلب على حواجز الجغرافيا والتشتت المكاني،وتوفير مساحة أوسع لكل الشعب الفلسطيني داخل الوطن والشتات بإسهاماته من خلال حقه المشروع بانتخاب ممثليه وقيادته، وهكذا نفسح الطريق مجددا امام جيل الشباب ليُحدِثَ طفرة نوعية في العملية الوطنية فيما ظل لفترة طويلة جدًا مبعد قسريا عن أداء فاعليته الوطنية واقصاءه عن المشاركة في مؤسسات السلطةً السياسية المركَّزة في يد شخصيات محدودة في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، حيث ثمة كادر شبابي ومهني فلسطيني ذو قدرة وكفاءة عالية وتوجهات ورؤى سياسية وطنية جذرية، ولكنهم مشتتون بحكم الجغرافيا والإرادة السياسية السلطوية، المطلوب اذا، نظامٌ سياسي مؤسسي يضم قيادات سياسية وطنية وكفاءات شبابية مهنية ذات وجهة استراتيجية وطنية واجتماعية واضحة وتتبنى اللامركزية في عملها.

ان تشتت الشعب الفلسطيني جغرافيًا وتنوع برامجه الوطنية والاجتماعية المحلية، كفيل بتحقيق هذا التمثيل الديمقراطي من خلال التوافق المحلي في الآراء أو الانتخابات واعتماد النموذج الأمثل للفلسطينيين وهو الديمقراطية الشعبية أو الشعبوية التي تمثلها منظمات المجتمع المدني،ما يعزز قدرة الفلسطينيين على التعبئة السياسية والوطنية على كل المساحة الجغرافية لتواجده وتكوين روابط وطنية واجتماعية تجمعهم، لما يمثل هذا النموذج الساحة الحقيقية لأبداء الرأي والتفاعل المجتمعي الفلسطيني، على نقيض النماذج الوطنية الراهنة والقائمة على نهج الأحزاب السياسية التقليدية ونهج السلطة الفلسطينية والتي هي عرضة لقمع الاحتلال الاسرائيلي والانقسام والشخصنة والفساد السياسي.

أن تغيير الوضع الحالي يحتاج إلى بناء قوة ضاغطة، والعمل بكافة الأشكال لخلق تغيير وطني ديمقراطي اجتماعي،والتركيز على أهمية الحراكات الشعبية والمبادرات التي شهدتها الساحة الفلسطينية خلال السنوات الماضية، رغم أنها كانت تركز على قضية مطلبية واحدة، وسرعان ما ينتهي هذا الحراك حال تحقيقها، ما يستوجب البحث في ضرورة ربطها بتصور شامل وحراك عام،والتركيز ايضا على اهمية بناء تحالفات بين التجمعات الجغرافية الفلسطينية ضمن الأطر المهنية والنقابية والمدنية، إضافة إلى استمرار العمل ضمن أشكال النضال المختلفة، مثل حركة المقاطعة والمقاومة الشعبية والجيوش الإلكترونية، والتوجه إلى المحاكم الدولية لمحاسبة "إسرائيل" على جرائمها بحق الفلسطينيين العزل، ورفع ملف القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني الى المحافل الدولية ليتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والاممية تجاه الشعب الفلسطيني

الية الانتخابات:

الحقيقة الأولى: ان السلطة الفلسطينية ليست كيان سيادي سياسي، طالما هي تحت الاحتلال، وهي ليست ممثلة لعموم الفلسطينيين (إداريا وسياسيا ووطنيا) ولطالما تقتصر في ادارتها ورعايتها على الفلسطينيين المتواجدين في الضفة والقطاع والقدس، وهذه الإدارة لشؤون الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني تعكس نفسها بصورة او بأخرى على صمود شعبنا وادواته الوطنية والاجتماعية لإنجاز مشروعه الوطني، لذلك، فهي ادارة مهمة بالمفهوم الوطني وتعكس معطى سياسي في معركتنا الوطنية السياسية، لهذا فان بنية السلطة وتركيبتها وان كانت ليست سياسية فهي تؤدي لنتائج سياسية .

الحقيقة الثانية: ان الانقسام في الحالة الفلسطينية مركب: هو انقسام اداري سلطوي من جانب، وانقسام سياسي وطني من جانب اخر، الأول : سبيله الوحيد للخلاص منه :هو اجراء الانتخابات الادارية في الضفة والقطاع والقدس، والثاني : سبيله الوحيد للخلاص منه : هو بأطلاق باكورة الحوار الوطني الفلسطيني العام لإنتاج الرؤية الاستراتيجية الوطنية التوافقية استجابة لمتطلبات الصمود والمواجهة.

 إن تنفيذ أي من هذه الاستحقاقات الوطنية يتطلب القيام بالخطوات الآتية:

- ان يدعو الرئيس الفلسطيني هيئة تفعيل وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والمكونة من الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية وأعضاء اللجنة التنفيذية ورؤساء المجالس التشريعية الفلسطينية وشخصيات وطنية واجتماعية ومدنية الى دورة اجتماعات فورية، لتفعيل المؤسسات وبلورة رؤية وطنية توافقية للأجماع الوطني واستراتيجيته المقاومة.

- الاتفاق على اعتماد النظام الانتخابي النسبي الكامل لإتاحة الفرصة لمشاركة كافة الفصائل وأطياف القوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية وضمان تمثيلها في التشريعات الفلسطينية وفقا لحجمها النسبي في المجتمع الفلسطيني، أو: اعتماد نظام انتخابي على مستوى الدوائر، والذي قد يتيح مشاركة قوائم المستقلين لضمان وصول شخصيات محلية مستقلة قد لا تكون لها فرصة لإقامة قوائم على مستوى الوطن، أو: اعتماد نظاماً انتخابياً نسبياً مختلطاً، بحيث يتم انتخاب نصف مقاعد المجلس التشريعي "برلمان الحكومة" عبر قوائم على مستوى الوطن، والنصف الثاني عبر قوائم على مستوى الدوائر.

- تكليف لجنة الانتخابات المركزية بالتحضير للانتخابات ووضع الخطط الكفيلة بمنح المصداقية للعملية الانتخابية وتعزيز نزاهتها وشفافيتها من خلال وجود هيئات رقابة دولية تحظى بثقة الاطراف الفلسطينية، سواء أكانت من الهيئات التابعة للأمم المتحدة أو منظمات إقليمية ودولية.

ما احوجنا إلى بلورة استراتيجية وطنية متماسكة وعلى أعلى المستويات للبحث في كيفية مشاركة الجميع وبدون استثناء في هذه الانتخابات،وتوفير ضمانات فعلية لإنجازهذا الاستحقاق الوطني بشقيه الإداري والسياسي، وميدان الاتفاق على هذا من خلال حوار وطني عام وشامل،الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله أن نصل إلى تفاهمات تمكننا من اجراء الانتخابات بمسؤولية وطنية عالية، وغير ذلك، ستقودنا الانتخابات بدون تفاهماتها وأدوات نجاحها الى كارثة وطنية يصعب التنبؤ بنتائجها.

ان نجاح انجازهذا الاستحقاق الوطني منوط في الإرادة السياسية الفلسطينية الخالصة، ولا يحتاج الى مكياج الاجندات الخارجية والتكتيكات الاستعراضية الفصائلية.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

 

علي المؤمنالشيعة والكرد والسنة شركاء في الوطن والنظام السياسي والحكومة، ولا يتشكل البرلمان والحكومة ومجلس القضاء إلا بتشاركهم، ولا يتم تشريع قانون إلا بموافقتهم جميعاً، ولا يتم تخصيص موازنة إلا برضاهم معاَ.

هذا هو مقتضى الديمقراطية التوافقية، أحببناها أو كرهناها.

تبلغ النسبة التقريبية للمكونات العراقية في مناصب الدولة، من مدير عام وحتى رئيس الجمهورية على النحو التالي:

-        ٥٠ % للشيعة

-        ٢٥ % للسنة العرب

-        ٢٠ % للسنة الكرد

-        5  % للأقليات.

وتبعاَ لذلك فإن نسبة الفساد والفشل في الدولة تتوزع على الأحزاب الشيعية والسنية والكردية كل حسب نسبته في الدولة، فتتحمل الأحزاب الشيعية ٥٠ %  و السنية ٢٥%  و الكردية ٢٠%  من نسبة الفساد والفشل في الدولة.

وتبعاَ لذلك أيضاَ، فإن أية عملية جماهيرية للتغيير، والقضاء على الفساد والفشل، ومحاكمة حيتان السرقات، و إقامة نظام سياسي عادل، وحكومة شريفة قوية أمينة كفوءة؛ ينبغي أن تشارك فيها المكونات الثلاثة.

وإن أي تغيير في النظام السياسي وفي الدستور وفي قانون الأحزاب وفي قانون الإنتخابات وفي قانون النفط والغاز وفي قانون الموازنة، وفي نسب المحاصصة المكوناتية، لايتم إلا بموافقة كتل المكونات الثلاثة معاً.

فلا يمكن - مثلاَ- أن يكون الوزراء والنواب والقضاة والوكلاء والمدراء الشيعة أقوياء وأمناء وأكفاء وشرفاء ومستقلون، بينما المسؤولون السنة والكرد ضعفاء فاسدون عملاء حزبيون. والعكس صحيح.

لنأتِ الى الجانب العملي، بعيداَ عن الشعارات والانفعالات والإتهامات المعلبة، و عن ضوضاء وسائل التواصل الإجتماعي.

أمامنا السلوك الجمعي للتظاهرات الحالية ومطاليبها، وأغلبها واقعية ومحقة، لكنها غير جامعة، أي أنها عملياَ تقتصر على التغيير في إطار مكون واحد، وتستهدف عملياَ أحزاب مكون واحد، و تعمل على تطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين المنتمين الى مكون واحد.

والحال، أن هذا الهدف الأحادي لن يحقق بتاتاَ أي تغيير في واقع الدولة ومؤسساتها؛ لأن المسؤولين الشيعة يسيطرون فقط على نصف مفاصل الدولة.فلو تم استبدال جميع المسؤولين الشيعة الفاسدين الفاشلين بآخرين نزيهين أكفاء، فهذا يعني أن النصف الجيد الجديد سيتشارك مع النصف السيء القديم في إدارة مؤسسة واحدة. علماً أن النصف الكردي السني لا يستطيع رئيس الوزراء الشيعي أو الاحزاب الشيعية استبداله، بل تستبدله أحزابهم الكردية والسنية فقط، لأن هذه النصف من المناصب حصة أحزاب السنة والكرد حصراً، وهي التي ترشح من يشغلها، ولايمكن للشيعة وضع من يرونه مناسباً فيها.

صحيح أن التظاهرات المطلبية السلمية ترفع شعارات وطنية وتنادي بالتغيير على مستوى الدولة برمتها، وليس لها أهدافاَ طائفية. وهذه حقيقة لا غبار عليها. لكن شئنا أم أبينا فإن هذه التظاهرات تحصل داخل المكون الشيعي، وضد الأحزاب الشيعية حصراً، وليس لها دالة أو سلطة أو تأثير على الشريكين السني والكردي.

فلتفترض أن التظاهرات المطلبية الحالية لأهل الوسط والجنوب، ستقضي على الفاسدين من الأحزاب الشيعية، وتمهد لتشكيل حكومة جديدة من الأكفاء النزيهين غير الحزبيين وغير المنتمين للكتل السياسية، فهل هذا ممكن في ظل اشتراك الفاسدين أنفسهم من الأحزاب الكردية والسنية في الحكومة الجديدة؟

ذلك أن المجتمع السني والمجتمع الكردي الشريكين في الوطن، لم يتحركا جماهيرياَ ضد أحزابهم وسياسييهم، ولم يطالبا بتغييرهم، ما يعني قناعة الشركاء الكرد والسنة ببقاء سياسييهم أنفسهم في الدولة والحكومة العراقية القادمة.

بل أن إعلام الشركاء يحرض، بأساليب ذكية حرفية غير مباشرة، على ( الثورة) في بغداد والمحافظات التسعة، وعلى محاكمة السياسيين الشيعة والقضاء على الأحزاب الشيعية والحشد وفصائله، دون أن يتطرق مطلقاَ الى ضرورة الحراك والتغيير والثورة في المحافظات الستة الكردية والسنية. وهو خطاب وسلوك طائفي عنصري، لا يلتقي بالأهداف الوطنية للتظاهرات، لكنه يؤثر فيها.

إن إشكالية الحراك الوطني الشيعي الحالي، تكمن في كونه حراكاً منفرداً، و يهدف الى التغيير والبناء الجديد للدولة والحكومة بمفرده، ويستهدف عملياً الأحزاب الشيعية والسياسيين الشيعة والفساد في المكون الشيعي حصراً، إذ لا يمكن لهذا الحراك منع الأحزاب الكردية والسنية الحالية برموزها وسياسييها ومرشحيها أنفسهم، من المشاركة في النظام والحكومة الجديدة القادمة، وهم يحتلون 50% من مناصب الدولة العراقية، من مدير عام وحتى رئيس الجمهورية.

ولنكن واقعيين أكثر ..

إذا استطاعت التظاهرات الحالية في محافظات الوسط والجنوب، تشكيل حكومة جديدة، وإبعاد الأحزاب الشيعية المشارِكة في الحكم: "الدعوة" و"المجلس الأعلى" و"التيار الصدري" و"الحكمة" و"بدر" و فصائل المقاومة والحشد، إلّا أن قيادة التظاهرات ستكون مجبرة حتماً إلى إشراك الأحزاب الكردية والسنية نفسها: الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغييرالكردية والحزب الإسلامي و حزب النجيفي وحزب علاوي وحزب الكربولي وحزب أحمد الجبوري وحزب الحلبوسي وحزب المطلق وحزب خميس الخنجر.

كما ستُجبر قيادة التظاهرات أيضاً على أن يكون رئيس الجمهورية عضواَ في أحد الحزبين الكرديين الرئيسين، و أن يكون رئيس البرلمان عضواَ في أحد الأحزاب السنية الرئيسة.

وسبب هذا الإجبار هو أن الدولة لن تقوم، والنظام لن يأتلف، والحكومة لن تتشكل ألّا بوجود الأحزاب الكردية والسنية الحالية نفسها، بقياداتها ومسؤوليها ومرشحيها أنفسهم. ومن يقول ذلك، فعليه أن يعي جيداً حقيقة الخارطة السياسية العراقية وحقيقة الشراكة الوطنية من جهة، وموقع هذه الاحزاب (الكردية والسنية) في الواقع السياسي الإجتماعي للمكونين الكردي والسني، على اعتبار أن هذه الاحزاب هي ـ حتى الآن ـ خيارات جماهير الكرد والسنة، وهذا حقهم الديمقراطي، ولا سلطة لأبناء محافظات الوسط والجنوب على جماهير محافظات الغربية ومحافظات الشمال؛ لكي يفرضوا عليهم نائباَ أو وزيراَ أو مديراَ كردياً أو سنياً في المؤسسات الإتحادية.

وقبول قيادة التظاهرات الحالية بخيارات الأحزاب الكردية والسنية نفسها في التشكيلة الحكومية القادمة، وفي مؤسسات الدولة، يعني أن هدف التظاهرات ليس شاملاَ جامعاَ لكل الوطن، بل هدفه القضاء على الأحزاب الشيعية فقط، وليس كل الأحزاب العراقية، وأن المطلوب هو رأس السياسيين الشيعة وأحزابهم وفصائلهم فقط. أما السياسيين السنة والكرد فلا مشكلة في بقائهم.. كما هم، وكأنّ الاحزاب الكردية والسنية ليس شريكاّ أساسياً في النظام السياسي والحكومة منذ 2003 وحتى الآن، بنسبة 45 % للكرد والسنة، و50 % للشيعة، وكأنّها لا تتحمل بنفس النسبة مسؤولية الفساد والفشل في الدولة والحكومة.

أما إذا كانت قيادة التظاهرات تستهدف كل الفاسدين والفاشلين في كل الأحزاب العراقية، وإصلاح كل النظام السياسي ومؤسساته، فما هي الآلية والإجراءات التي استخدمتها منذ اليوم الأول للتظاهرات، وستستخدمها في المستقبل حيال الإصلاح على صعيد الأحزاب الكردية والسنية المشاركة في الحكم؟ وكذا الحلفاء الخارجيين الداعمين لها، كأمريكا والسعودية وقطر والأردن وتركيا؟

فالأليات التي طبّقتها قيادة التظاهرات ضد الأحزاب الشيعية وممثليها في الحكومة واضحة ومكررة، كالشعارات واللافتات والبيانات التي تذكر أسماء هذه الأحزاب ومممثليهم، والمطالبة بحلها، ومحاسبة قادتها ومسؤوليها، والإعتراض على علاقاتها مع الحليف الخارجي (إيران)، وشتم هذا الحليف، وحرق ومهاجمة المكاتب والمؤسسات التابعة لهذه الاحزاب، وغيرها من الإجراءات المعروفة.

بل، الأكثر من ذلك، أن قيادة التظاهرات ستفشل قطعاً في إقناع الأحزاب الكردية والسنية بالتعديلات الدستورية و بإصلاح النظم والقوانين والتشريعات التي يجب تمريرها وتطبيقها، كمقدمة للتغيير، لأن للمكونين الكردي والسني مطاليبهما الخاصة واستحقاقاتهما المناطقية والقومية والطائفية. وبمراجعة سريعة لتصريحات السيد مسعود بارزاني ونيجرفان بارزاني وقادة الإتحاد الوطني الكردستاني والسيد أسامة النجيفي وقادة الحزب الإسلامي وغيرهم، سنفهم بسهولة، أن الاحزاب الكردية والسنية تعتبر أن التظاهرات الحالية هي مشكلة شيعية ـ شيعية لا شأن لهم بها، وأن ما يعنيهم فقط هو الحفاظ على مصالح أحزابهم وحصصهم في السلطة والثروة.

وبالتالي، لا إمكانية مطلقاَ في الإصلاح والتغيير في العراق، دون الإصلاح والتغيير في إطار الاحزاب السنية والكردية الأساسية الشريكة، و إلا ستبقى الأوضاع كما هي، حتى وإن جئنا بمسؤولين شيعة من جنس الملائكة. وحينها لن تمثل الحكومة القادمة إرادة الحراك الحالي، ولن تكون هذه الحكومة حكومة وطنيين مستقلين أكفاء.

وعليه، ينبغي أن تشمل المطالبات الشعبية كل الطبقة السياسية من كل ألوان الطيف العراقي، بصورة عملية، وليس بالشعارت فقط، ، بعيداَ عن التمييز الطائفي والقومي، لأن الجميع أبناء هذا الوطن، ويتحملون مسؤولية متكافئة تجاهه.

 

د. علي المؤمن

 

محمد مسلم الحسينيينفصم العقد حينما يتقطع وينحل وتنفصم شخصيّة الإنسان حينما يتشوش عقله ويفقد توازنه وتواصله بواقعه حيث يدخل حالة الوهم، وتنفصم المجتمعات حينما تنقسم على نفسها وتسقط في ضالة الإستقطاب والتمحور على أطراف الخير أوالشر والصح أوالخطأ. يحصل الإنفصام بشكل عام تحت تأثير حوافز ومسببات داخليه وخارجيه تتباين في شدتها وميكانيكية تأثيراتها. أهم أسباب إنفصام المجتمع وتحلله وتمحوره وإضطرابه هو إنحراف قادته وأولياء الأمر فيه.

منذ تولى الرئيس الأمريكي " دونالد ترامب" زمام الحكم والمسؤوليه في الساحة السياسيه الأمريكيّه، بل ومنذ حملته الإنتخابيه التي سبقت ذلك، أظهر هذا الرجل، ومن خلال خطاباته المثيره للجدل وشعارات المغالاة والتعصب التي أطلقها، طبيعة سياساته وإراداته وأفكاره التي بنيت على أسس العنجهيه السياسيه والعنصريه والأنانيه المرضيّه وجنون العظمه وقلب الحقائق ونقض المواثيق والأعراف. هذه السيره ورغم إستقطابها للكثير من الشرائح الأمريكيّه غير أنها حفزت حالة الرفض والإستنكار والتذمر عند الغالبيه. المبالغه في جوهر التصرف الذي إنتهجه "ترامب" شجع على خلق حاله من الإستقطاب والتمحور في آراء الأمريكيين مما خلق هوّه تتسع يوما بعد يوم بين أنصار الحزبين الرئيسيين في أمريكا وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. هذا التمحور إتسم ببث حالة عدم الثقه بين الحزبين ونشر بذور الكراهيه والحقد!

خلال دراسه بحثيّه قام بها حديثا المركز غير الحزبي للإستطلاع الإنتخابي الأمريكي المسمّى بمركز " بيو" للدراسات والأبحاث، أظهرت نتائجه المستقاة من آراء (9895) ناخب أمريكي بأن أكثر من نصف الجمهوريين يعتقدون بأن الديمقراطيين عديمو الأخلاق وأقل من نصف الديمقراطيين بقليل يعتقدون بأن الجمهوريين عديمو الأخلاق! بينما يعتقد أكثر من 60 بالمئه من الجمهوريين بأن الديمقراطيين غير وطنيين، في حين يرى ثلاثة أرباع الديمقراطيين بأن الجمهوريين متعصبون ومنغلقون على أنفسهم. كما بينت هذه الدراسه بأن غالبية الأمريكيين يشعرون بأن الفوارق بين الحزبين صارت واسعه وكبيره الى الحد الذي جعل أكثر من 80 بالمئه من الأمريكيين يشعرون بأن الأمر أصبح مدعاة للقلق وأن الخلافات صارت شعارت تفرقه ناريه قد تخرج عن نطاق السيطره بين الحزبين! هذا القلق لا يدعو لتخفيف التوتر بين الطرفين بل أن كل طرف ينظر بعين الغضب والإشمئزاز لسلبيات الطرف الآخر وإن كان الديمقراطيون أقل تعصبّا في هذه النظره من الجمهوريين.

قبل مجيء "ترامب" للحكم لم يكن التمحور بهذه الصوره ولم يكن الإشمئزاز والتذمر بين الحزبين قد وصل الى حالة الكره العميق والإتهام بخرق الوطنيه، إنما يلتزم كل حزب بآرائه ورؤاه دون أن يطعن برؤى وسيرة الحزب الآخرأويتهمه بالضلالة والخيانه. الديمقراطيون إعتمدوا على ركيزة التنوع العرقي وعدم الإكتراث بالتقاليد الدينيه والأعراف الجنسيه التقليديه وإنتهجوا سياسة التساهل مع المهاجرين وحازوا على إستقطاب الناخبين من سكان المناطق الحضريه والساحليه في أمريكا. بينما كان توجه الجمهوريين على عكس ذلك، فهم من العرق الريفي الأبيض المحافظ الذي يخشى هجرة الأجانب ويخاف النخب الحضريه. وهكذا ورغم إختلافات الرؤى بين الحزبين فأن ثلثي الأمريكيين لا يرون وجود لفوارق حقيقيه واسعه بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في العقود السابقه على عكس حال هذا اليوم.

أهم الأسباب التي حركت روح الإنفصام في المجتمع الأمريكي هي سياسات ترامب المتطرفه والغريبه في شؤون عديده وأهمها: النهج الدكتاتوري المتمثل بسياسات التمسك بالسلطه وخرق الدستور والقوانين والأعراف ومحاولة سحق الرأي الآخر. أشارت أفعال "ترامب" ومنذ تسلمه الحكم، الى تحوّل خطير في السياسه الأمريكيه المعتمده وذلك حينما عادى وتجاهل أسس الدوله العميقه المتمثله بالسلطه القضائيه ومراكز الأمن كالـ ( أف بي آي) و (سي آي أيه) وقادة الجيش والإعلام وغيرها.  تخليه عن الحلفاء والأصدقاء الكلاسيكيين من الأوربيين وغيرهم وتقربه ممن كانوا يعتبرون أعداءا تأريخيين لأمريكا أمثال روسيا ورئيسها "فلاديمير بوتين"  وكوريا الشماليه ورئيسها "كم جونغ أون". سياساته في البحث عن مصادر التسقيط لغرمائه السياسيين الأساسيين وخصوصا تلك التي بحث ويبحث عنها في دول خارجيّه كروسيا وأوكرانيا والتي تعتبر سابقه ليس لها مثيل من قبل!. ميوله العنصريه وتصريحاته بين الحين والحين بهذا الشأن وأفعاله اللاإنسانيه ضد المهاجرين. محاولاته المحمومه في إلغاء قوانين شرعت من قبل في الرعايه الصحيّه وسبل معالجة متطلبات المناخ. سياساته المخالفه لتطلعات العالم في التجاره الحره من جهة وإخلاله بالمعاهدات العالميه والمواثيق الدوليه من جهة أخرى. كل هذه الأمور وغيرها لم تغضب الشريحه الكبرى من المجتمع الأمريكي وحده فحسب إنما أغضبت الحلفاء والأصدقاء في الخارج قبل الأعداء والمنافسين. رغم كل هذه السياسات غير المألوفه والأخطاء الستراتيجيه والفضائح التي إرتكبها ويرتكبها دونالد ترامب، بقيت قاعدته الصلبه في المجتمع الأمريكي والمتمثله بالبيض المحافظين والمسيحيين الأنجيليين متماسكه ومخلصه له! وهذا ما حفز حالة الإستقطاب والتمحور والإنفصام في كيان الهرم الأمريكي.

في بدايات أيام حكم "ترامب" حذر السناتور الجمهوري الأمريكي الراحل "جون ماكين" من خلال وصيّته التي كتبها للأمريكيين قبل وفاته، قال فيها بأنّ : " على الأمريكيين ألآ يتخندقوا خلف الأسوار ولا يستسلموا للقبليه السياسيّه"، حيث كان القصد مفهوما من وصيّته التي يعني فيها مخاطر الإنزلاق صوب الإنقسام بسبب السياسات المتطرفه التي إنتهجها "ترامب" منذ بداية عهده. وهكذا فقد حصل ما كان يخشاه، حيث إتجه الجمهوريون صوب اليمين المتطرف وأغمضوا أعينهم وسدوّا آذانهم عن مقالب "ترامب" وخطاياه وبقوا يناصروه ظالما ومظلوما. هذا الموقف العنيد من الجمهوريين  دفع بعض الديمقراطيين،  وكردة فعل معاكسه، صوب أقصى اليسار!. هذا الإستقطاب والتمحور الواضح  بين الحزبين بدأ يقوّض مبدأ ومنهج الحزبين المتبع عبر مسيرة التأريخ الأمريكي وقوّض أسس وحدة الشعب المألوفه وخلق إنشقاقا مجتمعيّا يتزايد حجمه مع الزمن!

أهم علامات الإنفصام في المجتمع الأمريكي المتماسك هو إنقسام الرأي بصلاحيّة "دونالد ترامب" في حكم البلاد، حيث لم يستطع بعد فوزه بزمام الحكم أن يوحد شعبه خلفه فبقى رئيسا لمناصريه دون الآخرين! فوزه في إنتخابات عام 2016م كان مفاجأة للجميع حيث أن السواد الأعظم من إستقراءات الرأي كانت تشير الى فوز غريمته بالإنتخابات "هيليري كلنتون"! . حينما تبينت تفاصيل التدخل الروسي في روح الإنتخابات، بدت خيبة الأمل عند الديمقراطيين واضحة جليّه حيث يرون بأن السلطه قد سحبت من تحت أقدامهم وأن الرئيس "ترامب" يعد رئيسا غير شرعيّا!. الملاحقات القضائيه التي أجراها  المحقق الخاص "روبرت مولر" وما تمخض عنها، إضافة الى قضايا التحقيق الأخرى التي لاحقت وتلاحق "ترامب" في شؤون مخالفات دستوريه وقانونيه وسياسيه وأخلاقيه مستمره وخصوصا فضيحته الأخيره مع أوكرانيا في البحث عن خطايا لغريمه الديمقراطي الأبرز في إنتخابات عام 2020م "جون بايدن"، خلقت جوا متشنجا بين أنصار هذا الرئيس ومناهضيه وصلت حد التصادم. الدفاع المستميت لأنصار "ترامب" عنه والرفض القاطع لمناهضيه له بسبب تخطيه للحدود الحمراء في السياسه الأمريكيّه وتقاليدها، خلق جوا متشنجا بين الطرفين حد التحدي مما يوحي بأخطار لا يعرف مداها !

التطرف في أفكار المجتمع يصنعه في الغالب أو على الأقل يحفزه قادة ذلك المجتمع وأولياء أمره، وذلك بالضرب على أوتار حساسه تمس المشاعر والأحاسيس سواء كانت عنصريه الطابع أو عرقيه أو دينيه أو طائفيه أو إقتصاديه أوغيرها. إنقسام المجتمعات وتفككها ظاهره ليست جديده في التأريخ حيث لعب الساسه في داخل المجتمع كما لعبت جهات خارجيه سواء كانت قوى أو حركات أو دول أدوارا هامه في صنع حالة التفكك والإنقسام في المجتمعات.  لعبت أمريكا  دورا كبيرا في تمزيق الشعوب وتفكيكها من خلال تغذية وتحفيز وإثارة النعرات والتباينات الإجتماعيه والسياسيه في كثير من دول العالم خدمة لمصالحها وإراداتها السياسيّه والإقتصاديّه. أمريكا هي من تعاني اليوم من هاجس الإنقسام والإنفصام بسبب قائد متعصب متطرف ساعدته تدخلات أطراف خارجيه للوصول الى سدة الحكم، فهل يدور التأريخ حول نفسه! أم أن السحر قد ينقلب على الساحر؟ وهل مدنيّة أمريكا وعظمتها في طريق الإنهيار أم أن حكماء السيّاسه الأمريكيّه سيتصدون ويصححون المسار في نهاية المطاف!؟ هذا ما سنشهده في قابل الأيام ......!

 

د. محمد مسلم الحسيني - بروكسل

 

مادونا عسكركلّنا فاسدون ونستحقّ المحاسبة والمحاكمة من قمّة الهرم إلى أسفله، من الطّفل الّذي لم يولد بعد، لكنّه يحمل جينات الفساد، إلى الشّاب المفعم بالحياة المنطلق نحو الحرّيّة دون وعي، إلى الشّيخ المضمّخ بذاكرة الحروب  والانقسامات وتخلّف عن غرز الوعي والاختبار، إلى رجل الدّين السّاكت عن الحقيقة الّذي يجنّد النّاس لتحقيق مآربه وتنفيث حقده، إلى المعلّم الّذي لا يؤدّي واجبه كمعلّم ومربٍّ ويستهتر بجيل كامل ثمّ يطالب بحقوقه، إلى الموظّف الإداري الّذي يقبل الرّشوة ويحتقر المواطن وينتهك كرامته من أجل عمليّة إداريّة بسيطة، إلى العامل البسيط والآخر المتخصّص، إلى الشّرطيّ المرتشي، إلى الّذين يدّعون الثّقافة وينشرون الغباء والتّفاهة والسّطحيّة، إلى الإعلام مقتنص الفرص الّذي يصحو فجأة على حرّيّة التّعبير بقدر ما يناسبه الواقع، إلى النّاخب المرتشي بحجة الجوع والفقر، إلى النّاخب الطّامح بالحصول على جنسيّة، إلى عبّاد الزّعماء المنجرّين كالغنم في قضيّة واهمة، إلى مدّعي كسر الحواجز الطّائفيّة المتربّصة بدمهم، إلى الغارقين حدّ الموت بالجهل والجلوس في المقاهي ينظّرون ويتبجّحون كلّما التقطوا جملة من هنا وهناك، إلى مدّعي الإيمان الّذين يكذبون على أنفسهم، إلى المتملّقين الّذين يحدّثوننا عن حرّيّة الرّأي والتّعبير، إلى المتحايلين على القانون وهم ذاتهم يطالبون بالقوانين، إلى المسؤولين المسعورين الّذين لم يهبطوا من الفضاء، بل أولئك الخارجون من النّاس إلى النّاس، إلى شعب صحا فجأة على المطالبة بالحقّ والحرّيّة والتّغيير وأرادها في الشّارع.

الشّارع وسيلة، وعندما يصبح غاية حوّل المجتمع بأكمله إلى فوضى مدمّرة يستفيد منها كلّ فاسد. الشّارع العنيد الّذي بنفسه أوقد المهرجانات الانتخابيّة وناضل من أجل أن يبقي زعيمه لأنّه يحقّق له مصالحه. الشّارع الّذي هو حقّ للجميع بحكم "حرّيّة التّعبير"، ويسمح لأيّ كان أن يستغل الظّروف ويحقّق شرّه، ويستعيد أمجاد الحربّ ويقف عند تقاطع الطّرقات ليمارس بشاعة قديمة دفينة في نفسه. الشّارع وسيلة لا أكثر، وعندما يصبح مترعاً بالنّاس بحجّة استرداد الوطن يمسي مغارة يأوي إليها اللّصوص. وغالب الظّنّ أنّ اللّصوص بيننا في ساحات الفوضى.

ثمّة خيط رفيع بين المطالبة بالحقّ ومصادرة حقّ الآخر، وخيط رفيع بين المطالبة بالحقّ والاتّجاه نحو الفوضى، بين أن تتظاهر وتحتجّ وتصادر الرّأي الآخر وتنتهك كرامته، بين الصّراخ والتّعبير عن الذّات. لا يمكن لشعب غارق في الجهل السّياسي أن يستفيق فجأة على الوعي به.  ولا تستفيق الحكمة في مدّة زمنيّة قصيرة. فالحكمة مسيرة وعي طويلة يبنيها كلّ أفراد المجتمع. 

الحقيقة في التّفاصيل الّتي لا نراها أو لا نريد أن نراها، في الطّيش المستشري وعدم الدّقة وملاحظة ما يتسرّب خلسةً. الصّورة جميلة ومبهرة  لكنّها لا تدلّ على التّحضّر؛ لأنّ التّحضّر يكمن  في الوعي والشّعوب لا ترتقي إلّا بالوعي وبمقوّمات الجمال. والوعي هو غير النّهوض من النّوم؛ إنّه البناء المتمدّد بأساساته الصّلبة في عمق الأرض والمرتفع المحلّق بقوّة العقل وضبط النّفس. التّسامح المفرط جميل، لكنّه تسامح يترادف ومبدأ غضّ النّظر إلى حين.

 أن تكون مثقّفاً لا يعني أنّك تختزن المعلومات وتعيد إنتاجها وتعبّر عنها في الإعلام. أن تكون مثقّفاً يعني أن تعي ما تقول أوّلاً، وتحدّد مقدّمات لنتائج وتسعى لتحقيق الأهداف بالفعل لا بالقول والصّراخ في الشّوارع. أن تخطّط بصمت، وتركّز على ما يدور حولك وتتعمّق في التّحليل لا أن تجترّ ما يقوله فلان وعلّان. 

أن تكون مواطناً حقيقيّاً يعني ألّا تدوس على أخيك المواطن وتنتهك كرامته لأنّك "ثائر". أن تدرك أنّ الوطن ليس مجموعة شعارات وهتافات، وإنّما عمل دؤوب وجدّ واجتهاد وبناء للفكر، لتحارب بالفكر لا بالغريزة. أن تفهم أنّ الوطن ليس مقهىً تثرثر فيه تحت غطاء النّدوات والاجتماعات المعزّزة للوعي. لماذا لم تُقَم هذه النّدوات في الجامعات والمدارس لدرء خطر الجهل والنّفاق والظّلاميّة؟ لماذا لم يُبنَ الوعي لعقود طويلة لبناء مجتمع أفضل لا يوصل أشباه مسؤولين؟ أين كان الواعون المثقّفون الوطنيّون؟ ونتساءل: ما الّذي أيقظ هذا الشّارع؟ ومن يحقّ له أن يتظاهر ويحتجّ ويعترض؟ وما هي نسبة المطالبين الصّادقين؟

كلّنا فاسدون؛ أمام الضّمير الحيّ الّذي يتهجّى الوضوح والحقيقة. أمام العقل المدمّر الّتي تظهره الحقيقة الكامنة في التّفاصيل. أمام الكبت المتفجّر والتّخوين الّذي يهدّد العقلاء. أمام الوقت الضّائع هباءً الّذي سينتج جيلاً عقيماً، لأنّ الثّورة أوّلاً وأخيراً ثورة العقل والفكر، والتّغيير تقوم به النّخبة لا العوام. وعلى مرّ التّاريخ نشهد للتّغيير على أيدي الأفراد العاقلة النّقيّة الّتي حدّدت أهدافها وحقّقتها بجهد وجدّ.

كلّنا فاسدون ونستحقّ المحاكمة؛ فمن يجرؤ على محاسبة نفسه والوقوف أمام ضميره وأمام نفسه ويتبيّن أنّ الوضع الرّاهن يحتاج للعقل، وللعقل فقط، لا للعواطف الجيّاشة والحماس العنيد والصّراخ الّذي يصمّ الآذان ولا يسمح للعقل أن يتصرّف؟

من أراد التّغيير فليبدأ بنفسه أوّلاً.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

عبد الحسين شعبانأسفرت مباحثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان في سوتشي عن اتفاق من 10 نقاط أهمها تسيير دوريات مشتركة على تخوم " المنطقة الآمنة" للحدود السورية التركية كما نصّ الاتفاق على بدء تسيير دوريات للشرطة العسكرية الروسية والقوات السورية النظامية على الجانب السوري من الحدود، على أن تكون مهمتها الأساسية سحب القوات الكردية والأسلحة من المنطقة المحاذية للعمليات التركية " نبع السلام"، لتبدأ بعدها موسكو وانقرة المحافظة على الوضع في المنطقة الحدودية .

وبموجب الاتفاق يلتزم الجانبان "وحدة سوريا وسيادتها" مع "تلبية متطلبات الأمن الوطني التركي"، وذلك بالتأكيد على "اتفاق أضنة" وأن تكون موسكو الضامن الأساسي لتطبيقه، مع التأكيد على أن الهدف الأساسي يتمثّل في "إخلاء سوريا من الوجود العسكري الأجنبي". واستمرت المباحثات التي كان مقرراً لها نحو ساعتين ، لستة ساعات، الأمر الذي يعكس صعوبة التوصل إلى اتفاق، فضلاً عن الملفات المعقدة والصعبة التي تم بحثها، وهي تتلخص في 3 ملفات أساسية:

أولها- الموقف من إنشاء المنطقة الآمنة.

وثانيها- مساعي موسكو لفتح قناة حوار مباشرة بين أنقرة ودمشق.

وثالثها – الموقف من إبقاء الولايات المتحدة جزءًا من قواتها في مناطق شرق الفرات السورية لحماية المنشآت النفطية.

ووصف الرئيسان بوتين وإردوغان الاتفاق في مؤتمر صحفي مشترك عقب توقيعهما بأنه "اتفاق مصيري" ومهم للغاية، وذلك بعد أن تم تلاوته بالروسية والتركية من قبل وزيري خارجية البلدين. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن موسكو سوف تحتاج إلى معدات قتالية وتقنيات عسكرية لتنفيذ الاتفاق، وذلك في إشارة إلى احتمال إقلاع موسكو عن توجهها السابق القاضي بتقليص وجودها العسكري في سوريا، أما وزير الدفاع الروسي شويغو فقال أن أمام الولايات المتحدة ساعات محدودة للوفاء بالتزاماتها للانسحاب من سوريا.

وتحاول موسكو "إملاء الفراغ" بعد انسحاب واشنطن، في رسائل مزدوجة، أولها – التحذير من الفراغ الذي قد يستغله الإرهابيون، وثانيها- توفير شروط مطلوبة للأمن والسلام على الحدود ومنع الإرهابيين الاستفادة من التطورات الجديدة.

وثالثها – تطمينية للأكراد بالتأكيد على أهمية تعزيز الحوار بين دمشق وبينهم لأنهم جزء من الدولة السورية والنسيج الوطني السوري ويجب أن تراعى حقوقهم ومصالحهم، ورابعها- بخصوص استمرار عمل " اللجنة الدستورية" التي يفترض أن تعقد اجتماعاتها في جنيف.

أما إردوغان فكانت رسائله هي أن بلاده  ملتزمة بمبدأ وحدة وسلامة الأراضي السورية، وذلك بتأكيده "وليس لدينا أي أطماع في أراضي الغير" وإن الهدف هو "دحر الإرهابيين" و"إعادة اللاجئين السوريين" وأنه خطط لإعادة نحو مليون لاجئ سوري إلى "المنطقة الآمنة".

وتزامن إعلان "اتفاق سوتشي" اقتراح وزيرة الدفاع الألمانية أنغريت كرامب كارنباور لإنشاء منطقة آمنة في سوريا برعاية دولية لحماية المدنيين وضمان استمرار التصدي لتنظيم "داعش" الإرهابي، وقالت أنها اتفقت مع المستشارة أنجيلا ميركل على عرض الاتفاق على دول حلف شمالي الأطلسي خلال اجتماعه في بروكسل.

ويتضمن الاقتراح الألماني مشاركة فرنسا وبريطانيا، إضافة إلى تركيا وروسيا في " قوة دولية" للانتشار في شمالي سوريا، وهو الأمر الذي اعتبر إرباكاً لحلفاء حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الحاكم الذي تنتمي إليه وزيرة الدفاع، وبدا وزير الخارجية الألماني  هايكو ماس متفاجئاً لأنه اعتبر عملية نبع السلام التركية "غزواً" وإنها تتعارض مع قواعد القانون الدولي.

وحتى الآن  فمن الصعب التكهن بما ستؤول إليه العلاقات السورية – التركية وما إذا كان الحوار المباشر الذي يقترحه الروس سيفضي إلى النتائج المطلوبة، خصوصاً وإن العديد من القضايا العقدية ما تزال قائمة منها ما يتعلق بالمنطقة الآمنة ومنها ما يتعلق بمصير الأكراد وحقوقهم القومية السياسية والدستورية والموقف من حزب العمل الكردستاني PKK ومسألة الإشراف على المناطق النفطية بشمال سوريا، وكل ذلك يتطلب التزامات من الأطراف الأساسية، سواء أكانت روسيا أم تركيا أم الولايات المتحدة أم الاتحاد الأوروبي أم الكرد أم دمشق ، إضافة إلى الأمم المتحدة وقراراتها وكانت اتهامات سورية حكومية قد وجهت إلى إردوغان شخصياً بسرقة  المعامل والنفط والقمح وأنه اليوم يريد سرقة الأرض.

وقد رافق قمة بوتين – إردوغان إشارات اقتصادية مهمة، حيث تم الاتفاق على استخدام "الروبل" الروسي و"الليرة" التركية في التعامل الاقتصادي بين البلدين بدلاً من العملات الأجنبية، وخصوصاً الدولار، وتم بحث آلية مالية لتشبيك النظام المصرفي في البلدين ، كما اتفق البلدان على بناء محطة الطاقة النووية بمساعدة روسية واستمرار التعاون بشأن مشروع السيل التركي للغاز، وفي المجال العسكري استمرار التعاون بخصوص "صواريخ إس 400"، ويبقى الموضوع الأساسي هو الإرهاب والمقصود تركياً "حزب العمال الكردستاني" وسورياً وروسياً جميع المجاميع الإرهابية ، بما فيها داعش وجبهة النصرة " جبهة تحرير الشام" وأخواتها، وهو أمر مختلف عليه فيما يتعلق بإدلب ووجود الجماعات الإرهابية والمسلحة.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

كاظم الموسويتنتشر اخبار تحمل اخطارا جدية على الشعب والوطن العراقي دون أن تثير غضبا أو تمر هكذا بدون احترام لسيادة البلاد واستقلاله. وكأن هناك صمتا مريبا من كل الجهات والأطراف الحاكمة في العراق ومن القوى السياسية ايضا ومن الأطراف التي تمارس تلك الأخبار مستبيحة العراق دون أي اعتبار للقانون الدولي أو السلوك الإنساني أو العلاقات أو الاحترام المتبادل.

من هذه الأخبار، خبر يتعلق بتهريب مسلحي الدواعش المسجونين في الشمال السوري، مع ارسال قيادات منهم الى العراق، وخبر نقل الجنود الامريكان من سوريا إلى العراق، وخبر تصريح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن ستراتيجية حماية أمن الكيان واعطائه الضوء الأخضر للهجوم على اي بلاد او قوة تعتبرها ضد امنها، في صحيفة إسرائيلية.

كعادته تناقض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا باعلانه أن قواته قضت على تنظيم داعش الإرهابي، في قوله: «تم القضاء عليه مئة في المئة»، ولكنه كشف عن وجود مسلحي تنظيم داعش الأكثر خطورة، مع الذين يتواجدون في سجون قوات سوريا الديمقراطية “قسد” شرقي الفرات،  مؤكداً "إن بلاده نقلت عدداً من مسلحي التنظيم الأكثر خطورة إلى خارج سوريا، دون تحديد الوجهة". وأضاف "أن الولايات المتحدة انتصرت على تنظيم داعش، لذلك على أوروبا استعادة مواطنيها من أفراد التنظيم المحتجزين في سوريا". فكيف انتصرت ومازال التنظيم في السجن المهدد بتركه مفتوحا وممرات للهرب منه، هذا فضلا عن المرسلين أو الموضوعين في اليد، والمنقولين من مكان إلى آخر.

كانت صحيفة "واشنطن بوست"، قد ذكرت أن القوات الأمريكية تسلمت من الفصائل الكردية عشرات من أبرز المعتقلين "الدواعش"، بمن فيهم بريطانيان اثنان، لمنعهم من الهروب من السجون الواقعة شمالي سوريا. ونقلت الصحيفة عن مصادرها، إن "العسكريين الأمريكيين تسلموا نحو 40 معتقلا يعتقد أنهم من القيادات البارزة في داعش، وبينهم البريطانيان ألكسندر كوتي والشافعي الشيخ، وهما عضوان من مجموعة كانت تضم أربعة مسلحين أطلق عليها بيتلز نسبة إلى الفريق الغنائي البريطاني الشهير، بسبب لكنتهم البريطانية". وسبق أن احتجز الرجلان وتقرر تسليمهما للمحاكمة في الولايات المتحدة بتهمة تورطهما في عمليات قتل وتعذيب عشرات الرهائن الغربيين، بينهم أمريكيون، أمام عدسة الكاميرا.

منذ إحتلال العراق عام 2003  والمشروع الصهيو امريكي هو الهيمنة على المنطقة وتنفيذ اهداف الإمبريالية الأمريكية المعروفة. ومنذ إعادة القوات الأمريكية إلى العراق تحت مسميات مختلفة، منها التدريب، دون حساب الموقف الرسمي أو الشعبي العراقي. فحسب مصادر إعلامية، ليست بعيدة عن أصحاب الأخبار، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إعادة نشر قواتها العسكرية في العراق، "للسيطرة على الشريط الحدودي بين العراق وسوريا، لمنع تسلل المسلحين وفصائل الحشد الشعبي، ونقل الأسلحة الإيرانية إلى سوريا عبر الأراضي العراقية"(!). فمنذ اول إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 19  كانون الأول/ ديسمبر 2018، سحب قوات بلاده بشكل مفاجئ من سوريا، "وصلت وحدات من الجيش الأمريكي إلى الأراضي العراقية بعلم الحكومة العراقية، ليتجاوز عدد القوات الموجود بالبلاد 30 ألف جندي".(!) ويقول مصدر مطلع على شؤون الجيش الأمريكي في العراق لـ «عربي بوست»، إن «الآليات العسكرية للقوات الأمريكية وصلت إلى قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار غربي العراق، الواقعة بالقرب من الحدود السورية». وأضاف: «لقد تم نقلها عبر شركات تسمى الكمبول، من الكويت إلى الأنبار، عبر البصرة». وقال إن الشركات التي تعمل مع الجيش الأمريكي نقلت مدرعات وسيارات عسكرية ومدافع وأسلحة ثقيلة أخرى. و"لفت إلى أن عملية النقل تمت بعلم وموافقة الحكومة العراقية". وإعاد ترامب إعلانه مؤخرا وصرح وزير البنتاغون مارك اسبر إنه من المتوقع ذهاب ألف جندي سحبوا من سوريا إلى غرب العراق. وذكر الوزير الأمريكي بحسب وكالة "سبوتنك" (2019/10/20), أن القوات في غرب العراق ستركز على المساعدة في الدفاع عن العراق، وقتال تنظيم "داعش"، مؤكداً أن وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا متماسك بشكل عام. وتابع مارك إسبر، قائلا: إنه من المتوقع انتقال كل القوات التي تنسحب من شمال سوريا، والتي يبلغ عددها نحو ألف جندي إلى غرب العراق، لمواصلة الحملة ضد مقاتلي تنظيم داعش وللمساعدة في الدفاع عن العراق. وأوضح للصحفيين وهو في طريقه للشرق الأوسط: إن الانسحاب الأمريكي ماض على قدم وساق من شمال شرق سوريا.. إننا نتحدث عن أسابيع وليس أياما، والخطة الحالية هي إعادة تمركز تلك القوات في غرب العراق، قائلاً: "إن عددها يبلغ نحو ألف فرد". وكانت اخبار اليوم التالي تؤكد انتقال القوات ومعداتها إلى العراق.  (اعلن مصدر رسمي عراقي عدم قبول العراق بتواجد القوات الامريكية الجديدة، وهناك اخبار عن وصول قوات أخرى من منطقة الخليج إلى غرب العراق).

في اللقاء الذي اجرته صحيفة "جيروزاليم بوست"، الإسرائيلية مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو استعرضت واياه السياسة الامريكية في "الشرق الأوسط"، فأكد الوزير التزام بلاده وإدارة البيت الأبيض بأمن الكيان إلاسرائيلي. وقال الوزير الأمريكي في مستهل المقابلة: "لقد كان موقف إدارتنا واضحا للغاية بشأن هذه القضية. يحق لإسرائيل التحرك من أجل الحفاظ على أمن مواطنيها. هذا هو ما تقوم به الدولة القومية - إنه ليس حقها فحسب بل هو واجبها". (وهذا ضوء أخضر بلا رتوش أو مواربة!. وسبق منحه وتم قصف مواقع عسكرية والحشد الشعبي في العراق).

وحاول بومبيو في الوقت ذاته تبديد المخاوف من أن رحيل القوات الامريكية من شمال سوريا، سيسمح لإيران بنقل الأسلحة إلى سوريا ولبنان بسهولة أكبر. ورفض بومبيو الادعاء بأن الولايات المتحدة منحت فعليا إيران السيطرة على المعابر الحدودية العراقية السورية. وأكد بومبيو: "الرئيس ترامب ملتزم بمواصلة السياسة الأمريكية الرامية إلى محاربة داعش. نحن نعلم أن هذا مجال حاولت إيران من خلاله نقل الأسلحة إلى سوريا ولبنان، وأنها تهدد إسرائيل، وسنبذل كل ما في وسعنا للحد من هذه المحاولات والرد عليها".

ماذا بعد؟!، هل هناك أوضح من هذه الأخطار القادمة الى العراق أو التي وصلته؟!، ومتى التصدي لها ولماذا هذا الصمت عليها؟!. أنها أخطار جدية ولها تداعياتها ولابد من الحيطة والمواجهة قبل أن يقع الفاس بالرأس..

 

كاظم الموسوي

 

تركزت كل شعارات الحراك الشعبي في العراق ولبنان على تصفية مظاهر الطائفية السياسية ومحاصصاتها المدمرة وانتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة وانتقالها إلى الميليشيات الطائفية وغير الطائفية، إضافة إلى مطاليب تتعلق بالعدالة في التوزيع والنهب المنفلت والفساد العارم وغيرها من المطاليب الاصلاحية في الانتخابات وقوانينها. ولكن فات على هذا الحراك إلقاء الضوء على الظاهرة الجديدة التي تسللت إلى المشهد السياسي في البلدين وحتى في بلدان أخرى، ألا وهي ظاهرة "الدولة العميقة" التي لا تخضع ولا تدار من قبل القوانين السارية في البلدين، وهي التي "تشرع" الفساد والنهب وتشيع القمع والارهاب بعيداً عن أية رقابة أو مسائلة. هذه الدولة العميقة تدار من جهات اقليمية وخارجية ، وما على بيادقها في العراق ولبنان ودول أخرى إلاّ تحقيق مآرب أجندة هذه الجهات في بلداننا. ولعل أصدق تعبير وأكثر دليل على ظاهرة  الدولة العميقة هو ما صرح به علي خامنئي "مدير الدولة العميقة في ايران"، أخيراً في خطاب له أعطى الضوء الأخضر لـ "بيادقه" في العراق وايران بالتحرك لسفك دماء الشبيبة المطالبة بالاصلاح وانهاء حراكهم.

في خطابه ، اصدر خامنئي توجيهاته قائلاً : "أوصي الحريصين على العراق ولبنان أن يعالجوا أعمال الشغب وانعدام الأمن الذي تسببه في بلادهم أمريكا والكيان الصهيوني وبعض الدول الغربية بأموال بعض الدول الرجعية"!!!. ولا ندري ما هي صلاحيات المسؤول الأول في السلطة الايرانية عن إصدار مثل هذه التوجيهات لمواطني دول أخرى؟؟؟ وما أن صدرت هذه التعليمات حتى شن بلطجية أدوات الدولة العميقة في بيروت والعراق للقيام "بغزواتهم" ضد شبيبة الحراك الشعبي في البلدين وأحرقت خيمهم وقتلت قناصيهم العشرات من العراقيين المنتفضين. إن ممارسة هذه الدولة العميقة سبق وأن مارستها طغمة الدولة العميقة في ايران منذ الأيام الأولى التي اعقبت سقوط النظام الشاهنشاهي في ايران عام 1979. وقتها قامت أدوات الدولة العميقة من البلطجية باشهار اسلحتهم المتنوعة وهراواتهم وبدراجاتهم البخارية وتحت حراسة قوى الأمن الايرانية بالهجوم على مقرات جميع الأحزاب السياسية الايرانية التي شاركت في الثورة ، ناهيك عن الهجوم على المظاهرات التي كانت تنظمها هذه الأحزاب لطرح مطاليبها. ولكن منذ ذلك التاريخ وحتى الآن لم يهدأ الشارع الايراني من الحراك المشروع ولم تترد الدولة العميقة غير الخاضعة لأية مجوزات قانونية في استباحة هذا الحراك المشروع الذي يكفله الدستور الايراني وقمع أية مسعى شعبي، وحتى لقوى من داخل المؤسسة الحاكمة" للاصلاح وارساء دعائم دولة القانون.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، قامت أدوات الدولة العميقة تدريجياً وضمن خطة مبرمجة بتأسيس وأرساء دعائم قواتها المسلحة الضاربة والقمعية وراحت في الأيام الأولى للثورة بالسطو على مخازن الأسلحة وبعض المرافق الاقتصادية، لتتجه لاحقاً صوب تشكيل فصائل مسلحة بأسم حزب الله، مستغلة الدين والمذهب، لتتحول إلى وحدات مسلحة تارة باسم "الحرس الثوري" وتارة باسم "التعبئة"(البسيج) مستغلين ظروف الحرب التي أعلنها صدام حسين ضد الشعب الايراني. وما أن انتهت الحرب حتى خرجت عن مهمة صد العدوان الخارجي وتحولت هذه المؤسسات إلى قوى قمعية ومالية ضخمة بيد الدولة العميقة تتحكم برقاب الناس وشؤونهم ووزعت أدواتها على كل مرافق الدولة المدنية والعسكرية، وخاصة في اقتصاد البلاد عامة من الصناعة النفطية والى الطرق وغيرها من المؤسسات والصناعات الستراتيجية في ايران، مستفيدة من الاقتصاد الريعي الذي شق طريقه بقوة في المجتمع بعد الثورة الايرانية. وقامت الدولة العميقة بتهميش الجيش الرسمي والشرطة الايرانية لتتحول جميع مقدرات البلاد الأمنية وحتى القضائية والمحاكم بيد "الحرس الثوري والبسيج". ولم يعد للمؤسسة المنتخبة من قبل الشعب، كرئيس الجمهورية حسن روحاني ولا مجلس الشورى الايراني أية قيمة وتأثير في إدارة الدولة.

وقد استهوت هذه الممارسة الايرانية التيارات الدينية المتطرفة التي أخذت تتسلم الدعم والعون من أقرانهم في أيران. وعلى هذا المنوال تشكل حزب الله في لبنان وفي دول أخرى. وقد استغل حزب الله الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة ضد الشعب اللبناني ليعلن نفسه المدافع "الوحيد" عن هذا الشعب، وراح في البداية يشن الحرب ضد كل تيار لبناني يعلن مقاومته للاعتداءات الاسرائيلية ( الحزب الشيوعي اللبناني وحركة أمل وبعض الفصائل الفلسطينية) كي يستحوذ هو ويحتكر هو ولا غيره "شرف" المساهمة في التصدي للعدوان الاسرائيلي بهدف تحقيق نفس الممارسة الايرانية وتشكيل الدولة العميقة التي سرعان ما رفعت صور الخميني وخامنئي في أنحاء لبنان وراحت تسيطر على منشئآت اقتصادية وخدمية وتحول حزب الله إلى جانب قوته العسكرية، إلى قوة اقتصادية في لبنان ، بل ولديه منشئات اقتصادية خارج لبنان. 

ولا يختلف الأمر كثيراً عندنا في العراق. فمنذ اللحظات الأولى لإنهيار الطاغية صدام حسين، طلت على العراقيين بدعة " الحواسم"، هذه الفئات الدينية المتعصبة التي لم تبق على مؤسسة عسكرية أو اقتصادية ونهبها لتتحول بعد ذلك إلى ميليشيات مسلحة بشتى أنواع الأسلحة التي خاضت منذ الأيام الأولى لإنهيار النظام المواجهة المسلحة تارة بدعوى مواجهة الاحتلال الأمريكي أو الصراع على الغنائم مع أقرانها من الميليشيات أو الصدام مع القوات الأمنية العراقية التي شرع بتشكيلها بعد انهيار النظام السابق. وبين ليلة وضحاها توفرت لهذه الميليشيات قدرات عسكرية ومالية جراء النهب والسطو على أملاك المواطنين والعون القادم من خارج الحدود ودول الاقليم (ايران والسعودية وقطر وتركيا وحتى سوريا). وقد توفرت لبعض هذه الميليشيات امكانيات كبيرة عندما استقرت في ايران، حيث توفر العون المالي إضافة إلى البشرية من خلال تشكيل فصائل مسلحة باشراف ايراني من "التوابين"؛ أي الأسرى البعثيين وغيرالبعثيين العراقيين الذين وقعوا في الأسر الذين أعلنوا "توبتهم"وانخرطوا في تشكيلات متنوعة مثل "فيلق بدر" وغيرها. فإذا كانت ذريعة تشكيل هذه الميليشيات هي مواجهة الاحتلال الأمريكي، إلا ّ أن نشاطها استمر وبدعم ايراني مكشوف حتى خروج القوات الأمريكية إثر التوقيع على الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية في حكومة المالكي. واستمرت هذه الميليشيات بنشاطها المتنوع  بعد الاتفاقية غي الاغتيالات السياسية والسطو لتنتهز الفرصة بعد هجوم داعش على العراق لتتحول إلى ما سمي "بالحشد الشعبي الرسمي" الذي أقر مجلس النواب قانونه وكان ذلك أحد أخطاء مجلس النواب الكثيرة. ومن أجل إضفاء صفة "العصمة" على هذا التشكيل، شرع بإضفاء القدسية عليه ليصبح الحشد الشعبي "المقدس" الذي لا يمكن عندئذ توجيه أي نقد أومسائلة له من قبل الشعب. وبالرغم من تحريم النشاط السياسي للقوات المسلحة على اختلاف صنوفها ومن ضمنهم الحشد الشعبي الذي اعتبر جزءاً من القوات المسلحة العراقية حسب القانون الذي شرعه مجلس النواب، إلاّ أن قادة الحشد شاركوا بنشاط في انتخابات مجلس النواب باسمائهم متجاهلين الدستور العراقي الذي ينص على منع العسكريين من النشاط السياسي. واستغل قادة الحشد هذا الموقع لينتقل بعضهم إلى مواقع حساسة في الجيش والقوة الجوية والشرطة الاتحادية ومكافحة الارهاب لتعزيز مواقعه وتأثيره في القوات المسلحة العراقية، ولا يخلو ذلك من مطلب ايراني وضغوط بعض الكتل السياسية الطائفية والنخب المسيطرة على الحشد. وفي الحقيقة والواقع فإن الحشد تشكيل مستقل غير خاضع بتسليحه وكل نشاطه للقائد العام للقوات المسلحة والحكومة ياستثناء الرواتب التي تدفعها وزارة المالية لمنتسبي هذا التشكيل. فالتشكيل حر في علاقاته مع الدول الخارجية واستلام المعدات والذخيرة منها وليس من وزارة الدفاع العراقية. وفي انتفاضة اكتوبر الشعبية أفصح الحشد عن حقيقته عندما فتح النار على المتظاهرين السلميين العزل وأودى بحياة المئات منهم  دون أي قرار من قبل القيادة العامة للقوات المسلحة. وهكذا تشكلت لدينا أيضاً "الدولة العميقة" بكامل قوامها لا من أجل خلق الاستقرار وإدارة عجلة التنمية وبناء الدولة الديمقراطية الحديثة، بل من أجل إرساء دعائم دولة الاستبداد الديني. فهل يعي العراقيون الذين ذاقوا الأمريم من الاستبداد البعثي وغيره من أنواع الاستبداد المقبت، هذا الخطر الداهم؟

 

عادل حبه

 

بكر السباتينالحريق في لبنان سيعقبه الفرج.. الحراك اللبناني يغير قواعد اللعبة الطائفية ويقوض أحلام زعماء الطوائف في تثبيت اتفاق الطائف، الذي يقنِّن التقاسمَ الطائفي في الدولة اللبنانية ويشرذم طاقاتها باتجاه المحاصصة في المداخيل حتى أتخمت الطوائف على حساب الشعب المغبون المتعثر في أحواله المعيشية، واندلقت كروش زعماء تلك الطوائف وترهلت التنمية المستدامة في لبنان. صحيح أن المقاومة المتمثلة بحزب الله في الجنوب اللبناني، هي خط أحمر بالنسبة لمعظم اللبنانيين، والتي في نظر مؤيديها تعتبر مع الجيش اللبناني، صمام الأمان الضامن لأمن الجنوب اللبناني وحمايته من الأطماع الصهيونية التمددية التي تحلم بضفاف الحاصباني، لكن إسقاط الطائفية أيضاً سيعزز من قوة لبنان وتماسكه وتسرِّع من عجلة التنمية المتعثرة.. فلكل عنوان تفاصيله.. واليوم يرفع لبنان عنوان التغيير والإصلاح ومحاربة الفساد بعيداً عن الطائفية البغيضة، من أجل لبنان قوي يحكمه قادة يتمتعون بالكفاءة ويحسنون التصرف في الأزمات كي تناط بهم مهمة إنقاذ لبنان.. وفتح الطريق أمامه نحو المستقبل.

لذلك يواصل اللبنانيون احتجاجاتهم في لبنان.. وتشهد البلاد شللا كاملا بعد ثلاثة عشر يوما من خروج المتظاهرين إلى الشوارع، حيث اتسمت بقطع طرقات رئيسية وتسببت بإغلاق المصارف والمدارس والجامعات، للمطالبة بإسقاط الطبقة السياسية برمتها، والسير وراء شعار لا للطائفية نحو لبنان يقوم على الكفاءات وانتخابات مدنية غير فئوية.

ومنذ 17أكتوبر، تكتظ الشوارع والساحات في بيروت ومناطق عديدة من الشمال إلى الجنوب، بالمتظاهرين في إطار حراك شعبي عابر للطوائف على خلفية مطالب معيشية ومحاربة الطغمة الفاسدة التي تتعامل مع لبنان كمزرعة يتقاسمون مخرجاتها مع زعماء الطوائف الذين ينتمون لأجندات خارجية، منها التي تقف ضد العدو الإسرائيلي وفق الأجندة الإيرانية كحزب الله وحركة أمل، والتي تتهمها الأطراف الأخرى باستحواذها على القرار اللبناني، وأخرى تستقطبها أجندة صفقة القرن والتي تحركها السعودية في لبنان مثل سعد الحريري وربما سمير جعجع قائد القوات اللبنانية، ناهيك عن وليد جنبلاط الزعيم الدرزي المشهور بتقلباته، وبعضهم ما لبثوا في ارتباط وثيق مع أحلام فرنسا الفرنكفونية مثل الكنيسة المارونية وبعض من لهم مصالح مباشرة مع فرنسا. وعليه فقد ظل لبنان رهينة لهذا التقاسم الذي وضعه المتظاهرون على محك الاختبار.

من جهتها قدمت الحكومة برنامجاً إصلاحياً طارئاً لإنقاذ البلاد ولكن لم ينفذ منه شيئاً بعد مرور أكثر من أسبوع على طرحه، وهذا ما جعل الاحتجاجات تتصاعد وترفع من سقف مطالبها المشروعة؛ لذلك قال الحريري في كلمة للشعب اللبناني، يوم الثلاثاء الماضي إنه "وصل إلى طريق مسدود"، ألحقها بعبارة توحي بأنه يقف مع مطالب الحراك الشعبي ربما لإنقاذ صورته المهترئة في عيون الشعب، قائلاً: "ولابد من صدمة لإحداث تغيير في البلاد".

صحيح أن رئيس الوزراء سعد الحريري قدم استقالة حكومته إلى الرئيس ميشال عون، يوم الثلاثاء الماضي بغية نزع فتيل الأزمة لكن الاحتجاجات ظلت مستمرة ولو بحدة أقل

ورغم ترحيب المتظاهرين باستقالة الحريري والهتافات المؤيدة للاستقالة في الميادين، إلا أنها لم تلبي كل مطالبهم والتي ارتفع سقفها إلى تغيير النظام السياسي في البلاد بعيدا عن المصالح الفاسدة والطائفية.. وأنها ضد الفساد وتطالب بحكومة فاعلة تعالج الأزمة الاقتصادية، مما أصاب البلاد بالشلل التام. أي أن النظام اللبناني برمته هو المستهدف.. ورغم ذلك ومع تراجع حدة الاحتجاجات أعيد فتح الطرق الرئيسية المغلقة يوم الأربعاء عقب استقالة الحريري، بناء على طلب الجيش، لكن بعض الطرق ظلت مغلقة.

ووفقا للدستور فقد طلب عون من الحريري الاستمرار في تسيير الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة، لأن مغادرته مكتب الرئاسة سيضع لبنان في أزمة حكومية عانت البلاد طويلاً للخروج منها ومن ثم تشكيل هذه الحكومة الهزيلة والمتصدعة حتى جاء الشعب ليوقظها من سباتها الطويل في جحر الطائفية والفساد بدون هواء يعيد إلى التنمية المستدامة الحياة.

مقابل كل ذلك، فإن اللبنانيين تعلموا من تجارب الربيع العربي الذي أحبطها الانتظار والتراخي حتى سقطت الشعوب العربية في أشداق السلطات المتربصة بها وأهلكتها الأجندات المتصارعة، فاستعادت الطغم الفاسدة قواها وتمددت في الدولة العميقة لكل قطر؛ وتجاوزاً لهذا المصير المحتمل؛ فقد عادت وتيرة الاحتجاجات في لبنان إلى التصعيد من جديد، حيث تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع دعوة للاعتصام أمام مصرف لبنان وأمام مقرات حكومية صباح اليوم الخميس الموافق 31 أكتوبر 2019، وهو الأمر الذي قد يؤثر على قرار استئناف عمل البنوك يوم غد الجمعة.

وكانت جمعية مصارف لبنان أعلنت أن البنوك ستستأنف عملياتها العادية وتستقبل العملاء ابتداءً من يوم الجمعة، منهية إغلاقاً استمر أسبوعين.

وفي سياق متصل، شدد بيان من قيادة الجيش على الحق في الاحتجاج السلمي، ولكن "في الساحات العامة فقط"، وحث المتظاهرين على المساعدة في إعادة الحياة إلى طبيعتها.

وقبل وقت قليل من إعلان الحريري، اعتدى مهاجمون بالعصي والحجارة على موقع التجمع الرئيسي للمتظاهرين في وسط بيروت. وعمد عشرات المعتدين على تكسير وإحراق الخيم التي نصبها المحتجون في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت وهاجموا متظاهرين كانوا لا يزالون في المكان. وهرعت قوات الجيش إلى منطقة الحدث، وطوت الصفحة بتقديم الحماية للمتظاهرين الذين ثمنوا ذلك، واتهم البعض أنصار حزب الله وحركة أمل بافتعال الحادث، وربطوا ذلك بما فهم من خطاب السيد حسن نصر الله بأنه تهديد للحراك، بينما ارتدت سهام الاتهامات -من جهة أخرى- إلى مدسوسين ينتمون لأجندات سعودية تسعى لخلط الأوراق، وضرب الحراك من خلال حث المتظاهرين على الاصطفافات الطائفية خلافاً لما تنادي بها الحناجر حيث أجمعت على إسقاطها وقطع الطريق على أجندات مثيري الفتن الطائفية لصالح مدنية "لبنان" وطن الجميع، وإنعاش الديمقراطية الحقيقية التي تقيدها المحاصصة الطائفية، والبحث عن الكفاءات اللبنانية التي سيناط بها إنقاذ البلاد الذي عصفت ببنيته الاقتصادية والسياسية هذه الانتفاضة الشعبية القائمة على مطالب مدنية صرفة، وهذا بدوره سيعيد لبنان إلى مكانته بين الدول بعيداً عن الفساد الناجم عن التقاسم الطائفي وإهدار المال العام والتسيب في توظيف القروض الممنوحة للبنان من قبل صندوق النقد الدولي الذي أدى إلى إغراق البلاد في ديون أدرجته ضمن الدول الأكبر مديونية.. حتى وصل به الحد وفق شروط الجهات المانحة لفرض ضرائب على الوتسأب، وكانت الشعرة التي قسمت ظهر البعير، إذ انفجر الشارع اللبناني إزاءها لتفتح ملفات الفساد. وتراكمت الأسئلة في العقول، وأخذت الهلوسة السياسية زعماء الطوائف إلى منطقة الارتباك التي كسر فيها حاجز الخوف..

وللعلم فإن الاحتقانات بدأت في لبنان منذ نشوب حرائق الغابات في بيروت فكشفت المستور وعرت شبكات الفساد في الدولة العميقة. ويبدو أن ما خفي منها كان أعظم لذلك تستمر الاحتجاجات غير أبهة بالتهديد ولا الوعيد أو العنتريات مجهولة المصدر.. فالشعب يمتلك الآن زمام الموقف ويستعد للتغيير بعد أن غير قواعد اللعبة الطائفية في لبنان المأزوم من أخمص القدمين حتى الرأس، فأصيب الشعب المغبون برهاب الطائفية وفزاعة الأمن والأمان التي ترفرف فوق قلاع الطوائف.. والآن تأخذه اليقظة إلى التغيير والتحرر من الخوف.. ورهانات المستقبل قائمة على ذلك.

 

بقلم بكر السباتين..

 

بكر السباتيندور الجزائريين في إسقاط الأجندات التي تستهدف وحدة البلاد.. وأسئلة أخرى!

قبل الخوض في تفاصيل المشهد الجزائري الراهن، يجب طرح السؤال الأهم عمّن يحكم البلاد في ظل غموض يكتنف المشهد ويعقد الرؤى فيه، فلا بد من جولة سريعة في عمق الدولة الجزائرية العميقة من خلال التداعيات التي رافقت حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في مراحله الأربع.

المشهد السياسي الجزائري متخم بالأسئلة العاصفة التي تدور في حلقة مفرغة.. أسابيع من المظاهرات الحاشدة، كسر من خلالها الجزائريون سلمياً حاجز الخوف والصمت، مطالبين برحيل النظام.

ويتذكر الجزائريون في ذات السياق آخر خطاب وجهه إليهم بوتفليقة بمدينة سطيف في مايو 2012 بمناسبة إحياء ذكرى أحداث 1945، حيث قال بأن الوقت قد حان بالنسبة إلى جيله للتخلي عن السلطة وتسليم مقاليد الحكم. لكنه تراجع عن تصريحاته، ليترشح لولاية رابعة في انتخابات 17 أبريل 2014.

وكان كثيرون اعتبروا يومها الخطاب إشارة واضحة أراد من خلالها بوتفليقة تسريع عملية نقل السلطة من النظام الذي يحكم الجزائر منذ استقلالها في 1962 إلى الجيل الجديد. لكن الأحداث أثبتت العكس بحيث أن الرجل استمر في حكمه حتى أبريل 1999 ليستعد بعد أن هزمته الأمراض لخوض السباق من أجل ولاية خامسة بالرغم من وضعه الصحي، الأمر الذي جعل خصومه يصفونه بالرئيس المختطف.

والجدير بالذكر أن تاريخ الدولة العميقة الفاسدة في الجزائر مرتبط بتاريخ بوتفليقة نفسه الذي لم يكن كله ناصعاً، فقد غادر الجزائر قبل مسيرته الرئاسية عام 1981، على خلفية أتهامه بعدة عمليات اختلاس جرت ما بين عامي 1965 - 1978 وصلت إلى 6 ملايين سنتيم آنذاك (الدينار الجزائري = 100 سنتيم) حيث صدر أمر قضائي بتوقيفه حسب (جريدة المجاهد 1983)، وقد أثيرت حينها قضية ارتباطه بالفساد ثم أسدل الستار على تلك القضية. وفي العام 1986 عفى عنه الرئيس الشاذلي بن جديد آنذاك بضغط من المنظومة الفاسدة التي كما يبدو كانت تهيء بوتفليقة لدور مستقبلي مرموق لربط سلطاته المحتملة بمصالحهم الخاصة، ولم يعد بوتفليقة بعد قرار العفو إلى الجزائر إلا في يناير 1987.

شهدت فترة رئاسته الأولى مشاكل سياسية وقانونية ومشاكل مع الصحافة وخرق حرياتها لصالح الصحفيين والحقوقيين، وفضائح المال العام مع بنك الخليفة وسياسة المحاباة في الحقائب الوزارية والصفقات الدولية المشبوهة حيث التلاعب في المناقصات من أجل شركات الاتصلات للهواتف المحمولة وقد انتعشت الأحوال المالية للبطانة الفاسدة التي هيأته لاستلام الرئاسة ودعمته في كل مراحل حياته.

ولكن يحسب لبوتفليقة وبعد أحداث القبائل باعتبار الأمازيغية لغة وطنية وهو مشروع فرنسي كان يهدف الرئيس الفرنسي ديغول ضرب الوحدة الثقافية الجزائرية ونقل أزمة البربر إلى عمق الجزائ . وفي سياق الإصلاحات الجذرية شرع الرئيس بوتفليقة في برنامج واسع لتعزيز الدولة الجزائرية من خلال إصلاح هياكلها ومهامها ومنظومتها القضائية ومنظومتها التربوية، واتخاذ جملة من الإجراءات الاقتصادية شملت على وجه الخصوص إصلاح المنظومة المصرفية بقصد تحسين أداء الاقتصاد الجزائري مما مكن الجزائر من دخول اقتصاد السوق واستعادة النمو ورفع نسبة النمو الاقتصادي.

وباشر في مسار تشريعي للوئام المدني حرص على تكريسه عن طريق استفتاء شعبي نال فيه أكثر من 98% من أصوات الناخبين.

إذن كيف هبطت مؤشرات التأييد الشعبي لبوتفليقة مؤخراً؟

كان بوتفليقة أحد المترشحين لمنصب رئيس الجمهورية بعد أن قدم ملف ترشحه للمجلس الدستوري رغم تراجع صحته بعد إصابته بعدة جلطات أثرت على مستوى أدائه حتى بات قليل الظهور وصار متوارياً خلف منظومة الفساد التي اتخذته واجهة لحكمها الفعلي إلى درجة أن البعض وصفه بالرئيس المختطف... لذلك قامت المظاهرات العارمة مناهضة لعهدته الخامسة ما جعله يتراجع. في يوم 11 مارس 2019 معلناً عن تأجيل الانتخابات الرئاسية لعام 2019 التي كان من المفترض ان تجرى في شهر أبريل الماضي ليعلن في سياق ذلك إنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. وأرغم بوتفليقة حينذاك على الاستقالة يوم الثلاثاء 2 أبريل 2019 وذلك قبل أسابيع قليلة من نهاية عهدته في 28 أبريل؛ بسبب المظاهرات الشعبية التي عُرِفَتْ بـالحراك، حيث خرجت المظاهرات العارمة خلال ستة أسابيع في كل يوم جمعة رافضة لسلطة بوتفليقة ومناهضة لمقترح التمديد أو التأجيل.. لا بل رفع الشعب من سقف مطالبه نحو إسقاط النظام برمته وهو ما جعل أفعى الدولة العميقة لتطل على المشهد الجزائري كي تواجه الموقف حتى تمنع الخطر المحدق من مداهمة الدولة العميقة التي ينخرها الفساد.. لذلك تم التحضير لفترة انتقالية تنتهي بانتخاب رئيس جديد من أجل تخفيف حدة الاحتقانات السياسية والأمنية بين طرفي المعادلة في الأزمة الجزائرية الراهنة، المتمثلة بالاحتجاجات الشعبية في مواجهة الدولة بكل مؤسساتها..

ومنذ 22 فبراير والحركة الاحتجاجية غير المسبوقة في الجزائر مستمرة للمطالبة برحيل "النظام".ورغم تعامل القوات الأمنية مع الموقف بحذر؛ إلا أن مديرة مكتب منظمة حقوق الإنسان في الجزائر حسينة أوصديق نددت بـ"تصعيد" الإجراءات الأمنية في الأسابيع الأخيرة وعدّت ذلك انتهاكاً صارخاً للحقوق التي يكفلها الدستور الجزائري.

وألغيت الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في بداية يوليو الماضي بسبب عدم تقدم مرشحون. فيما حددت السلطات المؤقتة موعداً جديداً للانتخابات كما ذكرنا سالفاً، وذلك طبقاً لما يريده قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح وهو من البربر، الذي بات الرجل القوي بعد استقالة بوتفليقة. فيما عين عبد القادر بن صالح رئيساً مؤقتاً للبلاد إلى حين إجراء الانتخابات القادمة.

وفي سياق متصل، دعا رئيس الجزائر المؤقت، عبد القادر بن صالح، مساء اليوم الثلاثاء، الجزائريين إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس جديد، في الانتخابات الرئاسية المقررة في 12 ديسمبر القادم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو من يحكم في الجزائر اليوم في ظل غياب الرئيس بوتفليقة؟ فالسلطة غامضة ومعقدة، ولا تقوم على محددات واضحة، حتى يستطيع المحللون تفكيك المشهد السياسي الجزائري وإعادة تجميعه وفق رؤية واضحة، وهذه محاولة لفعل ذلك.

إذن لنستعرض الأطراف المهمة في مؤسسة الحكم الجزائرية، وهي على النحو التالي:

أولاً: مؤسسة الحكم الرئاسية

يمكن أن نختصرها في آل بوتفليقة، الذين يتمتعون بنفوذ اقتصادي وسلطوي كبير جداً، فأحد أشقاء الرئيس تولى منصباً وزارياً مرموقاً، وشقيقه الآخر ومستشاره المقرب سعيد بوتفليقة كان ينظر إليه على أنه الرئيس القادم..كونه كان يتدخل في تعيين المسؤولين في الدولة ولديه علاقات واسعة مع رجال الأعمال المتنفذين.. ولكن لارتباطه بقضايا فساد كبيرة مثل: قضية سوناطراك.. وقضية الطريق السريع (شرق- غرب)، أصبح مرفوضاً من قبل الشعب الجزائري الذي أخذ يمسك بخيوط اللعبة في الجزائر حتى الآن.

ثانياً: مؤسسة الجيش

بدأت سطوة الجيش تظهر جلية حينما قام بإلغاء الانتخابات الجزائرية عام 1991 والتي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزاً مؤكداً مما حدا بالجيش الجزائري لمنع الجبهة من الفوز في الانتخابات البرلمانية في البلاد. ما أدى إلى نشوب الحرب الأهلية الجزائرية أو العشرية السوداء بين الجيش الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكار موالية لـ الجبهة الإسلامية للإنقاذ والإسلام السياسي، حيث بدأت الجماعة الإسلامية المسلحة بسلسلة من مذابح تستهدف الأحياء أو القرى بأكملها بلغ ذروته في عام 1997، وتسببت المجازر في إجبار كلا الجانبين إلى وقف إطلاق النار عام 1997. وفي هذه الأثناء فاز الطرف المؤيد للجيش بالانتخابات البرلمانية. ثم استقرت الأحوال في الجزائر عام 1999 بعد انتخاب رئيس جديد للبلاد، وصدور قانون العفو الجديد.

ويقود هذه المؤسسة الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش ونائب وزير الدفاع.. ويرى معارضوه أن حصوله على هذا المنصب جاء من خلال دعم الدولة العميقة التي يعتبر أحمد قايد صالح جزء من منظومتها الفاسد’.. أيضاً لمقايضتة حماية بوتفليقة من أعدائه مقابل حصوله على هذا المنصب المرموق.

ثالثاً: جهاز المخابرات

كان على رأس أعداء بوتلفيقة الذين يتربصون به ، الفريق محمد مدين.. المعروف برئيس جهاز المخابرات (1990- 2015) وهو شخصية خلافية ينتقده الكثير من المعارضين ويرون فيه اليد القمعية للسلطة في الجزائر ويلقبونه برجل السياسات القذرة ويتهمونه إلى جانب الجنرال محمد العماري وخالد نزار بارتكاب جرائم ضد الإنسانية واغتيال المعارضين والسياسيين والفنانين والكتاب في مرحلة التسعينات.

ولحماية نفسه أمر بوتفليقة بحل جهاز المخابرات، واستبداله بما يعرف بمديرية المصالح الأمنية عام 2016 الملحفة برآسة الجمهورية..

وفي سياق متصل، فإن جهاز المخابرات مع الجيش الجزائري يشكلان الصندوق الأسود الكبير الذي يحفل بأسرار الدولة العميقة بكل تفاصيلها..حيث يتهمان بالهيمنة على السلطة بالتنسيق مع قوى خارجية مثل الإمارات التي تربطها مع الفريق أحمد قايد صالح علاقات وطيدة نجمت عنها مصالح خاصة مشتركة.

رابعاً: رجال الأعمال المعومين إماراتياً

وتضم نخبة من رجال الأعمال المقربين من بطانة الرئيس السابق بوتفليقة، مثل: عائلة بوتفليقة والفريق محمد قايد صالح، بالإضافة إلى قائد المخابرات السابق محمد مدين. ناهيك عن رجال الأعمال: العربي بالخير، خالد نزار، محمد العماري.

وكانت صحيفة "لوموند أفريكا" الفرنسية قد تناولت في عدد الجمعة (22 مارس 2019)، موضوع العلاقات المالية المتشابكة بين أصحاب النفوذ في الجزائر والإمارات، والذي نُشر تحت عنوان "الدبلوماسية العنيفة التي تتبعها الإمارات"، وترجمه "الخليج أونلاين".

وكشفت الصحيفة أن "صالح" هو المتحكم في ميزانية سنوية ضخمة مخصصة للتسلح تقدر بـ11 مليار دولار، وهو مرحَّب به في الإمارات، التي حشرت نفسها ضمن مشروع تعاون بين الجيش ومجموعة "مرسيدس بنز" الألمانية.

كما أن مجموعة "توازُن" الإماراتية وقّعت مؤخراً على اتفاق ضمن المشروع الجزائري-الألماني لدعم الصناعات الميكانيكية داخل وزارة الدفاع الجزائرية التي يشغل "صالح" منصب نائب وزيرها، وفق الصحيفة.

أثرياء الجزائر أودعوا ثروات بمئات الملايين من الدولارات في بنوك الإمارات، فمثلاً الإخوة كونيناف، المخلصون لـ"صالح" والمقربون منه أيضاً، أوجدوا لأنفسهم جذوراً في هذه "الجنة الضريبية الإماراتية".

ويمكن القول إن ما نُسج من روابط مالية مشبوهة في كل من الجزائر وأبوظبي يفسر الحلف الصلب الذي نشأ بين عائلة بوتفليقة وقايد صالح في مواجهة التحركات الشعبية منذ اندلاعها، في فبراير الماضي، بحسب "لوموند أفريكا".

وبحسب الخليج أونلاين.. ف"بالإضافة إلى المعلومات الخاصة بتضمين موريتانيا ميناء نواذيبو للسعودية، فقد تحدثت المصادر "عن مشروع إقامة قاعدة عسكرية سعودية و(إماراتية) في الصحراء" ويفترض أن يقوم المشروع بالقرب من الحدود الليبية الموريتانية الجزائرية المشتركة.. ومن المؤكد أنه مشروع أمريكي إماراتي صهيوني لتكثيف النشاط الإسرائيلي في موريتانيا أسوة بما يحدث من تنسيق بين الأطراف المذكورة، في إقليم كردستان العراق. والمعروف أن دولة الجزائر مستهدفة وثمة نويا صهيونية فرنسية تذهب باتجاه خلط الأوراق وضرب الجزائر في العمق وتقسيمه بين عرب وبربر وإغراق البلاد بالفوضى كما هو الحال عند الجارة لليبية أو سوريا كنموذج يمكن القياس عليه.

وأخيراً لا بد من تصميم الشعب الجزائري على إسقاط الدولة الجزائرة العميقة التي تمتص كل مقدرات الدعم المطلوب لخطط التنمية المستدامة، فبدون ذلك ستظل الجزائر مزرعة خاصة للمتنفذين الفاسدين الواقعين في قبضة الإمارات التي تمثل واجهة العدو الإسرائيلي في المغرب العربي، وإذا لم يتدارك الشعب الجزائري الموقف فإن احتمالية نشوب الحريق في الجزائر واردة.. ما دامت عناصر حدوثه متوفرة في المشهد الجزائري.. فالرهانات على مستقبل الجزائر مقيدة بتقري الشعب الجزائري لمصيره وسحب البساط من تحت أقدام الطغمة الفاسدة التي تقيم شبكاتها في الدولة العميقة.

 

بقلم بكر السباتين

29 أكتوبر 2019