محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن مدي مسؤولية الصين عن تفشي كورونا بكوكب الأرض، وهنا في هذا المقال نركز علي تساؤلات البعض الذين يقولون : ما هي حقيقة مساعي حملة الضغوط التي تقودها واشنطن؟ وما أوراق الصين في مواجهة هذه الجملة؟

دعونا نبدأ بالإجابة عن الشق الأول، وفيه تزعم الإدارة الأمريكية، ومعها فرنسا، وإنجلترا وبعض الدول الأوربية التابعة بقوة للإتحاد الأوربي (الذي عرته الصين) بأنه قبل 4 أشهر بدأت أزمة فيروس كورونا الذي تحول إلي جائحة تهدد العالم، فالصين قد لا تكون مسؤولة عن تفشي المرض، لكنها وبحسب الاتهامات الأمريكية المتعددة مسؤولة عن انتشاره بسبب غياب الشفافية وإخفاء الحقائق، لنتذكر معاً كيف بدأ الأمر كما تزعم واشنطن  بأنه منذ أوائل ديسمبر الماضي 2019 رُصدت عوارض الفيروس أي متاعب في الرئة لعشرات الأشخاص في مدينة ووهان كانوا علي ارتباط للحيوانات بسوق للحيوانات البرية والأسماك في المدينة، تقول مجلة لانست الطبية أنه مع الوقت ازدادت حالات المرض واكتشف الأطباء في ووهان أن الحالات الجديدة لا علاقة لها بالسوق وأصيبوا جراء عدوي لاتصالهم بمرضي..  وفي الحادي الثلاثين من ديسمبر الصين أخبرت منظمة الصحة العالمية بالمرض، لكنها أكدت أن المرض غير معدي متجاهلة بذلك التحذيرات التي أطلقها د. لي وينلينغ، وفي وقت مقارب وبالأخص في أواخر ديسمبر 2019 أرسلت تايوان المستبعدة من منظمة الصحة العالمية بضغوط صينية أرسلت تحذيراً إلي المنظمة بشأن خطر انتقال الفيروس بين البشر .. تحذير تجاهلته المنظمة ولم تشاركه مع دول أخري، مما أخر الاستجابة العالمية للوباء وفق مجلة أيكونمست ..  وفي مطلع يناير الماضي السلطات الصينية اعتقلت الطبيب الذي دق ناقوس الخطر وحققت معه وسبعة آخرين، أكدوا أن المرض يتفشي وفي ذلك اليوم وفقا للنيويورك تايمز غادر ووهان 175 ألف شخص إلي 21 وجهة عالمية بينها الولايات المتحدة وحتي الرابع عشر من يناير بقيت السلطات الصينية تنكر انتقال العدوي من شخص إلي آخر وبقيت منظمة الصحة العالمية تردد ما تقوله الصين، وذلك بعد 6 أسابيع من اكتشاف أن المرض معدي من شخص إلي آخر، واستمر إنكار الصين لخطورة العدوي من الفيروس حتي أعلنت اليابان في منتصف يناير عن حالة مريضة لم تزر ووهان وأنها أصيبت بعدوي من شخص مصاب بالفيروس نفسه، غير أن الصين لم تقل باحتمالية انتقال العدوي بين البشر حتي 21 يناير وفي الثالث والعشرين أعلنت الصين إجراء العزل المنزلي، وكان قد غادر مدينة ووهان 7 ملايين شخص إلي 26 دولة حول العالم، وذلك وفقاً لصحيفة نيويورك تايم ..

ومن جهة أخري اتهم السيناتور الأمريكي، توم كوتون (النائب الجمهوري عن ولاية أركنساس الأمريكية) المسئولين الصينيين، بتضليل الرأي العام، بشأن منشأ فيروس كورونا القاتل، الذى انتشر في مدينة وهان الصينية، وانتقل إلى 23 بلداً حول العالم، مشيراً إلى اعتقاده أن الفيروس تم تطويره داخل المختبرات الصينية كسلاح بيولوجي. وأشار السيناتور الجمهوري خلال جلسة استماع للجنة الخدمات المسلحة، إلى أن انتشار الفيروس أسوأ من كارثة تشرنوبيل، وهى كارثة انفجار مفاعل نووي فى روسيا البيضاء عام 1986 والتي أسفرت عن مقتل الآلاف، وإصابة آلاف آخرين بأمراض سرطانية. وأسفر فيروس كورونا الذى يصيب الجهاز التنفسى، عن وفاة 362 شخص حتى الآن، فيما بلغت عدد الحالات المصابة أكثر من 17 ألف شخص. وأصر كوتون على أن بكين لم تكشف عن العدد الحقيقى للإصابات وكانت "تكذب بشأنه منذ البداية" للتقليل من خطورة الوباء. كما اتُهم المسؤولون الصينيون بخفض عدد الحالات وتقليص حجم التقارير قبل أسابيع من الاعتراف الرسمي بانتشار الفيروس. وقال السيناتور فى إشارة إلى دراسة نشرتها مجلة The Lancet الطبية "لقد زعموا أيضاً طيلة شهرين تقريباً وحتى مطلع هذا الاسبوع، أن الفيروس نشأ فى سوق للمأكولات البحرية في ووهان". مضيفاً "ليس هذا هو الحال." وقال كوتون إنه "من أصل 40 حالة  لم يكن 14 منهم على اتصال بسوق المأكولات البحرية، بما في ذلك المريض الأول". ولفت السيناتور الأمريكي إلى مختبر ووهان الوطني للسلامة البيولوجية التابع لأكاديمية العلوم الصينية، والذي يحقق في "أخطر مسببات الأمراض (وذلك كما ذكرت انجي مجدي في مقاله باليوم السابع المصري بعنوان سيناتور أمريكى يتهم الصين بتطوير فيروس كورونا كسلاح بيولوجي).

الصين استنكرت الاتهامات الموجهة إليها مشيرة إلي أنها لا تستند إلي حقائق "تشاو لي جيان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية"-  نفي وجد أدلة علي أن الفيروس قد صنع في مختبر ووهان قائلاً :" إنه لم يحدث مطلقاً أي تعتيم بشأن تفشي فيروس كورونا في الصين، مضيفاً أن الحكومة لا تسمح بذلك". وأشار تشاو لي جيان للصحفيين في إفادة يومية إلى أن مراجعة إجمالي الإصابات في ووهان، التي ظهر بها المرض لأول مرة في نهاية العام الماضي، كانت نتيجة تدقيق إحصائي لضمان الدقة مضيفاً أن المراجعة ممارسة عالمية شائعة.. كما رفض مدير مختبر في ووهان بشدة نظريات المؤامرة المتعلقة بأصل كوفيد-19، واصفًا بأنه من "المستحيل" أن يكون فيروس كورونا قد نشأ من مختبره، في حين أكد أن مثل هذه التصريحات الكاذبة لن تعوق التعاون العلمي العالمي في المعركة المستمرة ضد الفيروس.. ففي مقابلة مع شبكة تلفزيون الصين الدولية (CGTN)، دحض يوان زيمينغ، مدير مختبر ووهان الوطني للسلامة البيولوجية، وباحث في معهد ووهان للفيروسات، نظريات المؤامرة وغيرها من البيانات الزائفة التي تربط المعهد بأصل الفيروس.. وأشار يوان إلى أن مختبر ووهان الوطني للسلامة البيولوجية في معهد ووهان للفيروسات هو المختبر الوحيد في الصين الذي يحتوي على أعلى مستوى للسلامة الحيوية "P4"، مضيفاً أن المعهد لديه قواعد ولوائح صارمة في البحث العلمي. وفى حديثه عن نظريات المؤامرة والتصريحات الأخرى المتعلقة بالأمر، قال يوان إن الادعاءات لا تدعمها أدلة علمية. وأضاف أنه يعتقد بأن مثل هذه الشكوك لن تزول طالما استمرت الجائحة في العديد من البلدان الأخرى. وفيما يتعلق بما إذا كان الفيروس من صنع الإنسان، قال يوان إنه بناء على معرفته وما قاله علماء آخرون، فإنه لا يعتقد أن أي شخص في العالم يمكنه إتقان مثل هذه التكنولوجيا الآن.

منظمة الصحة العالمية رجّحت يوم الثلاثاء الماضي، أن يكون أصل الفيروس من الخفافيش ولم يُصنع في أحد المختبرات، وفقاً لما ذكرته المتحدثة باسم المنظمة فضيلة شايب خلال إيجاز قدمته للصحفيين في مدينة جنيف السويسرية. وبعد أن تحدث الرئيس الأمريكي مراراً عن إمكانية أن يكون الفيروس قد صُنع في مختبرات الصين، أكدت شايب أن جميع الأدلة تشير إلى أن أصله يعود للخفافيش. وقالت شايب: «في هذه المرحلة، من غير الممكن أن نحدد بدقة مصدر الفيروس الذي سبب جائحة Covid19»، وأضافت مستدركة: «ولكن جميع الأدلة تشير إلى أن مصدر الفيروس طبيعي ويعود للحيوانات وليس فيروساً مصنوعاً أو مفتعلاً»، ولفتت إلى أن مصدره قد يكون الخفاش. ولفتت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية إلى أن الباحثين ينظرون إلى الخصائص الجينومية المتعلقة به، ووجدوا أن تلك الخصائص لا تدعم نظرية أن يكون الفيروس قد صُنع في المختبرات. وحذرت من اتباع «النظريات الزائفة»، مشيرة إلى أن على الناس التركيز على الحقائق فقط، حول أصول الفيروس الذي سبب الجائحة.

من كل ما سبق يمكن القول بأن يبدو أن الصين ستصبح مركزية في الخطاب الأمريكي فيما يتعلق بهذا الفيروس لأسباب سياسية في المقام الأول بتشعبات مختلفة .. الفصل الأول يحاول أن يغطي علي فشل الحكومة الأمريكية وكانت الوشنطن بوست قد نوهت حول تصدير الحكومة الفيدرالية برئاسة ترامب بكميات هائلة بملايين الدولارات من كميات هائلة من المعدات الطبية لاستعدادا للوباء، في حين لم تكن حكومته تستعد للداخل، وهذا ربما سيسهم في تراجع شعبية ترامب حسب استطلاعات معظم الرأي العام، لكن البيت الأبيض والجمهوريين في الكونجرس سواء في مجلس النواب أو الذين سيواجهون الناخبين في نوفمبر القادم في مجلس الشيوخ يخشون من أن تنتقل هذه النظرة السلبية لأداء الحكومة الفيدرالية إليهم، وقد يخسرون ربما المزيد من المقاعد في مجلس النواب، وحتي ربما السيطرة علي مجلس الشيوخ، ووجدوا في الصين الشماعة التي يمكن أن تعلق عليها كل مواطن ضعف أداء الحكومة الفيدرالية، وأيضاً هدفاً سهلاً، لأن الصين عادة وربما من خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية كانت هدفاً سهلاً خلال الحملات الانتخابية سواء بسبب التبادل التجاري أو غيره، والآن جاء فيروس كورنا .

علي كل حال يبدو أن كورونا يجدد الحرب الدعائية، ويدفع الإعلام فى البلدين للانحياز إلى مصالح بلاده بصرف النظر عن العواقب، لا فرق بين الحرب التجارية والفيروسية.. وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

موسى فرجفي الشارع، في الاعلام، بين أوساط المثقفين، في اوساط الحكومة، عند البرلمانيين لو سألت أي شخص من هي الجهة المسؤولة عن مكافحة الفساد...؟ لقال لك هيئة النزاهة ...ولو سألت لماذا تعثرت قضية محاربة الفساد والفاسدين في العراق ...؟  لتعثرت الإجابة وتموجت الصورة بين من يلقي اللوم على الأحزاب وبين من يلقي اللوم على الحكومة وبين من يلقي اللوم على هيئة النزاهة، وبمناسبة تصاعد الأصوات من جديد ضد الفساد بسبب دخول عامل إضافي مستحدث وهو انهيار اسعار النفط وقعود الحكومة ع الحديدة وعجزها المتوقع عن تدبير رواتب موظفيها فإن ثمة خطأ شائع في قضية مكافحة الفساد في العراق من الضروري بمكان الانتباه اليه في هذا الوقت بالذات أكثر من أي وقت مضى...

فإلى جانب مهام هيئة النزاهة المتعلقة بإشاعة ثقافة النزاهة ونشر سبل الوقاية من الفساد ومهام أخرى تتعلق باقتراح القوانين التي تساهم في مكافحة الفساد والتنسيق مع المنظمات غير الحكومية فإن مهمتها الجوهرية التي تستقطب اهتمام المواطن ويرى فيها صلب عمل الهيئة والغاية من وجودها هي قضية معاقبة الفاسدين واسترجاع الأموال المسروقة منهم...وغني عن القول إن الهيئة:

1- تمارس مهمتها لتحقيق هذا الهدف ضمن حدود القانون ولا يحق لها تجاوز صلاحياتها بأي حال من الأحوال...

2- إن ساحة عمل هيئة النزاهة هي السلطة التنفيذية وليست السلطة القضائية أو التشريعية الا ما ندر...

ولو تتبعنا اجراءات التعامل مع أية قضية فساد لوجدناها تمر بالمراحل التالية:

المرحلة الأولى: التحري والتدقيق والتحقيق:

وما دامت ساحة عمل الهيئة بالأساس هي السلطة التنفيذية فإذا كان رأس السلطة التنفيذية وهو في العراق رئيس الحكومة، إذا كان خارج منظومة الفساد ومؤمن بمحاربته فرض أرادته على معيته ضمن السلطة التنفيذية وأجبرهم على تزويد الهيئة بالملفات والامتثال لطلبها في اجراء التحقيق الأصولي مع من ترى أن له علاقة بقضية فساد...واذا كان رأس السلطة التنفيذية وهو رئيس الحكومة غير مؤمن بقضية مكافحة الفساد أو كان هو أو المقربين منه مشاركين فيه، أو انه لا يريد من مكافحة الفساد أن تطال شخص او مجموعة أو دائرة أو نوع معين من النشاط استقوى به الشخص أو المجموعة أو الدائرة أو النشاط وأعاق حصول الهيئة على الملفات أو امتثال الأشخاص لطلب الهيئة في التحقيق...وعند حصول هذه الحالة عادت الهيئة بخفي حنين من المرحلة الأولى وقبل أن تتقدم الى المرحلة الثانية، وطيلة عملها في السنوات الفائتة كانت الهيئة تصطدم بهذه العقبة الكأداء من لدن رؤساء الحكومات وبطانتهم، هذا يعني أن اجتياز المرحلة الأولى بنجاح انما يتوقف على مدى أيمان رأس السلطة التنفيذية بقضية مكافحة الفساد وتجاوبه في ذلك...

المرحلة الثانية: التقاضي والمحاكمة:

إذا كان رأس السلطة التنفيذية يعني رئيس الحكومة لا ضلع له أو المقربين منه في الفساد ومؤمناً بقضية محاربته وقادراً على فرض ارادته على معيته عندها تتمكن الهيئة من المضي بإنجاز المرحلة الأولى بنجاح لتنتقل الى المرحلة الثانية وهي مرحلة التقاضي واصدار قرار الحكم... وفي هذه المرحلة فإنه وبموجب مبدأ فصل السلطات فإن قضية اصدار قرارات الحكم تقع ضمن اختصاص السلطة القضائية حصراً.. وهيئة النزاهة ليس من اختصاصها أن تصدر امراً بالقبض أو أن تصدر قرارا بالحكم.. فاذا كانت السلطة القضائية مؤمنة بقضية مكافحة الفساد ومستقلة قولاً وفعلاً ولا تمارس عليها السلطة التنفيذية سطوةً أو نفوذا أصدرت قرارات الحكم بالبراءة أو الإدانة...وهنا تكون المرحلة الثانية قد انجزت بنجاح ، ولكن ان كانت السلطة التنفيذية مشاركة في الفساد وغير مؤمنة بقضية محاربته ومارست هيمنتها أو سطوتها على جهاز القضاء أو القاضي ، عادت هيئة النزاهة بخفي حنين ايضاً دون أن تعبر المرحلة الثانية الى المرحلة الثالثة، ومعروف كم هو الكم الهائل من الضغوط الذي مارسته ادارة المالكي وبطانته على القضاء وايضاً الكم الهائل من الرضوخ من قبل رأس السلطة التنفيذية رئيس الحكومة للمقربين منه والكتل السياسية من اجل تجنيب اتباعها المساءلة والعقاب وفتح الأبواب مشرعة لهم ليمارسوا حلب مخرجات الدولة ونهب المال العام...

المرحلة الثالثة: مرحلة تنفيذ قرارات القضاء:

على افتراض ان السلطة التنفيذية بشخص رئيس الحكومة ليس له أو المقربين منه ضلع في الفساد ومؤمن بقضية محاربة الفساد والفاسدين ويفرض ارادته على معيته بالامتثال لإجراءات محاربة الفساد ولا يمارس هو أو أي شخص آخر نفوذاً أو سطوة للتأثير على استقلال  القضاء أو القاضي والقضاء نظيف ومتمكن وصدرت قرارات الادانة بسلاسة متناهية فإن تنفيذها يقع ضمن اختصاص السلطة التنفيذية أيضاً فهي التي تنفذ أوامر القبض والحبس ومصادرة أموال المدانين ممن هم في الداخل والسعي لاسترداد المطلوبين أو الأموال المسروقة ممن هم في الخارج من خلال أطراف في السلطة التنفيذية وتحديداً وزارات الداخلية والخارجية بالتنسيق مع القضاء وهيئة النزاهة.

المرحلة الرابعة: مرحلة نسف قضية مكافحة الفساد:

اذا كانت السلطة التنفيذية بشخص رئيسها مؤمن ومصمم على محاربة الفساد والفاسدين فإنه يكبح ويمنع أية محاولة على الالتفاف على جهود هيئة النزاهة وأجهزة القضاء لإخراج الفاسدين من شباك العقاب بعد إن دخلوه من الباب من خلال قيام الدائرة المقربة من رئيس الحكومة بدبلجة مشروع قانون للعفو العام تحت حجج شتى يشمل المدانين بقضايا فساد ليدفعوه الى البرلمان ليصادق عليه تلبية لطلب كتل السياسية لاستنقاذ أتباعهم وفتح الأبواب مشرعة لهم ليعاودا نهب أموال الشعب وبذلك تكون السلطة التنفيذية بشخص رئيسها ورضوخاً لرغبات المتنفذين من الكتل السياسية قد نسف جهود هيئة النزاهة وجهود جهاز القضاء من الأساس لأن القضاء ملزم بتنفيذ القوانين الصادرة عن مجلس النواب الذي يحكمه الساسة ورؤساء الكتل.

من هذا يتضح أن قضية مكافحة الفساد يقع 75% أو أكثر من خيوطها في جعبة السلطة التنفيذية ورئيسها بالذات بالتعاون مع الكتل الحزبية أو رضوخاً لمشيئتها ، وليس لهيئة النزاهة من دور في مكافحة الفساد ومعاقبة الفاسدين إلا نصيب في المهمة لا تتعدى مساحته أكثر من 25% في أفضل الأحوال وهذه الـ 25% ايضاً يتحكم فيها رأس السلطة التنفيذية لأنه وبطانته هم من يختارون رئيس الهيئة وهم من يقررون إقالته...وعليه فإنه ليس الأمر كما هو شائع خطأً من أن المتحكم الوحيد بنجاح أو فشل قضية محاربة الفساد والفاسدين هي هيئة النزاهة...

ومن يقول غير ذلك أقول له راجع المراحل من جديد لتقف على هذه الحقيقة:

1- هل أتاحت الحكومة من 2003 لغاية تاريخه حصول هيئة النزاهة على الملفات والوثائق لتلبية متطلبات الشفافية ومن دون استثناء...؟ لا.

2- هل مكنت الحكومة هيئة النزاهة من القيام بواجبها في التحقيق مع المثارة ضدهم شبهات فساد وفي مختلف القضايا من دون استثناء...؟ لا.

3- هل تجنبت الحكومة ممارسة الضغوط على القضاء وفي كافة الحلات دون استثناء...؟ لا.

4- هل كانت الحكومة جاده في القيام بواجبها في تنفيذ قرارات القضاء ودون استثناء...؟ لا. وإليك الدليل:

أصدرت المحكمة الاتحادية بتاريخ 4/ 11 /2019 قرارها بعدم وجود نص دستوري يلزم التعيين وفق مبدأ المحاصصة، هذا يعني بأن كافة التعيينات على اساس المحاصصة وفي كافة السلطات التنفيذية والبرلمانية والقضائية باطلة دستورياً ويتوجب إلغاءها، هل التزمت السلطة التنفيذية بحكم المحكمة الاتحادية البات والملزم لكافة السلطات بموجب الدستور...؟ لا.

5- هل أن الحكومة تجنبت بالفعل نسف جهود هيئة النزاهة وأجهزة القضاء ولم تسمح بخروج المدانين من الشباك بعد دخولهم من الباب...؟ لا. وإليك الدليل:

كم قانون عفو أعدته السلطة التنفيذية شمل المدانين بقضايا فساد وأقره مجلس النواب بسلاسة تامة واريحية مشهود لها وبمباركة رؤوس الكتل السياسية...؟

ولهذا نقول: إن التي ترتكب الفساد هي السلطة التنفيذية والتي تمنع مكافحة الفساد هي الحكومة بشخص رئيسها وبطانته من 2004 لليوم...

وعندما يطلق رئيس الجمهورية عبارات من قبيل أن مكافحة الفساد مهمة الجميع فأعلموا انه انما يريد من وراء ذلك تعويم قضية الفساد وقيدها ضد مجهول، وعندما يطلق رئيس الحكومة دعوات من قبيل أن مكافحة الفساد انما هي مهمة وطنية فأعلموا انه انما يريد بقوله عدم إلزام نفسه هو بالذات بوصفه راس السلطة التنفيذية التي تمارس الفساد والذي يقع على عاتقه هو بالذات 75% من مهمة مكافحة الفساد.

من هنا تأتي أهمية ان يكون راس السلطة التنفيذية رئيس الحكومة غير مشارك هو والمقربين منه في الفساد، مؤمن بقضية مكافحته وقادر على فرض ارادته على معيته، مؤمن بسلطة القانون واحترام استقلال القضاء واستقلال هيئة النزاهة، وعدم الخضوع لسطوة الكتل السياسية، الى جانب المواصفات الأخرى المتعلقة بالسياسة وحرصه على سيادة العراق واحترام ارادة وحقوق الشعب.

 

موسى فرج

 

نبيل احمد الاميرحينما تغيب مظاهر التجديد والتغيير والإبداع في المجتمعات، وتسود فيها مظاهر الرتابة والتعصب والجمود، والتغني بأمجاد الأجداد والأسلاف، ورفض الخروج عن مألوف الفكر والثقافة والسلوك..

وحين لايمكن الإعتراض على أوامر وتوجيهات ماتسمّى بالقيادات ووجوب الإنصياع لها دون إعتراض..

وحين يجب اللجوء والركون والإذعان للفكرة والرأي السائد في المحيط الذي ينتمون ويعيشون فيه، ويشعرون في ذلك الانتماء والتبني والخضوع براحة بال وطمأنينة نفس..

وحين يكون الحال مجرد مهرب من مواجهة الواقع والحياة، أو هو تلحّف بالدفء الذي قد يوفره إلغاء حال التفكير الفردي والإحالة والإلقاء بأعباء مسؤولية مهمة التفكير على آخرين ليقوموا بالتفكير والتوجيه نيابة عنه، ويرسموا تفاصيل حياتهم، ويحددوا الواقع والخيارات..

يكون المجتمع وأفراده قد تبنّوا مبدأ الصنمية الفكرية.. وأصبحوا أسرى لفكر متوقف لايقبل التجدد والتطور.. وهنا المشكلة التي يستوجب الوقوف عندها لحل أو لحلحلة هذا الجمود .

وهذا المسار والممارسة الجماعية اللاواعية نجده نتيجة الجهل وغياب الوعي المجتمعي، وهو من أبرز مظاهر التخلف والتراجع والتسلط في مجتمعاتنا، وكذلك الكثير من أزماتنا في الماضي والحاضر كان وراءها ذلك الجمود والتقليد .

إن من أهم أعراض هذا المرض اعتبار أنه ليس من حق الأفراد العاديين أن يفكروا، أو يستخدموا عقولهم، إذ كل ما عليهم هو مجرد السماع والتلقي، ومن ثم اعتبار أن رأي من يتم التلقي عنه أياً كان هو"الرأي الحاسم"الذي يجب العمل به في هذه المسألة أو تلك، والاعتراض هنا مرفوض، لأنه لا يجوز لأحد في أعراف الأمراض الصنمية الرد عليها أو انتقادها أو مناقشتها برأي يخالفها .

وأن أخطاءهم أو زلاتهم يتعين تبريرها والتهوين من شأنها، فهم يضيقون ذرعاً بكل من يمرق عن المألوف أو السائد، فهم لايريدون أن يفكروا ولا يسمحوا حتى لغيرهم بالتفكير، ولك أن تعجب كل العجب من أولئك الأتباع والمنافحين عن مدى تحفزهم للانقضاض على المخالفين، والحماسة التي يبديها الكثيرون منهم في إسكات وقمع كل مخالف، ظناً منهم أنهم إنما يدافعون عن الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فبضاعتهم غالباً ليست من خلال طرح رأي أو فكرة يتم تناولها وإثبات صحتها والرد على المخالف بالحجة والبرهان وإنما يكون ذلك بالسباب والشتيمة والاتهام والتخوين والتضليل في صورة تعبر عن حجم ومدى الخضوع والإقصاء.

إننا بحاجة ماسة إلى ترويض وتعويد أنفسنا على طرح التساؤل تجاه المألوفات، وما اعتدنا عليه في حياتنا والبحث عن البدائل الأخرى الممكنة لتحقيق نتائج أفضل، فالتعود على إثارة التساؤل هي خطوة مهمة في عملية الخروج من حال الجمود والتقليد الأعمى والدفع نحو الإبداع والتجديد، وفتح آفاق أوسع وزوايا جديدة للنظر، حتى لا يقتل لدينا الاعتياد من حولنا نعمة التفكير والتأمل .

نحن نشأنا في مجتمعاتنا فوجدنا أوضاعاً قائمةً فتعايشنا معها، دينية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو تعليمية وغير ذلك من دون أن نفكر ونتساءل هل نحن ملزمون بإبقاء تلك الأوضاع من حولنا على ما هي عليه؟

وهل هذه الأوضاع قادرة على التأقلم مع المتغيرات المتجددة من حولنا، أم هي متأخرة ومتخلفة عنها بكثير؟

وهل من حق كل فرد أن يبدي رأيه فيها ؟

لذلك مطلوب منا جميعاً أن نترك مساحة كبيرة بحجم استيعاب العقل للتفكر والتأمل بعيداً من منطق التمجيد والتصنيم لكل الآراء ووجهات النظر، وضرورة تعريض تلك الآراء والتصورات تحت أضواء العقل وفي ميزان النقد، وأن لا نجمّد عقولنا أو نسمح للآخرين دائماً أن يفكروا ويقرروا عنا، فهم بذلك يسلبون حريتنا ونبقى بعقول خارج نطاق الخدمة .

 

بقلم / د. نبيل أحمد الأمير

 

 

علاء اللاميإذا كانت انتفاضة تشرين معجزة في انطلاقتها فستكون معجزة في إسقاط من يحاول خطفها وستنتصر!

نشر الصديق سلام موسى جعفر مقالة مهمة تحت عنوان "الانتفاضة القادمة والانتفاضة المختطفة!"، يناقش فيها من موقعه كمؤيد ومناصر لانتفاضة تشرين ومساراتها وواقع حالها وآفاقها المتوقعة. توفر هذا المقالة فرصة طيبة للقيام بوقفة تحليلية نقدية لبعض ما ورد فيها ومن خلالها لتدبر بعض دروس الانتفاضة التشرينية نفسها أدرجها أدناه على شكل نقاط اختصارا وتوضيحا:

1- يُسجل للصديق الكاتب شرف المبادرة إلى مناقشة هذا الموضوع بهذا الوضوح والتفصيل والنقدية ومن موقع المؤيد والمتضامن مع انتفاضة تشرين المجيدة وأبطالها، وليس من موقع العداء والتشويه والتشكيك والتسفيه وتوجيه الاتهامات البائسة بالعمالة لأميركا و"إسرائيل" والسعودية، سواء كان هؤلاء المعادين من كتاب المليشيات وأحزاب الفساد المتحالفة مع إيران، أو من أولئك الموسوسين والمصابين برهاب التخوين والباحثين عن "المتآمرين الخونة" على طريقة شرلوك هولمز بطريقة فجة واستفزازية، لا تحترم دماء ضحايا القمع الدموي الذي ذهب ضحية له أكثر من سبعمائة شهيد وعشرات آلاف الجرحى والمعتقلين والمخطوفين أو للحقيقة.

يمكن الاتفاق مع الكثير مما ورد من تحليلات وتوصيفات وردت في المقالة ولكني اختلف معه في بعض الاستنتاجات المتسرعة والخطرة التي انتهى إليها ومنها:

2- لقد استنتج الكاتب مقدما، وقبل أن تنطلق الموجة الثالثة من الانتفاضة، وفي حالة انحسار وتراجع شاملة لها وانتشار جائحة كورونا، أنها تمت مصادرتها والسيطرة عليها من قبل عملاء أميركا. فهو يطرح سؤالا محايد ومشروعا في ظاهره يقول (هل ستبدأ الانتفاضة الجديدة من حيث انتهت الانتفاضة التشرينية؟) إن هذا السؤال المشروع يحتاج الى تحليلات معمقة ومعلومات وإحصائيات موثقة وأكيدة حول مسارات وإحداثيات وأحداث الانتفاضة وعواملها الدافعة والأخرى المعرقلة، قبل إطلاق أي حكم أو استنتاج جازم من قبيل (لنكن واقعيين ونعترف بان عربة انتفاضة تشرين وضعت على سكة القطار الأمريكي ولم يعد ممكنا حرف قضبان السكة)! وهذا جواب أقل ما يقال فيه أنه متسرع كثيرا.

3- ثم أن الكاتب يفصل بين (الانتفاضة التي تم اختطافها) والأخرى التي يصفها بالمحتملة وهو يقول (دعوني أعلن بصراحة ووضوح عن هزيمة انتفاضة تشرين التي ساهمت شخصيا وعن قناعة بالدفاع المستميت عن عفويتها، وحذرت بنفس الوقت من سرقتها وأشرت الى اللصوص بأسمائهم...). والحال، إن الواقع على الأرض لا يؤكد لنا أن انتفاضة تشرين قد هزمت أو خطفت من قبل من أشار إليهم الكاتب: فلا الانتفاضة في موجتها الثانية قد انتهت بالاختطاف لأنها تواصل التعبير عن رفضها لكل مشاريع وحلول النظام البائسة وترفض مرشحيه للحكومة الانتقالية الواحد تلو الآخر ومعهم ترفض برامجهم وحلولهم المخادعة، ولا الانتفاضة القادمة المحتملة صودرت لسبب بسيط هو أنها لم تبدأ بعد حتى نحكم عليها وعلى شعاراتها وتوجهاتها وقياداتها!

4- إن محاولات القوى والزمر والشخصيات التي توصف عادة بالمدسوسة والمندسة، سواء كانت تعمل  أو تتعامل مع بعض أحزاب النظام أو السفارات الأجنبية والجهات الفاسدة من خارج النظام وعلى مقربة منه، ليست جديدة بل بدأت نشاطاتها مع بداية الانتفاضة، وهي كانت مستمرة وناشطة طوال الانتفاضة في مرحلتيها السابقتين، وقد فشلت فشلا ذريعا في جميع محاولاتها لركوب الانتفاضة والسيطرة عليها، وكل ما حدث هو أن صوت هؤلاء المندسين أصبح عاليا في فترة انحسار الانتفاضة وانتشار الوباء وهذا أمر طبيعي يعبر عنه المثل الشعبي "لو غاب القط ألعب يا فأر"، والقط هنا هو التظاهرات المليونية والقوى العراقية الحية ذات المصلحة في إنهاء نظام المحاصصة الطائفية العميل والمحمي مكن قبل واشنطن وطهران،  ولا يمكن الاعتراف بنجاح هؤلاء إلا حين يفلحون فعلا في قيادة تظاهرة مليونية - أو حتى نصف مليونية - واحدة  تهتف بشعاراتهم الأميركية، وهم فشلوا في ما هو أقل من ذلك بكثير ولا يجرأون حتى على رفع العلم الأميركي  أو صورة صغيرة له.

5- لقد كانت آخر محطة من محطات الانتفاضة التي انتصر فيها الخطُّ الوطني على المندسين وأصدقاء السفارات الأجنبية هي حين دعوا الى القيام بتظاهرات واسعة تستهدف النفوذ الإيراني وتسكت على الاحتلال الأميركي وقواته وقواعده، وردا على هذه الدعوة لأصدقاء أميركا، خرجت التظاهرات المليونية في بغداد والمحافظات ودون ان يشارك فيها التيار الصدري الذي توقع أن تكون المشاركة فيها متواضعة ولكنها أذهلت الجميع وكررت موقف الانتفاضة الاستقلالي الأصيل  المناهض للاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية معا، وألقمت الساكتين على الاحتلال الأميركي من مدنيين ويساريين واتباع المقاولين حجرا كبيرا فضاعت أصواتهم في أمواج تلك المليونيات الهادرة.

6- نتذكر جميعا ما حدث بعد تلك التظاهرات، حيث أن الانتفاضة دخلت في مرحلة انحسار وتراجع لأسباب موضوعية وذاتية عديدة، وهنا ارتفعت أصوات أصدقاء أحزاب النظام والسفارات والمجموعات الممولة من مقاولي السياسة كالبزاز وفخري كريم والكربولي والخشلوك والزرفي وتكاثرت الخيم العشائرية والحزبية والتابعة لجهات دينية إثر ذلك، وبدأ بازار تشكيل الحكومة الانتقالية ثم جاءت جائحة كورونا لتدخل وتهيمن على المشهد العام.

 7- أعتقد أنه ما يزال من المبكر جدا الخروج بهذا الاستنتاج القائل إن الانتفاضة المحتملة (لن تكون لها علاقة بانتفاضة تشرين والسبب بسيط فهي انتفاضة محتملة ولم تنطلق بعد). هذا أولا، وثانيا، فالشباب الوطنيون والاستقلاليون الذين يعترف بوجودهم الجميع، ورغم ضعفهم العددي واللوجستي، ولكن تأثيرهم ما يزال جوهريا ومهما، وهم لا يزالون موجودين ولم ينسحبوا أو يستسلموا ويتركوا الانتفاضة للمجموعات والزمر المدسوسة والمندسة. وثالثا، لأن هذه المجموعات لم تشكل حتى الآن قوة مؤثرة وقائدة للانتفاضة وهي تطلق التصريحات والبيانات الركيكة والمضطربة حول المستقبل ولم تنجح حتى الآن في القيام بفعالية واحدة باسمها وتحت شعاراتها.

8- سيكون من المفيد والضروري التفريق بين ظواهر وأصوات وشعارات ظهرت منذ الأيام الأولى للانتفاضة، بخصوص معاداة إيران، وضعف الصوت المعادي للاحتلال الأميركي، والبحث عن سبب هذه الظاهرة في طبيعة المرحلة التي مرت بها الانتفاضة، وفي اعتماد السفارة والإدارة الأميركيتين أسلوبا خبيثا ونفاقيا هادئا ويغازل المتظاهرين، في حين اعتمدت إيران أسلوب العداء الصريح والفظ وتوجيه الاتهامات المهينة للانتفاضة والمنتفضين علنا وبشكل هستيري وعلى لسان كبار قادة النظام وهذا ما سهل مهمة أصدقاء وحلفاء السفارة الأميركية من مجموعات اندست بين صفوف المتظاهرين مستغلين حالة الغضب الذي أحدثته ردود الفعل الإيرانية والحليفة لإيران من الأحزاب والمليشيات الولائية، ورغم كل الاتهامات الموجهة لتلك المليشيات بالقتل قنصا واغتيالا وخطفا للمتظاهرين إلى جانب المتهم الأول أي الحرس الرئاسي الخاضع لأوامر عادل عبد المهدي، فقد ظلت غالبية المنتفضين على موقفها المتعاطف وحتى المدافع عن قواعد الحشد الشعبي وتضحياته وفرَّقت بين هذا الحشد المضحي وبين تلك المليشيات الحزبية الولائية الفاسدة وغير الدستورية.

9- يقول الصديق الكاتب لقد (اختفى الحديث عن تغيير الدستور واسقاط العملية السياسية وحل محله الحديث عن اختيار اسم لرئيس الوزراء بديلا عن الرئيس المستقيل، أو عن الانتخابات المبكرة. وهي نفس المواضيع التي تناقشها الأحزاب السياسية المشتركة في العملية السياسية تحت قبة مجلس النواب أو في تصريحاتهم اليومية). وهذا الكلام صحيح ويمكن الاتفاق معه، ولكن هذه الأمور لم تحدث مؤخرا بل اختلطت الأصوات الوطنية بالأخرى الانتهازية منذ الأشهر الأولى ونجاح التيار الصدري في دس كوادره في الانتفاضة وهم الذين قاموا مثلا بإزالة الشعارات الوطنية الجذرية من على المطعم التركي حين سيطروا علية وصار موقعا ومقرا لهم وللأسف فقد سكتت العناصر الوطنية على هذا الفعل العدواني والبلطجة السياسية. إن الأكثر دقة هو أن الحديث عن تغيير الدستور واسقاط العملية السياسية لم يختفِ تماما، ولكن أصوات الإصلاحيين المزيَّفين والناشطين المؤيدين للتيار الصدري والمرجعية الدينية والمجموعات المدنية اللبرالية الانتهازية وخاصة مجموعة فخري كريم وشعارهم الداعي إلى (الانتخابات المبكرة تحت إشراف دولي) والدخول في بازار الصرعات حول اسم رئيس وزراء الحكومة الانتقالية هو الذي أصبح سائدا، أما من حيث الجوهر فإن شعار تغيير النظام جذريا لم يسقط، بل تم احتواؤه فهناك من اعتقد أن الانتخابات المبكرة هي الطريق إلى تحقيق التغيير المنشود وهذا خطأ كبير وقاتل ولم يستطع الخط الوطني مواجهته بنجاح للأسف بل أن بعض ممثلي هذا الخط خُدعوا به واندرجوا مع المنادين به بدلا من يرفعوا الشعار الصحيح وهو تشكيل حكومة خبراء انتقالية باسم الانتفاضة تحل البرلمان وتجمد الدستور وتكافح الفساد وتحاكم قتلة المتظاهرين وتستعد لإجراء انتخابات تشريعية بعد كتابة دستور جديد.

10- نعم، لقد حققت أحزاب النظام التي حاولت الدخول في عماد وإحداثيات الانتفاضة وخاصة التيار الصدري وحزب الحكمة وتكتل العبادي "النصر" - مجموعة الزرفي، بعض الحضور في الانتفاضة، ونصبت بعص خيم الاعتصام وأثرت على مجراها، وكان لظروف الانحسار العام والوباء الذي جاء خلال ذلك دوره الكبير في هذه المساعي ولكن الأمور لم تحسم بعد، ولا يحتمل أنها ستحسم لصالحهم مع بداية الموجة الثالثة المحتملة من الانتفاضة.

11- ولهذا، سيكون من الصعب الاتفاق مع قول الكاتب (المحصلة هي أن أمريكا وعملاءها نجحوا في تحويل الغضب الشعبي على الأحزاب والمليشيات الموالية الى إيران الى عداء شعبي ضد إيران. واختفت من الساحات الشعارات الثورية التي سادت في الفترة الأولى ...أي أن ساحات التظاهر تحولت الى جزء من العملية السياسية التي خرجت من أجل اسقاطها). إن هذه التفاصيل التي يطرحها الكاتب هي في أحسن الأحوال مجرد مخاوف وشكوك واحتمالات ضعيفة لا يسندها الواقع وحجم الخراب في الفساد في العراق، وغنما زعيق إعلامي تطلقه أبواق الذين يحاولون اختطاف الانتفاضة. أي إن هذه الكلام ليست تحليلا علميا لواقع الحال وحركته وأحداثه فجماهير الانتفاضة غائبة اليوم لظروف طارئة ولكن ليست إلى الأبد، وفي غيابها فإن باستطاعة كل مجموعة من الأشخاص أن يجلسوا في خيمة ويصدروا بيانا يعبر عن مطالبهم البعيدة عن شعارات الانتفاضة ولكن أين سيذهب هؤلاء وبماذا سيهتفون حين يعود المارد الشعبي بتظاهراته المليونية الى الشوارع والساحات؟

12- وأختم بهذه الخلاصات المركزة: الانتفاضة التشرينية لم تنتهِ برنامجا وشعارات وطموحات لأن أسئلتها ودوافعها وأسبابها ما تزال قائمة بل وقد تفاقمت مؤخرا، ولكن موجتها الثانية انتهت بانسحاب مادتها الجماهيرية لظروف طارئة معروفة للجميع. وغن تلك المادة الجماهيرية الحية ستعود بمجرد زوال تلك الظروف الطارئة، وهي أحوج ما تكون الى التحليل الشجاع والقراءة الجريئة لنقاط ضعفها لمعالجتها ونقاط قوتها لترسيخها وتفعيها ومن أهم نقاط ضعفها:

* تأخرها وترددها في فرز قياداتها الميدانية في هيئة لجان شعبية ومجالس شعبية منتخبة من بين ومن قبل المشاركين في الانتفاضة وبشكل شفاف وعلني، والتبرؤ من كل الهيئات والتنسيقيات السرية والمجهولة.

* تعويلها على بعض أحزاب النظام وشخصياته الفاعلة والفاسدة، وعلى المرجعيات الدينية والمتمسكة بسياسة "وسط العصا"، وينبغي التوقف عن هذا التعويل ورفض أية محاولة من قيادات هذه الأحزاب والمرجعيات للنطق باسم الانتفاضة وجماهيرها وتطبيق شعار: الانتفاضة تعبر عن نفسها بنفسها ولا تحتاج إلى وسطاء ومفاوضين عبر بيانات صادرة عن لجانها ومجالسها المنتخبة في الميدان.

* تقيد الانتفاضة بالخطوط الحمراء التي وضعتها بعض الأطراف على حركتها وفعاليتها من قبيل عدم التظاهر والاعتصام في مناطق معينة في العاصمة بغداد، لهذا يجب منح صلاحية تحديد أماكن التظاهرات والاعتصامات وإحداثياتها للقيادات الميدانية في حالة التظاهرات المليونية.

* وأخيرا وبعد كل الذي قلته أعلاه أصارح القارئ أنني لا يمكن ان اكذب على نفسي وأزعم أنني متفائل بما يخص الانتفاضة ولكنني أيضا لست متشائما هذا "اللاتشاؤم" والأمل يصدر من حقيقة أن هذه المعجزة التي اجترحها شباب العراق ونسميها انتفاضة تشرين قد فاجأت التاريخ والناس لن تعجز عن تقديم معجزة أخرى تتجاوز بها عثراتها وأخطاءها ونقاط ضعفها وتلقي بمن يخرج على جوهرها الاستقلالي من تجار السياسة والمناصب والمتسلقين في سلة مهملات التاريخ وتتقدم إلى الأمام وستنتصر.

* وافر الاحترام للصديق الكاتب لأنه فتحت باب النقاش بقوة وضوح حول واقع وآفاق الانتفاضة، حتى لو جاء ذلك الوضوح مشوباً ببعض التشاؤم. نأمل ألا يؤثر ذلك سلبا على معنويات البعض والأمل كبير في أن يكون نوعا من تشاؤم العقل المطلوب والملازم لتفاؤل الإرادة بانتصار الشعب.

 

علاء اللامي

......................

رابط يحيل إلى مقالة الأستاذ سلام موسى جعفر:

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/2841   

 

"أشعر بإرهاق شديد، عبء كبير على كاهلي، مشاعري مختلطة في ظل الإجراءات الحالية".

هو ما ورد على لسان الطبيب السعودي" ناصر إبراهيم" في إصراره على البقاء في إيطاليا ليساهم في خدمة المصابين بالوباء الحالي" كوفيد 19" في مشفى" لودي" الذي خصص لذلك، والحديث يأتي اعترافا من الطبيب بالجميل لإيطاليا، حيث درس، وأقام، رغم أن الفرصة كانت مواتية له لينأى بنفسه في فندق خاص، كما أن العودة إلى رحاب الوطن كانت متاحة أيضا.

"فيديل كاسترو" الزعيم الكوبي يقول " أطباء لا قنابل، أطباء لا أسلحة ذكية ترمى على المدن، وتقتل البشر".

طبيبية مصرية تهاجَم، وتُطرد، فتغيّر مكان إقامتها هربا من ملاحقة العوام الذين يخلطون بين المطبّب، والمُصيب بالعدوى، ولو أن الفرصة قد سنحت لهم لحشروهما معا، وأوقدوا فيهما النيران.

الطبيب الصيني" لي وينليانغ" حين قرع ناقوس الخطر من نافذة هاتفه الصغير ليحذّر من هذا الوباء، هوجم من السلطة الحاكمة بأنه يسوّق لتدمير اقتصاد الوطن، رجل حاول ألا يفتح الأبواب لوباء سيهتك حجب العالم، يُتّهم بالافتراء والتضليل، إلى أن يغمر الموت والمرض ساحات الكون تفسيخا.

د. "منذر خليل" مدير الصحة في "إدلب" السورية يقول: لا يمكن لطبيب في العالم أن يفصل الإنسان في داخله عن المهنة التي يمارسها، عبر صراع ذاتي دائم الحضور يؤرقه، وينهشه إلى أن يتغلب نداء الواجب على أي نداء سواه.

طبيب سوري آخر كان يعالج المصابين في أحد المشافي في سورية، وعندما يعود إلى بيته يرى أن طائرات الإجرام قد حصدت عائلته، زوجته، وأولاده السبعة، وأخاها، يساعد في دفنهم ثم يعود إلى ممارسة مهنته، وكأن قلبه قد صُبّ فيه الفولاذ.

" لا مكان أمام الخوف، فوقتُ العالم من دم" عبارة يقولها البروفسور الطبيب "خير الدين آك دينيز" رئيس قسم الأمراض المعدية في كلية الطب في إحدى جامعات تركيا.

وجوه كثيرة تبرز اليوم ساطعة في ظل هذه الجائحة الكبيرة، تدفع إلى الغوص في تلك البؤرة الداخلية التي يمكننا أن نلقبها بالنفس، النفس التي تتنازعها المشاعر، والعوالم المتناقضة ما بين رفض وقبول، ما بين تمرّد، ورضوخ، وما بين أثرة، وإيثار، وتُوقّد التّساؤل: كيف يتحرك الإنسان فينا، وما الذي يحرّكه، وما الذي يهمّشه، وما الذي يئده في مكمنه؟

ما الذي يجعل بعض البشر متقاعسين بأنفسهم حين تتطلبهم الملمات، وما الذي يستثير أمثال هؤلاء الأطباء والممرضين، والمسعفين، والمتطوعين إلى اختراق المخاطر وقد كمّموا قلوبهم بدروع لا ثقوب فيها. هناك من يدّعي أنّه الواجب، وغيره إنه قسم " أبقراط"، وقد يفسره البعض بشعور إنساني محض يخصّ صاحبه، ويميزه عمن ينسب إليهم، شعور يستحثّ صاحبه أن يكون في الرّتل الأول من خط المواجهة، لكن الموضوع أكبر بكثير، فهو ذاته يدفع إلى الحيرة، والتحيّر أمام نماذج أخرى لأطباء عرفوا بالجزّارين وبالمرتزقة، أطباء استغلوا الظروف، ومالوا مع الركب حيث مال، فتحوّلت مباضع الشفاء في أكفّهم إلى مباضع لجزّ رقاب معتقلين أبرياء في السجون، وإبر الدواء إلى حقن في أجساد المظلومين حين ساندوا الظلم، ورعاته، وكم من أطباء ركبوا موجة الرّبح والغنيمة، فعموا عما أقسموا عليه، وتغاضوا عن نداء الواجب، وكم من أطباء غُيّبوا في ظلمات السجون والتّشرد، وكم منهم من لم يُعط فرصته لسبب أو لآخر فاضطرّ إلى الانحراف، أما منهم  من كان الوعي رديفه فقد استطاع حين انخرط في مساعدة الحكومات في درء البلاء أن يأخذ فرصته ويثبت نفسه في دول لجأ إليها، ولم تلتفت إليه لسبب أو لآخر. إنّ المحن كما يقال هي التي تسنّ السيوف، والخناجر، وهي التي تكشف الأقنعة، وهذا ما يجري الآن في ظل هذا الوباء الذي سيطر على العالم الإنساني برمّته معطّلا عجلة الحياة بمختلف فروعها.

تطالعنا في هذه الفترة صور، ومشاهد مختلفة، وأخبار عمّن ينذرون أنفسهم في سبيل تطبيب الآخرين، منهم من نراه في الإعلام، ومنهم من لم نسمع بما يجود به من نبل التضحية والعطاء. إنّ تتبّع فيديو يكشف لمُشاهده كم يجهد المسعف وهو يتهيّأ في معركة يتحصّن فيها استعدادا لمدارة المريض في آلامه، وهي وحدها الكافية بأن تشعره بمعاناة أولئك الذين يرتدون اللباس الأبيض، رجال البياض لو صحّت تسميتهم، وحمامات البياض لو صحّ إطلاقها عليهن، فلباس العمل أطواق وأطواق، وخلعه مشقّة، وتجريح، أما آثار الكمامات الواقية على الوجه فهي أشبه بلسع النار، وكأن الأطباء والممرضين قد خرجوا من حفلة شواء، شواء للمشاعر، شواء لأيام طوال لا يطعمون فيها مأكلا، إلا النذر اليسير، أما الشراب، فكثيرا ما يمتنعون عنه كي لا يضطروا إلى التّبول، ناهيك عن حفّاضات المسنّين التي صار منهم من يتحصّن بها لتحول بينه وبين اضطراره إلى الذهاب إلى الحمّامات مع ضيق الوقت، وتضاعف أعداد المصابين، وتلك الأكداس من الملابس التي لبسوها. هل من مقارن ذلك بنا، نحن الذين نجلس في بيوتنا وراء شاشات لاب توباتنا، وهواتفنا، نطعم، ونشرب، نكركر ضحكاتنا في أحضان أحبتنا، ولا نفتأ نردّد الشكوى تلو الأخرى، والتذمر من الحجز، والمنع تلو الآخر، وقتٌ فيه يغدو حضن العائلة، وإبداء قليل من التذمّر والشكوى لأولئك حلما، ووهما، جنود البياض الذين يُحارَب بعضهم من قبل أطراف مُنتظرٍ منها الاعتراف بالفضل، والتقدير، لكن الجهل الذي عرك عقول أولئك بالحمق قد أعمى بصيرتهم، فكم من مطبّب، وممرّض يحارب في مسكنه، ويحاصر من أبناء حيه، وبلدته الذين يخلطون ما بين من يعتني بهم ومن من الممكن أن ينقل إليهم الوباء، خلط مريع يفاقم معاناة أولئك الذين قد جنّدوا راحتهم، ومسرّاتهم لخدمة الآخرين، مما يُلجئ بعضهم إلى تغيير مقرّ إقامته فرارا من ذاك الاتّهام، وقد قرأنا عما حصل لهم في مصر، وعن نماذج أخرى في أستراليا، مما يعرّي تخوّفا يقوده الجهل، فيوازي بين العوالم في تخلّفها، وتحضّرها، لتبقى الإنسانية وحدها سلطان الموقف حين يمكث أولئك الخدّام على قيمهم  فلا يتراجعون أمام ما يؤذيهم، وإن بدرت منهم ردود أفعال، فهي لا تُقاس مطلقا بما يلحق بهم من ضرّ.

الحق يقال، إنّ الكتابة شكرا، وتقديرا لشموع الإنسانية تلك لهي من أصعب أنواع الكتابة، فلا الثّناء يفيهم حقوقهم، ولا خَفضُ القبّعات والهامات عرفانا بالجميل بكافٍ أمام تضحياتهم للبشرية في ظلّ هذا الظرف العسير، ولعل مقولة " كاسترو": أطباء لا قنابل، أطباء لا أسلحة ذكية ترمى على المدن، وتقتل البشر" كفيلة بتأكيد البون الشّاسع ما بين أنبياء ورسل، وما بين قتلة وصنّاع تدمير.

 

أمان السيد

كاتبة/ أستراليا

 

محمود محمد علييبدو أن محاولات الصين لتسويق نجاحها وانتصارها في جائحة كورونا لم تفلح حتي الآن، فهي علي جانب آخر أيضاً تواجه اتهامات أمريكية واضحة وأخري ضمنية أوربية، بمحاولة بسط نفوذها الاقتصادي علي العالم في ظل سياسات الإغلاق وتسويقها لسياسة التظاهر بالكرم، وهو ما يثير تساؤلات عديدة مجددا عن مسؤولية الصين في انتشار هذا الفيروس حول العالم؛  خاصة وأن الاتهامات تتضمن علامات استفهام حول الفيروس، وهل تحور بشكل طبيعي؟، أم أنه مصنوع في مختبر؟، وإن كان كذلك فكيف أفلت ليمسك برقبة الكرة الأرضية ويوقف حركتها؟ هل نحن بصدد حرب باردة جديدة بين الصين والولايات المتحدة  بعد أن اعتقدنا أن الحرب الاقتصادية السابقة قد وضعت أوزارها ولن تعود في شكلها السابق أو في شكل جديدة؟ وهل فعلا ًالفيروس صنع في الصين؟ ولماذا عاد الجدل مرة أخري حول فيروس كورنا إلي المربع الأول؟ ألم تصبح الولايات المتحدة والغرب عموماً أكثر المشككين في منشأ الفيروس وطبيعته؟ لماذا اتهموا الذين اعتبروا الكورونا لعبة دولية كبري من أصحاب نظرية المؤامرة بينما تحقق الولايات المتحدة الآن فيما إذا كان الفيروس طبيعياً أم مصنعاً؟ وكيف وصل الفيروس إلي حاملات الطائرات والغواضات الأمريكية والأوربية في عرض البحر دون أن يصل إلي بكين؟ ألا تطالب دول أوربية بتعويضات بمليارات الدولارات من الصين؟ أليست الأحداث التاريخية الاقتصادية المرافقة للكورونا مؤشراً صارخاً علي أنها باتت لعبة دولية إن لم نقل حرباً عالمية ثالثة بأسلحة جديدة؟ لكن في المقابل أليس من الخطأ ربط انهيار أسعار النفط بوباء الكورونا؟ ألا يمكن أن تكون الانهيارات الاقتصادية نتيجة طبيعية للوباء بعد أن شل حركة البشرية؟ ألا ينتمي كورونا المستجد إلي عائلة فيروسية تعود جذورها إلي ستينات القرن الماضي؟ ألم يصب العالم من قبل بأوبئة مشابهة عبر التاريخ؟ فلماذا ما يزال البعض يحاول التلاعب بعقول البشر وأعصابهم في هذا الوقت العصيب؟ ألا تواجه البشرية جائحة كبري بغض النظر فيما إذا كانت طبيعية أم حرباً استخباراتية دولية؟

من الصعب الإجابة بالتفصيل علي تلك التساؤلات، لكن يكفينا أن نسجل هنا ما ذكره البعض قائلاً بأنه في عالم السياسة الدولية لا يمكن أبداً وصف أي حادثة بهذا المستوي علي أنها جاءت عن طريق الصدفة، ففي العلاقات الدولية لا يوجد مكان للصدف وللأمور الطبيعية، فكل هذه الأمور عملية مبرمجة؛ إذ إننا يجب أن نرجع قليلاً للوراء وليس كثيراً لنري الظروف التي نشأت بها هذه الحالة الفيروسية، فنري أن الرئيس الأمريكي ترامب في بداية الأمر كان يعاني من ضغطاً خانقاً في محاولة لعزله عبر الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكي، وبنفس الوقت هدد في حدوث حرب أهلية داخلية فيما لو تم عزله، كما كان ترامب يعاني أيضاً من مشكلة مع إيران بعد أن قام بعملية اغتيال قاسم سليماني وشقيقه المهندس، وكان ترامب يتوعد بأن يضرب 52 هدفاً ثقافياً فيما لو قامت إيران بالرد، لكن إيران قامت بالرد ولكنه عجز عن الرد من خلال الجهة العسكرية المباشرة لديه، ثم بدأنا بعد ذلك نسمع بظاهرة فيروس كورونا التي تفشت في الصين، وهناك الكثير من التقارير التي أفادت بأنها جاءت حتي علي لسان مسؤولين صينيين قالوا بصريح العبارة بأن العدوي جاء عبر الجنود الأمريكيين الذين أتوا إلي ووهان تحديداً للمشاركة في عرض عسكري بعد أن أصيبوا بهذا الفيروس في أفغانستان في معامل أمريكا، أيضاً هناك تسجيل علي موقع جوجل في موقع براءات الاختراعات يؤكد براءة اختراع مسجلة في أمريكا بهذا الفيروس في 2015م، ثم تم تطوير هذا الفيروس في 2019  لذلك سمي بكوفيد 19، وبالتالي هذه الأزمة بدأت لفرملة الاقتصاد الصيني الذي كان يتفوق بكثير علي الاقتصاد الأمريكي بمئات التريليونات الدولارات، ويهدد بوجوده الاقتصاد العالمي، فحين تلقت الصين هذه الضربة قامت الصين بتشريح الفيروس ووجدت أنه مؤلف من 4 فيروسات من ضمنها فيروس السيدا، وبالتالي فهو ليس من تخلق الطبيعية، بل صنعته أمريكا كمحاولة للتعويض عن الحرب النووية الثالثة التي إن قامت بها سوف يتم تدمير العالم بأسره، فقامت بهذا المشروع التدميري للبشرية كلها، وبالتالي قامت الصين في تشريح هذا الفيروس، واعتبرت أن هذه حرباً بيولوجية شنت عليها، فقامت بتعديل هذا الفيروس وأعادته إلي مصدره في أمريكا وإلي الغرب وإلي القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في البحار وفي البراري العالمية، وبالتالي فقدت أمريكا القدرة علي السيطرة، ولو نلاحظ أن ترامب في بداية هذه الأزمة قد صرح أنه يملك ملايين العقاقير لهذا الفيروس، لكن بعد فترة وجد أن هذا الفيروس لا تصلح له العقاقير الأمريكية الجاهزة الصنع سلفاً، وبالتالي قام علي الفور وزير الخارجية الأمريكية " بومبيو" وطالب الصين وقال هذه العيارة :" يجب علي الصين أن تخبر العالم علي التطورات الإيجابية التي حدث لديها في مكافحة فيروس كورنا".. لكن هذا الهجوم الذي حاولت الولايات المتحدة اللجوء إليه لم تستطع أن تفرضه حقيقة علي الصين ولا علي مختبراتها، إذ تمكنت الصين أن تتعافي وأن تضرب هذا الفيروس في مناطقها، مع أنه كان قد كلف الصين الأعداد البشرية الهائلة، حيث إن هناك بعض التقارير حول أن شركات اتصالات دولية رصدت اختفاء 21 مليون خط هاتف من الصين ؛ بمعني أن هؤلاء قد ماتوا جراء هذا الفيروس، لذلك كان الرد الصيني عنيفاً علي الولايات المتحدة بهذا الاتجاه، وفقدت الولايات المتحدة السيطرة علي هذا الوباء الذي لم يعد كل المحاولات تصل معه.

لذلك اضطر الرئيس ترامب بوصفه جمهورياً إلي أن يلجأ إلي نفس الحيلة التي لجأ إليها من قبل الرئيس الأمريكي بوش الابن حين اتهم العراق بأنها تحوي أسلحة دمار شامل تبيد البشرية.. ولذلك وجدنا إدارة ترامب تزعم بأنها كشفت عن استخبارات أمريكية تحقق بجدية في نشأة الفيروس بمختبر ووهان ورغم استبعاد الولايات المتحدة الأمريكية لانتقال العدوي في شن حرباً بيولوجية، فإنها في الوقت نفسه تحمل بكين مسؤولية تسرب الفيروس، مرجحة حدوث خطأ بشري في مختبر ووهان، ولذلك  طلب الرئيس الأمريكي ترامب بإرسال محققين إلي الصين لبحث أبعاد تفشي كورنا ..

موقف الرئيس الأمريكي يأتي بعد اتهامه بكين مراراً بإخفاء معلومات هامة عن العالم حول أعداد الضحايا وحقيقة الفيروس بداية خلال تفشيه، علاوة علي أنه انضمت استراليا إلي فرنسا وبريطانيا في حملة تقودها واشنطن لمطالبة السلطات الصينية بالكشف عن المعلومات الحقيقية حول مصدر الفيروس، فيما قدم نواب جمهوريون في الولايات المتحدة تشريعاً يسمح للأمريكيين مقاضاة الصين للحصول علي تعويضات الوفاة والإصابة والضرر الاقتصادي الناجم عن تفشي كورونا ..وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

محمد بنيعيشأولا: الحجر الصحي بين الحتمية الطبية والشرعية والسياسية

مهما قيل ويقال وسال ويسال من مداد، ومهما رصد وخطط فلا بد من وجود بعض الفجوات عند التطبيق الأول لأي مشروع وعمل جاد وهادف. تلكم هي طبيعة العمل البشري الذي يتأرجح دائما بين الطموح والتعثر وفي النهاية الوصول.

وموضوع الحجر الصحي في ظل أزمة الفيروس كوفيد 19 والمصطلح عليه إعلاميىا وعاميا بفيروس كورونا لهو مما طرأ ففرض حالة الطوارئ. أي أن هناك مناسبة بين طبيعة الموضوع وضرورة الإجراء.

وفي لقاء إذاعي بوجدة في شرق المغرب بلدي الحبيب، وقبل فرض الطوارئ بيوم كنت قد اقترحت هذا الحل عند الاقتضاء والضرورة واعتبرت أن الالتزام به يدخل ضمن الحق العام من الناحية القانونية، وأن عدم الاستجابة له بمثابة انتحار جماعي، على وعي متواضع مني بالخطورة والطبيعة الانشطارية للوباء، وخاصة بهذا الحجم الكوروني المستعصي. كما أنه بالنسبة للمسلمين وفي بلد مثل المغرب، كغالبية البلدان العربية، يخضع للمراتب الثلاث الملزمة عقديا وفقهيا بضرورة الطاعة مصداقا لقول الله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ". وهذا يعني أن المواطن ينبغي أن يلتزم بالحرف لمقتضيات ما تصدره الدولة من قوانين تصب في صالحه، ليس كفرد فقط ولكن كجماعة وأمة. وإن لم يلتزم فقد يطبق عليه الأمر بالقوة ويستعمل في حقه الزجر المناسب مع خطورة الوضع ومقتضياته. والحال عند وباء كورونا لهو من أشد المخاطر، وبالمقابل فينبغي أن تقابله أشد الزواجر. لأن الأمر هنا ليس حرية فرد في قول أو فعل أو حق أكل ولبس وتنزه، وإنما هو خيار بين الموت والحياة لا وسط بينهما. إذن لا توسط في الردع ولا مجاملة وإنما الحزم ثم الحزم ثم العزم. ولا يعذر أحد بجهله للقانون، هذا في الحالة العادية فما بالك بالوضع الاستثنائي .

وربما يتوهم البعض بأن الأمر فيه شدة وغلظة، ولكن ما لنا من حيلة، فآخر الدواء الكي !. وخاصة حينما لا يريد البعض أن يفهم هذا المعنى ويتمادى في ظلمه لنفسه وغيره، بل للأمة ككل . هذا يتذرع بالفقر وذاك بالملل وآخر بالكساد، وهلم جرى من دعاوى حق ولكن وراءها وفي طيها باطل وضرر عام. فلم يكن ليعي البعض بخطورة الموضوع المادي ولا بأبعاده الدينية والروحية المترتبة عن العصيان واختراق الحجر الصحي عنوة وخلسة وما بين ذلك. وفي هذا الصدد يمكن أن نستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه". وأي ظالم أظلم ممن يعرض نفسه ومجتمعه للموت المجاني المحقق جهلا وتجاهلا، وتحديا باطلا واستنكافا. حتى إننا قد نرى كثيرا ممن لم يلتزموا شروط الحجر يتصرفون وكأنهم في ممانعة وخارج التغطية الإعلامية والواقع العالمي . فلا هم التزموا بيوتهم، ولا هم التزموا المسافة الوقائية فيما بينهم، ولا هم وضعوا كماماتهم، ولا هم سكتوا عن ترهاتهم واستهتارهم. مما يعني أنهم يعرضون أنفسهم وغيرهم لتعميم العذاب. أي المساهمة المتعمدة لانتشار الوباء الذي هو عذاب حقيقي بكل المقاييس. وهذا بالمفهوم العام الطبيعي أما الحكم الإلهي فلا نملك أن نقرر فيه . فقد يكون عذاب وليس عقاب وقد يكون عقاب ولا عذاب وقد يكون عقاب مع عذاب وهذا أشد وأخطر مآل. وتعريض الناس للوباء وانتشاره هو بمثابة تعميم العقاب. أي نكون نحن من فتح له الباب وزاد الطين بلة وأوقع الأمة في غضب عام وعارم.

وللحيلولة دون الوقوع الجماعي في هذا العقاب فينبغي إيقاعه على مستحقيه ممن خرقوا القوانين أولا وبالعمد، ثم على الذين خرقوه على غير عمد ولم يأخذوا الاحتياط والحذر. والقرآن الكريم يقول للمؤمنين"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا، وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا".

ثانيا: الواقع الاستثنائي والحزم في سد الخروقات

فنحن في حرب، وقوانين الحرب لها خصوصيات وطوارئ قد يصاب فيها المذنب والبريء والمحارب والمدني. ولكن في توقيع الزجر على العموم صلاح الأمة كما قال زياد بن أبيه - أبي سفيان- بعد خطبته البتراء المشهورة، كأول إعلان حالة للطوارئ في التاريخ، والتي كان من بين ما منع فيها: الخروج بليل بعد صلاة العشاء، حيث كان يوقع بالمخالفين أشد العقوبة، لمن علم ووصله خبرها ومن لم يصله. حتى قيل بأن أحسن وآمن فترة عرفها العراق كانت في عهد زياد بن أبيه.

وهذا الإطناب في شرح خطورة الوضع قد جرني إليه ما رأيت مؤخرا، مع تصاعد الإصابات والبؤر الوبائية الكورونية، من خروقات لدى بعض المتهورين في كثير من الأحياء الهامشية أو التي تقع أغلبها خارج مركز المدينة، حيث يقل حضور رجال الأمن والسلطة بشكل ملفت للنظر، وهذا مما يشجع البعض على أن يفعل ما يريد ويخرج متى يريد، طالما لم ير عسكريا ولا شرطيا ولا قائدا . . . وهنا قد تتولد البؤر الوبائية المركمة، وتهدد الجهود الجبارة والراقية التي تقوم بها الدولة بكل أطرها وأعوانها. ومن هنا فقد يقول البعض بأنه لا يمكن عمليا احتواء الكل، ومن رأى فليبلغ. وهذا كلام جميل ومعقول !ولكن حينما يكون النضج والوعي كاملا لدى الناس جميعا !. أما غير ذلك فيكون كمثل المشجعين المراهقين أو التلاميذ المشاغبين الذي يتحينون غيابا مؤقتا للمعلم فيشغبون ويلعبون ويكسرون ويخسرون، فتكون العصا حينئذ هي الحل الأنجع والأوجع!.

وحيث إن الأمر هكذا ولكي يبقى وطننا ودولتنا وشعبنا رائدا على الدوام وأنموذجا في محاربة هذا الوباء فأقترح بعض الحلول كطريقة للكشف والتصدي والإعلام المبكر للخروقات قبل الكشف عن كورونا نفسها. لأن هذه الأخيرة إذا لم تجد معاونين لها فإنها حتما ستموت قبل أن تميت : وستقف عند حدها في الوقت المناسب وبأقل الأضرار إن شاء الله تعالى. ومن بين هذه الاقتراحات:

1- الإلزام الصارم بالكمامات عمليا ولا يتساهل في الأمر أو يغض الطرف عن الأشخاص بمجرد أنهم يلفون حول أعناقهم قطعة من القماش لا تكاد تغطي أذقانهم، فلا هي كمامة ولا هي عمامة.

2- التنظيم الوقائي بحصر المسافات بمقدار مترين على الأقل بين الأشخاص عند التبضع لدى الدكاكين أو الإدارات العمومية ووسائل النقل المحلي، وذلك بخط خطوط عند الوقوف أو حواجز وتباعد. هذا مع إعطاء تعليمات لأصحاب المحلات التجارية للإمتناع عن المصارفة مع كل مخالف للقوانين الجاري بها العمل.

3- القيام بدوريات للشرطة، خاصة ودائمة، داخل الأحياء الشعبية بالنهار أكثر من الليل، تتكرر كل ساعتين أو ثلاث ساعات، إما بشكل رسمي أو بصورة سرية مع تسجيل نسبة الاختراقات والإعلام بها حالا، وتفريق المتجمعين بالقوة والعنف اللازم كعبرة للآخرين.

4- توظيف الدرون drone أو الطائرات المسيرة لرصد نسبة الخارجين، مع تكثيف المراقبة، و على إثر ذلك العمل على احتواء المنطقة. وللمسؤولين واسع النظر في ذلك، مع التركيز على عدم التراخي واستحلاء الآمال والأحلام الوردية قبل أوانها، فمن استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بحرمانه كما يقول الفقهاء.

كل هذا من أجل مصلحة هذا الوطن والمواطنين، وحماية مكتسبات الأمة ودعم وتأييد المجهودات الرائدة والمخلصة لعاهل البلاد الملك محمد السادس وكل مسؤول وفي وغيور على هذا الوطن المغربي العزيز، وإعطاء نموذج راقي لكل الأوطان المحبة للسلام والعافية، والوقاية خير من العلاج . " إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

كاظم الموسويلم تتوقّف الإدارات الأميركية وأجهزتها وحلفاؤها عن العدوان على العراق، وذلك منذ وُضع على لائحة الأهداف الإستراتيجية الأميركية للغزو والاحتلال والهيمنة عليه وعلى المنطقة، والسيطرة على الثروات والطاقات، ولا سيما بعد اكتشاف النفط والموقع الاستراتيجي والتنافس الإمبريالي. وتصاعدت الخطط منذ أواسط القرن الماضي، بأساليب مختلفة ليرسم الغزو والاحتلال عام 2003 ذروتها. وتحقّق للإدارة الأميركية ما كانت قد رسمته في احتلال البلاد والهيمنة على المقدرات وتوظيف من يخدمها في التطبيق والتخادم، طوعاً أو إجباراً، اختياراً أو إكراهاً، رغبة أو إغراءً.

كما أنجزت الإدارات الأميركية بناء قواعد عسكرية، ووزّعتها على خريطة العراق والمنطقة، إضافة إلى سفارات أكبرها في بغداد، وقنصليات تنتشر في المحافظات وتقوم بمنهج تعبوي مدروس ومنظم تحت شعارات كسب العقول والقلوب. وقامت بإعداد فئات اجتماعية، من مختلف الأعمار والأجناس، تابعة ومنفذة وجاهزة للتخادم الكامل مع المشاريع الاستعمارية في المنطقة.

تعتمد الاستراتيجية العسكرية الأميركية في العراق والمنطقة، لتحقيق أهدافها وتكريس نفوذها، على استمرار السيطرة والانتشار في الأرض والجو، ومن ثمّ العمل الميداني، سواء مع قيادات في القوات المسلّحة أو قيادات سياسية وأمنية. وجرّبت ذلك خلال تلك الفترة الزمنية، قبل الاحتلال وبعده، كما تزايد اهتمامها بعد تشكيل قوات «الحشد الشعبي» وتسليحها بقوة نارية مواجهة وقادرة على الرد المباشر، أو محاصرة الوجود العسكري الأميركي وخططه العدوانية. ورغم الاتفاقيات، وحتى المواقف المعلنة عن التعاون الأميركي ـــ العراقي الرسمي، وممارسة النفوذ السياسي، قامت القوات العسكرية الأميركية بتوجيه ضربات عسكرية غير قليلة لمواقع تابعة لـ«الحشد الشعبي» والجيش، وفاقمت ذلك باغتيال القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في بغداد، معترفة بما قامت به ومعلنة أهدافها من كل ذلك. ثمّ جاءت الخطوات الأخيرة التي تسرّبها، لتقع في إطار انسحاب منظّم من مواقع، وإعادة انتشار في المنطقة العربية بكاملها، وتهيئة وتحضير لمخططات عدوانية، لم تعد سرية كثيراً، تشمل أهدافاً أوسع ممّا يقوله التسريب أو الحوار عنه. وقد تتوسع الرقعة الجغرافية لتشمل إيران وما بعدها، اقتصادياً وأمنياً.

ففي الوقت الذي تعلن فيه قيادة القوات العراقية تسلّمها لقواعد ومعدات عسكرية أميركية، تصرّح قيادات عسكرية أميركية بأنها تقوم بـ«إعادة تموضع طويل الأمد»، وانتشار جديد لقواتها وصيانة قواعدها وقوّاتها من أيّ هجوم مبيّت أو مُعلن ضدها، كما أخذت تذيعه أوساط أميركية وعراقية متخادمة معها.

يفضح هذه التحركات والتنقلات، تعزيز الوجود العسكري كما نشرت وكالة الأنباء «سبوتنيك» نقلاً عن مصدر أمني عراقي، يوم 14 آذار/ مارس، قوله إن قوات الفرقة 101 الأميركية الهجومية الجوية الوحيدة في العالم، في طريقها إلى العراق، لتبادل المواقع في أحد المقارّ العسكرية العراقية، بالتزامن مع التصعيد بالصواريخ. وبحسب المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، من داخل قاعدة عسكرية جوية بارزة في العراق، فإنّ عناصر الفرقة 101 الأميركية المحمولة جواً ستصل إلى القاعدة، في تبادل أماكن مع شركة أمنية. وأضاف المصدر، أن قوات المشاة البحرية الأميركية (المارينز)، موجودة في القاعدة الجوية ـــ التي شدّد على عدم ذكر اسمها تحسباً لأي قصف صاروخي قد يستهدفها ـــ لتنضم لها الفرقة 101 القادمة حتماً من إحدى قواعد الولايات المتحدة الأميركية في دول الخليج.

تُعرف فرقة 101 باسم «النسور الزاعقة»، وقد استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية في الحرب ضد العراق إبان عدوان «عاصفة الصحراء»، أو ما تُعرف بـ«معركة الخليج الثانية»، وأمّ المعارك، إثر اجتياح الكويت مطلع تسعينيات القرن الماضي. ويأتي وصول الفرقة الأميركية إلى العراق، بعد ساعات من استهداف قاعدة التاجي العسكرية، شمالي العاصمة بغداد، بـ33 صاروخاً من نوع «كاتيوشا»، وهي تضم قوات عراقية، وبعثة من «التحالف الدولي». وقد تسبّبت بإصابة اثنين من منتسبي الدفاع الجوي العراقي بجروح خطرة، وحالتهما حرجة، بحسب بيان لقيادة العمليات المشتركة.

صاحَب إعلان هذا الخبر تناقُض التصريحات الرسمية حوله، وكذلك التكهّنات السياسية والأمنية، فبين تكذيب إلى تنبيه إلى بث إشاعة حرب أو رعب، إلى تأكيد انسحاب قوّات «التحالف»، والتي جلّها قوّات عسكرية أميركية، تؤكّد مصادر أمنية، بحسب ما نشرته جريدة «الأخبار»، منذ فترة، أنّ الأخيرة تسعى إلى «انسحاب سلس من دون ضجّة»، لافتة إلى أنّ الجانب الأميركي يرفض الإفصاح عن «جدول زمني محدّد»، إذ يضع الجانب العراقي في «الإطار العام، من دون الخوض في التفاصيل... لأسباب أمنية وسياسية أيضاً». وإضافة إلى القواعد الثلاث، ترجّح المصادر ذاتها المذكورة في «الأخبار»، انسحاب القوّات الأميركية من معسكرات «بسماية» (محيط بغداد) و«المزرعة» و«طارق» (محيط الفلوجة)، وكذلك كركوك والقيارة، في الأسابيع القليلة المقبلة. ويبلغ عديد القوّات حوالى 220 عسكرياً، على أن يكون تموضعهم الجديد في «عين الأسد». وبذلك، يبلغ عديد المنسحبين قرابة الـ 820 جندياً، من 6 قواعد من أصل 12 جرى الحديث عنها.

انسحاب من جهة، وشنّ حرب نفسية، وادّعاء الخوف من تفشّي جائحة «كورونا»، بدعوى افتقار العراق إلى البنية الصحيّة التحتيّة اللازمة لمواجهة الجائحة العالمية، وتهديدات من جهة أخرى، وتصعيد في لغة الخطاب والتسريب لأخبار العدوان، مصحوبة مع انتشار أخبار الخطط الجديدة، لقوات التحالف، وخاصة انسحابات أعداد من قوات بريطانية وألمانية وإسبانية ودانماركية وفرنسية، وربما غيرها، ممن لا يُعرف اسمها وعددها أيضاً، وهو ما قد يكشف في الأيام المقبلة عن أمور ليست في الحساب أو في التطورات المتوقّعة. أما الحكومة الاتحادية (المستقيلة أو المقبلة) فمعنيّة بتنفيذ القرار البرلماني القاضي بجدولة انسحاب القوات العسكرية المنتشرة في العراق، وتحديد جدول زمني لها، رغم سعة الخلافات حوله وانكشاف الصلات والاتصالات بين القوى السياسية واختراقات الجهات الخارجية وضغوطها.

لهذا، لا يُستغرب في العراق، أن عدداً من الهجمات التي شنّتها القوات الأميركية أو توابعها على معسكرات عراقية و«الحشد الشعبي»، وردّت جهات لم تعلن عن نفسها عليها، استنكر رد الفعل هذا بقوة، ولم يتطرّق إلى العدوان، من ممثلي الأمم المتحدة والرئاسة العراقية ورئاسة البرلمان وأحزاب كردية وغيرها. وهو أمر يلفت الانتباه إلى سعة التخادم والاختراق والمصالح المختلفة، لكلّ الأطراف التي همّها الاستجابة للضغوط الأميركية والتنكّر لقرار البرلمان والقوى العراقية التي تعمل عليه. ولكن موضع الاستغراب فيه حصوله في ظروف حرجة في العراق والمنطقة.

زيادة في التصعيد الأميركي، تنشر وسائل إعلام أميركية، ومنها أو أبرزها صحيفة «نيويورك تايمز» (2020/03/27)، أخباراً عن قرارات وأوامر من وزير البنتاغون للقيادات العسكرية للتخطيط لتصعيد الأعمال العسكرية في العراق، ضد ما يسمونه حلفاء إيران، والتحضير لحرب داخلية بقوات محلية وأميركية تدعمها، عدداً وعدّة. يأتي ذلك مع زيادة في الأعداد والمعدّات وتدريبات خارج العراق وداخله، والإعلان عن الخطط والنوايا في القصف والاغتيال والإنزال والتصدّي للهجمات المضادة، وغيرها من الخطط والعمليات العسكرية التي تعلن بتفاصيلها في خلاف أيّ عمل مسبق مثيل لها. ويعني هذا الأمر أنّ العدوان والاحتلال الأميركيين مستمران على العراق، وهناك من يعيد تهيئة الأرض والجو والإعلام، وكأنه في ملعب سيرك، لا خطط حرب وغزو واحتلال للبلاد ودمار للعباد.

 

كاظم الموسوي  

 

الفصل 10 من كتاب: بذور للتهديم،

البرنامج الخفي للتلاعب الجيني (2007)

تأليف F. William Engdahl

ترجمة: عزام محمد مكي


"إن السبب من تواجدنا في العراق، هو لزراعة بذور الديمقراطية حيث ستزدهر وتنتشر في انحاء أنظمة الاستبداد في المنطقة"

جورج دبليو بوش

علاج الصدمة الاقتصادية على الطريقة الامريكية

عندما تكلم جورج دبليو بوش عن زراعة " بذور الديمقراطية" لم يدرك الا القليل بانه كان يفكر بالبذور المعدلة وراثيا من قبل مونساتو.

بعد الغزو الامريكي للعراق في آذار 2003، تغيرالواقع الاقتصادي والسياسي للبلد بشكل جذري. لم يتم إحتلال العراق فقط من قبل حوالي 130 ألف من القوات الامريكية وجيش صغير من الجنود المرتزقة المرتبطين بالبنتاغون، إنما كان كان تحت السيطرة الاقتصادية الشاملة من قبل المُحتل، المتمثل بالولايات المتحدة.

لقد قام البنتاغون بمهمة تنفيذ السيطرة على الاقتصاد العراقي. في آيار 2003، تم تعيين بول بريمر الثالث كمسؤول عن سلطة الأئتلاف المؤقته (CPA)، التي تم أنشاؤها حديثا، وهي سلطة الاحتلال من وراء الستار. وقد شغل بريمر ، وهو المسؤول السابق عن الارهاب في وزارة الخارجية الامريكية، منصب المدير العام لشركة الاستشارات القوية الخاصة بوزير االخارجية السابق هنري كيسنجر والمسماة ( Kissinger Associates).

من نواح عديدة، مثل العراق المحتل من قبل امريكا، فرصة أفضل بكثير من الأرجنتين. لقد مثل ألاحتلال الأمريكي للعراق الوسيلة لجعل النظام الزراعي لكامل البلد تحت هيمنة الشركات الزراعية التي تستخدم تكنولوجية التعديل الوراثي للكائنات. فبكل بساطة قدمت إدارة الأحتلال الامريكي عرضا للفلاحين العراقيين لايمكنهم رفضه:" أن تأخذوا بذورنا المعدلة وراثيا مقابل أن لا تموتوا". لقد كان بريمر المسيطر، بحكم الواقع، على مسألتي الحياة والموت في كل مجال من مجالات الأنشطة المدنية في العراق المُحتل. ومن الجدير ذكره، انه لم يقدم تقاريره الى وزارة الخارجية وهي المسؤولة عن إعادة البناء، ولكن بدلا من ذلك كان يقدمها مباشرة الى مكتب وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، في البنتاغون.

كمسؤول عن سلطة الأئتلاف المؤقته (CPA)، تحرك بريمر بسرعة لصياغة مجموعة من القوانين للتمكن من حكم العراق، الذي كان في ذلك الوقت يفتقر للدستور ولحكومة مٌشكلة بشكل قانوني. لقد بلغ العدد الكلي للقوانين الجديدة التي وضعتها سلطة الاحتلال الامريكية المائة قانون، على ان يتم تطبيقها من شهر نيسان 2004.[1] بشكل عام، فأن المائة من القوانين الجديدة، أو الأوامر كما كانت تُسمى، الجديدة والتي صدرت بتفويض من قبل الولايات المتحدة، ستضمن إعادة تشكيل الأقتصاد العراقي على غرار نموذج نظام أقتصادي للسوق الحرة مُفوض من الولايات المتحدة؛ الشئ المشابه لما تم فرضه من قبل صندوق النقد الدولي و واشنطن، على أقتصاديات روسيا وبقية جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة بعد 1990.

لقد كان الهدف من التفويض الذي أُعطي الى بريمر من قبل المخططين في البنتاغون تحت إدارة رامسفيلد، هو لفرض "علاج الصدمة" الذي سيحول كامل النظام الاقتصادي المركزي المعتمد على الدولة، الى نظام اقتصاد السوق الحر. لقد أجرى تغيرات اقتصادية كبيرة في شهر واحد، اكثر من التغيرات الاقتصادية التي تم أجبارها على الدول المَدينة في امريكا اللاتينية في ثلاثة عقود.

وكان أول عمل قام به بريمر قيامه بفصل نصف مليون موظف للدولة، معظمهم من الجنود، ومن ضمنهم كذلك أطباء، ممرضين وممرضات، والمشتغلين بالنشر والطباعة. والأجراء التالي الذي قام به كان بفتح الحدود لواردات غير مُقيدة؛ بدون تعريفات، بدون رسوم كمركية، بدون تفتيش وبدون ضرائب. بعد وصوله بغداد بأسبوعين أعلن بريمر بأن العراق سيكون "مفتوح للأعمال الاقتصادية". ولكنه لم يفصح لمن ستكون هذه الأعمال الأقتصادية، ولكن هذا اصبح واضحا بمرور الزمن.

قبل الأحتلال, كان هنالك حوالي 200 شركة مملوكة للدولة هيمنت على الإقتصاد الغير نفطي، كانت تقوم بأنتاج كل شئ من السمنت والورق الى مكائن غسيل الثياب. في حزيران 2003 قام بريمر بخصخصة هذه الشركات المملوكة للدولة بشكل فوري.

وفي تصريحه لتبرير الخصصة "إن تحويل مؤسسات الدولة الغير كفؤة الى أيدي القطاع الخاص" كما قال " شئ ضروري لأنعاش الاقتصاد العراقي". ستكون خطة الخصخصة العراقية أكبر عملية بيع لتصفية الدولة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

لقد نص ألأمر رقم 37 الصادر من سلطة الأتلاف المؤقتة على تخفيض معدل الضريبة المستوفاة من حوالي 40% إلى 15%. بدون المداخيل الضريبية لن يكون بمستطاع الدولة ان تلعب دور كبير في اي مجال. أما ألأمر 39 فسمح للشركات الاجنبية بتملك 100% من أصول عراقية خارج قطاع المصادر الطبيعية. بهذا ألأمر تم رفع القيود عن ألأنشطة ألأقتصادية الاجنبية في البلد. فلن يكون مطلوبا من هذه الشركات إعادة الاستثمار ولن تستقطع منها الضرائب. ومن الواضح للعيان بأن المستفيدين من هذه القوانين لن يكونوا العراقيين ولا الاقتصاد العراقي.

وتحت ألأمر 39، تستطيع الشركات الاجنبية ان توقع عقود إيجار وعقود يمكن ان تستمر لمدة أربعين عاما. أما ألأمر 40 فقد رحب بالبنوك الاجنبية للعمل في العراق تحت نفس الشروط الملائمة. والشئ الذي لائم مثل هذا الاستحواذ الاجنبي على الاقتصاد هي تلك لقوانين المتبقية من عهد صدام والمقيدة للنقابات و (collective bargaining).

وبين ليلة وضحاها تحول العراق من الدولة ألأكثرعزلة في العالم، ليصبح السوق الأكثر إنفتاحا وحرية. مع الدمار الذي حصل للأقتصاد والنظام المصرفي، والذي سببته الحرب وأكثر من عقد من الحصار الاقتصادي الذي قادته الولايات المتحدة، لم يكن العراقيين في وضع يُمكنهم من شراء شركات الدولة التي تمت خصصتها. كانت الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات هي الجهات الفاعلة المحتملة الوحيدة التي قد تستفيد من مخطط بريمر للانتعاش الاقتصادي الكبير.

لقد تم فرض القوانين الجديدة على بلد مُحتل ومدمر، مع عدم وجود إمكانية للأعتراض، بأستثناء عمليات التخريب العسكرية وحرب العصابات ضد المُحتلين. إن القوانين المأئة الجديدة التي سنتها سلطة التحالف المؤقتة (CPA) – وكيلة حكومة الولايات المتحدة الامريكية المحتلة – لجذب المستثمرين الاجانب للعراق، اعطت كامل الحقوق والسيطرة على ألأقتصاد العراقي للشركات المتعددة الجنسيات.

والأدهى من ذلك، إن هذه القوانين قد تمت صياغتها بطريقة تسمح بفتح الطريق لأكثر تحول جذري لنظام الانتاج الغذائي تمت محاولته في البلد من قبل. كان على العراق، تحت سيطرة بريمر، ان يصبح نموذجا للأعمال الزراعية المستخدمة لتكنولوجية التعديل الوراثي للكائنات (GMO).

قانون بريمر رقم 81

لقد حددت سلطة التحالف المؤقتة صراحة ما هو الحجم القانوني للقوانين (ألأوامر) المئة. لقد تم تحديد الأمر كونه " تعليمات أو توجيهات مُلزمة للشعب العراقي التي تؤدي إلى عواقب جزائية أو لها تأثير مباشر على الطريقة التي ينتظم وفقها العراقيين، بما في ذلك تغيرات تجري على القانون العراقي". وبعبارة أخرى، لقد تم إخبار العراقيين " أعمل وفق ذلك أو تموت". متى ماكان هنالك امكانية لوجود تعارض بين القانون العراقي السابق مع أوامر (قوانين) بريمر المائة، يكون القانون العراقي باطلا أو لاغيا. كان قانون ألأحتلال هو ألأعلى.[3]

مدفونا عميقًا بين المراسيم ، التي تتعامل مع كل شيء من وسائل الإعلام إلى خصخصة الصناعات الحكومية ، كان ألأمر 81 الذي خص "براءات الاختراع والتصميم الصناعي والمعلومات غير المكشوف عنها والدوائر المتكاملة وقانون الأصناف النباتية." لقد نص ألأمر 81 على:

11- تم تعديل المادة 12 لتُقرأ كالآتي: " تمنح براءة الاختراع صاحبها الحقوق التالية:

1- عندما يكون موضوع براءة الاختراع مُنتج، الحق ان يمنع اي شخص لم يحصل على تفويض صاحب براءة الاختراع من صنع أو استغلال أو استخدام أو عرض للبيع أو بيع أو استيراد هذا المُنتج."

12- تم تعديل المادة 13.1 لتُقرأ كالآتي: " لا تنتهي مهلة دوام البراءة قبل انقضاء مدة عشرين سنة للتسجيل بموجب أحكام هذا القانون اعتباراً من تاريخ إيداع طلب التوثيق بموجب أحكام هذا القانون."

وهنالك حكم آخر تضمنه ألأمر 81 نص على " يُحظر على الفلاحين من إعادة زراعة بذور الاصناف المحمية أو اي صنف تم ذكره في المواد 1 و 2 للفقرة (C) للمادة 14 من هذا الفصل." علاوة على ذلك، فأن الأمر 81 الصادر من سلطة التحالف المؤقتة (CPA) عدل قانون براءة الاختراع والتصميم الصناعي العراقي لحماية الافكار الجديدة في اي مجال في التكنولوجيا متعلقة بالمنتج أو عمليات التصنيع. وتضمنت التعديلات السماح لشركات في العراق، أو في بلدان هي أعضاء في معاهدة ذات صلة يكون العراق عضوا فيها، توثيق براءات اختراع في العراق. وتمنح هذه التعديلات صاحب براءة الأختراع الحق بمنع اي شخص ليس لديه تفويض من المالك من إستغلال مُنتج أو عملية أنتاج محمية ببراءة ألأختراع، لمدة عشرين سنة من تاريخ توثيق براءة ألأختراع في العراق. كما تسمح التعديلات للأفراد والشركات لتوثيق تصاميم صناعية.[4]

من الواضح جدا للعيان فإن ألأمر 81 قد أعطى أصحاب براءاة ألأختراع لأصناف النباتات ( والذي تصادف إنها شركات متعددة الجنسيات كبيرة) حقوقا مطلقة على استخدام بذورهم في الزراعة العراقية لمدة 20 عاما. في حين قد يبدو ذلك نصًا تجاريًا عادلًا ومعقولًا لتعويض شركة أجنبية عن ملكيتها الفكرية ، إلا أنه في الواقع كان غزوًا لسيادة العراق. لم يعترف العراق، مثل الكثير من البلدان، أبدا بمبدأ براءات الأختراع التجارية على أشكال الحياة مثل النباتات. لقد تم منح براءات الاختراع لشركات مثل مونسانتو(Monsanto) أو دوبونت (DuPont) من قبل الولايات المتحدة أو غيرها من سلطات براءات ألأختراع الأجنبية.

ما قام به ألأمر 81، في الواقع، كان بتغير قانون براءة الأختراع العراقي من أجل الاعتراف ببراءات الاختراع الاجنبية بغض النظرعن مدى شرعية مثل هذه البراءات بموجب القانون العراقي. ظاهريا، بدا إنه تُرك للعراق الخيار ان يرفضوا شراء البذورالمحمية ببراءة اختراع من (Monsanto ) أو غيرها من الشركات، و زراعة بذورهم التقليدية المحلية. في الواقع ، كما كان واضعو الأوامر 81 يدركون جيدًا ، كان لها تأثير معاكس تمامًا.

كانت الأصناف النباتية المحمية عبارة عن نباتات معدلة وراثيا أو نباتات معالجة جينيا، والمطلوب من المزارعين العراقيين الذين يختارون استخدام هذه البذور في الزراعة أن يوقعوا على إتفاق مع الشركة صاحبة براءة الاختراع، يشترط عليهم بدفع " رسوم التكنولوجيا" ورسوم عن الرخصة السنوية التي تسمح بزراعة هذه البذور المحمية ببراءة الاختراع.

أي مزارع عراقي يسعى إلى أخذ جزء من تلك البذور الحاصلة على براءة اختراع لإعادة زراعتها في سنوات الحصاد التالية سيخضع لغرامات باهضة من قبل موردي هذه البذور.إذا حدث الشئ نفسه في الولايات المتحدة ، فستطالب شركة ((Monsanto، وحتى صدر حكم المحكمة، بضرر عقابي يساوي 120 ضعف تكلفة كيس بذورها المعدلة وراثيًا. كانت هذه فرصة للمزارعين العراقيين ليصبحوا تابعين ليس لصدام حسين ، بل لعمالقة شركات البذور المعدلة وراثيا متعددة الجنسيات.

في صميم ألأمر 81 كان حكم حماية أصناف النبات (PVP). فبموجب هذا الحكم يصبح الاحتفاظ بالبذور وإعادة استخدامها غير قانوني. فالمزارعون الذين يستخدمون البذور المحمية ببراءة الاختراع أو حتى شبيهة بها، سيكونوا تحت طائلة أقسى العقوبات قد تصل الى السجن. على كل حال فأن أصناف النباتات التي تتم حمايتها هي ليست التي انحدرت من 10،000 سنة من عمليت التهجين والتطوير في الزراعة في العراق. بدلا من ذلك فقد قُدمت الحماية لدعم حقوق الشركات العملاقة متعددة الجنسيات ليستطيعوا إدخال بذورهم ومبيداتهم الزراعية الى السوق العراقية مع حماية كاملة من قبل حكومتي الولايات المتحدة والعراق معا.

تدمير كنز البذور العراقي

العراق تاريخيا جزء من من بلاد مابين النهرين، مهد الحضارة، حيث لالآف السنين وفر الوادي الخصيب بين نهري دجلة والفرات لنشؤ الشروط المثاليه لزراعة المحاصيل. لقد تواجد الفلاحون العراقيون تقريبا 8،000 سنة قبل الميلاد، وقاموا ببتطوير البذور الغنية تقريبا لكل أصناف القمح المعروفة حاليا في العالم. لقد قاموا بهذا العمل من خلال نظام يتضمن حفظ بعض البذور وإعادة زراعتها ، فيطوروا بذلك أنواع مقاومة جديدة مُهجنة بشكل طبيعي من خلال الزرع الجديد.

لسنوات، والعراقيون يقومون بحفظ عينات من ألأنواع الطبيعية لهذه البذور الثمينة في البنك الوطني للبذور، الموجود في أبي غريب، المدينة التي اشتهرت عالميا كموقع للسجن العسكري للتعذيب تحت إدارة الولايات المتحدة. بعد غزو العراق ومختلف حملات القصف عليه، تلاشى البنك التاريخي والثمين للبذور في ابي غريب، وكان ضحية أخرى للحرب على العراق.

مع ذلك، إتخذت وزارة الزراعة العراقية السابقة الاحتياطات لإيجاد بنك بذور إحتياطي عند الجارة سوريا حيث لازال تُخزن بذور القمح المهمة من خلال منظمة تُدعى ألمركز الدولي للأبحاث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) ومقرها في حلب، سوريا. مع خسارة بنك البذور في أبي غريب، كان يمكن ان يقوم (ICARDA)، وهو جزء من المجموعة الاستشارية العالمية حول ألأبحاث الزراعية العالمية (CGIAR) لشبكة بنوك البذور، بتزويد العراقيين بالبذور من مخزونها لو رغبت سلطة ألتحالف المؤقتة بطلب هذه المساعدة.[5] ولكنها لم تقم بذلك. لقد كان لمستشاري بريمر مخطاطات أخرى لمستقبل العراق الغذائي.

كان من المفترض ان تتم "عصرنة" و تصنيع و إعادة توجيه الزراعة العراقية بعيدا عن الزراعة العائلية التقليدية متعددة المحاصيل ليصبح على غرار شركات الأعمال الزراعية في الولايات المتحدة، لتنتج من أجل "السوق العالمية". أما خدمة أحتياجات ألأمن الغذائي للعراقيين الجياع فتصبح حاجة عرضية في المخطط.

تحت حكم قانون بريمر رقم 81، اذا قامت احدى الشركات العالمية بتطوير صنف بذور مقاوم لآفة عراقية معينة، وقام احد الفلاحيين العراقيين بزراعة صنف آخر له نفس المواصفات، فتعتبر عملية غير قانونية ان يقوم الفلاح بحفظ بذوره. بدلا من ذلك فهو مُلزم بدفع رسوم مُلكية لأستخدام البذور المعدلة وراثيا الخاصة بشركة مونسانتو.

في أواخر التسعينات، قامت إحدى شركات البيوتكنولوجي الامريكية، SunGene، بالحصول على براءة إختراع لنوع نبات عباد الشمس يمتاز بأحتوائه على نسبة عالية من حامض الأوليك (Oleic acid). على كل حال، الشركة لم تحصل على براءة إختراع كامل التركيبة الجينية. لقد قامت بالحصول على براءة اختراع صفة النسبة العالية لحامض الأوليك فقط ، مُدعية الحق في ذلك. لقد أخبرت شركة (SunGene) مربي عباد الشمس الآخرين إنه في حالة تطويرهم لنوع "ذو نسبة عالية من حامض ألأوليك"، فسيُعتبر ذلك إنتهاكا لبراءة ألأختراع.

"إن منح براءات ألأختراع لتغطي جميع الأنواع المعدلة وراثيا من صنف معين.. تضع في أيادي مخترع واحد الامكانية للسيطرة على ما نزرع في حقولنا و في حدائقنا،" هذا ما يقوله الدكتور (Geoffrey Hawtin) مدير عام المعهد الدولي للموارد الوراثية النباتية. "فبجرة قلم يمكن ان يتم أبطال بحث عدد لايحصى من الفلاحين و العلماء من خلال مرسوم قانوني واحد لسرقة أقتصادية.[6] السرقة ألأقتصادية هي ما كان بريمر و شركة مونسانتو ينويان العمل عليه للعراق تحت قانون رقم 81.

مثل هذه السيطرة على أصناف بذور المزارعين كانت ممكنة بموجب القانون الجديد بشأن حقوق براءات الاختراع في العراق. إن ألأمر 81 الصادر من سلطة التحالف المؤقتة، متسلحا بغطاء من الرطانة القانونية المعقدة، سلًم مستقبل العراق الغذائي الى شركات خاصة علمية متعددة الجنسيات – من الصعب ان يُعتبر ان هذا هو التحرير الذي كان يأمله معظم العراقيين.

إن قوانين براءات الاختراع التي تم اصدارها بناء على ألأمر 81، وعلى العكس من القوانين الوطنية ألأخرى حول حقوق الملكية الفكرية، لم تتم مناقشتها بين حكومات ذات سيادة أو مع منظمة التجارة الدولية. لقد تم فرضها من قبل واشنطن على العراق بدون نقاش. وفقًا لتقارير مطلعة ، تمت كتابة التفاصيل المحددة للأمر 81 بشأن النباتات، للحكومة الأمريكية من قبل شركة مونسانتو ، الشركة الرائدة في العالم في توفير البذور والمحاصيل المعدلة وراثيًا.

لا بذور للزراعة

مايظهر على الورق، وكأن تلك البذور التي يختارها الفلاحون العراقيون من الشركات العالمية للبذور، هي فقط التي تخضع للقانون العراقي لبراءة الاختراع المفروض من قبل الولايات المتحدة. في واقع الأمر، فالمقصود هو ان يتم تحويل العراق الى مختبر ضخم لتطوير المنتجات الغذائية تحت سيطرة الشركات العملاقة المعنية بالكائنات المعدلة وراثيا ً والشركات الكيميائية مثل (Monsanto, DuPont, DOW).

عقب الكارثة والدمار بسبب الحرب على العراق، أُضطر الفلاحون العراقيون للجؤ الى وزارة الزراعة العراقية للحصول على بذور جديدة أذا أرادوا العودة للزراعة من جديد. هنا وجد بريمر المدخل للأستيلاء على الأمدادات الغذائية للعراق. لأكثر من عقد من الزمن، عانى المزارعون العراقيون من الحظر الذي قادته الولايات المتحدة وبريطانيا على المعدات الزراعية التي كانوا بأمس الحاجة إليها. كما عانى العراق من ثلاث سنوات جفاف شديد قبل الحرب، فأدى سوء الحظ المناخي هذا الى إنحدار شديد في الإنتاج العراقي لمحصول القمح. كان لسنوات من الحرب والحصار الاقتصادي دورها في تدمير الزراعة العراقية وبعد 2003 انحدر إنتاج الحبوب الى نصف مستوى الانتاج لعام 1990 قبل الحرب العراقية الامريكية الاولى. حتى عام 2003 ، كان الكثير من السكان العراقيون يعتمدون من أجل البقاء على قيد الحياة، على الحصص التي تقدمه الأمم المتحدة من خلال إتفاق النفط مقابل الغذاء.

تحت شعار "تحديث" إنتاج الغذاء في العراق، قامت كل من وكالة الولايات المتحدة الامريكية للتطوير الدولي (USAID) و برنامج الولايات المتحدة من أجل تطوير وأعادة بناء الزراعة في العراق (ARDI)، بالتدخل لتحويل الزراعة التقليدية في العراق. كان قيصر الزراعة دانيال أمستوتز الذي عينته واشنطن في ذلك الوقت كمسؤول رئيسي ، مسؤول سابق في وزارة الزراعة الأمريكية ونائب رئيس سابق لمجموعة تكتلات الحبوب العملاقة شركة كارجيل (Cargil). وقد كان أمستوتز احد الاشخاص المهمين الذي وضع مطالب الولايات المتحدة على الزراعة خلال الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT) في دورة الأوروغواي والتي أدت إلى انشاء منظمة التجارة الدولية (WTO) في 1995.

لقد كان الهدف المزعوم من ألأمر 81 "لضمان نوعية جيدة من البذور في العراق ولتسهيل انضمام العراق لمنظمة التجارة العالمية". بالنسبة "النوعية الجيدة" فمن الطبيعي ان حسب تعريف سلطة الأحتلال. أما ألأنضمام الى منظمة التجارة العالمية فتعني ان على العراق ان يفتح أسواقه وقوانينه الى قواعد تُفرض من قبل المصالح المالية والصناعية القوية المهيمنة على سياسة منظمة التجارة العالمية.

حالما تم إصدار الأمر 81 ، بدأت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) ، ومن خلال وزارة الزراعة ، بتسليم آلاف الأطنان من "بذور القمح الموثقة عالية الجودة " والمدعومة للمزارعين العراقيين اليائسين، والتي كانت في البداية بدون تكلفة تقريبًا. وحسب تقرير اصدرته (GRAIN)، وهي منظمة غير حكومية تنتقد براءات الاختراع للبذور والنبات المُنتجة بأستخدام تكنولوجية الكائنات المعدلة وراثيا، فإن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية رفضت السماح لعلماء مستقلين لتحديد فيما إذا كانت هذه البذور من النوع المعدل وراثيا ام لا. من الطبيعي، اذا ثبت بان بذور القمح هي من البذور المعدلة وراثيا، فعندئذ وخلال موسم أو اثنين سيجد الفلاحون العراقيون انفسهم مُجبرون على دفع رسوم الملكية الى شركات حبوب أجنبية من أجل ان يستمروا بالحياة. وقد بينت (GRAIN) في تقريرها بان القصد من ألأمر 81 هو:

لقد ثبتت سلطة التحالف المؤقتة عدم قانونية إعادة استخدام البذور التي تم حصادها من أنواع تم تسجيلها تحت القانون. قد يستمر العراقيون في استخدام أو إدخار ما لديهم من مخزونات البذور التقليدية أو ما تبقى منها بعد سنوات الحرب والجفاف، لكن هذا ليس في جدول أعمال إعادة الإعمار المتضمن في هذا الحكم. إن الغرض من القانون هو لتسهيل ألتأسيس لسوق بذور جديد، حيث يمكن للشركات العابرة للحدود بيع بذورها- مُعدلة وراثيا أم لا، والتي سيتعين على المزارعين شراءها في كل موسم زراعي.[7]

بينما كان العراق تاريخياً يحظر الملكية الخاصة للموارد الحيوية ، أدخل قانون البراءات الجديد الذي فرضته الولايات المتحدة نظاماً لحقوق الاحتكار على البذور- وهي حقوق لم يكن لدى أي مزارع عراقي الموارد اللازمة لتطويرها.

في الواقع، قام بريمر بادخال فصل جديد في قانون براءة الاختراع العراقي السابق حول حماية النوع النباتي (PVP) والذي قيل انه ينص على "حماية الانواع الجديدة للنباتات." PVP ، وهو حق من حقوق الملكية الفكرية (IPR) ، كان في الواقع براءة اختراع لأصناف نباتية أعطت حقوقًا حصرية بشأن مواد زراعية لمربي النباتات الذي ادعى أنه اكتشف أو طور صنفًا جديدًا.

الحماية في PVP لا علاقة لها بالحفظ ، لكنها أشارت إلى "حماية المصالح التجارية للمربين الخاصين." وبموجب المرسوم الأمريكي ، فإن "حماية الأصناف النباتية" قد أدت حقا إلى تدمير الأصناف النباتية.

"دعهم يأكلون.. المعكرونة؟"

وبموجب البرنامج ، أقامت وزارة الخارجية ، بالتعاون مع وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) ، 56 "موقعًا إرشاديًا ل(wheat extension)" في شمال العراق بغرض "عرض وتوضيح قيمة بذور القمح المحسنة". لقد تم تشغيل المشروع لصالح الحكومة الأمريكية من قبل المكتب الدولي للزراعة في جامعة (Texas A&M) والتي استخدمت ما لديها من قطع اراضي للعرض التعليمي، في عموم العراق والبالغة مساحتها 800 فدان لتعليم الفلاحين كيف يمكن تربية "أنواع عالية الغلة" لمحاصيل تشمل شعير، حمص، عدس و قمح.[8]

إن هدف مشروع الوكالة الامريكية للتنمية الدولية لاعادة ألإعمار الزراعي والبالغ كلفته 107 مليون دولار، هو لمضاعفة الانتاج لثلاثين الف مزرعة عراقية في غضون سنة واحدة. الفكرة تكمن في إقناع الفلاحيين العراقيين المتشككين بانه فقط من خلال "البذور الأعجوبة" الجديدة يستطيعون الحصول على محاصيل عالية الغلة. وكما كان الحال قبل عشر سنوات مع المزارعين الأمريكيين ، فإن اليأس والوعد بتحقيق مكاسب ضخمة سيُستخدمان في الإيقاع بالمزارعين العراقيين للاعتماد على الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات.

ومصادفة، وصف البرنامج الزرعي لجامعة (Texas A&M) كونه "رائد معترف به دوليا في أستخدام التكنولوجيا الحيوية،" أو تكنولوجيا الكائنات المعدلة وراثيا. مع بذورهم الجديدة تأتي مركبات كيميوية جديدة مثل مبيدات ألآفات، مبيدات الحشائش، مبيدات الفطريات، وكلها قد تم بيعها الى العراقيين من خلال شركات Monsanto، Cargil و Dow.

في تقرير لها ذكرت "Business Journal of Phoenix " بأن " قيام شركة أبحاث زراعية في أريزونا بتوريد بذور القمح لتستخدم من قبل فلاحين في العراق لتعزيز الإمدادات الغذائية المحلية في بلادهم." وتدعى هذه الشركة " الشركة العالمية للقمح" (WWWC)، وبشراكة مع ثلاثة جامعات ومن ضمنهم (Texas A&M)، ستقوم " بتزويد 1،000 باوند من بذور القمح لتستخدم من قبل فلاحين في شمال بغداد."[9]

وفقًا لـ " Seedquest "، وهو موقع الكتروني لمركز المعلومات لصناعة البذور العالمية، كانت (WWWC) رائدة في تطوير " أنواع ملكية" لبذور الحبوب – بمعنى آخر أنواع المسجلة ببراءة اختراع والتي تملكها شركة معينة.[10] كانت هذه هي أنواع البذور المعدلة وراثيًا المحمية الواردة في الأمر 81. وفقا ل(WWWC)، أي "زبون،" أو فلاح كما كان يعرف مرة، يرغب بزراعة أحد انواع بذورهم "عليه ان يدفع أجور الترخيص الخاصة بكل نوع. W3، كما تُسمي نفسها، تعمل بشكل رسمي بالتعاون مع معهد (Bio5) للعلوم الحيوية في جامعة أريزونا، والذي وللغرابة تصف نفسها بفضول بأنها "مرآب عالي التطور للأبحاث الحيوية."[11]

واللافت للنظر اكثر، كما ذكرت (Business Journal of Phoenix) " تم تطوير ستة أنواع من بذور القمح لأجل المسعى العراقي. ثلاثة سلالات ستكون لفلاحين يزرعون القمح الذي ستصنع منه المعكرونة؛ وثلاثة سلالات ستكون لاجل صناعة الخبز."[12] وهذا سيعني بأن 50% من الحبوب التي قد تم تطويرها من قبل الولايات المتحدة الامريكية في العراق بعد 2004 كانت مقصودة للتصدير. في الواقع ، كانت المعكرونة غذاءً أجنبياً بالكامل في النظام الغذائي العراقي، مما يظهر، بأنه بدلا من إنتاج الغذاء لـ 25 مليون عراقي مُرهق من الحروب، تمت صياغة ألأمر 81 لبريمر لإنشاء أعمال زراعية صناعية باستخدام البذور المعدلة وراثيًا للإنتاج الموجه نحو التصدير العالمي.

بلأضافة الى ذلك، فأن مشروع ال107 مليون دولار لوكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية لاعادة البناء الزراعي، كان هدفه إخراج الحكومة العراقية من عملية الانتاج الغذائي. "إن الفكرة هي ان تكون سوق حرة بشكل كامل،" هذا ما قاله (Doug Pool)، الخبير الزراعي في مكتب إعادة بناء العراق لوكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية.[13]

إن هدف وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية – وهي تعكس سياسات الولايات المتحدة ومنظمة التجارة الدولية – كان لمساعدة الحكومة الجديدة على الألغاء التدريجي للدعم المقدم للزراعة. "لقد قام وزير الزراعة بعمل جيد بهذا الشأن،" كما قال Pool. كما أعلن كذلك "بضرورة تدوير وخصخصة الشركات الحكومية " مثل (Mesopotamia Seed Co.).[14] لكنه لم يذكر من الذين لهم القدرة على الدفع لشراء مثل هذه الشركة الحكومية في العراق الذي مزقته الحرب. ان الوحيدين الذين من المحتمل ان يكونوا المشترين هم شركات الاعمال الزراعية الاجنبية مثل (Monsanto).

لتسهيل إدخال البذور المعدلة وراثيا والمحمية ببراءة الأختراع الموردة من شركات البذور الاجنبية العملاقة، قامت وزارة الزراعة العراقية بتوزيع هذه البذور المعدلة وراثيا "بأسعار مدعومة." حالما يبدأ الفلاحون بأستخدام البذور المعدلة وراثيا، سيتم إجبارهم، وفقا للتعليمات الجديدة في ألأمر 81 الخاصة بحماية براءة الاختراع للنبات، على شراء بذور جديدة من الشركة كل عام. تحت راية جلب "سوق حرة" إلى البلاد، سيتم استعباد الفلاحين العراقيين من قبل شركات البذور الاجنبية متعددة الجنسيات.

في مقابلة لها جرت في كانون أول 2004، صرحت وزيرة الزراعة المؤقتة سوسن علي مجيد الشريفي، وهي متخرجة من الولايات المتحدة، قائلة " نحن نحتاج من الفلاحيين العراقيين ان يكونوا قادرين على المنافسة، ولهذا فنحن نحتاج لدعم مواد مثل مبيدات الآفات ومخصبات وكذلك بذور مُحسنة وهكذا. لقد قلصنا أنواع الدعم الأخرى، ولكن علينا ان نكون قادرين على المنافسة."[15]

وبكلمات أخرى، فإن الاموال التي من المفترض ان تكون للفلاحين العراقيين الفقراء من أجل شراء بذور جديدة، تم تخصيصها لأجل شراء "بذور محسنة" من خلال تكنولوجيا التعديل الوراثي للكائنات، من شركات أجنبية متعددة الجنسيات مثل مونسانتو. في الوقت نفسه ، كان مصدرو السلع الأمريكية يتطلعون بجوع إلى فرص في السوق الجديدة. "مثل العراق الذ كان سابقا سوقا تجاريا مهما للمنتجات الزراعية من الولايات المتحدة، مع قيمة مبيعات تقترب من مليار دولار في اعوام الثمانينات،" هذا ما صرحت به وزيرة الزراعة السابقة في إدارة بوش (Ann Veneman)، والتي كان لديها روابط مع مونسانتو قبل مجيئها الى واشنطن، إلى مؤتمر الإعلام الزراعي في 2003. " إن له القدرة، مرة ثانية، لأن يكون سوقا تجاريا مهما."[16]

ما أهملت (Ann Veneman) ذكره كان هو خلال الحرب العراقية الايرانية في نهاية الثمانينات، قامت إداراة ريغان وبوش بأخفاء صفقات بيع أسلحة وذخائر كيمياوية الى عراق صدام حسين، تحت إطار برنامج تصدير مؤسسة ائتمان السلع الزراعية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية. لقد شملت الفضيحة مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الامريكيين وتورط وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر ومستشار الأمن القومي، برنت سكوكروفت، وكذلك فرع أتلانتا ل (Italian Banco Nazionale de Lavoro – BNL). [17]

وفقا ل (John King)، نائب رئيس مجلس الرز في الولايات المتحدة، كان العراق السوق الاكبر بالنسبة للرز من الولايات المتحدة في نهاية الثمانينات، قبل حرب الخليج 1991. " إن صناعة الرز في الولايات المتحدة تريد مرة ثانية ان تلعب دور كبير في توريد الرز الى العراق،" هذا ما أخبر (King) لجنة الزراعة بمجلس النواب الأمريكي. مع التحديات الحالية التي تواجه صناعة الأرز في الولايات المتحدة.. قد يكون لتجديد الوصول إلى الأسواق العراقية تأثير هائل في القيمة المضافة على المبيعات."[18]

وأضاف (King) قائلا، " إن تحرير العراق عام 2003 بواسطة قوات التحالف قد جلب الحرية للشعب العراقي. [19] وإن إستئناف التجارة كذلك أعطى أملا لصناعة الرز في الولايات المتحدة." لكنه فشل في ذكر إنه في عام 2003 ، كان معظم الرز في الولايات المتحدة من النوع المعدل وراثيا.

في ربيع 2004 مع صدور ألأمر 81 من قبل سلطة التحالف المؤقتة لبريمر، قام مناصري رجل الدين الشاب الراديكالي مقتدى الصدر بالأحتجاج على قيام الشرطة العسكرية للولايات المتحدة بغلق صحيفة الحوزة. لقد اتهمت سلطة التحالف المؤقتة صحيفة الحوزة بنشر "مقالات كاذبة" التي من الممكن ان "تسبب تهديد حقيقي بالعنف." وكمثال على ذلك استشهدت سلطة التحالف المؤقتة بمقال زعم أن بريمر كان، " يتبع سياسة لتجويع الشعب العراقي لجعلهم مشغولين في كيفية تأمين خبزهم اليومي وبالتالي لايجدون الفرصة للمطالبة بحرياتهم السياسية والفردية."[20]

في ضؤ ألأمر 81، من الصعوبة بمكان الأستغراب من ظهور مثل هذه المقالة. وليس من المستغرب كذلك محاولة سلطة التحالف المؤقتة لبريمر لأخراس مثل هذه الإنتقادات ليساستها الغذائية بالنظر إلى المخاطر التي ينطوي عليها مشروع الكائنات المعدلة وراثيًا بالكامل.

ألعراق، الولايات المتحدة الامريكية و صندوق النقد الدولي يمليان أوامرهما

في 21 تشرين ثاني، 2004، أصدر الممثلون الرئيسون لنادي باريس للحكومات الدائنة إعلان حول كيف سيتعاملون مع ديون الحكومة العراقية المقدرة بـ 39 مليار دولار المستحقة للدول الصناعية ككل، كجزء من الديون الأجنبية المقدرة ب 120 مليار دولار باقية من عهدد صدام حسين. بالرغم من ألإطاحة بنظام صدام حسين، لم يكن في نية واشنطن نسيان ما مضى والبدء من الجديد وإعتبار الديون القديمة غير شرعية.

لقد وافقت حكومات نادي باريس على شروط جديدة محددة ذلك ب (الديون – للدول) التي تبلغ 39 مليار دولار، فقط بعد ضغوط شديدة من المفاوض الأمريكي الخاص بديون العراق ، جيمس بيكر الثالث. لم يكن "بيكر" بالمفاوض المبتدئ. لقد قام بهندسة انتخاب جورج دبليو بوش في عام 2001 من خلال تقديم استئناف للمحكمة العليا، وهو احد المستشارين المقربين لعائلة بوش.

ما بعد تجارة الخيول مع حلفائها في منظمة التعاون الاقتصادي ، كانت الولايات المتحدة سعيدة في الضغط لأجل الغاء كبير للديون القديمة على العراق للدائنين في نادي باريس، لسبب بسيط كون معظم الديون كانت لروسيا، فرنساو اليابان، المانيا وبلدان أخرى. وكان الدين للولايات المتحدة 2.2 مليار دولار من اجمالي الديون.

وأصدر أعضاء نادي باريس تصريح رسمي:

إدراكا للوضع الأستثنائي لجمهورية العراق ومحدودية قدرتها على السداد لسنوات قادمة، وافق مندوبو الدول الدائنة على معالجة للديون تضمن ديمومتها على المدى الطويل. حتى هذه اللحظة، اقترحوا ان تقوم حكوماتهم بتقديم المعالجة الاستثنائية التالية:

- الألغاء الفوري لجزء من الفوائد المتأخرة، تمثل 30% من رصيد الدين في 1 كانون الثاني، 2005. سيتم تأجيل الباقي من رصيد الدين الى التاريخ الذي يتم فيه تصديق صندوق النقد الولي (IMF) على البرنامج القياسي. سيترتب على هذا الألغاء شطب 11.6 مليار دولار أمريكي من الدين الكلي المطلوب الى نادي باريس البالغ 38.9 مليار دولار امريكي؛

- حالما يتم تصديق البرنامج القياسي لصندوق النقد الدولي، سيتم الوفاء بتقليص 30% من رصيد الدين. وستتم جدولة المتبقي من رصيد الدين على 23 عام تتضمن فترة سماح لستة أعوام. ستؤدي هذه الخطوة الى تخفيض رصيد الدين بمقدار 11.6 مليار دولار أخرى مما يؤدي الى زيادة في نسبة الألغاء الى 60%؛

- وافق دائني نادي باريس على منح شريحة تخفيض إضافية تمثل 20% من رصيد الدين الأبتدائي بناء على المراجعة الاخيرة لمجلس صندوق النقد الدولي لثلاث سنوات من تنفيذ البرامج القياسية لصندوق النقد الدولي.[21]

إن تخفيف أعباء ديون العراق والتي بكل كرم قام بها المحتل الرئيسي، الولايات المتحدة، بشطب الديون المدين بها صدام الى خصوم واشنطن الذين عارضوا الحرب على العراق – روسيا، فرنسا، الصين – كان مرتبط بشرط التزام العراق "بالبرنامج القياسي" الصارم لصندوق النقد الدولي. إن هذا البرنامج القياسي هو نفسه الذي تم تطبيقه على اندنوسيا، بولندا، كرواتيا، صربيا، الارجنتين و روسيا ما بعد السوفييتية. لقد كلفت العراق تسليم سيادته الاقتصادية إلى خبراء صندوق النقد الدولي، الخاضعين لسيطرة فعالة من قبل وزارة الخزانة الأمريكية و إدارة واشنطن. ومما زاد الطين بلة أن الدين العراقي القديم لعهد صدام كان ما اطلقت عليه الحكومات الدولية "الديون المشينة"— ديون تم تكبدها بدون موافقة – بأختصار، غير شرعية، كما كانت ديون الاتحاد السوفياتي البائد. لم يزعج هذا واشنطن، لندن وبقية أعضاء نادي باريس. لقد استخدم هذا الدين كسلاح مفيد للسيطرة على العراق"الجديد"، ولإجبار تحوله الى "سوق حرة." وسيكون للبذور المعدلة وراثيا والتصنيع الزراعي في قلب هذا التغير المفروض.

كانت خصخصة المؤسسات الحكومية على رأس برنامج صندوق النقد الدولي في واشنطن. كما كانت المشاريع الخاصة بالسوق الحرة في قلب أوامر سلطة التحالف المؤقتة الـ 100. من الصعوبة ان نعتبر ذلك مصادفة.

يمكن تصنيف صندوق النقد الدولي بشكل دقيق بأنه "شرطي العولمة." منذ أزمة ديون الثمانينات، قام صندوق النقد الدولي بفرض خطط الدائنين للتقشف ورد الديون مريرة على إقتصاديات الدول النامية. تم استخدام شروط الدين الخاصة بصندوق النقد الدولي لإجبار الدول فعليًا على التخلي عن أغلى أصولها الاقتصادية للمصالح الأجنبية من أجل سداد ديون نمت بشكل متزايد.

وعادة ما تقف البنوك والشركات العملاقة والمصالح الخاصة وراء تدابير صندوق النقد الدولي هذه. لقد فرضوا بشكل منهجي خصخصة مؤسسات الدولة ، وإلغاء الدعم العام للأغذية ، والصحة ، والطاقة ، وخفض الإنفاق على التعليم العام. كل سياسة يمكن ان تسمح للشركات المتعددة الجنسيات بالهيمنة على عراق ما بعد الحرب ، سيتم تنفيذها من قبل صندوق النقد الدولي و قوانيين بريمر: دولة منكمشة ، قوة عمل مرنة ، حدود مفتوحة ، ضرائب في حدها الأدنى، لا ضوابط على تدفقات رأس المال الخارج من العراق ، لا تعريفات ، ولا قيود على الملكية.

سيفقد الشعب العراق مئات آلاف من الوظائف، كما أن المنتجات الأجنبية ستجبر البضائع العراقية المحلية على الخروج من السوق، التي سيكون الطعام أحد المنتجات الرئيسية فيها. وستفقد الاعمال التجارية الصغيرة والمزارع العائلية القدرة على المنافسة بسبب القواعد المفروضة والمنافسة الاجنبية.

إن الضحية النموذجية لشروط صندوق النقد الدولي سيُجبر حتما على تحويل اقتصادها الوطني نحو التصدير من أجل الحصول على الدولارات للتمكن من رد الديون. ودائما ما تكون "الجزرة" في هذه الحالة هي الوعد من صندوق النقد الدولي بتقديم قرض كمساعدة مالية او انقاذية. إن الأبتزاز التهديدي خلف الجزرة المقدمة من قبل صندوق النقد الدولي، كان التهديد بأن الدولة الضحية المَدينة ستدرج بشكل دائم في القائمة السوداء من جميع الائتمانات الأجنبية، إذا رفضت شروط صندوق النقد الدولي.

ولم يكن وضع العراق مختلفا. لقد كان الهدف من الانتخابات العراقية التي تمت بتفويض من الولايات المتحدة، هو لوضع الاساس القانوني لربط الحكومة العراقية للسيطرة القاسية لصندوق النقد الدولي. في الواقع هذاسيضع صندوق النقد الدولي كوكالة محايدة مسؤولة عن التزام العراق بأوامر برمير المائة. وسيقوم صندوق النقد الدولي بأجبار العراق للأنظمام الى رؤية واشنطن الشاملة للسوق الحرة.

لقد خطط صندوق النقد الدولي للوصول الى تسوية محددة مع الحكومة العراقية الجديدة في وقت لاحق بعدألأنتخابات العراقية في 30 كانون ثاني 2005. حيث ان التخفيف من حجم الدين الخارجي العراقي الكبير كان يعتمد على موافقة الصندوق ، كان لصندوق النقد الدولي نفوذ كبير في مفاوضاته مع القادة العراقيين.[22]

صحيح ان قرار مجلس الامن رقم 1483 قد أعطى بريمر السلطة لإدارة العراق المُحتل، ولكن هذا يجب ان يكون وفق معايير القانون الدولي. ومع ذلك ، تم تنفيذ أوامر بريمر المائة و "العلاج بالصدمة" الاقتصادية في انتهاك صارخ للقانون الدولي.

مع ازدياد الاحتجاجات ضد الخصخصة في العراق وانتشار الهجمات العنفية ضد الشركات الأمريكية، اصبح من الضروري الاستعجال في اخفاء هذه الحقيقة. وعلى هذا اسرع بريمر بالعودة الى واشنطن لمناقشة مخطط جديد مع الرئيس يهدف الى السيطرة على الاقتصاد العراقي. وقد نتج عن ذلك تشكيل النظام المؤقت لأياد علاوي، والأعلان عن إجراء الأنتخابات العراقية في كانون ثاني 2005. وكان على علاوي، وهو واحد من المختارين والمحميين من واشنطن، والذي عمل مع وكالة الخابرات المركزية لسنوات، ان يقوم بشكل "قانوني" بتطبيق مراسيم بريمر الغير قانونية.

وفقا للأمر 39 مما اصبح يعرف في العراق ب "قوانين بريمر"، سيتم فتح الصناعات والأسواق العراقية أمام الاستثمار الأجنبي مع قيود قليلة. لقد تمت صياغة هذه القوانين بطريقة تجعل من الصعوبة على كل من الحكومة المؤقتة أو اية حكومة عراقية قادمة إبطال أو إلغاء هذه السياسات.

والحقيقة، فإن بريمر وطد الأوامر المائة من خلال المادة 26 من الدستور العراقي المؤقت، بحيث يضمن بانه حالما يتم تسليم السيادة الى الحكومة المؤقتة، ستكون عاجزة على تغير قوانين بريمر. بالإضافة الى ذلك، فقد تم زرع الافراد المختارين من المتعاطفين مع الولايات المتحدة في كل وزارة عراقية، وتم تفويض هؤلاء سلطة تجاوز أي قرارات تتخذها الحكومات العراقية اللاحقة.

إن وجود 0132،00 جندي أمريكي في جميع أنحاء العراق ، مدمج بقوة في حوالي 14 قاعدة عسكرية أمريكية جديدة تم إنشاؤها في جميع أنحاء البلاد بعد عام 2003 ، كانت لضمان ذلك. أصبح واضحا لمعظم العراقيين في أواخر عام 2004 ما كانت واشنطن تعنيه بالضبط، عندما استخدمت الكلمات النبيلة ، "زرع بذور الديمقراطية" في بلدهم. لم يكن للبذورعلاقة بقدرة المواطنين العراقيين العاديين على تحديد مصيرهم المستقل.

بعد أن تم نقل السلطة الرسمية في حزيران 2004 من سلطة الائتلاف المؤقتة بريمر إلى النظام العراقي المؤقت برئاسة ذخيرة وكالة المخابرات المركزية ، علاوي ، وافق الأخير على قبول تخفيف الديون مقابل "ألإنفتاح الأقتصادي" على الإصلاحات التي فرضها صندوق النقد الدولي. وهكذا ، ففي مذكرة مرفقة بـ "خطاب نوايا" أرسله محافظ البنك المركزي "الشبيبي" ووزير المالية "عادل عبد المهدي" إلى صندوق النقد الدولي في أيلول ، عبر الرجلان عن حرص حكومتهما التي نصبتها الولايات المتحدة على "التعامل" مع الصندوق.[23]

وتبجح الخطاب قائلاً: "لقد مهد التشريع الجديد للقطاع المالي الطريق لإنشاء قطاع مالي حديث" ، مضيفا بأن "ثلاثة بنوك أجنبية قد رخصت بالفعل لبدء العمليات" وأن "عددًا من البنوك الأجنبية أظهرت إهتمام في الحصول على حصة (أقلية) في البنوك العراقية الخاصة ". كان أحد البنوك هو بنك (HSBC) في لندن ، وهو من بين أكبر البنوك في العالم.

يعتبر التحويل القسري لإنتاج الغذاء العراقي إلى المحاصيل المحورة وراثياً المحمية ببراءة اختراع، واحدة من أوضح الأمثلة على الطريقة التي تفرض بها شركة مونسانتو وغيرها من الشركات العملاقة المنتجة للكائنات المعدلة وراثيًا، استخدام المحاصيل المُنتجة من خلال تقنية (الكائنات المعدلة وراثيًا) ، على سكان العالم غير الراغبين أو الذين لا يجهلون طبيعة هذه التقنية.

 

.............................

المراجع

1- Coalition Provisional Authority, CPA Official Documents, orders, http://www.cpa-iraq.org/regulations/#Orders.

2- Naomi Klein, “Baghdad Year Zero”, Harpers’ Magazine, September 2004.

3- Coalition Provisional Authority, op. cit. In its introduction, the document declares, “Orders-are binding instructions or directives to the Iraqi people that create penal consequences or have a direct bearing on the way Iraqis are regulated, including changes to Iraqi laws.”

4- Coalition Provisional Authority, CPA Official Documents, order81:Patent, Industrial Design, Undisclosed Information, Integrated Circuits and Plant Variety Law, http://www.iraqcoalition.org/regulations/index.html#Regulations. See also Focus on the Global South and GRAIN, Iraq’s New Patent Law: A Declaration of War against Farmers, http://www.grain.org, and Vandana Shiva, Biopiracy: The Plunder of Nature and knowledge, Green Books, Devon, UK, 1998.

5- William Erskine, Agriculture System in Iraq Destroyed: Self Sufficiency in Food Production Years Away…., Press Release, 30 June 2003, http://www.icarda.org/Neas/2003News/30June03.htm.

6- Hope Shand, “Planting the Planet”, Multinational Monitor, June 1994, p. 13.

7- GRAIN Press Rlease, Iraq’s New Patent Law: A Declaration of War Against Farmers, Focus on the Global South and GRAIN, October 2004, http://www.grain.org/articles/?id=6.

8- Ibid.

9- Jeremey Smith, “Iraq: Order 81”, The Ecologist, February 2005.

10- Portal Iraq, Seeds for the Future of Iraqi Agriculture, 27 September 2004, http://www.portaliraq.com/news/Seeds+for+the +future+of+Iraqi+agriculture_529.html.

11- Daniel Stolte, “In the Trenches”, The business Journal of Phoenix, 10 June 2005.

12- Ibid

13- Christopher D. Cook, “Agribusiness Eyes Iraq’s Fledgling Markets”, In These Times, http://www.mindfully.org/GE/2005/Iraq-US-Agribusiness-Profit15mar05.htm, 15 March2005.

14- Ibid.

15- IRIN News, Iraq: Interview with Minister of Agriculture, http://www.irin-news.org, Baghdad, 16 December 2004.

16- Ann M. Veneman, Remarks by Agriculture Secretary Ann M. Veneman to the National Association of Farm Broadcasters Annual Convention, 14 November 2003, US Department of Agriculture, Washington D.C., Release No.0384.03.

17- US Congressional Record, Kissinger Associates, Scowcroft, Eagleburger, Stoga, Iraq and BNL, Statement by Representative Henry B. Gonzalez, 28 April 1992, US House of Representatives, Page H2694.

18- John King cited in Christopher D. Cook, op. cit.

19- Ibid.

20- Ibid.

21- Paris Club, Iraq, http://www.clubdeparis.org, 21 November 2004.

22- International Monetary Fund, Iraq-Letter of Intent, Memorandum of Economic and Financial Policies, and Technical Memorandum of Understanding. Baghdad, 24 September 2004.

23- Governor Shababi cited in Brian Dominick, “US Forgives Iraq Debt to Clear Way for IMF Reforms” NewStandard, 19 December 2004.

24- Ibid

 

عبد الجبار الجبوريفشل مصطفى الكاظمي في إقناع الكتل السياسية، التي رشحتّه بديلاً عن عدنان الزرفي، في القبول بتشكيلة وزارية خارج المحاصصة الطائفية، وإصطدم بواقع يفرض عليه، سلك طريقين لاثالث لهما، ألأول هو الموافقة على شروط الأحزاب والكتل، بفرض وزرائها، والإعتراف بالمحاصصة الطائفية كواقع مفروض، والتي تتبجّح جميع الأحزاب برفضها كنظام للحكم، وضرورة مغادرتها لأنها دمرّت البلاد، ولكنهم يفرضونها من تحت الطاولة، على رؤساء الوزارات المتلاحقة، لأنهم يدركون أنها سبب وجودهم في العملية السياسية، والثاني هو تقديم إعتذار لرئيس الجمهورية، عن تشكيل الحكومة، وأعتقد سيضطّر الى الخيارالثاني، ويقدم إعتذاره، ولكن لنفترض أنه وافق على شروط المحاصصة، وتم تشكيل حكومة طائفية رغماً عنه، والذي يخالف برنامجه الذي أعلنه في أول خطاب له، فأمام الكاظمي ملفات خطيرة عويصة، لايمكن له أن يخرج منها، إلّاّ خاسراً، لايستطيع مواجهتها على الاطلاق، ومن هذه الملفات، ملف الهبوط المستمر المفاجيء لأسعار النفط، وملف التهديدات التي أطلقتها بعض الفصائل الولائية، وكيفية تنفيذ وعده بحصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ فقرة إخراج القوات الاجنبية، وغلق قواعدها العسكرية في العراق، ويقصد بها القوات الامريكية، والتي وضعتها كتلة البناء والميليشيات، كشرط أساسي للقبول بالترشيح، والملف الآخر خطرعودة داعش، وتربصه بكركوك، في صفقات دولية مشبوهة، بعد توقف دعم التحالف الدولي وأمريكا، للعراق لمواجهة خطر داعش، الذي بدأ يدقُّ ناقوس الخطر، في محافظات كركوك وديالى ونينوى، بعمليات عسكرية لذئابه الجريحة المنفردة، التائهة في أنفاق بصحراء الانبار ونينوى وكركوك، والملف الآخرهو ملف التظاهرات، التي عادت بقوة في شوارع بغداد والمحافظات الجنوبية، بعد توقف قسري بسبب وباء كورونا، والتي قدمت شهداء وجرحى يوم امس، إضافة الى كل هذه الملفات، هناك صعوبة بالغة بتشكيل الحكومة، وهي صراع الكتل فيما بينها، ورفضهم التصويت إلاّ بشروطها، ومنها الكتل السنية والشيعية والكردية، مما يصعب إخراج الحكومة من عنق الزجاجة، بالرغم من تدخل اسماعيل قاآني مسئول الملف العراقي، بعد قاسم سليماني في إقناع( البيت الشيعي)وأحزابه وكتله بالجلوس على طاولة واحدة، وترميم العلاقة بين مقتدى الصدر ودولة القانون ومنظمة بدر، وهكذا فشلت مهمته، وعاد بخفيّ حُنين، وبقيت الصراعات الشيعية – الشيعية كما هي، داخل البيت الشيعي، تؤجل ظهور حكومة الكاظمي الى العلن، نعتقد أن هذه الملفات وغيرها، كافية لإفشال مهمة الكاظمي، وعدم التصويت عليها، بمعنى هناك صراعات داخل الكتل نفسها، وخلافات مع الكاظمي لإجباره على القبول، بشروط الكتل في توزيع الوزارات، على نظام تحاصصي بغيض، وهكذا نرى أن مهمة الكاظمي، صعبة لتمرير حكومة خارج نظام المحاصصة الطائفية، إن لم نقل مستحيلة، وهنا لابد من العودة الى المربع الاول، والدخول في مفهوم الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة، ليعود عادل عبد المهدي لإكمال فترة حكومة تصريف الاعمال، وهذا مطلب شيعي – كردي، واضح، إذن هل مأزق الكاظمي في تشكيل الحكومة، يمكن أن يخرج منه، في ظل متغيرات عالمية شديدة التعقيد، بعد الفشل في مواجهة وباء كورونا الذي يؤرق العالم بأجمعه، وإستحالة مواجهة هبوط اسعار النفط الكارثية، التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، هنا المأزق الحقيقي، امام الكاظمي، وأمام أي مرشح يأتي بعده، العراق، لكي يخرج من أزماته هذه، وأمراضه السياسية المزمنة، لابد من حدوث هزة أرضية سياسية في بنية الدولة، لاسيما وأن أحد أخطر أمراضها التي فتكت بها، هو وباء الفساد، الذي في رأيي أخطر من وباء كورونا، والذهاب الى حلّ البرلمان، والذهاب الى إنتخابات برلمانية بإشراف دولي وأممي وعربي، يعيد توازن المجتمع العراقين وهيبة دولته، ويمن، الاحزاب الفاشلة والفاسدة والاشخاص، من الترشح في هذه الانتخابات، ويتركوا الخيار للشعب العراقي ورجاله، الذي أذاقوهم ألأمرين، من ويلات وقتل وتهجير ونزوح، وإدخال داعش الى مدن العراق وتدنيسها، ودفعه الاف الشهداء، ثمنا لتحرير المدن، التي دخلها داعش الاجرامي، وإحالة قتلة الشعب، وإحالة حيتان الفساد الى القضاء، ومنع السلاح خارج الدولة بشكل نهائي، ونزعه من يدّ الاحزاب وميليشياتها الموالية لإيران، هذا هو الحل الوحيد، الذي يحفظ ماتبقى للعراق، من كرامة وكبرياء، ولهذا ننظر الى مهمة الكاظمي، على أنها ضحك على الذقون لكسب الوقت، والتفرد بالقرار السياسي لصالح إيران، حسب إعتقاد مواليها وأحزابها، ويظنّون أن امريكا هزمت في العراق، ولم يبق الاّ إخراجها بقرار برلماني، صوتّت عليه الكتل والقوائم الشيعية فقط، في غباء سياسي مزمن لديها، وهذا بيت الداء لدى الأحزاب الموالية لإيران، أن امريكا تهرب من العراق، خوفاً من ميليشياتها المسلحة التي تهدّد بها، وتقصف قواعدها وسفارتها، وتصرّ على ترحيلها، لاياسادة أمريكا ليست ساذجة، الى هذا الحدّ من الغباء السياسي الذي تلبّسّكم، أمريكا لها إستراتيجية خاصة لمواجهتكم، غير العمليات العسكرية، رغم تحضيرها الجدّي لها، وبالإمكان إستعمالها بأية لحظة، والحشود العسكرية الهائلة، ونصب الباتريوت، ووصول الدرون يشهد بذلك، ولكنها، ستستغل هبوط اسعار النفط، أو تعمدها بتخفيضه الى الصفر، لإنهاء الاقتصاد العراقي والايراني، وإعلان الحكومتان الافلاس المالي، والعجز الكامل في مواجهة أزمة هبوط الأسعار، لاسيما وإن العراق، وايران، لايملكان بدائل زراعية وصناعية لمواجهة هبوط اسعار النفط والتغلب على إفرازاته المدمرة، غير الخضوع للإدارة الامريكية، والقبول بشروطها التعجيزية، فوباء كورنا على الابواب، وهبوط اسعار النفط الكارثي، وظهور خطر داعش، وعودة التظاهرات، كلّها أزمات، لن تستطيع الحكومة العراقية مواجهتها، والفساد ينخربجسدها المتهالك، رغم الموارد الاقتصادية الكبيرة، التي يمتلكها العراق، فلا (كوثراني) يستطيع حلحّلة تشكيل حكومة الكاظمي، ولا الأحزاب المتصارعة على المكاسب والمناصب، تستطيع إخراج حكومة الكاظمي الى العلن، فبالرغم من قوة وسيطرة الميليشيات الولائية، على القرار العراقي السياسي والعسكري، فلا يمكن أن تستطيع الأحزاب والميليشيات، من إخراج العراق من أزماته، في ظلّ هيمنة وتهديدات الفصائل لأمريكا، بحتميّة إخراجها من العراق، ولهذا وضعت الادارة الامريكية مبلغاً كبيراً للقبض على (كوثراني)، لأنه هو من يدير الميليشيات، والاحزاب العراقية الموالية لايران وحزب الله اللبناني، نصل الى الضوء في نهاية النفق، وهو القبول بالشروط الامريكية، التي تهدد العراق بالتخلّي عنه عسكرياً ومالياً وإقتصادياً، وتجمّيد كلّ علاقة دولية مالية وعسكرية معه، أي وضعه تحت الفصل السابع مرةأخرى، تمهيداً لخنقه وإنهاكه تماماً، وصولًاً الى إستسلامه، هكذا تصرّ الادارة الامريكية والحكومة البريطانية، على التعامل مع العراق وأحزابه وأزماته، حتى يخرج من الهيمنة الايرانية، ويعود الى رشده، ومحيطه العربي، والدولي بعيدا عن أي سيطرة إيرانية بهيئة ميليشيات وفصائل مسلحة، تأتمر بأوامر المرشد الايراني مباشرة، وترفع صوره وصورة الخميني، هذا المشهد الذي يواجه الكاظمي ومأزقه، مع الأحزاب والكتل الموالية لإيران، هو مَن يؤزم العلاقة معها، ويعقّد تشكيل حكومة يريدهاالكاظمي على مزاجه، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الايرانية وغيرها، هذا هو جوهر الأزمة التي تواجه الكاظمي، والتي سترغّمه على الإعتذار كما نرى ونعتقد، ومهما يقال من كلام الكتل الموالية لإيران، من دعم حكومة الكاظمي وبرنامجها، فهو محض كذب وتدليّس وتضليّل، للرأي العام العراقي والعالمي، الكاظمي في مأزق سياسي لايحسد عليه، لن يخرج منه الاّ خاسراَ، وهو يعيش تنّمر الكتّل، وإصرارها على تحقيق مآربهاالحزبية والفئوية، وهذا مايرفضه الكاظمي، لهذا نرى أن مهمته شبه مستحيلة، في تشكيل حكومة مستقة، هي ضرب من المستحيل والخيال، نعم لنْ تشكل حكومة، والكاظمي سيعتذر في اللحظّات الأخيرة ...

 

عبد الجبار الجبوري

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نعود وننهي كلامنا عن الأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة الأثيوبي، وفي هذا نقول: وفى دراستين رائعتين لخبير المياه العالمى د. نادر نور الدين والباحث الصحفى الشاب عماد حمدى نكتشف أن سد النهضة الإثيوبى تبلغ قدرته التخزينية بالتقديرات الرسمية نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، بينما تظهر صور الأقمار الصناعية أنها تبلغ 96 مليار متر مكعب، وهو ما يعنى أن التخزين وفقاً للمخطط الإثيوبى المقرر الانتهاء منه خلال 3 سنوات، سيحتجز نحو 25 مليار متر مكعب من إيراد النهر سنوياً.. ونظراً لانخفاض حجم الحصة المائية لمصر، فإن المياه لن تصل إلى أطراف الأراضي الزراعية على جانبي الدلتا، ويستمر هذا التآكل باستمرار بوار الأرض، بما يعنى تشريد كل المصريين الذين يعيشون على النشاط الزراعي فى هذه المناطق بعد ضياع أراضيهم، وهذا الخطر يحمل فى حد ذاته تهديدات أخرى، كتهديد الأمن الغذائي، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة رقعة الفقر، وإعاقة التنمية، وغيرها من الآثار الجانبية المترتبة على خروج مساحة لا بأس بها من الأراضي الزراعية الخصبة من الخدمة، الأمر الذى سيخلق اضطراباً اجتماعياً غير مسبوق!.

ولذلك المشكلة في بناء هذا المشروع الضخم تتمثل في تلك الفترة المطلوبة لملء خزان السد، حيث ستحول كميات كبيرة من مياه النيل الأزرق التي تنتهي إلى السودان ثم مصر ستتحول إلى الخزان، إذ يتوقع أن تتقلص حصة البلدين من تدفق النيل بشكل ملحوظ خلال فترة ملء الخزان. وتسعى القاهرة والخرطوم مقابل الموافقة على إنشاء السد، إلى تنظيم عملية ملء الخزان على نحو يقلل من حجم الضرر المائي على البلدين.. وفي يوم 10 يونيه 2014 وجه دكتور مهندس أحمد عبد الخالق الشناوي الخبير الدولي في الموارد المائية وتصميمات بالأمم المتحدة سابقا، رسالة إلي رئيس الوزراء في ذلك الوقت المهندس ابراهيم محلب، وأرفق بها دراسة علمية بعنوان "المشاكل الفنية التي تمنع إنشاء السد الإثيوبي نهائياً والحل المقترح"، وكان ذلك قبل 16 يوما من أول لقاء قمة بين الرئيس عبد الفتاح ورئيس وزراء إثيوبيا علي هامش قمة الاتحاد الافريقي الذي عقد 26 يونية 2014. وحملت الدراسة التي نقلها عضو بارز بمجلس النواب تحذيرات خطيرة من استمرار بناء سد النهضة لأنه يهدد بجفاف النهر الخالد "النيل". وأوضحت أن السد مهدد بالانهيار وتسرب كامل مياه النيل الازرق والنيل الابيض الي المحيط بسبب الظاهرة پالجيولوجية التاريخية المعروفة باسم "الفالق الإفريقي الأعظم"... الذي فصل قارة إفريقيا عن الجزيرة العربية. وأنه نتج عن هذا الفالق الأعظم فوالق أخري عظيمة عمودية عليه في القرن الإفريقي (وذلك حسب قول د. عادل عامر في مقاله سد النهضة والأمن القومي المصري!!)..

وفي عام 2015 كان اتفاق إعلان المبادئ الموقع بين مصر وأثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة والموقع فى الخرطوم فى 23 مارس2015.  وتفاهم الدول الثلاث علي أن يكون الحوار هو الوسيلة لحل الخلافات بينها، كانت مصر مصممة علي ألا يتم المساس بحقها في مياه النيل بعد بناء سد أثيوبيا لأن المساس بحقها في المياه سيترتب عليه مشاكل كثيرة تعرض حياة المصريين للخطر.

إن الذى يجعلنى مطمئناً بشأن المفاوضات المصرية حول سد النهضة الإثيوبى، هو أمران مهمان الأول: أن السيسي وهو يتمتع بذكاء شديد يضع أمامه قاعدة راسخة ومتينة تقضى بعدم تأثير السد على حصة مصر المائية. والثانى: أن السيسي لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يفرط فى حقوق مصر التاريخية من المياه، هذان الأمران هما الخلاصة فى عملية السد، بالإضافة إلى أمر ثالث وهو أن إعلان المبادئ الذى وقعته مصر لا يتخلى عن ضرورة عدم تأثير بناء السد على حصة مصر المائية ولا التخلى عن الحقوق التاريخية لمصر فى هذا الشأن ( وذلك حسب ما قاله وجدى زين الدين في مقاله حكاوى .. مفاوضات سد النهضة).

وإذا كان موضوع سد النهضة قد وضع ملف مياه النيل فى مقدمة الملفات على مكتب الرئيس السيسي، إلا أن ذلك لا يعنى أن مصر تسعى فقط لحل مشكلة راهنة أو الخروج من أزمة طارئة لأن موقف القاهرة يتأسس على محور مهم يحسن أن نشير إليها وأن نتوقف عنده  كما قال مصطفي الفقي في مقاله  المسكوت عنه فى ملف سد النهضة؛ وهو أن القضية الحقيقية ليست فى بناء سد النهضة من عدمه، ولكنها تتركز حول حصة مصر من مياه النهر، فنحن لا ننكر على الأشقاء فى إثيوبيا السعى نحو إقامة سد يسهم فى تنمية البلاد ، ولكن الذى يدهشنا هو أن ذلك السد الذى يحتجز أربعة وسبعين مليار متر مكعب يتجاوز بكثير الهدف المعلن لتوليد الطاقة الكهربية أو حتى استزراع مناطق جديدة تحت الهضبة، فالمقلق حقًا أن هذا السد له أهداف سياسية واقتصادية أخرى، فهو يؤدى إلى شراكة دول من خارج دول الحوض فى مياه النهر بتدفق المياه على مساحات مزروعة لمصلحة تلك الدول البعيدة عن المجرى والمصب ولكنها تلوح باستثماراتها الزراعية، هناك فى إثيوبيا والسودان بصورة تنقل المياه داخل المحاصيل المستزرعة غير مكترثين بتأثير ذلك على معدل تدفق مياه النهر إلى مصر، وهى عملية التفاف واضحة لنقل مياه النيل لدول ليست داخل حوضه، وهنا يكمن جوهر المشكلة فبناء السد محاولة لتحويل جزء من حصة مصر فى المياه إلى كهرباء ومحاصيل زراعية لدول أخري، أى أنها عملية ملتوية لتصدير مياه النيل من إحدى دول المنبع على حساب دول المجرى والمصب، وذلك إجحاف بحقوق تاريخية فى المياه ومسيرة طبيعية للنهر.

لقد أعلن الرئيس السيسى أكثر من مرة مساندة مصر لحق الشعب الإثيوبى فى التنمية التى من المنتظر أن يكون سد النهضة قاطرتها بما يوفره لها من طاقة كهربائية كبيرة،  لكنه أكد فى الوقت نفسه على ألاَّ يكون ذلك على حساب حق مصر فى الحياة باعتبار نهر النيل مصدرها الوحيد للحصول على المياه العذبة.

تجاهلت أثيوبيا اتفاق إعلان المبادئ الذى وقعته مصر والسودان معها فى مارس 2015 فى الخرطوم، رغم أنه منحها اعترافاً مجانياً بشرعية السد، وجانب التوفيق دولتى المصب لتبعات ذلك الاتفاق الكارثى.. لقد أعلنت أديس أبابا زيادة القدرة الكهربائية للسد من 6 آلاف ميجا وات إلى 6500 ميجا وات الأمر الذى سيتطلب زيادة تخزين المياه وبالتالى زيادة التأثير على حصتنا من المياه..

استمرت أثيوبيا لسنوات طويلة من المماطلة والتعنت في موضوع سد النهضة ومصر والسودان يتعبان معها سياسة النفس الطويل دون أن تفقد شعرة معاوية.. وانخرطت الدول الثلاث: مصر وإثيوبيا والسودان فى مفاوضات منذ أبريل 2015 لإعادة الدراسات الإثيوبية لسد النهضة بهدف التوصل إلى سياسات متفق عليها لملء السد وتشغيله، ولكن للأسف حتى منتصف 2019، لم تنجح المفاوضات المستمرة طوال هذه السنوات إلى بدء أى من الدراسات المطلوبة أو التوافق حول سياسات ملء وتشغيل السد. وفى نفس الوقت استمرت إثيوبيا فى إنشاءات السد وقاربت من انتهائه لفرض أمر واقع غير قابل للتفاوض. فاضطرت مصر إلى الإعلان عن فشل المفاوضات والمطالبة بتدخل وسيط دولى للوصول إلى تفاهمات مقبولة من الأطراف الثلاثة، وذلك تبعاً لإعلان المبادئ الموقع من الدول الثلاث. وبعد محاولات من الصد والرد تم الاتفاق على أن تراقب الولايات المتحدة الأمريكية جولة جديدة من المفاوضات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق حول سياسات ملء وتشغيل السد تحت الظروف الهيدرولوجية المختلفة لتدفقات النهر.. وتولت الولايات المتحدة التواجد فى مفاوضات سد النهضة كمراقب، ولكن بحرفية كبيرة تدرك فيها حساسية دول التفاوض ومصالحها مع تفهم كبير لظروفهم الداخلية والخارجية. وجاءت خطوط التفاوض فى 3 شهور بثمرات فشلت الدول الثلاث وحدها فى تحقيقها فى عشر سنوات كاملة. وفى نهاية فترة الـ 3 شهور تبقت عدة مشاكل رئيسية تتمثل فى تعظيم بعض المكاسب الإثيوبية المادية من بيع كهرباء السد ومشاكل حقيقية تتمثل فى أحلام (أوهام) إثيوبية للسيطرة على النيل الأزرق ومياهه لتحقيق مكاسب سياسية إقليمية على حساب مصر والسودان، واستغلالًا للأزمة المائية المصرية..

إلي أن جاء يوم التوقيع النهائي وفي هذا اليوم انسحبت أثيوبيا من التوقيع ملقيه بكل عهودها عرض الحائط ، وعندما تنسحب الحُكومة الإثيوبيّة من الجولة الأخيرة من المُفاوضات الثلاثيّة حول سدّ النهضة التي ترعاها الإدارة الأمريكيّة وصندوق النقد الدولي في واشنطن تهرّبًا من توقيع النّص النّهائي للاتّفاق الذي تبلور من خِلال اجتماعاتها التي عُقِدت على مُستوى وزراء الخارجيّة والرّي في البُلدان الثلاث (مِصر وإثيوبيا والسودان) فهذا يعني أنّها لم تكن جادّةً على الإطلاق في القُبول بأيّ حل سلميّ، وستمضي قُدمًا في خُططها بمَلئ خزّانات السد بالكميّة المطلوبة (74 مِليار متر مكعب) في الفترة الزمنيّة التي تُقرّرها، ودون أيّ مُراعاة للأضرار التي يُمكن أن تلحق بالجانب المِصري، وأبرزها تجويع ملايين الفلّاحين المِصريين وانخِفاض كميّات الكهرباء من السد العالي نتيجة مباشرة لانخِفاض حصّة مِصر من مياه النيل. وذلك حسب قول ستراتفور: مصر وإثيوبيا.. صراع تاريخي مستمر على الماء النفيس، ترجمة: محمد الصباغ)

من الواضح أن إثيوبيا تنتهج المماطلة وسياسة الاستمرار فى المحادثات لكى يكون هناك تحرك فى هذه المشكلة، بينما هى تمضى فى فرض الأمر الواقع باكتمال بناء السد وبدء تخزين المياه، لذلك على الحكومة المصرية وضع سقف زمنى لهذه المفاوضات لا يتعدى الشهور القليلة للتوصل إلى اتفاق، فإذا لم يحدث ذلك يتم الإعلان عن فشل المحادثات والبحث عن وسائل أخرى لمواجهة هذه المشكلة.

السّؤال الذي يطرح نفسه بقوّةٍ هو عمّا يُمكن أن تفعله الحُكومة المِصريّة في ظِل هذا التّآمر الإثيوبيّ ضدّها، والضّرب بعرض الحائط بكُل مصالحها الاستراتيجيّة ومخاطر هذا السّد على أمنها المائيّ؟

هُناك ثلاثة خِيارات أمام الحُكومة المِصريّة: الأوّل: أن تُدافع مِصر عن مصالحها وأمنها المائيّ، بضرب هذا السّد وتدميره وتحمّل النّتائج كاملةً، وهي تملك القوّة والطائرات القادرة على القِيام بهذه المهمّة. الثّاني: أن تُعلن حربًا بالإنابة طويلة الأمد ضِد إثيوبيا، وتدعم أعداءها في القرن الإفريقي. الثّالث: أن تستسلم الحُكومة المِصريّة لأساليب المُناورة الإثيوبيُة، وتخضع للأمر الواقع تَجنُّبًا للحرب وما يُمكن أن يترتّب عليها من خسائرٍ (وهذا لن يكون). وذلك حسب قول ستراتفور: مصر وإثيوبيا.. صراع تاريخي مستمر على الماء النفيس، ترجمة: محمد الصباغ).

خلاصة القول سد النهضة الأثيوبي أصبح حقيقة قائمة وواقعة.. وعلينا أن نتعامل مع هذا الواقع بمقتضي القوانين والأعراف الدولية وحسن العلاقات مع كل من أثيوبيا والسودان من خلال الوثيقة التي وقعها زعماء البلاد الثلاثة واعتبرت بمثابة إطار حاكم بحيث لا تضار مصر في حصتها المقررة من مياه النيل نتيجة لقيام هذا السد.

أما إثيوبيا فيكفى أن أرد عليهم ببقية قصيدة شوقى عن الثعلب التى يختتمها قائلا:

يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا.. وازهدوا فى الطير إن العيش عيش الزاهدينا.. واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا.. فأتى الديك رسول من أمام الناسكينا.. عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا.. فأجاب الديك عذرا يا أضل المهتدينا.. بلّغ الثعلب عنى عن جدودى الصالحينا.. عن ذوى التيجان ممن دخل البطن اللعينا.. أنهم قالوا وخير القول قول العارفينا: مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

في أواسط عام 2004، آنذاك، كنت قد نشرت مقالاً حول ممارسات قوات الاحتلال الأمريكي مع العراقيين، مشيرا الى مدى بربرية تلك القوات. وبهدف اثارة الموضوع إنسانيا وأخلاقيا وقانونيا، قمت بإشهاره مع صور لتلك الانتهاكات عبر الانترنيت على العناوين المتوفرة لديّ، لعل من يتحمل مسؤولية المتابعة وملاحقة مرتكبي تلك الجرائم قانونيا. وأيضا كان هو ردا طبيعيا على "بيان" ورد على عنواني الالكتروني يتضمن عددا كبيرا من أسماء مثقفين عراقيين موقعين مع وجود عناوينهم. دفاعا عن الاحتلال واعتباره منقذا وطنيا. ذكرني بموقف فنان تشكيلي عراقي بعد السقوط بأسابيع ـ أعلن عدم رغبته بالعودة الا بعد ان يحرق "بسطال" آخر جندي امريكي ارض العراق، في إشارة للبعثيين!.. وصلني فيما بعد من شخصية عراقية مثقفة، رد، أجيز لنفسي وصفه بـ "احتجاج" مكتوب على قياس "مختزل"، مع الأسف لم يلامس قطعا قدسية ما كان يجب ان يحمل من تنديد لسلوك المحتل في وطنه!.

اليوم وفي ظرف حرج يمر به العراق، استقي الذاكرة لاختراق فكرة النأي" لدى بعض المثقفين لتحل مكانها مسؤولية كشف الحقيقة المتعلقة بمصير الانسان العراقي!. أنشر بعضا من سجال بيني وبين ذلك الأستاذ الفاضل، للمقاربة بين ما حدث بالأمس وما يحث اليوم، تاركا للقارئ الكريم حرية الربط ومسألة التعاطي. هي خلجات ورؤى، تحدٍ ومراجعة. سجالاً صريحاً يبدأ من حيث انتهيت آنذاك بـ : يسود العراق النفاق والظلامية، وطمس الحالمين بالحرية والديمقراطية الزائفة تحت طائلة السلاح الأمريكي ونعل أصحاب العمائم للحقائق. أجير بموضوعية، نكث الغبار والبدء بمراجعة عقلانية وفق رؤى وطنية للمواقف والسلوكيات السياسية السابقة.

خاطبني الأستاذ الفاضل يومذاك بما يلي: [السيد ع ي المحترم، تحية وبعد... استلمت المقالات والصور البذيئة التي أرسلتها، دون أن تراعي للأسف مشاعر من يستلمها، ولعلك نسيت بأن هناك أخبارا وفضائيات يستطيع المرء أن يرى فيها نذالة المحتلين دون أن يطلع أطفاله مثلاً عليها!.. مع تحياتي ـ د. إ. ط]

في العام 2008 تم توقيع اتفاقية أمنية بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة تتضمن تحديد "الأحكام الرئيسة لوجود قوات الاحتلال في العراق  وأنشطتها". بعد مرور سبعة عشر عاما على الغزو في أبريل 2003 نكتشف واحدا من اهم الاسرار فيها: عدم المساس بالمصالح المشتركة لكل من الجانبين. المحتل من جهة ومجموعة القوى والأحزاب الطائفية والعرقية التي اتى بها الاحتلال لسدة الحكم "شيعة وسنة وكرد". ما ان تفجر الوضع بعد اشتداد مظاهرات الاحتجاج في اكتوبر2019 حتى برزت التناقضات من جديد بين مَن في السلطة وخارجها. المرتبطون، بالأمريكان ومصالحهم بشكل مباشرـ وقوى العملية السياسية التي تمتلك قدرة جس النبض لتحقيق مآرب سياسية لصالح قوى خارجية. لكن وان تباينت اشكال الصراع بين هذه القوى، ستبق الاجندة "ثابته" ومشتركة الخطورة على مصالح العراق وشعبه. وان كلا الخصمين، ليسا، على استعداد لمناطحة أحدهم الآخر، لكنهما من اجل البقاء في السلطة، مستعدان، لحرق العراق وإعادة الاحداث الدموية التي خلفها الاحتلال الى الواجهة. وللأسف لم يكتشف أولئك المثقفين اللعبة الا في وقت متأخر، وبعضهم لازال يحسن الظن بنوايا أصحاب السلطة ويوافقهم الرأي بان القائمين على التظاهرات عملاء تحركهم أيادي خارجية، وبالطبع أمريكية ـ صهيونية لا إيرانية؟.

كتبت للأستاذ الفاضل ردا على رسالته جاء فيها:[ الأستاذ د.إ. ط المحترم... تحية طيبة ـ أبدا بالتساؤل ـ ما الذي يجب عمله اذا ما استمر الاحتلال، ومارس الوسائل غير المشروعة لقمع المواطنين وقتلهم، او استمر بنهب خيراتنا.؟. وافترض، ما يهم كل مواطن عراقي إنهاء احتلال بلده وحالة الحرب بأقرب وقت، كما يهمه تخفيف الضائقة الاقتصادية التي خلفتها ظروف الحروب وجشع المحتكرين. وان مطالبة الشعب لان يعيش حرا في ظل وطن حر، يملك كامل السيادة الوطنية التي بدونها لا يمكنه حل المشاكل المتعلقة بشكل الحكم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حق مشروع.. خلاصة القول: إن الوطن الحر شرط سعادة الشعب. أظن على هذا الأساس تتأثر مصداقية الموقف الوطني، وعلى الطليعة الواعية أن لا تقف موقف المنتظر المتفرج حتى السقوط النهائي .. وإلا ما العمل؟.. مهمتي كوطني عراقي يشعر بمسؤولياته، كشف زيف المحتل والدفاع عن وطني وشعبي وحضارتي، إن بقي منها شيئاً.. إنني احترم رأيك وموقفك، عسى أن اكف عن إزعاجك وإزعاج الآخرين مِن المهتمين بشأن وطنهم وشعبهم، مَن لا يفرقون بين الحقيقة والتأويل ولا يقبلون سماع الرأي الآخر ويزايدون على الآخرين بوطنيتهم وآرائهم ويدعون الديمقراطية للكشر!!.. مع اعتذاري ـ ع ي]

بضعة من الوقت كتب لي الأستاذ د.إ. ط رسالة يقول فيها: الأستاذ ع ي المحترم .. تحية ـ لولا أني أشاطرك في الكثير من أرائك التي ذكرتها عن المحتلين وقذاراتهم وعن واجب الجميع ولا سيما من احترقت أعمارهم في جحيم البعثيين والقومجية الفاشست (وأنا منهم لسوء أو لحسن الحظ - لا أدري)  في مواصلة النضال لتخليص البلد من المستعمر وأعاده استقلاله وحريته بكل السبل الممكنة وتحت رايات وطنية نظيفة منقاة من دنس البعث والمتأسلمين، أقول لولا قناعتي بالكثير مما قلته، لم أكن لأقبل تلميحاتك الخاطئة وتفسيرك غير الصحيح لرفضي استلام صور الجرائم الأمريكية في أبي غريب! فكل ما في الأمر أني استلمت الملف وما فيه من صور لم أشأ لعائلتي أن تراه، وهذا يا سيدي حق لي مسسته أنت بغير قصد منك. لقد أطلعت طفلتي على الملف وأتعبها ذلك كثيراً وجعلني أفقد صوابي وأرد عليك!! وأرجو أن تقبل اعتذاري إن كنت قد صغت ردي بطريقة جافة، فهذا ليس من خلقي.

لا تتهم ـ حفظك الله ـ الناس في وطينتهم وعراقيتهم لاسيما وأنت لا تعرفهم لمجرد إنهم اختلفوا معك في موقف أو رأي أو لأن الأمر بدى لك كذلك كما حدث معي! إذ ستقع أنت يا سيدي في ذات المطب الذي نهيت عنه في ردك علي حين قلت (من لا يفرقون بين الحقيقة والتأويل ولا يقبلون سماع الرأي الآخر ويزايدون على الآخرين بوطنيتهم وآرائهم ويدعون الديمقراطية للكشر)

خالص تمنياتي لجهودك وجهود كل العراقيين بالنجاح ولقضيتنا الوطنية بالظفر في الخلاص من المستعمر وقبر بقايا أزلامه البعثيين القتلة الذين لم يكتفوا بكل ما فعلوه في البلاد خلال عقود بل سلموها لقمة بدت سائغة لأسيادهم الأمريكان، لكنها لن تكون كذلك.. مع تحياتي ـ  د. إ. ط.

ان ما حدث ويحدث في سوح الاحتجاج يثير القلق ويعيد الى الذاكرة العراقية صور تلك الجرائم البشعة بحق الأبرياء. وان ما جرى في بلاد الرافدين على يد القوات الامريكية الصديقة؟، الديمقراطية؟ كما روج لها البعض. لا يختلف عن ما يجري اليوم على يد مجموعة مارقة وصلت للحكم على ظهر الدبابة الامريكية.. الموقف الوطني له قدسيته، لا يقبل مهادنة النفاق والدجل والانتهازية السائدة في عقول من لم تستيقظ ضمائرهم. من هذه الزاوية حصرا ينبغي استعادة التوازن بين مفعول الصورة واستخلاص بلاغة الذاكرة لفهم طبيعة الاحداث ونتائجها المأساوية.

اشير الى جوابي على رسالة الأستاذ الفاضل لاختتم درب الحوار: الأستاذ د. إ. ط المحترم، تحية ومودة ـ شكراً جزيلاً على رسالتك الموقرة التي تحمل دلالات عن موقف وطني يسعدني سماعه. أقدم اعتذاري وأعتبر ما دار أصبح من ملفات الماضي.. أمامنا جميعاً كما تفضلت مهمة استيعاب المرحلة والعمل على كيفية خلاص وطننا وشعبنا من هذا الكابوس البربري. يبق ثمة أمر يتعلق بمفهوم "قومجية" أستميحك ابداء رأيي فيه: كيف لنا أن نصف انتمائنا؟، اليس هويتنا عربية؟. كل الأقوام لا تقبل التنكر لانتمائها القومي مهما كان السبب.. لماذا نجعل تصرفات "النظام السابق" مدعاة للتحامل على عروبتنا. اعتقد أنه تقييم استهلاكي مبسط ، لا أعرف لماذا؟. في شأن الدفاع عن مصالح الأمة، أي أمة، كيساري، لا أعتقد إن هناك تعارض بين الوطنية ومفهوم القومية. أنني لا أعرف قوماً من أقوام أوروبا المتحضرة العلمانية ترفض أو تندد بانتمائها القومي، لا بل تدافع عن ذلك وتفخر به.. إخواننا الكرد يجاهرون ويفخرون بانتمائهم القومي دون وجل. لماذا يريد البعض أن نتنصل عن هويتنا العروبية وعن انتمائنا القومي؟. انه موقف يتنافى مع القيم الديمقراطية وحضارة الإنسان.. وتقبل تمنياتي ـ ع ي.

صدر مؤخراً عن منظمة مشهود لها في مجال حقوق الإنسان تقريراً جديداً حول العراق، وهو واحد من التقارير التي أصدرتها منظمات دولية، إنسانية وحكومية وخاصة. جاء فيه إلى جانب الكثير من الحقائق: بأن أكثر من مليون ونصف إنسان عراقي قد قتل منذ غزو العراق عام 2003 وإن أكثر من 900 ألف منهم راحوا على يد منظمات وعناصر إرهابية، أو عراقيين منتسبين للجيش والشرطة والأمن وميليشيات الأحزاب الحاكمة العربية والكردية، نتيجة التعذيب وسوء المعاملة وفقدان الرعاية الصحية. إلى ذلك فقد أشار التقرير أيضاً الى ممارسة اضطهاد العراقيين وتعذيبهم وإذلالهم حد الاغتصاب وممارسة الجنس بالقوة تحت الترهيب دون أي رادع يذكر. وعلى الرغم من مرور اكثر من عقد ونصف على غزو العراق لاتزال عنجهيات السياسة بحق العراقيين ترتكب. بأيدٍ عراقية ـ أيرانية، تعيد الى الذاكرة على نطاق واسع، سيناريو ما فعلته أمريكا من جرائم في العراق. 

المشهد اليوم واقع الحال لم يكتمل بعد، واننا لانزال امام استحداث أو بمعنى آخر، إعادة منتجة، فيلم تشكل عناصره علامات سيميائية حاملة لمعلومات كثيفة كما يقول "يوري لتومان". فالوسط الانتهازي ـ الثقافي والسياسي العراقي هَمه استجداء رضى أصحاب السلطة على حساب القضية الوطنية والمصالح العامة للمواطنين. والاعتقاد أن الديمقراطية في العراق سائرة نحو الكمال، شعارا في حد ذاته فضفاض، لا قيمة له.. وإذا ما افترضنا جدلاً، بأنه حقيقة قائمة!. دعونا نسأل من باب الشفافية التي يزايد البعض: لماذا تغلب المصالح الفئوية والحزبية على النص الذي يراعي المصالح الوطنية العليا للدولة؟. في علم المنطق،  يتأسس فلسفيا ومجتمعيا مفهوم الديمقراطية باشتراط تحقيق مبدأ المواطنة، وعلى المواطن ان يكون مخلصا لتأمين مصالح الوطن والحفاظ عليها. وبالضرورة، أيضا، تغيير النظام السائد بأكمله وانهاء حالة احتكار السلطة وبناء الدولة المدنية الحديثة.

 

عصام الياسري

 

محمود محمد علينعود ونستأنف حديثنا عن الأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة الأثيوبي، وفي هذا نقول : في نهاية السبعينات من القرن الماضي شهدت العلاقات بين مصر وأثيوبيا تحوّلاً أساسياً في ارتباطات مصر الخارجية في عهد الرئيس "محمد أنور السادات" (والذي اشتهر بجرأته وحنكته ودهائه السياسي إلي سدة الحكم في مصر)، عن الشكل الذي اتّخذته منذ الخمسينات والستينات، فقد تقدّمت مصالح واهتمامات مصر الوطنية على التزاماتها العربية والإفريقية، واستبدلت العلاقة مع الاتحاد السوفياتي بعلاقة ومشاركة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب

لقد جاء السادات ليتخذ قراره الذي سبب ضجة بالعالم العربي بزيارته للقدس، وذلك ليدفع بيده عجلة السلام بين مصر وإسرائيل؛ وقد قام في عام 1978 برحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل التفاوض لاسترداد الأرض وتحقيق السلام كمطلب شرعي لكل دولة؛ وعلي أثر ذلك تم وقف كل المشروعات التي كانت تنوي أمريكا وإسرائيل تنفيذها (مؤقتاً) قبل ذلك من بناء سدود للإضرار بمصر .

كذلك شهدت فترة حكم الرئيس السادات ظهور بعض التوتر فى العلاقات المصرية- الإثيوبية بسبب إريتريا بعد دعم الخرطوم لحركة تحرير إريتريا، ومساندة إثيوبيا لحركة جنوب السودان (أنيانا)، مما كان له التأثير السلبى على العلاقات المصرية الإثيوبية بعد إعلان السادات وقوفه إلى جانب السودان، وتوقيعه لمعاهدة الدفاع المشترك مع الخرطوم عام 1976، الأمر الذى أدى لتدهور العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، بل وازداد الأمر سوءً عندما رفض السادات الحوار مع الوفد الإثيوبى الذى زار مصر فى فبراير 1976، مؤكدا ضرورة استقلال الشعب الإرتيرى.

وفى تلك الحقبة، بدأ ملف المياه يدخل دائرة التوترات بين مصر وإثيوبيا، وذلك حينما أعلن السادات عزمه مد مياه النيل إلى سيناء عام 1979 لاستصلاح 35 ألف فدان، ما أثار غضب وثورة أثيوبيا التي عارضت المشروع بشدة وقدمت شكوى رسمية ضد مصر عام 1980 إلى منظمة الوحدة الأفريقية، واستمرت هذه الأوضاع بهذا الشكل وصولاً إلى إعلان ست من دول منابع النهر التوقيع على معاهدة جديدة لاقتسام موارده بمدينة عنتيبي الأوغندية، ومنحت القاهرة والخرطوم مهلة لمدة عام للانضمام إلى المعاهدة لكنهما رفضا وأكدا أن الاتفاقية مخالفة لكل الاتفاقيات الدولية

ومن الطرائف والغرائب في ذلك ما تداولته صفحات وسائل الإعلام آنذاك ؛ حيث قيل بأن هناك جهات داخلية وخارجية أبلغت الرئيس السادات بأن أثيوبيا بدأت في بناء سدود علي مجري النيل ، وعلي الفور أرسل السادات لأثيوبيا علناً احتجاجا بأنها اخترقت الاتفاقات الدولية ، وأنه ليس من حق أي دولة علي مجري النيل أن تبني سداً دون موافقة جميع دول حوض النيل.. أنكرت أثيوبيا علناً بناءها لأي حدود .. وتعمد السادات أيضا أن يرسل علنا لأمريكا والأمم المتحدة والمنظمات الدولية احتجاجه علي بناء السدود الأثيوبية .. فردوا عليه علناً أيضاً أن أثيوبيا لا تنبني سدوداً .. سجل السادات جميع الردود العلنية بعدم وجود سدود في أثيوبيا ، وأرسل 6 طائرات ولونها بلون واحد وبدون علم مصر وضرب السدود كبها من مطار بجنوب السودان.. هاجمت أثيوبيا وأرسلت للأمم المتحدة وجميع المنظمات الدولية تشكو مصر أنها ضربت السدود ، وأرسلت الأمم المتحدة إلي السادات مستنكرة ضربه للسدود وتتهمه باختراق حدود دولة أخري.. أنكر السادات وقال : هل يوجد سدود في أثيوبيا !!!؟ ألم تبلغونا بعدم وجود هناك .. فكيف لنا أن نضرب شئ لا وجود له؟؟؟...

وبصرف النظر عن مدي صدق هذه الرواية من عدمها إلا أنه يمكن القول بأنه بعد أن أصبح زمام العلاقة بين مصر وإثيوبيا ملئ بالمشاكل والتوترات فى عهد السادات، جاء عصر الرئيس السابق محمد حسنى مبارك، ليشهد بداية مرحلة جديدة من العلاقات المصرية – الإثيوبية، وخفت حدة الخطاب السياسي بين البلدين، وبدأت تحل محلها انفراجة فى العلاقات المصرية الإثيوبية فى صيغة التعاون والتفاهم فى مختلف المجالات.

وأعلن الدكتور عصمت عبد المجيد، وزير الخارجية المصري الأسبق، فى مؤتمر القمة الإفريقية العشرين، الذى انعقد بأديس أبابا حرص مصر على عدم التدخل فى الشئون الداخلية لإثيوبيا واحترام اختيارها السياسي، مؤكداً أن "إثيوبيا الواحدة القوية أحد عوامل الاستقرار الرئيسية فى القرن الأفريقى"، وقامت الدبلوماسية المصرية عام 1984 بجهود مكثفة واتصالات مستمرة مع السودان وإثيوبيا من أجل إنهاء الخلافات المتعلقة بالمشكلة الإريترية، فيما اتبعت مصر سياسة أقرب إلى الحياد حتى عام 1995، فيما يتعلق بالخلافات بين إثيوبيا والصومال، بسبب الصراع حول إقليم أوجادين.

ظلّت العلاقات بين مصر وإفريقيا تتأرجح بين التباعُد والتلاقي، ولكنها لم تعد إلى ما كانت عليه، وشهدت فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي دوراً إسرائيلياً مُتنامياً داخل القارّة السمراء، ووصلت الحال إلى أن ساعدت إسرائيل أثيوبيا بالسلاح، كما ساهمت في الزراعة والمياه.

ثم جاءت محاولة اغتيال حسني مبارك الفاشلة على يد إسلاميين هاربين من مصر، فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995 سبباً فى تحول العلاقة بين البلدين ، فتوقفت أعمال المجلس المصرى الإثيوبى 17 عاماً كاملة، وتدهورت العلاقات بين مصر وإثيوبيا ، وهو ما تجلى فى الخلاف بين دول المنبع ودول المصب لحوض نهر النيل.

لقد أدي انسحاب مصر من القارة وخصوصاً في حقبة مبارك إلي وجود قوى أخرى تعملقت علي أثر هذا الغياب، وأدي ذلك إلي تراجع الدور المصري في القارة عموماً، وفي عمقنا الأفريقي بدول حوض النيل التي تحمل مصالحنا المصيرية معها، وذلك بتواجد نهر النيل عصب الحياة للمصريين ومصدر كل نشاط اقتصادي بها.

وكان من نتائج ذلك أن قادت إثيوبيا وشجعت توجه دول المنبع إلى التوقيع منفردة على اتفاق لإعادة تقسيم مياه النيل، رغم اعتراض مصر والسودان، فى اتفاق سمى باتفاق عنتيبى فى 4 مايو 2010. حتى اتهم رئيس الوزراء الإثيوبى الراحل ملس زيناوى فى عام 2010 مصر باحتمال لجوئها إلى العمل العسكري ضد بلاده بسبب الخلاف على مياه النيل، وإن مصر لا يمكنها أن تكسب حرباً مع إثيوبيا على مياه نهر النيل، وإنها تدعم جماعات متمردة فى محاولة لزعزعة استقرار البلاد، وهو الأمر الذى أثار دهشة القاهرة التى اعتبرت تلك الاتهامات عارية عن الصحة.

فى العامين الأخيرين من حكم حسنى مبارك ألح مليس زيناوى رئيس وزراء إثيوبيا على مبارك فى إنشاء سد على النيل الأزرق، ويقع بالقرب من الحدود مع السودان لا تزيد سعة بحيرته على 14 مليار متر مكعب، إلا أن مبارك كان يرى أن النيل الأزرق خط أحمر ولا ينبغى لإثيوبيا أن تترك كل أنهارها العديدة وتضع النيل الأزرق صوب عينيها فقط من أجل الإضرار بمصر.

هذا الرفض المصري أثار غضب رئيس الوزراء الإثيوبي وجعله يصدر توجيهاته بالمضي قدماً فى اتفاقية عنتيبى مع دول النيل الأبيض للاستقواء بهم ضد مصر ومحاولة لعزل مصر عنهم بوثائق ومعاهدة رسمية تقر بمواقفهم ضد مصر وسهولة الحصول على موافقة دول المنابع على بناء السدود الإثيوبية التى ينتوى الجانب الإثيوبي إقامتها على النيل الأزرق وذلك حسب قول د. نادر نور الدين محمد في مقالاته.

في أثناء ثورة 25 يناير 2011 استغل الجانب الإثيوبي الانشغال الداخلي وعظم التحديات الداخلية في مصر، وأعلن بشكل منفرد عن بناء سد النهضة أو سد الألفية، وعلي الرغم من المبررات والحجج الإثيوبية التي تم علي أساسها هذا الإجراء، فإن مصر لديها حقوق تاريخية مكتسبة ثابتة بحكم الاتفاقيات التي تم إبرامها منذ عقود طويلة وتحدد العلاقات بشكل ملزم بين مصر ودول حوض النيل، إلا أن الجانب الإثيوبي لا يعترف بتلك الاتفاقيات علي أساس أن تلك الاتفاقيات لا تمثل إلا من وقعها، والقصد هنا القوي الاستعمارية، وهذا يمثل خرقاً واضحاَ من جانب إثيوبيا لقواعد الاستخلاف في القانون الدولي والعلاقات الدولية التي تلزم الدول بالالتزام بمعاهداتها الثابتة في فترات سابقة بغض النظر عن النظام السياسي وطبيعته في البلاد ( وذلك حسب قول محمود في مقاله مناع سد النهضة .. تداعيات سياسية).

لذلك لم يكن غريباً أن تستغلّ الدولة الأثيوبية الاضطرابات التي حدثت بعد ثورة 25 يناير ، أن تعلن عن بداية بناء "سد النهضة"، ولم تتمكّن مصر من منعها من البناء، ولكنها سعت من خلال المفاوضات المستمرة وحتى الآن، إلى عدم تأثير السد على حصّة مصر التاريخية من المياه وقدرها 55.5 مليار متر مكعب سنوياً.

ودعونا نعترف (مع دندراوى الهوارى في مقاله "مصر تدفع الثمن.. فوضى يناير وزيارة نشطاء إلى إثيوبيا وراء بناء سد النهضة!!") بأن أخطر ما أفرزته ثورة 25 يناير من نتائج خطيرة، أربعة كوارث حقيقية، الأولى: فتحت الطريق أمام التنظيمات الإرهابية لتسكن أحشاء الوطن كالأورام السرطانية القاتلة. الثانية: جرّأت أقزام العالم للتطاول على قيمة وقامة مصر، مثل قطر وتركيا، ومنحتهما الفرصة الذهبية للتخطيط والتآمر لتمزيق أواصر البلاد، وإسقاط القاهرة فى بحور الفوضى العارمة، الثالثة: دمرت الاقتصاد المصري، ورسخت للانتهازية الاقتصادية والفهلوة فى الحصول على مكاسب دون عمل أو بذل أى جهد، واستباحت الممتلكات العامة والخاصة. الرابعة: أعطت للحكومة الإثيوبية الفرصة الذهبية لبناء سدودها، وأبرزها سد النهضة، فى إعلان صريح وواضح، لقتل المصريين عطشا. ومن النتيجة الرابعة، نعيش الآن خطر الموت عطشا وجوعا، ونقولها بصوت صارخ، إنه لولا حراك 25 يناير ما استطاعت إثيوبيا أن تبنى قالب طوب واحدا فى نهر النيل، وإنما وجدت ضالتها فى الحراك الفوضوى، وعبث المراهقة الثورية والمطالب الفئوية والاستغراق فى المحلية التى كانت عليها مصر، وبدأت خطوات بناء سد النهضة، وابتُليت مصر فى 2011  بسد «النهضة» وفى 2012 ببرنامج «النهضة» الفنكوش.

علي كل حال إثيوبيا ترى أنها لن تحقق التنمية إلا ببناء سد النهضة، وبالتأكيد مصر ليست ضد ذلك، لكنها ضد أن تكون هذه التنمية نهضة لأثيوبيا ونكبة على مصر وتعريض شعبها للخطر، ليس فقط بسبب نقص حصة مصر وتأثيرها على انتاجها الغذائى لتأثر الزراعة بنقص المياه فى فترة ملء السد، ورغم ذلك ظل خيارها دائما الدبلوماسية؛ حيث يؤكد العديد من الخبراء أن أكثر الدول المتضررة من استكمال بناء السد دولتا المصب والمجرى وهما مصر والسودان لعوامل عديدة لن تجعل عمر السد يتجاوز 50 عاما على أقصى تقدير لأسباب منها أن سد النهضة لم يراع فى إقامته دراسات مستفيضة وشروط الأمان الواجب توافرها فى مشروع ضخم مثل السد الإثيوبى فهو مقام على مرتفع يتجاوز 500 متر فوق سطح البحر على صخور بازلتية ضعيفة تزيد من احتمالات انهيار السد بسبب اندفاع المياه خاصة فى فترة الفيضان والذى يعنى غرق السودان خلال 4 أيام ليصل ارتفاع المياه العاصمة السودانية الخرطوم اكثر من 10 أمتار لقربها من مكان السد بكيلومترات قليلة كما أنها خطر على مصر التى يمكن أن تصل اليها مياهه المندفعة بقوة خلال 18 يوما وتدمر معها السد العالى وتجرف الخزانات...وما يزيد خطورة السد أن الشركة الإيطالية المغمورة التى تنفذ المشروع الإثيوبى لها تاريخ سجل سابق من الفشل فى بناء العديد السدود الصغيرة فى إثيوبيا بعضها انهارت بالفعل فلماذا إصرار الحكومة الاثيوبية على هذه الشركة التى أسندت لها العمل بالأمر المباشر؟!. (وذلك حسب قول نبيل السجينى في مقاله ســد النهضة!).. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

يدور الحديث بين الحين والآخر حول مستقبل سوق الطاقة في العالم ودور النفط في المستقبل في توفير حاجة العالم الى الطاقة.

ويتكرر التحذير، ايضا، من قرب استغناء العالم عن النفط مما يثير الذعر في نفوس الذين يعتمدون على ايرادات النفط كمصدر اساسي او وحيد تقريبا ، في تمويل ميزانياتهم وادامة عجلة الحياة في بلدانهم.

ومصدر القلق الاساسي ياتي من امكانية العثور على مصدر طاقة بديل عن النفط

يكون انظف من النفط واقل تلويثا للبيئة ، واحيانا يكون ارخص وله عرض غير محدود احيانا اخرى ، وأمداداته مضمونة اكثر من النفط.

كذلك تثار قضايا استبدال النفط بالكهرباء لاسيما في تشغيل السيارات التي يوجد منها الآن بحدود 600   مليون سيارة في ارجاء العالم. وهذا الرقم يستهلك الكثير من الوقود بطبيعة الحال.

وسوف نحاول في هذه الورقة تتبع مدى واقعية العوامل التي وردت اعلاه.

- بالنسبة للنقطة المتعلقة بالتلوث وسعي العالم الى التخلص من النفط للحد من التلوث الذي يسببه نتيجة انبعاثات الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري :

عند مراجعة مساهمة مصادر الطاقة المختلفة في اجمالي الاستهلاك العالمي من الطاقة ، حصلنا على الارقام التالية:

- الفحم 27%

- الغاز الطبيعي 24%

- الطاقة الكهرومائية 7%

- الطاقة النووية 4%

- النفط 34%

- اخرى (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) 4%

(البيانات للعام 2018 ) .المصدر منظمة الطاقة العالمية 2019.

والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه: هل من المعقول ان يسارع العالم الى التخلي عن النفط ويبقي على الفحم وهو المسؤول الاول عن التلوث؟

واذا تم التخلي عن الفحم ، وهو ماسوف يحصل حتماً، فأي مصدر سوف يكون مؤهلاً لكي يحل محله؟

لاحظنا من الارقام اعلاه تواضع مساهمات مصادر الطاقة الاخرى، لاسيما طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية . كما يبدو ان معدل نمو انتاجها لايمكن له ان يلبي الحاجة المتصاعدة للعالم للطاقة.

النفط وحده سيكون قادراً على التعويض لحين الوصول الى بدائل اخرى في المستقبل مثل الطاقة المستخرجة من الهايدروجين بعد تكسير جزيئات الماء.

بعض الكتاب مثل (جيرمي ريفكن) الذي اصدر كتابا عنوانه : اقتصاد الهيدروجين بعد نهاية النفط . الكاتب كان يتحدث عن نفاد الاحتياطيات النفطية وليس عن الاستغناء عنه. ويحذر من الذهاب الى البدائل الاكثر تلويثا للبيئة مثل الفحم.

اما بخصوص مساهمة مصادر الطاقة المختلفة في توليد الكهرباء في العالم للعام 2018 ، فانها كما يلي :

- الفحم : 38%

- الغاز : 23 %

- الكهرومائية : 19%

- النووية : 10%

- الشمسية : 7%

- النفط :3 %

المصدر منظمة الطاقة العالمية ، 2019

هيمنة الفحم واضحة ، وقد اصدر الرئيس الامريكي باراك اوباما قرارا بايقاف كافة محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم الحجري بحلول العام 2025. حيث ان الولايات المتحدة تعتمد بنسبة 34% على الفحم في توليد الكهرباء. وبسبب توقيع الولايات المتحدة على اتفاقية باريس بخصوص المناخ كان يجب على الولايات المتحدة الالتزام بتعهداتها.

ولكن مجيء الرئيس ترامب وقراره بالخروج من اتفاقية باريس جعله يلغي قرار الرئيس اوباما للحفاظ على صناعة الفحم وحماية وظائف العاملين في هذا القطاع.

وكان هذا القرار بمثابة انتكاسة للجهود الرامية للحد من التلوث في العالم.

كذلك فان الهند والصين (وبشكل خاص الهند) تزيدان من استهلاك الفحم بشكل كبير لاسيما في توليد الكهرباء حيث يساهم الفحم في توليد 80% من الكهرباء في البلد.

ولايزال 40% من توليد الكهرباء في العالم يتم باستخدام الفحم..حسب بيانات البنك الدولي حيث تبلغ تلك النسبة 70% في الصين 34% في الولايات المتحدة و33% في اليابان.

اما النقطة الثانية والمتعلقة بصدور قرارات بمنع استخدام السيارات التي تستخدم البنزين والديزل من العمل في عدد من المدن الاوربية بحلول العام 2040 ، والسماح فقط للسيارات الكهربائية بالعمل وما سببه من هلع لدى بعض الجهات ، فانه ببساطة يهدف الى نقل التلوث من داخل المدن الى خارجها .

ان تحويل مئات ملايين السيارات الى استخدام الطاقة الكهربائية (مع كل المشاكل والتحفظات المطروحة عليها) سوف يقود الى توليد مزيد من الكهرباء لان الطاقة لاتخلق من العدم. وهذا يعني استخدام المزيد من الفحم والغاز والبترول في محطات توليد جديدة ينبغي اقامتها لتلبية الزيادة في الطلب على الكهرباء.

ولا يعقل ان يتم تشغيل محطات الكهرباء الجديدة بالفحم للأسباب المذكورة    اعلاه.  وبالتالي فإننا قد نشهد بعض التحول في استخدام الوقود السائل من خلال ازدياد استهلاكه في توليد الكهرباء بدل استخدامه مباشرة في تشغيل السيارات.

اضافة الى ذلك يجري تداول معلومات عن الطاقة النووية كبديل محتمل نظرا لما تولده من طاقة هائلة . ولكن تكاليف المفاعلات العالية ومخاطرها كما حصل في مفاعل تشرنوبل في الثمانينيات ومفاعلات فوكوشيما اليابانية في عام 2011 والتوتر السياسي الذي يصاحب انشائها عادة (لاسيما اعتراضات انصار البيئة) وخطورة حفظ النفايات النووية، لقد ادى ذلك كله الى بطأ نموها واغلاق العديد من المفاعلات بعد حادثة اليابان خاصة. (الغيت مشاريع اقامة ثماني محطات نووية في المانيا بعد حادثة اليابان).

اما مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة الاخرى كطاقة الرياح والطاقة الشمسية والكهرومائية فان مساهماتها محدودة كما لاحظنا من الارقام التي تقدمت ولايمكن لها ان تحل محل الحصص الكبيرة للفحم والنفط والغاز.

وهنالك اعتراضات على استخدام الرياح لتوليد الكهرباء عن طريق التوربينات الخاصة بذلك ، حيث ان انتشارها يشوه المناظر الطبيعية اضافة الى ارتفاع تكاليف صيانتها. كما ان التوليد عن طريق الاشعة الشمسية يواجه تحديات التخزين خلال الليل وخلال الايام الغائمة اضافة الى الحاجة الى التنظيف الدائم للألواح الشمسية من الغبار لان تراكمه يخفض من كفاءة التوليد.

هنالك ابحاث حثيثة تجري في محاولة لاستخراج الهيدروجين من الماء عن طريق تكسير جزيئات الماء. لكن هذه الطريقة لازالت تجريبية وذات كلفة باهظة جدا.

خلاصة القول : يبدو ان هنالك شكلا من اشكال الارهاب النفسي الذي يمارس على الدول المنتجة للنفط ودفعها للايمان بعدم اهمية ماتملكه من مورد شديد الاهمية لديمومة الحضارة الانسانية .

كذلك فان شعورا من هذا النوع قد يدفع الجهات المسؤولة عن ادارة هذه الثروة بقبول شروط غير منصفة في اتفاقيات تطوير حقولها باعتبار ان الشركات تستثمر اموالها في قطاع غير مضمون المستقبل وفيه مخاطر عالية ولابد من اغرائها للعمل والاستثمار بمنحها مزايا غير اعتيادية.

 

د. صلاح حزام

 

 

لم يأخذ الامر وقتاً طويلاً حتى يتأكد العراقيون بصورة عامة، والجمهور الشيعي بأغلبيته بصورة خاصة، للوصول الى قناعة ثابتة مفادها، أنهم بصدد مواجهة خطر عظيم ومن نوع مختلف في أعقاب سقوط بغداد في بداية عام ٢٠٠٣.

عوضاً عن بناء نظام سياسي ديمقراطي متين، يضع العراق كدولة وكمجتمع على أرضية صلبة، ليكون من خلاله دولة محترمة مهابة من قبل الجميع، وينعم بالأمن والأستقرار والتقدم على كافة الأصعدة، أرتضى رجال الدولة بكل أطيافهم الفكرية والمذهبية والعرقية،  "شيعة/سنة/وكرداً"، نظاماً ديمقراطياً أذا جاز لنا التعبير معيباً [الديمقراطية التوافقية]، لتكون هي الحالة الحاكمة للعراق والعراقيين بكل ما تحمله هذه الديمقراطية المزعومة من فساد وطائفية ومحاصصة مقيتة وتدوير لكل سارق متخلف يتبع هذا الحزب أو ذاك، أو هذا المذهب أو ذاك، فكانت الكارثة. ولا عجب في وصول العراق الى ما وصل أليه، لأن هذا النظام السياسي المعيب يمنع كل محاولة جادة لتثبيت ديمقراطية حقيقية.

في الديمقراطية التوافقية، تختفي كل المعايير الطبيعية والتي تحكم العمل السياسي والأخلاقي، وما يبقى على أرض الواقع لا شيء يمت للديمقراطية الحقيقية من صلة.  لنأخذ مثالاً هنا ؛ أن الكتل الشيعية الكبيرة والتي يقع على عاتقها تكوين الحكومة بعد كل انتخابات برلمانية، تدرك تماماً طبيعة وتوجهات المكونات الأخرى التي يجب عليها بفعل هذه الديمقراطية التوافقية أن تدخل معها في معمعة تشكيل الحكومة (العرب السنة/والكرد)، والحديث هنا بالتحديد عن رموز هذه المكونات والتي كانت شريكة في خراب الدولة، والعكس صحيح؟ 

أنه ببساطة نظام معطوب مقتبس عن الحالة اللبنانية البائسة في الحكم والتي آفرزت دولة ومجتمع مفكك تتسلط فيه قوى لا علاقة لها بالسياسة من قريب أو بعيد، لكنها بالتأكيد تستند الى ابعاد طائفية وقومية وقبيلية فردية بالمجمل. لكن السؤال هو، لماذا أرتضت هذه القوى الشيعية الفاعلة في العراق بعد السقوط أن تكرر الحالة اللبنانية الفاشلة، في مقابل محاولة جادة في بناء نظام سياسي فاعل يقود الى بناء دولة وطنية محترمة؟

قبل الأجابة على هذا السؤال، علينا أن نفهم بعض القواعد الأساسية التي تحكم الديمقراطية الفاعلة في كل بلدان العالم.  الديمقراطية في جوهرها تعني حكم الأغلبية، مهما كانت هذه الأغلبية في حساباتها الرياضية [الزيادة العددية في الأصوات والتي تقود الى زيادة عددية في البرلمان]، وتفاني هذه الأغلبية في قيادة البلد والحفاظ على  وتأمين كل حقوق الأقلية المواجهة لها في العمل السياسي، وكل تعريف أخر للديمقراطية لا يأخذ بالحسبان ما نذهب اليه هنا، نعتبره شذوذ يسئ للديمقراطية كمفهوم ويعيق أي محاولة جادة لبناء ديمقراطية محترمة، هذا من الجانب النظري.  أما على الجانب العملي، فأن قيادة الأغلبية والحفاظ على حقوق الأقلية، يعتمد على مجموعة آليات والتي يجب ان يقر بها الجميع، مثل كيف تعين الأغلبية ؟  وكيف تكون حدود حرية التعبير وإبداء الرأي؟ وكيفية طرح القوانين للنقاش العام؟ وهل تستطيع الأقلية من إيقاف قدرة الأغلبية على الاستبداد بالراي؟ هذه كلها تحدد ضمن تصور عام وشامل يشترك فيه الجميع.  شخصياً ارى ان العراق لا زال يحبو في هذا الامر .

لنعود الأن الى سؤالنا الذي طرحناه آنفاً، يبدو لي واضحاً، أن تصوراً عميقاً للدولة كمفهوم واسع ذو أبعاد وطنية، تسامحية، يشمل عدلاً ومساواةً للجميع في كل نواحي الحياة، لا سيما المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية لم يتطور للأسف لدى الطبقة السياسية الشيعية بالتحديد والتي تصدت للمسؤلية بعد سقوط الطاغية في العام ٢٠٠٣ .

التصور هو، أنك عندما تضع نفسك في مستوى المسؤلية وقيادة شعب ما، لابد أن يكون لك تصوراً واعياً ودقيقاً لطبيعة الدولة المرغوب بها، وألية الوصول الى هذه الدولة وكيفية بنائها.  للأسف، لم يمتلك قادة الشيعة هذه الرؤية، وهذا أمر يدعو للسخرية.

هذه المعضلة البنيوية في طبيعة التفكير السياسي الشيعي ينوه آليها كاتب شاب هو رائد عطايف، ففي أشارته الى محنة العراقيين في هذا الصدد يقول، "كلما تجد حديثاً عن الدولة، تأكد أن النخبة السياسية الشيعية في العراق بعيدة كل البعد عنها، لأن المفهوم طبقاً للسيد عطايف لا يزال طارئ أو غريب عن ذهنيتهم".  *

حتى نكون منصفين يجب أن نحسب للسيد عطايف جرئته هذه والتي شخصياً لا اعتبرها نوع من المبالغة أو التجني على طريقة تفكير رجل السياسة الشيعي، لكنها تأتي ضمن سياقات مبنية على أرضية صلبة وكلها تؤكد أن النخبة السياسية الشيعية لم تكن مهتمة بمسآلة أعادة بناء الدولة العراقية التي دمرها صدام حسين وعلى مدى عقود من الزمن.  لكن جرأة السيد عطايف فيما يتعلق بتصوره هذا، توقفت عند بُعد واحد (الشيعة)، وأهملت ربما من دون قصد، البعدين الآخرين في العملية السياسية (نخب السنة العرب/والكورد)، فهولاء لا يبدو انهم يمتلكون اَي تصور عن شكل الدولة العراقية التي يريدون ان يصبحوا جزء منها، وتخبط الكورد يعطينا الانطباع الواضح عن مأساوية اشكالية بناء الدولة في العراق.

الواضح أيضاً آن هذه النخب الشيعية كانت مستعدة للقيام بمهام اخرى، يوضحها لنا، العضو البارز في حزب الدعوة الأسلامية في العراق السيد عزت الشابندر حيث يقول، "جئنا لملئ الفراغ الذي أحدثه أحتلال العراق وسقوط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣، وكانت مسؤليتنا السياسية والفكرية كحزب هو بناء نظام أسلامي، لكننا وجدنا آنفسنا أبعد ما يكون عن هذه المهمة، كما أن مسألة بناء دولة وطنية محرم في ادبيات الحزب، فعليه قرر قادة الحزب الذهاب في أتجاه طائفي كحالة أو طريقة سهلة لتسلم السلطة في العراق من جهة وللتعامل مع بقية أطراف هذا التوجه الطائفي من بقية المكونات الاخرى". *

حتى أوضح موقفي، أنا لست في صدد الانتقاص من هذا الحزب الذي له تاريخه وشخصياته المحترمة والتي كان لها مواقف في الحراك السياسي المعارض لسلطة البعث حالها حال بقية الأحزاب الدينية والعلمانية التي عارضت النظام ذاته وقدمت التضحيات، لكنه نقد موضوعي ممزوج بوجع كبير يحاكي وجعاً عراقياً أشمل وأوسع كان يأمل في حالة أفضل مما طرحته حقبة قيادة حزب الدعوة للعراق، كما أن هذا النقد لا يستثني على الإطلاق بقية الأحزاب الدينية السياسية الشيعية الاخرى، كالمجلس الأعلى قبل تفككه، والحركة الصدرية والبقية الباقية من الأحزاب الشيعية الاخرى التي انبثقت حديثاً عن المجلس الأعلى والحركة الصدرية، لكن التركيز على حزب الدعوة يستند الى عديد السنوات التي تسلم هذا الحزب فيها مقاليد كل شيء في العراق، حيث قاد هذا الحزب حتى بعد أنشقاق السيد حيدر العبادي عن الحزب الام ١٢ سنة، ثلاث دورات أنتخابية كاملة، كان للمالكي فيها دورتين أي ٨ سنوات وللعبادي ٤ سنوات، وهذا في عمر بناء الدول وقت طويل قد يكون كافياً للتأسيس لدولة محترمة، لكن شيء من هذا القبيل لم يحدث، وهذا الامر بحد ذاته يعطي بعض من مصداقية لكلام السيد الشابندر الآنف الذكر.

مهما كانت محاولات السيد العبادي للإصلاح، فهي بالمحصلة النهائية جاءت متأخرة جداً، وعلى أنقاض خراب تام عّم الدولة العراقية بأجمعها تسببت به سياسات السيد المالكي وبقية الأطراف الفاعلة في العملية السياسية، ولانها أصطدمت بواقع مؤلم نجم عن أجتياح عصابات داعش لثلث مساحة العراق وسقوط ثلاث محافظات كبيرة في شمال العراق وغربه تحت سيطرة هذه العصابات، الامر الذي تطلب عشرات المليارات من الدولارات وعشرات الآلاف من الشهداء لتحرير هذه المدن.  لم يفعل السيد عبد المهدي الشيء الكثير فأطيح به بثورة شبابية عمت كبريات المدن العراقية في الوسط والجنوب بحثاً عن التغيير المطلوب، في بناء دولة وطنية عابرة لكل المسميات وأطرها العامة العدل والمساواة بين العراقيين، وكذلك الامر بالنسبة للمرشح الجديد لرئاسة الوزراء السيد مصطفى الكاظمي. فالسيد الكاظمي لن يكون بمقدوره الخروج عن أطار منظومة الفساد التي أسس لها كل الشركاء في العملية السياسية.

أن وجود الدولة يرتبط جوهرياً بوجود أبعادها السياسية والاقتصادية والقانونية.  وأن المواطن العادي يدرك أهمية وجود هذه الدولة من فاعلية هذه الدولة بأبعادها المذكورة أعلاه.  لا يحتاج هذا المواطن العادي إن يمتلك عقلاً تحليلياً فلسفياً عميقاً لإدراك مفهوم الدولة، فما يتحقق على ارض الواقع كفيل أن يكون من خلاله المرء اَي تصور عن الدولة أيجابياً كان هذا التصور أم سلبيياً.  ولكي أكون واضحاً هنا، فأن نقدي الموضوعي هذا للنخب السياسية والدينية الشيعية التي انخرطت في العمل السياسي، لا يقل حدة عن نقدي للفاعلين الآخرين في هذه العملية السياسية الفاسدة، أعني على وجه التحديد [النخب السنية والنخب الكردية]، كما ان استخدامي لمصطلحات مثل (الشيعة/ السنة/ الكورد)، هي محاولة بسيطة منا للتأصيل لواقع مختلف نراه كما يراه بقية العراقيون معارض تماماً لواقع الحال الذي إرادة له هذه النخب من ان يكون هو النموذج لكل العراقيين، نموذج (طائفي في مقابل نموذج وطني جامع) هم بمقابل نحن.

خلاصة القول، أن المشكلة في عراق مابعد السقوط عام ٢٠٠٣، تتحد بطبيعة الاختلالات الهيكلية التي اعتمدت في آلية بناء الدولة العراقية الجديدة، وهذه الاختلالات الهيكلية لا يمكن أصلاحها من خلال سياسات أرتجالية مؤقتة، بل من خلال تحليل دقيق لما حدث، والعمل حسب روئ واقعية، وتحديد خارطة طريق شاملة للخروج من أزمة بناء الدولة الوطنية تحضى بموافقة كل الأطراف الفاعلة في العملية السياسية. أنه أمر ليس بالهين بكل تحديد، وحدوثه يحتاج الى أرادة.

 

عقيل هاشم عبود

...........................

* رائد عطايف: "ماذا فعل الشيعة عندما كانوا في الحكم"، UltraIraq, July 2019.

*عزت الشابندر، "أقامة الدولة الوطنية ممنوع في ادبيات حزب الدعوة والطائفية أسهل"، في حوار له على فضائية دجلة العراقية، برنامج وجهة نظر، نبيل جاسم، 7/11/2019.

 

 

علي حيدر الحساني تحوّلت الكرة الأرضية الى سجن كبير بفعل الحاكم (كورونا) الوباء العالميّ الذي بدأ من الصين ونشط فيها ليتحول منتشراً يسري الى بلدان العالم ليفرض سطوته على الشعوب، إنّه الفايروس الجديد الذي  يهدّد النّاس، والمرض الفتّاك الخطير الّذي لا دواء له إلا بالإحتياط منه وتجنبه بفعل البقاء  في المنزل وإتباع الإرشادات الصحيّة وحملات التّوعية التي تطلقها السلطات، وفي العراق نعيش أياماً من الحظر مقرونة بالخطر الممزوج بالقلق عبر متابعة قنوات التلفاز والبحث في مواقع التواصل الإجتماعي، لنشهد مدنناً وعواصم عالميةً  في حالة الحجر الصحي وغالبيتها تحولت الى مدن أشباح، وقد شهدنا إغلاق المطارات والحدود وإيقاف الأنشطة والتجمعات الدّينية والترفيهية وغيرها، وممّا زاد من متابعتنا لهذه الأخبار هو فسحة الوقت الكبيرة التي فرضها علينا الفايروس عبر المكوث في البيوت، وقد تحوّل الوباء بمرور الوقت الى مايعرف بــ(الجائحة)، حتى أصبح الأقرباء والأصدقاء ممّن يحتمل  نقلهم للعدوى وإصابتنا بهذا الوباء، بل وأكثر من ذلك صار الفرد منّا يخاف على نفسه من نفسه لو فكّر مثلاً في أن يدعك عينيه أو يلمس فمه دون أخذ الحيطة وخصوصاً في حالات الخروج من المنزل لشراء مستلزمات منزلية مهمة.

 إنّ العالم اليوم يعيش  ظاهرة مرضية خطيرة و فتّاكة لم يسبق لها مثيل وهذه الظاهرة تستدعي التعامل معها بكثير من التأمل والحكمة والتحلّي بروح الصبر وتحمل المسؤولية والإنصات لذوي التخصص بواقعية وحرص شديدين، والعمل بتوصيات المؤسسات الصحية العالمية منها مثل توصيات (منظمة الصحة العالمية) والدوائر الصحية المحليّة المختصّة المتمثلة بوزارة الصحة العراقية، وممّا يؤسف له هو ظهور بعض الآراء والتحليلات بين النخب وعامّة النّاس عبارة عن استقطابات سياسية وإيديولوجية من خلال بث جدل النقاشات والتفسيرات بين العلمانية والتديّن، و ترحيلها على مشهدنا السياسي العراقي المعقد، بعضها يعدّ حالة صحيّة ستلقي بظلالها على تغيّر العديد من المفاهيم والبعض الآخر يندرج في خانة التسطيح و الإستمرار في تجهيل المجتمع، ناهيك عن تحليلات وإشاعات المنجّمين والسحرة والمشعوذين التي تفتك بسواد المجتمع .

وفي خضم هذا الحدث كان لدور المثقفين والمفكرين كل حسب طاقته وجمال تخصصه الدّور الأبرز في مواجهة التحدّيات وتنشيط دورهم التنويري الفاعل في تشخيص المشكلات وبذل الجهود النيّرة في سبيل إيجاد الحلول الناجعة، إنّ عالم اليوم بما يحتجنه من مراكز بحوث متقدمة منشغل إنشغالاً كبيراً ويبحث في إيجاد علاج لهذا الفيروس لإنقاذ البشرية، لقد كشف هذا الفايروس الإهمال الكبير في المجال الصحي لدول العالم وقلة العناية في هذا المفصل الحيوي سواء بتوفير العلاج الأساسي ونقص المستلزمات التي تطلبتها المرحلة فمستشفياتها تعاني من نقص أقنعة التنفس الّتي تنقذ حياة الملايين المهددين بالموت، لقد وضع الفايروس دول العالم أمام إمتحان عسير، هل ستترك أو تخفف هذه الدول من غيّها في الصرف على صفقات الأسلحة وهدر ميزانيات ضخمة على التسلّح  وأسلحةَ الدمار وجيوش جرّارة ؟ هل ستدرك هذه الدول هذا الخلل الكبير في المجال الصحي، فتنفق عليه ما يجب إنفاقه لإنقاذ حياة النّاس ؟ هذا ما ننتظره بعد إنجلاء الجائحة .

كنت أعتقد منذ زمن بما يصوّره لي الغرب أنّه عالم مثقف مليء بالمبادئ الإنسانية من خلال شواهد عديدة يسوّقها لنا الغربيون وكأنّهم إنسانيون أكثر من كل العالم من خلال تسويقهم لنا بعض الشواهد كاهتمامهم بالحيوان وإنشاء مؤسسات ضخمة تعنى بالرّفق بالحيوان ومن خلال توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل ولكن كلّ ذلك في وقت الرفاه فكنت أعتقد أنّ الإسلام تطبيقاً هو في بلدانهم وتشريعاً في بلداننا وعندما حمي الوطيس واِصْطَكَّت الأسنّة واشتدّ البلاء بظهورعارضٍ مرضيٍّ هزّ العالم من أقصى الأرض الى أدناها ظهرت الحقائق و انكشفت الخفايا ليتجسد الإسلام تطبيقاً عند أهله من أصحاب (لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله)، فرأينا تطبيق حديث رسول الله (ص): "ارحَموا مَن في الأرضِ يَرحَمْكُم مَن في السَّماءِ".

فرأينا التراحم والتكافل الإجتماعي تطبيقاً على أرض العراق بلد الأنبياء والأئمة بلد علي بن أبي طالب الّذي كان أشدّهم اهتماماً بالنسبة الى المساكين وذوي الحاجة، وكأنّ صدر الإسلام عاد من جديد لنرى التضحية باديةً و المسير على خطا أهل البيت " عليهم السّلام " الّذين نزلت في حقهم الآية المباركة : " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا "، هذا هو مشهد المسلمين في زمن الكورونا فأين دول الرفق بالحيوان فنلاحظ أنّ هذه الدّول لم يتجسد رفقها بالإنسان، إذن أهتمامهم بالحيوان لم يأتِ إلاّ عن غريزة ذاتية من باب اللهو بالحيوان لكي يسعدهم وليس حقيقة الرفق به، وهنا نتساءل هل سيصبح العالم ما بعد كورونا عالماً متصالحاً خالياً من الحروب والدمار والأوبئة والتلوث؟، أعتقد أنّ العالم لن يكون ما بعد الوباء كما قبله، وسنرى تغييرات على صعيد الأفراد والمؤسسات وتحوّلاً كبيراً في الكثير من السياسات وستتأثر العديد من المعتقدات وتتغير العديد من المفاهيم .

 

علي حيدر الحساني

 

محمود محمد عليفي عام 1680 م من القرن السابع عشر هدد الملك الأثيوبي الحبشي " تكلا هايمانوت" الحاكم المصري بسلاح المياه عندما قال: " إن النيل سيكون كافياً لمعاقبتك، فحيث أن الله قد وضع في أيدينا ينبوعه وبحيرته ونماءه، ومن ثم يمكننا أن نستخدمه في إيذائكم".

قصدت أن أستهل هذا المقال بتلك الكلمة لأبين أن أزمة سد النهضة التي تتعرض لها مصر خلال السنوات الماضية ليست وليدة ثورة 25 يناير، وإنما لها أبعاد تاريخية وسياسية .

تاريخياً : كانت سياسة محمد على وأسرته هى النفاذ إلى عمق إفريقيا، وبوجه خاص إلى منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي، وذلك بعد إهمال طويل؛ حيث تحولت الطبيعة الاستعمارية الأوروبية في العالم وفي أفريقيا في تلك الأثناء من المرحلة التجارية، التي كان الأوروبيون يكتفون خلالها بإقامة مراكز تجارية على شواطئ البلدان، إلى المرحلة الصناعية التي كانت تتطلب الاستيلاء على الموارد الطبيعية والمواد الخام اللازمة للصناعة، على نحو دفع القوى الأوروبية للمزيد من التوغل في عمق القارة الأفريقية.

ثم تابع الخديوي إسماعيل ( 1863-1879م) سياسة محمد على، بالنفاذ إلى عمق سواحل البحر الأحمر، والاستيلاء على مينائى "مصوع وسواكن" من الدولة العثمانية، ثم النفاذ إلى منطقة "بوجوس"، فى محاولة للوصول إلى عمق الأراضى الأثيوبية والسيطرة عليها.. كما سعى إسماعيل للحصول أيضًا على ميناء "زيلع" على الساحل الصومالي من الباب العالي، مقابل دفع 15.000 جنيه سنويًّا إلى الأستانة، وكان الاستيلاء على زيلع أمرًا في غاية الأهمية لإسماعيل، لأنه يضع كل الساحل الأفريقي للبحر الأحمر تحت السيادة المصرية... في إطار تلك السياسة التوسعية سعى الخديوي كذلك للسيطرة على إقليم "بوجوس" التابع للحبشة الذي تحول إلى قاعدة للاعتداء والسلب والنهب على المناطق التابعة للسيادة المصرية حوله... أثار التوسع المصري في ذلك الحين مخاوف حكام الحبشة، وتدهورت العلاقات بين البلدين، خصوصًا بعد حدث الاستيلاء على إقليم بوجوس، الذي اعتبرته الحبشة اعتداءً على أملاكها.

وهكذا اتسمت العلاقات المصرية الإثيوبية بطابع الحساسية القومية والدينية منذ زمن بعيد، وأصبح الصراع على مياه النيل، هو نقطة التفجر الدائمة لهذه الحساسيات والتعقيدات التاريخية، وقد كانت أثيوبيا في ذلك الوقت تسمي "برج مياه أفريقيا"، وكانت لها القدرة علي التحكم في شرايين المياه التي تصل إلي السودان ومصر، وحتي منتصف القرن الماضي كانت دولة منعزلة، ضحية، تعيسة لتجارب القوي العظمي، مشغولة بمشاكلها الضخمة؛ كالتمرد، والحرب الأهلية، والتفكك، والمجاعة، والفرقة وما يشبه الدمار، وكانت حبيسة داخل أراضيها الجبلية، منعزلة، بعيدة، تنظر نحو الداخل، إلي أن استطاعت أن تستعيد أشلاءها كدولة تهدد دول المصب، خصوصاً عندما اتصلت بإسرائيل للمرة الأولي بالنظام الماركسي لـ" منجستوهايلاماريام"، وظلت محتفظة بتوازنها لكسب أية فرص لتلحق الضرر بمصر إذا كان ذلك سيحقق مصالحها (وذلك كما قال جون بولوك وعادل درويش في كتابهما حروب المياه الصراعات القادمة في الشرق الأوسط).

ينظر الإثيوبيون لنهر الآباى Abay أو النيل الأزرق علي أنه يمثل شعاراً ورمزاً للوطنية. فارتباط إثيوبيا بالآباى ارتباط روحى عميق، ويعتبرونه «الأب الأعظم للأنهار»، وينظرون إليه كقوة تدميرية طبيعية ذات قدرات للتنمية الاقتصادية نظراً لانحداره الكبير من منبعه فى بحيرة "تانا" على ارتفاع 1820 متراً فوق مستوى سطح البحر، إلى أن يصل إلى مدينة أسوان عند منسوب 200 متر فقط فوق مستوى سطح البحر.. ويعتبر الإثيوبيون أن شعب الجاش الإثيوبى Cush أو الأحباش من السود، الذين يعتبرون أنفسهم من سلالة جاش ابن هام بن نوح ومنه جاء نسل الحبشيون والإثيوبيون، أن النيل هو مهد الجنس الأسود فى أفريقيا، ومصدر الدماء الإثيوبية، والأم بالنسبة للأحباش وذلك حسب قول د. نادر نور الدين محمد في مقاله الطابع السياسي غلب الطابع العلمي فتعثر مشروع سد النهضة".

ويرجع نفوذ أثيوبيا علي النيل، في أنها تسيطر علي 11 نهراً تنبع من التلال الأثيوبية، وتعبر حدودها إلي كل من الصومال والسودان، وتبلغ مساحة حوض النيل الأزرق داخل إثيوبيا نحو 200 ألف كيلومتر مربع، ويصل متوسط تدفقاته المائية السنوية نحو 49 مليار م3 وينضم إليه قبل عبوره للحدود الإثيوبية إلى السودان نهرا «الرهد والتندر» بتدفقات 4 إلى 5 مليارات م3 سنويا وتسير معه إلى الأراضي السودانية. وبهذه الكميات فإن النيل الأزرق يعتبر الرافد الأكبر والشريان الرئيسى لنهر النيل حيث يساهم بنحو 59 – 64% من إجمالي مياه نهر النيل، فى حين يساهم نهرا عطبرة والسوباط معا بنسبة 22% وينبعان أيضا من إثيوبيا، وأخيراً يساهم النيل الأبيض القادم من دول منابع البحيرات الاستوائية العظمى الستة بنحو 15% فقط.

لذلك فطنت الدول الاستعمارية - خاصة إنجلترا وفرنسا منذ قدومها للقارة الأفريقية أن من يريد أن يسيطر ويضر بمصر، فعليه أن يسيطر على النيل الأزرق شريان الحياة فى مصر الصحراوية، والتى يعيش شعبها على ضفتى النهر فى مساحة لا تزيد على 7% فقط من إجمالي أراضيها.. فكرت فى هذا الأمر إنجلترا وفرنسا أثناء العدوان الثلاثى على مصر، سواء بمنع مياه النيل الأزرق أو الأبيض عن مصر، كما كان الأمر مصدراً للتهديد من الأمريكان والعديد من القيادات فى إثيوبيا.

واستطاعت أثيوبيا بفضل إسرائيل أن تسخر مياه أنهارها في توليد كميات هائلة من القوي الكهربائية، والتي سوف تعوضها عن نقص الأشجار. وكل ما تحتاج إليه أثيوبيا الآن، وهو الأموال والخبرة، وحتي نجد إسرائيل تقدم الأموال والخبرة وبمقابل؛ وكان المطلب الذي طلبته إسرائيل في مقابل ذلك، هو السماح للفلاشا (يهود أثيوبيا) بالهجرة إلي إسرائيل ؛ والمطلب الثاني، هو أن تأخذ أثيوبيا بمشورة إسرائيل في الوقت والمكان والكيفية التي تنشئ بها سدودها. والشئ الذي لم تعلنه إسرائيل لأثيوبيا صراحة، هو أنه من خلال مساعدتها لها في تطوير البلاد، فإنها تنتهز الفرصة أيضا لممارسة الضغط علي مصر بصفة خاصة، وعلي العرب والسودان بصفة عامة .

تنبهت مصر لذلك فبادرت في عام 1959، إلي التوقيع مع السودان، الذي حصل على استقلاله في 1956، اتفاقاً ينظم اقتسام المياه، تحصل مصر بموجبه على 55.5 مليار متر مكعب، بينما يحصل السودان على 18,5 مليار، كون العشرة مليارات الباقية من ماء النهر تضيع بالتبخر. ورغم مطالبات دول حوض النيل الأخرى، بقيت الأمور على ما هي عليه، وبقيت مصر مهيمنة على النيل.

عندما جاء الرئيس جمال عبد الناصر إلي سدة حكم البلاد في مصر، طالبت حركة تحرير إريتريا الاستقلال عن إثيوبيا، فقرر عبد الناصر التريث، ولم يقدم أى نوع من المساعدات العسكرية لثوار إريتريا، بل كان موقف مصر فى تلك الفترة هو احترام وتأييد قرار الأمم المتحدة الصادر فى ديسمبر 1950 والخاص بضم إريتريا إلى إثيوبيا فى اتحاد فيدرالى، ولأن عبد الناصر كان يعى جيدا أهمية القارة السمراء، لذلك كانت من أهم دوائر السياسة الخارجية المصرية آنذاك، فكانت العلاقات المصرية الإثيوبية فى أوج قمتها فى عهد عبد الناصر والإمبراطور الإثيوبي هيلا سلاسى، حيث كانت ترتبط بينهما علاقة قوية، حيث كان عبد الناصر يدرك أهمية منابع مياه النيل لمصر.

وعن طريق الأدوات الدبلوماسية والمساعدات والتركيز على الجانب الدينى تعامل عبد الناصر مع إثيوبيا، حيث كانت الكنيسة الإثيوبية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية المصرية؛ بل وكانت الكنيسة الأم في مصر ترسل القساوسة من مصر للعمل في الكنائس الإثيوبية وكان للبابا السابق كيرلس علاقات شخصية بالإمبراطور هيلاسلاسي، وكثيراً ما كان الرئيس جمال عبد الناصر يوظفها في خدمة المصالح المشتركة وكانت تتم دعوة الإمبراطور هيلاسلاسي في افتتاح الكنائس في مصر وكان البابا أيضاً يفتتح الكنائس في إثيوبيا.

وقد عبر عبد الناصر عن علاقات الود القائمة بين مصر والحبشة، بحيث لا يكون مثله بين الأخوين الشقيقين، وهو يقول فى مقدمة كتاب "أضواء على الحبشة": "نحن بلدان متجاوران فى قارة ضرب عليها الاستعمار نطاقه لتكون له دون أهلها كالبقرة الحلوب، ونحن شريكان فى هذا النهر الخالد الذى يفيض الخير والبركة على شاطئيه من هضبة الحبشة إلى المقرن من أرض السودان إلى المصب فى البحر المتوسط، فكل ذرة من ذرات ذلك الماء المتدفق فى مجراه بين المنبع والمصب تتناجى همساً بأماني مشتركة تلتقى عندها عواطف المصريين والسودانيين والأحباش جميعاً.

واختتم الزعيم الراحل عبد الناصر قائلاً: "إننا اليوم وقد صارت أمورنا بأيدينا، فقد وجب علينا أن نلقى أضواء على الحبشة.. وأن نوثق علاقات الإخاء والمودة بيننا وبين الشعب الذى تربطنا به أوثق الصلات منذ أبعد أعماق التاريخ".

بعد الإطاحة بهيلاسلاسي في بلاده بدأت تتراجع قوة العلاقات المصرية الإثيوبية إلى أن وصلت إلى مرحلة العلاقات الرسمية الشكلية، وكانت من نتيجة ذلك أن استقلت الكنيسة الإثيوبية عن الكنيسة الأم في مصر والتي ظلت منذ دخول المسيحية إلى إثيوبيا تابعة للكنيسة المصرية حتى عدة سنوات مضت وأصبح لها باباً إثيوبي خاص بها وانفصلت قيادتها عن مصر.

عندما أقبل جمال عبد الناصر علي بناء السد العالي أسند مهمة بناء السد إلي الاتحاد السوفيتي وذلك في عام 1958م، مما أحدث خلافاً وشقاقاً كبيراً بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، الأمر الذي صاحبه غضب أثيوبي عام اتفق مع الغضب الأمريكي، ونتيجة ذلك قدمت أمريكا عرضا لإثيوبيا لإجراء دراسة شاملة لنهر الآباى، تشمل الحصر المائي والاستغلال الاقتصادي وتوليد الكهرباء واستخدام مياه النهر فى الري بدلا من الزراعة المطرية، وذلك على طول النهر بدءً من منبعه فى بحيرة تانا وروافده العديدة وصولا إلى الحدود السودانية.

وهنا طالبت أثيوبيا من الولايات المتحدة باستقدام مكتب استصلاح الأراضي الأمريكي للمشاركة فى مشروع إقامة سدود علي النيل الأزرق، وذلك تحت عنوان: تعاون الولايات المتحدة- إثيوبيا لدراسة حوض النيل الأزرق. تم الاتفاق على أن يتقاسم الشريكان تكاليف البرنامج وقد أنفقت إثيوبيا خلال هذه الدراسة 42 مليون « بر» إثيوبى أى ما يعادل 21 مليون دولار وقتها.

استغرقت الدراسة المكثفة لحوض نهر الآباى خمس سنوات، ونشرت نتائجها في 17 مجلداً من القطع الكبير. وقد افترض الباحثون الأمريكيون من أمثال جون واتربري، الذي يعمل حاليا أستاذا في جامعة برنستون، أنه لم يكن من قبيل المصادفة أن تتطابق سنوات الدراسة الخمس مع فترة التوتر المتزايد بين واشنطن والقاهرة. فالرئيس جمال عبد الناصر قد دخل في علاقات اقتصادية وعسكرية قوية مع الاتحاد السوفيتي، وورط القواط المسلحة المصرية في الحرب الأهلية في شمال اليمن، في الجانب المقابل للمكلة العربية السعودية، التي سرعان ما أصبحت بعد ذلك تتبع أمريكا .

وقد اتخذت دراسة مكتب الاستصلاح كتحذير متخف وتذكرة لمصر من إمكانية تعرضها للهجوم الجغرافي السياسي، فالسد العالي لا يستطيع أن يقدم الكثير لحماية مصر ضد أية سياسة محددة من جانب أثيوبيا، لتحويل كميات كبيرة من النيل الأزرق، والمصريون الذين يعرفون بوجود الدراسة الأمريكية، يأخذونها بلا أدني شك كتذكرة لإمكانية تعرض بلادهم للعدوان، وكدلالة جديدة للتآمر الإمبريالي الغربي ضد دور مصر المعادي للاستعمار في أفريقيا والشرق الأوسط.

وأوصي مكتب الاستصلاح بوجوب إنشاء 26 سداً وخزاناً، لتوفير المياه لاحتياجات الري وتوليد القوي الكهربائية في أثيوبيا، وقدرت الدراسة أنه في حالة تنفيذ المشروعات الـ 26، فإن المتطلبات السنوية من المياه للري وفواقد التخزين، سوف تقلل من تصرف النيل الأزرق عند الحدود السودانية بحوالي 5.4 مليار متر مكعب.

كما قدمت الدراسة مقترحا بإنشاء أربعة سدود أخري على مجرى النهر بسعة مائية إجمالية تبلغ 55 مليار متر مكعب. هذه السدود طبقاً لسعتها المائية المقترحة، وهى السد الحدودى، والذى أصبح سد النهضة على الحدود السودانية بسعة 11.1 مليار متر مكعب ويولد 1400 ميجا وات، وسد كارادوبى بسعة 14.2 مليار م3 ويولد 1600 ميجا وات، ثم سد مندايا بسعة 15.9 مليار م3 ويولد 1620 ميجاوات وأخيرا سد مابيل 13.6 مليار م3 ويولد 1200 ميجاوات. هذه السعات تريد إثيوبيا تغييرها حالياً والوصول بإجمالي سعاتها التخزينية إلى 200 مليار متر مكعب تخزنها من نهر صغير كما سبق لا تتجاوز تدفقات مياهه السنوية 49 مليار متر مكعب وتعيش عليه دولتان أخريان، وهما السودان ومصر ومقام عليه ثلاثة سدود فى السودان، وسد ضخم فى مصر كدولة مصب، ولا يمكن علميا لهذا النهر الصغير، أن يملأ هذه السعات الضخمة فى إثيوبيا، ثم يكون قادراً على ملء السد العالى فى مصر ومن قبله سدود سنار والروصيرس وميروى فى السودان... وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

ابراهيم أبراشالأيام والأشهر القريبة ستكون مصيرية في تحديد وجهة العالم ومستقبله حيث أصبح أمام مفترق طرق بسبب الكورونا الذي أوجد فرصة مفتوحة على أحد الاحتمالين: تصعيد وحرب عالمية مباشرة وشاملة أو محدودة عبر وكلاء، لمن يريد الحرب والتصعيد وهناك عدة بؤر توتر عبر العالم قد تكون ساحة لهذه الحرب، أو فرصة لإعادة بناء النظام العالمي على أسس جديدة من التعاون والعدالة بعد استخلاص العبر من الخطر الذي سببه فيروس الكورونا وتهديده لكل البشرية، لمن هو حريص على السلم العالمي .

لأن العالم كان محتقِناً والنظام العالمي كان على شفا هاوية وتسوده حالة من انعدام الثقة ليس فقط بين واشنطن والصين وروسيا الاتحادية بل حتى داخل مكونات المعسكر الغربي فقد اطلق وباء الكورونا العنان لنظرية المؤامرة لتصول في ساحة التنظير والبحث ولتطال حتى منظمة الصحة العالمية، وما يساعد على ذلك عدم اليقين حتى الآن ما إن كان الكورونا فيروس طبيعي تطور طبيعيا عن فيروس سابق أم أنه نتاج مختبرات لإنتاج أسلحة بيولوجية وجرثومية وهذا ما تعكسه الاتهامات المتبادلة بين بكين وواشنطن .

إن ثَبُت أن فيروس الكورونا ذو نشأة طبيعية ولا دور لأية دولة في خلقه أو نشره أو التقصير في مواجهته فهذا سيُعجِل في محاصرة الفيروس والحد من تداعياته حيث ستتكاتف جهود كل الدول لمواجهة هذا الخطر الخارجي الذي يهدد البشرية وستصل الأمور إلى التعايش معه ليصبح مثلة مثل مرض الانفلونزا أو السرطان أو الإيدز الخ، وهذا بدوره سينزع فتيل أي حرب أو صراع دولي وسيحاصر الدول الراغبة في توظيف الكورونا للتصعيد وتصفية حسابات مع الخصوم ، أما إن ثَبُت دور للصين كما تزعم واشنطن في تصنيعه أو نشره ففي هذه الحالة سنكون أمام نُذر حرب أو تصعيد قد يأخذ طابعاً عسكرياً وخصوصا أن النظام الدولي والعلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول العظمى وخصوصا الأقطاب الأربع :الصين والولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي وصلت قبل الكورونا لمرحلة حافة الهاوية .

تخوفات حقيقية بأن يتم توظيف الوباء وتداعياته الاقتصادية تحديدا لخوض حرب عالمية حتى وإن كانت محدودة للخروج من أزمات ومشاكل عميقة اقتصادية واجتماعية داخلية تعاني منها دول عظمى وخصوصا الولايات المتحدة الامريكية .في هذا السياق قد تلجأ الولايات المتحدة في عهد ترامب لتوظيف الاتهامات الموجهة للصين بالمسؤولية عن نشر الوباء للدخول في حرب معها وقد تتوسع الحرب لتنظم للصين دول أخرى مثل روسيا الاتحادية وإيران وفي المقابل قد تستقطب واشنطن دولاً أوروبية إلى جانبها .

إن كنا نتمنى الخروج من كابوس الكورونا في أقرب وقت وهناك مؤشرات إيجابية في هذا الاتجاه مثل :قدرة الصين على محاصرته، إعلان ألمانيا أنها استطاعت السيطرة على الوباء، توجه عديد الدول نحو التخفيف من الإجراءات الوقائية المتخذة، كما أن كل دول العالم تقريبا لا تشاطر الرئيس ترامب في اتهامه للصين بالوقوف وراء تفشي الوباء بالإضافة إلى أنه بالرغم من التداعيات الكبيرة والخطيرة للكورونا إلا أنها حتى الآن دون مستوى الخسائر البشرية المترتبة عن الانفلونزا والسرطان مثلا، إلا أن سيناريو أو تصور الحرب القادمة يثير الرعب ليس فقط لأن أطرافها تملك ترسانات من أسلحة الدمار الشامل النووية والذرية والكيماوية والبيولوجية والإلكترونية التي تجعل من الاستحالة حسم الحرب لصالح طرف على حساب بقية الأطراف، بل أيضا لأن التربط والتشابك والاعتمادية المتبادلة بين الدول ستجعل من الحرب كارثة اقتصادية ستضرب جميع الدول وستؤثر على الحضارة الإنسانية برمتها .

التخوفات من الانزلاق نحو الحرب تبقى وارة ليس بسبب كثرة الضحايا بل لأسباب اقتصادية .فبالنسبة للصين وبالرغم من أن مبررات التصعيد والحرب ضعيفة عندها لأنها لم تبني اقتصادها كاقتصاد حرب حتى وإن كانت دولة نووية وتملك جيشا قوياً، إلا أن الصين لا يمكنها أن تتراجع أو تتنازل عن توسعها الاقتصادي وسياسة اغراق الأسواق العالمية بالمنتوجات والاستثمارات وإلا لن تستطيع إطعام مليار ونصف المليار من البشر، وفي المقابل فإن كان وعي أصحاب القرار في واشنطن بالمخاطر المترتبة عن حرب عالمية ترجح كبح جماع النزعة الحربية، إلا أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تتراجع أو تتنازل عن امبرياليتها وليبراليتها المتوحشة وإلا ستنهار داخلياً بسبب حرب أهلية بين خليط الأعراق والاجناس فيها والذين لا يجمعهم إلا الوضع الاقتصادي المتميز، حيث قوة الاقتصاد وحالة الرفاهية حلت محل الانتماء القومي في تماسك المجتمع و الدولة، وبالتالي لن تسمح بأن يتراجع اقتصادها أو يفلت زمام قيادة العالم من يدها .

 

إبراهيم أبراش

 

عبد الجبار العبيديكتب السيد هارون محمد مقالاً بعنوان: شيعة السلطة سياسيون تافهون.. لقيادة العراق لا يصلحون.. وردني المقال عن طريق الانترنيت من صديق عزيز تعود ان يرسل لي كل جديد.. حقيقة ولا أغالي أثارني المقال لكونه كان مقالا غير حيادي في كتابته وتوصيفه لمن قصر في حكم الوطن العراقي.. انا اعرف هارون محمد بحياديته في التوصيف. لكن هذه المرة يبدو انه خرج على المعتاد والمعتقد وسار في طريق الخطأ الذي ما عودنا عليه من قبل.. فاتجه نحو طريق البحث في فلسفة الماضي في الحاضر باتهام جهة معينة دون الاخرين في التقصير.

نحن نحترم شجاعة من يقول الحقيقة او بعضها، ففي قول الحقيقة هو الشفاء من المرض الذي استوطن وطننا العراق.. فقول الحقيقة هو ناقوس ينبه الى التغيير في مجتمع شغل عن كل شيء الا ما يشغله عن من تقصد خيانة الوطن وتدميره لصالحهم وصالح الغرباء الاخرين. ولا ادري لماذا اختار نظرية البحث في الماضي من اجل تبيان مساوىء الحاضر.. فأن اختارها عن صدق القول فهي مقبولة منه،وان اعتمدها قصدا لغرضٍ في نفس يعقوب فهي مرفوضةٍ منه.. نعم حان الاوان لتأطير أصول الضعف في فكرنا لاستمراره في منهجه التبريري الذي اوصلنا الى فرقة الانسان في العقيدة الوطنية والدين.. ويبدو ان غِيرت الكاتب على الوطن دفعته عن غير قصد لهذا التوجه الخطير.. لذا من حقه ان يكشف عن مساوئ كل خطأ كبير ليعتذروا المخطئين ويعترفوا اصحاب الأساءة عن اساءتهم للوطن والشعب ويرحلوا.. ؟

ان الكتابة في اثر الماضي في الحاضر طابعه الانقسام والتفتت والتواكل واللا مبالاة والهزيمة النفسية في المجتمع.. ومجتمعنا في العراق منها.. وهو يؤدي الى سلب ارادة الامة وأخضاعها للأستسلام.. لتبرير الجور والطغيان في قادتها وان اراد الكاتب مهاجمته ومحاولة تبيان مساوئه في وقت نحن بحاجة الى النظر في أثر الحاضر بالمستقبل لاصلاح ما افسدته الخيانة في الوطن.. خاصة وان الكلمة الاحادية اليوم امضى من السيف في تفرقة مجتمع الصالحين .

من يقرأ المقال لا يفقد الامل في وجود من يستطيع القيام بالبحث والتنقيب والتدقيق في اصول المشكلة او المحنة ليصحح ما يحتاج الى تصحيح،وتصفية ما يحتاج الى تصفية مما شاب الوطن من عدم الدقة في اداء الامانة التاريخية وحنث اليمين ليتيح الفرصة للقارىء والمواطن ان يبدي رأيا بالذي حدث لامكانية التصحيح واخراج الوطن من محنة القصد والتخريب.

الاحظ مع الاسف ان الكثير من كتابنا السياسيين – رغم علمهم الواسع بما اصاب الوطن- لا يتميزون بواقعية الواقع حين تجرفهم العاطفة لتبعدهم عن اس المشكلة التي يجب معالجتها فينحدرون الى ما تفرضه العاطفة عليهم فيكتبون بما يليق وما لا يليق.. وهذه مشكلة تعودناها فيهم لكونهم ما عرف بعضهم – مع الأسف- حيادية القلم في التثبيت.. مما اضاعت عليهم الحيادية ومعالجة المشكلة في وقت واحد مما مكن الاعداء الخونة ممن كانوا يدعون الوطنية من ناصية قيادة الوطن.. فأنا شخصياً لا اعرف الدين الا من وجهة نظر الاخلاق واحترام انسانية الانسان بعد ان خَبرنا اهل الدين ورجاله في محنة الوطن.. لا غير..

ليس في هذا المقال اتهام لاحد بالتقصير وخاصة ممن رافقوا القلم في التقييم.. وهم مبتعدون عما اصاب صلب الوطن من طعنات من رافق سلطة التغيير.ان اصحاب القلم والمُعارضة لمن اضر بالوطن هم اليوم من واجبهم الوطني الاساس ان يبتعدوا عن العاطفة في التقييم وخاصة بعد ان أبتلي الوطن بالمذهبية المقيتة والانحيازية العشائرية والمصلحة الشخصية التي فتت اللُحمة الوطنية لتجاوز الخطأ.. وحين تركزت المبادىء والاصول المصطنعة في وجدان الامة اصبح من السهل مقاومة الاحرار من اجل هزيمة ثورات العدالة عندهم ومن قام بها بغض النظر عن الامور العاطفية الاخرى فيجب ان لا ينحاز اليها احد من الوطنيين بعد ان غرق الوطن باسباب الخطأ . 

أثارتني النزاعات الاعلامية الغريبة بين الكيانات العراقية الحالية اليوم التي تتزعمها كيانات ثلاثة وان اختلفت التسميات هي: التحالف الوطني، وتحالف القوى، والتحالف الكردستاني، المختلفة فكريا وعقائديا والمتفقة مصلحيا والتي احدثت شرخاً واضحا في مصلحة المواطنين ليبقى المجتمع خاضعا لهم على شاكلة الحجاج والمتوكل العباسي وكل الطغاة الاخرين، تحالفات بُنيت على المصالح الخاصة لا العامة للوطن، وعلى سرقة المال العام،وأغتصاب السلطة.. لا على تحقيق حقوق المواطنين.. ابعد عنهم أخي المواطن ولا تعطي صوتك تأييداً لهم ولا تعاضدهم ابدا فهم اعداء الوطن، هم قوم حنثوا اليمين وخانوا العهد كما في قوله تعالى: ." وآوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الآيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وان الله يعلم ما تفعلون،91 النحل "، وعلى الكُتاب معاضدة هذا التوجه الصحيح.

اذن بوجب النص المقدس تصبح العدالة الاجتماعية في المجتمع ناشئة الزامية التنفيذ هذا هو الدين.. ومن واجب القلم تعضيد الصحيح والابتعاد عن اي توجه فيه فائدة للظالمين.. فحين يكون الحاكم في طريق العدل،تصبح العدالة الاجتماعية تتحقق بالفعل الصادق.. لابالنصيحة او الوعظ الديني أو فتاوى الواعظين.. وتتحقق اذا اصر المحكوم على انتزاعها من مغتصبيها بالحق، لأن الحاكم لا يفهم العدالة مهما كان تقياً،كما يفهمها المظلوم المحتاج لها. فالحاكم في السلطة يختلف عمن هو خارجها،فكرسي السلطة والمال والمنافقون المصفقون من حوله تغريه المباهج فينسى الميزان.. وقديما قيل:"اذا أردت ان تعرف حقيقة الأنسان فأعطه مالاً وسلطة" ستراه عكس ما تتصور وتعتقد.. انها القيامة فعلا التي قرأنا عنها في كتب السماء واحاديث الأنبياء لتقتص من الظالمين .

أخي المواطن صاحب القلم: لا تقل "المُجرب لا يُجرب"، بل قل "أعرف الحق تعرف أهلهُ" . المجرب لا يجرب فلسفة فقهية غامضة تفسيرها يحتمل الوجهين سلباً وأيجاباً، قصد منها التعتيم عن الحق المطلق من اجل مصالح الحاكمين من اصحاب الجهاد الكفائي المبطن وترك جهاد فرض العين الصحيح لينجوا هم واولادهم من اي مكروه.. وحتى يكون دور المرجعية شرعيا، عليها ان تظهر علينا اليوم علناً في هذه المحنة ولاتبقى مختبئة في دهاليز الحجرات الضيقة.. كما ظهرت مرجعية الشيخ الخالصي المحترمة في وسائل الاعلام وسَمت الاشياء بأسمائها.. الم يقل الامام علي(ع): "ان الحق القديم لا يبطله شيء والعقل مضطر لقبول الحق؟.. فأين المرجعيات المعتمدة اليوم من هذا التوجه العلوي الحكيم.

ثق اخي المواطن المظلوم اليوم انت احسن منهم بألف مرة، انظرالى الصالحين اليوم كيف يقدسون،وانظر الى الَظلَمة وكيف يحتقرون.. لو يملكون الشرف لأعتذروا ورحلوا.. انت احسن منهم وانت الرابح الكبير وهم في اسفل سافلين .فلا تعطي تأييدك لهم غدا ولا تميل الا للمخلصين؟ فهم اليوم تقتلهم حيرة الزمن البغيض..

من المؤسف حقاً ان نرى بعض العراقيين اليوم تسودهم افكارالسلطة الجائرة من اصحاب الكعكة المقسمة بينهم ومن قال 7*7 فيهرولون خلفها بغباء الاغبياء حين اصبحوا لا يكترثون بما يُصب على رؤوس الفقراء والمظلومين من بلاء.بل جل همهم المنصب والمال لبناء مجدهم التليد كما يتصورون وهم مخطئون.. ومع الاسف يسمون انفسهم بالقياديين.. وما دروا غدا سيكونون في اصفاد السجانين كما رأينا من قبلهم مذلولين.

هل نحن قادرون اليوم على أتخاذ اي موقف وطني من هذه الهجمة الشرسة على الوطن والشعب ممن رافقوا دبابة التغيير، والمؤيدة من دولة النظام الديني المتخلف والقبلي الذي لا دولة فيه ولا نظام يحكم الا بأمر شيوخ القبائل الذين لاهم لهم الا المال والجنس، واتباعهم أسرى العادة والتقليد وقوانين الفصل العشائري والدكة العشائرية الباطلة الخارجين عن القانون والذين يتبعونهم دون رأي من تقدير، فلا تسمعوهم. وهاهي الكيانات الباطلة تلهث من ورائهم مستبعدة كل المثقفين والمخلصين لنتخذ منهم ارقاما في الفوز دون القوانين وكأن العراق خلا اليوم من المخلصين الا اتباعهم من الفاسدين،وكان الحياة ما هي الا مغانم للمترهلين الذين انقلبوا على المبادىء.. مبتعدين عن نظرية الحق طريقا لهم في هذه الرؤية الضبابية بعد ان أنهارت قيم الحياة المقدسة عندهم،فأشاعوا نظريات الفساد والتعامل معها شطارة على المواطنين.. وبعد ان شعروا ان الخطر الوطني يداهمهم،فاذا ما انتزعت السلطة منهم - وستُنتزع بأذن الله - فلن يكون مصيرهم الا اقفاص الاتهام ومقصلة باريس .

قاوموهم فقد سقطت قدسية النضال عنهم وعن أتباعهم، بعد ان تخلوا عن قول الحقيقة او بعضها.فعلى كتاب الوطن شد أزر المناضلين كل المناضلين.. واليوم فضائياتهم تأتينا ببرامج تموه على المواطنين وتريد انتزاع البقاء في السلطة بأي ثمن فالغاية تبرر الوسيلة عند الظالمين الفاسدين فلا تسمعوها.. ولا تعطوا صوتاً لهم لانهم يخططون لتدميركم وتدمير مستقبل اجيالكم بعد ان ضمنوا لاولادهم هناك خارج الحدود كل ضمانات المستقبل باموالكم المسروقة منهم.. لكنهم خاطئون فعمر السارق والظالم ما أنتصر على حقوق.. المظلومين ؟ .

في رأيِ ان قصة التغيير لم تكتمل بعدعلى الشعب العراقي الظليم من الذين خططوا ويخططون الآن من اجل تحويل الوطن الى كانتونات التدمير لترضى عنهم ولاية الفقيه، بعد ان كانت الناس تحلم بالأمل الموعود ممن كانوا يصورون الأمل للمواطنين فصدقناهم نحن الاغبياء وهم كاذبون.. لكن يبدو انهم ما كانوا بشرا.. بل كانوا ذئابا تلبس جلود الحَمل الوديع،كذابون مراؤون اتخذوا من الدين ومرجعياته الصامتة وسيلة للتعتيم عن كل باطل يرتكب بأسم الدين.. وما كنا ندري تحت.. العِمهَ آيه ؟..

حتى بقيت الجروح التي تركوها على اجسادنا ذكريات صعبة تذكرنا بأيام العزل السياسي والمعاناة يوم كنا في مقتبل العمر في الجامعات التي جاءتنا من السابقين الفاسدين الذين هم اليوم غالبيتهم يحكمون بعد ان غيروا جلودهم، ومن جيران العراق الطامعين الحاقدين الذين سرقوا الأرض والمال برضى الحاكمين .وليبقى الشعار مرفوعا عليهم: "بأسم الدين باكونا الحرامية"؟

تمثل هذه الهجمة الشرسة منهم على المجتمع العراقي اليوم،أبشع حدث على الاطلاق في تاريخ الوطن العريق حتى فاقت عهد المغول.. لذا نريد مقاومته بكل قوة،واولها رفض توجهات رجال الدين، كي لا يتحول الظلم الى ذكرى،كذكرياتهم التي يحتفلون بها في اللطم والتخريف والزنجيل دون عدٍ او عديد.. وحتى أصبحت كل الدموع التي نذرفها والصراعات التي نتحملها والألم العاطفي الكبير، ووجع القلب بسبب تدمير الوطن وفقدان الاهل والاصدقاء الخلص.. ذكريات ونحن نُقتل بسيوف الكافرين.. مثل الوشم الكاذب الذي يظهر على جباههم ليوهموا البشر بعبادة الله وهم يدرون ويدرون أنهم كاذبون.. حتى ولااحد منهم يستطيع ازالته رغم الجهود ليبقى عنوانا لهم بفشل وعار الناكثين .

من حقنا ان نشعر بخيبة الأمل عندما اصبحنا نعتقد أنهم تخلوا عنا،لكوننا اسرفنا في الأستكانة والقنوط وهم يظلمون ويقتلون ويسجنون بعد ان زيفوا العقيدة والدين.. حتى اصبحت عبارة (شعلينه) دستورهم الذي لا يناقش،فلا عتب على الله بعد،لان الله يريد منا الحق بقتالهم،فقاتلوهم حيثما ثقفتموهم لأن الله لا يحب المعتدين،لا ان تؤيدوهم وتسمعوهم بل كونوا مع المتظاهرين في ساحات التحرير.. أنهم خونة وطن وتاريخ.. والتقصير مرفوض حتى من الانبياء عند الله العلي القدير.. الآية 43 من سورة التوبة..

ياشعب العراق من أوصلك لهذه الحالة ؟"هم الفاسدون "التحالف الوطني،وتحالف القوى والأكراد المُستغلون.. اعزلوا قادتهم عن الفوز سيكون الوطن لك ايها المواطن العزيز.. وعلى الكتاب ان لا يفصلوا بينهم بدوافع شتى بل نعمد لكسر شوكتهم ولا نستقبلهم ولا تقبل منهم رحمة ابدا،لا نجاملهم،ولا نأكل ذبيحتهم،ولا نعاشرهم كما أخطئا في سابق الدهور.. فالحب الذي يتغذى على الهدايا يبقى جائعا على الدوام.. احتقرهم . أعرض عنهم .أنهم خنازير هذه الامة كذابون لا دين لهم.. أنظر الى وجوههم كيف انقلبت الى وحوش غابة.. وهم قاتلوك.

 يا شعب العراق الوفي:

الفُرقة المذهبية الباطلة لا تصنع منكم شعب ووطن،وانما الوحدة والتلاحم ضدهم يصنع لكم الامل.. فيا كاتب القلم رص الصفوف واجعلهم يتقاتلون فيما بينهم على غزوهم الثقافي المزيف القادم ألينا من الشرق ولا تصدقوهم بنظرية (المُجرب لا يجرب".. وقولوا:"أعرف الحق تعرف أهله.. كما قال المؤمنون باخلاقية الدين "،واوجدوا بينكم القادة العظماء فهم في عراقكم كُثر،لا بل أكثر من كُثر.. فبلادكم ايها العراقيون بلاد العلماء والفقهاء،الذين قتلوا منهم الكثير.. فما عليكم الا ان ترموا السفهاء والقتلة في حاويات القمامة،كما فعلت الشعوب الاخرى وتخلصت من الفاجرين .. ولينشأ بينكم شعورحماية الخير، ومقاومة الشر، من هنا سينشأ عندكم الامل الكبير بالتخلص من الفاسدين.

أخي المواطن المظلوم بوطنك..

اذا كانت النظم السياسية التي قامت على المبادىء الحقة في دستورية الحكم وسيادة القانون لم تنجح أحياناً.. عندنا اليوم.. فجماهيركم التي وعت وأستيقظت هي جدلية الصراع اليوم لتسحق الفاسدين.فكروا بوطنكم المنهوب منهم لتتمتعوا بالحرية والمساواة والعيش الرغيد.بعد ان ترسموا الصورة الحضارية لوطنكم الذي باعوه للمجاورين الحاقدين عليكم بابخس الأثمان،وهَروَلوا خلف المانحين بمذلة العبيد وخونة الأوطان.. ليزيدوا أقتصادكم قروضا تُحطم مستقبلكم المالي وهم مأمنون.. وحَوَلوا اموالكم الى الخارج بأسماء اولادهم النزق- لاعافاهم الله- أنظرأخي المواطن نشرة وزارة المالية الامريكية بأسمائهم ومقدار ما سرقوه منكم - .،فلا تصدقوا واحدا من الهاربين عند الشماليين – حماة الدواعش اليوم- عدوكم،حتى لا تكون حكوماتكم.. مجرد أنتقال من استبداد دكتاتوري سابق الى فوضى زعماء وقواد وظلم للناس منظم.. احذروهم انهم قاتليكم.فلا تؤيدوا منهم واحدا بحق السماء وكل المخلصين.. ؟

لقد حان الوقت للتخلي عن التعصب الديني والمذهبي المرفوض.. ويجب ان تعترفوا ان الحقيقة الدينية تتغير وتتطور وليست مطلقة ومنقوشة فوق حجر.. فنحن مطالبون بالنطق الموضوعي والنظرة العقلية المجردة.. هذه حقيقة علمية هم يجهلونها لتبقى السلطة والمال لهم دون الأخرين.. احذروا الفاسد ومؤسسة الدين.. ولا تصدقوهم .انهم جملة أكاذيب.. وأعداء شعوب.. همُهم قتلكم وسلبكم وتدمير الوطن وبيعه للأخرين.. وقادة العتبات المقدسة الدينيين ورؤساء مؤسسات الاوقاف سراق المال العام مثال لما نقول..

على قادة الولايات المتحدة الامريكية.. ان تفهم انها هي السبب في تدمير العراق والعراقيين واحتلاله وتسليمه لايران أعدى اعداء العراقيين.. حين أوحى لها العملاء الخونة كذب التصديق .عليها ان تصحوا من غفلتها.. لتنتقم ممن رافقوا التغييروالتدمير.. وخسرت جنودها والمال والعراقيين.. فالشعب العراقي المظلوم لن ينسى من احتل وطنه وباعه للأخرين.. ولن ينسى حفنة الخونة والفاسدين الذي كذبوا على الوطن والمخلصين.. ومهدوا للاحتلال البغيض.. احتلال ايران الجديد.. فيا هارون محمد اكتب بحيادية القلم.. فكلنا اليوم في سفينة واحدة وسط امواج المحيط اما نغرق او ننجوا بصدق الصادقين وانزع من رأسك كلمة سني وشيعي البغيضة فذاك زمان مضى على الجاهلين..

الوطن كل الوطن.. سيبقى.. امانة التاريخ للعراقيين..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

قاسم حسين صالحتوطئة: في 4/ 12/ 2003 نشرت جريدة" الصباح "خبرا" يقول ان مجلس الحكم قرر تشكيل هيئة لمكافحة الفساد المالي والاداري في الوزارات والدوائر، ضمت خمسة اعضاء من هذا المجلس اختيروا بالاقتراع السّري لتبدأ عملها بصغار الموظفين (!) وصولا" الى أكبر موظف .

وفي 11/ 1/ 2004 طلب بريمر الحاكم المدني للعراق أن يتم تعيين مفتشين عامين يتبعون النموذج الموجود في الدول الغربية للقضاء على هذا الداء (الفساد المالي والاداري) الذي خلفته سياسات النظام السابق.

ولقد مضى (17) سنة على التخلص من ذلك النظام يفترض ان تكون تلك الاجراءات قد ادت الى تحجيم تلك الظاهرة. لكن واقع الحال اشار الى ان هذه الظاهرة انتشرت اكثر، وان "الداء" الموروث من النظام السابق تكاثر كالسرطان الخبيث في النظام الجديد وصار في حال اسوأ.

- فهل كان هذا الداء بالأصل وباءا يصعب القضاء عليه؟

- ام ان اساليب العلاج التي اعتمدت كانت غير فاعلة؟

- ام ان القائمين على علاجه كانوا غير متخصصين، أو أن نواياهم ما كانت صادقة؟

- ام أن الفساد اذا شاع صار امرا" عاديا" بين الناس؟. 

والتساؤل الأهم هنا: لقد تعهد رئيس مجلس الوزراء المكلف السيد مصطفى الكاظمي بانجاز وعود كبيرة، معتبرا " محاربة الفساد والفاسدين مهمة وطنية".فهل سيستطيع معالجة أقبح ظاهرة في تاريخ العراق السياسي؟

سنبدأ بقصة الفساد في العراق في ثلاث حلقات..نضعها امام رئيس الوزراء المكلف السيد مصطفى الكاظمي وامام حضراتكم بهدف ان يكون لدى العراقيين (حكّام ومواطنون) تصور واقعي يسهل على متخذ القرار معالجته ويرّوض سيكولوجيا الانفعالات لدى العراقيين الذين اذا ارادوا شيئا من الحاكم عليه ان ينفذه بطريقة (كن فيكون).

الفساد في العراق..أرقام وحقائق

* صرح كبير المفتشين الأمريكيين في العراق، ستيوارت بوين بأن حجم الفساد في الحكومة العراقية يبلغ أكثر من أربعة مليارات دولار.وأشار في تقريره الذي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية في 9/11/2006 إلى أن حجم الفساد في العراق يتجاوز أكثر من 10 بالمائة من إجمالي الناتج الوطني العراقي

* قالت منظمة الشفافية العالمية المعنية بالكشف عن الفساد حول العالم في تقريرها السنوي الأخير لعام 2008 أن العراق يحتل المرتبة الثالثة في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم.

* أعلنت هيئة النزاهة في العراق أنها تمكنت في18/5/2009 من تنفيذ أوامر إلقاء قبض بحق 33 متهما بقضايا فساد، في إطار سعي الهيئة لتنفيذ أوامر إلقاء قبض على 997 متهما بقضايا فساد لم تنفذ.

* جاء في تقرير لهيأة النزاهة أن 317 مرشحا قدموا خلال انتخابات المحافظات الأخيرة شهادات مزورة في طلباتهم، وأن مسئولا في وزارة الدفاع العراقية جمع عشرات الآلاف من الدولارات من خلال فرض مبلغ 500 دولار يدفعه كل مجند في الجيش العراقي. 

* قال أعضاء في لجنة النزاهة التابعة لمجلس النواب العراقي، إن مستويات الفساد المالي والإداري العالية في العراق، سببها تدخل رئيس الوزراء السيد نوري المالكي في عملهم، ومنعه إحالة أي وزير سابق أو حالي للتحقيق في قضايا الفساد إلا بعد موافقته.

* كشف القاضي راضي الراضي الرئيس الأسبق لمفوضية النزاهة، أن 31 من أعضاء المفوضية قتلوا إضافة إلى 12 من اسر موظفي المفوضية، بينهم مساعده محمد عبدو سالف الذي أطلق عليه الرصاص هو وزوجته الحامل في شهرها السابع.

* رئيسان سابقان متقاعدان تناوبا على ترأس دروة واحدة للبرلمان، رئيسان اسلاميان، يوعظان الناس بالزهد وبتطبيق الشريعة ويقولان بان الاسلام هو الحل، رئيسان محالان على التقاعد هما محمود المشهداني وأياد السامرائي يتقاضى الواحد منهما 57,000,000 مليون دينار، وهو ما لا يتقاضاه اي رئيس لدولة عظمى في العالم.

* كشف النائب جواد الشويلي عن رواتب فلكية لمسؤولين:

- رئيس الجمهورية (000,00020,) مليون دينار

- نائبا الرئيس يستلم الواحد منهما (62,000,000) مليون دينار

- رئيس الوزراء (62,000,000) مليون دينار

- حسين الشهرستاني يستلم (57,000,000) مليون دينار

- رئيس البرلمان (33,000,000) مليون دينار

- كل نائب برلماني يستلم مبلغ (20,000,000) مليون دينار

* من عام ٢٠٠٣ الى عام ٢٠١8 تسبب الفساد السياسي والمالي والاداري بسوء صرف أكثر من ترليون دولار أميركي، منها مدخولات جناها العراق قرابة ٨٠٠ مليار دولار. 

- نعم، جميعنا فاسدون بمن فيهم أنا. لقد عرض عليّ أحدهم خمسة ملايين دولار لوقف التحقيق معه، أخذت المبلغ وظللنا مستمرين في مقاضاته..أغلب الأسماء الكبيرة في البلاد مسؤولة عن سرقة كل ثروة العراق تقريبا، أشخاص في قمة هرم السلطة، سيقتلونني إذا لاحقتهم./مشعان الجبوري لمراسل صحيفة الغارديان مارتن شولوف.

- مشكلتنا الأكبر هي الجنود الوهميين؛ فهناك ما بين خمسمئة وستمئة مليون دولار تُدفع مرتبات شهرية لجنود لا وجود لهم"./هوشيار زيباري وزير المالية الأسبق - الغارديان.

- الفساد في العراق يقاس بالمليارات وليس بالمفرد..وهو من فعل كبار المسؤولين والساسة ونواب الشعب./موسى فرج – نائب رئيس لجنة النزاهة سابقا.

- قال المتحدث الرسمي لمجلس القضاء الأعلى القاضي عبد الستار بيرقدار إن "المجلس قرر نقل دعوى رئيس مجلس محافظة البصرة المتهم صباح البزوني والمتعلقة بتهمة تقاضي الرشوة إلى محكمة جنايات الرصافة المختصة بقضايا هيئة النزاهة للنظر فيها وفق القانون بعد أن كانت أمام محكمة جنايات البصرة". / JAMC.

- مدير شركة التجهيزات الزراعية السابق (عصام جعفر عليوي) المحسوب على احدى القوى الاسلامية الشيعية المشاركة في الحكومة والبرلمان، اعترف للجنة النزاهة بأنه دفع مليار ونصف المليار دينار لنائب سابق لغرض تهريبه، وكشف عن فساد مسؤولين ورجال اعمال./ (الشرقية 5 ايلول 2017).

- لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها. / تصريح موثق لرئيس الوزراء السابق السيد نوري المالكي.

- حاول بعض كبار المسؤولين العراقيين بقيادة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي وبتشجيع من رجل الدين آية الله علي السيستاني شن حملة ضد الفساد، لكنهم فشلوا. واعلنت المرجعية (لقد تحدثنا كثيرا حتى بُحت أصواتنا، ورغم ذلك لم يستمع إلينا أحد).

* وفقا لتصريح رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي في البصرة بتاريخ (22 شباط 2018)، فانه تم صرف سبعة ترليونات دينار على مشاريع لم ينجز منها شيئا.

* وفقا لتقرير منظمة الشفافية الدولية (شباط 2018) فأنه تم سرقة مئة مليار دولار (الترليون يساوي واحد وامامه 12 صفرا، والمليار يساوي واحد وامامه تسعة اصفار).

هذه ألأرقام والحقائق تقول لنا ان الفساد في العراق وباء كان اشد فتكا بالعراقيين من وباء كورونا.. افقرهم.. أذلهم.. سبعا وعشرين سنة! فهل سيتمكن السيد مصطفى الكاظمي من القضاء عليه؟!

ثلاثة احتمالات.. في الحلقة القادمة

 

أ. د. قاسم حسين صالح