امل ابراهيم الملاحمن الملاحظ أن هناك تزايد في عدد الجمعيات الأهلية  في مصر في الفترة من منتصف التسعينيات وإلى الآن، وتعد هذه من أكثر الفترات زيادة في حجم تلك المنظمات، حيث تقدر نسبة الزيادة من الفترة من بداية الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات بحوالي 5%، ولاشك في أن وجود التحرر السياسي والاقتصادي قد شجع الجماعات الاجتماعية المختلفة على تأسيس جمعيات خاصة بها، وإن كانت الدولة المصرية قد نظرت إلى هذا التوسع بصفته توسعاً محفوفاً بالمخاطر من الناحية السياسية، وبالتالي فقد لجأت إلى فرض القيود على المنظمات القائمة من جهة وتشديد إجراءات إشهار المنظمات الجديدة من جهة أخرى، بالإضافة إلى خضوع تلك المنظمات المستمر لوزارة الشئون الاجتماعية.

كما أدى قوة المكون الديني في نشاط المنظمات غير الحكومية إلى زيادة رغبة الدولة في فرض وصايتها وتقييد العمل الأهلي، حيث أن السمة الدينية ارتبطت بقطاع كبير من المنظمات؛ فالمنظمات والجمعيات الإسلامية والقبطية نشطت على المستويين – العلماني والديني- حيث أنها أصبحت لا تتحرك في مجال الدعوة الدينية فقط، ولكن أيضاً في مجالات الرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية والتعليمية حيث أن عدد كبير من المساجد والتي أسسها الأهالي تحولت إلى مقار لمنظمات أهلية غير حكومية وهو ما آثار مخاوف النظام من تدخل التيارات   الدينية، وخاصة الإخوان والسلفيين في شئون الدولة الداخلية من خلال السيطرة على مجالس إدارات تلك المنظمات.

ولقد ترتب على ما سبق فرض الدولة للقانون رقم (153) لسنة (1999)، والذى تأثرت نصوصه بالمناخ السياسي والاجتماعي السائد في ذلك الوقت، والذى شهد تدخلاً كاملاً من الدولة في معظم أنشطة المجتمع المدني بمجالاته المختلفة، مما أدى إلى رفع العديد من الدعاوى القانونية من قبل القانونيين بضرورة إعادة النظر في هذا القانون، حيث أنه تضمن نصوصاً وصفها نشاط العمل الأهلي في ذلك الوقت بأنها ستسمح بإحكام قبضة الحكومة على العمل الأهلي، إلى أن أصدرت المحكمة الدستورية حكمها بعدم دستورية القانون رقم (153) لسنة (1999) لسبب شكلي وهو عدم عرضه على مجلس الشورى قبل إقراره، بالإضافة إلى العوار الشديد الذى طال نصوصه، ثم عاد مرة أخرى للعمل بالقانون رقم (32) لسنة (1964) لأكثر من عام ونصف إلى أن تم صدور قانون  رقم (84) لسنة (2002) لتبدأ مرحلة جديدة من عدم الرضا من جانب المؤسسات المدنية على هذا القانون لأنه لا يختلف كثيراً عن سابقه، وظل العمل بهذا القانون حتي عام 2017حيث صدر القانون 70 لسنة 2017 وتم العمل به بالرغم من عدم صدور لائحته التنفيذية حيث كان يطبق القانون 70 لسنة 2017 ولائحة قانون 84 لسنة 2002، وعلي غفلة فوجئ الجميع بإلغاء القانون 70 لسنة 2017 وصدور قانون جديد والموافقة عليه والعمل به وهو القانون 149 لسنة  2019 والذي لم تصدر لائحته التنفيذية أيضا، ولا نعلم ما الذي تخبئه الأيام للجمعيات الأهلية، والجهات الإدارية المنوطة بالإشراف عليها.

وقد جاء حوار رئيس الجمهورية في ملتقى شباب العالم الأخير ليكشف عن رغبته في إعادة  قانون الجمعيات رقم 70 لسنة 2017 للحوار المجتمعي، إيذانا منه بتعديله من قبل مجلس النواب، ولا شك في مدى إيجابية هذه الإشارة في حالة قبولها بتعديلات جدية تنال من السلبيات الموجودة في قانون الجمعيات الأهلية الأخير، والتي تنال من جدية العمل الأهلي بشكل عام والحقوقي بشكل خاص، والتي يغيب عنها بشكل أساسي الهدف من النص الدستوري على حماية الحقوق والحريات العامة في الدستور المصري الأخير، ويكفى لذلك مثلا ما جاء بنص المادة 75 من الدستور المصري بقولها «للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار»، كما أضافت بعدم جواز تدخل الجهة الإدارية في شئونها.

ومن الزاوية الحقوقية الدولية فإن الحق في حرية التجمع والانضمام إلى الجمعيات أو تكوينها هي الحق في الانضمام إلى مجموعة رسمية أو غير رسمية للانخراط في عمل جماعي. ويشمل هذا الحق، الحق في تشكيل مجموعة أو الانضمام إليها. وعلى النقيض من ذلك، فإنه يشمل أيضا الحق في عدم الإكراه على الانضمام للجمعيات، يشمل «التجمع» الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والنوادي والجمعيات التعاونية والمنظمات غير الحكومية، والجمعيات الدينية، والأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، والمؤسسات أو حتى تجمعات شبكة الإنترنت.

ويقر القانون الدولي لحقوق الإنسان أن تكون ممارسة الحق في حرية التجمع السلمى وتكوين الجمعيات خالية من القيود إلا من القيود التي يسمح بها القانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذى لا غنى عنه للتمتع الكامل بهذه الحقوق، وبخاصة عندما يتبنى الأفراد معتقدات أقلية أو مخالفة أو دينية أو سياسية، ويجدد دوما مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة التزامه بتعزيز وحماية الحق في حرية التجمع السلمى وتكوين الجمعيات، من خلال تبنى القرار رقم 16 /21 (أكتوبر 2012)، والقرار رقم 5 /24 (أكتوبر 2013)، ويؤكد هذان القراران وغيرهما على أهمية حرية التجمع السلمى وتكوين الجمعيات، فضلا عن أهمية المجتمع المدني والحكم الرشيد، بما في ذلك من خلال الشفافية والمساءلة، والتي لا غنى عنها لبناء مجتمعات سلمية ومزدهرة وديمقراطية.

 

د. أمل إبراهيم الملاح

 

مدخل عام: لقد مرت على التجربة العراقية المتعلقة بفكرة الدولة والنظام السياسي، منذ احتلاله من قبل الولايات المتحدة وحلفائها حوالي ستة عشر عاما. وهي فترة كافية لكي يجري تقييمها بمختلف جوانبها. الامر الذي يجعل من هذا التقييم ضرورياً من اجل مواجهة الوضع الراهن وآفاقه والاحتمالات المختلفة الكامنة فيه.

فاذا كانت الدكتاتورية العنيفة لسلطة البعث قد ادت الى سيادة "منظومة" القمع والارهاب والخراب، فان الاحتلال ومرتزقته أوغلوا في تخريب وخراب العراق، وادخلوه في مأزق حاد ـأشد خطورة وتعقيدا مما سبقه. بمعنى ، ان النظام العراقي الحالي هو استكمال للدكتاتورية والأكثر توسيعا في مجال التخريب الشامل للدولة والنظام السياسي والمجتمع والقيم. وبالتالي، فان البديل المنشود للعراق لابد ان يستند على تقييم كل تاريخ العراق المعاصر، منذ الاحتلال البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى حتى الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، مروراً بالأنظمة السياسية التي مرت في العراق أو التي مرت على العراق

ذلك يعني، ان هذا التقييم عرضة للتطور المستمر والذي تستدعيه اولا وقبل كل شيئ طبيعة ونوعية وكمية التغيرات الجارية في العراق. وبالتاليئن فان ما اضعه هنا هو تقييم أولي وفي خطوطه الكبرى. ومن ثم فهو قابل للتوسع والتعمق بما في ذلك خروجه الى المدى الإقليمي والعالمي.

النشوء والنمو والفشل والمصير

لقد نشأ ونما "النظام الشيعي" الراهن في العراق في ظل وحماية الاحتلال الأمريكي. وكذلك في ظل التواطؤ الإيراني مع الولايات المتحدة الامريكية في مجرى غزوها للعراق. وترتب على ذلك نشوء نظام سياسي هجين يتسم يقدر كبير من الفساد والتشرذم، بوصفها الملامح الظاهرية لطبيعة التناقضات الجوهرية الكامنة فيه.

ولم يكن هذا معزولا عن العوامل والأسباب القائمة في أساس تكوينه. ومن ثم فيها ينبغي البحث عما نراه وما هو جلي من إشكاليات كثيرة وكبيرة. الامر الذي صنع سبيكة غريبة من حيث نوعيتها والتي يمكن ان نطلق عليها تسمية النظام الشيعي الامريكي الإيراني الهجين. بعبارة اخرى، ان هذا الوليد الهجين هو النتاج "الطبيعي" للزواج الامريكي الإيراني في العراق. وبالتالي، فان الدعاوي العلنية والظاهرية من جانب تلك القوى العراقية ذات الميول الإيرانية عما يسمى بمعاداتها للولايات المتحدة، تنسى كيف انها نفسها كانت وما تزال نتاج هذه العلاقة الخفية والعلنية التي جرى لضم خيوطها قبل وفي مجرى وبعد الاحتلال الامريكي للعراق. فقد كان الزواج الأمريكي الإيراني في العراق يتسم بقدر كبير من الباطنية والسرّية. لكنه مع ذلك معرف من حيث اسبابه الاولية وكيفية نشوئه ونموه واستمراره حتى اليوم، بغض النظر عن الخلافات الكبيرة والصراع العنيف بينهما.

لقد كانت وما تزال هذه الحالة مرتبطة بكيفية التعامل والخصومة بين ايران والولايات المتحدة في الساحة العراقية، التي جعلت من العراق ميدان الاختلاف الاستراتيجي بين الدولتين، بينما ليس للعراق استقلاله الخاص، رغم انه يمثل المحور  والمنطقة الأكثر أهمية بمعايير المصالح الجيوسياسية في المنطقة. الأمر الذي يترتب عليه جملة من الاسئلة الحساسة والحاسمة بالنسبة لمصير العراق وآفاقه، أي الاسئلة الأكثر أهمية فيما يتعلق بآفاق تطوره الذاتي واستقلاله التام واستعادة دوره المحوري في المنطقة. من بينم اهم هذه الاسئلة الآن هي: هل يمكن توقع حدوث طلاق بين ايران والولايات المتحدة الامريكية في العراق؟ ولماذا؟ وكيف؟ وما هي نتائجه؟ وذلك لما له من اثر كبير بالنسبة لمسار "النظام الشسعي" وافاق تطور الدولة العراقية.

وبغض النظر عما اذا سيحدث هذا الطلاق أم لا، فإن الأحداث اللاحقة سوف تكشف كل الأوراق السرية لهذه العلاقة. لكن الامر الجلي والواضح الان هو ان الصراع الأمريكي الإيراني له اثاره المدمرة في العراق.

طبيعة "النظام الشيعي" الحاكم في العراق

ان الصورة الجلية لهيمنة القوى السياسية الشيعية على مقاليد الحكم ما بعد الاحتلال الامريكي تكشف عن فشلها المريع في كافة المجالات والميادين والمستويات. اذ نرى مظاهر الفشل الشامل في الاقتصاد والمجتمع والتعليم والصحة وغيرها من الجوانب المهمة. بمعنى رؤية ملامح ومظاهر الخراب في جميع مفاصل الوجود الفعلي للدولة والمجتمع. بحيث تحول العراق إلى خراب شبه شامل.

ان أسباب الفشل عديدة ومختلفة. الا ان السبب الأساسي يقوم في ان القوى التي اشتركت في العملية السياسية الأمريكية كانت ضعيفة، كما ان همهما الأساسي كان متمحورا حول كيفية "بناء" نفسها وترتيب اوضاعها في السلطة. الامر الذي حدد نفسيتها وذهنيتها في التوجه صوب النهب والسرقة المتنوعة لاموال الدولة. وبالتالي لم يكن هم هذه القوى اعادة بناء الدولة ومرافقها الاساسية. وترتب على هذا الفشل جملة نتائج لعل اكثرها تخريبا وتدميرا هو توسيع وتعميق الهوة بين اطراف العملية السياسية الأمريكية ومحيطها الاجتماعي العراقي. وهي الهوة التي يمكنها ان تبتلع مع مرور الزمن القوى الانتهازية والفاسدة والفاشلة.

لقد ترتب على القوى السياسية الشيعية تحول العراق إلى مأتم وخراب وأرض فساد ونفاق ودجل وشعوذة. انها كشفت في محجرى حكمها السياسي لحد الان بانها لا تمتلك أي برنامج اصلاحي. وان "برنامجها" الوحيد الواضح والجلي هو تفعيل تقاليد واعراف العويل والبكاء على ماض لا علاقة لهم به! زانها خالية تماما وتجهل معنى ومضمون وادوات البناء الاجتماعي للدولة المعاصرة. انها تبكي وتنتحب على مظلومية الحسين بوصفها الوسيلة لاستدرار واستمرار التخرف والتجهيل والتحنيط المبطن للوعي الاجتماعي. من هنا انعدام الهموم الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع. بل انه غير وارد في حساباتها.

ان هذا الخراب المركب، أي ذاك الذي صنع طبقة جديدة من التخريب والتخريف الذي وضعت الدكتاتورية البعثية السابقة طبقاتها الاولية، قد ادى الى ردود فعل متنوعة ومختلفة من قبل القوى الاخرى غير الشيعية.

فقد كان رد السنّة ردا "داعشيا". فقد كانت داعش عهي الرد السياسي السني على وضعهم الجديد. اما الأكراد، بوصفهم قوة هامشية في العراق فقد سعوا بمختلف الاساليب للانهماك المفرط في السرقة والابتزاز و"الانفصال" بفعل ضعفهم الذاتي.

بينما كانت سياسة القوى الشيعية تقوم في فرض هيمنتها عبر تصنيع ما يمكن دعوته بنظام الفساد والإفساد. ومن خلاله جرى ترويض القوى الأخرى. فالقوى السنيّة باتت تخضع للقوى الشيعية عبر ترويضها بقيم الفساد المالي والسلطوي. وينطبق هذا على القوى الكردية. اذ جرى اعادة اخضاعها عبر نفس آلية الفساد والإفساد. الامر الذي جعل من منظومة الفساد المالي والسلطوي "نظام الحكم" في العراق الحالي. وقد كان هذا هو اسلوب تكوين نظام سياسيي لإدارة العراق بقيادة القوى الشيعية عبر ترويض مختلف القوى، وليس عبر تنشيط وبناء المجتمع المدني ونظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعقول.

كل ذلك يوصلنا الى استنتاج عام وهو ان القوى السياسية الشيعية في طريقها لتكوين اكبر نظام سياسي فاسد في تاريخ العراق الحديث. وهو "الإنجاز التاريخي" الوحيد للقوى السياسية الشيعية العراقية الحالية. ان هذه الحالة والنتيجة الجلية تعطي لنا امكانية افتراض ان تكون نفس النتيجة في حال تولي الحسن بن علي بن ابي طالب الخلافة بعد ابيه. مع ما ترتب عليه من انعدام وجود الائمة المعصومين والأئمة الاثنى عشر والمهدي المنتظر. وهي الفرضية التي يمحكن رؤية ملامح ما فيها من نتائج ترتقي الى مصاف الرؤية المنطقية والحتمية القائلة، بان "النظام الشيعي" الحاكم في العراق الآن يحمل كل بذور هدمه من الداخل.

ان واقع الفساد والافساد يكمن فيما جرت الاشارة اليه سابقا، الا وهو ان الفاعل الاساسي في "برامج" القوى السياسية الشيعية هو "البناء الذاتي" للحزبية والتحزب. مما ادى الى ان تكون الهموم الكبرى والصغرى محكومة بسرقة اموال الدولة والمجتمع وتوظيفها من اجل مصالحها الضيقة والانانية. وهو امر جلي حالما ننظر الى كمية الموارد المالية التي حصل عليها العراق في ظل حكم الشيعة وكيفية توظيفها ونتائجها الواقعية.

فقد جرى توظيف الموارد المالية للدولة والسياحة الدينية اساسا مكن اجل بلوغ ما يمكن دعوته بإحكام الهيمنة الشيعية. فقد كانت موارد الدولة الاساسية تذهب الى الاحزاب السياسية الشيعية. اما السياحة الدينية ومواردها الهائلة فتذهب كاملة لها ايضا. اضافة الى منظومة التهريب المتنوع للثروات والاموال من خلال التحكم بشبكات سرق النفط وتهريبه، والتحكم بالمنافذ الحدودية والكمارك، والسيطرة غير المباشرة على تجارة المخدرات والمشروبات الكحولية وصالونات القمار والدعارة المبطنة.

ووجد كل ذلك انعكاسه في نوعية وكمية الفساد المميزة للهيمنة الشيعية. من هنا فقر وانعدام التنمية الصناعية والزراعية والخدمات. بينما جرى توظيف المال من اجل الاستحواذ على الفئات الاجتماعية قاطبة عبر تحوي الدولة الى مرضعة ومغذية لهما. وهذا بدوره كان ايضا احدى فنوات السرقة والنهب المبطن لموارد الدولة.  اننا نراه في حجم الترهل والامتيازات في المناصب وطرق توزيع الثروة.

ولعل ظاهرة المشاريع الوهمية والابتزار الملازم لها من بين اكثر النماذج والأساليب قذارة ودناءة في سياسة الاحزاب الشيعية السياسية قاطبة بدون استثناء. ففي حقبة نوري المالكي كان هناك حوالي 4600 مشروعا وهميا، بلغ مستوى السرقة وتبذير اموال الدولة والمجتمع ما يقارب 350 مليار دولار امريكي، حسب ما قالت به اللجنة البرلمانية المالية.

فقد كان الموازنات المالية للدولة في حقبة المالكي كانت كالتالي:

2007 حوالي 42 مليار دولار أمريكي

2008 حوالي 70 مليار دولار أمريكي

2009 حوالي 74 مليار دولار أمريكي

2010 حوالي 84 مليار دولار أمريكي

2011 حوالي 101  مليار دولار أمريكي

2012 حوالي 118 مليار دولار أمريكي

2013 حوالي 115مليار دولار أمريكي

2014 حوالي 150 مليار دولار أمريكي

كما اقترض العراق مبلغ 124 مليار دولار أمريكي من البنوك العالمية. ذلك يعني ان مبلغ انفاق الدولة بلغ خلال هذه الفترة  (2007 -2014) حوالي 943 مليار دولار أمريكي

كيف تم انفاق هذا المبلغ خلال هذه الفترة؟ وما هي المبالغ الفعلية التي انفقت على تطوير الزراعة والصناعة والخدمات والبنية التحتية الأساسية للعراق؟ الاجابة عليها تبدو جلية من خلال لقد اتسمت فترة حكم نوري المالكي بإنفاق هائل وهدر كبير وسرقات وتهريب أموال طائلة، شكلت في كلها أساس القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للفساد الذي بات يتحكم في العراق ومصيره.

وخلال هذه الفترة جرى التزاوج بين الدين والسياسة والمال والشعائر الشيعية كغطاء لأكبر عملية فساد وإفساد في تأريخ العراق الحديث. لقد أظهرت الأرقام التي نشرت أخيراً في 17 أيار 2019، المبالغ الهائلة التي تنفق على رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان، والوزراء والنواب وأعضاء مجلس الحكم، كما هو جلي في رواتبهم وتقاعدهم ومصروفاتهم وامتيازاتهم. وهي ظاهرة اضافة اخرى لمنظومة الفساد والافساد. بحيث جعلت من الطبقة السياسية قوة مستقلة بذاتها ولذاتهاو مهمتها الحفاظ على امتيازاتها، ومن ثم انفصالها شبه التام عن المجتمع. بمعنى بلورة تقاليد الاغتراب الشامل بين السلطة والمجتمع، بين النخبة السياسية والدولة.

كل ذلك جعل من "النخبة الحاكمة" الحالية طبقة متكاملة من اصحاب السرقة والنهب والاحتيال، باختصار طبقة عفنة ومزيفة بكافة المعايير والمقاييس. وترتب على ذلك استحالة الاعتماد عليها فيما يخص تطوير الدولة والمجتمع والانسان. كما انها طبقة غير قابلة للعلاج والاصلاح بفعل المنظومة التي جرى تركيبها وتأسيسها وغرسها بعد الاحتلال الامريكي عام 2003.

ان الإشكالية الكبرى التي تواجه الشعب العراقي في التغيير تقوم في مواجهته لطبقة متداخلة المصالح من اللصوص والانذال التي تحكم العراق وتتحكم به. فمن حيث الجوهر هي ليست فئة سياسية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمنة، بل كمية هي عبارة عن عصابات متعددة ومسلحة ذات ارتباطات خارجية عديدة ومختلفة، يجمعها امر مشترك هو نهب العراق بأي طريقة ممكنة وبأسرع وقت، والهزيمة ان حان وقتها.

كما يواجه العراق ازمة بنيوية حادة لعل الترهل الرهيب في عدد الوظائف المرتبطة بالدولة يفوق عددها في الصين! اذ يبلغ عدد الموظفين والمتقاعدين حوالي ستة ملايين وخمسمائة الف شخص (6500000) مقابل ثمانمائة وخمسين الفا ( 850 الف) قبل 2003. مع ما يترتب عليه من انفاق حكومي كارثي ليس بالمعنى الاقتصادي بل والسياسي والاجتماعي والاخلاقي. وذلك لان الوظيفة اصبحت اسلوبا للسرقة والابتزاز والرشوة والمحاباة والحزبية، أي كل ما يعمق الفساد الاخلاقي والاجتماعي ويجعله "منظومة" قائمة بحد ذاته اشبه ما تكون بديدان تنخر الجسد شبه الميت للعراق الحالي.

واذا كما النفط ثروة مهمة بالنسبة لتوظيفها في تطوير الامكانيات الاقتصادية والصناعية والعلمية للدولة، فانه تحول في ظروف العراق الى قوة تعيق التقدم وتكبحه وتعرقل امكانية تطوره التلقائي استنادا الى قواه المنتجة والعلم. فقد كان التحذير من الدولة الريعية سائدا في الأدب الاقتصادي العراقي منذ فترة طويلة جداً. لكنه لم يجد انعكاسه في السياسات الحكومية المتعاقبة. بل على العكس. لقد اصبح الوضع اكثر تفاقما. مما يجعل منه طاقة مخزونة ومأزومة وقابلة للانفجار وصنع الكوارث المميتة للدولة والمجتمع والعراق بحد ذاته.

ان تراكم المشاكل الهائلة في العراق له تاريخه الخاص. غير ان الاحتلال الامريكي قد فاقم هذه المشاكل وتحويلها الى معضلات اشد تعقيدا وتخريبا. ولعل اهم عامل في هذا التعقيد والتخريب هو تصنيع نظام هجين يعمل بآلية التفكيك والنوازع الطردية وتصعيب فكرة ونموج الوحدة الاجتماعية والوطنية العراقية.

فعندما نتأمل هذا التراكم، على الاقل من الناحية الزمنية، فمن الممكن رؤية ملامحه الظاهرية ومن ثم امكاناته الداخلية.

لقد بدأ ذلك بسقوط بغداد يوم 9 نيسان 2003. ثم فترة الحكم العسكري بشخصية جون غارنر. واستمر لفترة قصيرة جداً تكاد لا تذكر. وفيها نعثر على الفشل الأمريكي في حكم العراق. ثم تولية بول بريمر الحاكم المدني من 6 أيار 2003 حتى 28 حزيران عام 2004. وتميزت هذه المرحلة "التأسيسية" لهذا النظام الهجين من خلال صنع شبكة عنكبوتية تكبل العراق. وفيه جرى اشراك الجميع في الغنيمة والخيانة. تصنيع نظام بلا معارضة. اذ بغض النظر عن ملامح الفساد الشامل في الدولة ومؤسساتها ونظامها السياسي بشكل خاص، لا نرى اية معارضة فعلية، باستثناء النمهاترات الكلامية. واشدهم صراخا "بالنقد" اكثرهم فسادا. كل ذلك يكشف عن مرحلة بريمر هي مرحلة تأسيس مقدمات ومقومات الفساد السياسي الذي جعل الجميع بدون استثناء مشتركا بالفساد والافساد.

مجلس الحكم الانتقالي. وحكم اكثر من سنة بوصفها المظهر الحاري لحكم بريمر. لقد جعل من قادة احزاب "العملية السياسية" واجهة للاحتلال ودفاعا عنه.

المرحلة الانتقالية وكتابة الدستور، الذي استمر حوالي سنة واحدة

المرحلة الاولى والثانية لحكم نوري المالكي من 2006 حتى 2014.  وفيها جرى تجذير منظومة الفساد وإدارة المناصب بالوكالة والسرقة المنظمة، والتحزب، والمشاريع الوهمية، وصراع الالسن والمهاترات، والضعف والتفكك في كل شيئ. والاستثناء اللوحيد للثبات هو في توسيع وتمتين خيوط الشبكات المهتمة بالسرقة والمغامرة والابتزاز من أجل السرقة. وهي اتعس وأرذل مراحل ما بعد الاحتلال الامريكي. وقد وضع اجتياح داعش للعراق عام 2014 حدا لحكومة المالكي.

حكومة العبادي من عام 2014 حتى 2018. من أهم انجازاتها العامة الحرب والانتصار على داعش وأعوانها عام 2017. وما لازمه من تحجيم للدور الكردي في السياسية الداخلية والخارجية وإرجاعهم إلى خط ما قبل الاحتلال الامريكي. وهو واقع بكشف عن الوحدة الخفية بين داعش والحركة القومية الكردية بشكل عام واالبرزانية بشكل خاص.

حكومة عادل عبد المهدي عام 2018 جاءت بطريقة تتعارض مع الدستور وتكشف عن صعود روح المغامرة والاحتيال في السياسة الشيعية جميعا. تماما مثلما جرت الاطاحة بالمالكي. وبغض النظر عن مساهمته من جديد في دعم البرزانية ومحاولة نفخ الروح في جثة ميتة، فإن المسار العام هو اجهاض النزعة الانفصالية للأكراد. وهي عملية موضوعية في مجرى تطور الحركة السياسية العراقية.بمعنى انها تجري في موازاة حكم عادل عبد المهدي، لاسيما وانه شخصية عديمة اللون والرائحة والطعم.

كل ذلك يكشف عن بعض ملامح الحقيقة الآخذة في الوضوح والجلاء ألا وهي:

- إن تراكم النظام السياسي الهجين ومنظومة الفاسدة التي تنخر فيه هو النتاج الذي لازم احتلال العراق من جانب الولايات المتحدة الامريكية.

- وبالتالي، فان المسئولية التاريخية والأخلاقية والسياسية تقع على عاتق قوات الاحتلال الأمريكي وحلفائه. ومن ثم مسؤولية كل ما جرى فيه من دمار وتخريب مادي ومعنوي يقع على عاتق جميع الدول التي اشتركت في الحرب على العراق واحتلاله.

-  ان يكشف عن مسؤولية القوى السياسية العراقية الانتهازية والخائنة في العمل من اجل صنع هذا النظام الهجين. ومن ثم فيه جرى وضع قواعد اللعبة الخربة للسرقة والنهب، مع ماة ترتب عليه من توسيع وتجذير الاستعداد للخيانة والعمالة للقوى الاجنبية. بمعنى انه كشف عن القوى السياسية العراقية الحالية جميعا بدون استثناء هي ليست قوى وطنية عراقية.

-  التواطؤ الإيراني مع الاحتلال الأمريكي للعراق

- وأخيرا مسئولية النظام السياسي والأحزاب والقوى التي شاركت في وضع دستور الاحتلال، والذي اضفى على آلية التخريب والتجزئة والسرقة طابع "المادة الدستورية".

الأمر الذي لا شك فيه، هو أن الأحداث التي جرت وتجري في العراق قبل وفي مجرى وما بعد احتلاله من قبل قوات الغزو الأمريكي، وثيقة الارتباط بالأبعاد الوطنية والإقليمية والعالمية في الصراع حوله. وهي حالة قابلة للحل والتعقيد والتأزم بقدر واحد.

إذ يكمن سبب الاستعداد للتأزم والتعقيد أولا وقبل كل شيئ في "العجز العراقي" الحالي في ما يتعلق بقيام حركة وطنية عراقية شاملة. لكنه في الوقت نفسه هو نتاج تداخل قوى عراقية وإقليمية ودولية. ويرتبط هذا بدوره بسبب نمو الدور الإقليمي والدولي في العراق وصراعه العلني والمستتر. اذ تشترك فيه الأن أربعة قوى اساسية يمكن تصنيفها على انها أربعة محاور تتحرك وتتصارع في العراق وحوله بسبب ضعفه الذاتي الحالي. وهي كل من المحور الأمريكي، والمحور الإيراني والمحور السعودي والمحور الروسي.

وتبرز ملامح المحور الامريكي في طبيعة والية السياسة التي يقوم بها. انها تهعدف الى الابقاء على الاحتلال واستغلاله لتنفيذ مهمات المصالح الجيوسياسية الامريكية الاسيوية والعالمية بقدر واحد. من هنا يمكن ملاحظة التغير المستمر في المواقف والأساليب السياسية والثبات من حيث اسسها الاولية. انها تسعى على الاقاء على حالة التفكك وتوسيع مداها كما هو ججلي في عرقلة اية امكانية للتواصل العراقي السوري. واشراك مختلف القى الضعيفة والمستعدة للخيانة الوطنية والقومية كما نراه على مثال استعمال "العامل السني" في تفتيت الوحدة الوطنية والقومية السورية وتدمير الدولة، وتوسيع وترسيخ نفسية الارتزاق والمرتزقة عند الحركات القومية الكردية. وتفعيل الصراع بين الديني والدنيوي والطائفي ووضعه بما في ذلك في اساس الدستور العراقي، ومحاول تنفيذه في سوريا ايضا. اما في مجال السياسة الاقليمية الكبرى تجاه المشرق العربي فتكشف عما يمكن دعوته بعجز الدور الاسرائيلي الإقليمي وضرورة سد هذا العجز عبر الوجود الأمريكي المباشر ودوره في الوضع الإقليمي.

مما سبق نستطيع التوصل إلى بعض الاستنتاجات الجوهرية، لعل أهمها هو

- إن العراق مشروع عراقي وليس إيراني أو سعودي أو أمريكي أو روسي

- ان المشروع العراقي يجري ضمن خضم صراع إقليمي ودولي ضاري.

- العراق هو احد المسارح الكبرى للصراع الجيوسياسي العالمي. ومع سوريا بوصفهما كيانا عربيا جغرافيا وتاريخيا وقوميا وثقافيا واحد تتضح معالم وغايات هذا الصراع الجيوسياسي العالمي.

- إن الكيان العربي العراقي السوري هو صيرورة واحدة بمعايير المستقبل. وإن صعوده وأثره الاقليمي المستقبلي يرتبط بقواه الذاتية اولا وقبل كل شيئ.

- إن العلاقة الأمريكية الإيرانية في احتلال العراق لها اثارها الكبيرة والخطيرة على الوضع الإقليمي والدولي للعراق.

- إن  الأهداف الأمريكية من اعادة التفاوض مع إيران تسعى الى اعادة ترتيب القوة الامريكية التي تعرضت الى تثليم وفشل كبير عبر مساومة إيران على وضعها الإقليمي والدولي. ويجري ذلك عبر مساومة إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والقضية الفلسطينية.

- إن الدلائل والنتائج المترتبة على الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران تكشف عن حجم التعامل الامريكي الإيراني في العراق. الأمر الذي يمكن ان يدفعهما صوب الوصول إلى تسوية بينهما، مع ما يترتب على ذلك من نتائج خاصة على مستقبل العراق.

المواجهة الوطنية لإنقاذ العراق: الطرق والأساليب

غير ان المجرى العام والخاص ونتائجه في العراق تبقى في نهاية المطاف عراقية خالصة. فالعراق لا يمكنه أن يكون مطية لأية قوة اجنبية. فهي حالة لا يسمح بها العراق وأهله وتاريخه وكينونته الثقافية والقومية. إلا أن هذه الصيغة البلاغية العامة تفترض تحرر العراق وعودته إلى نفسه الوطنية والقومية والثقافية. وبلوغ هذه الغاية يفترض الاجابة على خمسة أسئلة أساسية وهي:

- ما هو البديل الممكن والواقعي لهذه الحالة؟

- وهل يمكن اصلاح النظام الحالي من داخل العملية السياسية؟

- وما هي قدرة النظام الذاتية على إصلاح نفسه؟

- وهل يمكن اصلاحه من خارج العملية السياسية؟

- وما هي قدرة الشعب على إصلاح النظام السياسي؟

إن النتيجة العامة التي يمكن استخلاصها من تجربة العراق السياسية في "بناء" الدولة والنظام السياسي والعلاقات الاجتماعية وغيرها تكشف عن أن البدائل لا يمكنها أن تكون اجنبية. من هنا فشل مشاريع المحور الامريكي و"عمليته السياسية" في العراق، وفشل "مشاريع" المحور السعودي في "داعش". وخلل المحور الإيراني، وضعف المحور الروسي. بعبارة أخرى، إن كل المشاريع الاجنبية لا يمكنها العيش في العراق.

كل ذلك يفترض في نهاية المطاف بلورة البديل الوطني العراقي وأساليبه العملية الفعالة، التي تستلزم

- بلورة حركة اجتماعية عراقية تواجه قوى العملية السياسية الفاسدة التي أوصلت العراق إلىهذا  الخراب الاجتماعي الاقتصادي والأخلاقي.

- التغلب على المأزق والعجز الذي تواجهه يفترض قيام حركة وطنية عراقية شاملة.

- ضرورة توحيد القوى المدنية الدنيوية العراقية والعمل على إبعاد القوى الدينية السياسية من سدة الحكم عبر الصراع السياسي البرلماني

- إن ابعاد القوى العميلة والمرتزقة والفاسدة من منظومة الدولة والسلطة يفترض العمل اليومي المباشر وغير المباشر من اجل توسيع وترسيخ فكرة الاصلاح الاجتماعي والمدني.

-  تخفيف المظاهر الشيعية الطائفية في الدولة والمجتمع والثقافة.

- العمل على اقناع الحركات الشيعية التي تورطت في السياسة الأمريكية في العراق وقضايا وملفات الفساد، أن تراجع بصورة نقدية موقفها وسلوكها العملي من هذه القضايا، مع إجراءات فعلية بهذا الخصوص.

- أن تقوم إيران بنقد ذاتي لتواطئها مع الولايات المتحدة في احتلال العراق

- العمل على استعادة الأموال المنهوبة من قبل أطراف العملية السياسية الفاسدة الحاكمة في العراق ومعاقبة كل من اقترف جريمة بهذا الصدد بوصفها جريمة "خيانة وطنية عظمى".

-  العمل على تنشيط ملف التعويضات على احتلال العراق وتدميره من قبل قوات الغزو الأمريكي وحلفائها. ولا يعني ذلك بالنسبة لنا التنازل عن افعال السلطة التي حكمت العراق تحت حراب الاحتلال. إن هذا الموقف يحتوي على شقين في آن واحد. الأول هو تجريم من قام به بتهمة الخيانة الوطنية، والثاني الغاء هذا الاتفاق لأنه يتعارض مع الوقائع والحقائق والأسباب المفبركة، وعدم شرعيته الدولية والقانونية، والنتائج المترتبة على الحرب والاحتلال الامريكي وحلفائه للعراق.

- التحرر من  الحماية الأمريكية لصندوق الأموال العراقية. إن إيداع أموال العراق في صندوق خاص بذريعة حمايتها هو في الحقيقة احد وسائل الولايات المتحدة لتنفيذ أهدافها من استمرار احتلال العراق. إن لهذه الحماية أكثر من وجه متناقض. بمعنى انه في حال رفع الحماية الأمريكية عن صندوق الأموال العراقية، من شأن ذلك أن يعرض الأموال العراقية للتجميد أو المصادرة من قبل المحاكم الدولية التي تقبل شكاوي مختلفة ضد العراق. غير ان الحماية الأمريكية لهذا الصندوق اكثر خطورة من التواجد العسكري الامريكي في العراق. ان حماية الولايات المتحدة لصندوق الأموال العراقي، يجعل العراق مرتهناً تماماً للولايات المتحدة. لقد كان ثمن خروج العراق من البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة يقوم في وضع الأموال العراقية تحت الحماية الأمريكية، وهو يعني ارتهان العراق بصورة تامة للولايات المتحدة، من دون ضرورة جيوش امريكية.

***

يوسف محمد طه

 

عبد الحسين شعبانتستمر أعمال الاحتجاج والتظاهر في هونج كونج منذ أسابيع في أكبر تحدّ للحكم الصيني منذ تسلّمها من بريطانيا في العام 1997. وقضت اتفاقية التسليم، إبقاء هونج كونج على نظامها الرأسمالي لمدة 50 سنة قادمة.

ويعود سبب الاحتجاجات الحالية إلى صدور قانون يجيز تسليم المطلوبين إلى الصين، وتطوّر الأمر للمطالبة بإصلاحات ديمقراطية، علماً بأن هونج كونج «المستعمرة البريطانية» السابقة تُدار وفقاً لمبدأ «بلد واحد بنظامين»، حيث يعطي لمواطنيها حقوقاً لا مثيل لها في الصين، وخصوصاً فيما يتعلق بباب الحرّيات وفي مقدمتها «حرّية التعبير»، علماً بأن رئيسة هونج كونج الحالية كاري لام موالية للصين، ويبلغ عدد سكانه 7 ملايين فقط، حيث يمتدّ أصول نحو 94% منهم إلى قومية الهان الصينية.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حذّر بكين من مغبّة قمع التظاهرات على غرار ما فعلته في ساحة «تيانانمين» العام 1989، معتبراً أن حصول مثل هذا الأمر سيضرّ بالمفاوضات التجارية الجارية بين واشنطن وبكين. وأعرب في تصريحات أخيرة عن أمله في أن تنتهي أزمة هونج كونج سلمياً وتحلّ بطريقة إنسانية،ودعا نظيره الصيني شي جينبينج إلى التفاهم مع المحتجين حول الحلول الممكنة.

وكانت الأزمة بين هونج كونج وبكين قد اندلعت منذ أكثر من شهرين، ولكن بكين صعّدت مؤخراً من نبرتها ضد حركة الاحتجاج وهو ما أعاد إلى الأذهان أحداث ساحة تيانانمين، حيث سقط المئات من الضحايا قتلى وجرحى، بعد أن نزلت الدبابات لسحق حركة تمرّد قادها شباب وطلاب عزل، يطالبون بإصلاحات والمزيد من الحرّيات.

وحتى الآن فإن خيار تيانانمين بالنسبة لبكين غير وارد أو مستبعد على الأقل، على الرغم من حساسية الصين إزاء هونج كونج التي احتلتها بريطانيا في أعقاب حرب الأفيون (1839-1842) وانتظرت طوال هذه الفترة لتعود إليها سلمياً، ومارست سياسة طول النفس والتدرّج لاستعادتها مثلما انتهجت سياسة مرنة ومتميزة منذ عودتها، لأنها لا تريد التفريط بها على الرغم من اختلاف طبيعة الحكم الذاتي وليبرالية النظام الذي تتمتّع به هونج كونج في إطار النظام الاشتراكي الصيني وقواعده المعروفة بالمركزية.

ولذلك وخلال الأزمة الراهنة كشفت بكين عن خطط جديدة لتطوير «مدينة شينزن» وجعلها «مكاناً أفضل» من هونج كونج وفق الإعلام الصيني الذي واجه الأزمة، وكان قد ورد في وثيقة توجيهية رسمية نشرتها الحكومة الصينية بأنها تنوي تحويل مدينة شينزن إلى منطقة رائدة وواجهة لما أسمته «الاشتراكية الصينية».

ونصت الوثيقة على اعتبار أبناء هونج كونج وماكاو العاملين في شينزن والمقيمين فيها مواطنين وأوجدت نظام دخول وخروج ملائماً ومنفتحاً ودون قيود شديدة، بما فيها السماح لحاملي الإقامات من الأجانب بتأسيس شركات علمية وتكنولوجية سعياً لاجتذاب الاستثمارات وتسهيل تمركز الشركات العالمية فيها للحصول على الأفضلية والريادة، وهكذا يُراد أن تتحوّل شينزن من قرية لصيد الأسماك إلى عملاق اقتصادي وبسرعة كبيرة.

وعلى الرغم من أن الوثيقة تضمّنت أهدافاً وخططاً عامة، لكن تأكيدها أنه بحلول العام 2025 ستصبح شينزن إحدى أفضل مناطق العالم لناحية «القوة الاقتصادية ونوعية التطور» جاء لافتاً للنظر، كما شدّدت الوثيقة على أن السلطات الصينية تعتزم تحقيق اندماج أكبر مع هونج كونج وماكاو، وأبدت آمالاً كبرى بأن تقود شينزن الواقعة جنوب الصين العالم بحلول العام 2035، وهذا يعني حسب خبراء في جامعة فيلونج الصينية أن هونج كونج إن بقيت غير جاهزة لاستغلال فرص اللحاق بالتطور في عموم الصين ستكون متخلّفة جداً في المستقبل مقارنة بشينزن التي ستتقدم بوتيرة سريعة جداً، علماً أن شينزن تقع على الجانب الآخر من الحدود مع هونج كونج لما يُعرف بسور الصين العظيم.

لقد تغيّرت «صين ماوتسي تونج» منذ وفاته وانتهاء «ثورته الثقافية» إلى دولة صناعية متطورة خلال أربعة عقود من الزمان فقط، وانتقلت من ضفة التخلف إلى ضفة التقدّم، وذلك بفعل انتهاجها سياسة انفتاحية في الاقتصاد والإدارة والاستثمار، تلك التي وضعتها اليوم منافساً قوياً على الزعامة مع الولايات المتحدة، حيث تحتل المرتبة الثانية في اقتصاد العالم بعد الولايات المتحدة، ولعلّ ذلك سيكون حافزاً جديداً لها في السباق الاقتصادي عبر شينزن وليس وفقاً لخيار تيانانمين.

 

عبد الحسين شعبان

 

منذ ان وضعت الحرب بين اسرائيل وحزب الله فى 2006م أوزارها تواطأ الطرفان معا على قواعد اشتباك أرساها القرار الصادر من مجلس الأمن الدولى تحت الرقم 1701م. حيثيات ذلك القرار كانت تعول على التزام الأطراف بتلك القواعد، كما وكانت تهدف وتأمل الى إرساء سلام مستدام على الحدود اللبنانية مع اسرائيل، لان الذين قاموا بصياغة تلك الحيثيات كانوا يعلمون ان حزب الله هو زراع المقاومة الإسلامية للاحتلال الاسرائيلى لدولة فلسطين، كما كانوا يعلمون ان اليمين الصهيونى لن يترك تلك السكين على خاصرته، ويعلمون تبعا لذلك ان المقاومة الإسلامية واليمين الصهيونى خطان متوازيان لا يلتقيان الا فى اللانهاية، فشددت عبارات القرار على ضرورة التزام كلا الطرفين بمحددات التهدئة وناشدت فى اكثر من موقع على احترام السيادة اللبنانية على اراضيه، كم كررت عبارات التأكيد ايضا على ضرورة احترام الخط ازرق الفاصل بين قوات كلا من الطرفين

لم يكن لرئيس الوزراء الاسرائيلى بنيامين ناتنياهو ليدع حزب الله فى شأنه ابدا، لانه يمثل تهديدا مستمرا ودائما على دولة إسرائيل لرفعه شعار المقاومة المسلحة لتحرير فلسطين من قبضة الاحتلال، ولانه يمثل زراع إيران الطولى فى الشرق الأوسط وإيران فى رأى نتناياهو هى شيطان رجيم لجهة عقيدتها الراسخة بان اسرائيل مكانها البحر وليس على ارض فلسطين الاسلامية، ولأنه الكيان الوحيد الذى يقارع اسرائيل المعارك فهو لا يتورع من شن اى هجوم فى اى وقت وفى مكان من دولة اسرائيل، لهذا فهو مصدر رعب حقيقى على نتنياهو بعد ان قام هذا الاخير بتدجين المقومة العربية وتحييدها من متطلبات الصراع العربى الفلسطينى .

تنص الفقرة الرابعة من قرار مجلس الامن الدولى رقم 1701 على الاتى (يعيد تأكيده وتأيده (اى القرار) الشديد حسب ما أشار اليه فى جميع قراراته السابقة ذات الصلة لسلامة اراضى لبنان وسيادته واستقلاله السياسى داخل حدوده المعترف بها دوليا حسب ما هو وارد فى اتفاق الهدنة العامة بين اسرائيل ولبنان المؤرخ فى 23\مارس\ 1949م ) .

بموجب هذا النص الواضح فانه لا يجوز لإسرائيل انتهاك السيادة اللبنانية وضرب أهداف داخل دولة لبنان وان فعل ذلك يكون قد اخل بالتزامه بموجب تلك الفقرة ويستحق المساءلة والمحاسبة ومن بين نتائج تلك المحاسبة صدور إدانة من مجلس الامن لذلك الفعل وتوقيع العقوبات التي يراها مجس الأمن وفق سلطاته تحت البد السابع .

هذا هو المسار الطبيعي للإحداث المترتبة على هجوم اسرائيل بطائرتين مسيرتين على الضاحية الجنوبية لبيروت ولكن لان إسرائيل وحزب الله على السواء على علم بان شيئا من ذلك لن يحدث سارع كل طرف لتوجيه الامور نحو الوجهة التى تتفق مع سوء نية الطرف الاخر .

سارعت اسرائيل الى القول بان ذلك الهجوم هو دفاع عن النفس لانه كان على مواقع تقوم بانتاج صواريخ دقيقة فى معقل حزب الله فى الضاحية الجنوبية، كما سارع حزب الله من خلال امينه العام حسن نصرالله الى القول بانه سيقوم بالرد على ذلك الهجوم لان إسرائيل ارادت تغيير قواعد الاشتبك التى ارساها القر ار 1701م

وضع ميثاق الامم المتحدة فى المادة 2/4 قاعدة عامة تقضى بعدم استخدام القوة المسلحة او التهديد باستخدامها فى العلاقات الدولية الا انه استثنى من ذلك استعمال القوة فى إطار نظام الامن الجماعى و ممارسة حق الدفاع الشرعى وفق ما جاء فى المادة 51 من الميثاق، وبما ان دولة اتسرائيل تدعى انها هاجمت لبنان فى اطار حقها فى الدفاع الشرعى فاننا سنقوم بتحليل نص المادة (51) من الميثاق والتى جاءت على النحو التالى

(ليس فى هذا الميثاق ما يضعف او ينقص الحق الطبيعى للدول فرادى او جماعات فى الدفاع عن انفسهم اذا اعتدت قوة مسلحة على احد أعضاء الأمم المتحدة وذلك الى ان يتخذ مجلس الامن التدابير اللازمة لحفظ السلم والامن الدوليين)

أوضحت تلك المادة ان الشرط الوحيد لاستعمال حق الدفاع الشرعى هو اعتداء قوة مسلحة على احد اعضاء الامم المتحدة، وبتجاوز ان ليس هنالك قوة مسلحة اعتدت على اسرائيل وان اسرائيل قد مارست حق الدفاع الشرعى بموجب نظرية الحرب الاستباقية التى ارساها الرئيس الامريكى الاسبق جورج بوش بالرغم من انتقادها من معظم فقهاء القانون الدولى الا ان اسرائيل لم تؤكد للمجتمع الدولى بان هنالك مصنعا لتصنيع الصواريخ الدقيقة داخل الضاحية الجنوبية لبيروت وان ما قالته فى هذا الخصوص لا يعدو ان يمون مجرد ادعاءات نفاها حزب الله فى حينها .

بغض النظر عن ما اذا كانت ادعاءات اسرائيل صادقة ام كاذبة فان حزب الله قد تجاوز النتائج القانونية المترتبة على هذا الاعتداء وذهب مباشرة الى الرد العسكري علىه ليغير قواعد الاشتباك الموجودة فى القرار رقم 1701م وبهذا فان الفعل ورد الفعل قد اكتملا تماما ويبقى السؤال الكبير، هل سيكتفى الطرفان بتلك العملية وتتغير بذلك قواعد الاشتباك ويفقد القرار 1701م وجوده؟ ام انها مجرد عملية خاطفة منفردة سيعود الطرفان بعدها اى الالتزام بمحددات القرار 1701م ؟

يرى بعض المراقبين ان قيام نتنياهو بهذا الهجوم فى هذا الوقت اراد ان يرسل من خلالها عدة رسائل الى عدة جهات، اولى تلك الرسائل أراد توجيهها الى ايران ويقول لها نحن قادرون على ضرب زراعكم فى لبنان فى اى وقت وفى اية جهة لاعتقادها بان ايران هى المحرك الرئيسي لكل ما يقوم به حزب الله من ادوار، والرسالة الثانية ارادت توجيهها الى الداخل الاسرائيلى وهو يتوجه بعد ايام الى صناديق الاقتراع ويقول له انا الشخص الوخيد القادر على حمايتكم من صواريخ حزب الله وبالتالى فانا الاقدر على نشر الامن فى داخل لااسرائيل. ويرى – ايضا - بعض المحليين ان الاعتداء على لبنان جاء بايحاء من ترامب الى نتنياهو للقيام بدور ما فى تضييق الخناق على ايران ومنعها من نشر الارهاب الدولى فى العالم كما يعتقد ترامب

على كل فان حسابات الربح الخسارة فى ذلك الهجوم يحددها مدى التوازى الذى يحققه حزب الله اللبنانى مع دولة اسرائيل من حيث القوة السياسية والقوة العسكرية

ليس سرا ان لاسرائيل قوة هائلة لا تقاس بحجم الدولة فمن الناحية السياسية فهى ترتكز على دعم لا محدود من الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاروبى وهما قوتان عظيمتان من النواحى السياسية والعالم كله يرى ويسمع عن تصرفات اسرائيل فى مجال السياسة الدولية وعلاقات القانون الدولى فهى تتصرف فى هذا المجال بما يوحى انها فوق القانون ويؤكد هذا تعدياتها المستمرة على الفلسطينيين سواء فى نواحى التمدد الاستيطانى او القتل خارج دائرة القانون وكلها افعال ممنوعة فى القانون الدولى . اما من الناحية العسكرية فان اسرائيل تمتلك اكبر واحدث ترسانة قتالية هذا من اجل حفظ توازن القوى فى منطقة الشرق الاوسط وهذا التوازن يضع على عاتق الولايات المتحدة التزام تفوق اسرائيل من النواحى العسكرية على الدوام هذ كله فضلا عن الترسانة النووية التى تنكرها اسرائيل بالرغم من علم كل العالم بها .

بعقد مقارنة بسيطة بين اسرائيل وحزب الله نجد التفوق الاسرائيلى الكبير على حزب الله من الناحيتين السياسية والعسكرية ومع ذلك فان نتنياهو يكاد ان يطير فرحا لان حزب الله شن هجوما داخل اسرائيل ولكنه لم يصب احد بسوء. فحزب الله بالرغم من صغر حجمه وضعف امكانياته بالنسبة لاسائيل الا انه يمثل بعبعا يرتعد منه نتانياهو ويجعله يتبسم وهو يعلن ان حزب الله لم يحدث إصابات فى الأرواح وهو لا يعلم ان مجرد تنفيذ الحزب ضربة داخل اسرائيل فيه نصر كبير ليس لانه

استطاع احداث الهجوم فقط ولكنه استطاع ان يكسر حاجز الرهاب الذى تعيش فيه الامة العربية تماما كما كسر ذلك الحاجز الرئيس انور السادات فى حرب 1973م وازاح اسطورة الجيش الذى لا يقهر.

لعل بنيامين ناتنياهو فى حالة سرور لانه تجاوز تغيير قواعد الاشتباك مع خزب الله بقتله عنصرين من عناصر الحزب وتدمير موقع لتصنيع الصواريخ الدقيقة كما يزعم، مقابل تدمير ألية اسرائيلية واحدة ولكن حزب الله استطاع ان يزيح وهم التفوق الاسرائيلى الذى يفترض عدم الاقتراب من الحدود كما انه اوضح للاسرائليين ان صواريخه يمكن ان تصل الى عمق العمق الاسرائلى وهو اكثر ما يخشاه الشعب الاسرائيلى الذى وضعه نتنياهو تحت دائرة الخوف من فقدان الامن ليجلس هو على كرسى الحكم

لعله من المناسب ان نشير هنا ما يعتقده بعض المحللين من نتنياهو ربما يكون قد سعى لهذا الهجوم لتعزيز موقفه الانتخابى لانه يعلم ان الشعب الاسرائلى يبحث عن من يحقق له الأمن فى مواجهة التنظيمات التى يسميها ارهابية وان هذه التظيمات تسبب رعبا دائما لذلك الشعب بالرغم من صغر ححمها وضعف امكانياتها خاصة وان مثل اصطناع تلك المواجهات قد تكرر اكثر من مرة خاصة عندما تقبل اسرائيل على استحقاق انتخابى ما، فالي متى يظل الاسرائليين يعيشون مرمى صواريخ حزب الله والماقومة الفلسطينية المسلحة ؟ والى متى سيظل نتانياهو منهمكا فى صنع امجاده على اشلاء شعبه ولا نقول اشلاء الشعب العربى لان للعرب فى فلسطين ولبنان والعراق غيرها ثمن لا بد ان يدفعوه حتى تتحر ارض فلسطين كلها من دنس الاحتلال.

 

ناجى احمد الصديق - السودان

 

ابراهيم أبراشفي ظل استمرار الاحتلال والحصار والانقسام وانغلاق أفق الحل السياسي وتوقف الفصائل الفلسطينية عن مقاومة الاحتلال وغياب مشروع وطني موحد، كل ذلك يوفر بيئة مناسبة للفتنة والحرب الأهلية .

مع أننا نتمنى أن تكون التفجيرات الأخيرة في غزة والناتجة عن عمليات انتحارية كما قالت أجهزة حماس مجرد حدث طارئ، إلا أن السياق العام  لمجريات الأحداث والتحولات الثقافية والمجتمعية والسياسية منذ سيطرة حماس على القطاع بالإضافة إلى الوضع العربي والإقليمي وانغلاق أفق المصالحة والتسوية السياسية كلها تشي بعكس ذلك وتنذر بأوقات عصيبة قادمة لسكان القطاع، بل ما هو أكثر من ذلك كاستغلال إسرائيل لهذه الأحداث لتغيير المعادلة السياسية في غزة مع الحفاظ على الفصل بين غزة والضفة .

 كانت الثورة الفلسطينية ومقاومتها للاحتلال البوتقة التي تصهر الشعب الفلسطيني بكل انتماءاته الجهوية والمناطقية والحزبية وتوظفها لخدمة المصلحة الوطنية، ففي قواعد الثورة الفلسطينية في الأردن ولبنان وسوريا وخلال الانتفاضتين تجسدت الوحدة الوطنية بين كل الأحزاب بغض النظر عن أصول منتسبي كل حزب، بحيث كان أبن الضفة مع أبن غزة مع فلسطينيي الداخل والشتات، اليساري والوطني والإسلامي والقومي، اللاجئ والمواطن والفلاح والبدوي، يتشاطرون نفس الموقع ونفس الهدف واختلطت دماؤهم على أرض المعارك وتشاطر شهداؤهم نفس المقابر كما تشاطر أسراهم نفس السجون وجرحاهم نفس المعاناة .

مع تراجع استراتيجية الاشتباك مع العدو، وهي حالة بدأت مع قيام السلطة وتواصلت مع حركة حماس بتوقيعها اتفاقية هدنة، ومع فقدان ثقة المواطنين بالسلطتين وبالأحزاب تفشت العائلية والعشائرية وتشرذم المجتمع حسب الأصول والمدن والقرى وأصبح كثيرون وخصوصاً من الذين انخرطوا بالعمل الوطني طلباً لمصلحة ومنفعة أو للشهرة يبحثون عن انتماءات وهويات فرعية صغيرة يمكنهم من خلالها أن يكونوا قادة مشهورين حيث فشلوا أن يكونوا كذلك على المستوى الوطني .

فهذا ابن قطاع غزة منشغل بهموم ومشاكل القطاع وبحماس وسلطتها ويرى في رفع الحصار وتحسين المستوى المعيشي من كهرباء وعمل الأولوية على الهم الوطني العام، وذاك أبن الضفة مهموم ومتخوف من الاستيطان والمستوطنين والحواجز والاعتقالات، ومستاء من السلطة وممارساتها والقروض البنكية واستحقاقاتها، وأبن القدس بات يشعر وكأن الجميع تخلى عنه وبات شغله الشاغل كيف يحافظ على أمنه الشخصي وبيته وهويته الوطنية .أما اللاجئون سكان المخيمات فأصبحوا وكأنهم عالم مختلف وأصبح المخيم وكأنه دولة داخل دولة، وهذه الظاهرة موجودة وربما بشكل أكثر حدة في قطاع غزة ولكنها مستترة والكل يتجنب الحديث عنها علنا ولكنها تمارَس في بعض المؤسسات والجامعات وتقف خلف كثير من المشاكل .

لم يتوقف الأمر على ذلك بل مع تراجع المصالحة ووقف المقاومة التي كانت توحِد وتجمع من حولها الشعب أطلت الفتنة  برأسها، وكرة الانقسام المتدحرجة مست أيضاً الأحزاب، فتنظيم حركة فتح أصبح تنظيمين إن لم يكن أكثر، وحالات انشقاقات تتزايد داخل حركتي الجهاد الإسلامي وحركة حماس، وأحزاب اليسار تتآكل وتتشرذم، ومؤشرات خلاف بين الجهاد الإسلامي وحركة حماس، ومنظمة التحرير الفلسطينية تراوح مكانها وكأن لا أحد يريدها حتى أهلها، كل ذلك عزز ظاهرة صناعة أعداء داخليين لإخفاء الفشل في مواجهة العدو الرئيسي .

في مثل هكذا بيئة سياسية واجتماعية وأوضاع اقتصادية نبتت جماعات متطرفة تزعم أنها حركات جهادية وأن من حقها مجاهدة إسرائيل ما دام الآخرون توقفوا عن الجهاد !، ووجدت مزاعم هذه الجماعات قبولاً عند البعض وخصوصاً من المستاءين والغاضبين من التنظيمات الجهادية التي أوقفت جهادها،  كما لا نستبعد أن بعضها وجدت دعماً وإسناداً من أطراف خارجية بما فيها إسرائيل، فإذا كانت واشنطن وحلفاؤها صنعوا القاعدة وداعش فلماذا نستبعد أن تصنع إسرائيل دواعشها والأمر لا يحتاج إلا بعض المال والسلاح وشباب محبط وفقير وبعضهم ساقط أمنياً ! .

الجماعات الأصولية المتطرفة التي تقف وراء التفجيرات الأخيرة وبغض النظر عن مسماها، داعش أم القاعدة أم تشكيل جديد، عناصرها فلسطينيون وليسوا مستوردين من الخارج كما هو الحال مع المنخرطين في داعش والقاعدة في سوريا والعراق وليبيا الخ، وهذا يعني أنهم تربوا واكتسبوا ثقافتهم الدينية والسياسية من البيئة التي يعيشون فيها، وهي بيئة تراجع المشروع الوطني التحرري وضعف الانتماء الوطني وفشل الأحزاب وغياب القدوة القيادية، إلا أن حركة حماس بفكرها وثقافتها الدينية تتحمل المسؤولية الأكبر قبل غيرها حيث كفرت وأحلت دم أبناء الشعب والعاملين في الأجهزة الأمنية للسلطة،  وسكتت عن هذه الجماعات بداية لأنها اعتقدت أنهم حلفاء لها في مواجهة منظمة التحرير والوطنيين والعلمانيين، وأن هذه الجماعات ومعها حركة حماس والجهاد الإسلامي يشكلون المشروع الإسلامي العالمي  .

إذا ما استمر قطاع غزة محكوماً بسلطة حماس الدينية، وإذا ما استمرت حماس في توظيف ورقة الدين وفي اصدار الفتاوى جزافاً لتُكَفر هذا وتُحرم ذاك، فستجد من يعارضها ويُنكر عليها احتكار المجال الديني واحتكار الحق بالمقاومة، والحل يكمن في سلطة ومرجعية وطنية واحدة وموحدة في الضفة وغزة، وإذا كانت المصالحة غير واردة ولا محيص عن الانقسام، فلتكن سلطة وطنية في قطاع غزة تقطع الطريق على كل من يريد توظيف الإسلام لخدمة أغراض حزبية مشبوهة، ولتكن هذه السلطة الوطنية في غزة بداية وعاملاً مساعداً للمصالحة الوطنية .

 

إبراهيم أبراش

 

 

علاء اللاميقبل أن نبدأ بتفاصيل الجزء الثاني من هذا الملف، أود التعبير عن قناعتي التالية، والتي عبرت عنها في تعقيب على صفحة أحد الأصدقاء الأعزاء: لا أعتقد أن هناك علاقة للجانب الديني للمرجعيات وإدارات العتبات الدينية والهيئات الشيعية أو السنية بموضوع الرقابة ومكافحة الفساد فلا أحد طالب أو سيطالب بتدخل الدولة في التخصصات والمشمولات الدينية أو الفقهية لهذه الجهات والهيئات والمرجعيات الدينية، ولكن هذه الجهات هي التي أقحمت نفسها في النشاط الاقتصادي، التجاري والصناعي والنقل الجوي والبري والمصارف والكليات والجامعات وبهذا فإنها خرجت عن صفتها وتخصصاتها الدينية وأصبحت مؤسسات اقتصادية لها مالها وعليها ما عليها من ضرائب ومراقبة وغير ذلك، أما أن يكون من حقها النشاط وكسب الأرباح فقط دون رقابة أو ضرائب أو سيطرة للدولة فهذا أمر غير صحيح ومدمر للدولة والمجتمع وللجهات الدينية ومرموزاتها الروحية المعروفة. ربما تعرف رأيي الشخصي بهذا الخصوص وهو أنني أرفض أي تدخل من الدولة في شؤون الهيئات الدينية، مثلما أرفض تدخل الهيئات والشخصيات الدينية بصفتها شخصيات اعتبارية وليس كمواطنين عاديين في الشأن السياسي العام، ولكن حين تصبح رائحة الفساد في مؤسسات اقتصادية تابعة للهيئات الدينية لا تطاق، وتصل ملفاتها الى المحاكم والرأي العام فيجب أن تتدخل الدولة، طبعا هذا في حال وجود دولة وليس دويلات كما هي الحال في عراق اليوم. إن عدم تدخل الدولة سيعني نشوء دويلات مستقلة في هيئة "إقطاعيات دينية" في داخل الدولة الرسمية وينجم عن هذا الإقحام  تضخم في رأسمال وكوادر وبيروقراطية تلك الهيئات والمشاريع الدينية التجارية وهذا أمر لم يحدث في كل تاريخ الدولة العراقية القديمة والحالية ولا في تاريخ التشيع العراقي وغير العراقي!

لنعد إلى موضوع الوقف الشيعي لندرج هذه المقتبسات من تقارير كثيرة بهذا الخصوص، فقد أكدت لجنة النزاهة البرلمانية، في سنة 2016 وجود شبهات فساد كبيرة وهدر مالي في ديوان "الوقف الشيعي" في العراق، استمرارا لمسلسل الفساد المالي والإداري المستشري في العراق. قال مقرر اللجنة جمعة البهادلي في تصريح له (إن هناك أكثر من عشرة ملفات فساد تخص الوقف الشيعي أحيلت إلى هيئة النزاهة تضمنت شبهات فساد مالي وإداري). وكان النائب كاظم الصيادي قد اتهم رئيس الوقف الشيعي علاء الموسوي (وكان يعرف باسم علاء الهندي سابقا) بتزوير شهادة تخرجه وأكد أنه لم ينل حتى شهادة الدراسة الإعدادية، وأنه حصل على منصبه الحالي بشهادات مدرسية وجامعية مزورة.

وتحدثت تقارير تلفزيونية / رابط"1" عن صرف 66 مليون دينار من قبل الوقف الشيعي وبتوقيع رئيسه علاء الموسوي على احتفال وهمي لا وجود له، وعن صفقة شاي "63 طنا" استوردت من أموال الوقف لتوزع على المواكب الحسينية ولم يوزع منها شيء. وقد فشلت محاولة لاستدعاء الموسوي واستجوابه من قبل مجلس النواب بصفته رئيس هيئة رسمية تابعة للدولة هي الوقف الشيعي.

*تجدر الإشارة إلى أن رئيس الوقف الشيعي السابق حسين الشامي أقيل من منصبه على خلفية تهم فساد أخرى تتعلق بشراء أراضي جامعة البكر سابقا لتتحول إلى جامعة "الإمام جعفر الصادق" لتكون تابعة للوقف الشيعي وبثمن زهيد بلغ مليون دولار بينما قيمتها الحقيقية 800 مليون دولار، وقد بيعت أراضي الجامعة للشامي من قبل وزارة الدفاع. ومعلوم أن إغلاق وإنهاء وجود هذه المؤسسة العلمية العسكرية "جامعة البكر للدراسات العسكرية" ومصادرة أرشيفها وبنيتها التحتية، كان من أول قرارات الحاكم المدني الأميركي للعراق المحتل بول بريمر ضمن سلسلة قراراته للإجهاز على الدولة العراقية ومؤسساتها وخاصة العسكرية ومنها حل الجيش وإلغاء هذه الجامعة.

وبصدد ملكية أراضي هذه الجامعة نعلم أن المحكمة الاتحادية العليا كانت قد أصدرت أمرا قضائيا سنة 2011 يوجب إرجاع الجامعة الى ممتلكات الدولة. 

تقع الجامعة في منطقة الوزيرية وسط بغداد، وتبلغ مساحتها 13 ألف متر مربع وقد بيع المتر المربع الواحد بألف دينار أي أقل من دولار واحد!  وبدورها ألغت محكمة التمييز بيع جامعة "البكر" إلى حسين بركة الشامي "2". وقد أقيل الشامي من منصبه كما قيل، ولكنه أصبح "مستشارا ثقافيا" لرئيس الوزراء نوري المالكي ثم اختفى وسافر إلى بريطانيا في ما بعد دون أن يُتخذ بحقه أي إجراء قضائي أو حكومي ولا يعرف حاليا ماذا حل بجامعة البكر للدراسات العسكرية سابقا "جامعة الإمام جعفر الصادق" لاحقا!

* ومن تقرير إخباري نشرته صحيفة "العالم الجديد" تحت عنوان (بالوثائق: رئيس الوقف الشيعي يعين خمسة أصدقاء كـ "خبراء" بـ300 مليون دينار سنويا) رابط "3" نقدم هذه الخلاصات عن الفساد في الوقف الشيعي:

1- حصلت الصحيفة على وثائق صادرة بتاريخ 13 تموز يوليو الماضي، وتوقيع رئيس ديوان الوقف الشيعي (المؤقت) علاء عبد الصاحب الموسوي المعروف بـ(الهندي) تقضي بتعيين كل من الشيخ محمد جبر علوان الكعبي، والشيخ ستار جبار سلمان الجيزاني، والشيخ طاهر جهلول اشيرم الخاقاني، كخبراء ويضيف المصدر من داخل ديوان الوقف الشيعي أن "الموسوي (الهندي) لم يكتف بذلك بل عين خبيرا ماليا وهو يسكن دولة الامارات، فيما عين أيضا مستشارا قانونيا بنفس مقدار الراتب لكليهما". هؤلاء "الخبراء" يكلفون الدولة سنويا 300 مليون دينار كرواتب فقط.

2- إن "رئيس الديوان سكن بعد تعيينه، في بيت بالجادرية وسط بغداد، وصرف على ترميمه 18 مليون دينار من أموال الوقف، الا أنه تحول الى منزل فخم وصف بالقصر، وقام بسحب سلفة مقدارها 150 مليون دينار لترميم ذلك البيت من أجل سكنه، في حين ان حالة البيتين لم تكن بحاجة الى هذا الترميم".

3- يتمتع رئيس الوقف بامتيازات ومخصصات منها حمايات وسيارات، ونثرية (مصاريف الأكل والشرب) قد تصل الى 40 مليون دينار شهريا".

4- يشار الى أن ملفات الفساد في ديوان الوقف الشيعي لم تفتح لغاية الآن على الرغم من "هدر" المليارات خلال الأعوام الماضية على ترميم الجوامع والحسينيات، ومن دون أية متابعة أو مراقبة تذكر.

* فيديو: الموسوي يعترف بوجود مشاكل فساد في مشاريع الوقف الشيعي ويصفه بأنه فساد غير مقصود بل ناتج عن الغفلة وسوء فهم القوانين العراقيين وحين سأله المذيع أن يذكر بعض الأمثلة رفض ذلك/ رابط "4".

* هل قُتل القاضي عزت توفيق جعفر؟ صرح القاضي عزت توفيق جعفر رئيس هيئة النزاهة للصحافة قائلا: كشفنا 270 مشروعا متلكأ في محافظة كربلاء وسيكون عام 2019 عام المساءلة والمحاسبة وكشف الأدوار والمسؤوليات. ومن بين المشاريع التي أشار إليها القاضي جعفر مطار كربلاء وقال القاضي إنه يستعد لنشر تقرير يفضح الفاسدين في شهر آذار القادم وبعد هذا الإعلان زار القاضي العتبة الحسينية فسارع امين العتبة العام مهدي الكربلائي الى إصدار بيان أكد فيه دعمه لجهود محاربة الفساد. وفي تسجيل فيديو رابط "5" قال القاضي جعفر متحدثا إلى الصحافة: إن منظومة الفساد أصبح لها استراتيجيات ولها خطط ولربما تصل إلى مستويات تكون فيها أقوى من الأجهزة المعنية بمكافحة الفساد ولها من القدر على التأثير والتغير أكثر من أجهزة مكافحة الفساد. ولكن القاضي لم يتمكن من إصدار تقريره الكاشف للفساد والفاسدين وتقديمه الى الهيئات القضائية المعنية لأنه قتل في حادث سير مروري قبل تقديم تقريره!

ومن تطورات ملف الوقف الشيعي ورئيسه علاء الموسوي الأخيرة، ما قيل عن محاولة اعتقال علاء الموسوي في شهر تموز الماضي (من قبل قوة أمنية مكونة من 18 عجلة حضرت الى قاطع المسؤولية ضمن محلة 915 قرب جامع عاتكة، وتم مداهمة دار يسكن به رئيس الوقف الشيعي علاء الموسوي واضافت ان "القوة قامت بتفتيش الدار واعتقال الموسوي، فيما ذكرت مصادر صحفية ان "القوة حضرت الى منزل الموسوي، ولم يكن متواجدا فيه)، رابط لوكالة السومرية/ رابط "6".

وفي اليوم التالي قالت الأنباء إن قوات مجهولة الهوية اقتحمت دار الضيافة التي يسكنها الموسوي وجردت حراسها من أسلحتهم وفتشت الدار ثم انسحبت، وصرح الموسوي بعد ذلك فوصف القوة المداهمة بأنها من المجموعات المسلحة السائبة" وأضاف (إن  ما حصل تجاوز على مفصل حساس ويمت إلى المرجعية والناس ونحن ننتظر نتائج التحقيقات من الحكومة، وقدمنا شكوى للحكومة والجهات المعنية) رابط "7". وقد سارعت الجهات الحكومية الى التبرؤ من هذه العملية الأمنية وأمر عادل عبد المهدي بفتح تحقيق عاجل حول ما حدث. وزار وزير الداخلية طاهر الياسري رئيس الوقف ليطمئن عليه ويطمئنه الى استمرار التحقيق في ما حدث، رابط "8". وأصدر عمار الحكيم بيانا شديد اللهجة طالب فيه بإلقاء القبض على عناصر القوة المداهمة! وبعد أربعة أيام على الحادثة صدر تصريح من قيادة الحشد الشعبي استنكرت فيه عملية المداهمة وقالت إنها (أصدرت أوامرها فور حدوث الأمر الى مديرية أمن الحشد للتنسيق مع الأجهزة الأمنية المتخصصة لملاحقة الفاعلين وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للقضاء) رابط "9" ولم يتم الإعلان لاحقا عن اعتقال أحد او عن الجهة التي قامت بعملية الاقتحام والمداهمة لدار ضيافة رئيس الوقف الشيعي علاء الموسوي "الهندي سابقا".

 

علاء اللامي

......................

* الصورة الأولى لكتاب تعيين خبير في مجال التوجيه العقائدي والديني ودعم الحشد العشبي بتوقيع رئيس الوقف الشيعي علاء الموسوي.

* الصورة الثانية لوزير الداخلية طاهر الياسري زائرا رئيس الوقف الشيعي بعد مداهمة دار الضيافة الخاصة برئيس الوقف.

* روابط بمصادر الجزء الثاني:

1- فيديو عن أخبار صفقات الشاي والحفلات الوهمية بتوقيع علاء الموسوي:

https://www.youtube.com/watch?v=INu2canXunw

2- رابط مقالة لعلي عجيل منهل تتحدث عن قرار المحكمة الاتحادية والتمييزية لإبطال عقد بيع وشراء جامعة البكر للدراسات العسكرية 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=277319&r=0

3- رابط التقرير الصحافي لصحيفة " العالم الجديد"/ بالوثائق: رئيس الوقف الشيعي يعين خمسة أصدقاء كـ "خبراء" بـ300 مليون دينار سنويا

https://al-aalem.com/news/18561-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D9%86-%D8%AE%D9%85%D8%B3%D8%A9-%D8%A3

4- فيديو يعترف فيه رئيس الوقف الشيعي الشامي بوجود فساد غير مقصود في الوقف اشيعي:

https://www.youtube.com/watch?v=HLaZ8QtOqok

5- فيديو لخطاب رئيس هيئة النزاهة التي قتل في حادث سير قبل تقديمه لتقريره حول الفساد والذي قال فيه (الدقيقة الرابعة و20 ثانية) إن منظومة الفساد أصبح لها استراتيجيات ولها خطط ولربما تصل إلى مستويات تكون فيها أقوى من الأجهزة المعنية بمكافحة الفساد:

https://www.youtube.com/watch?v=C8dmeyyvypY

6- مجهولون يهاجمون مقر الوقف الشيعي وعبد المهدي يفتح تحقيقا بذلك:

https://www.alsumaria.tv/news/%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA/311046/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D8%B5%D9%84-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%88%D8%B2-%D9%88%D9%86%D9%86%D8%AA%D8%B8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86

7- أنباء عن محاولة اعتقال رئيس الوقف الشيعي في شهر تموز الماضي ولكنه لم يكن موجودا.

https://www.alsumaria.tv/news/%D8%A3%D9%85%D9%86/310938/%D8%A7%D9%86%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A

8- رابط تقرير عن زيارة وزير الداخلية لعلاء الموسوي

https://www.nasnews.com/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D8%AB%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%8A/

9- وزير الداخلية يزور رئيس الوقف الشيعي والحشد يتبرأ من المجموعة التي هاجمت دار الضيافة التابعة للوقف الشيعي:

https://www.nasnews.com/%d8%a8%d8%b9%d8%af-4-%d8%a3%d9%8a%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d8%ab%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b4%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%8a-%d9%8a%d8%b9%d9%84%d9%82/

 

محمد ابو النواعيرعادة ما يقوم مديرو أجهزة الإعلام بوضع أسس عملية تداول "الصور والمعلومات"، ويشرفون على معالجتها وتنقيحها وإحكام السيطرة عليها، تلك الصور والمعلومات التي تحدد معتقداتنا ومواقفنا، بل وتحدد سلوكنا في النهاية. وعندما يعمد مديرو أجهزة الإعلام إلى طرح أفكار وتوجهات لا تتطابق مع حقائق الوجود الاجتماعي، فإنهم يتحولون إلى سائسي عقول. ذلك أن الأفكار التي تنحو عن عمد إلى استحداث معنى زائف، وإلى إنتاج وعي لا يستطيع أن يستوعب بإرادته الشروط الفعلية للحياة القائمة أو أن يرفضها، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي، ليست في الواقع سوى أفكار توظف من أجل تضليل الوعي المجتمعي تجاه قضية محددة.

التقرير الذي طرحته قناة الحرة في 31 آب، مثل نمطا واضحا وجليا من أنماط التضليل السياسي والإعلامي، حيث تجلت خباثة القائمين على البرنامج بشكل واضح ومنذ بداية البرنامج، عندما اظهروا مسيرة لمعممين شيعة، خارجين في تظاهرة سلمية، ومعها صوت لرجل دين سني يقول فيه (انتشر الفساد في كل مفاصل الدولة)! وهي محاولة واضحة وجلية في خبثها وقصديتها لتسقيط العمامة الشيعية، حيث اعتمد أصحابها على مبدأ تداعي المعاني الذي سيصاب به المتلقي للرسالة الإعلامية.

إن تبني ما طرحه هذا الشيخ السني، الذي ادعى بأن في كل جامع فساد، هو أمر مجروح في صحته وموضوعيته، إذ من هو هذا الشيخ؟ وما هي المصادر الموضوعية لمعلوماته واتهاماته، ليتهم أكثر من 10000 آلاف مسجد وجامع وحسينية ودار عبادة، بأنها مملوءة فساد؟ وهل يحق لقناة الحرة أن تبتني إعلامها الاستقصائي على مثل هذا النوع من الإدعاءات الغير موثقة، والغير موضوعية؟

أين القرائن على إدعاءاته؟ هل يكفي ادعاء شخص واحد لتتبناه قناة الحرة، معتبرة إياه دليلا ؟

إلا إذا كان لإظهار كلام هذا الشيخ، وإدعاءاته هذه في مقدمة البرنامج، هدفا آخر، وهو تهيئة ذهن المتلقي إلى وجود فساد في العتبتين المقدستين، متبعين لمنهجين من مناهج التضليل الإعلامي، وهما منهج التشويه بالإضافة، ومنهج التشويه بالتحريف !

ومع أن القائمين على البرنامج قد جمعوا في نقدهم لرجال دين سنة وشيعة، وقدموا السنة على الشيعة، إلا أن المتتبع الحصيف سيرى بأن تقريرهم عن السنة كان بسيطا ويذكر شخصيات هامشية في الحياة السنية، بينما نجد أن دسومة وعمق التضليل الإعلامي، تجلى بأوضح معانيه في التقرير المتعلق بالجانب الشيعي، المتعلق بالعتبات المقدسة التي تقودها المرجعية الشريفة في العراق، حيث ربطوا ذهن المتلقي بشكل غير مباشر بين نقد إدارة العتبة، وبين فكرة أن المرجعية هي المسئول الأهم في إدارتها، والتصرف بأموال الوقفية العائدة لها، موحين للمتلقي بـأنها منتفعة بشكل شخصي من هذه الأموال، ثم عرجوا مطولا على المشاريع الخدمية الكبيرة التي قامت بها العتبتين بتوجيه من المرجعية الشريفة، وعلم ومتابعة دقيقة من قبلها، ومن ثم عرجوا على فرق المتطوعين من الحشد الشعبي في فرقة العباس القتالية، من الذين ضحوا بأرواحهم وبذلوا الغالي والنفيس من أجل حماية تراب الوطن وعرض نسائه من هجمات العصابات الإرهابية المجرمة لداعش، بينما حاولت القناة في توصيفاتها الخبيثة، أن تعطي إيحاءات بأنها قوات عسكرية مشابهة للمليشيات المسلحة المنفلتة !

ومما يجدر الإشارة له أن تقديمهم للتقرير السني كان الهدف منه أيضا ما يحويه من تقارير رسمية كثير تثبت فساد بعض رجال الدين السنة، وكثرة هذه التقارير وموضوعيتها القانونية، كانت هي أيضا أسلوبا آخر لتهيئة ذهن المتلقي وانفعالاته، وتعبئتها مسبقا بالحنق والغيض، حتى يصل الموضوع للعتبات المقدسة والمرجعية الدينية من خلفها، سيكون عندها ذهن المتلقي جاهزا (انفعاليا)، لكي يتلقى أي تهمة، حتى بدون أي أدلة أو وثائق يعتد بها .

وإذا عرجنا إلى ما طرحه المدعو غيث التميمي، القيادي المليشياتي السابق في جيش المهدي، والمتهم بالعديد من عمليات القتل والتهجير القسري في الحرب الطائفية، نجده قد أشار إلى أن الأحزاب السياسية، تمتاز بالضعف أمام سطوة المؤسسة الدينية، وذلك بسبب فساد هذه الأحزاب! وحقيقة لا أعلم ما هو الترابط بين الاثنين، وهل أن هناك مصاديق لهذه السطوة التي يدعيها غيث ضد المؤسسة الدينية (كأن تكون سطوة قضائية، أو عسكرية، أو اجتماعية، أو اقتصادية)، لكي تخافها الأحزاب السياسية؟ أوليس المرجعية الشريفة قامت بالتبرؤ أكثر من مرة من الفساد والمفسدين الموجودين بكثرة في الممارسة السياسية ؟ أوليس مطالبة المرجعية مرارا وتكرارا من الشعب كي يثور بوجه هؤلاء المفسدين ويقتلعهم، هو أفضل مصداق على كذب غيث بأن المرجعية ساكتة على فسادهم وتخوفهم بما تعلمه عنهم من هذا الفساد؟

في ملف العتبات الشيعية، يبدأ الموضوع بداية ساذجة مشخصة للإنسان النبه (ظهور شخص مخفي الوجه)، يسأل: أين تذهب أموال العتبتين !

ومن أنت يا أحمق لكي تسأل هذا عن أموال أو قضية تعود في مأذونيه التصرف فيها لمراجع الدين الكرام، لإنفاقها في قضايا وموارد ومواقف إما تتعلق بالحياة العامة الخدمية التي تمس حياة الناس، أو تتعلق بتطوير وتوسعة آليات ومؤسسات التبليغ الإسلامي والديني، ونشر مفاهيم أحكام الإسلام، ورفع راية لا إله إلا الله، من خلال بناء المدارس الدينية الوقفية، على امتداد مساحة العراق، أو الإنفاق على مؤتمرات وطباعة كتب، أو إنشاء مؤسسات خيرية ترفد الطبقات الضعيفة بموارد الكفاية وردع الفقر عنها، وغيرها الكثير .

إن جلب اثنين مجهولين يستطيع أي شخص جلبهم من أي مكان، بدعوى أنهم ناشطين مدنيين (وغالبا ما يطلق مصطلح ناشطين مدنيين لدينا، على فئة من الناس لديهم مواقف عداء وحنق وغيض مسبق، من أي حالة دينية، حتى لو كانت حالة دينية مقبولة في الأدبيات المدنية) لتجعلهم شهود في مثل هذا التقرير، لهو من أوضح طرق الاستخفاف بعقول المتلقين والتلاعب بها.

لا أعلم ما هي الصلاحية الممنوحة لقناة الحرة، لكي تتلاعب بوعي المتلقي بهذه الطريقة الفجة والسخيفة؟

أما في قضية المطبعة، واستثمارها في تحقيق واردات تعود لخزينة العتبتين، إضافة لذكر التقرير للكثير من المشاريع الخدمية والاستثمارية التي تقوم بها العتبتين، صراحة أستغرب كثيرا من أسلوب التحقيق والطرح المتهافت الذي اعتمدته الحرة في هذا الموضوع، وهي تغفل أو تستغفل المتلقين عن محورين مهمين تقوم عليهما مشروعية هذه المشاريع.

الأول أن هذه الأموال المستحصلة من العتبات هي أموال وقفية تنحصر مأذونيه التصرف فيها للحاكم الشرعي حصرا، وفكرة حصر مأذونيه التصرف في الأموال الوقفية بأذن الحاكم الشرعي، هو من الأمور التي تتعلق بالعقيدة الإسلامية الشيعية لأكثر من 65% من الشعب العراقي (حالها في ذلك حال أموال الخمس والزكاة التي يدفعها الفرد عن كامل رضاه وسروره للحاكم الشرعي، ليتصرف بها بما يراه من موارد ضرورة واحتياج)، فموارد إنفاق هذه الأموال على المشاريع الخدمية أو الاستثمارية، يندرج ضمن إطار نشاط القطاعات الخاصة، أي أنه لا يدرج في إطار ما يصطلح عليه إجمالي الناتج الوطني للدولة، فهي ليست مشاريع دولة، والمرجعية هنا، كمؤسسة خاصة (أي ليست مؤسسة حكومية)، هي المخول الوحيد بالتصرف في هذه الأموال واختيار نوع المشاريع وأماكنها بما يتلاءم مع أهدافها في خدمة المجتمع، وخدمة الوعي الديني والأخلاقي والثقافي فيه، فأنشأت المعامل والمصانع، وتقوم بعد ذلك باستثمار عائدات هذه المصانع في توسعة نشاطها الخدمي للمجتمع، أو توسعة نشاطها التوعوي الأخلاقي والديني، وصراحة يعد هذا الأمر من صميم واجبات المرجعية الدينية لدينا في الفقه الشيعي.

الأساس الثاني والذي يمنح المشروعية للعتبات المقدسة (كمؤسسة خاصة)، لإقامة مشاريعها الخدمية والاستثمارية (كقطاع خاص)، هي خضوع العراق لنظام السوق الرأسمالي الحر، أو ما يسمى بالسوق المفتوح، والذي يتيح لأي قطاع خاص لأي مؤسسة، إقامة المشاريع الخاصة، وتوفير العمل لأكبر عدد ممكن من الأيدي العاملة، مما يسهم في القضاء على أزمة البطالة، والتي أرهقت الدولة، بل أن تطور مثل هذا النوع من المشاريع، سيسهم في دفع عجلة الاقتصاد الحر، وإقامة تنمية مستدامة، تتطور بشكل مستمر .

ومن مفارقات البؤس والسطحية في تقرير الحرة، جملة أوردها مقدم التقرير، يراد لها أن تسهم في إتمام عملية التضليل الإعلامي، حيث يقول (أن أهالي كربلاء، يرون أن واردات هذه العتبات، تمثل الوجه الآخر لسطوة رجال الدين في العراق) !، أين هم هؤلاء الناس من أهالي كربلاء؟ هل حصل استبيان رسمي أخذت فيه عينة كبيرة من أهالي كربلاء (لا تقل في مثل هذا النوع من الاستبيان عن 5-10 آلاف شخص)، لكي يكسب إدعاء الحرة حينها المشروعية الموضوعية؟ خاصة وأن قناة الحرة والقائمين على عمل هذا التقرير، يتغاضون عن وجود عشرات الآلاف من أهالي كربلاء يمثلون أيدي عاملة محترمة، تتكسب من هذه المشاريع التي تقيمها العتبتين في زمن ضربت البطالة بأطنابها في كل مفاصل الحياة.

أما المداخلة السطحية للمدعو انتفاض قنبر، فهي تدرج أيضا وعلى نفس المنوال، ضمن أساليب التضليل الإعلامي، والمعتمد على مبدأ الشكية التضليلية، حيث يدعي أن العتبتين قد خرجتا عن إطارهما الديني، وأنها بدأت تقيم مشاريع، وتتصل بدول، وتتدخل بالسياسة وتنشأ قوى مسلحة! وهنا يؤخذ على كلامه المتهافت عدة مآخذ، الأول ذكرناه سابقا، من مشروعية توسع المؤسسات الخاصة في أي مجال اقتصادي أو استثماري، في ظل نظام السوق الحر، القائم على الانفتاح الاقتصادي الاستثماري.

أما في قضية الجناح العسكري، فالكل يعلم أن المرجعية الدينية كانت تمثل الراعي الأول في قضية الدفاع عن العراق ضد الإرهاب وداعش بعد أن عجزت الدولة، وانهيار الجيش واختراقه من قبل الإرهابيين، مع تخاذل واضح من قبل الجانب الأمريكي في مساعدة العراق حينها، للقتال ضد داعش (كما صرح بذلك هوشيار زيباري في لقاء تلفزيوني)، كل ذلك دفع المرجعية الشريفة للتصدي، والتدخل بكل الوسائل الممكنة، للحفاظ على العراق دولة وشعبا وأرضا، من الانهيار والدمار.

القضية المهمة التي أريد التنويه لها، هو أن انتفاض قنبر ومن يقف خلفه، يجهلون أو يتجاهلون، أن قضية تصدي المرجعية الدينية للقضية الاقتصادية والتثقيفية، والعسكرية الدفاعية (الظرفية- أي المتعلقة بظرف داعش، حيث أن الفصيل المسلح التابع للعتبة، قد جرى دمجه مع تشكيلات قوى الأمن العراقية، وهو خاضع للقائد العام للقوات المسلحة)، إنما نابع من فكرة أساسية في ديننا الإسلامي، والمذهب الشيعي بالأخص، وهي : أن الدين ورجل الدين، هما جزء أساسي من الحياة العامة، ولا يمكن إخضاع الوعي الإسلامي الشيعي، للمفهوم الغربي البائس، الداعي لفصل الدين عن السياسة، وإبعاد الدين عن الاهتمام بمشاكل الحياة العامة للناس (وهي الفلسفة التي يحاول مدعي المدنية والعلمانية –كقنبر وغيره- في العراق، جرها من مجتمعات نشوؤها الغربية، ومحاولة إسقاطها على المجتمع العراق، وفرضها علينا قسرا).

أخيرا، التقرير الصحفي الاستقصائي الناجح والمحترف، والحائز على كل مقومات الموضوعية، يتحرى الحقائق الدقيقة، سواء أكانت هذه الحقائق سلبا أو إيجابا، وتركيز الحرة في تقريرها، وبهذا الشكل الفج، على سلبيات (نسبة الكذب والتضليل فيها تجاوز الــ 97%)، إنما يدل على أن القضية مؤدلجة أمريكيا، وهدفها تسقيط الدين ورجاله، ووضع حد للتدخل الإيجابي للحوزة، في خدمة الشأن العام للمجتمع، ومن جانب آخر، فإن تضليل عقول البشر تعد (أداة للقهر). فهو يمثل أحد الأدوات التي تسعى الأطراف المغرضة من خلالها إلى (تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة)، مستغلين في ذلك تحول قسم كبير من السكان إلى عناصر فعالة (من الوجهة الإمكانية) في العملية التاريخية، حيث أن التضليل الإعلامي يسمح بالمظهر الخارجي للانخراط النشط، بينما يحول دون الكثير من الفوائد السيكولوجية للمشاركة الأصلية .

 

د. محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية/ المدرسة الأمريكية المعاصرة في السياسة.

 

علاء اللاميمن عادات العراقيين الشعبية الموروثة تشاؤمهم من رؤية الكلب الأسود والتطير منه، وأحيانا يصفون من يكرهونه به. يبدو أن هذه العادة قد انتقلت إلى اللغة والعقلية السياسيتين في عراق دولة المكونات التابعة فالبعض أصبح يُقيِّم الأحداث والمواقف والشخصيات بموجبها تقريبا، حتى كادت هذه العادة إلى نظرية سائدة في السياسة العراقية اليوم. شاهدت قبل قليل لقاء على قناة الشرقية - التي بالمناسبة يشتمها أغلب الساسة الشيعة ولكنهم يركضون إليها على الأربع لإجراء اللقاءات والتصريحات- مع النائبة حنان الفتلاوي المستشارة الجديدة لشؤون المرأة لدى رئيس مجلس الوزراء عادل بعد المهدي. وعند سؤالها عن الفرق بين العبادي وعبد المهدي فضلت السيدة الفتلاوي الثاني على الأول. وقالت في تعليلها لهذا التفضيل ما معناه أن العبادي كان مشؤوما حتى المياه في الأنهار غاضت وانحسرت في فترة حكومته، أما في عهد السيد عبد المهدي فقد فاضت الأنهار وعاد الفلاحون في العراق إلى زراعة الشلب "الرز" لوفرة المياه.

السيدة المستشارة ذكرت بعض مثالب العبادي وحكومته ومنها تراكم القروض والمشاريع الفاشلة وعدم مكافحة الفساد وهي محقة في ذلك، ولكنها قفزت على حقيقة أن القروض الأجنبية وديون العراق تضاعفت في زمن رئيسها السيد عبد المهدي، وأن المشاريع في عهده اتخذت طابعا تخريبيا خطيرا وضع العراق على كف عفريت إمبريالي معروف، ومنها مثلا خط أنابيب تصدير النفط من البصرة الى العقبة على مرمى حجر من دولة العدو الصهيوني، وبعيدا عن أي سوق دولي لبيع النفط أو مرفأ يؤدي إليه وكأن الهدف الوحيد من هذا الخط الضخم هو إيصال النفط العراقي الخام إلى حيث يحلم الإسرائيليون، وعبر دولة الأردن التي ترتبط بمعادة "سلام" مع هذه الدولة العدوة. ومشروعه لتفعيل مشروع الربط السككي مع إيران والكويت ومشاريع فتح الحدود العراقية أمام المواد "الزبالة" المستوردة دون رسوم كمركية وبناء مناطق لتجميع البضائع المصدرة الى العراق على الحدود مع الكويت والسعودية والأردن، أما تركيا فالأبواب والمعابر الحدودية أمامها مفتوحة على مصاريعها وبوجود قوات احتلال تركية قريبا من تلك المعابر على الأرض العراقية.

وفي عهد السيد عبد المهدي تجرأت الدولة الصهيونية على انتهاك سيادة العراق ودمرت وقتلت وجرحت عراقيين دون أن يجرؤ هو أو أي وزير أو مستشار في حكومته على تسمية المعتدي الإسرائيلي بالاسم.  إضافة طبعا إلى المُنَح والعوائد المالية التي استمر بدفعها عبد المهدي لإمارة البارزاني وبمبالغ إضافية هائلة دون أن تنفذ هذه الزعامة ما يتوجب عليها من تسليم الحصة الاتحادية من نفط الإقليم حتى اليوم، وقد ذكرت ذلك السيدة المستشارة ذلك في خضم هجومها على البارزاني. بل وقد خطا عبد المهدي عدة خطوات في التنازل عن محافظة كركوك وسهل ونينوى لهذه الزعامة الإقطاعية التي تحرم ملايين الكرد من خيرات بلادهم باعتراف أحزاب وقوى كردية عراقية.

واضح أن المستشارة الفتلاوي اعتمدت عمليا على نظرية" الكلب الأسود" ففسرت أداء العبادي السيء وهو سيء فعلا في ميدان الخدمات والفساد واستمرار التبعية لواشنطن، ولكنه لا يتحمل المسؤولية عنه بمفرده بل النظام القائم برمته. وهي بخست دور الرجل في قيادة عمليات تحرير ثلث مساحة العراق من عصابات داعش وقالت إن الفضل لا يعود إليه فقد شارك في التحرير الجميع. نعم، لقد شارك الجميع في صنع النصر ولكن يبقى للرجل مساهمته في القيادة والتدبير الإداري والعسكري على الأقل، ومثلما يحمل البعض نوري المالكي -وهم محقون في ذلك - المسؤولية عن الانهيار والهزيمة وهو الذي تتحالف معه الفتلاوي اليوم في تحالف "البناء"، كان يجدر بها من باب الإنصاف والعقلانية أن تفعل الشيء نفسه فتعترف بدور العبادي في ذلك الإنجاز مهما حتى لو كان دوره متواضعا. أما تعليلها لنجاح عبد المهدي لأنه "سيد" وبسبب وفرة مياه الأمطار والسيول وفشل العبادي بسبب شحة المياه في الأنهار وقلة الأمطار والسيول فهو تعليل مضحك وغير عقلاني يذكرنا بقصة" الكلب الأسود"، وكان ينبغي أن يتم الاعتراف بالإدارة المهنية لأزمة المياه في عهد العبادي وليس بتملق عبد المهدي الذي لم يكن له أي فضل في وفرة المياه، بل إن إدارته لتلك الوفرة كانت مضطربة وغير مهنية وتركت أضرارا كبيرة ولم يتم الاستفادة من تلك المياه وخزنها كما قال المتخصصون! فالمياه كما يعرف الجميع لم تأتِ بأمر أو ذكاء أو شجاعة من السيد عبد المهدي بل من الطبيعة ومن الله المعطي للأمطار والقحط والموت والحياة كما يقول المتدينون.

إنَّ خراب الوعي والاحتكام إلى الخرافات والشعوذات في زمن الردة الحضارية والانهيار الشامل للعقلانية هو ما يجعل المستشارة الفتلاوي وغيرها يفسرون الأمور الكبيرة والظواهر المؤثرة في حياة الشعوب بهذه الطريقة البائسة واللاعقلانية؛ فبدلا من الاعتراف بإيجابية وقدرة وكفاءة من قاد الحكومة في الزمن الصعب والأزمة الأمنية والمناخية وشحة المياه القاسية، أو على الأقل الاعتراف بأن الانهيار لم يتفاقم ويؤدي بالبلاد والعباد في عهد هذا الحاكم إلى الخراب الشامل، يجري تجريمه والانتقاص من أدائه والإشادة بمن قاد الحكومة في زمن الفيض المائي المطري الذي لم يعرفه العراق منذ عقود لأن وجوده هذا الشخص في الحكم تصادف مع هذه الوفرة! ترى لماذا لم تتشاءم الفتلاوي من نوري المالكي الذي تعرض خلال حكمه العراق كله لخطر الزوال؟ هل لأنها كانت عضوا في قيادة تحالف "دولة القانون" الذي يقوده المالكي مثلا؟

أغتم هذه المناسبة للتعبير عن اشمئزازي واحتقاري للأسلوب البذيء الذي هاجم فيها النائب فائق الشيخ علي السيدة النائبة حنان الفتلاوى، فهذا الأسلوب الذكوري الرجعي المقرف لا يليق إلا بهذا الشخص الرث شكلا ومضمونا!

وختاما، فقد يكون مفيدا أن أكرر أنني لا أفرق سياسيا بين العبادي وعبد المهدي والمالكي والفتلاوي والبارزاني والنجيفي والكربولي ...إلخ، فهم كلهم أقطاب ومسؤولون في نظام طائفي رجعي تابع جاء به الاحتلال ويجب تفكيكه وإنهاؤه بالكفاح السلمي واسع النطاق لأن بقاء هذا النظام سيؤدي بالعراق الى الانهيار والخراب والتقسيم والتلاشي أكثر مما هو منهار وخَرِب ومقسم الآن!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

ابراهيم أبراشلا شك أن التفجيرين اللذين استهدفا حاجزي شرطة لحركة حماس في مدينة غزة يوم الثلاثاء 27 أغسطس وأودت بحياة ثلاثة من عناصرها هو عمل إجرامي مدان بالرغم من كونه ليس المرة الأولى التي تحدث فيها هكذا أعمال اغتيال أو اشتباكات بين أمن حماس وجماعات تُوصف بالسلفية أو التكفيرية وخصوصاً بعد سيطرتها على قطاع غزة، أيضا قيام هذه الجماعات باختطاف صحفيين أجانب والاعتداء على محلات  وصالونات حلاقة الخ . هذا إذا ثبتت حركة حماس على روايتها من اتهام جماعات أصولية متشددة بالمسؤولية، حيث أتهم فوزي برهوم أحد الناطقين باسم حماس المخابرات الفلسطينية بالمسؤولية عن الحادث .

إذا ما استثنينا أعمال العنف المتبادل بين حركتي فتح وحماس أيام انقلاب حماس على السلطة يوم 14 يونيو 2007 وما سبقها وما تبعها من اغتيالات، فقد جرت عدة تفجيرات  ومواجهات استهدفت حركة حماس منها  التفجيرات على شاطئ البحر يوم الخامس والعشرين من يوليو عام 2008 واتهمت حماس آنذاك أجهزة السلطة في رام الله بالوقوف وراء الحدث وتم اعتقال الشاب السكني لسنوات طوال إلى أن تم إبعاده إلى مصر،  والمواجهات بين أمن حماس وجماعة الشيخ عبد اللطيف موسى الملقب بأبي النور المقدسي زعيم جماعة (أكناف بيت المقدس)  حيث تم مهاجمة المسجد الذي يتحصن فيه في مدينة رفح يوم الخامس عشر من أغسطس 2009  وتم قصف المسجد على من فيه حيث سقط قتلى حوالي 30 شخص، وبعدها جرت مواجهات مسلحة مع جماعة ممتاز دغمش زعيم (جيش الإسلام) الذي أعلن مبايعته للبغدادي وتنظيم الدولة، بالإضافة إلى عشرات الصدامات وحملات اعتقال لعناصر تنتمى لتنظيمات متطرفة وحتى لتنظيم حركة فتح حيث تم تفجير منازل وسيارات لقيادات فتحاوية يوم الجمعة السابع من نوفمبر 2014، وآنذاك أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته إلا أن مسؤولين في حركة فتح اتهموا حماس بالمسؤولية، وهناك من أتهم عملاء إسرائيل بالمسؤولية .

كل ما سبق ليس خارج التاريخ السياسي للعلاقة التنافسية والصراعية بين الأحزاب الفلسطينية ولا خارج سياق الصراع بين الشعب الفلسطيني والكيان الصهيوني، وهنا نذكر بأعمال أبو نضال البنا واغتيال قيادات وسفراء في الدول الأوروبية وغيرها وما جرى وقت الانشقاق داخل حركة فتح 1983، إلا أن ما يجري اليوم يضعنا أمام ظاهرة خطيرة وتهديد كبير يستهدف اغتيال الشعب والقضية والهدف تدمير حصانة المجتمع وتحويل طبيعة الصراع من مواجهة بين الشعب بكل قواه السياسية ضد إسرائيل إلى صراع وفتنة وحرب أهلية داخلية بصيغة قريبة مما يجري في بعض الدول العربية التي يتم تدميرها داخلياً وبأدوات داخلية حتى وإن كانت ممولة وموجهة من جهات معادية .

ما يجري من فتنة وحصار وهدنة وتجويع في قطاع غزة، وما يجري في الضفة والقدس من تضييق مالي على السلطة وصمت مريب على عمليات الاستيطان والتهويد، وفشل كل جهود المصالحة، كل ذلك غير منفصل عن المساعي الحثيثة للإدارة الامريكية لشطب اسم فلسطين من الخارطة السياسية وتجاوز قرارات الشرعية الدولية حول فلسطين، كلها أمور مرتبطة مع بعضها البعض هدفها اغتيال الشعب والقضية الوطنية .

لقد سبق وأن حذرنا من الفتنة الداخلية والحرب الأهلية سواء في الضفة أو غزة وقلنا إن الفتنة والحرب الداخلية أخطر من أي حرب أو عدوان إسرائيلي .بالرغم من أن التركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الفلسطيني موحدة ومنسجمة عرقياً وطائفياً إلا أن الانفصال الجغرافي وحدة الصراع على السلطة وقوة التدخلات الخارجية التي تتزايد كل يوم نتيجة الفقر والجوع أو قوة تأثير ايديولوجيات دينية مضللة يغذيها الفقر والبطالة والجهل، وتوقف المقاومة والمواجهة الساخنة مع الاحتلال، بالإضافة إلى اختراق حصانة المجتمع من خلال العملاء ونخب مرتبطة مصلحياً بالاحتلال، كل ذلك يهيئ بيئة  خصبة لفتنة وحرب أهلية .

منذ بداية الصراع مع العدو الصهيوني لم يتمكن هذا الأخير من اختراق حصانة المجتمع الفلسطيني أو هزيمته عسكرياً لدرجة تدفعه وتدفع قياداته للتسليم والقبول بالشروط الإسرائيلية والأمريكية للتسوية، نعم، لعبت القيادات على الخطوط الحمر وأحيانا تجاوزتها، وبالغت في المراهنة على حسن نية واشنطن بل وتل أبيب، نسجوا شبكة مصالح معهما، أوقفوا المقاومة وساوموا عليها، فسدوا وأفسدوا الشعب، ووصل النظام السياسي الفلسطيني لطريق مسدود بل أصبح فاشلا سواء في غزة أو الضفة الخ، ولكن كل ذلك لم ينهي القضية الفلسطينية ولم تشعر إسرائيل بالطمأنينة والأمان بل ما زالت تتخوف من الشعب ومفاجآته، فقررت إسرائيل الاستنجاد بواشنطن من جانب ومحاولة اغتيال الشعب والقضية بالفتنة والحرب الأهلية القذرة من جانب آخر .

وأخيرا نحذر مما هو آت ونطلب من الله أن يحمي فلسطين وأهلها وخصوصاً قطاع غزة من فتنة ستغذيها إسرائيل، وهي فتنة لا تجدي معها المعالجات الأمنية فقط، فهذه المعالجات وحدها ستزيد من تأزم الأمور  .

 

إبراهيم ابراش

 

كاظم الموسويارقام واحصائيات تنشر وتمر علينا سريعا دون أن نتمعن بها جديا، كل منا، من تعنيه مباشرة أو من ستصله اوجاعها أو آلامها أو الحسرات. في وطن عربي كنوزه أغرت العالمين، ودفعت الأقطاب المدججة بالأسلحة النووية تتدافع عليه، تبني قواعد عسكرية وتستوطن أساطيل حربية حوله وفي مياهه وداخله عند منابع طاقته وثرواته وخيرات شعوبه.

كشفت الاحصائيات التي عرضت في مؤتمر "النمو الشامل" الذي انعقد العام الماضي في مراكش، أرقاما مؤلمة ومقلقة عن الأوضاع الاقتصادية بالعالم العربي فبالرغم من ثرواته الطبيعية والبشرية الهائلة، فإن 40 في المائة من سكانه يعيشون تحت عتبة الفقر، وحوالي 142 مليون مواطن عربي يعيشون بأقل من ثلاثة دولارات يوميا و25 في المائة من شبابه عاطلون عن العمل، فيما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدلات البطالة قد تصل إلى 14 في المائة بحلول سنة 2030، إذا استمرت معدلات النمو وتخطيط فرص العمل بوتيرتيهما الحاليتين.

وتضيف أرقام المؤتمر الذي عقد بشراكة مع صندوق النقد الدولي، وصندوق النقد العربي، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، تحت شعار: "الازدهار للجميع.. تعزيز الوظائف والنمو الشامل في العالم العربي"، بأن نسبة تشغيل النساء لا تتعدى امرأة واحدة بين كل أربع، ناهيك عن أن 330 مليون مواطن عربي، أي 70 في المائة من سكانه، لا يملكون حسابات بنكية، فضلا عن صعوبة الحصول على التمويل، التي تشكل أكبر عائق أمام تنمية القطاع الخاص في المنطقة، إذ تعد نسبة القروض لتمويل المشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة في المنطقة هي الأقل على الإطلاق على مستوى العالم، حيث لا تتجاوز 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

وتشير ارقام أخرى او احصاءات متداولة منذ عامين أو أكثر إلى أن 57 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة، وأن 13,5 مليون طفل عربي لم يلتحقوا بالمدرسة في عام الاحصائيات. وأن الزيادة في معدلات الفقر بلغت 8  في المائة في العامين الأخيرين، وأن تريليون دولار كلفة الفساد في المنطقة العربية، وأن 5 دول عربية هي في قائمة الدول العشر الأكثر فساداً في العالم.

رغم أن العالم العربي يمثل 5 في المائة من سكان العالم، فإنه يعاني من 45  في المائة من الهجمات الإرهابية عالمياً! وأن 75  في المائة من لاجئي العالم عرب، وأن 68  في المائة من وفيات الحروب عالمياً عرب، وأنه من عام 2011 حتى 2017 تم تشريد 14 مليون عربي، وأنه من عام 2011 حتى 2017 تم تدمير بنية تحتية بقيمة 460 مليار دولار! وأنه من عام 2011 حتى العام 2017 هناك خسائر في الناتج المحلي العربي بقيمة 300 مليار دولار.

وعلق كاتب عربي في مقال له على أن "هذا الكلام الموجع ليس من عندي، لكنها أرقام مبنية على إحصائيات موثقة، أظهرتها القمة العالمية للحكومات، التي رعاها حاكم دبي من 12 إلى 14 فبراير/ شباط 2017، وتضمنت في جلساتها على مدى 3 أيام 150 متحدثاً، في 114 جلسة، حضرها أكثر من 4000 شخصية إقليمية وعالمية، من 138 دولة. وهذه الإحصاءات كانت قبل عامين، ولن يجانبكم الصواب لو أضفتم على كل الأرقام 10 في المائة أو 20 في المائة، لنصل لهذا التاريخ الذي نحن فيه (2019)، لتزداد فجيعتكم أكثر."!

أما إذا بحثنا في أوضاع المرأة العربية فإن الأرقام والإحصاءات اكثر من مصيبة واقسى من مؤلمة في الموقف منها والدور المطلوب لها ومنها، ومحاولات أو ممارسات الإعاقة والمنع ونسب التعليم والتشغيل. فحسب ما ينشر تشكل المرأة 80  في المائة من اللاجئين والنازحين في العالم وغالباً ما تكون النساء والفتيات هدفا للإبادات الجماعية والعنف الجنسي والاغتصاب والتجارة الجنسية والرقيق الأبيض. وتمثل الفتيات والنساء 60 في المائة من حالات عدم الالتحاق بالمدارس والشرائح الأكثر فقرا وعوزا في العالم، وهذا يضم اليمن والسودان وموريتانيا ومصر والعراق وفلسطين وانضمت سوريا وليبيا إلى القائمة مؤخراً. أما نسبة مشاركة المرأة العربية في البرلمانات الوطنية فتبلغ 5.8  في المائة وهي من أقل النسب في آسيا وإفريقيا، كما لا تتعدى مشاركتها في الاقتصادات الوطنية 29  في المائة وهذه النسبة من أدنى المعدلات في العالم، ومثلها الأرقام والإحصاءات عن نسب التعليم عموما والصحة العامة وفرص التدريب واحوال الإسكان. وكذلك أوضاع البيئة والتنمية المستدامة وغيرها.

هذه الأرقام والإحصاءات المتداولة ليست جديدة، وليست أخبارا اعلامية، تمر مرور الكرام، بل هي نتائج أبحاث ودراسات، نوقشت في مؤتمرات دولية ومازالت أو استمرت بازدياد واضطراد، وكأنها قدر عربي، لا احد راجعها أو تابع مسارها أو مصيرها أو فكر في إيجاد  حل ما لها، أليست  فجيعة عربية صارخة؟!.  وان المسؤولية كبيرة جدا، وسيسجل التاريخ أن أصحاب القرار السياسي في الوطن العربي يوفرون مناخات للمؤتمرات دون أن يراجعوا ما توصلت اليه، وييسرون أبحاثا ودراسات دون اطلاع عليها أو معالجة لها ويكلفون مؤسسات وطاقات معروفة عالميا وينتهون منها مع انتهاء جلسات المؤتمرات أو الندوات والمحاضرات. وهذه صورة بارزة معلومة وعلنية.

اذا أعيدت قراءة الأرقام و الاحصائيات مرة أخرى اليوم فستصدم ما أصبحت عليه حاليا وكان بالإمكان البحث في حلول لها أو معالجة لاشكالياتها وتعقيداتها أو صعوباتها حينها فماذا سيكون الأمر اليوم؟!. وكيف نتحدث عن حاضر ومستقبل الأمة والوطن  ومتى سنقول بأن إداراتها حريصة على واجباتها الشرعية والقانونية والأخلاقية في مهماتها أمام الشعوب والوطن الكبير. أن الفجيعة مؤلمة بقدر تطور الأرقام والأحداث والمحن ولات حين ندم أو تقبل لتداعيات وكوارث قادمة لا محال. هذه ارقام مؤلمة فعلا وقاسية جدا ولابد من التفكير بها وبما يحصل من استمرارها أو تصاعدها درءا لمصائب لا تعرف نتائجها ومآس قد لا تنتهي مدياتها وحدودها. واذا لم نعتبر اليوم من هذه الأرقام والإحصاءات واستشراف ما تؤول إليه أو ما سيحصل اثرها أو بعدها فان الفجيعة تطول والألم منها لا يتوقف.

 

كاظم الموسوي

 

باسم عثمانان اعلان وكاله اغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) عن التزامها بفتح ابواب 711 مدرسه لتستقبل ما يقارب نصف مليون طالب فلسطيني في الموعد الدراسي السنوي رغم العجز المالي الذي تعاني منه، والذي يقدربحوالي800 مليون دولار (التجميد الأمريكي المالي)، دلاله واضحة علي رغبه المجتمع الدولي في مواجهة السياسة الأمريكية والحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني ووكاله الغوث، بهدف تذويبها والغاء تفويضها او حتى تغيير تفويضها بحجج ومبررات واهيه واخرها الحديث عن فساد وكاله الغوث وكبار موظفيها.

ولان قضية اللاجئين الفلسطينيين قضية سياسية بامتياز وقانونية وانسانية وعادلة، لم ولن تنهيها كل المؤامرات التي تستهدفها، سواء بمشاريع التوطين،اوبتغييرمفهوم وتعريف اللاجئ؟! اوبالاتفاقيات الثنائية السلطوية؟؟، اوبتجفيف منابع الدعم المادي للأونروا بهدف تهميشها والغائها كشاهد حي على الحقوق القانونية والسياسية للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم بالقوة، وتقزيم قضيتهم الى قضية إنسانية فقط، لذلك، لا ينتهي الامر عند التزام الاونروا بموعد بدء العام الدراسي الجديد بل يجب ان يرافق هذا الاعلان التأكيد على تحسين شكل الخدمات التعليمية والطبية والاجتماعية.

ان الأونروا (مشكورة) قامت بدور يوزاي دور حكومة في المنفى في خدمة رعاياها، ولا سيما قبل تولي منظمة التحرير الفلسطينية زمام القيادة في منتصف الستينيات من القرن الماضي، ولكن بعد توقيع إعلان المبادئ مع "إسرائيل" في عام 1993وجدت الاونروا نفسها في معترك ومناخ عدم الثبات والتجانس وفي خضم مسرح للمصالح المتضاربة، لأنها ليست فوق السياسة والتسييس وفق المصالح الدولية، ولكن صمودها في المناخ السياسي الراهن دليل على مسؤوليتها الدولية والسياسية لحقوق اللاجئ الفلسطيني وحقه في العودة الى دياره وممتلكاته بموجب القرار السياسي الاممي رقم 194 وبوصفها طرفا أساسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لم يكن اعلان فتح مدارس الأونروا أمرا ممكنا لولا الالتزام الذي أظهره المساندون والمانحون والمستضيفون للاجئين الفلسطينيين، وهذا الإعلان بمثابة رسالة سياسية وقانونية وإنسانية في مواجهة كل مخططات التهميش والتقزيم والإلغاء، وكل التحديات السياسية والمالية الهائلة التي تتعرض لها الاونروا ومؤسساتها.

ثغرات الاونروا كمؤسسة دولية:

هناك العديد من الثغرات التي أحاطت بالأونروا سواء لجهة نوعية التفويض أو لجهة دورها وعملها ومهماتها:

- صلاح صالح عبد ربه في كتابه "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بين مأساة التاريخ، ومأساة الحلول" الصادر مؤخرا نقلا عن وليد سالم حيث يقول: " وإذ عملت لجنة التوفيق في مناقشة الجانب السياسي لمشكلة اللاجئين مع الحكومات المعنية، فإن وكالة الغوث قد عملت في ميادين الإغاثة وبرامج التشغيل للاجئين، أي أنها انحصرت في الدور غير السياسي، وعندما تعطلت لجنة التوفيق بعد سنوات قليلة من حرب 1948، فقد أصبح الدور اللاسياسي للوكالة، من الناحية الموضوعية دورا سياسيا، يصب باتجاه خدمة مشاريع التوطين.

- حصر نشاط الاونروا ببعض الدول (ما تبقى من فلسطين خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية) وسوريا ولبنان والأردن فقط، واستثنت من عملها اللاجئين في الجزء المغتصب من فلسطين إبان حرب 1948، وبقية الدول.

- تعريف وكالة الاونروا لمفهوم اللاجئ؟؟، الذي استثنى أعدادا من اللاجئين الفلسطينيين من عملها واغاثتها.

- حصر صلاحياتها على الجانب الإغاثي والتشغيلي والانساني، واستبعادها العمل من أجل إعادة اللاجئين إلى ديارهم، وهو الأمر الذي يسمح به نظام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

- تسجيلها لقوائم اللاجئين الفلسطينيين يعتمد على الحاجة إلى المساعدة ومكان الإقامة، بدلا من الاعتماد على كون الفلسطيني لاجئا فحسب. وهذا ما حصل في المسح الذي أجرته الاونروا مؤخرا لاحتياجات اللاجئين، ما يوحي برغبة الوكالة في شطب أعداد إضافية من اللاجئين المسجلين في سجلاتها، حيث تم تصميم استمارة المسح بحيث تظهر النتائج عدم حاجة أعداد كبيرة من اللاجئين لخدمات الاونروا.

وقد عبر مفوض الأونروا في سوريا عن هذا التوجه في معرض الإجابة عن سؤال حول تناقص أعداد اللاجئين المشمولين بخدماتها بالقول: " عندما بدأت الأونروا بعملياتها الإغاثية عام 1950م كان حوالي 90% من اللاجئين يتلقون مساعداتهم من أجل البقاء على قيد الحياة، أما اليوم فإن الأغلبية من اللاجئين تمكنوا من الوصول إلى مستوى معيشي لائق."

- التنويه إلى أن مسؤولية الأونروا تقتصر على إدارة خدماتها في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية داخل المخيمات وخارجها، وهي ليست مسؤولة عن إدارة المخيمات، وقد أخذت الأونروا في الآونة الأخيرة استثناء الفلسطينيين المقيمين خارج المخيمات من بعض خدماتها، وقد لوحظ هذا الأمر في مخيمات الأردن، ومخيمات الضفة والقطاع، حيث تم منع الأونروا من العمل خارج المخيمات، رغم أن أعدادا كبيرة من اللاجئين، تعيش خارج المخيمات، خاصة بعد التغييرات التي أحدثتها سلطات الاحتلال، وبسط سلطتها على الضفة والقطاع بعد عدوان 1967، من جهة، ونتيجة الدمار الذي لحق بمخيمات الضفة والقطاع إبان الانتفاضتين، حيث اعتبرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي المخيمات حاضنة لتفريخ " الإرهاب الفلسطيني".

الأونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية في أعقاب أوسلو:

ظل اللاجئون الفلسطينيون منذ نكبتهم وقبل ظهورمنظمة التحريرالفلسطينية يرفضون بعفوية خطط الاندماج أو التوطين، حيث أصر معظم اللاجئين بأن وضعهم كلاجئين كان مؤقتا ورفضوا بحزم خطط تحسين البنى التحتية في المخيمات كما رفضوا استبدال سقوفهم "الزينكو" بسقوف إسمنت، وبحلول منتصف عقد الستينيات، تزامن صعود نجم منظمة التحرير الفلسطينية وانفتاح الأسواق الخليجية امام العمالة الفلسطينية،هذاالشعور الجديد بالتمكين الاقتصادي والسياسي، وتنامي قوة منظمة التحرير الفلسطينية خلق روحا من الثقة السياسية التي انتقصت من نفوذ الأونروا ومكانتها الرئيسية، ولكنه لم ينتقص من أهمية الدعم المادي الذي كانت تقدمه للكثير من أسر اللاجئين الفقيرة.

لقد زاد حضور منظمة التحرير الفلسطينية جرأة الفلسطينيين وشجعهم على الوقوف في وجه اختزال تطلعاتهم السياسية وحقوقهم القانونية الى مجرد قضية إنسانية، ولكن تفاقم موقف المنظمة بتوقيعها في عام 1993 على إعلان المبادئ المنشئ للسلطة الفلسطينية والذي مثل تحولا جذريا في السياسة الوطنية الرسمية وبداية الانقسام الحاد على صعيد التوافق الوطني.

لقد أسفر إعلان المبادئ والاتفاقات اللاحقة والمعروفة عموما "بعملية سلام" أوسلو عن إقصاء لاجئي نكبة عام 1948 لأن الإطار الأمريكي-الإسرائيلي الذي ارتكزت إليه هذه الاتفاقات لم يكن قائما على القانون الدولي فضلا عن أنه تجاهل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

لقد ساور اللاجئ الفلسطيني القلق عندما أعلن المفوض العام بُعيد توقيع إعلان المبادئ بأن وكالة الأونروا سوف تتحضر، على ضوء "عملية السلام،" لحل نفسها في غضون فترة مدتها خمس سنوات، وقد تفاقم الاضطراب السياسي جراء قرار الوكالة القاضي بتمويل برنامج إقرار السلام الرامي إلى مساعدة السلطة الفلسطينية في تشييد بنيتها الأساسية .

لقد كشف برنامج "إقرار السلام" بأن وكالة الأونروا ليست في منأى عن الوسط السياسي، وإنما متورطة للغاية في الترتيبات السياسية المحلية والدولية المتغيرة. فالتأييد العلني الذي أبدته الأونروا لمفاوضات أوسلو السياسية، وخططها آنذاك الهادفة إلى "حل" نفسها، والخطوات التي اتخذتها لمساعدة السلطة الفلسطينية في بناء مؤسسات "الدولة،" قبل حل مشكلة اللاجئين، كشف عن الصلات المعقدة بين المجالين الإنساني والسياسي.

لقد عطلت (أوسلو) منظمة التحرير الفلسطينية وأفرغتها من سلطتها وفعالياتها السياسية من خلال تفتيت المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وتوجيه الموارد والتركيز السياسي نحو "الداخل" -الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية على حساب اللاجئين، ورغم الولاء الذي تظهره السلطة الفلسطينية بشعاراتها "لحق العودة،" وهو القضية الجوهرية والأكثر أهمية في النضال الوطني الفلسطيني، فإنها قد دفنت هذا الحق تحت عناوين سياسية متعددة.

أسفر ذلك عن نشوء مزاج سياسي تشاؤمي ولا سيما في أوساط اللاجئين في المنفى، أما الأونروا فقد استمرت كمؤسسة ترمز إلى المصير السياسي المعلق للاجئي عام 1948 وحقهم في العودة المُهمَل والساقط فعليا بحكم المبادئ الناظمة لاتفاقات أوسلو.

الاونروا والنموذج الفريد لمنظمة إنسانية دولية:

ثمة سمات فريدة تتميز بها العلاقة بين الأونروا واللاجئين الفلسطينيين:

- أن الأمم المتحدة التي أنشأت وكالة الأونروا متواطئة في خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص خطتها التقسيمية (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181) التي استخدمها قادة الحركة الصهيونية لتبرير التطهير العرقي في فلسطين، وإن كان بتحريف المصطلحات في بنود القرار والتوسع إلى ما وراء الأراضي المخصصة "لدولة الأغلبية اليهودية".

-قبلت الأمم المتحدة بعضوية " دولة إسرائيل " في جمعيتها العمومية قبل تطبيق حق العودة للاجئ الفلسطيني.

أن اللاجئين الفلسطينيين كانوا حذرين من دور الأونروا وسبب وجودها عند تأسيسها، فإنهم وبفعل افتقارهم إلى جسم سياسي ممثل لهم يعبرعن تطلعاتهم السياسية في العودة، تعاملوا مع الأونروا كحكومتهم المعنية بتحقيق رفاههم المعيشي، وعند ظهور منظمة التحرير الفلسطينية، في الفترة التي أصبحت فيها أسواق الخليج الوجهة الجاذبة للعمالة الفلسطينية، اكتسب اللاجئ الفلسطيني دعم وثقة سياسية واقتصادية وبدت الأونروا أقل أهمية لبقائهم، غير أن اتفاقات أوسلو أحدثت أزمة وطنية وشرخا بين السلطة الوطنية والغالبية العظمى من اللاجئين، وهذا ما أعاد الأونروا إلى موقع الصدارة مجددا، حيث حافظت على أهميتها ليس كحكومة معنية بالإغاثة فقط، وإنما بوصفها حيزا يمكن اللاجئ الفلسطيني ان يعود من خلاله المطالبة بحقوقه السياسية والقانونية التي تجاهلتها اتفاقات أوسلو وانتهكتها، ووجود الأونروا ما زال يعني عدم التوصل إلى حل سياسي وقانوني لقضية اللاجئين واستمرار مشكلتهم.

إن الصلات الفريدة بين اللاجئين الفلسطينيين والأونروا تتباين باختلاف البلد الذي تعمل فيه الوكالة، والسياق التاريخي، والمناخ السياسي، ومع ذلك، وخلافا للدعاية لإسرائيلية، فإن وجود الأونروا لم يشجع النضال الوطني الفلسطيني ولم يحتويه، بل تعامل الفلسطينيون مع الأونروا بطرق مختلفة كما فعلوا مع مؤسسات أخرى، وعلى مدار العقود القليلة الماضية، ضَمِنَ نضالهم وكفاحهم عدم نجاح الوكالة في إخماد قضيتهم السياسية.

والسؤال الذي ينبغي تسليط الضوء عليه هو ما إذا كانت البرامج التنموية وبرامج البنية التحتية في أماكن تواجد عمليات الأونروا ومرافقها مرتبطة بأجندات سياسية أشمل تسعى إلى الغاء وتهميش قضية اللاجئين وحقهم في العودة الى ديارهم، ثمة حاجة للنظر في هذه المشاريع بموازاة التغيرات السياسية الأخرى والمشاريع المطروحة؟؟، لأن الخطر المتربص هو أن تحاول إسرائيل إبرام اتفاقية "وضع نهائي" مع السلطة الفلسطينية بحيث تستطيع استخدامها في إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وفي تلك الحالة، فإننا قد نسمع مجددا دعوات لحل الأونروا وتفكيك المخيمات الفلسطينية أو على الأقل تسليم مهامها إلى المؤسسات المحلية.

إن لوكالة الأونروا أهمية بالغة في ظل المناخ السياسي الراهن بالنسبة للنضال الوطني الفلسطيني وذلك للأسباب الرئيسية التالية:

- الوكالة طرف موقع على كافة قرارات الأمم المتحدة بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

- برزت الأونروا، في ظل غياب جبهة وطنية تحتل فيها قضية اللاجئين مكانة مركزية في مشروع التحرير، كمؤسسة تحافظ على إبراز اللاجئين على الساحة الدولية، وتشير إلى أن ولايتها لا تزال قائمة.

- الأونروا تبقى في ظل غياب مؤسسات الدولة الخازن الأوحد والأهم للذاكرة الفلسطينية التاريخية اكثر من سبعة عقود، فقد احتفظت بسجلات اللاجئين منذ مطلع الخمسينيات وجمعت ذاكرة مؤسسية تشهد على هذا التاريخ الجمعي، ومع ذلك، فهذه الأسباب وغيرها لا تبرئ الأونروا من التلاعب بها سياسيا بيد القوى الدولية الكبرى، وهو ما يتطلب موقفا متيقظا من الفلسطينيين حيال توجهات الوكالة وسياساتها وبرامجها الحالية والمستقبلية.

 

د. باسم عثمان - كاتب وباحث سياسي

 

 

عبد الجبار الجبوريلم تعدّ للمتابعين والمراقبين التكهنات مجديّة، فالأمور أصبحت واضحة مثل عين الشمس، بعد جملة من الوقائع والاحداث والتصريحات، بأن العراق هو الساحة الاولى للحرب القادمة، طالت مدة حدوثها أم قصرت، وإن الادارة الامريكية تمّهد الآن لهذه الحرب عن طريق هجمات إسرائيل لمعسكرات، ومواقع الحشد الشعبي والحرس الثوري في العراق وسوريا، وإن إيران تقاتل أمريكا الآن بميليشيات تنتسب للحشد الشعبي في العراق وسوريا واليمن ولبنان حزب الله، وما نراه اليوم من مناوشات بين اسرائيل وايران، ماهي إلاّ قصف تمهيدي لحرب أطول في المنطقة، تشرف عليها وتقودها أمريكا، وتحالفها الأوروبي والعربي، لمواجهة إيران، التي تعدها راعية الارهاب الاولى في العالم، هي وأذرعها وميليشياتها وأحزابها في المنطقة، إذن الحرب حتمّية كما لايراها البعض سابقاً، والآن يراها (محتملة)، ولكن دعونا نقلب صفحات التسريبات والتصريحات بين الطرفين، لنتحقق مّما نقول ونحلّل برؤية المراقب والسياسي، لابرؤية المتحامل، فالحرب كارثة ودمار، ولامنتصر فيها، ولكنها عندما تكون دفاعاً عن وطنٍ، يراد له أن يُستباح ويدمّر، تكون المقاومة والتضحيات واجبة، فالحرب بين أمريكا وايران ليست نزهة، ولاتعدّ واجبة للعراقيين بقدر ماهي تدمّير لبلدهم، وجعل العراق ساحة لتصفية حسابات، العراقيون ليسوا طرفاً فيها ولاسبباً من أسبابها، فلماذا نقف مع طرف ضد طرف آخر، وهل التفرّج يُنجينا من كوارثها، الذي ستحدثه على ارض العراق، بالتأكيد سيكون الضحية والخاسر الاكبر هو شعب العراق، بكل قومياته وأطيافه، وهل يحتاج العراقيون مزيداً من الحروب، بعد الذي جرى لهم من غزو أمريكي همجيّ وحشّي، وإحتلال إيراني طائفي قومي وعنصري، أحرق الاخضر واليابس في العراق من أقصاه الى أقصاه، التصريحات العراقية لقادة العملية السياسية والاحزاب، كلهم يرفضون الحرب على أرض العراق بالعلن، وينتقدون الطرفين، ولكنهم يقفون مع ايران ويدعمونها في السرّ، حيث خرج علينا السيد عمار الحكيم يوم أمس قائلاً(نرفض اي يكون العراق مخزن لأي سلاح أجنبي في العراق غير السلاح العراقي، (هنا يقصد ايران)، كما نرفض تكون سماء العراق مسرحاً للعمليات العسكرية (ويقصد إسرائيل)، هكذا تكون (تقية السيد عمار)، فلماذا لايسمّي الأشياء بمسمياتها، إذا كان حريصاً على وحدة وسيادة العراق وأرضه، ثم تأتي تصريحات أحد قادة الميليشيات التابعة لإيران، الصادمة والمحرجة للاحزاب والحكومة، والتي يُعلن فيها صراحة، وقوفه بجانب إيران والولي الفقيه ورهن إشارتهاليقاتل معها ولها، بل ويذهب أكثر من ذلك فيهدّد بجعل من في السفارة الامريكيةرهائن عنده، وقصف المعسكرات والقواعد في العراق، وهكذا تصريحات تمهّد للحرب بالإنابة عن ايران، إذ سبقه نائب قائد الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس، بتهديد تنصل منه قائد الحشد الشعبي السيد فالح الفياض، وقال (كلام المهندس لايمثل رأي الحشد وانه رأيه شخصي)، إن الطرفان الامريكي والايراني، يعملان بإتجاهين معاكسين في تصريحاتهما، لكي يصلا الى لحظة الحرب المتمناة من الطرفين، للانقضاض على بعضهما، فطلب الرئيس ترمب وموافقته على لقاء روحاني بلا شروط مسبقة، هو فخّ لإيران ولكسب الشارعين الامريكي والايراني معاً، كما يتصوره قادة ايران الذي رفضته فوراً، طالبة إبداء حُسن النيّة أولاً، برفع العقوبات الاقتصادية أو جزءاً منها، والعودة الى الإتفاق النووي، وهذا ما ترفضه الادارة الامريكية في الوقت الحاضر وتصرُّعلى تنفيذ الشروط ال12 والقبول بها أولاً، هذا السجال العقيم، هو لكسب الوقت وإنهاك الطرف الايراني إقتصاديا، وخنقه حصارياً، كما يحصل مع باخرة النفط(غريس ادريانا) التي تجوب الموانىء العالمية، دون أن تلقى من سمح لها بتفريغ حمولتها، ال2 مليون طناً من النفط، في وقت تتصاعد جميع الإحتمالات للحرب بين إسرائيل وحزب الله بين آونة وأخرى، خاصة بعد تهدّيد حسن نصرالله لإسرائيل بردٍ فوريٍ قاس جدً، لضربها معسكرات حزب الله وقتل قادته في العراق وسوريا، وتدمير المركز الاعلامي التابع لحزب الله وقتل من فيه، فماذا بقي إذن، بقي الموقف العراقي، الذي تحشد فيه الميليشيات التابعة لإيران عسكريا، وتتحضّر لضرب المصالح الامريكية في المنطقة كلها، وليس في العراق فحسب، من خلال الدعوة للتطوّع والتدريب والقتال، وتوجيه الصواريخ المزودة لها من ايران الى اهداف امريكية، ووجود مخازن السلاح الايراني في معسكراتها السرية، والتي قصفت قسم منها الطائرات الاسرائيلية قرب قاعدة بلد الجوية، ومنطقة الدورة ببغداد وآمرلي وغيرها، في وقت تقف حكومة عادل عبد المهدي موقف الضعيف العاجز، عن إتخاذ أي موقف مضاد للميليشيات والحشد الشعبي، وقد فشل عبد المهدي في تنفيذ قراره بدمج وحل الحشد الشعبي، والذي صرح بعد القرار مباشرة، زعيم منظمة بدر هادي العامري رافضاً القرارجملة وتفصيلاً، وقائلا له مامعناه بالضبط (القرار أنقعه وإشرب ماءه)، وفعلاً حصل هذا ونسي عبد المهدي القرار، ولم يعد يتحدث فيه، وبلع الطعم مراً، إذن الموقف الرسمي والحكومي، هو الموقف الاضعف والافشل، من رئيس الجمهورية الذي ذر الرماد في العيون بأن (العراق ينأى بنفسه عن لغة المحاور) و(إن العراق يرفض ان يكون ساحة حرب)، في حين تتجوّل الطائرات الاسرائيلية والامريكية وغيرها، سماء العراق وتقصف (براحتها) أهدافها وتعود دون أي تصريح ولو خجول، إننا لسنا بدولة مؤسسات، وأنما بدولة ميليشيات تحكم وتتحّكم بالقرار العراقي كله، ويديره من طهران الولي الفقيه، هذه هي الحقيقة التي لايريد الإعتراف بها، من هو يمسك بزمام السلطة في العراق، خشية على مصالحه أو خوفاً من بطش الميليشيات له، ليبقى العراق في قلب العاصفة ألآن، وقاب قوسين أو أدنى من حربٍ لاتُبقي ولاتذر، وقودها شباب لحرب لاناقة لهم فيها ولاجمل، فقط من أجل عيون دولة (الأرجنتين)، أليست هذا هو مربط الفرس، من الهمبلات والتهديدات التي تطلق هنا وهناك، وعندما تطلق رصاصة الحرب تهرب وتختفي، هذه الاصوات النشاز وتهرب الى جحورها، ياجماعة (مو هيج الحجي)، هذه أمريكا وشفتوها شسوت بغزوها للعراق، إحسبوها صح، وإنقذوا ما تبقى من العراق، فلا أحد سيقف معكم الجميع، سيتخلّى عنكم، كما تخلّى العرب عن العراق، وادخلوا الجيوش الامريكية من اراضيهم، وتم غزوه وتدميره، بلى فالعراق تريدونهأنتم وقادة إيران، أنْ يكون ساحة حرب، لتصفية حسابات إقليمية، وإبعاد الحرب عن داخل ايران، ونحن لسنا طرفا فيها، فلا نقبل هذه الحرب على أراضينا، فلتذهب أمريكا وتقاتل إيران داخل الاراضي الايرانية، ولتذهب إيران وتقاتل أمريكا على أرضها، وتقصف قواعدها العسكرية ومصالحها في المنطقة، و(إجفونا شركما)، فما فعله الطرفان بالعراق، يجعل كلُّ عراقي شريفٍ، يرفض جعل العراق ساحة حرب أخرى، لصالح جهة بعينها، لسنا حطباً لكم أيها الأوغاد، نحن شعبٌ عريقٌ، وحضارات عريقة منذ الأزل، العراق باقٍ رغم أنفِ أعدائه، واحداً موحداً بشعبه وأرضه، غير قابل للقسمة والتقسيم، والتاريخ يشهد بذلك، والاحتلالات التي تعرّض لها، تشهّد بذلك، وآخرها الاحتلالان الأمريكي والإيراني، ما يجري الاعداد له امريكيا وايرانيا هو الذهاب الى الحرب، رغم دعوات التفاوض والتسويف الايراني والرفض الخجول وتضليل الرأي العام بعدم القبول ماهو الا لكسب الوقت، ولكن الاعداد للحرب من الطرفين هو الاقرب الى الحقيقة ولو يتأخر بعض الشيء إنطلاقتها، وربما تكون أزمة الباخرة سبباً في إندلاعها، الآن هي ترسو في مياء طرطوس، بعد أن رفضت تركيا واليونان وغيرها استقبالها وتفريغ حمولتها، ويبقى السؤال الأبرز والاهم، هل العراق في قلب العاصفة أم في عينها، نقول بكلّ تأكيد العراق في قلب العاصفة وليس في عينها، والدليل هي المعطيات على الارض، وكما ترّونها بلا رتوش....

 

عبد الجبار الجبوري

 

عامر عبدزيد الوائليجزء من مخططات التقسيم الفاشلة

الحشد الشعبي القوة الوحيدة التي تمتلك ثلاث شرعيات معا هما الشرعية العقائدي كونها صادرة عن حاكم شرعي وبهذا أخذت بعدا عقائدي، والشرعية الشعبية كونها استجابة شعبي عندما خرجت الجماهير بشكل شعبي عفوي وبعدا قانونيا عبر موافقة المجلس التشريعي . رغم هذه التشريعات الثلاث؛ الا أن هناك تشكيك محلي من قبل القوى الإرهابية والانفصالية وإقليميا تحالف طائفي وصهيونيا والاحتلال .

إلى ماذا يشير هذا الاتفاق للأعداء على الصعيد الثلاث المحلي والإقليمي والدولي، يشير إلى أن الحشد الشعبي له مكانه مهمة في صد المخططات الاقلمية والتي تستهدف وحدة العراق ككيان سياسي وشعب وموقفه المهم في الإقليم في وقف التفكيك الداخلي على أسس طائفية وعنصرية  عرف البعض من القوى في الإقليم أمر ضروري في توازن الإقليم والحيلولة من تغول بعض الدول في الإقليم على الصعيد الخليجي هذا ما أدركته بعض دول الخليج متأخرا مثل: الإمارات والكويت التي عرفت متأخرا أن العراق ضروري في التوازن الإقليمي عربيا وخليجيا .

صحيح الحشد الشعبي رغم شرعيته؛ إلا انه يبقى صاحب تحالفات إقليمية مع فصائل المقاومة ودول المقاومة التي كان لها الأثر في صد الإرهاب واستدعاء العداء من قوى داخلية وإقليمي تحاول تصوير هذه القوى بوصفها (مليشات) وتحاول اسقاط الصفات (الطائفية) وتخوينها من اجل تسويغ قتلا واستباحت دماء أبنائها العراقيون وتضحياتهم الشريفة من اجل بقاء العراق موحد .

ولعل هذا النفس ما نلمسه في إخبار ضرب مواقع التابعة للحشد  طبيعة الخبر وصياغته من قبل إعلام القوى المتحالفة ضد الحشد والعراق بشكل عام اذ جاء في لندن - الخليج أونلاين (خاص): قولها " في الوقت الذي يواصل رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تلميحاته بوقوف طائرات "إسرائيلية" وراء الضربات التي طالت مواقع مهمة لمليشيا "الحشد الشعبي" في العراق مؤخراً، تواصل الصحافة العبرية ومختصون بالشأن الإسرائيلي تأكيد استهداف طائرات إسرائيلية هذه المواقع." أن طبيعة صياغة الخبر بأسلوب وكأنها تسوغ الضربات بالقول: وبحسب تسريبات وصلت إلى "الخليج أونلاين" في وقت سابق، ومعلومات أدلى بها مطلعون، فثمة أسلحة إيرانية مخزنة في مواقع للحشد الشعبي بالعراق، ونُقلت إلى مواقع سرية، فالإشارات تدل على أن المواقع المستهدفة لها ارتباط وثيق بإيران.

حيث نلمس هذه الصياغة التي تظهر الخبر وفية (مليشات، اسلحة ايرانية)، نسمي العدو الصهيوني الدولة العبرية او الاسرائلية وهي صياغات تعبر عن سياسة تطبيع تعترف بهوية يدعيها الكيان ظلما وعدوانا اليهودية والاسرئلية) وكأنه غير مؤكد في وقت اعترفت احدى القنوات الامريكية بعد طول صمت مريب اذ عن قناة الحرة الامريكية التي نقلت:" أظهرت صور أقمار صناعية التقطتها شركة تحليل بيانات إسرائيلية ثلاثة مواقع في العراق تعرضت لهجمات في الفترة الأخيرة، والتي يعتقد البعض أن إسرائيل تقف خلفها.

وقالت شركة "إميدج سات إنترناشونال" في تحليلها للصور إن المواقع الثلاثة كانت تحتوي على مخازن هي على الأرجح لصواريخ وأسلحة متطورة.

وأظهرت إحدى الصور موقع قاعدة بلد الجوية التي تعرضت لهجوم يوم الثلاثاء الماضي، وقالت الشركة إن الهجوم أسفر كما يظهر في الصورة عن تدمير حاويات شحن كانت بها، بحسب الشركة."

فالخبر من حيث الصياغة يحافظ على الجانب الموارب والإشارات التي تعبر عن مستوى من التخطيط الاستراتيجي؛ إلا أنها في توصيفاتها إلى الموقع تحاول و كأنها تؤكد الادعاء الكيان الصهيوني وكأنها ضمنا تسوغها كونها ضربه استباقية .

لكن ايضا قنوات أمريكية أكدت الخبر إي ضرب الكيان للمواقع اذ: (عن صوت العراق: جاء خبر تاكيد): ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن اسرائيل شنت ضربة واحدة على الأقل على مستودع للأسلحة في العراق.ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في الاستخبارات في الشرق الأوسط أن اسرائيل قصفت قاعدة تقع في شمال بغداد في تموز/يوليو الماضي، بينما قال مسؤولان أميركيان أن الدولة العبرية شنت عدة ضربات في العراق في الأيام الماضية الأخيرة.

وتعرضت أربع قواعد يستخدمها الحشد الشعبي الذي يضم فصائل شيعية موالية لإيران ومعادية للوجود الأميركي في العراق، إلى انفجارات غامضة خلال تموز/يوليو الماضي."

وجاء أيضا في الخبر:

(وقصفت اسرائيل مرات عدة أهدافا إيرانية في سوريا. لكن توسيع هذه الحملة لتشمل العراق، يمكن أن يضر بالعلاقات بين واشنطن وبغداد.وكان نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس المدرج على اللائحة السوداء للولايات المتحدة بسبب عدائه العنيف للوجود الأميركي، اتهم القوات الأميركية الأربعاء بأنها “المسؤول الأول والأخير” عن الهجمات التي جرت “عن طريق عملاء أو بعمليات نوعية بطائرات حديثة”.)

(واتهم المهندس الأميركيين “بإدخال أربع طائرات مسيرة إسرائيلية” الى العراق ل”تنفيذ طلعات جوية تستهدف مقرات عسكرية عراقية”، مهددا بأن يتعامل الحشد الشعبي مع أي طائرات أجنبية تحلق فوق مواقعه بدون علم الحكومة العراقية، على أنها “طائرات معادية”.)

الصياغة للخبر تعكس مرجعية واحدة في توصيف الخبر وتسويغ الضربات وتاكيد لغة التخوين للحشد وربطه بقوى اقليمية، الا أن صياغة الخبر وربطه بالتصريحات والتحليلات تعكس رؤية ومنهج واحدة من قبل الجهة الناقلة للخبر وطبيعة الصياغة فهي لا تستعرض معلومات فقط بل تؤكد تفسيرات محددة تجعلها في المركز وفي نفس الوقت تظهر المسؤول عن الحشد وكانه خارج عن الشرعية لكونه يرفض الاحتلال وهذا امر لاعلاقة لها بالشرعية لان الاحتلال وحلفائه لايمثلون شرعية . لكن من ناحية ثانية الخبر يحاول نقل اقول قادة الحشد التي يبدو انها تدرك أن هناك تعاون خفي بين الامريكان والعدوان الصهيوني؛ الا أن صياغة الخير تحاول تاكيد التبريرات الأمريكية وتتهم الحشد وتصريحاته بالمواقف العنيفة .

إلا أن الحادث يبين أن العراق يفترض محمي من قبل القوات الأمريكية وفق الاتفاقية التي عقدها الطرفان وما جاء في الخبر يشير الى تلك المسؤولية التي تم حصرها فقط (أن الوجود الأميركي في العراق هو لدعم جهود البلاد ضد الجهاديين)

طبعت تلك الصياغة توحي بالكثير من الارتباطات السرية وتحيلنا إلى أن وجود الصهيوني هو قريب من وجود داعش من حيث المهمة والغاية فهو مجرد لاعب في خطاطه إستراتيجية كبيرة ممكن محاولة إنارة بعض جوانها من خلال استعراض قراءتين  للحدث الأولى عربية والثانية عراقية

القراءة العربية جاءت " عن صحيفة الدستور الأردنية كتب: عريب الرنتاوي "

الباحث فى البداية يحاول تاصل الحدث بالرجوع الى تصريحات تاتياهة إذ (في 9 يوليو الماضي قال نتنياهو في تهديد صريح لإيران: إن على "طهران أن تتذكر بأنّ طائرات F-35 الأمريكية التي تمتلكها إسرائيل تستطيع أن تصل إلى كل مكان في الشرق الأوسط، وإيران أيضاً).

فالمقال يردف بالقول: (خطورة تلك الهجمات كانت واضحة للمليشيات التابعة لإيران في العراق، ما دفعها إلى تغيير مواقعها العسكرية وإخلاء بعض معسكراتها الرئيسية، بحسب مصادر  مقربة من الحشد الشعبي، تحدثت لـ"الخليج أونلاين" في يونيو الماضي." فالكاتب يعتمد نفس اللغة في توصيف الحشد وهي لغة تعكس مرجعية معينة عربيا

المهم في المقال تقديم التأويل الأتي: (ثلاثة أسباب تدفع إسرائيل وتشجعها على تنفيذ ضربات جوية ضد أهداف تتبع "الحشد الشعبي" في العراق: (1) انتخابات الشهر المقبل، أيلول/سبتمبر، حيث سيخوض نتنياهو أخطر، وربما آخر، معاركه السياسة والشخصية، فهو إما أن يعود رئيسا لحكومة إسرائيل، أو ينتهي خلف القضبان ربما بقية حياته. (2) الدعم غير المشروط واللامحدود الذي يتلقاه وتتلقاه حكومته اليمينية المتطرفة، من قبل إدارة اليمين الشعبوي/الإنجيلي في الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، ما يعزز الشعور لدى هذه الحكومة بقدرتها على مقارفة أية جريمة من دون حساب أو عقاب. (3) حاجة المؤسسة الحربية الإسرائيلية المستمرة، لبناء وإعادة بناء صورتها الردعية التي تتآكل مع كل معركة لا تظفر بها، شمالا أو جنوبا، وحرص القائمين عليها على إحياء نظريات قديمة بدا أنها بالية بعض الشيء: " الجيش الذي لا يقهر" و"الذراع الطويلة.").

هذه التعليلات تبدو عامة وكثيرا ما وردت في الإعلام العربي إما  الأمر الثاني هذه الإشارة إلى الدعم أنصار إسرائيل في أمريكا أو من المسيحيون الصهاينة الذين عبروا عن صياغة جديدة بين المسيحية والصهيونية على خلق تحالف يقوم على توحيد الصفوف إزاء عدو مشترك هو الإسلام لكن من يمثل الإسلام هنا ؟ 

إلا إن الكاتب يحاول توقع الردود:(أما الاعتداءات، لاسيما في حال تواصلها، فقد يترتب عليها نتائج ثلاث، هي:  (1)استدراج مواجهة عسكرية أمريكية – إيرانية، ووضع حد لحالة التردد والإحجام عن المواجهة التي تهيمن على "مزاج" إدارة ترامب. الحشد الشعبي اتهم واشنطن وتل أبيب بالمسؤولية والتواطؤ وتوعد بالرد، الرئاسات الثلاث شددت على رفضها السماح بتحويل العراق إلى ساحة "حروب الوكالة". واشنطن تنصلت من أية مسؤولية، ولكن هيهات أن تقنع أحدا بذلك. (2) إحداث اختلال كبير في المعادلات الناظمة لعلاقات القوى والمكونات العراقية، وضرب التوازن الهش بينها، وتهديد العملية السياسية، وزيادة حدة التوتر بين الكيانات المختلفة، لاسيما في ضوء اختلاف مواقع ومواقف كل منها، وتباين أولوياته واختلاف تحالفاته الإقليمية والدولية.(3) استدراج العراق مجددا إلى حلبة الصراع العربي – الإسرائيلي. إن حدثت المواجهة بين "الحشد" أو بعضه، وبين إسرائيل و/أو الولايات المتحدة، فقد لا تبقى قوى سنيّة عربية عديدة على الحياد، وقد لا يظل الحشد في أذهان عراقيين مجرد مليشيا شيعية، بل قد ينظر إليه البعض، كما ينظر إلى حزب الله، بوصفه حركة مقاومة لإسرائيل. لن يضير الحشد الشعبي بضع ضربات جوية وبضع مستودعات أو مقرات أكلتها نيران الصواريخ الإسرائيلية، بل العكس تماما هو الصحيح؛ فالحشد قد يتقوى بهذه الضربات، وقد يكتسب غطاء وطنيا. وإسرائيل، والأهم الولايات المتحدة، لن تحققا أرباحا تذكر، بل الأرجح أن تجنيا المزيد من الخسائر  لكن رهانا كهذا، سيسقط حال استمرت العدوانية الإسرائيلية على انفلاتها، وإن لم تتدخل الولايات المتحدة على نحو خاص، لكبح الشهية العدوانية الإسرائيلية المفتوحة على المزيد من المعارك والمواجهات.)

إما القراءة الثاني لي المحلل السياسي وفيق السامرائي

فى البداية نجد السيد وفيق السامرائي وهو رجل متخصص فى الاستراتيجية يستبعد مسوغات التي قدمها العدو ولاعلام المرتبط به دوليا واقليميا ومحليا، لكن السيد السامرائي يقول معلقا:(كل ما قيل عن أن مستودعات الحشد تحوي صواريخ بطريقها الى لبنان بعيد عن المنطق السليم، فمحطات الخزن الوسطية كهذه تخالف كل منطق استخباراتي، لأنها؛ تختصر فقط أقل من 20% من الزمن المطلوب للتنقل إلى سوريا، ومكشوفة، وتحرج اصدقاء إيران العلنيين (والمتسترين وهم كثيرون) في العراق.)

إلا إن السيد وفيق السامرائي يرجع الضربة إلى مواقف الحشد كونه وقف ضد تقسيم العراق وهذا يتعارض مع إرادة إسرائيل وحلفائها في الداخل والداعين إلى الانفصال ولديهم مليشيات زوال الحشد  أو إضعافه يمنحهم التفوق محليا . لكن يبقى إن إسرائيل هي القوى الأولى الداعية إلى تفكيك العراق  بحسب وفيق السامرائي "): هدف إسرائيل:" هدف استراتيجي إسرائيلي (ويخدم مصالحها طبقا /لمخلفات/ الصراع ورؤية أطراف فيها، وهي رؤية تحتاج إلى مراجعة عقلانية، والعراق أهم من أصدقاء محكوم مستقبلهم بالفشل). ثم يقول: (وتقسيم العراق لن يمر بسلام (قطعا) وسيؤدي إلى اسوأ (حروب) إقليمية أهلية ودولية لن يسلم منها ومن تداعياتها أحد بشكل وآخر، وفي المحصلة العراق باق وسيتعافى.)

في الختام أن الإحداث تؤكد أن ضرب الحشد ليس بالأمر المهم؛ لأنه أيضا لا يساهم بإضعافه بقدر ما يؤكد نجاح عربيا؛ بأنه أصبح أكثر تأثير في المنطقة وله أثره في الصراع وهو اثر مهم ولا يمكن تحجيمه .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

مهدي الصافي- انهيار النظام الرأسمالي وتذبب اسواق الاسهم، وتكرار حالة الركود الاقتصادي، وتعثر مشاريع الشراكة والتبادل التجاري الدولي، وزيادة نسبة البطالة، وعجز الموازنات المالية لخزائن اغلب الدول الاقتصادية، انطلاق مشروع طريق الحرير الاسيوي الاوربي، مشاكل الهجرة واللجوء ...

- فشل نموذج النظام الديمقراطي الراسمالي الامريكي

- التراجع الحضاري العالمي

- صعود اليمين المتطرف في اوربا وامريكا...

يقال ان تاريخ هيمنة القوى الامبراطورية يعيد نفسه، فهي تسير بشكل تصاعدي لعقود حتى تصل القمة، ثم تبدأ بعدها رحلة التراجع والانهيار، فاسحة المجال لقوى امبراطورية اخرى تأخذ مكانها، او يدخل العالم في المرحلة الباردة، مرحلة توازن القوى او تعدد الاقطاب...

مايحدث بعد نهاية الحرب الباردة (مجيء بوش الاب للبيت الابيض .. وقيادة حرب الخليج ١٩٩٠)

تخبط واضح في مسألة تثبيت القيادة الامريكية المطلقة على النظام العالمي الجديد "القرن الامريكي"، حيث سرعان ماعادت ونهضت روسيا من تركة غورباتشوف الثقيلة بزمن قياسي لافت، وتصاعدت معها وتيرة الصناعات والاكتشافات الالكترونية الدقيقة في دول شرق اسيا وتحديدا في الصين، الا ان عودة الانتعاش الاقتصادي للدول التفطية بعد حروب الخليج، احدث نقلة نوعية في جميع المجالات والقطاعات الصناعية الحربية والمدنية،

استغلت اغلب هذه الدول (روسيا والصين وايران وتركيا) النفطية والصناعية التورط الامريكي في منطقة الشرق الاوسط (حرب احتلال العراق عام٢٠٠٣، اسقاط حكومة طالبان، وبداية تطبيق مشروع الشرق الاوسط الجديد)، والانخراط المباشر في هذه الملفات المعقدة، لاعادة بناء منظومة الاكتفاء الذاتي التنموية، العلمية والاقتصادية والصناعية، ومارست حصارا وضغوطا عسكرية كبيرة ضد التواجد الامريكي في هذه البقعة والمساحة الجغرافية صعبة، الحيوية والمهمة جدا (تبدأ من البحر المتوسط، سوريا ولبنان، وصولا الى البحر الاحمر في اليمن، الذي قيل عنه بالهلال الشيعي، بخضوع مضيق هرمز وباب المندب لقدراتهم العسكرية المؤثرة)،

اعتمدت فيها الادارة الامريكية الحالية على حلفاء اقليميين لايملكون الا المال (دول الخليج العربي)، في حين ان الهيمنة الاقليمية المطلقة في المنطقة هي بيد ايران وتركيا فقط،

بعد ان تحولت تركيا الى المعسكر الروسي بشكل جزئي، او اخذت موقفا متذبذبا في منطقة الابتزاز، تعقدت قدرات واشنطن في اعادة القوة والهيبة للاذرع الامبراطورية البعيدة (مع تعذر بناء منظومة الدفاع الامريكي في اوربا، وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، ومع بداية التصدع ايضا في منظومة الاتحاد الاوربي، بطلب بريطانيا في الخروج منه) ، وابتعاد المانيا القطب الاكثر تأثيرا في هذا الاتحاد عن القطار الامبراطوري الامريكي الخارج عن السيطرة (ولهذا كانت خطابات ورسائل ترامب المتشنجة ضد المانيا وحتى فرنسا سواء المتعلقة بتمويل حلف الناتو، او في مايتعلق برغبته في استكمال عملية الخضوع الكامل من قبلهم لسياساته الاقتصادية او حتى المشاركة في مخططات اعادة فرض القوة الامبراطورية حول العالم) ...

العلم والابتكار والمعرفة قد تكون احد اهم الاسس المعتمدة فيها هو الخيال العلمي المنطقي (اي الذي يستند للاسس العلمية الاولية المكتشفة)، وهذا الامر لم يعد حكرا على امة او شعب او دولة دون غيرها، فاسواق التكنولوجيا والصناعات التقنية متاحة للجميع، ولا يمكن ان تخضع كما حصل سابقا مع العراق فترة الحصار الاقتصادي للمراقبة والمحاصرة والمنع الدولي، فحدود العالم البرية والبحرية والفضائية اصبحت شبه مفتوحة تكنولوجيا (الاقمار الصناعية، شبكات الاتصالات الدولية الالكترونية)، اضافة الى ان الامم وشعوب منطقة الشرق الاوسط هي تعد حضاريا من اذكى الامم، ولاينقصها سوى الاستقرار الامني والسياسي، من هنا شعرت الدوائر المغلقة في الولايات المتحدة الامريكية (وقسم من دول الاتحاد الاوربي) ان التطور التكنولوجي الاسيوي (بالاخص العسكري، وزيادة الرغبة في الدخول الى الصناعة النووية من باب الحاجة لتغطية الاستهلاك المتزايد في الطاقة)، قد يشكل تهديدا حقيقيا لمصالحها الامبريالية او التجارية في المنطقة،

لهذا عادت للتدخل مجددا في ملفات المنطقة (سوريا والعراق وايران)، وقامت ايضا بالغاء الاتفاق النووي الدولي مع ايران، واتجهت الى محاصرة روسيا والصين تجاريا واقتصاديا، مع ان ادارة ترامب اعلنت اكثر من مرة انها ستنسحب من المنطقة (يقال ان ترامب قال لاردوغان سوريا لك بعد ان حدد مهلة الانسحاب)، وكأنه على مايبدوا اعادة ترتيب الاولويات الامبراطورية التي غفل او عبرها ترامب دون ان يعرف او يدرك اهميتها، تماما كما يعتقد ان السلاح النووي قد يوقف الاعصاير والعواصف والكوارث الطبيعية قبل ان تصل بلاده....

رفسة الامبراطور واضحة بالتخبط السياسي والاقتصادي والتجاري، بتحول ادارة ترامب الى ادارة فوضوية بامتياز، لاتوجد سياسة او برامج وخطط استراتيجية واضحة (هناك تسريبات كثيرة حول هذا الامر من قبل العديد ممن كان يعمل معه، اخرها تصريح السفير البريطاني المستقيل لدى واشنطن كيم داروتش)، وحالة رد الفعل الانفعالية ضد التصاعد والازدهار الاقتصادي الصيني (زيادة التعرفة الكمركية والضرائب الجديدة الاخرى المفروضة على البضائع الصينية المستوردة)، المؤثر في الاقتصاد الامريكي، وبقية دول العالم اكثر مما يضر هذه الدولة المتكاملة (حيث نشر تقرير صادر عن مركز دراسات الولايات المتحدة الامريكية في جامعة سدني حول القدرات الصاروخية الصينية الدقيقة التي تشكل تهديدا مباشرا لجميع القواعد الامريكية في غرب المحيط الهادئ) ، مما يجعل من هذه الحركات (الرفسات) البهلونية بلا فائدة، وكأنها استعراض في مسرح للسيرك او العبث الممل...

يقال ان المصريين واجهوا مدافع نابليون بالسلاح الابيض، وقد حاول صدام عام١٩٩١، ان يواجه الترسانة الحربية الامريكية الذكية

 بالسلاح الاسود (النفط وحرق الابار..وحديد خردة الاسلحة الغبية المتهالكة القديمة )، وفي كلتا هاتين المعركتين كانت النتيجة محسومة لصالح القوى الامبراطورية الامبريالية،

اما معارك اليوم فهي مختلفة تماما، فالجميع بات يملك الاسلحة الذكية الموجهة بالليزر او بالكنترول، والقادرة على تقليل نسبة الخطأ في اصابة الاهداف المعادية الى الصفر احيانا، اذ لم تعد هذه الدول (النامية او الناشئة) بحاجة الى صرف ملايين او مليارات الدولارات لصناعة الطائرات الحربية الضخمة المكلفة، بل صار بالامكان ارسال الطائرات المسيرة (قليلة التكلفة، سهلة الصنع والحمل والاخفاء والانطلاق، الخ.)

لاصابة ابعد الاهداف (بمافيها حاملات الطائرات العملاقة المتواجدة في البحار والمحيطات البعيدة نسبيا عن

 المياه الاقليمية ) ...

الحضارة الالكترونية- الفضائية رفعت الحواجز العلمية بين اغلب دول العالم، ومن المعروف ان الامبراطوريات لايمكنها ان تفرض اذرع الهيمنة الا في محيط الدول المتخلفة البائسة الفاشلة، ولكن ماذا عساه ان يفعل ترامب لروسيا والصين والهند وايران وتركيا والمانيا وكوريا الشمالية وامريكا الجنوبية وبقية الدول النامية، لاشيء غير ان يستمر بارسال رفساته المتكررة المشتتة هنا وهناك للعالم، لعله يصيب او يعيد القوة لامة انتهى على مايبدوا دورها الريادي في قيادة العالم المتحضر...

المعارك والحروب وصناعة الفتن وزيادة رغبة فرض الهيمنة الامبراطورية على العالم، دليل واضح عن ان الامم والشعوب لم تصل بعد الى مرحلة الحضارة الانسانية، الحضارة التي لاتنظر الى الانسان والكون والطبيعة والحياة عموما كمادة موضوعية قابلة للتغيير والتحول والخضوع تبعا لسلطة الاقوى، انما من منظار الاخلاق والقيم والمثل والمعارف الانسانية الراقية، بعيدا عن حدود الجغرافية والهويات التاريخية او الخصوصيات الدينية او الاثنية، فقد زالت الحواجز واصبحت الارض ملك البشر، وصار تغير المناخ والتلوث البيئي وحرائق غابات الامازون شأن دولي عام...

لم يعد بمقدور شعب ما او امة معينة قادرة ان تعيش بمعزل عن الشعوب والامم الاخرى، هذه هي كما نعتقد بدايات الدخول في مرحلة بناء اسس الحضارة الانسانية القادمة....

لاينفع لرفسات الخيل المصابة غير رصاصة الرحمة

 

مهدي الصافي

 

باسم عثمانالمقاومة الشعبية الفلسطينية عنوان لحديث غالبية الأوساط الفلسطينية،الثقافية والسياسية والجماهيرية، ويعود ظهور هذا المفهوم إلى تجارب عالمية في نضال الشعوب ضد مستعمريها (تجربة غاندي والمؤتمر الافريقي)، ولم يكن طرح خيار المقاومة الشعبية ذو الطابع السلمي وليد اللحظة في الحالة الفلسطينية؛ إذ كان مطروحاً طيلة المرحلة الماضية؛ وكان أساسيًا في الانتفاضة الأولى عام1987؛ إلاّ أن الزخم الذي حظيت به المقاومة المسلحة إبان انتفاضة الأقصى حشر هذا الخيار في زاوية هامشية، وأضعف فاعلية الدعوة إليه، في ظل أشكال العدوان الإسرائيلي القمعية والعنيفة التي مورست ضد الفلسطينيين.

وبدأ خيار المقاومة الشعبية يستعيد زخمه وأهميته في الآونة الأخيرة؛ وذلك في ظل غياب المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، وحالة التهدئة السائدة نسبياً في قطاع غزة؛ ما جعل المقاومة الشعبية القاسم المشترك والحل التوافقي المتاح، في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ القضية الفلسطينية.

وبالتزامن مع الجمود و الموت السريري الذي تمر به "عملية السلام" المزعومة، وتعثر المفاوضات؛ بسبب إصرار الاحتلال الاسرائيلي على مواصلة التوسع الاستيطاني والتهويدي للأراضي الفلسطينية المحتلة؛ كان لزامًا على القيادة الفلسطينية اللجوء إلى خيارات أخرى من المقاومة: شعبية ودبلوماسية مقبولة دوليًا، لكسر هذا الجمود الذي رافق سياسة الاحتلال الإسرائيلي القائمة على انهاء القضية الفلسطينية ومرتكزاتها؛ وللتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وسياساته.

ان خيار المقاومة الشعبية السلمية؛ يهدف الى ممارسة الضغط على قيادة الاحتلال، من خلال إعادة تفعيل الحراك الشعبي والجماهيري، الذي يشكل عامل إزعاج حقيقي لسياسات ومخططات الاحتلال، والذي وقف عاجزًا أمام هذا النوع من المقاومة.

ويهدف إتّباع هذا النهج من المقاومة إلى محاولة تحريك المجتمع الدولي وتفعيل قراراته الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وبهدف إعادة العمل على المسار التفاوضي الفلسطيني – الإسرائيلي، والتدخل لتليين المواقف الإسرائيلية المتشددة، وحشد التأييد الدولي لمناصرة القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. 

اما على صعيد الاحتلال الإسرائيلي، فإنه لا يُخفي خشيته من اعتماد هذا الخيار الوطني؛ إذ إن قدرته على إسباغ الشرعية على قمع المقاومة السلمية، أضعف من قدرته على مواجهة المقاومة المسلحة؛ فذلك يعني نزع الصفة الأخلاقية والإنسانية عن المواجهة غير المتكافئة التي يستخدم فيها الاحتلال أدوات القمع والقتل ضد الفلسطينيين، وضد الحجر الفلسطيني المجرد.

وإذا حاولنا التمعن في مبررات المقاومة الشعبية؛ نلاحظ عدة أسباب أهمها:

- ضرورة استنهاض البعد الجماهيري الفلسطيني والعربي لمساندة القضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال في ظل انشغال اغلب دول المنطقة في ترتيب بيتها الداخلي نتيجة الهزات العنيفة التي اصابت المنطقة برمتها.   

- ضرورة إبقاء روح المقاومة حية ومتقدة في نفوس الفلسطينيين.

- ضرورة إحراج الاحتلال الاسرائيلي دولياً، والعمل على تشويش وإرباك مخططات التهويد والاستيطان؛ فكل يوم يمر دون فعل كفاحي فلسطيني يُنقص قدرة الفلسطينيين على مواجهة مخططات وإجراءات وجرائم الاحتلال، ويجعل مهمتهم في كبح التوغل الإسرائيلي على الأرض والمقدسات أكثر صعوبة.

- الخروج من مأزق تناقض البرامج والأجندات الفصائلية والفئوية، عبر التوافق على برنامج عملي – ميداني لمواجهة سياسة الاحتلال، يلقى تأييداً وتجاوبًا من الجميع، ويضمن قبول ومشاركة الفصائل الفلسطينية دون استثناء.

 لقد حققت المقاومة الشعبية لغاية الآن، وفي ظل ما يجري، الكثير من الإنجازات على صعيد مقاومة الاحتلال والتصدي لسياساته العنصرية و الاستيطانية و التهويدية للأراضي الفلسطينية المحتلة، و فرضت نفسها على عناوين الصحافة العالمية، وعززت الرأي العام العالمي ضد سياسة  الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي وخطورته على تحقيق السلام وإقامة الدولة الفلسطينية.

لقد قدمت المقاومة الشعبية السلمية، ونموذجها المثالي( مسيرات العودة) رمزية وطنية و كفاحية عالية جدا وأسلوب متقدم للمقاومة الشعبية الوطنية، يظهر أن الاستمرار في مقاومة الاحتلال بطريقة سلمية وبأقل الخسائر، يشكل إزعاجًا وتحديًا كبيرًا لقوات الاحتلال وللمستوطنين الغاصبين ودحر مخططاتهم و تفكيكها. 

 لهذا كله، فإن مسيرات العودة كنموذج متقدم لأشكال المقاومات الشعبية و الجماهيرية، تكتسب أهمية فائقة ليس - لكونها تشكل العمل الجماهيري، الذي يوحد الحركة النضالية الفلسطينية، في المناطق المحتلة، وفي الشتات، رغم حالة الانقسام و التي اظهرت الحالة الفلسطينية منشقة على نفسها، إدارياً، وسياسياً، وتدور في ظلالها ابشع الحروب والتراشقات الإعلامية التي الحقت الضرر بالحركة الوطنية الفلسطينية، وشوهت مشهدها أمام الرأي العام الفلسطيني و العربي و العالمي، لما فرطت من رصيدها النضالي و تضحياتها الوطنية الجسيمة - بل لكونها تمثل جسر العبور للأمان الوطني الذي تخطى حالة الانقسام في النظام الرسمي الفلسطيني، ووضعه في سياقه الطبيعي المتمثل في صراعات سلطوية و فصائلية، رافضة كل محاولات تجييشها في خدمة اطراف المعارك الانقسامية.

 مع كل الادراك و الوعي لتعقيدات و خصوصية المرحلة الراهنة للحراك الوطني الفلسطيني و حاضنته العربية، شكلت مسيرات العودة كمقاومة شعبية رداً صاخباً و مناسبا على كل محاولات شطب حق العودة، ومحاولات إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، و نزع الصفة القانونية والاممية عنه، من خلال محاولات فرض الحصار على وكالة الاونروا و تجفيف منابعها المالية، ونقل خدماتها إلى الدول المضيفة و تحولها الى جمعيات خيرية إنسانية.

ولعل ما أعطته مسيرات الغضب الجماهيري - مسيرات العودة - فاق كثيرا توقعات المشاركين، وأكثر توقعات المراقبين، وأحدثت "هلعا سياسيا – أمنيا واقتصاديا" لقادة الاحتلال الإسرائيلي، حيث جسدت الملحمة الكفاحية يوم 14 مايو 2018، بسقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، ردا على قرار ترامب بنقل سفارة بلاده الى القدس،  عنوانا وطنيا و كفاحيا لشعبنا المقاوم فوق ارضه.

لقد تجلت المقاومة الشعبية الفلسطينية في أروع صورها عندما هبت الجماهير الفلسطينية، وفي مقدمتها أبناء مدينة القدس، لمواجهة قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى المبارك في الرابع عشر من تموز 2017م وللمطالبة بإزالة البوابات الإلكترونية والممرات الحديدية والجسور والكاميرات الذكية، وغيرها من الإجراءات الإسرائيلية التي أعقبت عملية الإغلاق؛ إذ سارع المواطنون إلى تنظيم المسيرات والاعتصامات والمرابطة وإقامة الصلوات على عتبات المسجد الأقصى؛ وكان باب الأسباط العنوان الأبرز لهذه المقاومة الشعبية السلمية، وقد صمد المواطنون الفلسطينيون صمودًا أسطوريًا وملحميا دون الالتفات للاختلافات الفصائلية والفكرية رغم لجوء جنود الاحتلال إلى العنف والعنجهية في محاولتهم فض اعتصام المواطنين ومرابطتهم في محيط المسجد الأقصى.

ومن أساليب المقاومة الشعبية ايضا، اهمية المقاطعة الاقتصادية للاحتلال و منتوجاته، التي تعدّ خطوة تدق مساميرها في نعش الاحتلال دون عنف؛ فالشعب الذي يريد مقاومة عدوه مقاومة مستمرة وجادة يبدأ أولًا بالمقاطعة الاقتصادية التي تلحق ضررًا فادحا باقتصاد الاحتلال، وتشجع المنتج المحلي الذي يعتبر أحد أركان استمرار المقاومة؛ ما يحتم ضرورة نشر الوعي الوطني الذي يرسخ المسؤولية الفردية والجماعية لدى أبناء الشعب الفلسطيني لتغليب القيم الوطنية على القيم الاستهلاكية.

الحرب ليست خياراٌ، دون أن نسقط معها كل إمكانات الرد أو المواجهة في نقطة تصعيد محدودة، اوعدوان غاشم من قبل طغمة الاحتلال على القطاع في غزة، او على المقاومة الفلسطينية، وكما ان "الرد الحربي" ليس خيارا، ايضا "وقف المسيرات"-  النموذج الامثل للمقاومة الشعبية -، هو خيارا تدميريا سياسيا ومعنويا، وكأنه إعلان هزيمة لا أكثر، وهو ما تسعى له "أطراف الحصار" لكسر روح الشعب الفلسطيني ليس في القطاع فحسب، بل في كل أماكن تواجده.

لقد بدأت مسيرات العودة بهدفٍ معلن، يتمحور حول رسالة واضحة محددة إلى المجتمع الدولي، بان قرارات الأمم المتحدة حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين لا زالت حبراً على ورق، وأنه المسؤول عن إفلات الاحتلال من العقاب في الوقت الذي ما زال الشعب الفلسطيني مناضلاً ومقاتلاً لنيل حقوقه. لذلك عملية المراجعة باتت أكثر من ضرورية، لضمان استمرار مسيرات العودة في سياق أهدافها التي أعلنت لدى انطلاقتها، ولاستعادة استهدافاتها السياسية والإنسانية و القانونية، بعيداً على توظيفها الفئوي و الفصائلي، ولضمان المسيرة الكفاحية الوطنية الجامعة والتوافقية، وبما ينسجم مع تطلعات شعبنا الفلسطيني و حقوقه المشروعة.

ان الإبداع الفلسطيني المقاوِم تجلّى بأبهى صوَره في ابتكار أسلوب المقاومة الشعبية السلمية،و التي تهدف الى أن يأخذ اللاجئ الفلسطيني زِمام المبادرة في تطبيق حق العودة المكفول له دولياً و قانونيا، والتأكيد على منطق الثوابت الفلسطينية التي تُعزّز الوعي المقاوِم لدى الجماهير الفلسطينية، و التي نجحت بالتأكيد في إعادته إلى ساحات الوجدان الفلسطيني، والوعي العربي، والضمير العالمي، بعد أن ظنّ نتنياهو أن الصمت العربي لن يعلو على أصوات احتفالاته مع الجميلة "إيفانكا ترامب" بنقل السفارة الأميركية إلى القدس.

الأمر الذي يتطلّب الحفاظ على ديمومة استمراريتها كفعل شعبي كفاحي، مع الحرص الدائم على تقييم أدائها، ومراكمة إنجازاتها، وعدم التسرّع بقطف ثمارها، وقراءة مُتجدّدة للبيئة السياسية المواكِبة لها، كل ذلك من خلال وحدة المشاركة الفلسطينية في القرار الوطني تجسّيدا للوحدة الوطنية الشاملة و البرنامج السياسي التوافقي، مع الالتزام بالخطاب العقلاني الموجّه لحاضنة المسيرات الشعبية.

يجمع التحليل السياسي الفلسطيني او يتفق بشكل عام على ان مسيرات العودة شكلت تحولاً استراتيجياً مهماً، لأنها شكلت تطوراً جديداً في استمرارية قدرة الفلسطينيين على تبني أسلوب او مفهوم كفاحي شعبي- ميداني لمواصلة الاشتباك مع جيش الاحتلال وترسانته العسكرية وتطبيقات "صفقة القرن" المزعومة.

ان معالجة الثغرات والأخطاء لكل المقاومات الجماهيرية وصولاً لتطويرها وتوسيعها لتمتد إلى كل ساحات تواجد شعبنا، شكلا من اشكال الانتفاضة الشعبية العامة و وصولا الى العصيان الوطني الشامل، ما تعززه نقاشات وطنية عميقة لتحويل (مسيرات العودة و كل الروافع الوطنية والمجتمعية)، الميدانية منها و السياسية الدبلوماسية، إلى مقاومة مستمرة في وجه كل مخططات التسوية" لتلاقح" اليمين المتطرف الامريكي- الاسرائيلي.

نحن أحوج ما نكون الى استراتيجية وطنية لمواجهة خطر الاستيطان الاسرائيلي، الذي بات يشكل تهديدا وجوديا للشعب الفلسطيني كجزء من سياسة الاشتباك مع صفقة القرن الامريكية، والدخول في حوار وطني شامل لطي صفحة الانقسام ومتطلبات فك الارتباط بدولة "الاحتلال الإسرائيلي" والغاء استحقاقات أوسلو و ليس تجميدها فقط، وايضا متطلبات تدويل الحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية وخوض معاركها في المحافل الدولية.

 

د. باسم عثمان

 

ابراهيم أبراشالقرارات الأمريكية المتسارعة الداعمة لإسرائيل والمعادية للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وآخرها شطب الخارجية الأمريكية اسم أراضي السلطة الفلسطينية من مواقعها وقبلها رفض الاعتراف بالواقع القانوني الدولي للضفة وغزة كأراضي محتلة، واعترافها بالقدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني، وعشرات القرارات والمواقف الأخرى داخل الأمم المتحدة وخارجها، ناهيك عن الدعم المالي والعسكري والاقتصادي غير المسبوق في تاريخ العلاقة بين الطرفين، ليست عفوية أو أحداثا عابرة .

هذه المواقف والسياسات لا تعبر فقط عن مغالاة الرئيس ترامب في انحيازه لإسرائيل بسبب توجهاته الدينية والأصول اليهودية لصهره كوشنير بل تميط اللثام عن حقيقة العلاقة بين إسرائيل والصهيونية العالمية من جانب وواشنطن والغرب عموما من جانب آخر، كما تُعد مؤشراً على تحولات استراتيجية كبيرة في السياسة الأمريكية سيكون لها نتائج خطيرة على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعلى كل صراعات المنطقة، أيضا تكشف عن أزمة عميقة لدولة الكيان .

ما يجري اليوم مع القضية الفلسطينية وفي المنطقة العربية يؤكد صحة الأدبيات الأولى للحركات القومية العربية والوطنية والتقدمية منذ ظهور وعد بلفور 1917، التي شخصت العلاقة بين ظهور الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل والمصالح الاستعمارية في المنطقة، حيث أكدوا على تداخل المصالح الاقتصادية والإستراتيجية والأبعاد الدينية بين الطرفين وأن إسرائيل لن تكون إلا أداة لتنفيذ السياسات الغربية لزرع الفتنة في المنطقة والعمل على تقسيمها وتفتيتها والهيمنة على خيراتها، ولهذا فلن تترك الحكومات الغربية إسرائيل لوحدها بل سيدعمونها وسيمدونها بكل ما تحتاجه حتى تبقى متفوقة على العرب أجمعين .وهكذا بعد بريطانيا العظمى المؤسِسة الأولى لدولة الكيان استلمت الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية في دعم وحماية إسرائيل والمشروع اليهودي الصهيوني التوراتي .

استمر الوعي والإدراك الشعبي والرسمي العربي بحقيقة وطبيعة الصراع مع التحالف الغربي الإسرائيلي قائماً وعززته الممارسات العدوانية والمؤامرات بدءاً من حرب 1948 ثم العدوان الثلاثي على مصر 1956 وبعده عدوان 1967، ومؤامرات لا تنتهي لزرع الفتنة وإجهاض كل محاولات وحدوية عربية،  إلا أن تغلغل فكر التسوية السياسية والمراهنة على أنه يمكن تفكيك العلاقة بين إسرائيل والغرب وخصوصاً واشنطن ويمكن المراهنة على هذه الأخيرة بأن تكون وسيطاً نزيهاً لحل الصراع العربي الإسرائيلي، والمراهنة أيضاً أن تكون إسرائيل دولة سلام وتقبل الاعتراف ولو بجزء من حقوق الشعب الفلسطيني وتقبل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 67، كل ذلك ثبت أنه مجرد وهم تغذى من حالة العجز وليس من تحليل علمي وموضوعي للواقع  .

هذا التحول بدأ على إثر حرب أكتوبر 1973 وأتى أكله مع توقيع اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد 1979، وتعززت هذه المراهنات العربية لاحقاً في مبادرة الأمير فهد أو مبادرة فاس 1982 ثم مؤتمر مدريد 1991 وتلتهما المبادرة العربية للسلام 2002 . أما فلسطينياً فإن التفكير بحل وسط مع الإسرائيليين فتعود جذوره إلى 1971 عندما طرح الفلسطينيون مشروع الدولة الواحدة التي يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، إلا أن التحول الأبرز كان في دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988 عندما تم القبول بدولة فلسطينية على أراضي الضفة وغزة واعتماد قرارات الأمم المتحدة كمرجعية لأية تسوية سياسية .

بغض النظر عن مدى صواب هذه المراهنات في حينها فإن ثلاثة عقود  تقريبا من المراهنة على موقف أمريكي محايد وعلى استعداد إسرائيلي للسلام كافية لتُعيد التأكيد على حقيقة الصراع كصراع بين الشعب الفلسطيني والأمة العربية ومعهما أحرار العالم من جانب، وإسرائيل والحركة اليهودية الصهيونية العالمية وحكومات غربية وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر، وما جرى ويجري في عديد الدول العربية تحت مسمى الربيع العربي والتدخل العسكري  الإسرائيلي من خلال ضرب مواقع في سوريا والعراق ولبنان واليمن يؤكد هذا التحالف، والذي للأسف تشارك فيه بعض الأنظمة والجماعات العربية بوعي أو بدون وعي .

في ظل هكذا تحولات استراتيجية في الموقف الأمريكي وفي النظامين الدولي والإقليمي وفي ظل ضعف ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية فإن مفهوم السلام والمراهنة عليه بالصيغة والآليات السابقة تحتاج لوقفة مراجعة وخصوصاً من الطرف الفلسطيني المُستهدف الرئيسي الأول من المشروع الصهيوني لأن الأنظمة العربية والإسلامية أخرجت نفسها من دائرة الصراع، وخصوصاً أننا سنشهد قريباً خطوات إسرائيلية أكثر خطورة قد تصل لضم الضفة أو أجزاء كبيرة منها، فأي سلام أو تسوية سياسية سيكون بعد ذلك ؟ وما سيزيد الأمر صعوبة أن الاستمرار في حالة ألا حرب وألا سلم يخدم إسرائيل وواشنطن ولا تخدم الفلسطينيين المنقسمين على ذاتهم والفاقدين للبوصلة . 

إن كانت المواقف الأمريكية الأخيرة الداعمة لإسرائيل تؤكد على قوة التحالف بين الطرفين إلا أنها تكشف في نفس الوقت بأن إسرائيل، وبالرغم من كل ما تملكه من قوة عسكرية بما فيها نووية، عاجزة عن حسم الصراع لوحدها كما هي عاجزة عن تركيع الشعب الفلسطيني ودفعه للاستسلام كما هي عاجزة عن جر الشعوب العربية لمربع التطبيع معها والاعتراف بها، لذا فإنها تلجأ لواشنطن لتقوم بما هي عاجزة عن القيام به،  حتى في هذه الحالة فإن صمود الشعب الفلسطيني واستمرار إيمان الشعوب العربية والإسلامية بعدالة القضية الفلسطينية ورفضها لإسرائيل كدولة احتلال وكإيديولوجية يهودية صهيونية كفيلان بإفشال، ولو نسبياً، كل السياسات الأمريكية والإسرائيلية .

 

إبراهيم أبراش

 

 

مصطفى محمد غريبالسلاح غير المنضبط بيد أفراد أو عصابات مافيا أو ميليشيات على شكل تنظيمات سياسية يعني دولة داخل دولة مهما حاول البعض التشبث بمسوغات وحجج لتمرير هذا الوضع الشاذ في الدولة، لا يوجد أي تفسير يبرر وجود السلاح بيد قوى أو أشخاص لا يخضع للدولة ولا يلتزم بالقوانين المرعية، العراق يعيش هذه الحالة المرعبة التي تحدثت عنها عديد من الجهات ذات الاختصاص ووسائل إعلام محلية وخارجية، ويحس المرء من متابعته أن هناك لغزٌ أو سرٌ يحيط بصيرورة الدولة العراقية وتشعباتها التي تدل أن هناك دولة أخرى تعيش في أعماق الدولة المركزية.. ويا للهول عندما يجد المتابع أو الباحث أن معالم الدولة السرية داخل الدولة الرسمية تؤشر أول ما تؤشر استحالة القضاء على الآفات التي تحيط بمكونات الدولة ومشاريعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لوجود مؤسسات أمنية سرية تعتمد على قوى سياسية دينية تدير الدولة الرسمية بأشكال متنوعة وضعت لذر الرماد في العيون وإخفاء معالم وأدلة كيفية التشابك ما بين مؤسسات الدولة الرسمية ومع الدولة السرية ذات التراث الميليشياوي والمافيوي المتحالف من قوى سياسية داخلية وبقيادة قوى خارجية معروفة، والهدف استمرار الهيمنة وتمرير المخططات التي تخدم مصالح الفئات الأكثر تطرفاً والأكثر فساداً ليتسنى لها تقديم ما يمكن تقديمه للقوى الخارجية عن..

1 ـ طريق استغلال موارد البلاد وبخاصة في مجال النفط

2 ـ استغلال وضع العراق واستغلال أسواقه

3 - إخضاع المواطنين تحت طائلة من الحيل والأساليب بما فيها استغلال الدين والطائفية لخداع وعيهم وتمرير جملة من الأكاذيب والخدع

4 ـ الهيمنة على قسم من المنافذ الحدودية

التوجه الموما إليه يمر عبر أساليب كثيرة

- فكري وثقافي أيديولوجي حيث يستخدم التراث الديني مع فبركة الحوادث التاريخية

- عنفي يعتمد التصفيات الجسدية الفردية والجماعية وسياسة العنف والاضطهاد

أن كلما قيل وقال ويقال عن أوضاع العراق بعد عام 2003 الكارثية صحيح ومترابط لكن العلة الكبرى أو المرض الخبيث الأكبر هو انتشار التنظيمات الإرهابية وانتشار الميليشيات الطائفية المسلحة والسلاح وضعف الدولة والحكومات التي جاءت عن طريق الانتخابات التشريعية غير النزيهة، وعندما نشخص ضعف الحكومة علينا أن لا ننسى المحاصصة الطائفية البغيضة التي ولدت بسبب الاحتلال وتدخل بعض دول الجوار، والطامة الكبرى الأخرى هو الفساد الذي بدء من المهد ليصبح مارداً يعيث تدميراً بمقدرات وطاقات البلاد ويمنعها من التنمية والاستقرار، بهذا فقد نشطت الدولة العميقة على قاعدة الميليشيات الطائفية المسلحة والفساد وأصبحت تضاهي لا بل هي أكثر قوة وسعة من الدولة المركزية التي تلمسها بالشكل الذي تراه (رئيس جمهورية، ورئيس وزراء ووزراء ، ومجلس نواب وأجهزة أمنية وتربويه وصحية وهيئات قضائية ...الخ) ولم تكن على خطأ الممثلة الخاصة للامين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت عندما نشر موقع الأمم المتحدة الرسمي يوم الأربعاء 22 / 5 / 2019 مضمون كلمتها أمام المجلس انه "ليس سرا بأن السلطات والمؤسسات والآليات والأنظمة في العراق تواصل الكفاح أمام مشاكل متجذرة بعمق تعيق غالبا تنفيذ الاستجابات العاجلة والقوية من الحكومة للاحتياجات الملحة مثل إعادة الأعمار والتنمية والأمن".  هذا يدل على مدى تأثير الدولة السرية التي على ما يبدو لا تعيق فحسب بل تمنع الاستجابات للبناء ونعني بالبناء جميع مرافق ومفاصل الدولة الرسمية ولم تستثني الممثلة الصراع الإقليمي الذي بدأت مظاهره الخارجية  تظهر بشكل ملموس" بوادر صراع إقليمي فيه" ونوهت عن انتشار السلاح بيد المافيا المنظمة والميليشيات المسلحة، والإرهاب داعش حيث أشارت إن "تنظيم داعش لا يزال لديه نشاط في العراق وأن هنالك مخاوف من عودة التظاهرات في العراق بسبب مشكلة نقص الخدمات " طوال 16 عام والميليشيات المسلحة تتصرف وكأنها دولة .

إذن كلما يقال عن الاستقرار وبناء الدولة المدنية يعيش في بودقة الفكرة الطائفية التي تفسر قيام دولة المؤسسات الدولة المدنية هي النهاية الحتمية للمشروع الطائفي الذي فشل بشكل علني إلا انه نجح إلى حدود معينة بتكوين الدولة التي تعيش داخل الدولة الرسمية، دولة للميليشيات وللمحاصصة والتعتيم على أساليب وطرق الفساد وإبقاء الأوضاع الاستثنائية على حالها  مثل تردي الخدمات، البطالة ، عدم وجود فرص عمل للعاطلين وبخاصة الخريجين وعدم السماح بتطوير القطاع الخاص والاستمرار على أحادية الاقتصاد العراقي على أسس الاقتصاد الريعي المعتمد على قطاع النفط لتسهيل عمليات السرقة ومنع أي مساع جدية لحل الخلافات مع حكومة الإقليم وعدم الاستقرار الأمني ومنع أي تشريع يحد من تصرفات ومخططات الميليشيات ويساعد بطريقة معينة  بعدم القضاء على الإرهاب وبخاصة داعش لكي يكون ورقة في أيدي من يريد الاستغلال ومثلما أعلن عنه من حوادث وتحركات في مناطق عديدة من البلاد وبشهود وإثباتات محلية وأممية، لهذا أشارت الممثلة الخاصة للامين العام إلى واحدة من الكوارث التي عمت البلاد والإقليم حيث أكدت أن  انتهاكات جسيمة ضد السكان الإيزيديين  في سنجار " رأيت الدمار المروع، الناجم عن داعش قبل نحو خمس سنوات. للأسف لم يتغير الكثير منذ تحرير سنجار. الكثيرون ما زالوا يعيشون في خيام على سطح الجبل الذي فروا إليه مع بداية حملة الإرهاب" وإذا ما تابعنا أوضاع ما بعد التحرير فسوف نجد الكوارث قد عمت ليس الإقليم ومناطقه فحسب بل أكثرية المناطق التي احتلت من قبل داعش وهناك قوى سياسية وميليشيات  تدير أكثرية المناطق وتلعب بمقدرات المواطنين، تمنع النازحين من العودة إلى مناطقهم مثل جرف الصخر وسهل نينوى ومناطق أخرى تحت طائلة الحلم الشوفيني بالتغيير الطبوغرافي والسكاني ولكن على أساس طائفي وتختص به البعض من ميليشيات طائفية منضوية تحت ظل الحشد الشعبي الذي بدأت بعضا من قواه تصطدم في ما بينها حول الاستمرار في بقاء دولة الميليشيات داخل الدول المركزية والاستمرار على السيطرة عليها وما أثير عن التفجيرات الأخيرة في مخازن أكداس وعتاد السلاح لبعض أطراف الحشد الشعبي إلا دليل عن ما قلناه عن دولة العمق فليس في العالم وبخاصة في الدول المستقرة نسبيا  مخازن سرية تكدس فيها الأسلحة في المناطق السكانية  ومن كل نوع حتى الصواريخ المتطورة، هذه التفجيرات التي شملت مناطق بغداد وصلاح الدين وديالى ومناطق أخرى وبدلاً من إجراء تحقيق دقيق لمعرفة الأسباب نجد بعض القيادات تعزوها إلى قضايا شبه هلامية منها اتهام إسرائيل والولايات المتحدة وقوى خارجية مما أثار لغطاً حتى بين قيادة الحشد الشعبي ورفض تصريحات أبو مهدي المهندس من قبل رئيس الحشد الشعبي فالح الفياض إن " ما صدر عن أبو مهدي المهندس لا يمثل الموقف الرسمي لهيئة الحشد الشعبي حول مسؤولية استهداف مخزن الحشد " إلا أن ما يثير الاستغراب لم يصدر أي بيان أو شارة أو توضيح من قبل القائد العام للقوات المسلحة ومن الحكومة ،وتؤدي هذه الاتهامات أو غيرها  بدون دليل مادي إلى تشنج في العلاقات مع الولايات المتحدة الذي يأتي لصالح إيران وهو أمرٌ متفق عليه، وقد يكون هناك ردة فعل عشوائية ومخطط لها لضرب البعض من مواقع ومصالح أمريكية تؤدي إلى عواقب وخيمة فيضيع راس الخيط كما يقال، وتطمس الحقائق ولينتقل الصراع على الساحة العراقية وعند ذلك يتحقق تقاسم السلطة عسكرياً وبخاصة نحن على يقين بان بعض فصائل الحشد الشعبي ترفض قرارات الحكومة لا بل تستهين بها ولنا أمثلة غير قليلة وجاء ذلك أيضاً على لسان النائب عبد الخالق العزاوي حيث قال أن " السبب الرئيس وراء تمرد فصائل الحشد على الحكومة هو سعيها لإشغال مساحة أمنية تتجاوز المساحة التي تشغلها الأجهزة الحكومية في إطار خطة باتت معروفة لتشكيل دولة عميقة داخل الدولة العراقية ما يجعل استتباب الأمن والاستقرار أقرب إلى المستحيل"

أما قضايا منع قوات الجيش العراقي  من الدخول إلى بعض المناطق فهي كثيرة وعديدة ونشرتها حتى وسائل الإعلام بشكل تفصيلي مع ذكر المواقع ولا نحتاج إلى التكرار.

إن الدولة العراقية مهددة تماماً إذا لم تكن بالاضمحلال كي تبرز الدول السرية في مكانها وبشكل تدريجي أو ستبقى عبارة عن يافطة يتحكم فيها كل من هب ودب بما فيها القوى الخارجية ،والهجوم على الجيش العراقي هو أول الطريق لتحقيق الهدف وجعل الحشد الشعبي يحتل مكان الجيش العراقي، هنا تبدأ المأساة وسوف تتوسع أكثر إذا بقت الأمور والمخططات على حالها، ولهذا للإنقاذ يحتاج الأمر إلى التصدي الحازم للمخطط المذكور وردع القوى التي خلف هذا التوجه والوقوف بحزم من اجل الحفاظ على العراق مستقلاً حرا والبداية حل المشاكل بخصوص حكومة المحاصصة والتفاهم لحل النزاعات والمشاكل مع الإقليم لتمتين وحدة البلاد والالتفات لتحسين واقع الخدمات ومحاربة الفساد والفاسدين ومنع أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للعراق .

 

مصطفى محمد غريب

 

معمر حبارعقب الاتّفاق المبرم ما بين المجلس العسكري السوداني والسّاسة في السودان حول المرحلة الانتقالية برعاية سعودية وإماراتية وإفريقية وغربية طالب على إثرها حزب FFS الجزائري من الجزائر أن تقلّد السودان في مسعاه وتدخل مثله إلى مرحلة انتقالية دون انتخاب ونقلت الصحف الفرنسية بدورها البيان وروّجت له عبر صفحاتها وعبر الفضائية الفرنسية النّاطقة بالعربية التي أقامت حصّة لذات الشأن وطرحت على مجموعة من الأساتذة والساسة والإعلاميين في السودان حفظهم الله ورعاهم: هل يمكن للجزائر أن تتخذ من السودان مثالا يقتدى به في إقامة مرحلة انتقالية دون انتخاب؟ والجزائري المتتبّع يرى الآن أنّ "الحل؟ !" السوداني لا يمكنه وفي ظلّ المعطيات أدناه أن يكون نموذجا لما تعيشه الجزائر من أحداث منذ 22 فيفري 2019 للأسباب التّالية:

أوّلا مقدمة:

1- نقدّر المجتمع السوداني ونحترم اختياراته التي ارتضاها لنفسه ولوطنه العزيز ونتمنى له كلّ التوفيق ونظلّ على عهدنا بأن لا نتدخل في شؤون السودان ولا الغير.

2- بعض ساسة الجزائر الذين يفضّلون "الحلّ السوداني" الملطّخ بالدماء والتدخل الأجنبي إنّما يسعون بذلك إلى تحقيق أحلامهم المتمثّلة في الاستحواذ على الجزائر وخيراتها دون المرور عبر الصندوق.

3- كلّ ما يهم بعض ساسة الجزائر تمكينهم من حكم الجزائر دون المرور عبر الصندوق ولذلك رحّبوا بالحالة السودانية التي تقفز على الصندوق.

ثانيا الجيش الشعبي الوطني الجزائري الذي يحقن الدماء والجيش السوداني:

4- من حسن حظّ الجزائر أنّ الجيش الشعبي الوطني لم يقلّد جيش السودان لأنّ الجيش السوداني قتل المتظاهرين وأسال دماء إخواننا السودانيين حفظهم الله ورعاهم بينما الجيش الشعبي الوطني مازال على عهده ووعده يحقن دماء الجزائريين ويحفظ أرواحهم وممتلكاتهم ويرافق مسيراتهم وهم في الجمعة 27 باحترافية عالية ولم يمسّ أحدا بسوء رغم ما سمعه مؤخّرا.

5- نظلّ على عهدنا نقف إلى جنب الجيش الشعبي الوطني وقادة الجيش الشعبي الوطني مادام الجيش الشعبي الوطني وقادته على عهدهم الذي قطعوه للجزائريين من حقن الدماء وصون الأرواح وحفظ الممتلكات والدفاع عن الحدود.

6- الجيش الشعبي الوطني الجزائري يرفض اللّعبة السياسية -لحدّ الآن- ويصرّ على حقن الدماء وإجراء الانتخابات بما يضمن انتخابات نزيهة دون تدخل الإدارة المتمثّلة في وزارة الداخلية والولاية والدائرة والبلدية ومن يمثّلهم من كبير أو صغير.

7- الجيش الشعبي الوطني الجزائري قوي متماسك عريق محترف يملك عقيدة حقن الدماء وصون الأعراض وحماية الحدود والممتلكات ولا يخضع لقوى عربية أو أعجمية أو غربية ولا يحتل أراضي الجار والبعيد ولا يستعين بالغير ضد الإبن والجار ولم يشارك في سفك دماء إخواننا اللّيبيين واليمنيين والسّوريين والعراقيين والسودانيين كما تفعل الجيوش العربية والأعجمية والغربية. إذن لا يمكن بحال مقارنة الجيش السوداني - بشهادة إخواننا السودانيين حفظهم الله ورعاهم - بالجيش الوطني الشعبي الجزائري وبالتّالي "الحل؟ !" السوداني لا يمكنه أن يكون حلاّ للجزائر.

8- الجيش السوداني تحت رحمة سلاطين آل سعود وأمراء الإمارات ودول كثيرة لا يمكنه بحال أن يرد لها طلب ناهيك عن مواجهتها والجيش الشعبي الوطني لم يتدخل في شؤونه أحد من الكبار ناهيك عن الصغار وظلّوا يحترمونه ولا يتدخلون في شؤونه وهذه من أعظم ما يميّزه لحدّ الآن.

9- الجيش السوداني رضي باللّعبة السياسية وساسة السودان رضوا باقتسام الكراسي على حساب الصندوق والدماء.

10- الجيش السوداني ضعيف هزيل مفكّك تتجاذبه قوى خارجية ونعرات داخلية وحروب من الإبن والجار لذلك رضخ للمال السّعودي لأجل قتل إخوانه اليمنيين ورضي من قبل بإقامة قواعد عسكرية تركية على ترابه ليواجه بها جاره وأخيه المصري بغضّ النظر عن طبيعة العلاقة ودرجة التوتر.

ثالثا التدخل الأجنبي في السودان:

11- أقوى الدول لحدّ هي المملكة السّعودية باعتبارها تملك المال من جهة ومازالت بحاجة إلى 5000 جندي سوداني يساعدها في الحرب ضدّ الجار والأخ اليمني.

12- الإمارات باعتبارها تملك المال.

13- مصر باعتبارها الجارة للسودان ولا يمكن للسودان - الآن - أن يستغني عن مصر رغم ما يعرف عنهم من اختلافات تتعلّق بالمياه والحدود.

14- إثيوبيا باعتبارها الوسيط الناجح وأزعم أنّ إثيوبيا تسعى لإقامة قدم في السودان لربح حليف يساعدها في الحدّ من النفوذ المصري خاصّة في ملف المياه أو ملفات أخرى لا نعرفها لحدّ الآن.

15- الاتحاد الإفريقي باعتباره من الرافضين للانقلابات العسكرية وتجميد عضوية كلّ نظام يقوم على الانقلاب العسكري وناجح في وساطاته ويملك أدوات الضغط.

16- غياب الجامعة العربية لضعفها وفضائحها وأزعم أنّ السّعودية حين تتمكّن من ملف بعينه تتعمّد إزاحة الجامعة العربية والأمين العام للجامعة وبعض الدول العربية يفضّلون الصّمت والانسحاب.

17- حاولت تركيا أن تستحوذ على السودان لمنافسة مصر والضغط عليها والإطلالة على السّعودية عبر المنفذ البحري الذي كانت تحلم به عبر القاعدة العسكرية التي مازالت تمثّل الحلم التركي وأزعم أنّ السرعة السّعودية في تلبية مطالب السودان بسخاء ودهاء وخداع يعود لأحد أسبابه لغلق الطريق أمام الحلم التركي.

18-  حاولت قطر أن تستحوذ على السودان عبر المال لكن في ظلّ هيمنة المال السّعودي والقبضة المصرية والدعم الإفريقي لاأعتقد حاليا أنّ قطر سيكون لها دور في السّودان.

19-  كلّ الدول التي ذكرناها والتي لم نذكرها تعاملت مع السودان بدهاء وخداع ومكر.

20- الإتّفاق أصلا وضعته السّعودية وإذا استمرّ الوضع على حاله أي سيطرة السّعودية والإمارات ومصر على الوضع السوداني فلا أعتقد -في المنظور القريب والمتوسط- أنّ تركيا ستسطيع إحياء أطماعها وأحلامها في السودان.

21- من قواعد الاتحاد الإفريقي أنّه يجمّد عضوية كلّ دولة عضو قامت على أساس انقلاب عسكري ولا ترجع إلاّ بإجراء الانتخابات بغضّ النظر عن طريقتها. المسألة ليست في خروج دولة كالمغرب من الاتحاد الإفريقي فلكلّ دولة الحقّ في الانسحاب ولا يمنع الاتحاد ذلك والسؤال لماذا رجعت؟ وهل تستطيع دولة في الاتحاد الإفريقي أن تنسحب كلية وإلى الأبد من الاتحاد الإفريقي بما فيها الدول الكبرى كجنوب إفريقيا ونيجريا؟ والإجابة كلا. حين نتحدّث عن ضغط الاتحاد الإفريقي نتحدث عن الضغط بالمفهوم الإفريقي وليس بمفهوم الدول التي تملك حقّ النقض والصواريخ العابرة للقارات. أؤكد من جديد غير نادم ولا آسف كلّ الدول التي تتعامل الآن مع السودان تريد الاستحواذ عليه ومنع منافسها من الاقتراب منه ولا أستثني أحدا وهذا ما يميّز الدول فالدول لا تعطي بسخاء ولا تثبت قواعد عسكرية ولا تتعامل بدهاء وخداع بالمجان.

رابعا الخاتمة:

22- لا يمكن بحال أن يكون "الحل"؟ !" السوداني حلاّ للجزائر لأنّه "حلّ" يقفز على الصندوق.

23- بني "الحلّ" السوداني على الدماء والتدخل الأجنبي ولا يمكن أن تكون الدماء والتدخل ممّا تقتدي به الجزائر.

24- حفظ الله إخواننا في السودان ووفقّهم الله لصالح السودان العزيز علينا والسودانيين الكرام.

 

معمر حبار

 

محمود محمد عليفي هذا المقال السادس نعود ونكمل حدثنا عن البعد الحقيقي لعزو الولايات المتحدة لأفغانستان وذلك عقب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، وفي نناقش: البعد الثالث وهو البعد الاقتصادي، وفي هذا نقول: في عام 1994م أصدر البيت الأبيض وثيقة بعنوان "استراتيجية الأمن القومي للارتباط والتوسع ”" National Security Strategy For Reengagement and Enlargement ” والتي تتحدث عن إمكانية اسـتخدام نفط بحر قزوين من أجل تنويع مصادر الإمداد بالطاقـة في سبيل تقليص الاعتماد الأمريكي على بترول الخليج العربي، وذلك من خلال تشجيع منتجين ومصدرين جددين للأسواق الأمريكية، فالاعتماد على بترول الخليج وحده أمر محفوف بالمخاطر في ظل التوترات التي تعيشها المنطقة آنذاك .

ومـن هنـا جاء الاهتمام الأمريكي بمفهوم "أمن الطاقة، وبالتـالي برز بترول بحر قزوين باعتباره البديل الأمثل، حيث تـشير تقديرات وزارة الطاقـة الأمريكيـة إلى أن الاحتياطيـات المحتملة، لنقط بحر قزوين تـصل إلى 200 برميل، وهو رقم يقترب كثيراً مما لدى السعودية صاحبة أعلى احتياطي نفطي في العالم (69 مليار برميل)، أما من حيث التوزيع فإن مجموع ما تنتجه ثلاث دول هي أذربيجان، وقازاقستان، وتركمنستان، يصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، في حين يتركزالقدر الأكبر من الاحتياطيات النفطية في كازاخـستان وأذربيجـان، وإلى حـد أقـل أوزبكستان، وتشير تقديرات عدة إلى أن أكثر من نـصف الثروة النفطية المحتملة في المنطقـة يقـع في كازاخـستان، وبتقديرات الحكومة الأمريكية يتوقع بلوغ الإنتاج النفطي في كل من كازاخستان وتركمنستان وأوزبكستان بحلـول عام 2010م إلى مستوى 5.4 مليون برميل إذا ما أزيلـت العقبات السياسية.

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الغزو الأمريكي لأفغانستان لم يكن مجرد رد فعل تلقائي على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لأن التحضيرات وخطط العمليات العسكرية، كانت مجهزة من قبل، فالغزو كان سيحصل تحت أي مسوغ لأهمية وضع أفغانستان في الجغرافيا السياسية لأوراسيا الذي هو عبارة عن محيط للثروة النفطية التي تتصارع عليها القوي الإقليمية والدولية، لأن المنطقة تحتوي على 60 % من الناتج العالمي، فالسيطرة على أفغانستان ستفتح الطريق إلى آسيا بعيدا عن السيطرة الروسية، بالإضافة إلى التحكم في التوازنات الإقليمية في المنطقة من خلال مراقبة نمو القوي النامية التى تعد بمثابة تهديد للمصالح الأمريكية في العالم (الصين، روسيا، الهند)، أضف إلى ذلك تأمين أنابيب النفط والغاز الآتية من آسيا الوسطي عبر أفغانستان وحماية المشاريع الكبري، فيما يخص إنشاء أنابيب نفط جديدة، مثل: مشاريع شركة "أتوكال" في تركمانستان ونقل النفط عبر أنابيب متوجهة إلى المحيط الهندي عبر أفغانستان، بهدف الالتفاف على روسيا وإيران، من أجل نفط بحر قزوين دون الاعتماد عليها .

كما يلاحظ أن هناك ارتباطاً مادياً ومعنوياً بين الغزو الأمريكي لأفغانستان، وبين مضامين السياسة الخارجية الأمريكية وانعكاس ذلك على أمن المنطقة، وخاصة القوقاز، فقد احتلت هذه المنطقة أهمية كبيرة منذ منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي في مرتكزات السياسة الأمريكية، وأعلنت الأخيرة أن هذا الإقليم يمثل عمقاً حيوياً لمصالحها الاستراتيجية، وأنها تتطلع إلى تطوير الديمقراطية، وخلق اقتصاد السوق الحرة، واحتضان السـلم والأمـن والتعـاون، وإدمـاج هـذا الإقلـيم بمنظومـة الأمـن الجماعيـة الدوليـة، فوجـود الولايـات المتحـدة فـي أفغانستان حمل ويحمل بين طياته هدفاً استراتيجياً، ضد دول الجوار (القوقاز) من أجل احتواء روسيا وإقصاء إيران ومراقبة الصين، وتغطية تحتية قائمة على التعددية الجيوسياسية في القوقاز من جنوبه وانتهاءً بشماله وإنشـاء منظومـات لممـرات نفطيـة أورو- آسـيوية لا تمـر عبـر الأراض الروسـية والإيرانيـة والصـينية، وبـذلك تتوجس روسيا خيفة من أن الولايات المتحدة تهدف إلى طردها من دائرة تنمية الطاقة القوقازية، ولذا لا غرو أن نجد هناك تلاقياً للمصالح الايرانية – الروسية ضد تنامي النفوذ الأمريكي في القوقاز وبحر قزوين .

وتمثل موارد الطاقة في منطقة القوقاز وبحر قزوين مصدراً هاماً للطاقة الرخيصة، كما يقلل الاعتماد على نفط الخليج العربي في إطار المسعى الأمريكي لتنويع مصادر الطاقة من النفط والغاز الطبيعي، ومن أجل هذا الغرض قام البيت الأبيض في عام 1994 بإصدار وثيقة بعنوان (استراتيجية الأمن القومي للارتباط والتوسيع)، وقد نصت هذه الوثيقة على إمكانية استخدام نفط وغاز بحر قزوين من أجل تنويع مصادر الطاقة، مما يؤدي إلى تقليل الاعتماد الأمريكي على مصادر الطاقة من منطقة الخليج العربي، وقد ذكرت تقارير وكالة الطاقة الدولية كيف تطورت مراحل سيطرة الشركات الأمريكية على موارد الطاقة في المنطقة، وذلك على النحو التالي :

1- ففي /24/ 10 1993 تم الاتفاق بين الحكومة الأذرية والكونسورتيوم الذي يضم عدد شركات النفط المحلية والدولية والأمريكية على استثمار حقلي Chirag-Azeri وقد بلغت حصص بعض الشركات الأمريكية في هذا الكونستوريوم، مثل شركة أمكو Amoco حوالي 17.1% وكان نصيب شركة يونيكال Unocal حوالي 15 % وشركة بانازول Penzoil حوالي 9.81 % من المشروع.

2- في /14/ 08 1994 قام الرئيس الأذربيجاني بزيارة واشنطن واتفق على توقيع ثلاث عقود مع كل من الشركات الأمريكية Exxon - Mobil-Chevron، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية تعاون مع شركة Amoco الأمريكية هذه الاتفاقية تتيح للشركة الحق الاستثنائي في إجراء المباحثات وقد نص حول حقل Inam، وقد نص العقد الأول على استكشاف واستثمار حقلApshereon جنوب بحر قزوين والذي بموجبه حصلت شركة Chevron على 30 %من المشروع والحق في ممارسة عملية التنقيب، أما العقد الثاني فيهتم بالتنقيب في حقل Tagiev.Z بواسطة شركتينExxon- Aioc، حيث تحصل كل منهما على 50 %من أسهم المشروع، أما العقد الثالث فتم توقيعه بين شركتين Aioc -Mobil بخصوص حقل Ogaz الموجود شرقي باكو وينص هذا المشروع على تكافؤ المساهمة بين الشركتين الأمريكيتين والأذربيجانية، لكنه يعطي الحق في مباشرة عملية المشروع إلى شركة "موبيل" الأمريكية .

3- وفي 2/12/1995 بدأت شركة Caspian International Company في عملها في أذربيجان، حيث قامت بعملية استكشاف في حقل "كاراباخ" وهي شركة أمريكية مشتركة وفي الفترة 6-9/4/1997 عقد مؤتمر في دالاس حول منطقة بحر قزوين .

4- عرضت فيه شركة "هوستن" Houston أكبر مجموعة من التقارير والخرائط وقواعد البيانات حول منطقة بحر قزوين، وفي 11/ 05 /1998 قامت وكالة الطاقة الأمريكية بعقد مؤتمر حول احتياطات الطاقة في منطقة بحر قزوين وأجرت مسحا استراتيجياً للمنطقة، وفي 11/ 05 /1998 وضعت شركة "سوكار (Socarتقريراً حول كمية الغاز الطبيعي القابلة لاستخراج وقدرتها بحوالي 15 مليار م3 وفي 20/5/1998، شركة قدمت "First Exchange Crop" (FEC) عدة مشاريع استثمارية في بحر قزوين وخاصة في كل من كازاخستان وأذربيجان وتركمنستان .

5- وفي يومي 25- 26/ 06/ 1998 عقد مؤتمر دولي في مركز التجارة العالمي في نيويورك من أجل بحث مشاكل النفط والغاز الطبيعي وخطوط أنابيب نقل الغاز الطبيعي في منطقة بحر قزوين، وفي 13/ 11 /1998 وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على تمويل مشروعات البنية التحتية اللازمة لصناعة النفط والغاز الطبيعي في تركمنستان .

6- وفي 11/ 10/ 1999 شرعت شركة "شيفرون" Chevron الأمريكية بالتباحث مع حكومة كازاخستان على صفقة شراء 25 % من استثمارات حقل تنجيز "Tengiz "وفي 02/ 11 /1999، قامت الولايات المتحـدة الأمريكية بتقديم منحة تقدر قيمتها بـ 425 ألف دولار لدراسة إمكانية إنتاج وتطوير حقول الغاز في أذربيجان حيث تقوم بهذه الدراسة شركة Enron .

يتضح لنا من العرض السابق لنشاط الشركات الأمريكية في منطقة القوقاز وبحر قزوين مدى اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على موارد الطاقة في المنطقة، كما أنها لم تكتف بتواجد شركاتها النفطية في المنطقة، بل سعت إلى السيطرة على منابع النفط والغاز الطبيعي في المنطقة، بالإضافة إلى رغبتها في السيطرة على أنابيب نقل النفط والغاز الطبيعي إلى الأسواق العالمية، حيث قامت بتنويع طرق تصدير النفط والغاز الطبيعي عبر عدة دول حول منطقة بحر قزوين، وقد جاءت هذه السياسة بهدف التحكم في سيطرة روسيا وإيران على موارد الطاقة في المنطقة .

وهنا يمكن القول بأن حقق الغزو الأمريكي لأفغانستان عدة مكاسب اقتصادية للولايات المتحدة أهمها:

أ- السيطرة على نفط بحر قزوين:

إن أحد الدوافع الرئيسية الغزو الأمريكي لأفغانستان هو السيطرة على منطقة قلب آسيا المليئة بالنفط، بما يضمن تنويع مصادر الطاقة العالمية وتقليل الاعتماد الأمريكي على نفط الخليج العربي الذي يصعب السيطرة عليه حيث يعد بحر قزوين ثالث أكبر احتياطي للنفط والغاز الطبيعي في العالم، لاسيما وأن الفريق السياسي الجمهوري الذي أدار الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان، هو نفسه الذي خاض- قبل عشر سنوات- الحرب في الخليج من أجل النفط (آل بوش – ديك تشينى- كولن باول)، ومن ثم يجيئ تحالف بوش – تشينى السياسي من خلفية تحالف المصالح البترولية .

وجدير بالذكر أن معهد النفط الأمريكي في واشنطن والذي يعتبر صوت شركات النفط الرئيسية اعتبر إقليم بحر قزوين الغنى بالنفط بديلاً لنفط الشرق الأوسط، وتختلف التقديرات المتنوعة في تقييم حجم الاحتياطات التي يمتلكها بحر قزوين من النفط والغاز، وإن اتفق الخبراء على أن المنطقة تأتى على الصعيد العالمي بعد منطقة الشرق الأوسط وقبل بحر الشمال، من حيث الاحتياطات وفقاً للتقديرات التي قدمتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فإن حجم الاحتياطي النفطي المؤكد لبحر قزوين يصل إلى 10 بلايين برميل والاحتياطي المحتمل بليون برميل، كما تتميز المنطقة بوجود كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، حيث يصل الاحتياطي المؤكد للغاز الطبيعي إلى 170,4 تريليون متر مكعب، وقد بلغت صادرات منطقة بحر قزوين من النفط خلال عام 2001م حوالى 920 ألف برميل سنوياً .

إن هاجس السيطرة على منابع النفط عالمياً غدا متحكماً في توجهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ومن ثم مبرراً لغزو أفغانستان التي وإن افتقرت في ذاتها إلى الثروة النفطية، إلا أنها تقع على تقاطع طرق تصدير هذه الثروة صوب الغرب .

2- دعم مصالح شركات النفط الأمريكية:

يمكن القول بأن مصالح شركات النفط الأمريكية قد شكلت ضغطاً متزايداً على الإدارة الأمريكية، للقيام بدور قيادي أكثر في دول جنوبي القوقاز وآسيا الوسطي، لا سيما في ظل تنامى مصالح شركات النفط الأمريكية منذ النصف الثاني في عقد التسعينيات، وكان لزاماً على الولايات المتحدة ترجمة هذه المصالح الواسعة إلى أهداف سياسية، بما يكفل حصول الشركات الأمريكية على أكبر حصة ممكنة من كعكة بحر قزوين النفطية، وهنا لنا أن نؤكد على أهمية "موقع أفغانستان" في إطار هذا التحرك الأمريكي للسيطرة على نفط منطقة بحر قزوين التي غدت بيئة مواتية لتنافس اقتصادي محتدم بين بعض الشركات النفطية العالمية في الولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا، والخليج، وآسيا التي تتولي مشروعات إنتاج النفط في جمهوريات آسيا الوسطي، وتوصيله إلى الأسواق العالمية .

ولعل أبرز الحالة الدالة على مثل هذا التنافس المحتدم أو الصراع بالأحرى، تلك التي طرفاها الأساسيان شركة "بريداس" الأرجنتينية من جانب وشركة "يونكال" الأمريكية من جانب آخر من أجل مد أنبوب مشترك من تركمانستان إلى أسواق الغاز في شبه القارة الهندية، وإلى مجمع لتصدير النفط بالقرب من كراتشي في باكستان لأن هذا الأنبوب المشترك كان من المفترض أن يمر عبر إقليم غرب أفغانستان الى كانت تسيطر عليه طالبان في ذلك الوقت .

وبإلإضافة إلى ذلك فقد تم إعلان الحرب الأمريكية على أفغانستان بعد أسبوع من إعلان "شيفرون وتكساكو" (وهما من كبري شركات النفط الأمريكية) عن اتحاد بينهما في هيئة كاتل بلغ حجم ميزانيته 100 مليار دولار واحتياطاته الصافية 11,5 مليار برميل من النفط وإنتاجه 2,7 مليون برميل من النفط ويدخل حقل "تنكيز" النفطي في كازاخستان والذي لا يبعد كثيراً عن أفغانستان في إطار شبكة الإنتاج النفطي لهذا الاتحاد، وهو ما يعد مسوغاً إضافياً لاحتلال أفغانستان . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال الخامس نعود ونكمل حدثنا عن البعد الحقيقي لعزو الولايات المتحدة لأفغانستان وذلك عقب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، وفي هذا نقول: هذه الحقائق جعلت من الصين العائق الاستراتيجي الأكبر أمام مشروع الهيمنة الكونية للولايات المتحدة باعتبار " التحدي الأصعب"، لأن الصين خلافاً للاتحاد السوفيتي، ليست دولة عسكرية جبارة، تقوم على اقتصاد ضعيف، وإنما لها اقتصاد قوي يبنى قوة عسكرية مؤثرة . هذه التحولات الجيوبوليتيكية الهائلة التي بعثها الصعود الصيني في آسيا الوسطي، أثارت قلقاً عميقاً لدي الحكومات الأمريكية، مما دفع إلى تشكيل مفاهيم ثلاثة بين: التشدد، الحل الوسط، واللين في مقاربة العلاقات الصينية – الأمريكية .

وتبرز إلى السطح في خضم النقاشات الدائرة، ضرورة احتواء الصين، ليس بمفهوم الاحتواء السائد في الحرب الباردة، ولكن بالعمل على كبح جماح النفوذ الصيني في المجالات الجيوسياسية في آسيا الوسطي، عن طريق توسيع التحالفات القديمة في الشرق الأقصى مع اليابان، وتطوير العلاقات مع دول آسيا وزيادة الوجود العسكري في مناطق مثل آسيا الوسطي.

وتأتى آسيا الوسطي على رأس المجالات الجيوسياسية المهمة وإحدى مناطق الضغط المهمة في حالة الصراع مع الصين، فهي تشكل قاعدة مهمة وقريبة من أقاليم التوتر الصيني (التبت) مثلاً، وهو إقليم قد يُعد أحد مفاتيح التدخل ضد الصين في المستقبل، وتدخل هذه الاستراتيجية في حسابات سياسة التطويق الأمريكي للصين من الغرب، لمنع التمدد الاستراتيجي الصيني في آسيا الوسطي، كمنطقة مهمة في حسابات أمن الطاقة للصين، التي باعتبارها واحدة من أهم موارد الطاقة للاقتصاد الصيني. فالتواجد الأمريكي عسكرياً في المنطقة يفرض التحكم في خطوط نقل إمدادات الطاقة نحو الصين .

وتتلخص الأهداف الاستراتيجية الأمريكية من احتوائها للصين في نقطتين أساسيتين:

النقطة الأولي: استغلال التماس الجغرافي بين الصين وآسيا الوسطي، لتشكيل نوع من العزل الاستراتيجي لمنع التمدد الصيني نحو الغرب بعدما أحكمت التطويق من الشرق وجنوب شرق، حيث اليابان وكوريا الجنوبية، لتشكيل تحالف استراتيجي مع الصين، لمجابهة أمريكا الخطر المشترك .

النقطة الثانية: باعتبار آسيا الوسطي حسب النظرية الأوراسية – الأمريكية محوراً جيوبوليتيكياً حاجباً للموارد ومعيقاً للتمدد الاستراتيجي للاعبين الاستراتيجيين، فإن الاستراتيجية الأمريكية في آسيا الوسطي، تسعي إلى حجب موارد المنطقة عن الصين، خاصة النفط، والغاز، واليورانيوم المفاتيح الأساسية للاقتصاد الصيني، فالتحكم في النفط والغاز القادم من آسيا الوسطي، عامل أساسي في استكمال حلقات احتواء الصين من الغرب، عن طريق الانتشار العسكري، وتعزيز التحالفات مع الدول المحيطة بالصين.

العنصر الثالث: محاصرة إيران: ما بعد الاحتواء المزدوج:

تهدف الولايات المتحدة الأمريكية من خلال حضورها العسكري المباشر في آسيا الوسطي، والذي أتاحته ترتيبات ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والحرب العالمية علي الإرهاب إلي استكمال حلقات الاحتواء المزدوج (السياسة التي كانت بدأتها إدارة الرئيس بيل كلينتون لاحتواء إيران والعراق) لمحاصرة إيران من الجهة الشرقية، بعدما أنهت احتواءها للعراق، واحتلاله وإيجاد موطئ قدم للقوات الأمريكية علي حدود إيران الغربية؛ حيث القوات الأمريكية في العراق والخليج العربي، وفي الوقت الذي تسعي فيه الولايات المتحدة إلي دمج مصالحها في الشرق الأوسط بمصالحها في آسيا الوسطي وأوراسيا، من خلال استراتيجية الاحتواء الشامل، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يمتد علي مساحة جغرافية من المحيط الأطلسي إلي شرق أفغانستان، وتظل إيران الدولة الوحيدة المنتمية إلي المنطقة، والتي تنهج سلوكاً في سياستها وأدوارها الإقليمية مغايراً للمعايير الأمريكية، فحسب بريجينسكي، فإن إيران هي دولة مشاغبة جيو سياسياً ومصدر تشويش استراتيجي، وهي بمثابة القاسم المشترك لكل مشاكل الولايات المتحدة، بالرغم من كونها دولة محورية جيو سياسية في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية. ويستدل المسؤولون الأمريكيون علي مدي تهديد إيران للاستراتيجية الأمريكية من سيل الاتهامات الموجهة ضد إيران، والمتمثلة في رعاية الإرهاب ومعارضة العملية السلمية وتخريب الجهود الدولية لإحلال السلام في الشرق الأوسط، علاوة علي سعيها لامتلاك السلاح النووي وتطويرها لأسلحة الدمار الشامل.

وفقا للتصور الاستراتيجية الأمريكي، فإن الولايات المتحدة تسعى إلى تعميق عزلة إيران الخارجية من خلال تحجيم الصلات الاقتصادية بينها وبين دول العالم عن طريق فرض عقوبات اقتصادية ومالية على الأطراف المتعاملة مع النظام الإسلامي في إيران، وقد سنت الولايات المتحدة لهذا الغرض قانون داماتو في 1996م، والذي مدده الكونجرس في عهد إدارة بوش الابن لمدة 5 سنوات أخري، ويقضي بفرض عقوبات على أية شركات تستثمر أو تتعامل مع إيران، وهو ما يمليه التواجد الأمريكي في آسيا الوسطي، فقد عارضت الولايات المتحدة الأمريكية كل مشاريع النفط والغاز التي تمر عبر الأراضي الإيرانية والقادمة من آسيا الوسطي وبحر قزوين، كما تهدف الولايات المتحدة الأمريكية إلي إشغال إيران بنفسها وبمشكلاتها الداخلية من جراء سياسة التطويق والحصار من الشرق والغرب، حتي لا تكون مصدر أذي في الخارج، وعندما نترجم ذلك الي مصطلحات السياسة، فإن ذلك يعني – ضمناً- إنشاء أطراف شريرة مستقلة، وهذا من مصطلحات الحرب الباردة، تتعاون معها الولايات المتحدة لاحتواء الخصوم الأكثر تهديداً، وفي حالة إيران، تسعي الولايات المتحدة إلى إحاطة إيران بخصوم من ذات المصفوفة الحضارية، وهى الدول الإسلامية للجوار الإيراني من الجهات الثلاث: تركيا في الشمال الغربي، والعراق في الغرب، وباكستان، وأفغانستان، ودول آسيا الوسطي في الشرق والشمال الشرقي، وهى كلها دول إسلامية سنية المذهب مقاومة لإيران وهى دولة شيعية المذهب. فالغاية هي أن تكون إيران محاطة بأطراف شريرة سنية، من أجل إثارة الانقسامات، وإثارة حرب أهلية إسلامية، وذات الأمر تقوم به الولايات المتحدة في الخليج عن طريق التهويل من الخطر الإيراني وبرنامجه النووي والهلال الشيعي المتشكل في الشرق الأوسط، وقد أفضي ذلك إلى تشكل ما تسميه السياسة الأمريكية محور الاعتدال العربي في مواجهة محور التطرف الإيراني .

وتتلخص الأهداف الأمريكية من احتوائها لإيران عبر آسيا الوسطي في النقاط التالية:

1- تحجيم الصلات الاقتصادية والتجارية بين الجمهورية الإسلامية في آسيا الوسطي والجمهوريات الإسلامية الإيرانية .

2- استكمال حلقات الطوق الأمريكي على إيران ومحاصرتها من الشرق، بعد ما تم لها ذلك من جهة الغرب والخليج العربي .

3- مراقبة التوجهات الإيرانية نحو آسيا وأوراسيا، من خلال التحرك الإيراني النشط على المحور الصيني- الروسي.

4- نزع ورقة الطاقة ونقل الإمدادات النفطية والغازية من آسيا الوسطي وبحر قزوين عبر إيران، باعتبارها تمثل الممر الجغرافي الأكثر أماناً والأقرب والأقل تكلفة.

5- الاحتواء الفكري لإيران.

بناء على ما سبق يتبين لنا أن ساحة الحرب على الإرهاب تقع في آسيا الوسطي (بالقرب من بحر قزوين)، حيث إن تلك البقعة تشكل أهمية كبري، وعمقاً استراتيجيا للولايات المتحدة لكونها تقع في منطقة تتوسط تقاطع التهديد الثلاثي (الصين، وروسيا، إيران)، ولمنع هذا التهديد من الظهور، تبنت الولايات المتحدة سياسة الحرب الاستباقية، بهدف التواجد المباشر بالقرب من هذه الدول، ومؤشر ذلك التوسع العسكري السريع الذي تقوم به واشنطن على مدي آلاف الأميال التي تمتد من البلقان إلى حدود الصين، هذا التوسع أحاط بالقوقاز ووسط آسيا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية من "كامب بوندستيل" Camp Bondsteel في كوسوفو بعد حملة حلف الأطلسي عام 1999م، إلى قاعدة بيشكك الجوية في قيرغيزستان بعد التواجد الأمريكي في أفغانستان، ويعمل الأمريكيون على إنشاء حضور عسكري في أماكن لم يكونوا فيها من قبل . بالإضافة إلى وجود 13 قاعدة جديدة في تسعة بلدان تحيط بأفغانستان أنشأت بسرعة مما جعل جنوب روسيا مسرحا أمريكيا للمرة الأولى.

بالإضافة إلى دول شرق أوربا التي تشكل حاجزاً أمام احتمال أي توسع روسي مستقبلي، فإن دول وسط آسيا، أو دول القوقاز، وبحر قزوين، تتميز إلى جانب أهميتها كحاجز، بثروة نفطية من شأنها توفير عنصر القوة الاقتصادية لمن يهيمن عليها، وهى قوة لم يقم الاتحاد السوفيتي السابق باستغلالها، أو لم يكن قادراً على ذلك، كذلك فإن هذه الدول الأسيوية الإسلامية الجديدة هي دول ليست متقدمة، وهى مصنفة عالمياً ضمن ما يعرف بالعالم الثالث، وفي هذا المجال ومقارنة مع دول الشرق الأوسط التي تصنف كذلك من دول العالم الثالث، ولذلك أصبحت المنطقتان تنتميان جيوبوليتيكيا إلى مستطيل يمتد من جنوب روسيا مكون من دول غنية بالنفط والغاز، ولا تملك الأموال ولا التكنولوجيا ولا القدرة السياسية والاقتصادية للسيطرة على ثرواتها ومقدراتها، وبهذه الصورة تتكشف خلفيات الأهداف الأمريكية منها ما كانت معلنة وغير معلنة، والتي تسعى من خلالها لتمرير سياساتها وطرح مبررات تدخلها في أماكن كثيرة من العالم وتحديداً في العراق لأحكام السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وأفغانستان بوابة الدخول إلى منطقة آسيا الوسطي والتواجد العسكري بالقرب من الأعداء القائمين أو المحتملين، وبهذه الصورة تكون الولايات المتحدة، قد نفذت أهدافها الاستراتيجية العالمية من المنظور العملي، وذلك تحقيقاً لجانب التخطيط النظري، والتى رسمها المفكر الاستراتيجي " الفرد ماهان" Alfred Maha (1840-1914م)، التي تنص على:" إن من يحكم شرق أوربا، يسيطر على منطقة القلب، ومن يحكم منطقة القلب يسيطر على الجزيرة العالمية، يسيطر على العالم كله ".

فإمساك الولايات المتحدة على هذه المواقع الجغرافية الهامة، وسيطرتها على ثرواتها الواعدة من نفط وغاز وغيرها، تكون قد أنهت سيطرتها العسكرية المباشرة على العالم، بحيث لا تبقي قارة أو إقليم يخلو من الوجود العسكري الأمريكي المباشر، مما يعنى أن مسألة التفكير الروسي، للعودة إلى المياه الدافئة والشرق الأوسط أمر صعب التحقيق حالياً، وأن نهوض المارد الصيني مستقبلاً أصبح بعد التواجد العسكري الأمريكي، بالقرب منه في حكم المهمة الصعبة، كذلك للحد من الدور الهندي الصاعد، وبات الرهان على باكستان رهاناً محفوفاً بالخطر الكبير، بعد أن أصبحت هدفاً تحت السيطرة المباشرة للجيوش الأمريكية.

ولكن وفي ظل هذا الوضع الجديد الذي يحقق للولايات المتحدة حرية التحرك باتجاه استكمال التحكم والسيطرة على أهم مناطق العالم (قلب العالم) والمعرفة بغالبها تقع ضمن أراضِ عربية وإسلامية، والتي لم يكن للولايات المتحدة السيطرة عليها عسكرياً، لولا ظروف استثنائية تمثلت بفرصة أحداث 11 سبتمبر 2001م وانطلقت مع الحرب على الإرهاب.

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ستستمر تلك الظروف التي تعانى منها شعوب العالم الإسلامي، نتيجة غطرسة القوة الأمريكية وانفرادها في القرار الدولي، وغزوها للعراق ومن قبلها أفغانستان ودعمها للاحتلال الاسرائيلي وتشريد شعبه، وتدخلاتها المستمرة في الشؤون العربية والإسلامية؛ بمعنى هل من الممكن للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة "باراك أوباما" Barack Obama بإجراء تبديل أو على الأقل تعديل في استراتيجية أو عقيدة إدارة بوش الابن تجاه قضايا العالم الإسلامي أم ستبقي الأمور على ما هي عليه؟ وهل بالإمكان التكهن بحصول مفاجآت غير متوقعة في الشؤون الداخلية والخارجية للولايات المتحدة؟ .

خلاصة القول إن الهدف الأسمى من غزو الولايات المتحدة لأفغانستان من الناحية العسكرية، يتمثل في وضع موطئ قدم في منطقة آسيا الوسطي، وهو ما يعمد على إفساد طبخة التضامن الروسي – الصيني والعمل على التقارب بين موسكو وواشنطن، خاصة لما لهذه المنطقة من أهمية لروسيا في السيطرة على نصف القارة الأوربية وعلى مد نفوذها إلى أجزاء متعددة من الشرق الأوسط وشرق آسيا، ولم يكن غزو أفغانستان مجرد فعل تلقائي، باعتبار أن منطقة أوراسيا عبارة عن محيط من الثروة النفطية، فاختيرت أفغانستان لتكون نقطة ارتكاز وقاعدة أمريكية لعملياتها العسكرية في أوراسيا، ويبقي الدوافع الخفية لذلك، هو مواجهة تحديات نمو الصين في أوراسيا وتمدد علاقتها النفطية مع دول الجمهوريات الإسلامية، وكذا إبعاد الجار الروسي وتقزيم دوره في المنطقة، وإحكام السيطرة على قواعد اللعبة الدائرة بين شركات متعددة الجنسيات في مجال النفط، والغاز والخدمات البترولية التي تنتمي لعدة دول غربية وروسية وهندية، لكن بالرغم ما خطط له في شن الضربات الاستباقية في إطار" الحرب العادلة "، إلا أنها عجزت عن احتواء ذلك الخطر الذي يمثل تحولاً في منطق الحرب ودلالتها، وعدم التحكم الذكي في الوضع بفتح جبهة جديدة لنفوذ قوي أخري صاعدة خاصة روسيا والصين، لذا عمدت أمريكا في فتح جبهة جديدة في علاقتها مع القوي الإقليمية خاصة تركيا محور القارة الأوراسية فما وراء ذلك التقارب – الأمريكي في المنطقة... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط